Полный текст (2 236 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» ) .
ــ
[المنتقى]
نَجَّى اللَّهُ فِيهِ بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى ﵇ فَقَالَ أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قُرَيْشٌ تَصُومُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُهُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ فَلَمَّا بُعِثَ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَمَّا هَاجَرَ وَعَلِمَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ نَسَخَ وُجُوبَهُ (فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ مِنْ وَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ فِعْلِهِ لَهُ وَمِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ بِهِ وَقَوْلُهُ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتَرَكَ عَاشُورَاءَ يُرِيدُ أَنَّ رَمَضَانَ لَمَّا فُرِضَ وَرَدَ الشَّرْعُ بِنَسْخِ وُجُوبِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَلَيْسَ فِي الْأَمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ وُجُوبِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ إلَّا أَنَّهُ قُرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ الْفَرْضِ مِنْ الصَّوْمِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ﷺ فِي قَوْلِهِ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَنْ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ لَاحِقٌ بِسَائِرِ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يُمْنَعْ صَوْمُهَا وَلَا وَجَبَ وَلَكِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ وَأَنَا صَائِمٌ «فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» قَالَ أَشْهَبُ صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُسْتَحَبُّ لِمَا رُجِيَ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَأَنَا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» ) .
ش قَوْلُهُ يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اسْتِدْعَاءَهُمْ لِيَسْمَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهُ وَيُبَلِّغُوهُ عَنْهُ وَيَكُونُ عِنْدَهُمْ مِنْهُ عِلْمٌ فَيُوَافِقُوهُ وَيُبَلِّغُوهُ إلَى النَّاسِ مَعَهُ وَقَوْلُهُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِهَذَا الْيَوْمِ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَمْ يَفْرِضْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ وَلَا أَوْجَبَهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ قَدْ كَانَ نُسِخَ بِرَمَضَانَ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ قَالَ إنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَتْ شَرِيعَةً لَنَا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهُ عَلَيْكُمْ، وَإِنَّمَا أَمَرْتُكُمْ أَنَا بِصِيَامِهِ رَجَاءَ الْفَضْلِ فِيهِ لِصِيَامِ مُوسَى لَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَا صَائِمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَنْبِيهًا عَلَى فَضِيلَةِ الْيَوْمِ أَوْ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهِ، ثُمَّ قَالَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ تَصْرِيحٌ بِالتَّخْيِيرِ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ فِيهِ عِنْدَ نَسْخِ صَوْمِهِ الْمَنْعُ مِنْهُ جُمْلَةً.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَرْسَلَ إلَى الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَنَّ غَدًا يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَصُمْ وَأْمُرْ أَهْلَكَ أَنْ يَصُومُوا) .
ش قَوْلُ عُمَرَ إنَّ غَدًا عَاشُورَاءَ هُوَ اسْمُ الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ الْيَوْمُ التَّاسِعُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَشْرِ فَكَانَ أَظْهَرُ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ بَلْ يَلْزَمُهُ وَيَخْتَصُّ بِهِ وَأَمَّا الْيَوْمُ التَّاسِعُ فَإِنَّمَا سُمِّيَ التَّاسُوعَاءُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ إرْسَالَ عُمَرَ بِذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ لِيَتَمَكَّنَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنْ تَبْيِيتِ صِيَامِهِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ خَصَّ بِأَنْ لَمْ يُبَيِّتْ صَوْمَهُ حَتَّى أَصْبَحَ أَنْ يَصُومَهُ أَوْ بَاقِيَهُ إنْ أَكَلَ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ إلَّا بِنِيَّةٍ قَبْلَ الْفَجْرِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ وَأَمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ فَإِنَّ هَذَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ لَمَّا عَلِمَ صَوْمَ مُوسَى لَهُ فَإِنَّهُ طَرَأَ عِلْمُ الْوُجُوبِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَكَانَ عَلَيْهِمْ الْإِمْسَاكُ وَلِذَلِكَ أَمَرَ مَنْ أَكَلَ بِالصِّيَامِ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ رَمَضَانَ بَعْدَ مُضِيِّ
стр. 422
صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ» يُرِيدُ يَوْمَ فِطْرِ النَّاسِ مِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ وَهُوَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ (وَيَوْمِ الْأَضْحَى يُرِيدُ يَوْمَ النَّحْرِ) .
ــ
[المنتقى]
صَدْرٍ مِنْهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُمْسِكَ أَكَلَ أَوْ لَمْ يَأْكُلْ وَلَا يَدُلُّ تَرْكُهُ الْأَمْرَ عَلَى الْإِجْزَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ ثَانٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ عَدَمَ أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ لَا يَدُلُّ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
[صِيَامُ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالدَّهْرِ]
(ش) : وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ أَمَّا يَوْمُ الْأَضْحَى فَتَأْكُلُونَ مِنْ نُسُكِكُمْ وَأَمَّا يَوْمُ الْفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَهَذَا الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ يَوْمُ الْفِطْرِ أَنَّهُ فَصْلٌ لِلصَّوْمِ الْمُفْتَرَضِ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ التَّطَوُّعِ فَلَوْ جَازَ صَوْمُهُ لَاتَّصَلَ التَّطَوُّعُ بِالْفَرْضِ وَلَأَشْكَلَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ شَعْبَانَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ تَطَوُّعًا شَهْرُ رَمَضَانَ وَاسْتِقْبَالُ النَّاسِ لَهُ يَمْنَعُ مِنْ اتِّصَالِهِ بِشَعْبَانَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ فَإِنَّ اسْتِقْبَالَهُ بِالصَّوْمِ لَا يُسْمَعُ وَلَا يَشِيعُ فَلَوْ لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَهُمَا بِفِطْرٍ لَأَشْكَلَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَهِيَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ أَنَّهُمَا كَانَا يَصُومَانِهَا وَلَعَلَّهُمَا إنَّمَا كَانَا يَصُومَانِهَا أَوْ يَأْمُرَانِ بِصِيَامِهَا عِنْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ فَإِنَّ عُرْوَةَ يَرْوِي عَنْ عَائِشَةَ لَا يَصُومُهَا إلَّا الْمُتَمَتِّعُ لَا يَجِدُ هَدْيًا.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ بِإِجْمَاعٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ اعْتَكَفَهَا فَصَامَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ صِيَامِهَا ابْتِدَاءُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ تَصُمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ وَمِنْ وِجْهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ فَأَشْبَهَتْ الْفِطْرَ وَالْأَضْحَى، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَصُومَهَا فِي الْفِدْيَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَهَا عَنْ ظِهَارٍ؟ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ فِي مُبْتَدَأِ صَوْمِ الظِّهَارِ زَادَ فِي الْمُزَنِيَّة أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ نَسِيَ أَوْ غَفَلَ فَأَفْطَرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَصَامَ أَيَّامَ مِنًى وَوَصَلَ قَضَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ بِصِيَامِهِ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَهُ وَيَبْتَدِئَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَالَ فِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ وَابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَرَى أَنْ يُفْطِرَ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَلَّمْت مَالِكًا فِيهِ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ أَرَى أَنْ يَبْتَدِئَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذَا رَأْيِي وَلَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِي خَطَأٍ خَالَفَ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ .
وَقَالَ أَشْهَبُ مَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِ مِنًى عَنْ تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ فَلْيُفْطِرْ مَتَى ذَكَر فَإِنْ أَتَمَّهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ وَاجِبٍ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ يَصِحُّ صَوْمُهُ عَنْ الْهَدْيِ فَصَحَّ صَوْمُهُ عَنْ غَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ فَلَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ عَنْ وَاجِبٍ وَلَا تَطَوُّعٍ، وَإِنَّمَا صَحَّ صَوْمُهُ بَدَلًا عَنْ الْهَدْيِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْحَجِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ مُفْرَدًا وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَصُومُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْطِرَهُ وَيَقْضِيَهُ وَلَا أُوجِبُهُ وَأَمَّا مَنْ نَذَرَ صَوْمَ عَامٍ مُعَيَّنٍ فَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصُومُ الْيَوْمَ الرَّابِعَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَصُومُهُ مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمٍ مُتَتَابِعٍ وَلَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ مُخْتَصَّانِ بِالْأَحْكَامِ فِي النَّحْرِ وَالتَّكْبِيرِ بِأَثَرِ الصَّلَوَاتِ وَلُزُومِ الرَّمْيِ فِيهِمَا لِلْمُتَعَجِّلِ وَكَانَتْ فِيهِمَا أَحْكَامُ الْعِيدِ آكَدُ وَهَذَا لِمَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ فَمَرِضَ أَوْ مَنَعَهُ أَمْرٌ غَالِبٌ حَتَّى وَافَاهُ الْأُضْحِيَّةُ وَأَمَّا مَنْ ابْتَدَأَ صِيَامَ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ صَوْمَهُ سَيَنْقَطِعُ أَوْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ
стр. 423
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ إذَا أَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى فِيمَا بَلَغَنَا وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّك تُوَاصِلُ فَقَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ» .
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ عِلْمَهُ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَتَرَجَّحَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُجْزِئُهُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ شَرَعَ فِي صَوْمِهِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَتَتَابَعُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ كَمَا لَوْ نَوَى تَفْرِيقَهُ فِي شَوَّالٍ وَذِي الْقِعْدَةِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ نَوَى التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ مَا يَصِحُّ صَوْمُهُ مِنْ مُدَّةِ صَوْمِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَا يُفْسِدُ تَتَابُعَهُ الْفِطْرُ فِي مُدَّةٍ لَا يَصِحُّ صَوْمُهَا كَالْفِطْرِ فِي اللَّيْلِ وَفِطْرِ الْمَرْأَةِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ ذَلِكَ إلَى الضَّعْفِ وَأَفْطَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمِهَا.
وَقَالَ هَذَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَمَنْ فَعَلَهُ آثِمٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَلَمْ يَخُصَّ صَوْمًا مِنْ صَوْمٍ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا عَمَلٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَدَامَ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَصِحُّ فِعْلُهُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
[النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ يُرِيدُ وِصَالَ صَوْمِ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ آخَرَ وَظَاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ وَالتَّحْرِيمَ إلَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ تَلَقَّوْهُ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّخْفِيفِ عَنْهُمْ وَلِذَلِكَ وَاصَلُوا بَعْدَ نَهْيِهِ لَهُمْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَأَيّكُمْ مِثْلِي إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ» كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا فَفِي هَذَا دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ لَمْ يُخَالِفُوهُ بِالْمُوَاصَلَةِ كَمَا لَمْ يُخَالِفُوهُ بِصَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى لَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ وَاصَلَ بِهِمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا وَاصَلَ بِهِمْ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّك تُوَاصِلُ اسْتِعْلَامًا مِنْهُمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ أَوْ لِمَعْنًى مَا يَخَافُهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الضَّعْفِ وَيُرِيدُهُ بِهِمْ مِنْ الرِّفْقِ فَقَالَ ﷺ «إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» يُرِيدُ ﷺ أَنَّ مِنْ هَذَا غَيْرُ حَالِهِمْ مِنْ طَرِيقِ قُوَّتِهِ عَلَى الصَّوْمِ بِمَا يُطْعِمُهُ اللَّهُ وَيَسْقِيه وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الزَّمَانَ مُخْتَصٌّ بِصَوْمِهِ دُونَ صَوْمِهِمْ، وَإِنَّمَا عَلَّلَ ذَلِكَ بِقُوَّتِهِ ﷺ بِمَا يُطْعِمُهُ رَبُّهُ وَيَسْقِيه وَلِذَلِكَ قَالَ حَدِيثُ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَبِيتُ يُطْعِمنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَحْظُورَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُطِيقُونَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ يُطْعَمُ وَيُسْقَى الْكِنَايَةَ عَمَّا يَخْلُقُ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الصِّيَامِ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يَتَأَذَّى بِالْوِصَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَلَوْ كَانَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُعْتَادَيْنِ لَمَا كَانَ مُوَاصِلًا وَلَكَانَ مُفْطِرًا
стр. 424
صِيَامُ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ (ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي قَتْلٍ خَطَأٍ أَوْ تَظَاهُرٍ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ يَغْلِبُهُ وَيَقْطَعُ عَلَيْهِ صِيَامَهُ أَنَّهُ إنْ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ وَقَوِيَ عَلَى الصِّيَامِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ وَهُوَ يَبْنِي عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ صِيَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْهَا الصِّيَامُ فِي قَتْلِ النَّفْسِ خَطَأً إذَا حَاضَتْ بَيْنَ ظُهْرَيْ صِيَامِهَا إنَّهَا إذَا طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ الصِّيَامَ وَهِيَ تَبْنِي عَلَى مَا قَدْ صَامَتْ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يُفْطِرَ إلَّا مِنْ عِلَّةِ مَرَضٍ أَوْ حَيْضَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ فَيُفْطِرَ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ) .
مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ (ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ الْأَمْرُ الَّذِي سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَصَابَهُ الْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ وَيُتْعِبُهُ وَيَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ إذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِي الصَّلَاةِ وَبَلَغَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا تَبْلُغُ صِفَتُهُ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْهُ صَلَّى وَهُوَ جَالِسٌ وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ وَقَدْ أَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ مِنْ الْمَرِيضِ فَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ» تَأْكِيدٌ فِي الْمَنْعِ لَهُمْ مِنْهُ لَعَلَّهُ لِمَا كَانَ يَخَافُهُ مِنْ الضَّعْفِ عَلَيْهِمْ بِالْوِصَالِ عَمَّا كَانَ أَنْفَعَ مِنْهُ بِالْجِهَادِ وَالْقُوَّةِ عَلَى الْعَدُوِّ مَعَ حَاجَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَيْهِ فَلَمَّا سَأَلُوهُ عَنْ وِصَالِهِ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ حَالَتَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ حَالَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُطْعَمُ وَيُسْقَى (مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْوِصَالُ وَيَصِحُّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُصَامُ زَمَنَ اللَّيْلِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلنَّهَارِ فَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ بِالصَّوْمِ فَلَا يَجُوزُ.
[صِيَامُ الَّذِي يَقْتُلُ خَطَأً أَوْ يَتَظَاهَرُ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامٌ لِقَتْلِ مَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ أَوْ لِتَظَاهُرٍ مَعَ عَدَمِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ مِنْ الصِّيَامِ شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] .
١ -
(فَصْلٌ) :
فَمَنْ شَرَعَ فِي صِيَامِ شَهْرَيْ التَّتَابُعِ فَعَرَضَ لَهُ مَرَضٌ أَوْ حَيْضٌ أَمْسَكَ عَنْ الصَّوْمِ حَتَّى يُمْكِنَهُ فَيَصُومُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَّرَهُ لِلضَّرُورَةِ فَمَتَى أَخَّرَ بَعْدَ الْإِمْكَانِ بَطَلَ التَّتَابُعُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ صَوْمِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ صَوْمِهِ مِنْ أَوَّلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ الْعُذْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ وَيَجْرِي النِّسْيَانُ مَجْرَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِزَازُ مِنْهُ فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَصِلَ أَيَّامَ الْقَضَاءِ وَالْحَيْضِ بِصِيَامِهِ أَوْ غَلِطَ فِي الْعَدَدِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَسْتَأْنِفُ صِيَامَ الشَّهْرَيْنِ، وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ فِي خَطَأِ الْعَدَدِ إنْ كَانَ هَذَا عَامِدًا بِخِلَافِ الْمُفْطِرِ نَاسِيًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ صَوْمِهِ وَيُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِزَازُ مِنْهُ وَأَمَّا مَا يُلْحِقُ بِهِ الْمَشَقَّةَ وَيُمْكِنُ مَعَهُ الصَّوْمُ كَالسَّفَرِ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، وَإِنْ أَفْطَرَ اسْتَأْنَفَ الصَّوْمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 425
النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنْ الْمَيِّتِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ صِيَامَ شَهْرٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ فَقَالَ سَعِيدٌ لِيَبْدَأ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِثْلُ ذَلِكَ)
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى أَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ
ــ
[المنتقى]
[مَا يَفْعَلُ الْمَرِيضُ فِي صِيَامِهِ]
ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرِيضَ إذَا شَقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَأَتْعَبَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] تَقْدِيرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَأَفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَمِقْدَارُ الْمَرَضِ الَّذِي يُبِيحُ ذَلِكَ لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُقَدِّرَ لِنَفْسِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀، وَاَللَّهُ أَعْلَم بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَبْلُغُ صِفَتَهُ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ إنَّ الْمَرِيضَ الَّذِي لَوْ تَكَلَّفَ الصِّيَامَ وَالصَّلَاةَ لَأَتَى بِهِمَا بِمَشَقَّةٍ وَتَعَبٍ فَلْيُفْطِرْ وَلِيُصَلِّ جَالِسًا وَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاَلَّذِي يُصِيبُهُ الضُّرُّ بَانَ مِنْ الْخَوَى فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ فَإِذَا بَلَغَ بِهِ مَا يُجْهِدُهُ فَلْيُفْطِرْ فَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْهُمَا وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وَلَكِنَّهُ تَقْدِيرٌ بِمَا تَيَقَّنَ أَنْ يَئُولَ إلَيْهِ وَذَلِكَ أَنْ يَخَافَ مِنْهُ وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنْ يَزِيدَ فِي مَرَضِهِ أَوْ يُجَدِّدَ لَهُ مَرَضًا غَيْرَ مَرَضِهِ أَوْ يُدِيمَ زَمَنَ مَرَضِهِ فَإِنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ يُبِيحُ لَهُ الْفِطْرَ وَمِثْلُ هَذَا الْمِقْدَارِ يُبِيحُ لَهُ الصَّلَاةَ جَالِسًا لِمَنْ خَافَ مِنْ الْقِيَامِ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلَمْ يَذْكُرْ دَوَامَ زَمَنِ مَرَضِهِ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ فِيمَا خَفَّ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَأَمَّا الْمَرَضُ الشَّدِيدُ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مَشَقَّةُ مَا يَتَكَلَّفُ مِنْ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ الَّذِي أَرَادَ أَشْهَبُ فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى جَوَازِ فِطْرِهِ لِمَشَقَّةِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ فَأَرْخَصَ اللَّهُ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ أَقْوَى عَلَى الصِّيَامِ مِنْ الْمَرِيضِ الَّذِي يُتْعِبُهُ الصِّيَامُ فَجَعَلَ جَوَازَ الْفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ بِيَسِيرِ الْمَشَقَّةِ دَلِيلًا عَلَى جَوَازِ الْفِطْرِ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ الصِّيَامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَصْلُ عِلَّةِ الْفِطْرِ فِي السَّفَرِ الْمَشَقَّةُ وَكَانَ مَشَقَّةُ الْمَرِيضِ أَشَدَّ فَبِأَنْ يُبَاحَ لَنَا الْفِطْرُ مَعَهَا أَوْلَى وَهَذَا احْتِجَاجٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ إلَّا لِخَوْفِ الْهَلَاكِ دُونَ مَا ذَكَرْنَا وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ خَافَ اعْتِرَاضَ مُعْتَرِضٍ بِهِ فَتَبَرَّعَ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
[النَّذْرُ فِي الصِّيَامِ وَالصِّيَامُ عَنْ الْمَيِّتِ]
(ش) : النَّذْرُ هُوَ مَا يَنْذِرُهُ الْإِنْسَانُ وَيُلْزِمُهُ نَفْسَهُ بِالْقَوْلِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّطَوُّعُ هُوَ مَا لَا يَلْتَزِمُهُ بِالْقَوْلِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ اخْتِيَارًا فَيَلْزَمُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ إتْمَامُهُ وَقَوْلُهُ لِيَبْدَأَ بِالنَّذْرِ قَبْلَ أَنْ يَتَطَوَّعَ كَلَامٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ قَدْ لَزِمَهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ وَالتَّطَوُّعُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَعْدَ مَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ فَمِنْ النَّظَرِ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا قَدْ لَزِمَهُ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَطَوَّعُ إنْ شَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَدَّمَ التَّطَوُّعَ صَحَّ صَوْمُهُ فِي التَّطَوُّعِ وَبَقِيَ النَّذْرُ فِي ذِمَّتِهِ وَقَدْ أَسَاءَ النَّظَرَ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَصِحُّ تَطَوُّعُهُ قَبْلُ إذَا نَذَرَهُ؛ لِأَنَّ الزَّمَنَ لَا يَخْتَصُّ بِصَوْمِ النَّذْرِ بَلْ يَصِحُّ فِيهِ التَّطَوُّعُ وَغَيْرُهُ وَهَذَا إذَا كَانَ النَّذْرُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصُومَ فِيهِ غَيْرَهُ فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ بِنَذْرِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ نَذْرِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ صَوْمَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا مَضَى زَمَنُ النَّذْرِ وَلَمْ يَصُمْهُ فِيهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ تَعَلَّقَ قَضَاءُ صَوْمِهِ بِذِمَّتِهِ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّذْرِ الَّذِي لَمْ يَتَعَيَّنْ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ.
(ص) : (قَالَ يَحْيَى سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ مِنْ رَقَبَةٍ يُعْتِقُهَا أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ بَدَنَةٍ فَأَوْصَى أَنْ يُوَفَّى ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنَّ الصَّدَقَةَ وَالْبَدَنَةَ فِي ثُلُثِهِ وَهُوَ مُبَدَّأٌ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَصَايَا إلَّا مَا كَانَ مِثْلَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ مِنْ النُّذُورِ وَغَيْرِهَا كَهَيْئَةِ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنَّمَا يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ خَاصَّةً دُونَ رَأْسِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِهِ لَأَخَّرَ الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَيَّ أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ) .
стр. 426
الْمُتَوَفَّى مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَصَارَ الْمَالُ لِوَرَثَتِهِ سَمَّى مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَتَقَاضَاهَا مِنْهُ مُتَقَاضٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَهُ أَخَّرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ حَتَّى إذَا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ سَمَّاهَا وَعَيَّ أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ) .
مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَخِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَطَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَهَدْنَا قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ " الْخَطْبُ يَسِيرٌ " الْقَضَاءَ فِيمَا نَرَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَخِفَّةَ مُؤْنَتِهِ وَيَسَارَتَهُ، يَقُولُ نَصُومُ يَوْمًا مَكَانَهُ)
ــ
[المنتقى]
ش أَدْخَلَ مَالِكٌ ﵀ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَوْمٍ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي ذَلِكَ عَلَى جَوَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَقَالَ إنَّ مَنْ أَوْصَى أَنْ يُوَفَّى مِنْ مَالِهِ عَنْهُ مَا نَذَرَهُ فَإِنَّهُ مَا كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَهِيَ فِي ثُلُثِهِ مُبَدَّاةٌ عَلَى الْوَصَايَا يُرِيدُ التَّطَوُّعَ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا أَثْبَتَهُ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا حَاجَةَ لَنَا إلَى إعَادَتِهِ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْتَقْصًى فِي الْوَصَايَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَيَقُولُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ) .
ش قَوْلُهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ يُرِيدُ لَا يُجْزِي أَنْ يَنُوبَ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ فَمَنْ لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَفَعَلَهُ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَبْرَأَ ذِمَّتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي صِيَامِهِ وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
ضَرْبٌ مِنْهَا مِنْ عِبَادَاتِ الْمَالِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَدَنِ كَالزَّكَاةِ فَهَذَا يَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَدَنِ كَالْحَجِّ وَالْغَزْوِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْبَدَنِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَالِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَهَذَا لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ بِوَجْهٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصِّيَامِ فَإِذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ حَتَّى مَاتَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فَيَصُومُهُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَإِنْ كَانَ فَرَّطَ فِي صَوْمِهِ فَهُوَ آثِمٌ مُخَالِفٌ لِلْأُمَّةِ عَاصٍ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْعِصْيَانِ بِصَوْمِ وَلِيِّهِ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ وَعِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَوَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَدَنِ فَلَمْ يَدْخُلْهَا النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ.
[مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي رَمَضَانَ فِي يَوْمِ غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَمْسَى وَغَابَتْ الشَّمْسُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ اجْتَهَدَ فِي الْوَقْتِ اجْتِهَادًا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ مَغِيبُ الشَّمْسِ، وَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُ الصَّائِمَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِيهِ فَمَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ فَإِنْ أَفْطَرَ مَعَ الشَّكِّ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ وَلَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَحَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ وَتَيَقُّنِ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ حَلَّ لَهُ الْفِطْرُ، وَهَذَا حُكْمُ الصَّلَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ إذَا خَفِيَتْ عَلَامَاتُ أَوْقَاتِهَا قَامَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ الْمَعْرِفَةِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ
стр. 427
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا مَنْ أَفْطَرَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فِي سَفَرٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَطَلَعَتْ الشَّمْسُ مُحْتَمَلٌ أَنَّ الرَّجُلَ قَصَدَ إلَيْهِ بِذَلِكَ لِيَعْلَمَ مِنْ عِنْدِهِ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَمُحْتَمَلٌ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لِيُمْسِكَ عَنْ الْأَكْلِ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزَّمَنَ زَمَنُ صَوْمٍ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ زَمَنُ صَوْمٍ بِخِلَافِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الزَّمَنَ زَمَنُ صَوْمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُ عُمَرَ الْخَطْبُ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَهَدْنَا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَا قَالَ مَالِكٌ بِأَنَّ خَطْبَ الْقَضَاءِ يَسِيرٌ فِي ذَلِكَ إذْ قَدْ سَقَطَ عَنْهُمْ الْأَثِمُ بِالِاجْتِهَادِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْقَضَاءِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا مَنْ أَفْطَرَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فِي سَفَرٍ) .
ش قَوْلُهُ كَانَ يَقُولُ يَصُومُ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْوُجُوبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَخْبَارَ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ وَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فَإِنْ فَرَّقَهُ أَجُزْأَهُ وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَلَمْ يَخُصَّ مُتَفَرِّقَةً مِنْ مُتَتَابِعَةٍ، وَإِذَا أَتَى بِهَا مُتَفَرِّقَةً فَقَدْ صَامَ عِدَّةَ أَيَّامٍ أُخَرَ فَوَجَبَ أَنْ تُجْزِئَهُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ اخْتَلَفَا فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَلَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَلَا أَيُّهُمَا قَالَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ) .
ش قَوْلُهُ لَا أَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَلَا أَيَّهُمَا قَالَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ وَالتَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ إنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيَّهُمَا قَالَ الْقَوْلَ الْآخَرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ لَا يُفَرِّقُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا مُتَتَابِعًا.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ اسْتَقَاءَ يُرِيدُ مَنْ اسْتَدْعَى ذَلِكَ وَغَلَبَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الرَّازِيّ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ لِلْقَيْءِ وَالْمُسْتَعْمِلَ لَهُ وَالْمُكْرِهَ لِنَفْسِهِ عَلَيْهِ لَا يَسْلَمُ فِي الْغَالِبِ مِنْ رُجُوعِ شَيْءٍ إلَى حَلْقِهِ مِمَّا قَدْ صَارَ فِيهِ فَيَقَعُ بِهِ فِطْرُهُ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ حُمِلَ سَائِرُهُ عَلَى غَالِبِهِ كَالنَّوْمِ فِي الْحَدَثِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مَنْ اسْتَقَاءَ عَامِدًا عَابِثًا فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ لَوْ سُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ لَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ نَظَرٌ وَيَبْطُلُ عِنْدِي مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّنَا إنَّمَا نُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَيَقَّنُ سَلَامَةَ صَوْمِهِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْقَضَاءِ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْ الصَّوْمِ الَّذِي لَزِمَهَا وَنَحْنُ لَا نَتَيَقَّنُ فَسَادَ صَوْمِهِ فَنُوجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ وَالْكَفَّارَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ وَاجِبٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ مُتَيَقَّنٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ الْفِطْرُ نَفْسُهُ بِاخْتِيَارِ الصَّائِمِ فَأَمَّا إذَا فَعَلَ فِعْلًا يُؤَدِّي إلَى وُقُوعِ الْفِطْرِ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَمْسَكَ الْمَاءَ فِي فَمِهِ فَغَلَبَهُ فَدَخَلَ حَلْقَهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا أَوْ كُحْلًا فَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفِطْرُ الْمُسْتَقْيِئِ إنَّمَا يَقَعُ بِالرَّاجِعِ وَهُوَ لَمْ يَتَعَمَّدْ ارْتِجَاعَهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعْنَاهُ الَّذِي يَغْلِبُهُ الْقَيْءُ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ رَجَعَ شَيْءٌ مِنْ
стр. 428
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُسْأَلُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنَّهُ لَا يُفَرِّقُ قَضَاءَ رَمَضَانَ وَأَنْ يُوَاتِرَ قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِيمَنْ فَرَّقَ قَضَاءَ رَمَضَانَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةٌ وَذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ وَأَحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أَنْ يُتَابِعَهُ) .
(ص) : (وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ مَا كَانَ مِنْ صِيَامٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ يَوْمٍ مَكَانَهُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ
ــ
[المنتقى]
فِيهِ إلَى حَلْقِهِ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِهِ هَذَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى حَلْقِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ ذَرْعَ الْقَيْءِ وَغَلَبَتَهُ لَهُ يَنْدَفِعُ وَيَخْرُجُ وَيَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْمُعَالَجَةِ وَالْإِكْرَاهِ لِلنَّفْسِ عَلَى الْقَيْءِ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ إنَّمَا هُوَ إكْرَاهٌ عَلَى إخْرَاجِ مَا لَيْسَ بِخَارِجٍ بَلْ مِنْ شَأْنِهِ الرُّجُوعُ وَلَوْ تَيَقَّنَ الَّذِي ذَرَعَهُ الْقَيْءُ رُجُوعَ شَيْءٍ إلَى حَلْقِهِ بَعْدَ أَنْ صَارَ فِي فَمِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَا رَجَعَ مِنْ الْقَيْءِ إلَى الْجَوْفِ مِنْ اللَّهَوَاتِ أَوْ الْحَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِنَ وُصُولَهُ إلَى الْفَمِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَالْقَلْسُ بِسَبِيلِ الْقَيْءِ فِيمَا وَصَفْنَا وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ قَلَسَ فَوَصَلَ الْقَلْسُ إلَى فِيهِ فَرَدَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ رَجَعَ مَالِكٌ، وَقَالَ إنْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ لَوْ شَاءَ طَرَحَهُ، ثُمَّ رَدَّهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إنْ ازْدَرَدَهُ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ عَلَى لِسَانِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُفَرِّقَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ تَعْجِيلُهُ، وَإِذَا عَجَّلَ أَوَّلَ يَوْمٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ تَعْجِيلُ الثَّانِي وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّوَاتُرَ إلَّا أَنَّ هَذَا تَوَاتُرٌ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ التَّتَابُعِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤْتَى بِالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ مُتَيَقَّنٍ عَلَى إجْزَائِهِ فَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَكُونُ التَّتَابُعُ مَقْصُودًا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْفِطْرَ فِي الصَّوْمِ الْوَاجِبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصِدَ إلَى انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الصَّوْمِ وَهُوَ الْعَمْدُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُفْطِرَ بِعُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَلَطٍ بِوَقْتٍ أَوْ إكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ الْفِطْرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَكِنَّهُ بِتَأْوِيلٍ يَظُنُّ بِهِ أَنَّ الْفِطْرَ لَهُ سَائِغٌ.
فَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ مُكْرَهًا فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهَلْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَا يَخْلُو أَنْ يُفْطِرَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ فَإِنْ كَانَ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بِجِمَاعٍ أُكْرِهَ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ فَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَالْأَكْلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ بِنِسْيَانٍ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا فِي فَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُفْطِرُ بِذَلِكَ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بِعَدَمِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ فَإِنَّهُ يَفْسُدُ بِعَدَمِهِ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ كَالنِّيَّةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ بِأَكْلٍ فَإِذَا كَانَ بِجِمَاعٍ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْإِكْرَاهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا أَفْطَرَ بِتَأْوِيلٍ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ تَأَوَّلَ بِمَعْنًى مَوْجُودٍ، مِثْلُ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكِفًا قَبْلَ الْفَجْرِ فَيَظُنَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا صَوْمَ لَهُ، أَوْ تَطَهَّرَ لِلصِّيَامِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ حَتَّى يَتَطَهَّرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَوْ يَخْرُجُ الْمُقِيمُ إلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ فَيَعْتَقِدُ جَوَازَ الْفِطْرِ فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ هَتْكَ حُرْمَةَ الصَّوْمِ وَوَقَعَ التَّأْوِيلُ مِنْهُ بِمَعْنًى مَوْجُودٍ، وَإِنْ تَعَلَّقَ التَّأْوِيلُ بِمَعْنًى لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ، وَإِنَّمَا يُتَوَقَّعُ وُجُودُهُ، مِثْلُ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ إنِّي أَحِيضُ الْيَوْمَ فَتُفْطِرَ قَبْلَ وُجُودِ الْحَيْضِ، أَوْ يَقُولُ الْمَحْمُومُ الْيَوْمَ يَوْمُ حُمَّايَ فَيُفْطِرُ قَبْلَ بَدْءِ النَّوْبَةِ فَهَذَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ سَوَاءٌ وُجِدَ الْحَيْضُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَمْ يُوجَدْ.
стр. 429
أَنَّهُ أَخْبَرَهُ قَالَ كُنْت مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ أَمُتَتَابِعَانِ أَمْ يَقْطَعُهَا قَالَ حُمَيْدٍ فَقُلْت لَهُ نَعَمْ إنْ شَاءَ قَالَ مُجَاهِدٌ لَا يَقْطَعُهَا فَإِنَّهَا فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ قَالَ مَالِكٌ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ يُصَامُ مُتَتَابِعًا) .
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَرْأَةِ تُصْبِحُ صَائِمَةً فِي رَمَضَانَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةً مِنْ دَمٍ عَبِيطٍ فِي غَيْرِ أَوَانِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ تَنْتَظِرُ حَتَّى تُمْسِيَ أَنْ تَرَى مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا تَرَى شَيْئًا، ثُمَّ تُصْبِحُ يَوْمًا آخَرَ فَتَدْفَعُ دَفْعَةً أُخْرَى وَهِيَ دُونَ الْأُولَى، ثُمَّ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ عَنْهَا قَبْلَ حَيْضَتِهَا بِأَيَّامٍ فَسَأَلَ مَالِكٌ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ فَإِذَا رَأَتْهُ فَلْتُفْطِرْ وَلِتَقْضِ مَا أَفْطَرَتْ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ) .
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَلْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ كُلِّهِ وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى، وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ كُنْت مَعَ مُجَاهِدٍ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَجَاءَهُ إنْسَانٌ فَسَأَلَهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّوَافِ مُبَاحٌ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُهُ فَسَأَلَهُ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ الْكَفَّارَةِ يُرِيدُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى عِتْقٍ وَلَا كِسْوَةٍ وَلَا إطْعَامٍ فَسَأَلَهُ الْإِنْسَانُ هَلْ مِنْ شَرْطِهَا الْمُتَابَعَةُ أَمْ لَا فَقَالَ حُمَيْدٍ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَهَا لِمَا كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهَا مِنْ جَوَازِ التَّفْرِيقِ فَأَنْكَرَهُ مُجَاهِدٌ عَلَيْهِ لِمَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ فَلَمْ يَسَعْهُ السُّكُوتُ إذْ كَانَ هُوَ الْمَسْئُولَ وَالْمُقَلَّدَ فَلَوْ سَكَتَ لَظَنَّ السَّائِلُ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فَيَأْخُذُ بِهِ وَيُقَلِّدُهُ فِيهِ وَهُوَ لَا يَرَاهُ وَالسَّائِلُ لَمْ يَرَ تَقْلِيدَ حُمَيْدٍ إمَّا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، ثُمَّ احْتَجَّ مُجَاهِدٌ عَلَى قَوْلِهِ بِأَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ " فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ ".
وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ إنَّ كُلَّ صَوْمٍ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فَالْأَفْضَلُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُتَتَابِعًا إلَّا أَنَّهُ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ التَّتَابُعُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عِنْدَهُمَا تَفْرِيقُهُ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ وَالثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَالسَّبْعَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْأَفْضَلُ فِيهِ التَّتَابُعَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صِفَةِ مَا هُوَ قَضَاءٌ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّ الْأَفْضَلَ تَقْدِيمُ الصَّوْمِ لِتَبْرَأَ الذِّمَّةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وَهَذَا مُطْلَقٌ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ مُجَاهِدٌ مِنْ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ فَأَنَّهَا عِنْدَ قَوْمٍ تَجْرِي مَجْرَى أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ إلَّا بِمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهِ التَّوَاتُرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَوَاتِرًا لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ قُرْآنًا لَمْ يَصِحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضُهَا؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَيْضِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ مِنْ زَمَنِ الطُّهْرِ مَا يَكُونُ طُهْرًا كَامِلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ حَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ فِي وَقْتِ حَيْضِهَا الْمُعْتَادِ وَفِي غَيْرِهِ فَإِذَا رَأَتْهُ الْمَرْأَةُ وَلَوْ دَفْعَةً فِي الْيَوْمِ أَفْطَرَتْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ مِنْ أَنَّ الدَّمَ إذَا رُئِيَ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ فَهُوَ حَيْضٌ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا وَأَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَتَقْضِي مَا أَفْطَرَتْ يُرِيدُ مِنْ الْأَيَّامِ بِسَبَبِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ وَقَوْلُهُ فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ فَلْتَغْتَسِلْ وَتَصُومُ أَمَّا غُسْلُهَا فَإِنَّ الْحَائِضَ يَلْزَمُهَا الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ لِتَطْهُرَ بِهِ مِنْ حَدَثِ حَيْضِهَا، وَإِنْ رَأَتْ الطُّهْرَ فِي آخِرِ يَوْمٍ رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِهِ وَأَمَّا صَوْمُهَا فَيَعُودُ إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي لِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ تَصُومَ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا تَصُومُ مَا بَعْدَهُ إنْ كَانَتْ طَاهِرًا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ الشَّهْرِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الْمَاضِي مِنْهُ خِلَافًا لِلْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَدَاءَ قَدْ فَاتَ لِمُضِيِّ زَمَنِهِ وَالْقَضَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ ثَانٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا مَضَى
стр. 430
قَضَاءُ التَّطَوُّعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَيْ النَّبِيِّ ﷺ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ إلَيْهِمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَصْبَحْتُ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ فَأُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ»
ــ
[المنتقى]
مِنْ هَذَا الشَّهْرِ وَبَيْنَ سَائِرِ الشُّهُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ فِي أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ قَدْ فَاتَ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنْ الْأَعْوَامِ فَكَذَلِكَ مَا مَضَى مِنْ شَهْرِ هَذَا الْعَامِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الصِّيَامَ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ يُرِيدُ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِالصَّوْمِ عَلَى وَجْهِ الِانْحِتَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وَهَذَا قَدْ شَهِدَ هَذِهِ الْأَيَّامَ مِنْ الشَّهْرِ وَهُوَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَهَا كَاَلَّذِي يَكُونُ مُقِيمًا فِي بَعْضِ الشَّهْرِ وَمُسَافِرًا فِي أَوَّلِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ صِيَامُ مَا كَانَ مِنْهُ مُقِيمًا فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ الْيَوْمَ الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُهُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ صِيَامِهِ قَدْ فَاتَ بِفَوَاتِ وَقْتِ الدُّخُولِ فِيهِ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَأَمَّا وُجُوبُهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ فَمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ قَالَ إنَّ الْإِسْلَامَ يُسْقِطُهُ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ قَضَاؤُهُ لَمَّا أَدْرَكَ بَعْضَ زَمَنِ صَوْمِهِ وَهُوَ بِصِفَةِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ وَقْتِ إسْلَامِهِ إلَى آخِرِهِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَرَوَاهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ قَالَ لَا يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[قَضَاءُ التَّطَوُّعِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَصْبَحَتَا صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا عَلِمَتْ أَنَّ زَوْجَهَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهَا فِي الْغَالِبِ نَهَارًا جَازَ لَهَا أَنْ تَصُومَ دُونَ إذْنِهِ فَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا لَمْ تَصُمْ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَكَذَلِكَ السُّرِّيَّةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ لِأَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ فَلَيْسَ لَهَا الْمَنْعُ مِنْهُ بِالنَّوَافِلِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَمِمَّا يُعْلَمُ بِهِ أَنْ لَا حَاجَةَ لَهُمَا بِذَلِكَ يَكُونُ غَائِبًا أَوْ مُسِنًّا لَا يَنْبَسِطُ فَهَذَا لَا حَقَّ لَهُ فِي الْإِذْنِ، وَكَذَلِكَ خَادِمُ الْخِدْمَةِ بِخِلَافِ السُّرِّيَّةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى إذْنِهِ فِي صَوْمِهِمَا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمَا إلَّا أَنْ يَضْعُفَ عَنْ الْخِدْمَةِ بِالصَّوْمِ فَيَكُونَ كَالْعَبْدِ لَا يَأْتِي مِنْ الصَّوْمِ مَا يَضْعُفُ بِهِ عَنْ الْخِدْمَةِ إلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ أَيْضًا مِنْ حُقُوقِ السَّيِّدِ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُبْعِدَ حَقَّهُ مِنْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِيَامِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِ فَقِيلَ لَا بَأْسَ بِهِ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ وَبِهَذَا أَقُولُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَذَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَفِيمَا تُدْخِلُهُ الزَّوْجَةُ عَلَى نَفْسِهَا فَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ فَلَا إذْنَ لِأَحَدٍ فِيهِ عَلَى زَوْجَةٍ وَلَا عَبْدٍ، وَإِنْ أَضْعَفَهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَوْمٌ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ كَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ صَامَ مِنْهُمْ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ الْفِطْرُ حَتَّى يُتِمَّ صَوْمَهُ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ قَدْ لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ وَهَلْ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلسَّيِّدِ جَبْرُهُنَّ عَلَى الْفِطْرِ مَعَ الْإِذْنِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَاجَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّوْمِ.
