Полный текст (2 236 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَخْذُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَعَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي يَكُونُ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْبَدَلِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْمَاشِيَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُجْزِي عَنْهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ السَّاعِي أَنْ يَأْخُذَهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَمَنْ أَخْرَجَ ابْنَةَ مَخَاضٍ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ وَزَادَ ثَمَنًا أَوْ أَخْرَجَ بِنْتَ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ وَأَخَذَ ثَمَنًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا خَيْرَ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ عِنْدِي يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ يُجْزِيهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ أَعْطَى بِنْتَ لَبُونٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا رَدُّ مَا أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ أَعْطَى بِنْتَ مَخَاضٍ مَعَ الثَّمَنِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ وَلَا يُجْزِئُهُ فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ ظَاهِرُهُ الْمَنْعُ مِنْ إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ وَيَجُوزُ الْبَدَلُ فَإِذَا رَدَّ مَا أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ كَانَ قَدْ أَعْطَى أَفْضَلَ مِنْ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَوْ أَعْطَى بِنْتَ مَخَاضٍ مَكَانَ بِنْتِ لَبُونٍ كَانَ مِنْ بَابِ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَعْطَى ثَمَنًا فِي بِنْتِ لَبُونٍ وَلَا يُمْكِنُهُ إصْلَاحُ ذَلِكَ بِاسْتِرْجَاعِ مَا أَعْطَى مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ يَعُودُ إلَى أَنْ أَعْطَى فِي الزَّكَاةِ دُونَ الثَّمَنِ الَّذِي يَلْزَمُهُ وَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ وَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ الضَّأْنَ عَنْ الْمَاعِزِ وَمَنَعَ إخْرَاجَ الْمَاعِزِ عَنْ الضَّأْنِ قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ بِفَرَاهِيَتِهِ مِثْلَ مَا لَزِمَهُ فِي الضَّأْنِ يُرِيدُ الْقِيمَةَ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ مَالِكٍ مُوَافَقَتَهُ وَيَحْتَمِلُ مُخَالَفَتَهُ وَيُجِيزُهُ أَشْهَبُ فِي بَعْضِ الْجِنْسِ، وَإِنْ مَنَعَهُ فِي بَعْضِ السِّنِّ وَمَنَعَهُ مَالِكٌ فِي الْوَجْهَيْنِ وَيُجِيزُهُ فِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ وَالْجِنْسُ الْوَاحِدُ فِي نَقْصِ الصِّفَاتِ كَذَوَاتِ الْعَوَارِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ لَا يَكُونُ إلَّا ذَكَرًا فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْبَيَانَ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى مِنْهُ لَفْظُ ابْنٍ كَابْنِ عِشْرِينَ وَابْنِ آوَى وَابْنِ فَتْرَةٍ فَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ ذَكَرٌ لِئَلَّا يُلْحِقَهُ السَّامِعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مُجَرَّدَ التَّأْكِيدِ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ لَفْظَةُ إلَى لِلْغَايَةِ وَهِيَ تَقْتَضِي أَنَّ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ كُلَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الْمَقْصُودُ إلَى بَيَانِهِ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلٍ فَعَلَى هَذَا الْخَمْسُ وَالْأَرْبَعُونَ لَا يُعْقَلُ مِنْ نَفْسِ اللَّفْظَيْنِ حُكْمُهَا بِحُكْمِ مَا قَبْلَهَا وَلَكِنَّهَا تُلْحَقُ بِذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ أَخِيرًا عُلِمَ أَنَّ حُكْمَ الْخَمْسِ وَالْأَرْبَعِينَ حُكْمُ مَا دُونَهَا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْوَقَصُ وَاحِدًا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ اقْتَضَتْ الْوَقَصَ بَيْنَ الْخَمْسِ وَالثَّلَاثِينَ وَبَيْنَ الْخَمْسِ وَالْأَرْبَعِينَ وَقَصًا ثَانِيًا بَعْدَهُ الْإِجْمَاعُ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا وَقَصَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ كَمَا بَعْدَ الْمِائَتَيْ شَاةٍ إلَى الثَّلَاثِمِائَةِ فَإِنَّهُ وَقَصٌ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِهِ وَقَصٌ آخَرُ إلَى الْأَرْبَعِمِائَةِ شَاةٍ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّ حُكْمَ الْأَعْدَادِ فِي الْغَايَاتِ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا مِنْ جِهَةِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فِي التَّخَاطُبِ فَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِغُلَامِهِ أَبَحْت لَك مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا بَيْنَ الْوَاحِدِ إلَى الْعَشَرَةِ لَفُهِمَ مِنْهُ إبَاحَتُهُ الْعَشَرَةَ فَمَا دُونَهَا وَلَوْ قَالَ لَهُ أَبَحْت لَك مِنْ هَذِهِ الدَّارِ إلَى هَذِهِ الْأُخْرَى تَجْلِسُ فِيهِ لَفُهِمَ مِنْهُ جُلُوسُهُ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ وَلَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْجُلُوسُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
ابْنَةُ الْمَخَاضِ الَّتِي لَهَا سَنَةٌ وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِابْنَةِ مَخَاضٍ؛ لِأَنَّ أُمَّهَا حَامِلٌ قَدْ مَخَضَ بَطْنُهَا يَعْنِي تَحَرَّكَ وَأَوَّلُ مَا تَلِدُهُ النَّاقَةُ هُوَ حُوَارٌ فَإِذَا كَمَّلَ السَّنَةَ وَفُصِلَ عَنْ أُمِّهِ فَهُوَ فَصِيلٌ وَهُوَ ابْنُ مَخَاضٍ فَإِذَا أَكْمَلَ السَّنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ فَهُوَ ابْنُ لَبُونٍ وَالْأُنْثَى بِنْتُ لَبُونٍ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ قَدْ وَلَدَتْ وَهِيَ تُرْضِعُ غَيْرَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى سِتِّينَ حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ الْحِقَّةُ هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا وَطَرُوقَةُ الْفَحْلِ يُرِيدُ أَنَّ الْفَحْلَ يَضُرُّ بِهَا وَهِيَ تُلَقَّحُ وَهَذِهِ الَّتِي قَدْ أَكْمَلَتْ الثَّلَاثَ سِنِينَ
стр. 492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ وَلَا يُلَقِّحُ الذَّكَرُ حَتَّى يَكُونَ ثَنِيًّا وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ جَذَعَةً الْجَذَعَةُ هِيَ الَّتِي أَكْمَلَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى تِسْعِينَ ابْنَتَا لَبُونٍ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ حِقَّتَانِ لِاخْتِلَافِهِمَا بَعْدَ الْخَمْسِ وَعِشْرِينَ إلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ وَالْعَمَلُ فِيهِ عَلَى نَصِّ الْحَدِيثِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَفِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ يَقْتَضِي أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ فَإِنَّ زَكَاتَهُ بِالْإِبِلِ، وَإِنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةَ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى الْجُمْلَةِ وَعَلَى هَذَا بَنَى أَمْرَ فُرُوضِ الزَّكَاةِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَتْ إلَى فَرْضٍ بَطَلَ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْحُكْمِ وَرَجَعَ الْحُكْمُ إلَيْهِ فَلَا مَدْخَلَ لِلْغَنَمِ وَلَا غَيْرِهَا فِي الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ فِي زَكَاةِ الْإِبِلِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا زَادَتْ الْإِبِلُ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ رَجَعَتْ فَرِيضَةُ الْغَنَمِ فَيَكُونُ فِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ حِقَّتَانِ وَشَاةٌ وَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّتَانِ وَشَاتَانِ وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّتَانِ وَثَلَاثُ شِيَاهٍ وَهَكَذَا فِي كُلِّ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ مَخَاضٍ وَفِي خَمْسٍ وَمِائَةٍ ثَلَاثُ حِقَقٍ وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَشَاةٌ وَعَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ عُمَرَ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الزَّكَاةِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بَعَثَ بِهِ فِي الْآفَاقِ وَأَخَذَ النَّاسُ بِهِ حَتَّى عَمَّهُمْ عِلْمُهُ وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِيهِ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ خَمْسُونَ وَاحِدَةً وَأَرْبَعُونَ مُضَاعَفَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا حِقَّةٌ وَابْنَتَا لَبُونٍ فَإِنْ قَالُوا إنَّ قَوْلَهُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ يَرْجِعُ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قِيلَ فِيمَا بَعْدَ الْخَمْسِ وَثَلَاثِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ هَذَا إنَّمَا يَجِبُ بَعْدَ الْخَمْسِ وَالثَّلَاثِينَ مَعَ مَا وَجَبَ فِيمَا قَبْلَهَا وَعَلَى أَنَّهُمْ قَدْ نَاقَضُوا فِي هَذَا فَجَعَلُوا فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ ثَلَاثَ حِقَاقٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلُوا فِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَحِقَّتَيْنِ وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ ثَلَاثَ حِقَاقٍ.
فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الزِّيَادَةُ دُونَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ حُكْمَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ مُنْفَرِدًا فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حُكْمَ الْمَزِيدِ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَبْعِينَ حَتَّى يَكُونَ مِائَةً وَسَبْعِينَ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ فِي الزِّيَادَةِ خَمْسُونَ فِيهَا حِقَّةٌ وَأَرْبَعُونَ فِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَلَمْ يَدُلَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمُ الزِّيَادَةِ خَاصَّةً لَمْ يَدُلَّ فِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى مَذْهَبِهِمْ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ إنَّمَا هِيَ مَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلُوا فِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ حِقَّتَيْنِ وَبِنْتَ لَبُونٍ وَفِي سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ حِقَاقٍ وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِكُمْ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ لَا فِي الزِّيَادَةِ مُنْفَرِدَةً وَلَا فِيهَا مَعَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَإِنْ قَالُوا فَإِنَّ قَوْلَهُ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَرْطٌ وَقَوْلُهُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ جَوَابٌ لَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِهِ دُونَ مَا لَيْسَ بِجَوَابٍ لَهُ وَهُوَ الْمَزِيدُ عَلَيْهِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْجَوَابُ خَاصًّا وَأَمَّا إذَا كَانَ الْجَوَابُ عَامًّا وَيَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ لِاسْتِنَادِ الشَّرْطِ إلَى مَا قَبْلَهُ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ وَلَمْ يُحْمَلْ هَذَا
стр. 493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْجَوَابُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالشَّرْطِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ بِنْتَ مَخَاضٍ سِنٌّ لَا يَعُودُ بَعْدَ الِانْتِقَالِ عَنْهُ فَرْضًا بِنَفْسِهِ قَبْلَ الْمِائَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَعُودَ بَعْدَ الْمِائَةِ فَرْضًا بِنَفْسِهِ كَسِنِّ الْجَذَعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْغَنَمَ لَا تَعُودُ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ بَعْدَ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَرْضَ يَتَغَيَّرُ إلَى تَخْيِيرِ السَّاعِي بَيْنَ حِقَّتَيْنِ وَثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَا يَنْتَقِلُ الْفَرْضُ إلَّا بِزِيَادَةِ عَشْرٍ مِنْ الْإِبِلِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الْفَرْضَ يَنْتَقِلُ إلَى ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا إلَى التَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَمَا زَادَ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ فَعُلِّقَ بِتَخْيِيرِ الْأَسْنَانِ بِالْعَشَرَاتِ فَوَجَبَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْعِشْرِينَ مُخَالِفًا لِمَا قَبْلَهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمُخَالَفَةُ بِالتَّخْيِيرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُوَافِقًا لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي اجْتِمَاعَ وَقَصَيْنِ لَا يَتَخَلَّلُهُمَا فَرْضٌ وَهَذَا خِلَافُ الْأُصُولِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِالْعَشْرِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ فَعَلَّقَ انْتِقَالَ الْفَرْضِ عَلَى الْعَشَرَاتِ فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ مِنْهَا وَهَذَا كَمَا «قَالَ ﷺ فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ فَمَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمِائَتَيْنِ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ» فَعَلَّقَ انْتِقَالَ الْفَرْضِ بِالْمِائَةِ فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْهَا وَاجْتَمَعَ بِذَلِكَ وَقَصَانِ لَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا فَرْضٌ وَتَحَرَّرَ مِنْ هَذَا قِيَاسٌ فَنَقُولُ إنَّ هَذِهِ مَاشِيَةٌ تُزَكَّى بِالْغَنَمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَقَصَانِ مُتَّصِلَانِ كَالْغَنَمِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الِانْتِقَالَ يَقَعُ إلَى ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ قَوْلُهُ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِبِلِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَلَّقَ الِانْتِقَالَ إلَى هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ الزِّيَادَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْوَاحِدَةُ زِيَادَةٌ فَيَجِبُ الِانْتِقَالُ بِهَا وَيُؤْخَذُ فِي هَذِهِ الْإِبِلِ ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَيْهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ السَّائِمَةُ هِيَ الرَّاعِيَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا قَصَدَ إلَى ذِكْرِ السَّائِمَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ عَامَّةُ الْغَنَمِ وَلَا تَكَادُ أَنْ تَكُونَ فِيهَا غَيْرُ سَائِمَةٍ وَلِذَلِكَ ذَكَرَ السَّائِمَةَ فِي الْغَنَمِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ ﷺ فِي كِتَابِهِ لِيَنُصَّ عَلَى السَّائِمَةِ وَيُكَلِّفَ الْمُجْتَهِدَ الِاجْتِهَادَ فِي إلْحَاقِ الْمَعْلُوفَةِ بِهَا فَيَحْصُلَ لَهُ أَجْرُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَقَالَ فِيهَا إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا شَاةٌ فَنِصَابُ الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ وَوَقَصُهَا إلَى تَمَامِ الْمِائَةِ وَعِشْرِينَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ يُرِيدُ أَنَّ فِي مِائَتَيْ شَاةٍ شَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ تَغَيَّرَ الْفَرْضُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَفِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثُ شِيَاهٍ يُرِيدُ أَنَّ فِي مِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ ثَلَاثَ شِيَاهٍ، وَكَذَلِكَ فِي الثَّلَاثِمِائَةِ ثُمَّ «قَالَ ﷺ فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ» يُرِيدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ فِي الْمِائَتَيْ شَاةٍ وَشَاةٍ ثَلَاثَ شِيَاهٍ، وَكَذَلِكَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعٍ وَتِسْعِينَ حَتَّى تَكُونَ أَرْبَعَمِائَةِ شَاةٍ فَيَكُونَ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ انْتِقَالِ الْفَرْضِ عَلَى الْمُبَيَّنِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ التَّيْسُ هُوَ الذَّكَرُ مِنْ الْمَعْزِ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْفُحُولَةِ فَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِضِرَابٍ وَلَا لِدَرٍّ وَلَا نَسْلٍ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ فِي الزَّكَاةِ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّسْلِ وَالْهَرِمَةُ الَّتِي قَدْ أَضَرَّ بِهَا الْكِبَرُ وَبَلَغَتْ فِيهِ حَدًّا لَا تَكُونُ فِيهِ ذَاتَ دَرٍّ وَلَا نَسْلٍ وَذَاتُ الْعَوَارِ
стр. 494
مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ الْمَكِّيِّ عَنْ طَاوُسٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً وَأُتِيَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ شَيْئًا حَتَّى أَلْقَاهُ فَأَسْأَلَهُ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) .