стр. 431
(ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلِيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فَلَا يُفْطِرُهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إذَا كَانَ إنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأُهْدِيَ لَهُمَا طَعَامٌ فَأَفْطَرَتَا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ أَوْ النِّسْيَانِ لِصَوْمِهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِاعْتِقَادِ جَوَازِ ذَلِكَ، ثُمَّ شَكَّتَا فِيهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ فِطْرِ التَّطَوُّعِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُفْطِرُ كَمَا شَاءَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، وَهَذَا قَدْ عَقَدَ الصَّوْمَ فَوَجَبَ أَنْ يَفِيَ بِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ «قَوْلُهُ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ فَقَالَ لَهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فَقَالَ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّعَ بِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الْفِطْرُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ عَلَيْهِمَا بِأَنْ كَانَ الْيَوْمُ لِغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَانَتَا فِي بَيْتِ الَّتِي كَانَ يَوْمُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإِذْنِهَا وَيَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ الْيَوْمُ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَصَامَتْ بِإِذْنِهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ فَقَالَتْ حَفْصَةُ وَبَدَرَتْنِي بِالْكَلَامِ وَكَانَتْ ابْنَةَ أَبِيهَا تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ جَرِيئَةً عَلَى الْكَلَامِ وَجَلْدَةً فِي سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهَا مُبَادَرَةٌ إلَى الْكَلَامِ وَإِرَادَةٌ أَنْ تَتَوَلَّاهُ وَقَوْلُ حَفْصَةَ أَنِّي أَصْبَحَتْ أَنَا وَعَائِشَةُ صَائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ إنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ لَهُمَا فِي الصَّوْمِ وَلَمْ يُعْلِمْهُمَا هَلْ هُوَ تَطَوُّعٌ أَوْ غَيْرُهُ فَأَعْلَمَتْهُ عِنْدَ سُؤَالِهَا بِأَنَّهُ تَطَوُّعٌ لِئَلَّا يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ غَيْرِهِ مِنْ الصِّيَامِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِأَنَّ صَوْمَهُمَا تَطَوُّعٌ فَأَرَادَتَا إذْكَارَهُ وَقَوْلُهُمَا فَإِنَّهُ أُهْدِيَ لَنَا طَعَامٌ فَأَفْطَرْنَا عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ عَلِمَ مِنْ ضَرُورَتِهِمَا وَحَالِهِمَا مَا أَغْنَاهُمَا عَنْ أَنْ تُخْبِرَاهُ أَنَّ فِطْرَهُمَا وَقَعَ لِضَرُورَةٍ وَعَلِمَتَا عِلْمَهُ بِذَلِكَ وَتَفَهُّمَهُ بِهِ فَلَمْ تَذْكُرْهُ فِي سُؤَالِهَا، وَهَذَا أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ نِسْيَانَهُمَا الصَّوْمَ لَا يَعْرِفُهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَكَذَلِكَ اعْتِقَادُهُمَا أَنَّ نَفْلَ الصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ إتْمَامُهُ وَأَحْكَامُ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ يُخْتَلَفُ فِي الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ وَفِي هَذَا الصَّوْمِ نَفْسِهِ يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْكَرَاهِيَةُ وَالْعَمْدُ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مِنْ أَفْقَهِ الصَّحَابَةِ وَمِمَّنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا لَمْ يَتْرُكَا ذِكْرَ عِلَّةِ الْفِطْرِ فِي سُؤَالِهِمَا إلَّا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تَخْفَى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَالِهِمَا وَهِيَ الضَّرُورَةُ إلَى الطَّعَامِ فَإِنْ قِيلَ لَا يَصِحُّ هَذَا عَلَى أَصْلِكُمْ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ وَالْمُضْطَرُّ إلَى النَّفْلِ فِي النَّفْلِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَكُمْ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمَا عَلَى الْوُجُوبِ وَلَمْ يَكُنْ فِطْرُهُمَا لِضَرُورَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ لِلْحَاجَةِ إلَى الطَّعَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِمَا أَنَّ ذَلِكَ يُتِيحُ الْفِطْرَ وَيَمْنَعُ الْقَضَاءَ فَلَمَّا أَمَرَهُمَا بِالْقَضَاءِ تَضْمَنَّ ذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ الْفِطْرِ لِمِثْلِ هَذَا الْعُذْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اقْضِيَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ» ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَيَحْتَمِلُ النَّدْبَ بِدَلِيلٍ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَضَاءِ التَّطَوُّعِ فَقَالَ مَالِكٌ ﵀ مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ مُخْتَارًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ إلَّا وَإِنْ أَفْطَرَ لِضَرُورَةٍ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ إلَّا النَّاسِيَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فَدَلِيلُنَا عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي الْعُمْرِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا فَكَانَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ نَفْلَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْحَجِّ.
(ص) : (سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ سَاهِيًا أَوْ نَاسِيًا فِي صِيَامِ تَطَوُّعٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَلِيُتِمَّ يَوْمَهُ الَّذِي أَكَلَ فِيهِ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فَلَا يُفْطِرُهُ وَلَيْسَ عَلَى مَنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ يَقْطَعُ صِيَامَهُ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ قَضَاءٌ إذَا كَانَ إنَّمَا أَفْطَرَ مِنْ عُذْرٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِلْفِطْرِ وَلَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ إذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْوُضُوءِ) .
стр. 432
صَلَاةِ نَافِلَةٍ إذَا هُوَ قَطَعَهَا مِنْ حَدَثٍ لَا يَسْتَطِيعُ حَبْسَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْوُضُوءِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَتَطَوَّعُ بِهَا النَّاسُ فَيَقْطَعَهُ شَيْءٌ يُتِمُّهُ عَلَى سُنَنِهِ إذَا كَبَّرَ لَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، وَإِذَا صَامَ لَمْ يُفْطِرْ حَتَّى يُتِمَّ صَوْمَهُ، وَإِذَا أَهَلَّ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يُتِمَّ حَجَّهُ، وَإِذَا دَخَلَ فِي طَوَافٍ لَمْ يَقْطَعْهُ حَتَّى يُتِمَّ سُبُوعَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ هَذَا إذَا دَخَلَ فِيهِ حَتَّى يَقْضِيَهُ إلَّا مِنْ أَمْرٍ يَعْرِضُ لَهُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلنَّاسِ مِنْ الْأَسْقَامِ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَالْأُمُورُ الَّتِي يُعْذَرُونَ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَلَيْهِ إتْمَامُ الصِّيَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَطَوُّعًا، وَقَدْ قَضَى الْفَرِيضَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْحَجَّ بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِيهِ، وَيَرْجِعُ حَالًّا مِنْ الطَّرِيقِ وَكُلُّ أَحَدٍ دَخَلَ فِي نَافِلَةٍ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهَا إذَا دَخَلَ فِيهَا، ثُمَّ يُتِمُّ الْفَرِيضَةَ، وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ فَأَفْطَرَ فِيهِ بِعُذْرٍ مِنْ الْأَعْذَارِ مِنْ السَّهْوِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْمَرَضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُذْرٌ يُسْقِطُ الْإِثْمَ فِي فِطْرِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ كَالنِّسْيَانِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْأَعْذَارُ الَّتِي تُسْقِطُ الْقَضَاءَ النِّسْيَانُ وَالْمَرَضُ وَالْإِكْرَاهُ وَشِدَّةُ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرِّ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ تَجَدُّدُ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتُهُ أَوْ طُولُ مُدَّتِهِ فَأَمَّا السَّفَرُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ كُلَّ مَعْنًى يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ فِي التَّطَوُّعِ كَالْمَرَضِ وَالنِّسْيَانِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ أَفْطَرَ مُخْتَارًا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالصَّوْمِ مَعَ إمْكَانِ إتْمَامِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ كَالْمُقِيمِ فَإِذَا ابْتَدَأَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرِ السَّفَرِ فَفِيهِمَا أَيْضًا رِوَايَتَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَتَوَجَّهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ أَعْمَالَ الطَّاعَاتِ الَّتِي تُقْصَدُ لِأَنْفُسِهَا وَلَا تَتَبَعَّضُ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ وَالطَّوَافِ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ دَخَلَ فِيهَا وَتَلَبَّسَ بِعَمَلِهَا أَنْ يَقْطَعَهَا حَتَّى يُتِمَّ مِنْهَا أَقَلَّ مَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ كَامِلَةٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ ذَلِكَ فَالتَّلَبُّسُ بِالْحَجِّ هُوَ الْإِهْلَالُ بِهِ وَالتَّلَبُّسُ بِالصَّوْمِ هُوَ الدُّخُولُ فِيهِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنِيَّةٍ مُسْتَصْحَبَةٍ قَبْلَهُ إمَّا ذِكْرًا وَإِمَّا حُكْمًا وَالتَّلَبُّسُ بِالصَّلَاةِ هُوَ الْإِحْرَامُ بِهَا وَالتَّلَبُّسُ بِالطَّوَافِ هُوَ التَّكْبِيرُ لَهُ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالشُّرُوعُ فِي الْمَشْي فِيهِ لِمَنْ لَمْ يُكَبِّرْ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الصِّيَامِ عِبَادَةُ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَجِّ عِبَادَةً حِجَّةٍ كَامِلَةٍ، وَكَذَلِكَ الْعُمْرَةُ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الطَّوَافِ عِبَادَةُ سَبْعَةِ أَشْوَاطٍ مَعَ مَا يَتْبَعُهُ وَهُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ مِنْ الصَّلَاةِ عِبَادَةُ رَكْعَتَانِ فَهَذَا الْمِقْدَارُ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ بِالتَّلَبُّسِ بِهَا وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الِاعْتِكَافُ وَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَنْ تَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي الصَّوْمِ، ثُمَّ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وَقَالَ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا إلَّا أَنْ يَعْرِضَ مَانِعٌ يُتِيحُ الْخُرُوجَ مِنْ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمَعْرُوفَةِ فَيَسْقُطَ وُجُوبُ التَّمَادِي وَيُعَيَّنَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَعْذَارَ الَّتِي تُبِيحُ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَسَيَأْتِي الْأَعْذَارُ الَّتِي تُبِيحُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عِنْدَ ذِكْرِهِمَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 433
فِدْيَةُ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِي) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَاشْتَدَّ عَلَيْهَا الصِّيَامُ قَالَ تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَالِكٌ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ عَلَيْهَا الْقَضَاءَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَيَرَوْنَ ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرَاضِ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى وَلَدِهَا) .
ــ
[المنتقى]
[فِدْيَةُ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ عِلَّةٍ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَبِرَ حَتَّى كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصِّيَامِ فَكَانَ يَفْتَدِي يُرِيدُ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ الضَّعْفِ لِلْكِبَرِ أَنْ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ، وَالْعَجْزُ عَنْ الصِّيَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَوْجُودٌ سَبَبُهُ فِي الْجَسَدِ وَهُوَ الْمَرَضُ وَالْعَطَشُ وَالْحَرُّ وَالْجُوعُ فَهَذِهِ مَتَى وُجِدَتْ وَمَنَعَتْ تَمَامَ الصِّيَامِ سَقَطَتْ الْفِدْيَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِمَّا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْكَفَّارَةِ، وَغَيْرِهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيُبِيحُ الْفِطْرَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَخَوْفِ زِيَادَةِ الْمَرَضِ أَوْ تَجَدُّدِهِ أَوْ طُولِ مُدَّتِهِ وَيُبِيحُهُ مَعَ ذَلِكَ الْحَاجَةُ إلَى التَّدَاوِي إذَا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِالْفِطْرِ وَخِيفَ مِنْ تَأْخِيرِهِ الْمَرَضَ أَوْ تَجَدُّدِهِ أَوْ طُولِ أَمْرِهِ أَوْ الْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ، وَقَدْ أَرْخَصَ مَالِكٌ ﵀ لِصَاحِبِ الْحَفْرِ الشَّدِيدِ أَنْ يُفْطِرَ وَيَتَدَاوَى وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّدَاوِيَ هَاهُنَا يَقُومُ مَقَامَ الْغِذَاءِ فِي حِفْظِ الصِّحَّةِ فَإِذَا خِيفَ مِنْ تَأَخُّرِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْنَا أُبِيحَ الْفِطْرُ لَهُ كَالْأَكْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْجَسَدُ سَالِمًا مِنْ سَبَبِ الْعَجْزِ إلَّا أَنَّهُ بِحَالِ مَنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمَانِعُ مِنْ تَمَامِ الصَّوْمِ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ وَاعْتِمَادِهِ وَكَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِهِ لَا يُشَكُّ فِيهِ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْحَامِلِ فَهَؤُلَاءِ لَيْسَ بِهِمْ مَانِعٌ وَلَا مَرَضٌ وَلَا عَطَشٌ وَلَا جُوعٌ وَلَا حَرٌّ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَطْرَأُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الصَّوْمِ فَمَنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَغَلَبَهُ عَطَشٌ أَوْ جُوعٌ أَوْ ضَعْفٌ عَنْ الصَّوْمِ فَأَفْطَرَ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَنْ أَفْطَرَ ابْتِدَاءً لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُهُ إنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ.
فَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِطْعَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا مُفْطِرٌ بِعُذْرٍ مَوْجُودٍ بِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إطْعَامٌ كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ فِي أَنَسٍ كَانَ يَفْتَدِي يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى ذَلِكَ وَاجِبًا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْعَلَهُ إنْ كَانَ قَوِيًّا عَلَيْهِ فَمَنْ فَدَى فَإِنَّهُ يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِطْعَامَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ لِكِبَرٍ وَهَرَمٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا عَوْدَةَ لَهُ إلَى قَضَائِهِ بِخِلَافِ الْمَرِيضِ الَّذِي يَرْجُو الْقَضَاءَ وَقَوْلُهُ فَمَنْ فَدَى فَإِنَّهُ يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِذَلِكَ مِنْ الْمُسْتَحَبِّ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ فِي ذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَفَّارَةُ كُلِّ يَوْمٍ صَاعُ تَمْرٍ أَوْ نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ فَلَمْ تَتَقَدَّرْ بِصَاعٍ أَوْ فَلَمْ يَتَقَدَّرْ جَمِيعُهَا بِنِصْفِ صَاعٍ أَصْلُ ذَلِكَ كَفَّارَةُ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّ مَا قُلْنَا هُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْحَامِلِ إذَا خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا مِنْ شِدَّةِ الصِّيَامِ تُفْطِرُ وَتُطْعِمُ لَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ أَمَرَ الْحَامِلَ بِالْإِطْعَامِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ وَعَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: لَا إطْعَامَ عَلَيْهَا
стр. 434
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقْضِهِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى صِيَامِهِ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْقَضَاءُ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلُ ذَلِكَ) .
جَامِعُ قَضَاءِ الصِّيَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَصُومَهُ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ) .
ــ
[المنتقى]
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهَا الْإِطْعَامُ وَيَخْرُجُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وُجُوبُ الْإِطْعَامِ عَلَى الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَفْطَرَتْ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهَا فَلَا إطْعَامَ، وَإِنْ أَفْطَرَتْ خَوْفًا عَلَى حَمْلِهَا فَعَلَيْهَا الْإِطْعَامُ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهَا مُفْطِرَةٌ لِعُذْرٍ مَوْجُودٍ بِهَا فَلَمْ يَلْزَمْهَا إطْعَامٌ كَالْمَرِيضَةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قَالَ وَالْحُبْلَى دَاخِلَةٌ تَحْتَ هَذَا الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهَا تُطِيقُ الصِّيَامَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ الْعُظْمَى فَجَازَ أَنْ يَجِبَ فِيهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ الصُّغْرَى كَالْحَجِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُرْضِعُ فَإِنْ ضَعُفَتْ عَنْ الصَّوْمِ مَعَ إرْضَاعِ وَلَدِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ لَهُ مَنْ يَرْضِعُهُ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ وَقَبِلَ غَيْرُهَا فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ غَيْرُهَا وَلَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِئْجَارُ لَهُ أَرْضَعَتْ ابْنَهَا وَهَلْ عَلَيْهَا إطْعَامٌ أَوْ لَا؟ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا نَفْيُ الْإِطْعَامِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّانِيَةُ إيجَابُهُ وَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(ش) : هَذَا الْفَصْلُ يَقْتَضِي أَنَّ قَضَاءَ رَمَضَانَ مُؤَقَّتٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَنَّ وَقْتَهُ إلَى دُخُولِ رَمَضَانَ آخَرَ مَتَى أَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ مَعَ الْقَضَاءِ وَبِهَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَالْكَلَامُ مَعَهُ أَوَّلًا فِي تَوْقِيتِ الْقَضَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا مَا كَانَتْ تَسْتَطِيعُ قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ وَجَبَتْ عَلَى الْبَدَنِ تَتَكَرَّرُ فِي وُجُوبِهَا مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ فَإِذَا أَخَّرَهَا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الَّتِي تَلِيهَا كَانَ مُفَرِّطًا عَاصِيًا كَالصَّلَاةِ وَدَلِيلُنَا عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ عَنْ وَقْتِهِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ يَدْخُلُ فِي جُبْرَانِهَا الْمَالُ فَإِذَا أَخَّرَهَا بِتَفْرِيطٍ حَتَّى عَادَ وَقْتُهَا لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ كَالْحَجِّ وَمَعْنَى ذَلِكَ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، ثُمَّ يُؤَخِّرُ الْحَجَّ إلَى عَامٍ ثَانٍ وَبِذَلِكَ يَكُونُ مُفَرِّطًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ يُرِيدُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فَرَّطَ فِيهِ إطْعَامُ مِسْكِينٍ مُدًّا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُطْعِمُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ مُدًّا وَنِصْفًا وَهُوَ قَدْرُ شِبَعِ أَهْلِ مِصْرَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي إطْعَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُطْعِمَ مُدًّا كَامِلًا لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ لَا يُفَرِّقُهُ عَلَى مِسْكِينَيْنِ وَأَكْثَرَ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يُتِمَّ مُدًّا كَامِلًا لِمِسْكِينٍ وَاحِدٍ وَهَكَذَا الْكَفَّارَاتُ يُعْتَبَرُ فِيهَا قَدْرُ الطَّعَامِ وَعَدَدُ الْمَسَاكِينِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[جَامِعُ قَضَاءِ الصِّيَامِ]
(ش) : قَوْلُهَا إنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ رَمَضَانَ تُرِيدُ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُمْكِنْهَا صَوْمُهَا فِيهِ بِحَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا قَضَاؤُهَا فَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَهَا حَتَّى يَأْتِيَ شَعْبَانُ وَمِثْلُ هَذَا إذَا تَكَرَّرَ فَإِنَّمَا يَكُونُ لِمَانِعِ شُغْلٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَّفِقَ مَرَضٌ فِي كُلِّ عَامٍ يَتَّصِلُ إلَى شَعْبَانَ وَيَنْقَطِعُ فِيهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إلَّا فِي شَعْبَانَ قَالَ يَحْيَى لِشَغْلٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِالنَّبِيِّ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الزَّمَنَ يَصِحُّ فِيهِ الْقَضَاءُ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ لِشَغْلِهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ إلَى
стр. 435
صِيَامُ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْ أَنْ يُصَامَ الْيَوْمُ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ إذَا نَوَى بِهِ صِيَامَ رَمَضَانَ وَيَرَوْنَ أَنَّ عَلَى مَنْ صَامَهُ عَلَى غَيْرِ رُؤْيَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الثَّبَتُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ وَلَا يَرَوْنَ بِصِيَامِهِ تَطَوُّعًا بَأْسًا قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) .
ــ
[المنتقى]
شَعْبَانَ وَالشَّغْلُ الَّذِي كَانَ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ إمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا وَإِمَّا التَّصْرِيفُ لَهَا فِي حَوَائِجِهِ وَحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ كَحَاجَتِهِ فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي جَوَازَ تَأْخِيرِ الصَّوْمِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ شَعْبَانَ قَدْرُ مَا عَلَيْهَا مِنْ أَيَّامِ الصَّوْمِ وَلَمَّا يَكُونُ الْمُؤَخِّرُ بِذَلِكَ مُفَرِّطًا وَلَوْ كَانَ مُفَرِّطًا لَمَا جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْ أَوَّلِ إمْكَانِ الْقَضَاءِ كَمَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَنْ زَمَنِ رَمَضَانَ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَمَضَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفِطْرِ عِدَّتُهَا مِنْ الْأَيَّامِ أَمْكَنَهُ فِيهَا صِيَامُهَا فَأَخَّرَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَهُ مَانِعٌ مَنَعَهُ الْقَضَاءَ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ فَلَا إطْعَامَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ حِينَ فَعَلَ مَا يَجُوزُ لَهُ مِنْ التَّأْخِيرِ هَذَا قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيَرَوْنَهُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمَدِينَةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ كَانَ صَحِيحًا فَفَرَّطَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ حَتَّى مَرِضَ فَذَلِكَ الَّذِي عَلَيْهِ الْإِطْعَامُ وَيَجِبُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ.
وَأَمَّا مَنْ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَلَمْ يَزَلْ مَرِيضًا حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُفَرِّطُ حَتَّى يَمْرَضَ أَحَبُّ إلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِالْإِطْعَامِ وَهُوَ نَحْوُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ إنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي بَعْضِ الْعَامِ دُونَ بَعْضٍ لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ الْإِطْعَامُ بِعَدَدِ الْأَيَّامِ الَّتِي زَالَ فِيهَا عُذْرُهُ دُونَ غَيْرِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
الْأَعْذَارُ الَّتِي تُسْقِطُ الْإِطْعَامَ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ الْمُتَّصِلُ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يَكُونُ لِلزَّوْجِ جَبْرُ الْمَرْأَةِ عَلَى تَأْخِيرِ الْقَضَاءِ إلَى شَعْبَانَ أَوْ لَا؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِاخْتِيَارِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِي إبْرَاءِ ذِمَّتِهَا مِنْ الْفَرْضِ الَّذِي لَزِمَهَا وَأَمَّا التَّنَفُّلُ فَإِنَّ لَهُ مَنْعَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ» .
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهَا حَتَّى إلَى شَعْبَانَ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ غَايَةُ الزَّمَنِ الَّذِي تَقْضِي فِيهِ رَمَضَانَ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُخَالَفَتَهُ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا قَضَاءُ رَمَضَانَ لِامْتِنَاعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمَا فِي شَعْبَانَ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْقَضَاءِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ قَبْلَ شَعْبَانَ وَأَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي شَعْبَانَ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا آخِرَ وَقْتِ الْقَضَاءِ لِغَيْرِ الْمُفَرِّطِ وَأَنَّ الْمُؤَخِّرَ يُعَدُّ مُفَرِّطًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ.
[صِيَامُ الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَدْ نَهَوْهُ عَنْ صِيَامِ الْيَوْمِ الَّذِي شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ أَوْ رَمَضَانَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَانَ وَيَرَوْنَ أَنَّ صِيَامَهُ لَا يُجْزِئُ مَنْ صَامَهُ إذَا ثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ يُصَامُ احْتِيَاطًا فِي الْغَيْمِ وَالصَّوَابُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَاَللَّهُ أَعْلَم وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِصِيَامِهِ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ وَالنَّفَلِ وَعَلَى ذَلِكَ أَدْرَكَ مَالِكٌ ﵀ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْمَدِينَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
стр. 436
جَامِعُ الصِّيَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ» .
ــ
[المنتقى]
[جَامِعُ الصِّيَامِ]
(ش) : قَوْلُهَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ» تُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَصِلُ الصَّوْمَ حَتَّى يَقُولَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ إنَّهُ يَتَمَادَى عَلَى سَرْدِ الصِّيَامِ وَلَا يُفْطِرُ، وَكَذَلِكَ كَانَ يُفْطِرُ وَيَصِلُ الْفِطْرَ حَتَّى يَقُولَ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ سَيَسْرُدُ الْفِطْرَ وَلَا يَصُومُ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ الصَّوْمِ وَأَشَدُّهُ لِمَنْ اسْتَطَاعَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَمَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا رَمَضَانَ، وَهَذَا نَفْيٌ لَأَنْ تَرَاهُ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَعْبَانَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مُعْظَمَهُ وَأَكْثَرَهُ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ الْمُوَطَّأِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي لَبِيَدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إلَّا قَلِيلًا» ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِقَوْلِهَا إنَّهُ مَا اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ غَيْرَ رَمَضَانَ أَنَّهُ اسْتَكْمَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ وَالتَّخْصِيصِ لَهُ بِذَلِكَ وَأَنَّ مَا رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْيِينِ لَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ «قُلْت لِعَائِشَةَ ﵂ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ صَوْمٌ مَعْلُومٌ سِوَى رَمَضَانَ قَالَتْ، وَاَللَّهِ إنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ وَلَا أَفْطَرَ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ» فَقَوْلُهَا شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ وَلَا أَفْطَرَ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ، قَوْلُهَا شَهْرًا مَعْلُومًا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا بِصَوْمِهِ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ صَامَهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَمَا رَأَيْته فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ تُرِيدُ أَنَّ صِيَامَهُ فِي شَعْبَانَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ غَيْرَ رَمَضَانَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَهُ لِكَثْرَةِ الصَّوْمِ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ الصِّيَامُ جُنَّةٌ يُرِيدُ أَنَّهُ سِتْرٌ وَمَانِعٌ مِنْ الْآثَامِ وَالْجُنَّةُ مَا يُسْتَرُ بِهِ وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَ الْمِجَنُّ وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَجْهَلُ يُرِيدُ لَا يَأْتِ بِمَا يَكْسِبُ الْآثَامَ وَالرَّفَثُ قَبِيحُ الْكَلَامِ قَالَ الرَّاجِزُ
عَنْ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ
وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْعِلْمِ يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ وَالْجَهْلُ ضِدُّ الْحِلْمِ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ الْجَرِّ تَقُولُ الْعَرَبُ جَهِلَ عَلَى فُلَانٍ بِمَعْنَى تَعَدَّى فَيُعَدُّونَهُ بِحَرْفِ الْجَرِّ قَالَ الشَّاعِرُ
أَلَّا لَا يَجْهَلَنَّ أَحَدٌ عَلَيْنَا ... فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ مَعْنَاهُ فَلَا يُقَاتِلُهُ وَلَا يُشَاتِمُهُ وَلْيُذَكِّرْ نَفْسَهُ صِيَامَهُ لِيَرْتَدِعَ بِذَلِكَ عَنْ مُعَاوَضَةِ الشَّاتِمِ وَالْمُقَاتِلِ وَوَصَفَهُ هُنَا بِأَنَّهُ مُشَاتِمٌ وَمُقَاتِلٌ، وَإِنْ كَانَ هَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مِنْ فِعْلِ اثْنَيْنِ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَإِنْ امْرُؤٌ أَرَادَ أَنْ يُشَاتِمَهُ أَوْ يُقَاتِلَهُ فَلْيَمْتَنِعْ مِنْ ذَلِكَ وَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ لَفْظَ الْمُفَاعَلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَظْهَرَ فِي فِعْلِ الِاثْنَيْنِ
стр. 437
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَهُوَ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ «إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ» ) .
ــ
[المنتقى]
إلَّا أَنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي فِعْلِ الْوَاحِدِ فَيُقَالُ سَافَرَ الرَّجُلُ وَعَالَجَ الطَّبِيبُ الْمَرِيضَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إنْ وُجِدَتْ الْمُشَاتَمَةُ وَالْمُقَاتَلَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَلْيُذَكِّرْ نَفْسَهُ الصَّائِمُ بِصَوْمِهِ وَلَا يَسْتَدِيمُ الْمُشَاتَمَةَ وَالْمُقَاتَلَةَ.
(ش) : قَوْلُهُ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْخُلُوفُ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ وَلَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ؛ لِأَنَّهَا رَائِحَةٌ النَّفَسِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَإِنَّمَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ مَا كَانَ فِي الْأَسْنَانِ مِنْ التَّغَيُّرِ.
وَقَالَ الْبَرْنِيُّ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ تَغَيُّرُ طَعْمِ فَمِهِ وَرِيحِهِ لِتَأَخُّرِ الطَّعَامِ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀، وَإِنَّمَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلِذَلِكَ مُنِعَ الصَّائِمُ السِّوَاكَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِيهِ عِنْدَهُ وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ ﵀؛ لِأَنَّ الْخُلُوفَ عِنْدَهُ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَلَوْ زَالَ بِالسِّوَاكِ لَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّ تَعَاهُدَهُ بِالسِّوَاكِ قَبْلَ الزَّوَالِ يَمْنَعُ وُجُودَهُ مِنْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إنْ كَانَ مُجْتَمِعًا بِالْفَمِ وَسَمِعْت جَمَاعَةً مِنْ خُطَبَاءِ بَلَدِنَا يُدْخِلُونَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي خُطَبِهِمْ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ لَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ بَائِنًا فِي خُطَبِ ابْنِ نَبَاتَةَ الْوَارِدَةِ مِنْ الْمَشْرِقِ، وَخُطَبُهُمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَوِيَّةٌ لِمَالِكٍ ﵀ يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهَا لِئَلَّا يَتْرُكَ الْأَخْذَ بِهَا مَنْ لَا يَعْرِفُ وَجْهَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ إنَّ الْخُلُوفَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فِيهِ أَمْرٌ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هُوَ تَرْغِيبٌ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الصَّوْمِ الَّذِي يَحْدُثُ بِهِ وَلِذَلِكَ خَصَّ بِخُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ دُونَ خُلُوفِ فَمِ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ إنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، الْمِسْكُ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ صَاحِبَهُ يَجِدُهَا عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ لِأَنَّهُ يَنَالُ مِنْ الثَّوَابِ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَنَالُ الْمُتَطَيِّبُ بِالْمِسْكِ مِنْ طِيبِ مِسْكِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا تَعْبَقُ فِي مَوْضِعٍ يُوصَفُ بِأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ عَبَقِ طِيبِ الْمِسْكِ. وَقَدْ رُوِيَ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى يُفِيدُ بِهَا لِلصَّائِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يُفِيدُهُ رِيحُ الْمِسْكِ لِصَاحِبِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلُهُ لِتَفْضِيلِهِ رِيحَ الْخُلُوفِ عَلَى رِيحِ الْمِسْكِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ ثَنَاءٍ عَلَى الصَّائِمِ وَقَوْلُهُ فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الصِّيَامَ خَالِصٌ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْأَعْمَالِ تَظْهَرُ عَلَى صَاحِبِهَا وَرُبَّمَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ حُبِّ السُّمْعَةِ وَالصِّيَامُ لَا يَظْهَرُ عَلَى الصَّائِمِ فَهُوَ خَالِصٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِضَافَةُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ إلَى اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضِيلَتِهِ وَعِظَمِ جَزَائِهِ.
وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ» وَذَلِكَ أَعْظَمُ التَّضْعِيفِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ التَّضْعِيفَ فِي النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَفَضَّلَ تَضْعِيفَ الصِّيَامِ أَضْعَافَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ إلَى نَفْسِهِ تَعَالَى وَذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ قَالَ الْفَرَّاءُ جَمْعُ رَمَضَانَ رَمَاضِينُ، وَقَالَ أَكْرَه جَمْعَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَثَرِ لَا تَقُولُوا رَمَضَانُ وَقُولُوا شَهْرُ رَمَضَانَ.
وَقَالَ الْمُطَرِّزِيُّ يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَرَمَضَانُ بِلَا شَهْرٍ وَالْأَثَرُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْفَرَّاءُ لَا أَصْلَ لَهُ فَلَا مَعْنَى لِلتَّعَلُّقِ بِهِ وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ إذَا دَخَلَ رَمَضَانُ دُونَ ذِكْرِ الشَّهْرِ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فَعَلَيْهِ يَجِبُ أَنْ
стр. 438
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ لَا يَكْرَهُونَ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ فِي سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ لَا فِي أَوَّلِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَلَا يَنْهَى عَنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
يُعْتَمَدَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النِّيرَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى بَرَكَةِ الشَّهْرِ وَمَا يُرْجَى لِلْعَامِلِ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِفَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَثْرَةَ الثَّوَابِ عَلَى صِيَامِ الشَّهْرِ وَقِيَامِهِ وَأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ يُؤَدِّي إلَى الْجَنَّةِ كَمَا يُقَالُ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْعَدُوِّ قَدْ فُتِّحَتْ لَكُمْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَكُمْ فِعْلٌ تَدْخُلُونَهَا بِهِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ بِمَعْنَى كَثْرَةِ الْغُفْرَانِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْ الذُّنُوبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّهَا تُصَفَّدُ حَقِيقَةً فَتَمْتَنِعُ مِنْ بَعْضِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا تُطِيقُهَا إلَّا مَعَ الِانْطِلَاقِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ تَصَرُّفِهَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الْمُصَفَّدَ هُوَ الْمَغْلُولُ الْيَدِ إلَى الْعُنُقِ يَتَصَرَّفُ بِالْكَلَامِ وَالرَّأْيِ وَكَثِيرٍ مِنْ السَّعْيِ.
وَيَحْتَمِلُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ لِبَرَكَتِهِ وَثَوَابِ الْأَعْمَالِ فِيهِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ تَكُونُ الشَّيَاطِينُ فِيهِ كَالْمُصَفَّدَةِ؛ لِأَنَّ سَعْيَهَا لَا يُؤَثِّرُ وَإِغْوَاءَهَا لَا يَضُرُّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ صِنْفًا مِنْ الشَّيَاطِينِ يُمْنَعُونَ التَّصَرُّفَ جُمْلَةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ السِّوَاكَ لَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ لَا فِي أَوَّلِ نَهَارِهِ وَلَا فِي آخِرِهِ وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ فِي أَوَّلِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهِيَتِهِ فِي آخِرِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ أَنَّ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرِهِ سَوَاءٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي آخِر النَّهَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَلَمْ يَخُصَّ صَائِمًا مِنْ غَيْرِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى لَا يُكْرَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ فَلَمْ يُكْرَهْ آخِرَهُ كَالْمَضْمَضَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ السِّوَاكُ يَابِسًا فَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَهُ طَعْمٌ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ السِّوَاكُ بِهِ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ لِمَوْضِعِ التَّغْرِيرِ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَسْبِقَ شَيْءٌ مِنْ طَعْمِهِ إلَى حَلْقِ الصَّائِمِ فَيُفْسِدَ صَوْمَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغَرِّرَ بِالْفَرْضِ لِمَوْضِعِ الْفَضِيلَةِ وَهِيَ السِّوَاكُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا يَجْعَلُهُ الصَّائِمُ بِاخْتِيَارِهِ فِي فَمِهِ وَيَصِلُ بِاخْتِيَارِهِ إلَى مَوْضِعِ فِطْرِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَكْرُوهٌ وَمُبَاحٌ فَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَمِثْلُ الطَّعَامِ بِمَضْغِهِ لِلصَّبِيِّ وَلَحْسِهِ الْمِدَادَ وَذَوْقِ الْقِدْرِ فَإِنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلصَّائِمِ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمْرٌ يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ دُونَ ضَرَرٍ وَلَا عَوْنَ فِيهِ عَلَى الصَّوْمِ بَلْ فِيهِ تَغْرِيرٌ بِالصَّوْمِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَمَجَّهُ فَقَدْ سَلِمَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنْ دَخَلَ جَوْفُهُ شَيْءٌ مِنْهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ تَعَمَّدَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا عِنْدِي حُكْمُ السِّوَاكِ الرَّطْبِ وَمَا لَهُ طَعْمٌ مِمَّا يَتَعَمَّدُ الْإِنْسَانُ وَضْعَهُ فِي فِيهِ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَهُ رُطُوبَةٌ عِنْدَ وَضْعِهِ فِي فِيهِ كَالْمَاءِ يَتَمَضْمَضُ بِهِ الصَّائِمُ لِشِدَّةِ الْعَطَشِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِهِ وَيَبْتَلِعُ رِيقَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي بَعْدَ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ طَعْمُ الْمَاءِ وَيَخْلُصُ طَعْمُ رِيقِهِ كَالْمُغْتَسِلِ وَالْمُتَوَضِّئِ يَتَمَضْمَضُ أَوْ الدَّوَاءُ يُضْطَرُّ الصَّائِمُ إلَى مُدَاوَاةِ الْحَفْرِ بِهِ فِي النَّهَارِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إنْ خَافَ الضَّرَرَ بِتَأْخِيرِ التَّدَاوِي بِهِ إلَى اللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُفْطِرَ فَإِنْ أَفْطَرَ مَغْلُوبًا بِأَنْ يَصِلَ الْمَاءُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ تَعَمَّدْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ سَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُدَاوَاةِ الْحَفْرِ يَقْضِي؛ لِأَنَّ الدَّوَاءَ
стр. 439
(ص) : (قَالَ يَحْيَى وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ إنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ خِفَّتَهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرَأَوْهُمْ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ) .
(ص) : (وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَصِيَامُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ) .
ــ
[المنتقى]
يَصِلُ إلَى حَلْقِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ سَلِمَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ جَهِلَ أَنْ يَمُجَّ مَا تَجَمَّعَ فِي فِيهِ مِنْ السِّوَاكِ الرَّطْبِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُغَيِّرُ الرِّيقَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي التَّأْوِيلِ وَالنِّسْيَانِ الْقَضَاءُ فَقَطْ وَلَوْ لَمْ يُغَيِّرْ طَعْمُهُ الرِّيقَ لَمَا مُنِعَ مِنْهُ كَمَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ الْيَابِسِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَسْتَاكُ بِالْيَابِسِ، وَإِنْ بُلَّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُكْرَهُ الرَّطْبُ لِلْجَاهِلِ الَّذِي لَا يُحِسُّ إنْ لَمْ يَمُجَّ مَا تَجَمَّعَ مِنْهُ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّغْرِيرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ صَوْمَ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ بَعْدَ الْفِطْرِ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يَتَعَمَّدُونَ صَوْمَهَا.
وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَبَاحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ وَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا، وَإِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ لِمَا خَافَ مِنْ إلْحَاقِ عَوَامِّ النَّاسِ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ وَأَنْ لَا يُمَيِّزُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ حَتَّى يَعْتَقِدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ فَرْضًا وَالْأَصْلُ فِي صِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ مَا رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» وَسَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ هَذَا مِمَّنْ لَا يَحْتَمِلُ الِانْفِرَادَ بِمِثْلِ هَذَا فَلَمَّا وَرَدَ الْحَدِيثُ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَوَجَدَ مَالِكٌ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ مُنْكَرِينَ الْعَمَلَ بِهَذَا احْتَاطَ بِتَرْكِهِ لِئَلَّا يَكُونَ سَبَبًا لِمَا قَالَهُ قَالَ مُطَّرِفٌ إنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ صِيَامَهَا لِئَلَّا يُلْحِقَ أَهْلُ الْجَهْلِ ذَلِكَ بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا مَنْ رَغِبَ فِي ذَلِكَ لِمَا جَاءَ فِيهِ فَلَمْ يَنْهَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَفْضَلُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَةٍ بَعْدَ الْفِطْرِ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ.
(ش) : هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ صَوْمُهُ لِمَنْ أَرَادَ صِيَامَهُ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ مُفْرَدًا وَمُتَّصِلًا بِغَيْرِهِ إلَّا أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَتَحَرَّى هَذَا وَغَيْرَهُ بِغَيْرِ صِيَامٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قُلْت لِعَائِشَةَ «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْتَصُّ مِنْ الْأَيَّامِ شَيْئًا قَالَتْ لَا كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً» .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْعَلَ عَلَى نَفْسِهِ صِيَامَ يَوْمٍ يُؤَقِّتُهُ أَوْ شَهْرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ قَصْدِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ صِيَامَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ لَمْ يَصِلْهُ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَجْهُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ الْأُسْبُوعِ فَجَازَ إفْرَادُهُ بِالصَّوْمِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَيَّامِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ» وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَالتَّعَلُّقُ وَاجِبٌ وَلَعَلَّهُ مَعْنَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهُ وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْ ظَنِّهِ بِالرَّجُلِ لَا عَلَى مَعْنَى الِاخْتِيَارِ لِفِعْلِهِ وَتَحَرِّيهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْمَنْعِ لِقَصْدِ شَيْءٍ مِنْ الْأَيَّامِ بِصَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَلِذَلِكَ كَرِهَ صِيَامَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ لِمَنْ يَتَحَرَّى ذَلِكَ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي صِيَامِهِمَا أَحَادِيثُ لَمْ أَرَ مِنْهَا شَيْئًا ثَابِتًا وَوَرَدَ أَيْضًا فِي صِيَامِ يَوْمِ السَّبْتِ وَيَوْمِ الْأَحَدِ حَدِيثٌ وَوَرَدَ فِي صِيَامِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ حَدِيثٌ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحْتَجُّ بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِيَامُ ثَلَاثَةِ
стр. 440
ذِكْرُ الِاعْتِكَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ إذَا اعْتَكَفَتْ لَا تَسْأَلُ عَنْ الْمَرِيضِ إلَّا وَهِيَ تَمْشِي لَا تَقِفُ) .
ــ
[المنتقى]
أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَحَسَنٌ مَا لَمْ يُعَيِّنْ أَيَّامًا بِعَيْنِهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» ، وَلِأَنَّ صِيَامَهَا مَعَ أَنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا كَصِيَامِ الدَّهْرِ وَلَيْسَ فِيهَا تَشْبِيهٌ بِالْفَرْضِ إذَا لَمْ يُعَيِّنْ أَيَّامًا مِنْ الشَّهْرِ مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ أَيَّامَ الْبِيضِ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ مَا هَذَا بِبَلَدِنَا وَكَرِهَ تَعَمُّدَ صَوْمِهَا، وَقَالَ الْأَيَّامُ كُلُّهَا لِلَّهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ «أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَتْ نَعَمْ قُلْت مِنْ أَيِّ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ قَالَتْ مَا كَانَ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ» وَقَدْ رُوِيَ فِي إبَاحَة تَعَمُّدِهَا بِالصَّوْمِ أَحَادِيثُ لَا تَثْبُتُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ أَبَا الدَّرْدَاءَ كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوَّلُ يَوْمٍ وَالْيَوْمُ الْعَاشِرُ وَيَوْمُ عِشْرِينَ وَيَقُولُ هُوَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا قَالَ وَأَخْبَرَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا كَانَ صِيَامَ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيهَا ضَعْفٌ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا كَانَ مِقْدَارَ صِيَامِ مَالِكٍ فَأَمَّا أَنْ يَتَحَرَّى صِيَامَ هَذِهِ الْأَيَّامِ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ مَالِكٍ مَنْعُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَفْضَلُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ الشَّهْرِ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ، وَيَوْمُ أَحَدَ عَشَرَ الثَّانِي، وَيَوْمُ وَاحِدٍ وَعِشْرِينَ الثَّالِثُ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْمُعْتَمَدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[ذِكْرُ الِاعْتِكَافِ]
(ش) : وَقَوْلُهَا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ» الِاعْتِكَافُ اللُّزُومُ يُقَالُ فُلَانٌ عَاكِفٌ عَلَى أَمْرِ كَذَا إذَا لَازَمَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] قَالَ مَعْنَاهُ مُلَازِمِينَ بِالْعِبَادَةِ، وَالِاعْتِكَافُ فِي الشَّرْعِ مُلَازَمَةُ الْمَسْجِدِ لِلْعِبَادَةِ وَقَوْلُهَا يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَظَاهِرُ هَذَا امْتِنَاعُهُ مِنْ دُخُولِ الْبَيْتِ وَلَوْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ لَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُدْنِيَ إلَيْهَا رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ إذَا لَمْ يَعْتَكِفْ وَفِي هَذَا إبَاحَةُ تَنَاوُلِ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ فَلْيِ رَأْسِهِ وَتَرْجِيلِهِ وَمُنَاوَلَتِهِ وَلَمْسِ جَسَدِهِ لِغَيْرِ لَذَّةٍ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا لِلَّذَّةِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ تُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مَوْضِعَ مُعْتَكَفِهِ وَلَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إلَّا لِضَرُورَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ إلَّا لِضَرُورَةِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَلَا يُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَدْخُلُهُ لِأَكْلٍ وَلَا نَوْمٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَّا الْأَكْلُ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَخْرُجُ لِيَأْكُلَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَإِنْ فَعَلَ بَعْدَ اعْتِكَافِهِ خِلَافًا لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِفِعْلٍ يَجُوزُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ كَمَا لَوْ خَرَجَ لِلصَّلَاةِ وَلِلْجُلُوسِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ إذَا اعْتَكَفَتْ لَا تَسْأَلُ عَنْ الْمَرِيضِ إلَّا وَهِيَ تَمْشِي تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ
стр. 441
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَأْتِي الْمُعْتَكِفُ حَاجَتَهُ وَلَا يَخْرُجُ لَهَا وَلَا يُعَيِّنُ أَحَدًا إلَّا أَنْ يَخْرُجَ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلَوْ كَانَ خَارِجًا لِحَاجَةِ أَحَدٍ لَكَانَ أَحَقُّ مَا يَخْرُجُ إلَيْهِ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ وَالصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَاتِّبَاعَهَا) .
(ص) :. (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَكُونُ الْمُعْتَكِفُ مُعْتَكِفًا حَتَّى يَجْتَنِبَ مَا يَجْتَنِبُ الْمُعْتَكِفُ مِنْ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَائِزِ وَدُخُولِ الْبُيُوتِ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ وَلَا أَرَاهُ كَرِهَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا إلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إلَى الْجُمُعَةِ أَوْ يَدَعَهَا فَإِنْ كَانَ مَسْجِدًا لَا يُجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِهِ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدٍ سِوَاهُ فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا بِالِاعْتِكَافِ فِيهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَعَمَّ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا وَلَمْ يُخَصِّصْ شَيْئًا مِنْهَا قَالَ مَالِكٌ فَمِنْ هُنَاكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجْمَعُ فِيهَا الْجُمُعَةُ إذَا كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ الْجُمُعَةُ) .