ــ
[المنتقى]
هِيَ ذَاتُ الْعَيْبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَوَارُ بِالْفَتْحِ الْعَيْبُ وَهُوَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ وَأَمَّا بِرَفْعِ الْعَيْنِ فَمِنْ الْعَوَرِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرِيضًا أَوْ جَرِبًا أَوْ أَعْوَرَ.
فَلَيْسَ عَلَى الْمُصَدِّقِ أَخْذُهُ إلَّا أَنْ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ غِبْطَةٌ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وَأَنَّهَا مَعَ عَيْبِهَا أَغْبَطُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يُجْزِي عَنْهُ مِنْ الصَّحِيحِ فَإِنَّ لَهُ أَخْذَهَا وَيُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا ذَلِكَ وَلَيْسَ بِمَعْنَى الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا تُيُوسًا أَوْ هَرِمَةً أَوْ ذَاتَ عَوَارٍ فَإِنَّ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمَا يُجْزِئُ وَلَمْ يَلْزَمْ الْمُصَدِّقَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَأْخُذُ مِنْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يُخْرَجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ السَّلَامَةُ كَالضَّحَايَا وَهَذَا الْقِيَاسُ إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ إنَّ ذَا الْعَيْبِ لَا يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ السَّالِمَةِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا تُجْزِئُ إذَا كَانَتْ أَفْضَلَ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ السَّلِيمَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَادَّانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَقَوْلُهُ وَفِي الرِّقَةِ إذَا بَلَغَتْ خَمْسَ أَوَاقٍ رُبُعُ الْعُشْرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الرِّقَّةُ اسْمُ الْوَرِقِ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ اسْمُ الْوَرِقِ وَالذَّهَبِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَإِنَّ فِي الْمَالَيْنِ رُبُعَ الْعُشْرِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الْبَقَرِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا التَّبِيعُ هُوَ الْعِجْلُ الَّذِي فُطِمَ عَنْ أُمِّهِ فَهُوَ تَبِيعٌ وَيَقْوَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَكَذَا إذَا دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّبِيعُ هُوَ الْجَذَعُ مِنْ الْبَقَرِ وَهُوَ الَّذِي أَوْفَى سَنَتَيْنِ وَدَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا الْكَلَامُ عَلَى سِنِّهِ فَأَمَّا صِفَتُهُ فِي نَفْسِهِ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ ذَكَرٌ وَلَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْمَاشِيَةِ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمِنْ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهَا الَّتِي دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ هِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ وَلَا تُؤْخَذُ إلَّا أُنْثَى وَسَوَاءٌ كَانَتْ بَقَرُهُ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا كُلُّهَا.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إذَا كَانَتْ الْبَقَرُ كُلُّهَا ذُكُورًا أُخِذَ مِنْهَا مُسِنٌّ ذَكَرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَلَمْ يُعْرَفْ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ نِصَابٌ وَجَبَتْ فِيهِ مُسِنَّةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ أُنْثَى كَمَا لَوْ كَانَتْ بَقَرُهُ إنَاثًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ بَقَرُهُ إنَاثًا جَازَ فِيهَا مُسِنٌّ ذَكَرٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا فَرْضٌ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِالْأُنْثَى عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا الذَّكَرُ كَبَنَاتِ لَبُونٍ فِي الْإِبِلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأُتِيَ بِمَا دُونَ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا انْقِيَادًا مِنْ مُعَاذٍ ﵁ وَطَاعَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَوُقُوفًا عِنْدَ حَدِّهِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا شَيْئًا
стр. 495
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِيمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ عَلَى رَاعِيَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ أَوْ عَلَى رِعَاءٍ مُفْتَرِقِينَ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى أَنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ عَلَى صَاحِبِهِ فَيُؤَدِّي صَدَقَتَهُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الذَّهَبُ أَوْ الْوَرِقُ مُتَفَرِّقَةً فِي أَيْدِي نَاسٍ شَتَّى أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْمَعَهَا فَيُخْرِجَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ زَكَاتِهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ إنَّهَا تُجْمَعُ عَلَيْهِ فِي الصَّدَقَةِ فَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ صُدِّقَتْ، وَقَالَ إنَّمَا هِيَ غَنَمٌ كُلُّهَا وَفِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَتْ الضَّأْنُ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ الْمَعْزِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّهَا إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ أَخَذَ الْمُصَّدِّقُ تِلْكَ الشَّاةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ الضَّأْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَعْزُ أَكْثَرَ أَخَذَ مِنْهَا فَإِنْ اسْتَوَتْ الضَّأْنُ وَالْمَعْزُ أَخَذَ مِنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ) .
ــ
[المنتقى]
حَتَّى أَلْقَاهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ أَمْرًا وَلَا شَيْئًا وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّ الثَّلَاثِينَ نِصَابٌ فِي الْبَقَرِ فَأَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى يَسْمَعَ مِنْهُ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حُكْمٌ فِي هَذَا مَعَ الِاجْتِهَادِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الِاجْتِهَادَ لِمَا كَانَ يَرْجُوهُ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْ النَّصِّ بَعْدَ وَقْتٍ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ثَبَتَ النِّصَابُ فِي الْبَقَرِ إمَّا لِخَبَرٍ مَرْوِيٍّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مُعَاذٍ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ وَإِمَّا بِاجْتِهَادٍ مِنْهَا لِمَا عَدِمْت النَّصَّ فَثَبَتَ النِّصَابُ بِذَلِكَ الِاجْتِهَادِ وَوَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ مُفْتَرِقَةٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى فَإِنَّ جَمِيعَهَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ وَيُحْتَسَبُ بِهَا جُمْلَةً فِي زَكَاةِ غَنَمِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ مِلْكُهُ وَهَذَا مِثْلُ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الذَّهَبُ فِي أَيْدِي نَاسٍ شَتَّى فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ وَيُؤَدِّي عَنْهُ الزَّكَاةَ كَمَا يُؤَدِّي فِيمَا اجْتَمَعَ بِيَدِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا يُرَاعَى افْتِرَاقُهُ فِي أَيْدِي نَاسٍ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى اجْتِمَاعُهُ فِي مِلْكِهِ وَجَرَيَانُ الْحَوْلِ فِي جَمِيعِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي هَذَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الضَّأْنَ وَالْمَعْزَ يُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ فَإِذَا بَلَغَ الصِّنْفَانِ نِصَابَ الْغَنَمِ زَكَّاهَا وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِمَا فِي كِتَابِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ قَوْلُهُ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَتَى اجْتَمَعَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ أَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ بَعْضُهَا مَاعِزٌ وَبَعْضُهَا ضَأْنٌ أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْغَنَمُ يَقَعُ عَلَى الصِّنْفَيْنِ جَمِيعًا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى أَنْ يُجْمَعَ فِيهَا مِنْ الْأَجْنَاسِ مَا تَقَارَبَ فِي الْمَنْفَعَةِ وَالْجِنْسِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَلَسِ وَالزَّبِيبِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعِرَابِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبُخْتِ وَالْمَنْفَعَةُ فِي الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ وَاحِدَةٌ فَلِذَلِكَ جُمِعَا فِي الزَّكَاةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنَّ الْمُصَدِّقَ يَأْخُذُهَا مِنْ أَكْثَرِ جِنْسِ غَنَمِهِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْهَا تَبَعٌ لِلْكَثِيرِ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَتُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ أَحَدِ الصِّنْفَيْنِ كَانَ أَخْذُهُ مِنْ الصِّنْفِ الْأَكْثَرِ أَوْلَى فَإِنْ اسْتَوَى الصِّنْفَانِ كَانَ الْمُصَّدِّقُ بِالْخِيَارِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَيِّ الصِّنْفَيْنِ شَاءَ وَهَكَذَا سُنَّةُ الزَّكَاةِ أَنَّهُ مَتَى اسْتَوَى السِّنَّانِ فِي الْوُجُوبِ وَالْوُجُودِ خُيِّرَ الْمُصَّدِّقُ كَالْخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَالْأَرْبَعِ حِقَاقٍ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ وَجَبَتْ شَاتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرْت فَإِنْ تَسَاوَتْ الضَّأْنُ وَالْمَاعِزُ أُخِذَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ شَاةٌ، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ وَجَبَتْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ فِي الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ، ثُمَّ نَظَرْت إلَى مَا بَقِيَ بَعْدَ النِّصَابِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ الشَّاةُ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْجِنْسِ الثَّانِي وَكَانَ الْجِنْسُ الثَّانِي مُقَصِّرًا عَنْ النِّصَابِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ضَائِنَةً وَثَلَاثُونَ مِعْزَى فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّاتَيْنِ تُؤْخَذُ مِنْ الضَّأْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ الثَّانِي نِصَابًا وَكَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ بَعْدَ النِّصَابِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبْعُونَ ضَائِنَةً وَسَبْعُونَ مِعْزَى فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ شَاةٌ مِنْ الضَّأْنِ وَشَاةٌ مِنْ الْمَعْزِ فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ الثَّانِي أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مُقَصِّرٌ عَنْ النِّصَابِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَرْبَعُونَ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَعِشْرُونَ مِنْ الْبَقَرِ فَعَلَيْهِ تَبِيعٌ مِنْ الْجَوَامِيسِ
стр. 496
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْإِبِلُ الْعِرَابُ وَالْبُخْتُ يُجْمَعَانِ عَلَى رَبِّهِمَا فِي الصَّدَقَةِ، وَقَالَ إنَّمَا هِيَ إبِلٌ كُلُّهَا فَإِنْ كَانَتْ الْعِرَابُ هِيَ أَكْثَرُ مِنْ الْبُخْتِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى رَبِّهَا إلَّا بَعِيرٌ وَاحِدٌ فَلْيَأْخُذْ مِنْ الْعِرَابِ صَدَقَتَهَا فَإِنْ كَانَتْ الْبُخْتُ أَكْثَرَ فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا فَإِنْ اسْتَوَتْ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ تُجْمَعُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى رَبِّهَا، وَقَالَ إنَّمَا هِيَ بَقَرٌ كُلُّهَا فَإِنْ كَانَتْ الْبَقَرُ أَكْثَرَ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَلَا تَجِبُ عَلَى رَبِّهَا إلَّا بَقَرَةٌ وَاحِدَةٌ فَلْيَأْخُذْ مِنْ الْبَقَرِ صَدَقَتَهُمَا فَإِنْ كَانَتْ الْجَوَامِيسُ أَكْثَرَ فَلْيَأْخُذْ مِنْهَا فَإِنْ اسْتَوَتْ فَلْيَأْخُذْ مِنْ أَيَّتِهِمَا شَاءَ فَإِذَا وَجَبَتْ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ صُدِّقَ الصِّنْفَانِ جَمِيعًا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَفَادَ مَاشِيَةً مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَبْلَهَا نِصَابُ مَاشِيَةٍ وَالنِّصَابُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ إمَّا خَمْسُ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ وَإِمَّا ثَلَاثُونَ بَقَرَةً وَإِمَّا أَرْبَعُونَ شَاةً فَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ خَمْسُ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ ثَلَاثُونَ بَقَرَةً أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً، ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهَا إبِلًا أَوْ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَاشِيَتِهِ حِينَ يُصَدِّقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَحُلْ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ، وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَ مِنْ الْمَاشِيَةِ إلَى مَاشِيَةٍ قَدْ صُدِّقَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرِثَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَاشِيَتِهِ حِينَ يُصَدِّقُ مَاشِيَتَهُ)
ــ
[المنتقى]
وَتَبِيعٌ مِنْ الْبَقَرِ؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ فِيهِ التَّبِيعُ الثَّانِي الْبَقَرُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْجَوَامِيسِ.
فَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ الثَّانِي نِصَابًا وَهُوَ أَكْثَرُ مِمَّا بَقِيَ مِنْ الْجِنْسِ الْأَوَّلِ بَعْدَ النِّصَابِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْ الضَّأْنِ وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْمَعْزِ فَهَلْ تُؤْخَذُ الثَّانِيَةُ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ الضَّأْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُؤْخَذُ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّانِيَةُ مِنْ الْمَعْزِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ تُؤْخَذُ الشَّاتَانِ مِنْ الضَّأْنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْمِعْزَى نِصَابٌ فَلَا يَجِبُ إخْلَاؤُهَا مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْهَا مَعَ إمْكَانِ ذَلِكَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الْأَرْبَعِينَ وَجَبَتْ فِيهَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَبَقِيَ مِنْ الضَّأْنِ سِتُّونَ وَمِنْ الْمَعْزِ أَرْبَعُونَ فَكَانَ الْإِخْرَاجُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْلَى لِكَوْنِهَا أَكْثَرَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ الْجَوَامِيسِ مَعَ عِشْرِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْبُخْتَ وَالْعِرَابَ مِنْ الْإِبِلِ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا فَرِيضَةُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا بُخْتًا أَوْ بَعْضُهَا بُخْتًا وَبَعْضُهَا عِرَابًا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ إبِلٍ أَرْبَعٌ مِنْ الْغَنَمِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهَا مُقَارِبَةٌ مَعَ تَشَابُهِهَا فِي الصُّورَةِ كَالضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ فَيُؤْخَذُ الْبَعِيرُ الْوَاحِدُ مِنْ الْإِبِلِ مِنْ أَكْثَرِ النَّوْعَيْنِ كَمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ فَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ خُيِّرَ السَّاعِي فَيَأْخُذُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ السِّنُّ مَوْجُودًا عِنْدَهُ إلَّا مِنْ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ أَخَذَ مِنْهُ مَا وَجَدَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّاعِي أَنْ يُلْزِمَهُ ذَلِكَ الْجِنْسَ مِنْ الْجِنْسِ الْآخَرِ فَإِنْ عَدِمَا عِنْدَهُ فَالسَّاعِي مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُكَلِّفَهُ ذَلِكَ السِّنَّ مِنْ أَيِّ الْجِنْسَيْنِ شَاءَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْبَقَرَ وَالْجَوَامِيسَ يُجْمَعَانِ فِي الزَّكَاةِ لِتَقَارُبِهِمَا فِي الْجِنْسِ وَالْمَنْفَعَةِ وَحُكْمُهَا إذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا غَيْرُ تَبِيعٍ أَوْ مُسِنَّةٍ حُكْمُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَقَوْلُهُ فَإِذَا وَجَبَتْ فِي ذَلِكَ الصَّدَقَةُ صُدِّقَ الصِّنْفَانِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَتْ فِيهَا وَاحِدَةٌ أُخْرِجَتْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَكَانَ ذَلِكَ صَدَقَةً عَنْ الصِّنْفَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إنْ وَجَبَتْ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْ ذَلِكَ الصَّدَقَةُ صُدِّقَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَفَادَ مَاشِيَةً بِأَيِّ نَوْعٍ أَفَادَهَا فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نِصَابُ مَاشِيَةٍ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يُضَافُ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ أَوْ لَا يَكُونَ
стр. 497
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْوَرِقِ يُزَكِّيهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ عَرْضًا وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي عَرْضِهِ ذَلِكَ إذَا بَاعَهُ الصَّدَقَةَ فَيُخْرِجُ الرَّجُلُ الْآخَرُ صَدَقَتَهَا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ قَدْ صَدَّقَهَا هَذَا الْيَوْمَ وَيَكُونُ الْآخَرُ قَدْ صَدَّقَهَا مِنْ الْغَدِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَاشْتَرَى إلَيْهَا غَنَمًا كَثِيرَةً تَجِبُ فِي دُونِهَا الصَّدَقَةُ أَوْ وَرِثَهَا أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْغَنَمِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا بِاشْتِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ مَاشِيَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ فَلَيْسَ يُعَدُّ ذَلِكَ نِصَابَ مَالٍ حَتَّى يَكُونَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَذَلِكَ النِّصَابُ الَّذِي يُصَدَّقُ مَعَهُ مَا أَفَادَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ) .
ــ
[المنتقى]
عِنْدَهُ نِصَابٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصَابُ مَاشِيَةٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيمَا أَفَادَ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَكُونُ فِي مَالٍ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ وَأَصْلُ النِّصَابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْأَصْلُ إلَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ فِي أَوَّلِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ مَقَادِيرِ الْأَمْوَالِ كَأَنَّهُ أَصْلُ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ فِي الْإِبِلِ خَمْسُ ذَوْدٍ وَفِي الْبَقَرِ ثَلَاثُونَ بَقَرَةً وَفِي الْغَنَمِ أَرْبَعُونَ شَاةً.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُفِيدِ لِلْمَاشِيَةِ نِصَابُ مَاشِيَةٍ مِنْ جِنْسِهَا كَانَ حُكْمُ مَا أَفَادَ حُكْمَ النِّصَابِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ وَلَوْ أَفَادَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السَّاعِيَ لَا يُخْرِجُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْفَوَائِدُ تَحْدُثُ فِي جَمِيعِ الْعَامِ فَلَوْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الْمَوَاشِي فِي عَامِ إفَادَتِهَا شَيْءٌ لَكَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ الْمَاشِيَةِ فِي عَامَيْنِ غَيْرُ زَكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي مِنْهَا الزَّكَاةَ فِي الْعَامِ الَّذِي اسْتَفَادَهَا رُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةُ بَعْدَ اشْتِرَائِهَا بِيَوْمٍ فَجَرَّ إلَى أَمْرٍ يَكُونُ سَدَادًا أَوْ عَدْلًا بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَسَاكِينِ فِي الْفَوَائِدِ وَذَلِكَ بِأَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ أُضِيفَ إلَيْهِ فَائِدَتُهُ فَزَكَّاهَا وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نِصَابٌ لَمْ يُزَكِّهَا إلَى الْحَوْلِ الثَّانِي وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصَابِ لَهُ أَصْلٌ فِي الزَّكَاةِ فَكَانَ أَوْلَى بِأَنْ يَجْعَلَ مَا أَفَادَ تَبَعًا لَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ مَا أَفَادَ مِنْ الْمَاشِيَةِ إلَى مَاشِيَتِهِ قَدْ صُدِّقَتْ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَرِثَهَا فَإِنَّهُ يُصَدِّقُهَا مَعَ مَاشِيَتِهِ " يُرِيدُ أَنَّ الْمُصَّدِّقَ قَدْ أَخَذَ صَدَقَةَ هَذِهِ الْمَاشِيَةِ عِنْدَ رَبِّهَا الْبَائِعِ لَهَا أَوْ الْمَوْرُوثَةِ مِنْهُ، ثُمَّ صَارَتْ بِالْبَيْعِ أَوْ الْمِيرَاثِ أَوْ الْهِبَةِ بَعْدَ يَوْمٍ إلَى رَجُلٍ آخَرَ عِنْدَهُ نِصَابًا فَيَأْتِيهِ الْمُصَّدِّقُ بَعْدَ يَوْمٍ فَإِنَّهُ يَحْسُبُهَا عَلَيْهِ مَعَ مَاشِيَتِهِ وَيَأْخُذُ صَدَقَتَهَا مِنْهُ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ فِيهَا عَلَى الرَّجُلَيْنِ بِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَهَذَا عَدْلٌ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ وَالْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَبِيعُ الْمَاشِيَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْمُصَّدِّقُ بِيَوْمٍ فَيَشْتَرِيَهَا مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ نِصَابٌ فَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا الْمُصَّدِّقُ فِي هَذَا الْعَامِ شَيْئًا فَإِنَّمَا زَكَاةُ الْمَاشِيَةِ عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّعْدِيلِ لِلضَّرُورَةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالسَّاعِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّ رَبَّهُ يُخْرِجُهُ مَتَى حَالَ حَوْلُهُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْوَرِقِ يُزَكِّيهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يَشْتَرِي بِهَا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ عَرْضًا وَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي عَرْضِهِ ذَلِكَ إذَا بَاعَهُ الصَّدَقَةَ فَيُخْرِجُ الرَّجُلُ الْآخَرُ صَدَقَتَهَا فَيَكُونُ الْأَوَّلُ قَدْ صَدَّقَهَا هَذَا الْيَوْمَ وَيَكُونُ الْآخَرُ قَدْ صَدَّقَهَا مِنْ الْغَدِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَعَلَى مَا انْفَصَلَ بِهِ مِمَّنْ أَنْكَرَ فِي الْمَاشِيَةِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ مِنْ مَالِكَيْنِ فَانْفَصَلَ عَنْهُ بِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ فِي عَيْنِهِ، ثُمَّ يُزَكِّيه الْيَوْمَ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِهِ الْغَدَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ قَدْ حَالَ عَلَيْهَا عِنْدَهُ الْحَوْلُ لِلتِّجَارَةِ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ الْعَيْنَ الَّذِي زَكَّاهُ بِالْأَمْسِ فَيُزَكِّيه هَذَا الْبَائِعُ الْيَوْمَ فَإِذَا جَازَ هَذَا فِي الْعَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِ فَبِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِي الْمَاشِيَةِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ضَرُورَةِ السَّاعِي أَوْلَى وَأَحْرَى فَلَا اعْتِبَارَ بِالْمَالِكِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَالَ قَدْ يُقَوَّمُ أَعْوَامًا عِنْدَ مَالِكٍ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَتَجْرِي فِيهِ الزَّكَاةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْمَالِكِ عَلَى شُرُوطٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ
стр. 498
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ إبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ يَجِبُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الصَّدَقَةُ ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهَا بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً صَدَّقَهَا مَعَ مَاشِيَتِهِ حِينَ يُصَدِّقُهَا قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْفَرِيضَةِ تَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ وَلَا يُوجَدُ غَيْرُهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِنْتَ مَخَاضٍ فَلَمْ تُوجَدْ أَخَذَ مَكَانَهَا ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَبْتَاعَهَا لَهُ حَتَّى يَأْتِيَهَا قَالَ مَالِكٌ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ الْمَاشِيَةِ دُونَ النِّصَابِ فَأَفَادَ إلَيْهِ مَاشِيَةً مِنْ جِنْسِ مَا يَضُمُّ إلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ هِيَ فِي نَفْسِهَا نِصَابٌ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّيهَا لِحَوْلِ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَاشِيَةِ، وَإِنَّمَا يُزَكِّي مَا كَانَ عِنْدَهُ وَمَا أَفَادَ لِحَوْلِ الْفَائِدَةِ أَفَادَهَا وَهَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْفَائِدَةُ لَيْسَتْ بِنِصَابٍ فِي نَفْسِهَا وَلَكِنَّهَا مَبْلَغُ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْمَاشِيَةِ النِّصَابُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ الْمَاشِيَةِ فَأَفَادَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا مِمَّا يُضَافُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُزَكِّي الْفَائِدَةَ وَالنِّصَابَ لِحَوْلِ النِّصَابِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْدِيلِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمُسْتَحَقِّينَ لِلزَّكَاةِ لِضَرُورَةِ السَّاعِي وَالْحَوْلِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ زَكَاةَ الْفَائِدَةِ لِحَوْلِ النِّصَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ مَالِكٌ وَفِي الْمَاشِيَةِ لَهُ أَصَحُّ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ وَأَحَبُّ إلَيَّ النَّاظِرُ فِيهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ هَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي هَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُحِبُّ هَذَا الْقَوْلَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَعَلَى هَذَا يُقَالُ زَيْدٌ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا حَقَّ لِلْغَيْرِ فِيهِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَيْتُ حَسَّانَ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْت لَهُ بِكُفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
فَقَالَ فَشَرُّكُمَا وَلَا شَرَّ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ سَائِرَ الْأَقْوَالِ لَهَا عِنْدَهُ وَجْهٌ وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ يَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ لَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ إلَّا أَنَّ دَلِيلَ هَذَا الْقَوْلِ أَبْيَنُ وَأَرْجَحُ فَتَكُونُ أَفْعَلُ عَلَى بَابِهَا فِي الْمُشَارَكَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ وَوُجِدَ عِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَتُجْزِي عِنْدَهُ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَحَادِيثُ الصَّدَقَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ وَابْنُ لَبُونٍ فِي هَذَا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ لَا عَلَى الْقِيمَةِ بِدَلِيلِ أَنْ يُجْزِيَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ ابْنِ اللَّبُونِ الَّذِي يُؤْخَذُ بَدَلًا مِنْهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ عُدِمَتْ عِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ وَابْنُ لَبُونٍ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا ابْنَةُ مَخَاضٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ هَذِهِ حَالَةٌ اسْتَوَى فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ وَابْنُ لَبُونٍ وَكَانَ الْفَرْضُ بِنْتَ مَخَاضٍ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا فُقِدَتَا عِنْدَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ لَبُونٍ أَوْ حِقَّةً أَوْ جَذَعَةً كَانَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يَبْتَاعَهَا يَأْتِي بِهَا يُرِيدُ أَنَّهَا إنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حِقَّةٌ أَوْ جَذَعَةٌ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ وَلَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ قِيمَتُهَا مِنْ الْإِبِلِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَذْهَبٍ أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ جَائِزٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ «عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ فَقَالَ خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ وَالشَّاةَ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَعِيرَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يُخْرَجُ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ فَلَمْ تَجُزْ فِيهِ الْقِيمَةُ كَالرَّقَبَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَجْبَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ مِنْهُ فِي زَكَاتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ عَدْلًا يُجْزِئُهُ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَا يُجْزِيهِ قَالَ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَا أَخَذُوهُ فِي الْعُشُورِ وَالْمُكُوسِ بَعْدَ مَحَلِّهَا كَرْهًا وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ
стр. 499
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ النَّوَاضِحِ وَالْبَقَرِ السَّوَانِي وَبَقَرِ الْحَرْثِ إنِّي أَرَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا وَجَبَتْ فِيهِ الصَّدَقَةُ) .
صَدَقَةُ الْخُلَطَاءِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْخَلِيطَيْنِ إذَا كَانَ الرَّاعِي وَاحِدًا وَالْفَحْلُ وَاحِدًا وَالْمُرَاحُ وَاحِدًا وَالدَّلْوُ وَاحِدًا فَالرَّجُلَانِ خَلِيطَانِ، وَإِنْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَهُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ قَالَ، وَاَلَّذِي لَا يَعْرِفُ مَالَهُ مِنْ مَالِ صَاحِبِهِ لَيْسَ بِخَلِيطٍ إنَّمَا هُوَ شَرِيكٌ)
ــ
[المنتقى]
هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ كَانَ لَهُ مَالُ دَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ وَكَانَ الَّذِي عِنْدَهُ الدَّيْنُ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ فَأَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهُ لَهُ وَيَحْتَسِبَ بِهِ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ يُجْزِئُهُ إذَا أَعْطَاهُ مِنْهُ قَدْرَ مَا كَانَ يُعْطِيهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ الدَّيْنَ عَلَى الصَّغِيرِ تَاوٍ لَا قِيمَةَ لَهُ وَمَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ الِاحْتِسَابُ بِهِ فِي الزَّكَاةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْفَقِيرَ يَحْصُلُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمَا أُسْقِطَ لَهُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِهِ فَأَدَّاهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِبِلَ النَّوَاضِحَ وَهِيَ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنْ الْآبَارِ لِسَقْيِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَالْبَقَرُ وَالسَّوَانِي وَهِيَ الَّتِي تُسْقَى بِالسَّانِيَةِ لِسَقْيِ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ وَبَقَرُ الْحَرْثِ وَتَجْمَعُ هَذِهِ كُلُّهَا الْعَوَامِلَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِيهَا كَالسَّائِمَةِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ ﵀.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ الْمُتَقَدِّمُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ وَهَذَا عَامٌّ فِي السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ فَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كَثْرَةَ النَّفَقَاتِ وَقِلَّتَهَا إذَا أَثَّرَتْ فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تُؤَثِّرُ فِي تَخْفِيفِهَا وَتَثْقِيلِهَا وَلَا تُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِهَا وَلَا إثْبَاتِهَا كَالْخُلْطَةِ وَالتَّفْرِقَةِ وَالسَّقْيِ بِالنَّضْحِ وَالسَّيْحِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ السَّائِمَةِ وَالْمَعْلُوفَةِ إلَّا فِي تَخْفِيفِ النَّفَقَةِ وَتَثْقِيلِهَا وَأَمَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَعَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ لَا يَمْنَعُ عَلَفُهَا مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ.