ــ
[المنتقى]
تَخْرُجُ لِحَاجَتِهَا فَتَمُرُّ بِأَهْلِ الْمَرِيضِ أَوْ بِمَوْضِعِهِ فَلَا تَقِفُ لِلسُّؤَالِ وَلَكِنَّهَا كَانَتْ تَسْأَلُ عَنْهُ مَاشِيَةً؛ لِأَنَّ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَى الْعِيَادَةِ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَلَا حُضُورُ جِنَازَةٍ وَلَا طَلَبُ دَيْنٍ لَهُ وَلَا اسْتِيفَاءُ حَدٍّ وَجَبَ لَهُ فَإِنْ خَرَجَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَطْعٌ لِمَا يَقْتَضِيه الِاعْتِكَافُ مِنْ الْمُلَازَمَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَرَجَ لِاقْتِضَاءِ دَيْنٍ مِنْهُ أَوْ اسْتِيفَاءِ حَدٍّ عَلَيْهِ مُكْرَهًا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ سَبَبَ خُرُوجِهِ مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ خُرُوجِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذَا مُكْرَهٌ عَلَى الْخُرُوجِ فَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ كَمَا لَا يُفْسِدُهُ خُرُوجُهُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَأْتِي الْمُعْتَكِفُ حَاجَةً وَلَا يَخْرُجُ لَهَا وَأَرَادَ بِذَلِكَ الْحَوَائِجَ الَّتِي تَنْدُرُ وَيُمْكِنُ التَّرْكُ لَهَا كَالْخُرُوجِ لِشِرَاءِ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ أَوْ لِطَلَبِ أَمْرٍ فَأَمَّا الْحَوَائِجُ الْمُعْتَادَةُ الَّتِي لَا يَسْتَبِدُّ مِنْهَا فَمِنْهَا مَا لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا فَلَا بُدَّ لِلْمُعْتَكِفِ مِنْهَا وَمِنْهَا مَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَشِرَاءِ طَعَامٍ لِغِذَائِهِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ إنْ أَمْكَنَهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَادَةِ الَّتِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُعَيِّنُ أَحَدًا أَيْ لَا يُعَيِّنُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِ الْمُعْتَادَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مُسْتَغْنٍ عَنْهَا قَالَ وَلَوْ كَانَ خَارِجًا لِمَعُونَةِ أَحَدٍ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَدِّ بِهَا لَكَانَ أَحَقُّ مَا يَخْرُجُ إلَيْهِ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ وَشُهُودَ الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَاتٌ مَأْمُورٌ بِهَا مَعَ مَا شُرِعَ مِنْ التَّشَارُكِ فِيهَا وَالِاحْتِفَالِ بِهَا فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ مَمْنُوعًا فَإِنْ يُمْنَعَ مِنْ غَيْرِهَا أَوْلَى وَأَحْرَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَكُونُ مُعْتَكِفًا إلَّا مَنْ الْتَزَمَ شَرْطَ الِاعْتِكَافِ وَتَرَكَ الْخُرُوجَ لِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ إنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعْتَكِفًا.
(ش) : قَوْلُهُ هَلْ يَدْخُلُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقْفٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ قَضَاءَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفٍ.
وَقَدْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَهُ تَحْتَ سَقْفٍ لِقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ» ، وَكَذَلِكَ الطَّهَارَةُ وَكُلُّ مَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِي اعْتِكَافِهِ أَنْ يَدْخُلَ لَهُ تَحْتَ سَقْفٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ إلَّا الْخُرُوجُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَأَمَّا الْكَوْنُ تَحْتَ سَقْفٍ فَلَا يُنَافِيهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا اخْتِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ يُرِيدُ يُصَلَّى
стр. 442
(ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَبِيتُ الْمُعْتَكِفُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ فِي رَحْبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ أَسْمَعَ أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَضْرِبُ بِنَاءً يَبِيت فِيهِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي رَحْبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبِيتُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، قَوْلُ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» ) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ لَا يَعْتَكِفُ أَحَدٌ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ وَلَا فِي الْمَنَارِ يَعْنِي الصَّوْمَعَةَ) .
ــ
[المنتقى]
فِيهِ الْجُمُعَةُ وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي لَا يُصَلَّى فِيهَا الْجُمُعَةُ فَإِنَّمَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِيهَا إذَا كَانَ الِاعْتِكَافُ يَتَّصِلُ إلَى وَقْتِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ مَمْنُوعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّخَلُّفُ عَنْ الْجُمُعَةِ.
وَالثَّانِي: الْخُرُوجُ عَنْ الِاعْتِكَافِ إلَى الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ يُبْطِلُ اعْتِكَافَهُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْجَهْمِ عَنْ مَالِكٍ الْخُرُوجَ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَا يُنْتَقَضُ اعْتِكَافُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ اعْتِكَافُهُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي لَا يُجْمَعُ فِيهَا مَكْرُوهًا غَيْرَ مُحَرَّمٍ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ اعْتِكَافِهِ فِي مَسْجِدٍ لَا يُجْمَعُ فِيهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْجُمُعَةِ فَيُدْخِلَ فِي اعْتِكَافِهِ نَقْصًا وَاخْتِلَافًا فِي جَوَازِهِ وَمَنْ يُدْخِلُ فِيهِ إبْطَالًا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ لَا يَصِلُ إلَى وَقْتِ الْجُمُعَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ.
وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ فَعَمَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِقَوْلِهِ بِالْعُمُومِ وَتَعَلَّقَ بِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَوَى اعْتِكَافَ أَيَّامٍ لَا تُدْرِكُهُ فِيهَا الْجُمُعَةُ وَالْتَزَمَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ لَا يُجْمَعُ فِيهِ فَمَرِضَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى إكْمَالِ اعْتِكَافِهِ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فَذَهَبَ مَالِكٌ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ وَيَبْطُلَ اعْتِكَافُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ إلَى الْجُمُعَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَبْطُلَ اعْتِكَافُهُ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي اعْتِكَافٍ يَأْتِي عَلَى وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ أَمْرٌ طَرَأَ عَلَيْهِ خُرُوجٌ لِعِبَادَةٍ يَلْزَمُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا فَلَمْ يَبْطُلْ بِذَلِكَ اعْتِكَافُهُ كَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لَا يَبِيتُ الْمُعْتَكِفُ إلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَعْتَكِفُ فِيهِ وَبِحَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِكَافُ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَضْطَرِبَ خِبَاءً فِي رَحْبَةٍ مِنْ رِحَابِ الْمَسْجِدِ يَبِيتُ فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَكَفَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَصَحَّ اعْتِكَافُهُ وَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ مَبِيتًا بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْمُعْتَكَفِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ اللُّزُومَ وَالتَّتَابُعَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ اللُّزُومَ وَالْمُوَاصَلَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ لِلنَّوْمِ لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُ فَيُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَسْجِدِهِ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَكَانِ مُعْتَكَفِهِ إلَى مَا يَقْرَبُ مِنْهُ وَإِلَى مَا يَكُونُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ مِنْ بَيْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ فِي رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ صَحْنَ الْمَسْجِدِ دَاخِلَهُ وَأَمَّا خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَعْتَكِفُ الْمُعْتَكِفُ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ظَهْرَ الْمَسْجِدِ لَيْسَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ لَا تُؤَدَّى فِيهِ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ كَانَتْ تُؤَدَّى خَارِجَ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ فَوْقَ ظَهْرِ الْمَسْجِدِ لِبُعْدِهِ عَنْ حُكْمِ الْمَسْجِدِ فَبِأَنْ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا فِي الْمَنَارِ يَعْنِي الصَّوْمَعَةَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَنَارِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ اسْمًا يَخْتَصُّ بِهِ عَنْ الْمَسْجِدِ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مُتَّخَذٌ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا اُتُّخِذَ لِلْإِعْلَامِ بِالصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ
стр. 443
(ص) : (وَقَالَ مَالِكٌ يَدْخُلُ الْمُعْتَكِفُ الْمَكَانَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا حَتَّى يَسْتَقْبِلَ بِاعْتِكَافِهِ أَوَّلَ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْمُعْتَكِفُ مُشْتَغِلٌ بِاعْتِكَافِهِ لَا يَعْرِضُ لِغَيْرِهِ مِمَّا يَشْتَغِلُ بِهِ مِنْ التِّجَارَاتِ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِضَيْعَتِهِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ وَأَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ لَا يَشْغَلُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ خَفِيفًا أَنْ يَأْمُرَ بِذَلِكَ مَنْ يَكْفِيه إيَّاهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ فِي الِاعْتِكَافِ شَرْطًا، وَإِنَّمَا الِاعْتِكَافُ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فَرِيضَةً أَوْ نَافِلَةً فَمَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَعْمَلُ
ــ
[المنتقى]
الِاعْتِكَافُ فِيهِ كَالْبَيْتِ الْمُتَّخَذِ فِيهِ لِاخْتِزَانِ حُصْرِ الْمَسْجِدِ وَسُرُجِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآلَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُؤَذِّنُ الْمُعْتَكِفُ فِي الْمَنَارِ أَمْ لَا؟ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فَمَنَعَ مِنْهُ مَرَّةً وَأَبَاحَهُ أُخْرَى وَجْهُ مَنْعِهِ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُمْكِنْ الْخُرُوجُ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ كَمَا لَوْ خَرَجَ لِلْأَكْلِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُرَادُ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَبْطُلْ الِاعْتِكَافُ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِ كَالطَّهَارَةِ.
(ش) : هَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ يُؤْمَرُ الْمُعْتَكِفُ بِأَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفِهِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي قَدْ عَزَمَ عَلَى الِاعْتِكَافِ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَبْتَدِئَ بِالِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِهَا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا بَقِيَّةٌ لِيَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ اللَّيْلَةِ فِي مُعْتَكَفِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقْتٌ يَجُوزُ لَهُ فِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ أَجُزْأَهُ كَمَا حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يُجْزِئُهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَ لَيْلَةِ الِاعْتِكَافِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَجْهُ مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ اللَّيْلَةَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِي الِاعْتِكَافِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ بِدَلِيلِ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلَّا بِصَوْمٍ وَلَيْسَ اللَّيْلُ بِزَمَنٍ لِلصَّوْمِ فَثَبَتَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالِاعْتِكَافِ هُوَ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلَةِ، وَإِذَا أَتَى بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْعِبَادَةِ لَمْ يُبْطِلْهَا الْإِخْلَالُ بِبَعْضِ ثَوَابِهَا وَوَجْهُ مَا قَالَهُ سَحْنُونٍ أَنَّهُ زَمَنٌ لِلِاعْتِكَافِ فَلَمْ يَتَبَعَّضْ كَالصَّوْمِ.
(فَرْعٌ) فَمَنْ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا يَحْتَسِبُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ فِيمَا لَزِمَ نَفْسَهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ فَإِنْ كَانَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ اسْتَأْنَفَ بَعْدَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِكَمَالِ لَيَالِيهَا إلَّا أَنَّهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ الَّذِي تَرَكَ بَعْضَ لَيْلَتِهِ مُعْتَكِفٌ فَإِنْ فَعَلَ مَا يَقْطَعُ الِاعْتِكَافَ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ الْمُعْتَكِفَ وَعَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ يَحْتَسِبُ بِهِ فِي الْعَشَرَةِ الْأَيَّامِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَشْتَغِلُ عَنْ اعْتِكَافِهِ بِشَيْءٍ مِنْ التِّجَارَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ عَلَى مَعْنَى الْتِزَامِ نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمُوَاظَبَتِهَا فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهَا بِالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِأَمْرِ دُنْيَا وَلَا بِغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ قَطْعًا لِمَا يَلْزَمُهُ تَمَامُهُ، وَلِأَنَّنَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ غَيْرِ مَا عَكَفَ عَلَيْهِ فَبِأَنْ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ الْمُعْتَكِفُ بِضَيْعَتِهِ وَمَصْلَحَةِ أَهْلِهِ وَبَيْعِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ لَا يَشْغَلُهُ فِي نَفْسِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَيْسَ بِقَطْعٍ لِاعْتِكَافِهِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ اعْتِكَافِهِ الصَّمْتُ، وَإِنَّمَا مِنْ شَرْطِهِ اتِّصَالُ أَمْرِهِ بِبَيْعِ مَالِهِ كَمَا لَا يَقْطَعُهُ أَمْرُهُ بِمُنَاوَلَتِهِ الطَّعَامَ وَالْمَاءَ وَالْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي يَجْلِسُ إلَى جَانِبِهِ وَسُؤَالُهُ عَنْ الْمَرِيضِ مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ وَتَعْزِيَتُهُ بِالْمَيِّتِ مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَمُحَادَثَتُهُ صَدِيقَهُ وَأَهْلَهُ بِمَا خَفَّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَنْقَضِي بِيَسِيرِ الْكَلَامِ فَلَا يَقْطَعُ اعْتِكَافَهُ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ مَا كَثُرَ مِنْ الْكَلَامِ وَاتَّصَلَ.
стр. 444
بِمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا مَضَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لَا مِنْ شَرْطٍ يَشْتَرِطُهُ وَلَا يَبْتَدِعُهُ، وَقَدْ اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَرَفَ الْمُسْلِمُونَ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالِاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ وَالِاعْتِكَافُ لِلْقَرَوِيِّ وَالْبَدْوِيِّ سَوَاءٌ) .
مَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِهِ (ص) : (يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَنَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَا لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الِاعْتِكَافَ مَعَ الصِّيَامِ قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الِاعْتِكَافَ عَمَلٌ مُتَّصِلٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ مُقْتَضَاهُ الِاتِّصَالُ عَلَى مَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ خِلَافَ مُقْتَضَاهُ وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ الدُّخُولَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا يَشْتَرِطُ الْخُرُوجَ مِنْهُ مَتَى أَرَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ نَذَرَ اعْتِكَافًا غَيْرَ شَرْعِيٍّ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ الشَّرْعِيَّ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمًا يُفْطِرُ فِيهِ نَهَارًا مَتَى شَاءَ أَوْ نَذَرَ صَلَاةً يَتَكَلَّمُ فِيهَا مَتَى شَاءَ وَلَا يُبْطِلُهَا عَلَيْهِ الْحَدَثُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ نَذَرَ هَذَا، ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ بِالدُّخُولِ فِيهِ وَبَطَلَ الشَّرْطُ الَّذِي شَرَطَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الْخُرُوجِ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حَوَائِجِهِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَفْعَالَ الْقُرَبِ إذَا دَخَلَ فِيهَا لَزِمَتْ بِالدُّخُولِ فِيهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْخُرُوجَ فِي أَثْنَائِهَا لَزِمَهُ إتْمَامُهَا فَإِذَا شَرَطَ الْخُرُوجَ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ كَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِكَافُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الصَّوْمُ، وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ كَامِلٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مُدَّتِهَا مَا يَصِحُّ فِيهِ الصَّوْمُ وَذَلِكَ يَوْمٌ.
(ش) : قَوْلُهُ الِاعْتِكَافُ وَالْجِوَارُ سَوَاءٌ يُرِيدُ الْجِوَازَ الَّذِي بِمَعْنَى الِاعْتِكَافِ فِي التَّتَابُعِ يَلْزَمُ فِيهِ مَا يَلْزَمُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَأَمَّا الْجِوَارُ الَّذِي يَفْعَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ فَإِنَّمَا هُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ بِالنَّهَارِ وَالِانْقِلَابِ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَع شَيْئًا وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِي حَوَائِجِهِ وَلِعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَشُهُودِ جِنَازَةٍ وَيَطَأُ أَهْلَهُ وَجَارِيَتَهُ مَتَى شَاءَ فَهَذَا الْجِوَارُ غَيْرُ الْجِوَارِ الَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَاعْتِكَافُ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ سَوَاءٌ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُمَا فِيمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا وَيُبَاحُ لَهُمَا سَوَاءٌ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ فِي أَمْرِ الْجُمُعَةِ فَإِنْ كَانَ الْبَدَوِيُّ بِمَوْضِعٍ فِيهِ جُمُعَةٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ لَا يُجْمَعُ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْقَرَوِيِّ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَلْزَمُهُ دُونَ الْبَدَوِيِّ.
[مَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِهِ]
(ش) : قَوْلُهُمَا إنَّهُ لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصِيَامٍ نَفْيٌ لِوُجُودِ اعْتِكَافٍ شَرْعِيٍّ دُونَ صِيَامٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَقَالَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الصِّيَامُ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاسِمُ وَنَافِعٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ، وَهَذَا خِطَابٌ لِلصَّائِمِينَ لِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا لَبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ قُرْبَةً بِمُجَرَّدِهِ دُونَ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنًى آخَرُ
стр. 445
خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ لِلْعِيدِ (ص) : (عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اعْتَكَفَ فَكَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقِيفَةٍ فِي حُجْرَةٍ مُغْلَقَةٍ فِي دَارِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ) .
(ص) : (يَحْيَى عَنْ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ إذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَرْجِعُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ النَّاسِ قَالَ زِيَادٌ قَالَ مَالِكٌ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا أَوْ هَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
وَهُوَ قُرْبَةٌ فِي نَفْسِهِ دَلِيلُهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لِلِاعْتِكَافِ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ لِرَمَضَانَ وَلِنَذْرٍ وَلِغَيْرِهِ فَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فَهَلْ يَجُوزُ لَك أَدَاؤُهُ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي صِيَامٍ وَاجِبٍ عَلَيْهِ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الِاعْتِكَافَ مُقْتَضَاهُ جَوَازُ فِعْلِهِ مَعَ صِيَامٍ لِغَيْرِهِ فَإِذَا نَذَرَهُ النَّاذِرُ فَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ نَذْرُهُ إلَى مُقْتَضَاهُ فِي أَصْلِ الشَّرْعِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَكُونَ كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَصَوْمًا، وَهَذَا كَمَا نَقُولُ إنَّ مَنْ نَذَرَ صَلَاةً لَزِمَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَطَهَّرَ لَهَا خَاصَّةً بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا بِطَهَارَةٍ لِغَيْرِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ النَّاذِرَ لِلِاعْتِكَافِ لَزِمَهُ نَذْرُهُ عَلَى جَمِيعِ شُرُوطِهِ الَّتِي لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا وَلَمَّا كَانَ الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَعَ الصَّوْمِ تَنَاوَلَ صَوْمَهُ النَّذْرُ مَعَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[خُرُوجُ الْمُعْتَكِفِ لِلْعِيدِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَتِهِ تَحْتَ سَقِيفَةٍ فِي حُجْرَةٍ مُغْلَقَةٍ فِي دَارِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ مَنْزِلِهِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعُ حَاجَتِهِ فِي غَيْرِ دَارِهِ؛ لِأَنَّ فِي رُجُوعِهِ إلَى دَارِهِ وَدُخُولِهِ إلَيْهِ ذَرِيعَةً إلَى الِاشْتِغَالِ بِبَعْضِ مَا يَظْهَرُ إلَيْهِ فِيهِ وَيَرَاهُ مِنْهُ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة لَا يَدْخُلُ بَيْتَهُ وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ لِشَيْءٍ وَلَا يَتَوَضَّأُ إلَّا فِي غَيْرِهِ وَلَيْسَ النَّبِيُّ ﷺ كَغَيْرِهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ يُمَكِّنُهُ إلَى مَوْضِعِ مُعْتَكَفِهِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا يَقْصِدُ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْزِلُهُ لَمْ يَتَعَدَّهُ إلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَشْهَدَ الْعِيدَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُقِيمُ فِي مُعْتَكَفِهِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ إلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ إلَى دَارِهِ بَعْدَ أَنْ يَشْهَدَ الْعِيدَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَرَوَاهُ عَنْهُ سَحْنُونٌ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ خَرَجَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْعِبَادَتَيْنِ يَصِحُّ إفْرَادُهَا فَلَمْ تَكُنْ إحْدَاهُمَا مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْأُخْرَى كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ جَازَ الِاعْتِكَافُ فِي زَمَنٍ لَا يَتَّصِلُ بِلَيْلَةِ الْفِطْرِ وَلَوْ كَانَ الْمُقَامُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ بِالْمُعْتَكَفِ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الِاعْتِكَافِ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَنَّ كُلَّ عِبَادَتَيْنِ جَرَى عُرْفُ الشَّرْعِ بِاتِّصَالِهِمَا فَإِنَّ اتِّصَالَهُمَا عَلَى الْوُجُوبِ كَالطَّوَافِ وَرَكْعَتَيْهِ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا مَضَى وَأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَفِعْلُهُمْ أَنْ لَا يَرْجِعُوا مِنْ مُعْتَكَفِهِمْ إلَى أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا صَلَاةَ عِيدِ الْفِطْرِ مَعَ النَّاسِ فَيُصَلُّونَ بَيْنَ الْعِبَادَتَيْنِ، وَهَذَا لِمَنْ شَهِدَ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ النَّاسِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ مَرِيضٍ يَقْدِرُ عَلَى الِاعْتِكَافِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ إلَى مَوْضِعِ صَلَاةِ الْعِيدِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 446
قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ (ص) : (زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلَمَّا انْصَرَفَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ وَجَدَ أَخْبِيَةً خِبَاءَ عَائِشَةَ وَخِبَاءَ حَفْصَةَ وَخِبَاءَ زَيْنَبَ فَلَمَّا رَآهَا سَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ هَذَا خِبَاءُ عَائِشَةَ وَخِبَاءُ حَفْصَةَ وَخِبَاءُ زَيْنَبَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ» .