[صَدَقَةُ الْخُلَطَاءِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُلَطَاءَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ وَاقِعٌ عَلَى الرَّجُلَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاشِيَةٌ تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيَجْمَعُونَهَا لِلرِّفْقِ فِي الرَّاعِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَاشِيَةُ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ وَيُجْزِي مِنْهَا لِمَاشِيَةِ جَمِيعِهِمْ مَا يُجْزِي مَاشِيَةَ أَحَدِهِمْ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ الْخُلَطَاءُ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْخَلِيطَ الشَّرِيكُ وَذَكَرَ مَالِكٌ ﵀ أَنَّ الْخَلِيطَ غَيْرُ الشَّرِيكِ وَأَنَّ الْخَلِيطَ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ مَاشِيَتَهُ وَأَنَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ مَاشِيَتَهُ هُوَ الشَّرِيكُ وَحُكْمُ الْخَلِيطَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تُصَدَّقَ مَاشِيَتُهُمَا كَأَنَّهَا عَلَى مِلْكِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ لِثَلَاثَةِ رِجَالٍ أَرْبَعُونَ أَرْبَعُونَ وَهُمْ خُلَطَاءُ أُخِذَ مِنْهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَمَنْ أُخِذَتْ مِنْ غَنَمِهِ رَجَعَ عَلَى صَاحِبَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثُلُثِ شَاةٍ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا خُلَطَاءَ لَأُخِذَ مِنْهُمْ ثَلَاثُ شِيَاهٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرَاعِي الْخُلْطَةَ وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الزَّكَاةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فِي الْفَرِيضَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الزَّكَاةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ.
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا فِي الْخَلِيطَيْنِ تُؤْخَذُ صَدَقَةُ أَحَدِهِمَا مِنْ مَاشِيَةِ أَحَدِهِمَا فَيَرْجِعُ الَّذِي أُخِذَتْ صَدَقَةُ الْمَاشِيَةِ مِنْ غَنَمِهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِقَدْرِ مَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ كَانَا شَرِيكَيْنِ لَمَا تُصُوِّرَ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ التَّرَاجُعَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْخُلْطَةُ تَصِحُّ فِي الْمَاشِيَتَيْنِ إذَا كَانَتَا مِمَّا تُضَمُّ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى فِي الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابُ ضَأْنٍ
стр. 500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَلِلْآخَرِ نِصَابُ مَعْزٍ أَوْ لِأَحَدِهِمَا نِصَابُ إبِلٍ عِرَابٍ وَلِلْآخَرِ نِصَابُ بُخْتٍ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيسُ فَإِنْ كَانَتْ الْمَاشِيَتَانِ مِمَّا لَا يُضَمُّ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى كَالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَلَا خُلْطَةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ لَا يَقَعُ فِيهِمَا لِاخْتِلَافِ مُؤْنَتِهِمَا وَالْأَغْرَاضُ فِيهِمَا كَالْمَاشِيَةِ وَالْحَبِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمَعَانِي الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْخُلْطَةِ خَمْسَةٌ الرَّاعِي وَالْفَحْلُ وَالْمُرَاحُ وَالدَّلْوُ وَالْمَبِيتُ فَالرَّاعِي هُوَ الَّذِي يَرْعَاهَا فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ يَرْعَى جَمِيعَ الْغَنَمِ فَقَدْ حَصَلَتْ الْخُلْطَةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ مَاشِيَةٍ رَاعٍ يَأْخُذُ أُجْرَتَهَا مِنْ مَالِكِهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَعَاوَنُوا بِالنَّهَارِ عَلَى جَمِيعِهَا أَوْ لَا يَتَعَاوَنُوا عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا يَتَعَاوَنُونَ بِإِذْنِ أَرْبَابِهَا فَهِيَ خُلْطَةٌ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ رُعَاةٌ لِجَمِيعِ الْمَاشِيَةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ أَوْ يَفْعَلُونَهُ بِغَيْرِ إذْنِ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ فَلَيْسَتْ بِخُلْطَةٍ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ زِيَادَةٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَذِنَ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ فِي التَّعَاوُنِ عَلَى حِفْظِهَا؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْغَلَّةِ بِحَيْثُ يَقُومُ رَاعِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمَاشِيَتِهِ دُونَ عَوْنِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى حِفْظِهَا مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْفَحْلُ فَهُوَ الْفَحْلُ الَّذِي يَضْرِبُ الْمَاشِيَةَ فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ، وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ مَاشِيَةٍ فَحْلُهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُجْمَعَ لِضَرْبِ الْمَوَاشِي كُلِّهَا أَوْ لَا يُجْمَعُ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ فَحْلَهُ عَلَى مَاشِيَتِهِ إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا خَرَجَ عَنْهَا إلَى مَاشِيَةِ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانُوا جَمَعُوا الْمَاشِيَةَ لِضِرَابِ الْفُحُولَةِ كُلِّهَا فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ لِارْتِفَاقِهِمْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفُحُولِ، وَإِنْ قَصَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحْلَهُ عَلَى مَاشِيَتِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ مِنْ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُرَاحُ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تَرُوحُ إلَيْهِ الْمَاشِيَةُ وَتَجْتَمِعُ فِيهِ لِلِانْصِرَافِ إلَى الْمَبِيتِ وَقِيلَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُقِيلُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَاحُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ عَلَى الْإِشَاعَةِ بِكِرَاءٍ أَوْ مِلْكٍ فَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْجُزْءُ يَقُومُ بِمَاشِيَةِ صَاحِبِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ دُونَ مَضَرَّةٍ وَلَا ضِيقٍ أَوْ لَا يَقُومُ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ يَقُومُ بِمَاشِيَةِ صَاحِبِهِ فَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ لَمْ يُوجَدْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقُومُ بِهَا فَهِيَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ قَدْ حَصَلَ بِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الدَّلْوُ فَهُوَ الدَّلْوُ الَّذِي تُسْقَى بِهِ الْمَاشِيَةُ فَيَشْتَرِكُ فِيهِ الْخُلَطَاءُ لِتَخِفَّ مُؤْنَتُهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الدَّلْوِ.
وَقَدْ خَرَّجَ أَصْحَابُنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى الْمِيَاهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِبَعْضِهِمْ مِيَاهٌ يَسْقُونَ بِهَا وَيَمْنَعُونَ مِنْهَا غَيْرَهُمْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ أَوْ يَكُونَ الْمَاءُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ فَيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ وَذَلِكَ يَكُونُ مَوْجُودًا بَيْنَ الْأَعْرَابِ فَيَجْتَمِعُ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي فَيَتَعَاوَنُونَ عَلَى حَفْرِ بِئْرٍ يَمْلِكُهُ أَرْبَابُ الْمَاشِيَةِ فَيَكُونُ لَهُمْ السَّقْيُ مِنْهُ وَيَمْنَعُونَ غَيْرَهُمْ مَاءَهُ حَتَّى تُرْوَى مَوَاشِيهِمْ فَيَرْتَفِقُونَ بِالْجَمْعِ فِي حَفْرِهِ وَحِمَايَتِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْخُلْطَةِ وَلَعَلَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ تَارَةً بِالْمَاءِ وَتَارَةً بِالدَّلْوِ وَأَمَّا الْمَبِيتُ فَحَيْثُ تَبِيتُ الْمَاشِيَةُ وَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي الْمُرَاحِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فِي الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الصِّفَاتُ الَّتِي تُخَفِّفُ الْمُؤْنَةَ وَيَحْصُلُ الِارْتِفَاقُ بِالِاخْتِلَاطِ بِهَا فِي تَخْفِيفِ الزَّكَاةِ وَتَثْقِيلِهَا وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا يُخَفَّفُ بِهِ النَّفَقَةُ وَيُثْقَلُ كَالنَّضْحِ وَالسَّيْحِ.
(فَرْعٌ) وَبِمَاذَا تَحْصُلُ الْخُلْطَةُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا حُصُولُ جَمِيعِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ شَرْطِ الْخُلْطَةِ اجْتِمَاعُ جَمِيعِ صِفَاتِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْخُلْطَةِ إنَّمَا هُوَ الِارْتِفَاقُ بِاجْتِمَاعِهَا عَلَى مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قَلِيلِ الْمَاشِيَةِ وَكَثِيرِهَا وَالِارْتِفَاقُ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ فَثَبَتَ بِهِ حُكْمُ الْخُلْطَةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا بِمَاذَا تَحْصُلُ بِهِ الْخُلْطَةُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الرَّاعِي وَحْدَهُ حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ
стр. 501
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْخَلِيطَيْنِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِأَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً فَصَاعِدًا وَلِلْآخَرِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى الَّذِي لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الَّذِي لَهُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ صَدَقَةٌ) .
ــ
[المنتقى]
وَاَلَّذِي لِابْنِ حَبِيبٍ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَالَ وَلَوْ لَمْ يَجْمَعْهَا إلَّا فِي الرَّاعِي وَالْمَرْعَى وَتَفَرَّقَتْ فِي الْبُيُوتِ وَالْمُرَاحِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ صَارَ الْفَحْلُ وَاحِدًا فَضَرَبَ هَذِهِ فَحْلَ هَذِهِ وَهَذِهِ فَحْلَ هَذِهِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رَاعٍ وَاحِدٌ لَمْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ وَهَذَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرَاعِ الرَّعْيَ بِنَفْسِهِ فَقَطْ وَلَكِنَّهُ رَاعَاهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَعْنَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ إنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ذَلِكَ بِصِنْفَيْنِ أَيَّ صِنْفَيْنِ كَانَ.
فَوَجْهُ مَا حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ مَا يُعْتَبَرُ حَدُّ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ كَانَ الْمُعْتَبَرَ بِاَلَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِاجْتِمَاعُ وَيَكُونُ الْمُجْتَمِعُ تَبَعًا لَهُ كَالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ بِالصِّنْفَيْنِ فَمَا زَادَ يَقَعُ الِارْتِفَاقُ الْمُؤَثِّرُ وَمَا قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ فَشَيْءٌ يَسِيرٌ لَا يَقَعُ بِهِ الِارْتِفَاقُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْخُلْطَةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ بِعُرْفِ الشَّرْعِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ وَصْفُنَا لَهُ فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابُ مَاشِيَتِهِ وَذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ أَوْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَلِلْآخَرِ دُونَهُ أَوْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ فِي مَاشِيَتِهِمَا نِصَابٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إذَا بَلَغَتْ مَاشِيَتُهُمَا النِّصَابَ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ إذَا كَانَ مُنْفَرِدًا فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ إذَا خَالَطَ غَيْرَهُ أَصْلُهُ إذَا كَانَ ذِمِّيًّا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ خَالَطَ رَجُلًا بِبَعْضِ مَاشِيَتِهِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ كَانَتْ غَنَمًا خَالَطَ مِنْهَا بِأَرْبَعِينَ صَاحِبَ أَرْبَعِينَ وَلَهُ أَرْبَعُونَ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ يَكُونُ خَلِيطَهُ بِالثَّمَانِينَ فَتَجِبُ عَلَيْهِمَا شَاةٌ عَلَيْهِ ثُلُثَاهَا وَعَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ ثُلُثُهَا قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ لَا يَكُونُ خَلِيطَهُ إلَّا بِمَا خَالَطَهُ بِهِ يُزَكِّي الْمُخْتَلِطَةَ عَلَى حُكْمِ الْخُلْطَةِ فَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْبَعِينَ نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِطْهُ إلَّا بِهَا وَيَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ ثُلُثَا شَاةٍ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَالِكَ لِلثَّمَانِينَ لَمَّا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّهِ وَمُخَالَطَتِهِ بِالْتِمَاسٍ فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الْأَرْبَعِينَ وَهَذَا الْجَوَابُ الَّذِي جَاوَبَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ فِي الْأَوْقَاصِ الزَّكَاةَ وَعَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ شَيْءٌ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ شَاةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ كُلٌّ لَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْبَعِينَ لَمْ يُخَالِطْ مِنْ مَالِ صَاحِبِ الثَّمَانِينَ إلَّا بِأَرْبَعِينَ فَلَا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهَا فِي حُكْمِهِ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَنَّ صَاحِبَ الثَّمَانِينَ لَمْ يُخَالِطْ صَاحِبَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ مَاشِيَتِهِ إلَّا بِأَرْبَعِينَ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ لَا تُؤَثِّرَ خُلْطَتُهُ لَهُ فِي غَيْرِهَا.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّ سَحْنُونًا قَالَ لَوْ لَمْ يُخَالِطْهُ صَاحِبُ الثَّمَانِينَ مِنْ غَنَمِهِ لَثَبَتَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ مَالِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ خَالَطَ بِبَعْضِ غَنَمِهِ رَجُلًا وَخَالَطَ بِبَعْضِهَا رَجُلًا آخَرَ وَفِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا نِصَابٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ لَهُ ثَمَانُونَ خَالَطَ بِأَرْبَعِينَ مِنْهَا رَجُلًا وَبِأَرْبَعِينَ رَجُلًا آخَرَ فَإِنَّهُ خَلِيطٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِثَمَانِينَ فَعَلَى صَاحِبِ الثَّمَانِينَ شَاةٌ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ ثُلُثُ شَاةٍ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ خَلِيطَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصَابٌ فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ وَلِلْآخَرِ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ كَانَ مَاشِيَةُ الَّذِي لَهُ نِصَابٌ تُؤْخَذُ مِنْهُ الصَّدَقَةُ دُونَ مَاشِيَةِ الَّذِي لَا نِصَابَ لَهُ وَحُكْمُهُ فِي زَكَاتِهِ حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ وَعَلَى السَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ الزَّكَاةَ مِنْ مَاشِيَتِهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ مَاشِيَةِ الَّذِي
стр. 502
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ جَمَعَا فِي الصَّدَقَةِ وَوَجَبَتْ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا أَلْفُ شَاةٍ أَوْ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَلِلْآخَرِ أَرْبَعُونَ شَاةً أَوْ أَكْثَرُ فَهُمَا خَلِيطَانِ يَتَرَادَّانِ الْفَضْلَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ عَلَى قَدْرِ عَدَدِ أَمْوَالِهِمَا عَلَى الْأَلْفِ بِحِصَّتِهَا وَعَلَى الْأَرْبَعِينَ بِحِصَّتِهَا) .