(ص) : (زِيَادٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِعُكُوفٍ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَقَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ مَرِضَ فَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ أَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْعَشْرِ إذَا صَحَّ أَمْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَفِي أَيِّ شَهْرٍ يَعْتَكِفُ إنْ وَجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَالِكٌ يَقْضِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ عُكُوفٍ إذَا صَحَّ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ الْعُكُوفَ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى إذَا ذَهَبَ رَمَضَانُ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
[قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ]
(ش) : قَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيهِ يُرِيدُ أَنَّهُ انْصَرَفَ إلَيْهِ مِنْ مَوْضِعِ إقَامَتِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْمُعْتَكِفِ مَوْضِعًا يَلْزَمُهُ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ مِنْ مَسْجِدِهِ وَلَيْسَ لُزُومُهُ لَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ اعْتِكَافِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فِي مُدَّةِ اعْتِكَافِهِ فَمَشْيُهُ إلَى مَوْضِعِ إمَامَتِهِ مَشْيٌ لِأَدَاءِ فَرِيضَتِهِ فِي مَسْجِدِهِ فَلَمْ يُدْخِلْ نَقَصَا فِي اعْتِكَافِهِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْأَذَانِ فَكَرِهَهُ مَرَّةً وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ثَانِيَةً فَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا عِنْدَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ مَكْرُوهًا فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْإِمَامَةَ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا اعْتَكَفَ عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ الْإِتْيَانَ بِهِ مَعَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَأَمَّا الْأَذَانُ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ غَيْرُ الْعِبَادَةِ الَّتِي الْتَزَمَهَا الْمُعْتَكِفُ فَكَرِهَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا كَرِهَ لَهُ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ حُضُورِ الْجَنَائِزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَجَدَ أَخْبِيَةً خِبَاءَ عَائِشَةَ وَخِبَاءَ حَفْصَةَ وَخِبَاءَ زَيْنَبَ يُرِيدُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ الْمَذْكُورَاتِ ضَرَبَتْ لِنَفْسِهَا خِبَاءً تَعْتَكِفُ فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ قَذَّرَهُنَّ وَخَافَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُنَّ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْحِرْصُ عَلَى الْقُرْبِ مِنْهُ وَالْغَيْرَةُ عَلَى سَائِرِ أَزْوَاجِهِ أَنْ يَفْعَلْنَ مِثْلَ فِعْلِهِ فَلَا تَسْلَمُ نِيَّتُهَا لِلِاعْتِكَافِ فَكَرِهَ اعْتِكَافَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَمَنَعَ جَمِيعَهُنَّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ مِنْهُنَّ مَنْ قَصَدَ هَذَا الْقَصْدَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ انْصَرَفَ يُرِيدُ أَنَّ انْصِرَافَهُ كَانَ قَبْلَ الْتِزَامِهِ الِاعْتِكَافَ وَالدُّخُولَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْصَرَفَ لِمَانِعِ عَزْلِهِنَّ أَوْ لِقُرْبَةٍ أُخْرَى رَآهَا أَوْلَى مِنْ الِاعْتِكَافِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ لِمَا أَرَادَ مِنْ صَرْفِ جَمِيعِهِنَّ فَرَأَى انْصِرَافَهُ أَقْرَبَ لِاسْتِصْلَاحِهِنَّ تَطْيِيبَ أَنْفُسِهِنَّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَعْتَكِفْ حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ يَقْتَضِي أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ مُطْلَقٌ إذَا كَانَ فِي زَمَنٍ يَصِحُّ صَوْمُهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ لَزِمَهُ اعْتِكَافٌ فِي رَمَضَانَ وَطَرَأَ عَلَيْهِ مَانِعٌ مِنْ الصِّيَامِ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ يَلْزَمُ بِوَجْهَيْنِ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ فَيَأْتِي وَجْهٌ لِفِطْرٍ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ فِي الِاعْتِكَافِ فِيهِ يَنْوِي مُدَّةً مِنْهُ لَزِمَتْهُ تِلْكَ الْمُدَّةُ وَصَارَتْ مَعَ صَوْمِ رَمَضَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ فَإِذَا لَزِمَهُ قَضَاءُ
стр. 447
(ص) : (زِيَادٌ قَالَ مَالِكٌ وَالْمُتَطَوِّعُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَبْلُغْنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ اعْتِكَافُهُ إلَّا تَطَوُّعًا» ) .
ــ
[المنتقى]
صَوْمِ رَمَضَانَ لَزِمَهُ قَضَاءُ ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا إنْ كَانَ صَوْمُ الِاعْتِكَافِ وَاجِبًا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَفَسَدَ صَوْمُهُ لِمَعْنًى يُوجِبُ قَضَاءَهُ أَنْ يَلْزَمَهُ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ وَفِي صَوْمٍ غَيْرِ وَاجِبٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ نَاسِيًا فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَانِعٍ مِنْ قَضَاءِ الصَّوْمِ كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ يَمْنَعُ مِنْ قَضَاءِ الِاعْتِكَافِ أَيْضًا.
(فَصْلٌ) :
فَإِنْ لَزِمَهُ بِالنَّذْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَانٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَحُكْمُ رَمَضَانَ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَمَضَانَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَسْتَغْرِقَهُ الْمَانِعُ أَوَّلًا يَسْتَغْرِقُهُ فَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْهُ وَكَانَ الْمَانِعُ فِي آخِرِ زَمَنِ الِاعْتِكَافِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِالِاعْتِكَافِ قَدْ لَزِمَهُ بَعْضُهُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا مَانِعٌ غَالِبٌ مَانِعٌ مِنْ صَوْمٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ وُجُوبُهُ لِغَيْرِ الِاعْتِكَافِ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا مَنَعَ مِنْهُ كَمَا لَوْ مَنَعَ مِنْ جَمِيعِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمَعَانِي الْمَانِعَةُ مِنْ الِاعْتِكَافِ هِيَ الْمَرَضُ وَالْحَيْضُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ وَفِي الْجُمْلَةِ كُلُّ أَمْرٍ غَالِبٍ لَا يَصِحُّ مَعَهُ فِعْلُهُ وَلَا يُنْسَبُ إلَى الْمُكَلَّفِ فِيهِ التَّفْرِيطُ وَيَلْزَمُ الْحَائِضَ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهَا وَالْمَرِيضَ الرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِهِ وَأَمْكَنَ لِعِلَاجِهِ فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ أَرْفَقَ بِهِ فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى بَيْتِهِ إلَى أَنْ يُمْكِنَهُ الصَّوْمُ فَاَلَّذِي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْقُرْطُبِيُّ يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَهُوَ مُلَازَمَةُ الْمَسْجِدِ وَالِامْتِنَاعِ تَمَايُنًا فِي الِاعْتِكَافِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يُفِيقَ، وَهَذَا يَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُعْتَكِفِ يَوْمَ الْعِيدِ لَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ يَلْزَمُ الْمَسْجِدَ فَعَلَيْهِ هَاهُنَا مِثْلُهُ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيمَنْ تَلَبَّسَ فِي الثُّغُورِ بِالِاعْتِكَافِ حَالَ الْأَمَانِ، ثُمَّ طَرَأَ الْخَوْفُ فَلَزِمَهُ الْخُرُوجُ وَتَرْكُ الِاعْتِكَافِ فَقَالَ مَالِكٌ إذَا أَمِنَ ابْتَدَأَ اعْتِكَافَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ يَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِكَافِهِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ اعْتِكَافِهِ وَتَشَاغَلَ عَنْهُ بِعِبَادَةٍ وَقَطَعَ مَسَافَةً كَمَا لَوْ خَرَجَ لِحَجِّ أَوْ جِنَازَةٍ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ خَرَجَ لِطَاعَةٍ لَا يَسْتَبِدُّ مِنْهَا وَلَا يَتِمُّ اعْتِكَافُهُ إلَّا بِهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ كَمَا لَوْ خَرَجَ لِشِرَاءِ قُوتِهِ وَطَهُورِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ يَقْضِي مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ عُكُوفٍ إذَا صَحَّ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّ الْقَضَاءَ يَبْطُلُ أَوَّلَ وَقْتِ الْإِمْكَانِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ ذَلِكَ عَنْ وَقْتِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ عَلَى حُكْمِهِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ فَإِذَا تَرَكَهُ مَعَ الْإِمْكَانِ فَقَدْ أَخَلَّ بِشَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ فَكَانَ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الَّذِي تَطَوَّعَ بِالِاعْتِكَافِ فَلَزِمَهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وَاَلَّذِي نَذَرَهُ فَلَزِمَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِ حُكْمُهُمَا وَاحِدٌ فِيمَا يَحِلُّ لَهُمَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا يُنَافِي الْعِبَادَةَ الْوَاجِبَةَ يُنَافِيهَا إذَا تَطَوَّعَ بِهَا كَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ التَّنَفُّلُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي الصَّلَاةَ بَلْ هُوَ هَيْئَةٌ مِنْ هَيْئَاتِهَا تَسْقُطُ لِعُذْرٍ، وَاَلَّذِي يُنَافِي الصَّلَاةَ الْكَلَامُ وَالْحَدَثُ وَتَطَوُّعُ الصَّلَاةِ وَفَرْضُهَا يَتَسَاوَيَانِ فِي ذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاَلَّذِي يَحْرُمُ فِي الِاعْتِكَافِ وَيَفْسُدُ لِمُنَافَاتِهِ هُوَ
стр. 448
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ إنَّهَا إذَا اعْتَكَفَتْ، ثُمَّ حَاضَتْ فِي اعْتِكَافِهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ، ثُمَّ تَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ اعْتِكَافِهَا قَالَ مَالِكٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَتَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ» .
ــ
[المنتقى]
الِاسْتِمْتَاعُ بِالنِّسَاءِ بِقُبْلَةٍ أَوْ مُبَاشَرَةٍ أَوْ جَسَّةٍ أَوْ جِمَاعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
(فَرْعٌ) فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُبْطِلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الِاعْتِكَافَ إلَّا بِالْإِيلَاجِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مُبَاشَرَةٍ لَوْ قَارَنَهَا الْإِنْزَالُ أَفْسَدَتْ الِاعْتِكَافَ فَإِنَّهَا تُفْسِدُهُ وَإِنْ عَرِيَتْ عَنْ الْإِنْزَالِ كَالْإِيلَاجِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَيُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ الْأَكْلُ عَامِدًا لِمَا قُلْنَا إنَّ مِنْ شَرْطِهِ الصَّوْمَ وَالتَّتَابُعَ وَيُفْسِدُهُ ارْتِكَابُ كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ كَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالِالْتِذَاذِ بِمَنْ لَا يَحِلُّ الِالْتِذَاذُ بِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ السَّرِقَةَ وَالْقَتْلَ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْكَبَائِرِ يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ نِهَايَةُ الطَّاعَةِ وَالْمُبَالَغَةِ حَتَّى إنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ التَّشَاغُلُ عَنْهُ بِتَدْرِيسِهِ الْعِلْمَ وَالْمَشْيُ إلَى الْجَنَائِزِ وَرُكُوبُ الْكَبَائِرِ يُنَافَى هَذَا وَمَا ضَادَّ الْعِبَادَةَ أَفْسَدَهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحَائِضَ الْمُعْتَكِفَةَ إذَا حَاضَتْ خَرَجَتْ مِنْ مُعْتَكَفِهَا؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَائِضُ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا طَهُرَتْ رَجَعَتْ إلَى مُعْتَكَفِهَا أَيَّةَ سَاعَةٍ طَهُرَتْ لَا تُؤَخِّرُ رُجُوعَهَا عَنْ وَقْتِ طُهْرِهَا أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ التَّتَابُعَ فَإِذَا أَخَّرَتْ ذَلِكَ بَطَلَ التَّتَابُعُ وَبَطَلَ بِعَدَمِهِ الِاعْتِكَافُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ رَجَعَتْ نَهَارًا فَأَنَّهَا لَا تُمْسِكُ عَنْ الْأَكْلِ بَقِيَّةَ نَهَارِهَا وَلَا يُحْتَسَبُ لَهَا بِهِ فِي أَيَّامِ اعْتِكَافِهَا فَإِنْ رَجَعَتْ لَيْلًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَنَوَتْ الصَّوْمَ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ يُجْزِئُهَا، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تَحْتَسِبُ بِذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ دُخُولُهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ كَابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ يَجِبُ عَلَيْهَا صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَتَحِيضُ فَتَبْنِي عَلَى مَا مَضَى مِنْ صِيَامِهَا وَلَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ الْمَوَانِعَ الْغَالِبَةَ كَالْحَيْضِ وَالْمَرَضِ وَلَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، وَإِنَّمَا يَقْطَعُهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّأْخِيرِ لَهُ بَعْدَ الْمَوَانِعِ الْغَالِبَةِ عَنْ وَقْتِ الْإِمْكَانِ، وَكَذَلِكَ تَتَابُعُ الصِّيَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَذْهَبُ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فِي الْبُيُوتِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ الْبُيُوتِ لِمَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ التَّغَوُّطِ وَالطَّهَارَةِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَكَذَلِكَ الْخُرُوجُ لِشِرَاءِ الطَّعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ يُؤْتَى لَهُ الْأَسْوَاقُ وَمَوَاضِعُ بَيْعِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ مِنْهُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ مَعَ جِنَازَةِ أَبَوَيْهِ وَلَا مَعَ غَيْرِهِمَا) (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُعْتَكِفَ لَا يَخْرُجُ إلَّا لِمَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مِمَّا لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ لِفَرْضٍ مُتَعَيِّنٍ عَلَيْهِ وَيُبْطِلُ ذَلِكَ اعْتِكَافَهُ وَأَمَّا خُرُوجُهُ لِجِنَازَةِ أَبَوَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِفَرْضٍ وَلَا فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِكَافِ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَخْرُجُ الْمُعْتَكِفُ لِعِيَادَةِ أَبَوَيْهِ إذَا مَرِضَا وَيَبْتَدِئُ اعْتِكَافَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا إذَا كَانَا حَيَّيْنِ لَزِمَهُ طَلَبُ مَرْضَاتِهِمَا وَاجْتِنَابُ مَا يُسْخِطُهُمَا فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ بِرِّ أَبَوَيْهِ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا وَالْإِتْيَانِ بِاعْتِكَافِهِ بِأَنْ يَبْتَدِئَهُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ تَرْكُ حُضُورِ جِنَازَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْرِفَانِ بِحُضُورِهِ فَيُرْضِيهِمَا ذَلِكَ وَلَا يَعْلَمَانِ بِتَخَلُّفِهِ فَيُسْخِطُهُمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 449
النِّكَاحُ فِي الِاعْتِكَافِ (ص) : (زِيَادَةٌ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِنِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ نِكَاحَ الْمِلْكِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ، وَالْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ أَيْضًا تُنْكَحُ نِكَاحَ الْخِطْبَةِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ قَالَ وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ، وَلَا يَتَلَذَّذُ مِنْهَا بِشَيْءٍ بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا قَالَ مَالِكٌ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ لِلْمُعْتَكِفِ وَلَا لِلْمُعْتَكِفَةِ أَنْ يَنْكِحَا فِي اعْتِكَافِهِمَا مَا لَمْ يَكُنْ الْمَسِيسُ وَلَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَنْكِحَ فِي صِيَامِهِ وَفَرْقٌ بَيْنَ نِكَاحِ الْمُعْتَكِفِ وَبَيْنَ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ وَيَشْهَدُ الْجَنَائِزَ وَلَا يَتَطَيَّبُ وَالْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ يَدْهُنَانِ وَيَتَطَيَّبَانِ وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ شَعْرِهِ وَلَا يَشْهَدَانِ الْجَنَائِزَ وَلَا يُصَلِّيَانِ عَلَيْهَا وَلَا يَعُودَانِ الْمَرْضَى فَأَمْرُهُمَا فِي النِّكَاحِ مُخْتَلِفٌ قَالَ قَالَ وَذَلِكَ لِمَا مَضَى مِنْ السُّنَّةِ فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَالْمُعْتَكِفِ وَالصَّائِمِ) .
مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ
ــ
[المنتقى]
[النِّكَاحُ فِي الِاعْتِكَافِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُعْتَكِفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ نِكَاحَهُ وَنِكَاحَ غَيْرِهِ بِمَا خَفَّ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ كَمَا لَا يُنَافِيه دَوَاعِي النِّكَاحِ مِنْ التَّطَيُّبِ وَالتَّزَيُّنِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيه نَفْسُ الْمُبَاشَرَةِ وَالْجِمَاعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْحَجَّ يَمْنَعُ دَوَاعِيَ النِّكَاحِ مِنْ التَّطَيُّبِ فَمَنَعَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ وَالِاعْتِكَافُ لَا يَمْنَعُ دَوَاعِيَ النِّكَاحِ مِنْ التَّطَيُّبِ فَلَمْ يَمْنَعْ مُقَدِّمَاتِهِ مِنْ الْعَقْدِ كَالصَّوْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرَ الْعَمَلِ مَمْنُوعٌ فِي الِاعْتِكَافِ وَيَسِيرُهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ فَأَمَّا مَا لَهُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَشَاغَلَ بِهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ وَانْتَهَى إلَيْهِ الزِّحَامُ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَا لَيْسَ لَهُ مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ كَسُؤَالِ الْمَرِيضِ عَنْ حَالِهِ وَتَعْزِيَةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ وَسَلَامِهِ عَلَى مَنْ لَقِيَهُ وَحَدِيثِهِ مَعَ مَنْ رَآهُ وَكِتَابَةِ يَسِيرِ الْعِلْمِ وَالْأَخْذِ فِي يَسِيرِهِ وَيَسِيرِ الْحُكْمِ لِلْحَاكِمِ فَإِنَّ يَسِيرَ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي مَوْضِعِ اعْتِكَافِهِ وَالْمَسِيرِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ مَوْضِعِ مُعْتَكَفِهِ لِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ عِبَادَةِ الْمُعْتَكِفِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْمَشْيُ إلَى الْمِحْرَابِ لِلْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عِبَادَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَقْرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ الْقُرْآنَ إذَا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكْتُبَ الْمُعْتَكِفُ الْعِلْمَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ، وَالتَّرْكُ أَحَبُّ إلَيَّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ مِنْ أَهْلِهِ بِاللَّيْلِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُنَّ بِالنَّهَارِ يُرِيدُ أَنَّ حَالَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِمَّا يَمْنَعُ مِنْهُ الِاعْتِكَافَ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ التَّتَابُعُ كَشَهْرَيْ صِيَامِ التَّظَاهُرِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْمُعْتَكِفُ وَالْمُعْتَكِفَةُ يَدْهُنَانِ وَيَتَطَيَّبَانِ يُرِيدُ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَمْنَعُ الطِّيبَ وَالتَّجَمُّلَ بِالْحُلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يَمْضِي فِي فَسَادِهِ كَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ دَوَاعِيَ النِّكَاحِ مَا يَمْنَعُ الطِّيبَ وَيَمْضِي فِي فَسَادِهِ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
стр. 450
مِنْ رَمَضَانَ فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إذَا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ فِيهَا مِنْ صُبْحِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ قَالَ مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ. وَقَدْ رَأَيْت هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَمْطَرَتْ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبِينِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ» .
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْوُسُطَ» هَكَذَا وَقَعَ فِي كِتَابِي مُقَيَّدًا بِضَمِّ الْوَاوِ وَالسِّينِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ جَمْعَ وَاسِطٍ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَاسِطُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ قَادِمَتِهِ وَآخِرَتِهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَطَ الْبُيُوتَ يَسِطُهَا إذَا نَزَلَ وَسَطَهَا وَاسْمُ الْفَاعِلِ مِنْ ذَلِكَ وَاسِطٌ وَيُقَالُ فِي جَمْعِهِ وُسُطٌ كَنَازِلٍ وَنُزُلٍ وَبَاذِلٍ وَبُذُلٍ وَأَمَّا الْوَسَطُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ أَوْسَطَ وَهُوَ جَمْعُ وَسِيطٍ كَكَبِيرٍ وَأَكْبَرَ أَوْ كُبُرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِجَمِيعِ الْوَقْتِ عَلَى التَّوْحِيدِ كَمَا يُقَالُ وَسَطُ الدَّارِ وَوَسَطُ الْوَقْتِ وَالشَّهْرِ فَإِنْ كَانَ قُرِئَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالسِّينِ فَهَذَا عِنْدِي مَعْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفْ الْعَشْرَ الْوُسُطَ وَقَدْ رَأَيْت هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ نَسِيتهَا ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَعُيِّنَتْ لَهُ لَيْلَتُهَا ثُمَّ أُنْسِيَ التَّعْيِينَ وَبَقِيَ ذَاكِرًا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَأُعْلِمَ مَنْ عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ قَصَدَ الْفَضْلَ بِالِاعْتِكَافِ مَعَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ تَحَرِّيًا لَهَا وَقَوْلُهُ، وَقَدْ رَأَيْت هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا يَحْتَمِلُ أَنَّ الرِّوَايَةَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أُعْلِمَ بِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى رُؤْيَةِ الْبَصَرِ وَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْ الْعَلَامَةُ الَّتِي أُعْلِمَتْ لَك بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، وَقَدْ رَأَيْتنِي أَسْجُدُ مِنْ صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُؤْيَا رَآهَا حِينَ أُعْلِمَ بِاللَّيْلَةِ أَوْ رَآهَا فَبَقِيَ ذَلِكَ فِي ذِكْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ رُؤْيَا بَعْدَ النِّسْيَانِ وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَيْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ تَحْدِيدٌ لَهَا بِمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُدَّهَا بِهَا فَحَضَّ عَلَى قِيَامِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ تَحَرِّيًا لَهَا، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنْهُ وَبَيَّنَ ذَلِكَ لِيَتَحَرَّاهَا فِي الْوِتْرِ مَنْ عَجَزَ عَنْ قِيَامِ جَمِيعِ الْعَشْرِ كَمَا بَيَّنَهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ وَحَضَّ عَلَى قِيَامِ جَمِيعِ رَمَضَانَ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ قِيَامِ جَمِيعِ الْعَامِ.
وَقَدْ رَوَى بَيَانَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ وَعَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ الْعَرِيشُ مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَقِيفَةً إلَّا مَا يُسْتَظَلُّ بِهِ وَلَا يَكُنْ مِنْ الْمَطَرِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ سُمِّيَتْ بُيُوتُ مَكَّةَ عُرُوشًا؛ لِأَنَّهَا عِيدَانٌ تُنْصَبُ لِلتَّظَلُّلِ وَيُقَالُ عُرُشٌ فَمَنْ قَالَ عُرُشٌ فَوَاحِدُهَا عَرِيشٌ مِثْلُ سَبِيلٍ وَسُبُلٍ وَمَنْ قَالَ عُرُوشٌ فَوَاحِدُهَا عَرْشٌ مِثْل فَلِيسٍ وَفُلُوسٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْعَرِيشُ شَبَهُ الْهَوْدَجِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبِينِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صُبْحِ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ الْجَبِينُ مَا بَيْنَ الصُّدْغَيْنِ وَالسُّجُودُ يَكُونُ بِوَسَطِهِ.
وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ
стр. 451
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيَّ «قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ شَاسِعُ الدَّارِ فَمُرْنِي لَيْلَةً أَنْزِلُ لَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ» .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّهُ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ فَقَالَ إنِّي أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ فَرَفَعْت فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأَوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنِّي أَرَى
ــ
[المنتقى]
الْجَبْهَةُ وَسَطُ الْجَارِحَةِ وَالْجَبِينَانِ يُكَتِّفَانِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ جَبِينٌ وَقَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ هَاهُنَا يُخَالِفُ قَوْلَهُ إنَّ لَيْلَةَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ هِيَ التَّاسِعَةُ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ لِيُعَيِّنَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ لِمَا خَبَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ يَسْجُدُ فِي صُبْحِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَرَأَى هُوَ فِي صَبِيحَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبِينِهِ مِنْ سُجُودِهِ فِيهِ» ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً وَأَنَّ " هِيَ " مِنْهَا هِيَ الْكَلِمَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ.
وَرُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِعَلَامَةٍ أَنْبَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صُبْحِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا تَكُونُ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَكُونُ فِي جَمِيعِ الْعَامِ وَلَعَلَّهُ حَمَلَ حَضَّ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْتِمَاسِهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَامِ خَاصَّةً، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَقَوْلُهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا أَيْ ذَاتُ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى يُنَفِّذُ فِيهَا مَا قَدَّرَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» مَعَ قَوْلِهِ ﷺ تَحَرَّوْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا عَلِمَ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَأَخْبَرَ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَأَخْبَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ مَا قَدَّمْنَا أَوَّلًا أَنَّهُ حَضَّ عَلَى الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَنْ لَهُ بَعْضُ الْقُوَّةِ وَحَضَّ عَلَى السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِيَامِ جَمِيعِ الْعَشْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالسَّبْعُ الْأَوَاخِرُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى التَّمَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ عَلَى النُّقْصَانِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «الْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيَّ قَالَ الْكَلْبِيُّ هُوَ ابْنُ أُنَيْسٍ بْنِ حَرَامٍ وَكَانَ مُهَاجِرًا أَنْصَارِيًّا عَقَبِيًّا قَالَ غَيْرُهُ يُكَنَّى بِأَبِي يَحْيَى فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ يَنْزِلُ بِهَا إلَى الْمَدِينَةِ لِلصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ لَيْلَةً لَهَا فَضِيلَةٌ تُرْجَى بَرَكَتُهَا وَاقَرَارُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَصْدِ مِثْلِ هَذَا (فَصْلٌ) : وَقَوْله ﷺ «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصَّ عَلَيْهَا عَلَى مَعْنَى التَّحَرِّي لَهَا وَأَنَّهَا عِنْدَهُ أَقْرَبُ إلَى أَنْ تَكُونَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ مِنْ سَائِرِ لَيَالِي الْوِتْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهَا لِفَضِيلَةٍ ثَبَتَتْ لَهَا عِنْدَهُ وَيُقَالُ إنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ تُسَمَّى عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْلَةَ الْجُهَنِيِّ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِتَعْيِينِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 452
رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَنِّي أُرِيت هَذِهِ اللَّيْلَةَ فِي رَمَضَانَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ اخْتِصَاصِهَا فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ الَّذِي رَآهَا فِيهِ وَعُيِّنَتْ لَهُ حَتَّى تَلَاحَى رَجُلَانِ يَعْنِي تَسَابَّا فَرُفِعْت يَعْنِي رُفِعَ عِلْمُ تَعْيِينهَا فَأَمَرَ بِتَحَرِّيهَا وَالْتِمَاسِهَا فِي التَّاسِعَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُذْنِبُ الْقَوْمُ الذَّنْبَ فَتَتَعَدَّى فِي الدُّنْيَا عُقُوبَتُهُ إلَى غَيْرِهِمْ فَيُجْزَى بِهِ مَنْ لَا سَبَبَ لَهُ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ نِسْيَانَهَا كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أُرِيت لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أَيْقَظَنِي بَعْضُ أَهْلِي فَنَسِيتهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ نِسْيَانِهَا تَلَاحِيَ الرَّجُلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أُوقِظَ فَقَدْ يَذْكُرُ الرُّؤْيَا مَنْ يُوقَظُ مِنْ نَوْمِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ رَوَى فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ نَافِعٍ وَدَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ التَّاسِعَةُ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَالسَّابِعَةُ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةُ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى نُقْصَانِ الشَّهْرِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ رَجَعَ مَالِكٌ، وَقَالَ مَشْرِقِيٌّ لَا أَعْلَمُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ فَهِيَ التَّاسِعَةُ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ فَإِذَا مَضَتْ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وَهَذَا عَلَى كَمَالِ الْعَدَدِ وَقَوْلُهُ ﷺ «إنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ» ظَاهِرُهُ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كَانَ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ لِرُؤْيَا أَصْحَابِهِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ هُوَ ﷺ قَدْ رَأَى أَيْضًا مَا قَوَّى ذَلِكَ أَوْ بَلَغَهُ الْيَقِينُ فَأَمَرَهُ بِتَحَرِّيهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا تُنْقَلُ فِي الْوِتْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَتَكُونُ فِي عَامٍ فِي لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَفِي عَامٍ آخَرَ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ فَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَذَهَبَ قَوْمٌ وَهُمْ الْأَكْثَرُ إلَى أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِلَيْلَةٍ لَا تُنْتَقَلُ عَنْهَا وَالْمَعْلُومُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ إنَّمَا هُمَا مِنْ جِهَةِ التَّأْوِيلِ لِلْأَحَادِيثِ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ رَأَى أَعْمَارَ سَائِرِ الْأُمَمِ أَطْوَلَ فَخَافَ أَنْ لَا تَبْلُغَ أُمَّتُهُ مِنْ الْعَمَلِ فِي قِصَرِ أَعْمَارِهَا مَا بَلَغَهُ غَيْرُهَا مِنْ الْأُمَمِ فِي طُولِ أَعْمَارِهَا فَتَفَضَّلَ اللَّهُ ﵎ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَهِيَ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِهَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَقَوْلُهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَقُولُ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا) (ش) : قَوْلُهُ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَعْنَى الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ لَيْلَةٍ فَمَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَدَلَ لَهُ ذَلِكَ قِيَامَ نِصْفِهَا، وَهَذَا بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى حَظٌّ وَافِرٌ مِنْهَا وَخَصَّ بِذَلِكَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ دُونَ صَلَاةِ الْفَجْرِ عَلَى مَا جَاءَ فِيهَا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِشَاءِ مِنْ اللَّيْلَةِ وَلَيْسَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ اللَّيْلَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[كِتَابُ الزَّكَاةِ]
[مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ] ١
стр. 453
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» .
ــ
[المنتقى]
كِتَابُ الزَّكَاةِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَفْظُ التَّرْجَمَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبَيِّنَ مِقْدَارَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ جِنْسَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَدْ قَصَدَ بِهِ مَالِكٌ ﵀ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا فَأَدْخَلَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَبَيَّنَ فِيهِ نِصَابَ الزَّكَاةِ وَدَخَلَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِيهِ جِنْسُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالزَّكَاةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هِيَ النَّمَاءُ فَقَوْلُ الْقَائِلِ " أَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِكَ " ذَكَرَ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ وَجْهًا وَهُوَ أَنَّ مَا يَخْرُجُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُطَهِّرُ اللَّهُ بِهِ الْأَمْوَالَ وَيُنَمِّيهَا وَيُقَالُ زَكَا مَالُ فُلَانٍ إذَا كَبِرَ وَزَكَا الزَّرْعُ إذَا حَسُنَ وَكَبِرَ رَيْعُهُ وَفُلَانٌ زَكِيٌّ إذَا كَانَ كَثِيرَ الْخَيْرِ فَسُمِّيَتْ بَرَكَتُهُ الْمَالَ بِمَعْنَى أَنَّ إخْرَاجَهُ يَئُولُ إلَى نَمَاءٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وَإِنَّمَا كَانَ يَعْصِرُ عِنَبًا إلَّا أَنَّهُ سَمَّاهُ خَمْرًا بِالْمَآلِ وَعَلَى هَذَا سُمِّيَ فِعْلُ الْخَيْرِ فَلَاحًا وَسُمِّيَ فَاعِلُهُ مُفْلِحًا، وَإِنْ كَانَ الْفَلَاحُ إنَّمَا هُوَ الْبَقَاءُ بِمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْبَقَاءِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَخْرَاجَ هَذَا الْحَقِّ إنَّمَا يَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُعَرَّضَةِ لِلنَّمَاءِ وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ فِي الْمُقْتَنَى لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُعَرَّضًا لِلتَّنْمِيَةِ وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ إذَا مُنِعَ صَاحِبُهُ مِنْ تَنْمِيَتِهِ بِالْغَصْبِ فَلَمَّا كَانَ مُخْتَصًّا بِالْأَمْوَالِ الَّتِي تُنَمَّى قِيلَ لَهُ وَاسِ مِنْ نَمَائِهِ وَأَخْرِجْ زَكَاةَ مَالِك بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ نَمَائِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَالِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَسْمَاءٌ مِنْهَا الزَّكَاةُ وَمِنْهَا الصَّدَقَةُ وَمِنْهَا الْحَقُّ وَالنَّفَقَةُ وَالْعَفْوُ فَالزَّكَاةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَالصَّدَقَةُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] وَالْحَقُّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الزَّكَاةَ وَالنَّفَقَةَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] وَالْعَفْوُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى الزَّكَاةِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَعَلَى غَيْرِهَا مِمَّا يُشَارِكُهَا فِي الْحُقُوقِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْبَدَلِ إلَّا أَنَّ عُرْفَ الِاسْتِعْمَالِ فِي الشَّرْعِ جَرَى فِيهَا بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ وَالزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ تَعُمُّ النَّافِلَةَ وَالْفَرِيضَةَ وَالزَّكَاةُ تُخَصُّ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْفَرْضِ خَاصَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالزَّكَاةُ لَفْظَةٌ عَامَّةٌ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا الْجُمْلَةُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهَا فِي بَابِ الصَّلَاةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] ، وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠] » الْآيَةَ وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» (ش) : الذَّوْدُ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَى التِّسْعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ يَزِيدَ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ الذَّوْدُ وَاقِعٌ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ مِنْهَا وَهُوَ هَاهُنَا وَاقِعٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ إلَى الْعَشَرَةِ لَا يُضَافُ إلَّا إلَى الْجَمَاعَةِ مِنْ الْمَعْدُودِ
стр. 454
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عَامِلِهِ عَلَى دِمَشْقَ فِي الصَّدَقَةِ إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَلَا تَكُونُ الصَّدَقَةُ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ) .
ــ
[المنتقى]
فَكَأَنَّهُ قَالَ خَمْسَةُ جِمَالٍ أَوْ خَمْسُ نُوقٍ وَلَمَّا «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالزَّكَاةِ مِنْ الْإِبِلِ فَقَالَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» اقْتَضَى ذَلِكَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الْإِبِلِ وَكَثِيرِهَا فَبَيَّنَ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ لَا زَكَاةَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَخَصَّ بِذَلِكَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَبَقِيَ الْخَمْسَةُ فَمَا فَوْقَهَا مِنْ اللَّفْظِ الْعَامِّ تَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ فَصَارَتْ الْخَمْسَةُ نِصَابَ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لِأُوقِيَّةِ الذَّهَبِ وَزْنٌ مَعْلُومٌ وَأُوقِيَّةُ الْفِضَّةِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَالنَّشُّ نِصْفُ أُوقِيَّةٍ وَهُوَ عِشْرُونَ دِرْهَمًا وَوَزْنُ النَّوَاةِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَهَذِهِ كُلُّهَا بِالدِّرْهَمِ الشَّرْعِيِّ وَوَزْنُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ مِنْهَا سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَالْخَمْسُ الْأَوَاقِي مِائَتَا دِرْهَمٍ فَصَارَ الْمِائَتَا الدِّرْهَمِ نِصَابَ الْوَرِقِ فِي الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الزَّكَاةِ وَرَدَ فِيهَا عَامًّا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» ، فَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي فَرْضَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ بِحَقِّ عُمُومِ هَذَا الْخَبَرِ ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» فَثَبَتَ فَرْضُ الزَّكَاةِ فِي الْخَمْسِ الْأَوَاقِي فَمَا فَوْقَهَا فَكَانَ ذَلِكَ نِصَابَ الْوَرِقِ فِي الزَّكَاةِ، وَمَعْنَى النِّصَابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأَصْلُ وَاسْتُعْمِلَ فِي الشَّرْعِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَنِصَابُ الْوَرِقِ مِائَتَا دِرْهَمٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنْ كَانَتْ بِوَزْنِ الْأَنْدَلُسِ وَذَلِكَ ثُلُثَا دِرْهَمٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَمْسِ أَوَاقٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ بَيَّنَ فِي أَنَّ الْحُبُوبَ لَهَا نِصَابُ زَكَاةٍ تَجِبُ فِيمَا بَعْدَهُ وَلَا تَجِبُ فِيمَا دُونَهُ كَالْوَرِقِ وَالْإِبِلِ وَذَلِكَ النِّصَابُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ ذَهَبَ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نِصَابِ الْحُبُوبِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُ الْعُشْرِ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ الثِّمَارِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ الْعُشْرَ أَوْ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ وَسْقًا وَاحِدًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَالٌ تَجِبُ مِنْ عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نِصَابُ الزَّكَاةِ كَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّمَا الصَّدَقَةُ فِي الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ إخْبَارٌ بِمَنْعِ الصَّدَقَةِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَصْنَافَ الثَّلَاثَةَ؛ لِأَنَّ " إنَّمَا " حَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِلْحَصْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ﷺ نَفْيَ الْوَلَاءِ عَمَّنْ يُعْتِقُ وَالصَّدَقَةُ هَاهُنَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَقَعَ اسْمُ الصَّدَقَةِ عَلَى التَّطَوُّعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الْحَرْثِ وَالْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الصَّدَقَةِ عَمَّا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَصْنَافِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلَى بَيَانِهِ هَاهُنَا، وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى بَيَانِ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَحْرُوثِ وَالْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ وَأَوْقَعَ عَلَى مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا فِيمَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَأَطْلَقَ الِاسْمَ الْعَامَّ.
وَالْمُرَادُ مُعْظَمُ مَا يَتَنَاوَلُهُ كَقَوْلِهِ ﷺ -
стр. 455
الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ مُكَاتَبٍ لَهُ فَأَقْطَعَهُ بِمَالٍ عَظِيمٍ هَلْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا أَعْطَى النَّاسَ أُعْطِيَّاتِهِمْ يَسْأَلُ الرَّجُلَ هَلْ عِنْدَك مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْك فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قَالَ لَا أَسْلَمَ إلَيْهِ عَطَاءَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا مَالِكٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ عَنْ أَبِيهَا أَنَّهُ قَالَ كُنْت إذَا جِئْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَقْبِضُ عَطَائِي سَأَلَنِي هَلْ عِنْدَك مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْك فِيهِ الزَّكَاةُ قَالَ فَإِنْ قُلْت نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِي زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ قُلْت لَا دَفَعَ إلَيَّ عَطَائِي)
ــ
[المنتقى]
«جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا» فَعَبَّرَ عَنْ الْأَرْضِ بِاسْمِ التُّرَابِ لَمَّا كَانَ أَعَمَّ أَجْزَائِهَا، وَالْحَرْثُ هَاهُنَا كُلُّ مَا لَا يَنْمُو وَلَا يَزْكُو إلَّا بِالْحَرْثِ وَالْعَمَلِ كَالثِّمَارِ وَالزَّرْعِ وَسَيَأْتِي تَمْيِيزُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْهَا مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الزَّكَاةُ فِي الْعَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ]
(ش) : سُؤَالُهُ هَلْ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالٍ عَظِيمٍ قَاطَعَ بِهِ مُكَاتَبَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ هَذَا الْمَالِ هَلْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إلَّا أَنَّ جَوَابَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ يَقْتَضِي أَنَّ سُؤَالَهُ إنَّمَا كَانَ عَنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ وَلِذَلِكَ أَجَابَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَوَصَفَ لَهُ الْمَالَ بِالْعِظَمِ لِيَدْخُلَ فِي حَيِّزِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَيَحْتَمِلُ الْمُسَاوَاةَ وَقَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ مَالٍ زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ احْتِجَاجٌ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَأَخْذٌ بِالْمَرَاسِيلِ، وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْخَلِيفَةَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَوَلَّى أَخْذَ الصَّدَقَاتِ مِنْ مَالِ الصَّحَابَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِعْلَهُ فِي ذَلِكَ مَعَ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الصَّدَقَاتِ وَقِتَالِهِ الْمَانِعِينَ لِلزَّكَاةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ إخْرَاجِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَعَادَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلُهُ النِّصَابُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ فِي ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَوْ أَخَذَهُ السَّاعِي مِنْهُ جَبْرًا لَمْ يُجْزِهِ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا قُرْبَ الْحَوْلِ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْحَوْلِ بِالشَّهْرِ وَنَحْوِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَبُو الْفَرَجِ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ تُكْرَهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَنْ لَقِيته مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٌ لَا تُجْزِئُهُ إلَّا فِيمَا قَرُبَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ عَشْرَةً، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا تُجْزِئُهُ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ هُوَ الْحَوْلُ فَلِقُرْبِهِ تَأْثِيرٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كَمَرَضِ الْمُوَرِّثِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي مَنْعِهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْحَوْلَ لَا يَعْتَبِرُ فِيهِ بِالسَّاعَةِ الَّتِي أُفِيدَ فِيهَا الْمَالُ وَلَا بِمِقْدَارِ مَا مَضَى مِنْهَا، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ بِمَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْيَوْمُ لَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ فَهُوَ فِي حُكْمِهِ فِي الْحَوْلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا أَخَذَهُ مِنْ كِتَابَةٍ وَقِطَاعَةٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ يَقْبِضُهُ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ الْمَالَ أَوْ قَبْضِ وَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حِينَئِذٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَنْمِيَتِهِ، وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْحَوْلُ لِلتَّنْمِيَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ وَهُوَ وَقْتُ الْقَبْضِ
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إذَا أَعْطَى النَّاسَ أُعْطِيَّاتِهِمْ سَأَلَ الرَّجُلَ هَلْ عِنْدَك مِنْ مَالٍ وَجَبَتْ عَلَيْك فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَخَذَ مِنْ عَطَائِهِ زَكَاةَ ذَلِكَ الْمَالِ الْأَعْطِيَاتُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُعْطِيه الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ وَاقِعٌ عَلَى مَا يُعْطِيه الْأَمَامُ النَّاسَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْأَرْزَاقِ وَلِذَلِكَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ إلَى الْعَطَاءِ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إذَا أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَطَاءَهُ سَأَلَهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ قَدْ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ يُرِيدُ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِالْحَوْلِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْعَطَاءِ وَدَفَعَهَا هُوَ إلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ وَفِي هَذَا بَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ عَيْنِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ فَيُؤَدِّيَهَا فِي مَوَاضِعِهَا.
[بَابٌ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِ] ١
(بَابٌ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِ) فَأَمَّا إخْرَاجُ زَكَاةِ مَالٍ مِنْ غَيْرِهِ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إذَا كَانَ مَا يُخْرِجُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِيهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَأَمَّا أَنْ يُخْرِجَ عَنْ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هُوَ الْوَاجِبَ كَالْغَنَمِ فِي شَنَقِ الْإِبِلِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُخْرِجَ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ مِثْلُ إخْرَاجِ الْوَرِقِ عَنْ الذَّهَبِ، فَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إخْرَاجُ الْفِضَّةِ عَنْ الذَّهَبِ وَإِخْرَاجُ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا يُخْرِجُ الْفِضَّةَ عَنْ الذَّهَبِ وَلَا يُخْرِجُ الذَّهَبَ مِنْ الْفِضَّةِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إخْرَاجُ الْفِضَّةِ عَنْ الذَّهَبِ أَجْوَزُ مِنْ إخْرَاجِ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُخْرِجُ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُمَا مَالَانِ هُمَا أُصُولُ الْأَثْمَانِ وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ فَجَازَ إخْرَاجُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْقِيمَةِ كَالذَّهَبَيْنِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ الْفِضَّةَ تَخْرُجُ عَنْ الذَّهَبِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلَى قِيمَتِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي إخْرَاجِ الذَّهَبِ عَنْ الْفِضَّةِ.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا جَازَ إخْرَاجُ الْفِضَّةِ عَنْ الذَّهَبِ فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يُخْرِجُ بِمِقْدَارِ الْقِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَقَالَهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ نَافِعٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا زَادَتْ الْقِيمَةُ عَلَى عِدَّةِ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ وَأُخْرِجَتْ الزِّيَادَةُ، وَإِنْ قَصُرَتْ عَنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْرَجَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ لَا يُخْرِجُ إلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ زَادَتْ الْقِيمَةُ أَوْ نَقَصَتْ وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ فِي إخْرَاجِ أَقَلَّ مِنْ الْقِيمَةِ ظُلْمًا لِلْمَسَاكِينِ وَفِي إخْرَاجِ مَا زَادَ عَلَيْهَا ظُلْمًا لِرَبِّ الْمَالِ وَهُوَ أَمْرٌ يَنْصَرِفُ لَهُ فَإِذَا رَأَى النَّقْصَ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَنْفَذَهُ، وَإِذَا رَأَى النَّقْصَ عَلَيْهِ امْتَنَعَ مِنْهُ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى ظُلْمِ الْمَسَاكِينِ أَبَدًا.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ الْمَسَاكِينِ لِكَوْنِ الْأَمْرِ مَصْرُوفًا إلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْبَدَلِ عِنْدَهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ الذَّهَبِ وَرِقًا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يُخْرِجُ عَنْ الْقِيمَةِ إلَّا جَيِّدًا وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْفِضَّةِ الرَّدِيئَةِ دَرَاهِمَ جِيَادًا يُرِيدُ لِمَا امْتَنَعَ مِنْ التَّفَاضُلِ بَيْنَ جَيِّدِهَا وَرَدِيئِهَا.