ــ
[المنتقى]
لَا نِصَابَ لَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُدْخِلَ بِمَاشِيَتِهِ مَضَرَّةً عَلَى صَاحِبِ النِّصَابِ أَوْ لَا يُدْخِلَ عَلَيْهِ مَضَرَّةً فَإِنْ لَمْ يُدْخِلْ عَلَيْهِ مَضَرَّةً فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ يَرْجِعُ بِالشَّاةِ عَلَى الَّذِي لَهُ النِّصَابُ وَالشَّاةُ عَلَيْهِ دُونَ الَّذِي لَا نِصَابَ لَهُ سَوَاءٌ أُخِذَتْ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إنَّ السَّاعِيَ إذَا أَعْلَمَ وَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ الشَّاةَ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَاصَّا فِيهَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِقَوْلِ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا يُرَدُّ حُكْمُهُ وَلَا يُنْقَضُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الَّذِي لَا نِصَابَ لَهُ أَدْخَلَ عَلَى صَاحِبِ النِّصَابِ مَضَرَّةً مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ مِائَةُ شَاةٍ وَيَكُونَ لِآخَرَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ شَاةً فَأَخَذَ الْمُصَّدِّقُ مِنْهَا ثَمَانِينَ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَاخْتَارَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنْ يَتَرَاجَعَا فِي الثَّمَانِينَ عَلَى قَدْرِ مَاشِيَتِهِمَا.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَكُونُ الشَّاةُ الْوَاحِدَةُ عَلَى رَبِّ الْمِائَةِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الشَّاةِ الثَّانِيَةِ بِجَمِيعِ مَوَاشِيهِمَا.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ حَكَمَ بِهِ هَذَا السَّاعِي وَجَعَلَ الشَّاتَيْنِ فِي الْمَالَيْنِ فَيَجِبُ أَنْ يُنَفَّذَ الْحُكْمُ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ وَجَبَتْ عَلَى رَبِّ النِّصَابِ وَالشَّاةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ أَخَذَهَا آخِذٌ بِتَأْوِيلٍ فَيَجِبُ أَنْ يَتَرَاجَعَا فِيهِمَا.
(ش) : وَهَذَا قَالَ إنَّهُ إنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ لَزِمَهُ الصَّدَقَةُ عَلَى سَنَةِ الْخُلْطَةِ فَحُسِبَتْ مَاشِيَتُهُمَا كَأَنَّهَا مَاشِيَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَأَخَذَ مِنْهَا مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهَا أَنْ لَوْ كَانَتْ لِمَالِكٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ هَذَا تَأْثِيرُ الْخُلْطَةِ فَإِنْ كَانَتْ لِرَجُلٍ أَلْفُ شَاةٍ وَلِآخَرَ أَرْبَعُونَ شَاةً أَخَذَ مِنْهَا عَشْرَ شِيَاهٍ، ثُمَّ يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا تِسْعُمِائَةِ شَاةٍ وَلِلْآخَرِ أَرْبَعُونَ أَخَذَ مِنْهَا تِسْعَ شِيَاهٍ كَمَا كَانَ يُؤْخَذُ لَوْ كَانَا لِرَجُلٍ ثُمَّ يَتَرَاجَعَانِ عَلَى السَّوِيَّةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ مَاشِيَةُ أَحَدِهِمَا ضَأْنًا وَمَاشِيَةُ الْآخَرِ مَعْزًا وَوَجَبَتْ عَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ وَأَخَذَ الْمُصَّدِّقُ مِنْ أَكْثَرِهِمَا الشَّاةَ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَالِكٍ وَاحِدٍ فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الْمِعْزَى رَجَعَ صَاحِبُ الْمِعْزَى عَلَى صَاحِبِ الضَّأْنِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِعْزَى وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا يَأْخُذُ السَّاعِي مِنْ مَاشِيَةِ أَحَدِ الْخَلِيطَيْنِ عَنْ مَاشِيَةِ الْآخَرِ فَاَلَّذِي يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ بِمَعْنَى الِاسْتِهْلَاكِ فَالْوَاجِبُ بِهِ الْقِيمَةُ خَاصَّةً دُونَ الْعَيْنِ، وَاَلَّذِي يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ أَنَّهُ بِمَعْنَى السَّلَفِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى اخْتِيَارِ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِمَا مَاعِزَةٌ وَكَانَتْ فِي غَنَمِ أَحَدِهِمَا أَخَذَهَا مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَتِهَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَمِ مِنْ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ فَإِنَّ الْوَاجِبَ بِهِ الْقِيمَةُ دُونَ الْعَيْنِ كَالِاسْتِهْلَاكِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الشَّاةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِمَّنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مِنْ مَاشِيَةِ الْآخَرِ فَصَارَ ذَلِكَ سَلَفًا عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلَّفَ إخْرَاجَ شَاةٍ عَمَّا وَجَبَ عَلَى خَلِيطِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقِيمَةَ لَا تَجِبُ فِي الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي الْعَيْنِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ جَوَّزَ إخْرَاجَ الْغَنَمِ فِي الزَّكَاةِ إنَّمَا يُوجِبُ الْعَيْنَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُمَا يَجِبُ أَنْ يَتَسَاوَيَا، وَإِذَا أُخِذَ مِنْ أَحَدِهِمَا عَيْنٌ وَمِنْ الْآخَرِ قِيمَةٌ لَمْ يَتَسَاوَيَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَا إنَّمَا أَخْرَجَا عَنْ الْمَاشِيَتَيْنِ شَاةً وَاحِدَةً يَجِيءُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِ الشَّاةِ، وَقَالَ أَشْهَبُ أَيْضًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَةُ نِصْفِ الشَّاةِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَهُوَ لِمَرَدِّ مَذْهَبِهِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِنِصْفِ شَاةٍ لَكِنَّهُ لَوْ أَحْضَرَ الشَّاةَ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مِنْهَا بِالْبَيْعِ وَذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى الثَّمَنِ
стр. 503
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْخَلِيطَانِ فِي الْإِبِلِ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِيطَيْنِ فِي الْغَنَمِ يَجْتَمِعَانِ فِي الصَّدَقَةِ جَمِيعًا إذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَصْحَابَ الْمَوَاشِي قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً قَدْ وَجَبَتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَنَمِهِ الصَّدَقَةُ فَإِذَا أَظَلَّهُمْ الْمُصَّدِّقُ جَمَعُوهَا لِئَلَّا تَكُونَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ وَشَاةٌ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا أَظَلَّهُمَا الْمُصَّدِّقُ فَرَّقَا غَنَمَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا الَّذِي سَمِعْت فِي ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
وَهُوَ الْقِيمَةُ فَلَمَّا كَانَ مَرْجِعُهُ إلَى الْقِيمَةِ لَمْ يُكَلَّفْ الْمُسْتَسْلِفُ غَيْرَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُحْضِرَ غَيْرَ حِصَّتِك مِنْ الشَّاةِ وَأَمَّا حِصَّتِي فَلَا يَلْزَمُنِي إحْضَارُهَا فَلِذَلِكَ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى عَنْهُ شَاةً فَقَالَ أَشْهَبُ يَلْزَمُهُ دَفْعُ شَاةٍ إلَيْهِ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ عَلَيْهِ قِيمَةَ الشَّاةِ.
(فَرْعٌ) وَمَتَى تُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ فِي نِصْفِ الشَّاةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا الْقِيمَةُ يَوْمَ أَخَذَهَا الْمُصَّدِّقُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ بِأَثَرِ قَوْلِ أَشْهَبَ وَلَا تَكُونُ الْقِيمَةُ عَلَى هَذَا إلَّا قِيمَةُ نِصْفِ الشَّاةِ يَوْمَ أَدَاءِ الْقِيمَةِ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْخُلْطَةَ حُكْمُهَا فِي الْإِبِلِ كَحُكْمِهَا وَيُعْتَبَرُ فِيهَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْغَنَمِ مِنْ النِّصَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ وَمِنْهَا الْبُخْتُ وَالْعِرَابُ كَالضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْبَقَرِ وَالْجَوَامِيسِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ صَاحِبِ الْمَاشِيَةِ مِنْ ذَلِكَ نِصَابٌ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَطَتُهُ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةٌ» فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْخُلْطَةِ وَغَيْرِهَا وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَاسْتَدَلَّ فِي الْغَنَمِ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَذْهَبَ إلَى ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ فِي النِّصَابِ الْكَامِلِ وَيَنْفِيَهَا فِيهَا دُونَ النِّصَابِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى انْتِفَاءِ الزَّكَاةِ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْإِبِلِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِهَا بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَثَبَتَ الْحُكْمَانِ بِالدَّلِيلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ نَفْيَ الزَّكَاةِ فِيمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ عَلَى حَسَبِ نَفْيِهَا فِي الْإِبِلِ فِيمَا دُونَ الْخَمْسِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَفِي الشَّرْطِ الثَّانِي إنَّمَا قَالَ وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهَا إذَا لَمْ تَبْلُغْ إلَّا لِمَنْ يَرَى التَّعَلُّقَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ فِي الشَّرْطِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْوَارِدِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ لَمَّا كَانَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ تَارَةً بِتَخْفِيفٍ وَتَارَةً بِتَثْقِيلٍ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ وَمُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا لَازِمًا لِلْخُلْطَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ التَّخْفِيفُ دُونَ التَّثْقِيلِ كَمَا لَمْ يَكُنْ لِمُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ التَّثْقِيلُ دُونَ التَّخْفِيفِ فَكَمَا لَيْسَ لِلسَّاعِي إذَا كَانَتْ التَّفْرِقَةُ أَفْضَلَ لِلزَّكَاةِ أَنْ يُفَرِّقَ الْمَاشِيَةَ الْمُجْتَمِعَةَ، وَإِذَا كَانَ الْجَمْعُ أَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ الْمَاشِيَةَ الْمُتَفَرِّقَةَ فَكَذَلِكَ لَيْسَ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَنْ يَفْعَلُوا مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ لَهُمْ وَالْأَخَفُّ عَلَيْهِمْ وَلْيَتْرُكُوا الْمَاشِيَةَ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ أَوَانِ الصَّدَقَةِ يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الزَّكَاةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَخْفِيفٍ أَوْ تَثْقِيلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ تَعَدَّى أَرْبَابُ الْمَاشِيَةِ فَجَمَعُوا الْمُتَفَرِّقَةَ أَوْ فَرَّقُوا الْمَاشِيَةَ الْمُجْتَمِعَةَ لَمْ يُنَفَّذْ لَهُمْ ذَلِكَ وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ مِنْهُمَا
стр. 504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَوْ الِافْتِرَاقِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي قَدْ وَجَبَ فِيهَا وَلَزِمَهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ تَغْيِيرُ حُكْمِهَا وَإِسْقَاطُ مَا وَجَبَ فِيهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ الَّذِي كَتَبَ فَرِيضَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ وَفِيهِ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَحَدِيثُ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ فِي ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا تَيَقَّنَ ذَلِكَ وَلَكِنْ خَافَ السَّاعِي أَنْ يَكُونَ قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ يَكُونَ سَتَرَ عَنْهُ بَعْضَ مَاشِيَتِهِ لِيُنْقِصَ عَنْ النِّصَابِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمُصَّدِّقِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ نَهْيُهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ خَشْيَةِ الصَّدَقَةِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ إلَّا بِأَمَارَةٍ تَقْوَى بِهَا التُّهْمَةُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَرَادَ اسْتِحْلَافَهُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَمَانَةِ وَالدِّيَانَةِ وَالصِّدْقِ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِحْلَافُهُ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ يَنْفِي التُّهْمَةَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْهُ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْ قِلَّةِ مُرَاعَاةِ الدَّيْنِ وَمَحَبَّةِ تَوْفِيرِ الْمَالِ مِنْ وَجْهِهِ وَغَيْرِ وَجْهِهِ وَتَرْكِ الْإِنْصَافِ فِي مُعَامَلَةِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَسْتَحْلِفُهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَوَصُّلًا إلَى اسْتِيفَاءِ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْخُلْطَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ عَلَى ذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فِي فَرْضِ النَّبِيِّ ﷺ الزَّكَاةَ وَفِيهِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا خَلِيطَيْنِ مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ أَوْ مِنْ بَعْضِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي تَخْفِيفِ الزَّكَاةِ وَتَكْثِيرِهَا فَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي تَأْثِيرِهِ وُجُودٌ فِي جَمِيعِ الْعَامِ كَالسَّقْيِ بِالنَّضْحِ وَالسَّيْحِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَمْ أَقَلُّ الْمُدَّةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ أَوْ الِافْتِرَاقِ؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ عَامٍ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ الشَّهْرِ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا لَمْ يَقْرَبْ جِدًّا أَوْ يَهْرُبْ بِذَلِكَ مِنْ الزَّكَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ حُكْمِ الْخَلِيطَيْنِ أَنْ يَكُونَ حَوْلُهُمَا وَاحِدًا فَإِنْ حَالَ حَوْلُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحُولَ حَوْلُ الْآخَرِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُزَكَّى غَنَمُ الَّذِي لَمْ يَحُلْ الْحَوْلُ عَلَى مَاشِيَتِهِ وَيُزَكَّى غَيْرُهَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الزَّكَاةِ الْحَوْلُ وَالنِّصَابُ فَإِذَا لَمْ يُعْتَبَرْ نِصَابُ أَحَدِهِمَا بِنِصَابِ الْآخَرِ فَكَذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ حَوْلُهُ بِحَوْلِهِ وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْخَلِيطَيْنِ عَبْدًا أَوْ ذِمِّيًّا لَمْ يَثْبُتْ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الْخُلْطَةِ لَزُكِّيَتْ مَاشِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ زَكَاةَ الْمُنْفَرِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْفِرَارُ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعِ الْمَاشِيَةِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالزَّكَاةُ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الصَّدَقَةِ بِالتَّفْرِيقِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ زَكَاةٌ فَلَا يَصِحُّ الْفِرَارُ عَنْهَا بَعْدَ تَعَلُّقِ وُجُوبِهَا أَصْلُ ذَلِكَ الْفِرَارُ بِالْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ، وَإِنَّمَا هَذَا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ بَاعَهَا لِلْفِرَارِ فَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ لِغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ جُهِلَ وَكَانَ فِي بَلَدٍ لَا سُعَاةَ فِيهِ زَكَّى زَكَاةَ الْمَاشِيَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي رِقَابِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فِيهِ سُعَاةٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الْحَوْلِ مَجِيءُ السَّاعِي فَإِنْ بَاعَهَا بِجِنْسِهَا مِمَّا يَجْمَعُ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ فَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ بِحَوْلِ الْمَاشِيَةِ الْأُولَى قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إذَا بَاعَهَا بِجِنْسِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا بَاعَهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ بَدَّلَ مَاشِيَتَهُ بِجِنْسِهَا أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إلَّا لِحَوْلِ الثَّانِيَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَبْدَلَ مَاشِيَتَهُ بِجِنْسِهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ حَوْلُ الثَّانِيَةِ وَوَافَقَنَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَنَّهُ إذَا أَبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِحَوْلِ الْأُولَى.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحُولَ حَوْلُ الثَّانِيَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ
стр. 505
مَا جَاءَ فِيمَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّخْلِ فِي الصَّدَقَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بَعَثَهُ مُصَّدِّقًا فَكَانَ يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلِ فَقَالُوا أَتَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذُهَا وَلَا تَأْخُذُ الْأَكُولَةَ وَلَا الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضَ وَلَا فَحْلَ الْغَنَمِ وَتَأْخُذُ الْجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ)
ــ
[المنتقى]
الْعُشْرِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِلنَّمَاءِ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَنْمِيَةِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ إلَّا بِالتَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَإِذَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي تَصَرُّفِهِ بِشِرَاءِ الْعُرُوضِ فَبِأَنْ تَجِبَ فِي تَصَرُّفِهِ فِي بَيْعِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ أَوْلَى وَأَحْرَى وَدَلِيلُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ هَذَا مَالٌ تَجِبُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا أَبْدَلَ بِمِثْلِهِ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ أَصْلُ ذَلِكَ الْعَيْنُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَاعَهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا مِمَّا لَا يَجْمَعُ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لِحَوْلِ الْأُولَى وَاخْتَارَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُزَكِّيهَا لِحَوْلِ الثَّانِيَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَاتَيْنِ مَاشِيَتَانِ يَجِبُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الزَّكَاةُ فَإِذَا أَبْدَلَ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَمْ يَبْطُلْ حَوْلُ الْأُولَى وَزُكِّيَتْ هَذِهِ لِحَوْلِهَا كَالضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَيْنِ مَالَانِ لَا يُجْمَعَانِ فِي الزَّكَاةِ فَإِذَا أَبْدَلَ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ بَطَلَ حَوْلُ الْأُولَى أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَبْدَلَ الدَّرَاهِمَ بِالْمَاشِيَةِ أَوْ الْمَاشِيَةَ بِالْحَبِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ بَاعَ الْمَاشِيَةَ بِالدَّنَانِيرِ ثُمَّ اشْتَرَى بِالدَّنَانِيرِ مَاشِيَةً يُزَكِّي الْبَدَلَ لِحَوْلِ الْأُولَى وَهَلْ يُبْطِلُ ذَلِكَ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْأُولَى أَمْ لَا؟ رَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الثَّانِيَةَ تُزَكَّى لِحَوْلِ الْأُولَى.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يَسْتَأْنِفُ بِالثَّانِيَةِ حَوْلَ الْأُولَى.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مَنْ أَبْدَلَ مَاشِيَتَهُ بِغَيْرِهَا إنَّمَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الزَّكَاةَ لِحَوْلِ الْأُولَى بِمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وَقُدِّرَ بِهِ مِنْ الْفِرَارِ عَنْ الزَّكَاةِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَسْأَلَتِك.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْعَيْنَ الْأُولَى قَدْ اسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ إلَى صِفَةٍ لَا تُضَافُ إلَى الْمَاشِيَةِ الْأُولَى وَصَارَ بِيَدِهِ الثَّمَنُ تُجْرَى فِيهِ زَكَاةُ الْأَثْمَانِ فَوَجَبَ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ حُكْمَ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ.
[مَا جَاءَ فِيمَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ السَّخْلِ فِي الصَّدَقَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ تَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بِالسَّخْلَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا لِأَمْرِ عُمَرَ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ وُجُوبَ ذَلِكَ وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَتَعُدُّ عَلَيْنَا بِالسَّخْلِ وَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَالَهُ لَهُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ مِمَّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَهُ لَهُ مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ عُمَرَ لِيُعَرِّفَهُ بِمَا اعْتَرَضَ النَّاسُ بِهِ فِي أَمْرِهِ لِيَرَى عُمَرُ فِي اعْتِرَاضِهِمْ رَأْيَهُ، وَإِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَاعْتِقَادِهِ وُجُوبَهُ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عُمَرَ بِهِ لِيُعْلِمَهُ بِاعْتِرَاضِ النَّاسِ فِيمَا رَآهُ فَأَمْضَى عُمَرُ فِي ذَلِكَ مَا اعْتَقَدَهُ هُوَ أَوْ رَأَى فِيهِ رَأْيَ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْهُ فَوَافَقَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ مَا فَعَلَهُ سُفْيَانُ أَوَّلًا فَلَزِمَ ذَلِكَ النَّاسَ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْعَامَّةَ الَّتِي هِيَ مَصْرُوفَةٌ إلَى الْأَئِمَّةِ لَا يُمْضَى فِيهَا إلَّا مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ وَيُؤَدِّيه إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ دُونَ رَأْيِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَيُجْزِي ذَلِكَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ أَخَفَّ مِمَّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ الِانْقِيَادُ لَهُ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِمَّا يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ احْتَجَّ عُمَرُ ﵁ عَلَى مَا صَوَّبَهُ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهِ وَهُوَ نَحْوُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ وَالنِّصَابُ لَا يَخْلُو فِي الْغَالِبِ مِنْ الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطِ فَلَوْ كُلِّفَ رَبُّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ أَفْضَلِهَا لَأَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ وَلَوْ أُخِذَ مِنْهُ مِنْ أَرْدَئِهَا لَمْ يَنْتَفِعْ مُسْتَحَقُّو
стр. 506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الزَّكَاةِ بِمَا يُدْفَعُ إلَيْهِمْ مِنْهَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلِّ شَاةٍ بَعْضُهَا فَعَدَلَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ بِأَنْ يُؤْخَذَ مِنْ وَسَطِ الْمَاشِيَةِ وَلِذَلِكَ بَيَّنَ عُمَرُ مَا تَرَكَ لَهُمْ مِنْ جَيِّدِ الْمَاشِيَةِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهَا كَالْأَكُولَةِ وَالرُّبَّى وَالْمَاخِضِ وَمَحَلُّ الْغَنَمِ فِي جَنْبِ الرَّدِيءِ الَّذِي لَا يَأْخُذُ مِنْهُ مِنْ السَّخْلَةِ وَذَاتِ الْعَوَارِ فَكَمَا يَحْسِبُ الْجَيِّدَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَذَلِكَ يَحْسِبُ الرَّدِيءَ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ وَيَأْخُذُ الْوَسَطَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ إذَا كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا إلَّا مَا يُرْوَى عَمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ إذْ لَا يَحْسُبُ السِّخَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ هَذَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَخَذَ بِهِ صَدَقَةَ النَّاسِ وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ قَالَ بِخِلَافِهِ فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ الَّذِي أَنْكَرَ عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِعْلَهُ قَدْ خَالَفَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَتْبَعْهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ أَنْ يَعُدَّ السِّخَالَ.
وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ تُعَدَّ وَلَا يُؤْخَذَ مِنْهَا فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اعْتِرَاضًا فِي عَدِّ السِّخَالِ خَاصَّةً وَلَوْ سَلَّمْنَا لَكُمْ الْآخَرَ عَلَى مَا قُلْتُمْ فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا احْتَجَّ بِمَا أَبْرَزَهُ مِنْ الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لَمْ يُرَاجِعْهُ أَحَدٌ فِي دَلِيلِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى صِحَّةِ الدَّلِيلِ وَلَمَّا ثَبَتَ صِحَّةُ الدَّلِيلِ ثَبَتَ صِحَّةُ الْحُكْمِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ مِنْ أَصْلِ مَا تَجِبُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ الَّتِي تُجْزِي فِي أَصْلِهِ كَنَمَاءِ الْعَيْنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) ، وَإِذَا قَصَرَتْ الْمَاشِيَةُ عَنْ النِّصَابِ وَكَمَلَتْ نِصَابًا بِالسِّخَالِ عُدَّتْ السِّخَالُ وَأُخِذَتْ الزَّكَاةُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَأْنِفُ بِهَا حَوْلًا مِنْ يَوْمِ كَمُلَ النِّصَابُ، وَإِنَّمَا يُحْتَسَبُ بِالسِّخَالِ مَعَ الْأُمَّهَاتِ إذَا كَانَتْ الْأُمَّهَاتُ نِصَابًا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ وَقَوْلُ عُمَرَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ نَعَمْ تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ يَحْمِلُهَا الرَّاعِي وَلَا تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ عَيْنِ مَالٍ تَجِبُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَجَازَ أَنْ يَكْمُلَ بِهِ النِّصَابُ أَصْلُ ذَلِكَ نَمَاءُ الْعَيْنِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ كَانَتْ إبِلُهُ فُصْلَانًا كُلُّهَا أَوْ بَقَرُهُ عَجَاجِيلَ أَوْ غَنَمُهُ سِخَالًا فَإِنَّهُ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِالسِّنِّ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ كِبَارًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يُخْرِجُ مِنْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ فَرِيضَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ مَخَاضٍ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصِّغَارِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْكِبَارِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ سِتُّونَ مِنْ الْإِبِلِ فَوَجَبَ فِيهَا حِقَّةٌ كَمَا لَوْ كَانَتْ بُزُلًا كُلُّهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْوَاجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ فِي الزَّكَاةِ مِنْ الْمَاشِيَةِ الْإِنَاثُ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَلَا يُؤْخَذَ الذُّكْرَانُ إلَّا أَنْ يَرَى ذَلِكَ الْمُصَّدِّقُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤْخَذُ الذَّكَرُ مِنْ الضَّأْنِ جَذَعًا كَانَ أَوْ ثَنِيًّا وَلَا يُؤْخَذُ الذَّكَرُ مِنْ الْمَعْزِ؛ لِأَنَّهُ تَيْسٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْخَذُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى مِنْ الْجَذَعِ وَالثَّنِيَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِنْ جِنْسِ الْغَنَمِ لَا يَصْلُحُ لِلدَّرِّ وَلَا لِلنَّسْلِ فَلَمْ يُؤْخَذْ فِي زَكَاتِهَا كَمَا دُونَ الْجَذَعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا نَقَصَ عَنْ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إنْ أَجَازَهُ السَّاعِي.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَصْلًا.
فَأَمَّا مَا يَجُوزُ بِإِجَازَةِ السَّاعِي فَهُوَ مَا يَبْلُغُ السِّنَّ الْوَاجِبَةَ فِي الزَّكَاةِ وَيَكُونُ بِهِ عَيْبُ مَرَضٍ أَوْ عَوَرٍ أَوْ جَرَبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ رَأَى السَّاعِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ السَّالِمِ وَأَسْمَنُ أَخَذَهُ، وَإِنْ رَأَى فِيهِ نَقْصًا عَنْ حَقِّهِ تَرَكَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا قَصَرَ عَنْ السِّنِّ الْوَاجِبَةِ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ أَجَازَهُ السَّاعِي إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى إخْرَاجَ الْغَنَمُ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ الْمَقْصُودَيْنِ فِي الْمَاشِيَةِ مَعْدُومَانِ فِيهِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَالسِّنُّ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْغَنَمِ الثَّنِيُّ وَالْجَذَعُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُؤْخَذُ مَا فَوْقَ الثَّنِيِّ وَلَا مَا دُونَ الْجَذَعِ إلَّا أَنْ يَطَّوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِالْأَفْضَلِ وَالسِّنَّانِ سَوَاءٌ فِي الصَّدَقَةِ جَائِزَانِ فِي الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ، وَكَذَلِكَ مَا يُؤَدَّى مِنْهُمَا مِنْ الْإِبِلِ ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ الْجَذَعُ مِنْ
стр. 507
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالسَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ حِينَ تُنْتَجُ وَالرُّبَّى الَّتِي قَدْ وَضَعَتْ فَهِيَ تُرَبِّي وَلَدَهَا وَالْمَاخِضُ هِيَ الْحَامِلُ وَالْأَكُولَةُ هِيَ الشَّاةُ اللَّحْمُ الَّتِي تُسَمَّنُ لِتُؤْكَلَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ الْغَنَمُ لَا تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ فَتَتَوَالَدُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْمُصَّدِّقُ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَتَبْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ بِوِلَادَتِهَا قَالَ مَالِكٌ إذَا بَلَغَتْ الْغَنَمُ بِأَوْلَادِهَا مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَعَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَذَلِكَ أَنَّ وِلَادَةَ الْغَنَمِ مِنْهَا وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَا أُفِيدَ مِنْهَا بِاشْتِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ مِيرَاثٍ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْعَرْضُ لَا يَبْلُغُ ثَمَنُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ (ثُمَّ يَبِيعُهُ صَاحِبُهُ أَيْ فَيَبْلُغُ بِرِبْحِهِ مَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ) فَيُصَدِّقُ رِبْحَهُ مَعَ رَأْسِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ رِبْحُهُ فَائِدَةً أَوْ مِيرَاثًا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهُ أَوْ وَرِثَهُ قَالَ مَالِكٌ فَغِذَاءُ الْغَنَمِ مِنْهَا كَمَا أَنَّ رِبْحَ الْمَالِ مِنْهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ آخَرَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْوَرِقِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهِ مَالًا تَرَكَ مَالَهُ الَّذِي أَفَادَ فَلَمْ يُزَكِّهِ مَعَ مَالِهِ الْأَوَّلِ حِينَ يُزَكِّيه حَتَّى يَحُولَ عَلَى الْفَائِدَةِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا وَلَوْ كَانَتْ
ــ
[المنتقى]
الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ الْمَعْزِ كَالضَّحَايَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ عَدْلٌ بَيْنَ غِذَاءِ الْغَنَمِ وَخِيَارِهِ غِذَاءُ الْغَنَمِ صِغَارُهَا وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَأْخُذَ السَّاعِي خِيَارَ الْمَالِ وَلَا رَدِيئَهُ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْوَسَطَ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَأَمَّا الْفَحْلُ فَهُوَ فَحْلُ الْغَنَمِ الَّذِي يَضْرِ بِهَا وَغِذَاءُ الْغَنَمِ هُوَ دُونَهَا فَإِنْ كَانَتْ الْغَنَمُ كُلُّهَا مَوَاخِضَ أَوْ رُبَّى أَوْ أَكُولَةً أَوْ فُحُولًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا وَكَانَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِالسِّنِّ الْوَسَطِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّعْدِيلِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْفُقَرَاءِ عَلَى مَا قَالَهُ عُمَرُ ﵁ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْغَنَمَ إذَا قَصَرَتْ عَنْ النِّصَابِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَإِذَا بَلَغَتْ بِوِلَادَتِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهَا الْمُصَّدِّقُ النِّصَابَ أَخَذَ مِنْهَا الزَّكَاةَ الْمُصَّدِّقُ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ يُكْمِلُ نِصَابَهَا وَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّ النَّمَاءَ يُكْمِلُ النِّصَابَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بِمَجِيءِ السَّاعِي بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنْ كَمُلَ النِّصَابُ بِالْوِلَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُصَدِّقَهَا الْمُصَّدِّقُ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ، وَإِنْ صَدَّقَهَا، ثُمَّ بَلَغَتْ النِّصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَمَاءُ حَوْلٍ آخَرَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَجَعَلَ مِنْ أَحْكَامِ الزَّكَاةِ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْمَالِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا جَازَ لَهُ إخْرَاجُهَا وَهُوَ إذَا صَدَّقَهَا السَّاعِي وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مَعْنَى لَوْ تَلِفَ الْمَالُ قَبْلَهُ لَمْ يَضْمَنْ الزَّكَاةَ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ كَالْحَوْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ غَابَ عَنْهَا السَّاعِي حَوْلَيْنِ كَانَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا مُرَاعًى فَإِنْ وَجَدَهَا السَّاعِي بِيَدِهِ أَخَذَ مِنْهُ الزَّكَاةَ لِلْحَوْلَيْنِ وَصَحَّ وُجُوبُ الزَّكَاةِ عَلَيْهِ فِيهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا بِيَدِهِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ قَدْ عَدِمَ وَهَذَا إذَا كَانَ بِبَلَدٍ فِيهِ السُّعَاةُ فَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ لَا سَاعِيَ فِيهِ فَالزَّكَاةُ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ قَالَهُ سَحْنُونٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ رَبَّ الْمَاشِيَةِ سَاعِي نَفْسِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّ الْغَنَمَ إذَا بَلَغَتْ بِوِلَادَتِهَا النِّصَابَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَذَلِكَ أَنَّ وِلَادَةَ الْغَنَمِ مِنْهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأُمَّهَاتِ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْفَائِدَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْفَائِدَةَ لَا يَكْمُلُ بِهَا النِّصَابُ وَيَكْمُلُ بِالنَّسْلِ وَقَاسَهُ مَالِكٌ عَلَى نَمَاءِ الْعَيْنِ مِنْهُ فَإِذَا بَلَغَ الرِّبْحُ مَعَ الْأَصْلِ النِّصَابَ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بِفَائِدَةٍ لَمْ يُزَكِّ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ عَلَى الْفَائِدَةِ وَهَذَا قِيَاسٌ صَحِيحٌ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ أَنَّ نِصَابَ الْحَوْلَيْنِ يَتِمُّ بِرِبْحِهِ، وَإِنَّمَا سَلَّمَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ اشْتَرَى بِمِائَةِ دِرْهَمٍ سِلْعَةً قِيمَتُهَا مِائَتَا دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَاعَهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ بَعْدَ أَنْ حَالَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ اشْتَرَاهَا فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ يَصِحُّ قِيَاسُنَا عَلَيْهِ.