[بَابُ أَخْذُ الْإِمَامِ الزَّكَاةَ مِنْ الْمُزَكِّي]
فَأَمَّا الْبَابُ الثَّانِي فَأَنَّ الْأَمَامَ إذَا كَانَ عَدْلًا فَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ إنْ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُغَابُ عَلَيْهَا وَهُوَ الْعَيْنُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يَكْفِيهِ الِاجْتِهَادُ فِي أَدَائِهَا، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْمَسْئُولُ وَالْمَطْلُوبُ بِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الزَّكَاةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَنْ يَجِبُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ فَإِنْ أَخْرَجَهَا وَلَمْ يَدْفَعْهَا إلَى الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَمْوَالٌ بَاطِنَةٌ مُوَكَّلَةٌ إلَى أَمَانَاتِ أَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يَسْأَلُ كُلَّ إنْسَانٍ عَمَّا عِنْدَهُ وَيَكِلُ
стр. 457
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا تَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ إلَى أَمَانَتِهِ، وَهَذَا عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّصِلُ وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي أَدَاءِ زَكَاتِهِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَمْوَالِ تَجُوزُ النِّيَابَةُ فِيهَا وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ فِيهَا الْإِمَامُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الْمَاشِيَةُ وَالثِّمَارُ وَالزَّرْعُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ جَائِرًا وَأَمْكَنَهُ أَخِفَّاؤُهَا وَوَضْعُهَا فِي مَوَاضِعِهَا أَجُزْأَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إخْفَاؤُهَا وَأَدَّاهَا إلَيْهِ فَإِنَّهَا تُجْزِئُهُ سَوَاءٌ وَضَعَهَا الْإِمَامُ مَوْضِعَهَا أَوْ غَيْرَ مَوْضِعِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مُجَاهِرَةُ الْإِمَامِ بِالْمُخَالِفَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ شَقِّ الْعَصَا وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا وَجَبَ دَفْعُهَا إلَيْهِ وَلَمْ يُجْزِهِ إخْرَاجُهَا دُونَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ، وَهَذَا أَمْرٌ بِأَخْذِ الصَّدَقَةِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ إنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَالٌ لِلْإِمَامِ فِيهِ حَقُّ الْوِلَايَةُ فَوَجَبَ دَفْعُهُ إلَيْهِ أَصْلُهُ دَفْعُ مَالِ الْيَتِيمِ إلَى الْوَصِيِّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَالَ لَا أُسْلِمُ إلَيْهِ عَطَاءً وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا يَقْتَضِي تَصْدِيقَ النَّاسِ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ الَّتِي سَأَلَ الْإِمَامُ عَنْهَا أَرْبَابَهَا إذَا كَانَ عَدْلًا قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَيَقْبَلُ الْإِمَامُ الْعَدْلُ قَوْلَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَدْ أَخْرَجْتُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالنَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ يَعْرِفُ بِالْخَيْرِ وَالْمُبَادَرَةِ إلَى أَدَاءِ الزَّكَاةِ فَهَذَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَضَرْبٌ يُعْرَفُ بِمَنْعِهَا فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يُزَكِّي فَلْيَأْخُذْهُ بِالزَّكَاةِ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَأَدَّاهَا عَنْهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ يُلْجِئُهُ إلَى الْأَدَاءِ وَيَحْبِسُهُ وَلَا يَأْخُذُهَا مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْمَالِ الْمَحْضِ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ مَعَ الْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ جَبْرًا عِنْدَ الِامْتِنَاعِ كَدُيُونِ النَّاسِ فِيهِ.
(فَرْعٌ) وَتَقُومُ فِي ذَلِكَ نِيَّةُ الْإِمَامِ مَقَامَ نِيَّةِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا تُجْزِئُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ زَكَاةٌ فَجَازَ أَنْ تَنُوبَ فِيهَا نِيَّةُ مَنْ يَتَوَلَّى إخْرَاجَهَا عَنْ نِيَّةِ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهُ كَالْأَبِ فِي مَالِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ الْمَجْنُونِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنْ عُرِفَ بِمَنْعِ الزَّكَاةِ سُجِنَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَجَازَ أَنْ يُسْجَنَ فِي أَدَائِهِ كَالدُّيُونِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَنْ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ وَيُتَّهَمُ بِمَنْعِ الزَّكَاةِ فَإِنْ قَالَ قَدْ أَخْرَجْتهَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا كَعُمْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ مِنْهُ مَنْعُ الزَّكَاةِ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ وَاتُّهِمَ اُسْتُحْلِفَ وَدِينَ.
(فَرْعٌ) وَإِنَّمَا شَرَطَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يَضَعُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا فَتَرْكُهَا عِنْدَ صَاحِبِهَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا وَجْهَ لِمُطَالَبَتِهِ بِهَا.
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَجِبُ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْمَاشِيَةَ وَالْعَيْنَ فَأَمَّا الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَعْدِنِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ سَاعَةَ يَحْصُلُ مِنْهُ النِّصَابُ وَلَا يُرَاعَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْحَوْلُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَوْلَ إنَّمَا ضُرِبَ فِي الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ فِيهِمَا فَإِذَا مَرَّتْ مُدَّةٌ لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ فِيهَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَأَمَّا الزَّرْعُ وَالْمَعْدِنُ وَمَا أَشْبَهَهُمَا
стр. 458
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا كَمَا تَجِبُ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا نَاقِصَةً بَيِّنَةَ النُّقْصَانِ زَكَاةٌ فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى يَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا عِشْرِينَ دِينَارًا وَازِنَةً فَفِيهَا الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا الزَّكَاةُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ فِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ نَاقِصَةٍ بَيِّنَةِ النُّقْصَانِ الزَّكَاةُ فَإِنْ زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَافِيَةٍ فَفِيهَا الزَّكَاةُ فَانٍ كَانَتْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ رَأَيْت فِيهَا الزَّكَاةَ دَنَانِيرَ كَانَتْ أَوْ دَرَاهِمَ)
ــ
[المنتقى]
فَإِنَّ تَكَامُلَ نَمَائِهِ عِنْدَ حَصَادِ الْحَبِّ وَخُرُوجِ الْعَيْنِ مِنْ الْمَعْدِنِ وَلَا نَمَاءَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ النَّمَاءِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَمَاءٌ مِنْ جِنْسٍ آخَرَ وَهُوَ تَصْرِيفُ الزَّكَاةِ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَوْلُ فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي الْحَبِّ يَوْمَ الْحَصَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] .
(ش) : قَوْلُهُ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ مُعَاوِيَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ نَفْسِ الْأَعْطِيَةِ الزَّكَاةَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ خَرَجَتْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَهُمْ قَبْلَ دَفْعِهَا إلَيْهِمْ فَجَرَتْ عِنْدَهُ مَجْرَى الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ يَجْرِي فِيهَا الْحَوْلُ فِي حَالِ اشْتِرَاكِهَا وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَلَمْ يَكُونُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُ مَنْ أُعْطِيَهَا لَهَا إلَّا بَعْدَ الْإِعْطَاءِ وَالْقَبْضِ؛ لِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى غَيْرِهِمْ إذَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يُرَاعَى الْحَوْلُ فِيهَا مِنْ وَقْتِ قَبْضِهِمْ لَهَا وَصِحَّةُ مِلْكِهِمْ أَيَّاهَا وَعَلَى هَذَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَنَحْوُ هَذَا ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي أَخْذِ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ الزَّكَاةَ مِنْ الْأَعْطِيَةِ وَفِي أَخْذِ مُعَاوِيَةَ زَكَاةَ الْأَعْطِيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَارًا مِنْ الدَّنَانِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ كُلُّ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سَبْعَةُ دَنَانِيرَ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا زَكَاةَ فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِينَارًا فَيَكُونَ فِيهَا دِينَارٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ بَعْدَ الْحَسَنِ عَلَى خِلَافِهِ، وَهَذَا مِنْ قَوِيِّ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ وَالْحَارِثِ الْأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فَإِذَا كَانَتْ لَك مِائَتَا دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَلَيْسَ عَلَيْك شَيْءٌ يَعْنِي فِي الذَّهَبِ حَتَّى يَكُونَ لَك عِشْرُونَ دِينَارًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَفِيهَا نِصْفُ دِينَارٍ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ إسْنَادُهُ هُنَاكَ غَيْرَ أَنَّ اتِّسَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ حُكْمِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمِائَتَيْ الدِّرْهَمِ نِصَابُ الْوَرِقِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالدِّينَارُ كَانَ صَرْفُهُ فِي وَقْتِ فَرْضِ الزَّكَاةِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَوِزَانُ الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ عِشْرُونَ مِثْقَالًا فَكَانَ ذَلِكَ نِصَابَ الذَّهَبِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعِشْرِينَ دِينَارًا إذَا نَقَصَتْ نُقْصَانًا بَيِّنًا وَمَعْنَى الْبَيِّنِ هَاهُنَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَجْرِيَ مَجْرَى الْوَازِنَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَتَّفِقَ الْمَوَازِينُ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ بِكُلٍّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِذَا تَبَيَّنَ النُّقْصَانُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِمَا دَلَّلْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ النِّصَابَ فِي الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْوَزْنُ دُونَ الْعَدَدِ فَإِذَا زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا عِشْرِينَ دِينَارًا وَازِنَةً فَقَدْ بَلَغَتْ النِّصَابَ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ قَصُرَتْ عِدَّتُهَا عَنْ الْعِشْرِينَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ تَجْرِي وَزْنًا وَتَجْرِي عَدَدًا فَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي تَجْرِي فِيهَا بِالْوَزْنِ فَلَا اعْتِبَارَ فِيهَا بِالْعَدَدِ فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ وَهِيَ خَمْسُ أَوَاقٍ فَقَدْ بَلَغَتْ النِّصَابَ وَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَإِذَا نَقَصَتْ مِنْ ذَلِكَ نُقْصَانًا بَيِّنًا وَتَأْوِيلُ الْبَيِّنِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِتَقْصِيرِهَا عَنْ النِّصَابِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا زَادَتْ حَتَّى تَبْلُغَ بِزِيَادَتِهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَالزِّيَادَةُ تَكُونُ فِيهَا بِنَمَائِهَا وَتَكُونُ مِنْ فَائِدَةٍ مُضَافَةٍ إلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَمَائِهَا فَحَوْلُهَا حَوْلُ أَصْلِ الْمَالِ إذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ أُخْرِجَتْ
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
زَكَاتُهَا يَوْمَ تَبْلُغُ النِّصَابَ، وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَتُهَا فَائِدَةً مُضَافَةً إلَيْهَا لَمْ يُخْرِجْ مِنْهَا زَكَاةً حَتَّى يَحُولَ عَلَى الزِّيَادَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْمُوَازَنَةِ رَأَيْت فِيهَا الزَّكَاةَ يُرِيدُ إنْ كَانَتْ النَّاقِصَةُ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُ أَنَّهُ مَالِكٌ يَمْلِكُ مِنْ الذَّهَبِ مِقْدَارًا يَجُوزُ لِوَزْنِهِ جَوَازَ عِشْرِينَ دِينَارًا فَوَجَبَ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعِشْرِينِ دِينَارًا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْوَازِنَةِ فَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ فِي مِيزَانٍ وَازِنَةٌ وَفِي مِيزَانٍ نَاقِصَةٌ فَإِذَا نَقَصَتْ فِي جَمِيعِ الْمَوَازِينِ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّقْصَ الْيَسِيرَ فِي جَمِيعِ الْمَوَازِينِ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ وَمَا جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ أَنْ يَتَسَامَحُوا بِهِ فِي السَّاعَاتِ وَغَيْرِهَا وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي إذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ فِيمَا يُعْتَبَرُ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوَازِينِ لَيْسَ بِنَقْصٍ وَلَا بُدَّ مِنْ مِيزَانٍ يَقَعُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فَيُعْتَبَرُ بِهِ الزِّيَادَةُ وَالنَّقْصُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا نَقَصَتْ نُقْصَانًا بَيِّنًا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا إلَّا مَنْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْمُوَازَنَةِ، وَرَوَى ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيمَا نَقَصَتْ يَسِيرًا وَكَثِيرًا الْأَمْثَلُ الْحَبَّةُ وَالْحَبَّتَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
هَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْمَوْزُونَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ فِي الْمَعْدُودَةِ كَالْفُرَادَى فَإِنَّهَا يَنْقُصُ بَعْضُهَا النَّقْصَ الْيَسِيرَ وَيَجْرِي مَجْرَى الْوَازِنَةِ وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا مَالِكٌ وَمُتَقَدِّمُو أَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّهَا إنْ نَقَصَتْ نُقْصَانًا يَسِيرًا عَنْ الْمُوَازَنَةِ الْجَارِيَةِ عَدَدًا وَجَرَتْ مَجْرَاهَا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْهَا نُقْصَانًا كَثِيرًا لَا تَجْرِي بِهِ مَجْرَى مَا بَلَغَ الْعَدَدَ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ مِنْهَا لَمْ تُجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَقَدْ يُتَبَايَعُ بِالنَّاقِصَةِ الْوَزْنِ عَدَدًا وَيُتَبَايَعُ بِالْقَائِمَةِ الْوَزْنِ عَدَدًا وَلَكِنَّهُ لَا يُعْطَى بِعَدَدٍ مِنْ النَّاقِصَةِ مَا يُعْطَى بِعَدَدٍ مِنْ الْوَازِنَةِ مِنْ وَزْنٍ وَلَا عَرْضٍ وَلَا غَيْرِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ كَالْفُرَادَى وَالْقَائِمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الصَّرْفِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَمِنْ ذَلِكَ الدَّرَاهِمُ الَّتِي تَجْرِي بِالْأَنْدَلُسِ وَالدِّرْهَمُ مِنْهَا ثُلُثَا دِرْهَمٍ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي دَرَاهِمِ الْأَنْدَلُسِ لَيْسَتْ كَيْلًا وَتَجُوزُ عِنْدَهُمْ جَوَازَ الْوَازِنَةِ الْكَيْلَ لِمَا تَكُونُ فِيهَا الزَّكَاةُ إلَّا أَنْ يُنْقِصَ مِنْ الْكَيْلِ نَقْصًا يَسِيرًا وَنَحْوَهُ رَوَى ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ وَأَخْرُجَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ رِوَايَتُهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ فِي نَوَازِلَ سَأَلَ عَنْهَا سَحْنُونٌ مِنْ قَوْلِهِ فَقَوْلُ سَحْنُونٍ فِي دَرَاهِمِ الْأَنْدَلُسِ يَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ يُرِيدُ أَنَّ الِاعْتِدَادَ فِي الْبَيْعِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِهَا مَا يُؤْخَذُ بِالدِّرْهَمِ الْوَازِنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ بِوَزْنِ الْأَنْدَلُسِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا نَقَصَتْ الْعِشْرُونَ دِينَارًا فِي الْعَدَدِ دِينَارًا وَاحِدًا وَنَقَصَتْ الْمِائَتَا الدِّرْهَمِ فِي الْعَدَدِ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ فِي الْعَدَدِ وَنَقَصَتْ فِي الْوَزْنِ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ فِي الْبَلَدِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ فِضَّةٌ وَزْنُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ بِوَزْنِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الَّتِي تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهَا، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ فَيُرِيدُ ابْنُ حَبِيبٍ بِقَوْلِهِ تَجُوزُ فِي الْبَلَدِ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ أَنَّ التَّعَامُلَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ يَكُونُ بِعَدَدِ ذَلِكَ الْقَدْرِ وَأَنَّ مَا بَلَغَ ذَلِكَ الْقَدْرَ عِنْدَهُمْ فَهُوَ الْوَازِنُ فَجَعَلَ نِصَابَ كُلِّ بَلَدٍ مُعْتَبَرًا بِوَزْنِ الدِّرْهَمِ الْجَارِي عِنْدَهُمْ فَيَخْتَلِفُ عَلَى هَذَا
стр. 460
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ كَانَتْ عِنْدَهُ سِتُّونَ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ وَازِنَةٍ وَصَرْفُ الدِّرْهَمِ بِبَلَدِهِ ثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ بِدِينَارٍ أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عِشْرِينَ دِينَارًا عَيْنًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ) .
ــ
[المنتقى]
نِصَابُ الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ فِي الْبِلَادِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ دَرَاهِمِهِمْ وَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُهَا فِي نِصَابِ الْحُبُوبِ وَالتَّمْرِ إنْ اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الْبَلَدِ فِي قَدْرِ الْكَيْلِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَبِرَ مِثْلَ هَذَا فِي كَيْلِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَالْكَفَّارَاتِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَبِرَ هَذَا فِي أَرْبَاعِ صِقِلِّيَةَ فَإِنَّهُ بِهِ يَقَعُ الِاعْتِدَادُ عِنْدَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدِّينَارِ إلَّا الِاسْمُ وَلَا تَأْثِيرَ لَهُ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ هُوَ الصَّحِيحُ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ قَالَ الْقَاضِي ﵁ وَهُوَ عِنْدِي إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا نَقَصَ كُلُّ مِثْقَالٍ حَبَّةً أَوْ حَبَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ حَبَّاتٍ وَكَانَتْ تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ عَلَى طَرِيقِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ إلَّا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ أَيْضًا أَنْ يُوجَدَ بِأَنْ يُبَاعَ بِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِشْرِينَ يَنْقُصُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ مِنْهَا حَبَّتَانِ، ثُمَّ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عِشْرِينَ دِينَارًا وَازِنَةً مَزِيَّةٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُتَعَامَلَ بِهَا وَيُتَعَامَلَ بِالْمُوَازَنَةِ إلَّا أَنَّ الَّذِي يَدْفَعُ بِهَا فِي غَالِبِ الْحَالِ أَقَلُّ مِمَّا يَدْفَعُ بِالْمُوَازَنَةِ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ مَالِكٌ ﵀ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ بَيْنَ الْقَائِمَةِ وَالْفُرَادَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِجَوَازِهَا جَوَازُ الْوَازِنَةِ وَأَنْ تَكُونَ عِوَضًا فِي الْغَالِبِ عِوَضَ الْوَازِنَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّفْرِيعِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى مَذْهَبِهِ وَالتَّأْوِيلِ لِقَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁، وَهَذَا عِنْدِي وَجْهٌ ثَالِثٌ فِي مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ إذَا كَانَتْ الْعِشْرُونَ دِينَارًا تَجُوزُ بِجَوَازِ الْوَازِنَةِ فَفِيهَا الزَّكَاةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فِضَّةٌ لَا تَبْلُغُ النِّصَابَ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ مَا تَبْلُغُ النِّصَابَ؛ لِأَنَّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْأَمْوَالِ فَإِنَّمَا نِصَابُهُ بِنَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ ثَلَاثُونَ شَاةً قِيمَتُهَا أَرْبَعُونَ شَاةً مِنْ غَيْرِهَا أَوْ عِشْرِينَ دِينَارًا أَوْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا فَلَا تَقَوَّمُ بِجِنْسِهَا وَلَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ تَبْلُغُ بِقِيمَةِ صِيَاغَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ النِّصَابِ وَوَزْنُهَا أَقَلُّ مِنْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ وَالصِّيَاغَةِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْوَزْنِ وَلَا هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْفِضَّةِ فَيَكْمُلُ بِهَا نِصَابُهَا (مَسْأَلَةٌ) وَالِاعْتِبَارُ فِي نِصَابِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ بِالْخَالِصِ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُخَالِطَهُمَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فِي ضَرْبِهِ فَإِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَاهَا فَأَمَّا إنْ كَانَ فِيهِمَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْغِشِّ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فِي الْوَزْنِ، وَإِنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى الْعَرْضِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ الْغِشُّ أَقَلَّ مِنْ الْفِضَّةِ سَقَطَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْفِضَّةِ وَأَكْثَرَ وَجَبَ إسْقَاطُهُ وَالِاعْتِدَادُ بِالْفِضَّةِ خَاصَّةً وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ مَالِكٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَخَّارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا غِشٌّ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِهِ فِي وَزْنِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ أَصْلُهُ إذَا بَلَغَ النِّصْفَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي فِيمَا يَدْخُلُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنْ الْغِشِّ وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْمَعْدِنِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِالتَّخْلِيصِ فَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ إذَا كَانَ فِيهِ مِنْ النُّحَاسِ وَغَيْرِهِ الْمِقْدَارُ الْيَسِيرُ جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِهِ فِي دَنَانِيرِهِمْ وَدَرَاهِمِهِمْ الطَّيِّبَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْخَالِصَةِ فَإِنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَخْلِيصُهُ وَإِخْرَاجُهُ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا مِمَّا لَا يُوصَفُ الدِّينَارُ مَعَهُ بِالطَّيِّبِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالرَّدَاءَةِ مِنْ أَجْلِهِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ وَلَا يُحْتَسَبُ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ إلَّا بِالطَّيِّبِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَذَلِكَ أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وُضِعْت فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي تَحْمِلُ الْمُوَاسَاةَ
следующие страницы →