стр. 508
لِرَجُلٍ غَنَمٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ إبِلٌ تَجِبُ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا الزَّكَاةُ، ثُمَّ أَفَادَ إلَيْهَا بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً صَدَّقَهَا مَعَ صِنْفِ مَا أَفَادَ مِنْ ذَلِكَ حِينَ يُصَدِّقُهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ الَّذِي أَفَادَ نِصَابَ مَاشِيَةٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذَا كُلِّهِ) .
الْعَمَلُ فِي صَدَقَةِ عَامَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الرَّجُلِ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ وَإِبِلُهُ مِائَةُ بَعِيرٍ فَلَا يَأْتِيهِ السَّاعِي حَتَّى تَجِبَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ أُخْرَى فَيَأْتِيهِ الْمُصَّدِّقُ وَقَدْ هَلَكَتْ إبِلُهُ إلَّا خَمْسَ ذَوْدٍ قَالَ مَالِكٌ يَأْخُذُ الْمُصَّدِّقُ مِنْ الْخَمْسِ ذَوْدٍ الصَّدَقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَجَبَتَا عَلَى رَبِّ الْمَالِ شَاتَيْنِ فِي كُلِّ عَامٍ شَاةً؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ يَوْمَ يُصَدِّقُ مَالَهُ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ نَمَتْ فَإِنَّمَا يُصَدِّقُ الْمُصَّدِّقُ مَا يَجِدُ يَوْمَ يُصَدِّقُ مَالَهُ، وَإِنْ تَظَاهَرَتْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ إلَّا مَا وَجَدَ الْمُصَّدِّقُ عِنْدَهُ فَإِنْ هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ أَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهَا صَدَقَاتٌ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى هَلَكَتْ مَاشِيَتُهُ كُلُّهَا أَوْ صَارَتْ إلَى مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ فَإِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ فِيمَا هَلَكَ وَمَضَى مِنْ السِّنِينَ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ حُكْمَ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ يَخْتَلِفُ فِي وَجْهٍ آخَرَ الْوَجْهُ الَّذِي قَاسَ فِيهِ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ إذَا أَفَادَ مِنْهَا شَيْئًا وَعِنْدَهُ نِصَابٌ مِنْ جِنْسِهَا فَإِنَّ حُكْمَ الْفَائِدَةِ فِي الْحَوْلِ حُكْمُ أَصْلِ النِّصَابِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَفِي الْعَيْنِ بِخِلَافِ ذَلِكَ يُزَكِّي الْفَائِدَةَ لِحَوْلِهَا وَالنِّصَابَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ لِحَوْلِهِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْفَرْعِ إذَا قِيسَ عَلَى الْأَصْلِ لِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لَهَا اخْتِصَاصٌ بِذَلِكَ الْحُكْمِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ فَارَقَ الْأَصْلُ الْفَرْعَ فِي أَحْكَامٍ غَيْرِهَا لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِتِلْكَ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ مَا مِنْ فَرْعٍ إلَّا وَهُوَ بِخِلَافِ الْأَصْلِ الَّذِي قِيسَ عَلَيْهِ فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا قَاسَ إتْمَامَ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ بِتَمَامِهَا عَلَى تَمَامِ نِصَابِ الْعَيْنِ بِتَمَامِهِ لِعِلَّةٍ صَحِيحَةٍ وَهِيَ أَنَّ هَذَا نَمَاءٌ حَادِثٌ مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُكْمِلَ بِهَا نِصَابَهَا كَالْعَيْنِ وَهَذِهِ عِلَّةٌ تَخْتَصُّ بِالنَّمَاءِ دُونَ الْفَوَائِدِ فَاخْتِلَافُ الْعَيْنِ وَالْمَاشِيَةِ فِي الْفَوَائِدِ لَا يَمْنَعُ اجْتِمَاعَهَا فِي الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا اُخْتُلِفَ فِي الْفَوَائِدِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَصْلِ وَزَكَاةُ الْمَاشِيَةِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالسَّاعِي فَإِذَا لَمْ تَجِبْ زَكَاتُهَا لِزَكَاةِ الْأَصْلِ لَمْ يُمْكِنْ تَكَرُّرُ السَّاعِي وَنِعْمَتْ الْمَعْدِلَةُ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَسَاكِينِ فَإِنَّ الْفَائِدَةَ إذَا أُضِيفَتْ إلَى أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ زُكِّيَتْ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ حَوْلِ الْفَائِدَةِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إلَى النِّصَابِ زُكِّيَتْ لِحَوْلِ النِّصَابِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَيْنُ فَإِنَّ رَبَّ الْمَالِ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ فَيُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ حُلُولِ حَوْلِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى اعْتِبَارِهِ لِحَوْلِ النِّصَابِ فَتَعَجَّلَ قَبْلَ حُلُولِهِ وَلَا أَنْ يُضَافَ إلَى أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ فَيُزَكَّى إلَى أَكْثَرَ مِنْ حَوْلِهِ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[الْعَمَلُ فِي صَدَقَةِ عَامَيْنِ إذَا اجْتَمَعَا]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ السَّاعِي وَتَلِفَتْ مَاشِيَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَاشِيَتَهُ؛ لِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ إلَى الْإِمَامِ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ فِي الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ وَسَوَاءٌ تَلِفَتْ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ أَتْلَفَهَا هُوَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْفِرَارِ مِنْ الزَّكَاةِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَتْلَفَهَا هُوَ ضَمِنَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً مَجِيءُ السَّاعِي شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، وَقَالَ مَرَّةً هُوَ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ وَأَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَصْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: هَلْ الزَّكَاةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ أَوْ بِالْعَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَجِيءَ السَّاعِي شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْفَصْلَيْنِ وَبَيَّنَّا أَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ بِمَجِيءِ السَّاعِي فَإِذَا أَكَلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَاشِيَتَهُ أَوْ بَاعَ مَا قَصَرَتْ بِهِ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ
стр. 509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَكُونَ بِيَدِهِ يَوْمَ غَابَ عَنْهُ السَّاعِي أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ أَوْ نِصَابٌ فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ، ثُمَّ جَاءَهُ السَّاعِي بَعْدَ أَعْوَامٍ فَوَجَدَ عِنْدَهُ نِصَابًا بِالْوِلَادَةِ أَوْ بِالْمُبَادَلَةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُزَكِّي لِلْأَعْوَامِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا نِصَابًا دُونَ سَائِرِ الْأَعْوَامِ وَهُوَ مُصَدِّقٌ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُزَكِّي لِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِمَالِهِ مِنْ يَوْمِ كَمَالِ النِّصَابِ فَوَجَبَ أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا حُكْمُ الزَّكَاةِ مِنْ ذَلِكَ الْحَوْلِ وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا تَعَلُّقَ لِلزَّكَاةِ بِهَا فَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ كَمَا لَوْ أَتَاهُ السَّاعِي فِي كُلِّ عَامٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّا إذَا كُنَّا نُرَاعِي مَا وَجَدَ السَّاعِي بِيَدِهِ دُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَالتَّقْصِيرِ عَنْهُ فَكَذَلِكَ فِي تَمَامِهِ وَالزِّيَادَةِ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَمُلَ النِّصَابُ بِفَائِدَةٍ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ فِي أَنَّهُ لَا يُزَكِّي إلَّا مِنْ يَوْمِ كَمَالِ النِّصَابِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْفَائِدَةَ لَا تُضَافُ إلَّا إلَى النِّصَابِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ غَابَ عَنْهُ السَّاعِي وَبِيَدِهِ نِصَابٌ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ أَعْوَامٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ نِصَابٌ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ أَوْ يَكُونَ قَدْ نَقَصَ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ عَنْ النِّصَابِ فَإِنْ كَانَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ نِصَابًا فَاَلَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ إنَّهُ يُزَكِّي مَا يَجِدُ بِيَدِهِ لِلسِّنِينَ كُلِّهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ يَوْمَ مَجِيءِ السَّاعِي فَإِنْ غَابَ عَنْهُ وَبِيَدِهِ أَرْبَعُونَ شَاةً، ثُمَّ جَاءَهُ وَبِيَدِهِ أَلْفُ شَاةٍ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ أَلْفًا فِي الْأَعْوَامِ كُلِّهَا، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا وَهِيَ أَلْفٌ فَوَجَدَهَا بَعْدَ أَعْوَامٍ وَهِيَ مِائَةٌ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْمُدَّةِ كُلِّهَا مِائَةً.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ غَابَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ فَوَجَدَهَا أَلْفًا، وَقَالَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ إنَّهَا صَارَتْ أَلْفًا فِي هَذَا الْعَامِ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا بِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ صَاحِبُهَا أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَيُزَكِّيهَا لِهَذَا الْعَامِ عَلَى مَا يَجِدُهَا عَلَيْهِ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّنَا قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهَا إذَا زَالَتْ عَنْ يَدِهِ بِإِتْلَافِهِ أَوْ بِغَيْرِ إتْلَافِهِ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهَا وَدَلِيلُنَا عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمَعْدِلَةِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَالْمَسَاكِينِ فَكَمَا قُلْنَا لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَلْفُ شَاةٍ تِسْعَةَ أَعْوَامٍ ثُمَّ بَاعَهَا قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ مَتَى غَابَ عَنْهَا السَّاعِي وَهِيَ أَرْبَعُونَ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ وَهِيَ أَلْفٌ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا لِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ أَلْفًا.
وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُزَكِّ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ قَبْلَ الْحَوْلِ مَا اسْتَهْلَكُوهُ مِمَّا جَرَتْ فِيهِ الْأَحْوَالُ وَكَمُلَ فِيهِ النِّصَابُ فَبِأَنْ لَا يَلْزَمُهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَاشِيَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(فَرْعٌ) فَإِذَا غَابَ عَنْهَا السَّاعِي وَهِيَ نِصَابٌ ثُمَّ نَقَصَتْ عَنْ النِّصَابِ، ثُمَّ عَادَتْ إلَى النِّصَابِ فَوَجَدَهَا السَّاعِي عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ زِيَادَتُهَا وَبُلُوغُهَا النِّصَابَ بِوِلَادَةٍ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنْ الْبَدَلِ أَوْ بِفَائِدَةٍ فَإِنْ كَانَتْ بِوِلَادَةٍ زَكَّى الْجَمِيعَ لِجَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَإِنْ كَانَتْ بِفَائِدَةٍ لَمْ يُزَكِّهَا إلَّا يَوْمَ بَلَغَتْ النِّصَابَ إلَى وَقْتِ مَجِيءِ السَّاعِي.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ " وَإِنْ كَانَ عَلَى رَبِّ الْغَنَمِ صَدَقَاتٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَدِّقَ إلَّا مَا وَجَدَ الْمُصَّدِّقُ عِنْدَهُ " يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَضَى لَهُ أَعْوَامٌ كَثِيرَةٌ وَمَاشِيَتُهُ فِي جَمِيعِهَا عِنْدَهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّدَقَةُ لَوْ جَاءَ الْمُصَّدِّقُ، ثُمَّ جَاءَ الْمُصَّدِّقُ فَإِنَّهُ لَا يُصَدِّقُ عَلَيْهِ إلَّا مَا وَجَدَ مِمَّا يَحْتَمِلُ تِلْكَ الصَّدَقَاتِ فَإِنْ نَقَصَ بَعْضُهَا عَنْ الصَّدَقَاتِ كَانَ فِيمَا بَعْدَ الَّذِي يُنْقِصُهَا الْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا لَقِيَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ شَاةً قَدْ غَابَ عَنْهَا عَشَرَةَ أَعْوَامٍ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا إلَّا شَاةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ أَخْذَ السَّاعِي مِنْهَا الشَّاةَ لِعَامٍ يَمْنَعُ أَخْذَ زَكَاةٍ أُخْرَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ قَصَرَتْ بِذَلِكَ عَنْ النِّصَابِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا الزَّكَاةُ لِعَدَمِ شَرْطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَهُوَ النِّصَابُ قَالَ فَإِنْ وَجَدَ عِنْدَهُ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ شَاةً زَكَّاهَا لِحَوْلَيْنِ شَاتَيْنِ وَسَقَطَ عَنْهُ سَائِرَ الْأَعْوَامِ فَإِنْ وَجَدَ عِنْدَهُ خَمْسِينَ شَاةً زَكَّاهَا لِعَشَرَةِ أَعْوَامٍ فَإِنْ وَجَدَهَا أَلْفًا زَكَّاهَا عَشَرَةً لِعَامٍ وَتِسْعَةَ أَعْوَامٍ تِسْعَةً وَهَذَا حُكْمُهَا إذَا كَانَتْ الزَّكَاةُ الْمَأْخُوذَةُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ الْمُزَكَّى وَكَانَ الْمَالُ مِمَّا لَا يُزَكَّى
стр. 510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
إلَّا بِجِنْسِهِ سَوَاءٌ أَخَذَهَا مِنْهَا أَوْ أَتَاهُ بِهَا مِنْ غَيْرِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ غَنَمُهُ كُلُّهَا مِمَّا لَا تَجُوزُ فِي الزَّكَاةِ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ عَنْهُ حُكْمَ الزَّكَاةِ فِي عَيْنِهَا وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْهَا إذَا قَصَرَتْ بِذَلِكَ عَنْ النِّصَابِ قَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ مَالِكٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ غَابَ السَّاعِي عَنْ إبِلٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ تُزَكَّى بِجِنْسِهَا أَوْ بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَإِنْ كَانَتْ تُزَكَّى بِجِنْسِهَا مِثْلُ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ بَعِيرًا فَتَجِبُ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهُ يُزَكِّيهَا لِأَوَّلِ عَامٍ بِنْتَ مَخَاضٍ فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا وَأَخَذَهَا مِنْهَا زَكَّاهَا لِسَائِرِ الْأَعْوَامِ بِالْغَنَمِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا زَكَّاهَا لِسَائِرِ الْأَعْوَامِ بَنَاتِ مَخَاضٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْغَنَمِ أَنَّ الْغَنَمَ لَا تُزَكَّى إلَّا بِجِنْسِهَا وَالْإِبِلُ تَارَةً تُزَكَّى بِجِنْسِهَا وَتَارَةً بِغَيْرِ جِنْسِهَا فَإِذَا أُخِذَ مِنْ أَعْيَانِهَا نَقَصَ بِذَلِكَ النِّصَابُ، وَإِذَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَنْقُصْ بِذَلِكَ النِّصَابُ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يُزَكِّي بِالْغَنَمِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا الْغَنَمُ لِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ وَلَا يَنْقُصُ فِي ذَلِكَ النِّصَابُ وَلَوْ بِيعَ فِيهَا الْكَثِيرُ مِنْ الْإِبِلِ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ الْفَرْضِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى هَلَكَتْ الْمَاشِيَةُ كُلُّهَا أَوْ صَارَتْ إلَى مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ يُرِيدُ لِنُقْصَانِهَا مِنْ النِّصَابِ فَإِنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيَبْطُلُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الزَّكَوَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَجِبُ فِيهَا لَوْ جَاءَهُ الْمُصَّدِّقُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا هَلَكَ مِنْ مَالِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِضَامِنٍ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَاشِيَةِ لَا تَجِبُ إلَّا لِمَجِيءِ السَّاعِي وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ فَارًّا بِمَاشِيَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ فَرَّ بِمَاشِيَتِهِ فَوَجَدَهُ السَّاعِي بَعْدَ أَعْوَامٍ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مِنْهُ الزَّكَاةَ لِجَمِيعِ الْأَعْوَامِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا زَادَتْ الْغَنَمُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ زَكَّاهَا لِكُلِّ عَامٍ عَلَى مَا وَجَدَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْغَنَمُ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ زَكَّاهَا لِكُلِّ عَامٍ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلزَّكَاةِ لِتَعَدِّيهِ بِالْفِرَارِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مِنْ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى حَسَبِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فَكَمَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا إنْ نَقَصَتْ كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ لِلزِّيَادَةِ إذَا زَادَتْ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ الَّذِي تَغَيَّبَ عَنْهُ السَّاعِي مِنْ غَيْرِ فِرَارِهِ فَإِنَّهُ إذَا زَادَتْ عِنْدَهُ الْمَاشِيَةُ زُكِّيَتْ لِسَائِرِ الْأَعْوَامِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ فَكَانَ أَخْذُهَا مِنْ الْفَارِّ الْمُتَعَدِّي أَوْلَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ وَالْقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِالْأَخْذِ مِنْ غَنَمِ الْهَارِبِ عَنْ آخِرِ الْأَعْوَامِ هَذَا الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ، وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَبْدَأُ بِالْأَخْذِ مِنْ أَوَّلِ عَامٍ وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَغِيبَ ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ بِثَلَاثِمِائَةِ شَاةٍ، ثُمَّ يَجِدُهُ السَّاعِي فِي الْعَامِ الرَّابِعِ بِيَدِهِ شَاةٌ فَعَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَنْ هَذَا الْعَامِ عَشْرُ شِيَاهٍ، ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَنْ الثَّلَاثَةِ الْأَعْوَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ تِسْعُ شِيَاهٍ ثُمَّ يُؤْخَذُ مِنْهُ لِلْعَامِ الرَّابِعِ تِسْعُ شِيَاهٍ؛ لِأَنَّ نِصَابَ الْأَلْفِ قَدْ نَقَصَ بِأَخْذِ زَكَاةِ الْأَعْوَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْبَغُ مِنْ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِتَعَدِّيهِ بِالْفِرَارِ بِزَكَاةِ كُلِّ عَامٍ ضَمَانًا يُوجِبُ تَعَلُّقَهَا بِذِمَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا فَإِذَا ثَبَتَ تَعَلُّقُهَا بِذِمَّتِهِ لَمْ يَنْقُصْ نِصَابُ الْأَلْفِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ لِآخِرِ عَامٍ أَلْفَ شَاةٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذِهِ زَكَاةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهَا بِالتَّعَدِّي بِمَعْنَى أَنَّهَا إنْ تَلِفَتْ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا فَأَمَّا مَعَ وُجُودِهَا فَحُكْمُ الزَّكَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا كَالْغَاصِبِ إذَا غَصَبَ عَيْنًا مِنْ غَنَمٍ أَوْ غَيْرِهَا، ثُمَّ وَجَدَهَا صَاحِبُهَا كَانَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِهَا دُونَ ذِمَّةِ الْغَاصِبِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ غَابَ بِأَرْبَعِينَ فَوُجِدَتْ بِيَدِهِ أَلْفًا بَعْدَ أَعْوَامٍ فَقَالَ إنَّهَا لَمْ تَزَلْ أَرْبَعِينَ إلَى هَذَا الْعَامِ فَهَلْ يُصَدِّقُ أَمْ لَا؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ فِي ذَلِكَ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صَدَقَةُ سَائِرِ الْأَعْوَامِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْآنَ وَرَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يُصَدِّقُ فِي ذَلِكَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا قَدْ ظَهَرَ كَذِبُهُ وَتَبَيَّنَ
стр. 511
النَّهْيُ عَنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ مُرَّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِغَنَمٍ مِنْ الصَّدَقَةِ فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلًا ذَاتَ ضَرْعٍ عَظِيمٍ فَقَالَ عُمَرُ مَا هَذِهِ الشَّاةُ فَقَالُوا شَاةٌ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ لَا تَفْتِنُوا النَّاسَ لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ نَكِّبُوا عَنْ الطَّعَامِ)
ــ
[المنتقى]
فِرَارُهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ بِقَوْلِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِسْقُهُ بِاَلَّذِي يُمْضِي عَلَيْهِ الدَّعَاوَى دُونَ بَيِّنَةٍ كَاَلَّذِي عُرِفَ بِجَحْدِ أَمْوَالِ النَّاسِ.
[النَّهْيُ عَنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إبَّانِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمَاشِيَةِ]
(ش) : قَوْلُهَا مُرَّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِغَنَمٍ مِنْ الصَّدَقَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُنْقَلُ بَعْضُ مَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ عَنْ مَوْضِعِهَا إذَا اسْتَغْنَى أَهْلُهَا إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْحَاضِرَةِ وَغَيْرِهَا حَيْثُ تَكُونُ الْحَاجَةُ وَذَلِكَ أَنَّ أَحَقَّ الْمَوَاضِعِ بِالزَّكَاةِ مَوْضِعٌ تُؤْخَذُ فِيهِ وَفِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: فِي إبَّانِ أَخْذِهَا مِنْهَا.
وَالثَّانِي: فِي مَوْضِعٍ تُؤْخَذُ فِيهِ الصَّدَقَةُ.
وَالثَّالِثُ: فِي مَوْضِعٍ تُفَرَّقُ فِيهِ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إبَّانِ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْ الْمَاشِيَةِ) .
فَأَمَّا إبَّانَ الْخُرُوجِ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ فَهُوَ وَقْتُ طُلُوعِ الثُّرَيَّا مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ إبَّانَ تَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاشِيَةُ عَلَى الْمِيَاهِ لِعَدَمِ الْمِيَاهِ فِي الْجِبَالِ وَالْقِفَارِ مِنْ بَقَايَا الْأَمْطَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَهْوَنُ عَلَى الْمُصَدِّقِينَ وَأَمْكَنُ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ دُونَ مَضَرَّةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ تَلْحَقُهُمْ فِي تَرْكِهِمْ لِلْكَلَأِ وَالرَّعْيِ وَالسَّرْحِ لِلِاجْتِمَاعِ لِلصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّ الْمَاشِيَةَ حِينَئِذٍ لَا مَضَرَّةَ لِلِانْتِقَالِ بِهَا لِقُوَّةِ نَسْلِهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ وَقْتَ خُرُوجِ السَّاعِي وَجَمِيعِ النَّاسِ هُوَ فِي شَهْرِ الْمُحَرَّمِ مَتَى كَانَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ حُكْمَ الْبِلَادِ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ لِخُرُوجِ السُّعَاةِ إلَيْهِ لِبُعْدِهِ عَلَيْهِمْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ أَنَّ حَوْلَ هَذِهِ الْمَاشِيَةِ مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا بِمِيرَاثٍ أَوْ غَيْرِهِ يُخْرِجُ زَكَاتَهَا كَزَكَاةِ الْعَيْنِ.
وَقَالَ فِي الْأَسِيرِ يَكْتَسِبُ الْمَاشِيَةَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ السَّاعِي فَإِذَا خَلَصَ بِهَا زَكَّاهَا لِمَاضِي السِّنِينَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِخُرُوجِ السُّعَاةِ إلَيْهِ يُخْرِجُ زَكَاةَ مَاشِيَتِهِ كَمَا يُخْرِجُ زَكَاةَ الْعَيْنِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ الْأَسِيرَ مُعْتَقِدٌ لِلْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعِ السَّاعِي مَتَى أَمْكَنَهُ بِخِلَافِ مَنْ لَا يَأْتِيه السَّاعِي لِبُعْدِ مَكَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَمَنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِخُرُوجِ السُّعَاةِ إلَيْهِ فَإِنَّهُمْ يُخْرِجُونَ فِي سَنَةِ الْخِصْبِ وَأَمَّا سَنَةُ الْجَدْبِ فَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَبْعَثُونَ فِي سَنَةِ الْجَدْبِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ لَا يُؤَخِّرُ السُّعَاةُ فِي سَنَةِ الْجَدْبِ، وَإِنْ عَجَفَتْ الْغَنَمُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ أَنَّهُ إنْ خَرَجَ السَّاعِي فِي عَامِ جَدْبٍ فَإِنَّمَا يَأْخُذُ مَا لَا يَجِبُ فَإِنْ بِيعَ فَلَا ثَمَنَ لَهُ وَذَلِكَ يُجْحِفُ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَا يَنْفَعُ الْمَسَاكِينَ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذَا مَعْنًى لِسَبَبِ عَجَفِ الْمَاشِيَةِ فَلَا يَمْنَعُ أَخْذَ الصَّدَقَةِ كَمَرَضِ الْمَاشِيَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا يَخْرُجُ السُّعَاةُ فِي الْجَدْبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْعِجَافِ عِجَافًا قَالَ مُحَمَّدٌ يَشْتَرِي لَهُ مَا يُعْطِيه.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ صِفَةَ الْغَنَمِ فِي الْعَجَفِ لَا تَنْقُلُ الزَّكَاةَ إلَى غَيْرِ عَيْنِهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ سِمَانًا.
وَوَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْعَجَفَ عَيْبٌ فِيهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ ذَاتَ عَوَارٍ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ فِيهِ الصَّدَقَةُ] ١
стр. 512
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُؤْخَذُ فِيهِ الصَّدَقَةُ.
أَمَّا مَوْضِعُ أَخْذِ صَدَقَةِ الْمَاشِيَةِ فَفِي مَوْضِعِ الْمَاشِيَةِ وَلَيْسَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ نَقْلُهَا وَحَمْلُهَا إلَى الْمُصَّدِّقِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْمَشْهُورُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ أَصْحَابَهُ مُصَّدِّقِينَ إلَى الْجِهَاتِ وَلَا يَأْمُرُ النَّاسَ بِجَلْبِ مَوَاشِيهِمْ إلَى الْمَدِينَةِ فَيَتَوَلَّى هُوَ تَصْدِيقَهَا بِنَفْسِهِ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الضَّرُورَةَ عَلَى أَرْبَابِ الْمَاشِيَةِ فِي جَلْبِهَا وَجَمْعِهَا لِلصَّدَقَةِ أَشَدُّ مِنْ الضَّرُورَةِ عَلَى الْمُصَّدِّقِينَ فِي طَوَافِهِمْ عَلَى الْمَوَاشِي.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ زَكَاةُ الْحَبِّ يُخْرَجُ إلَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ النَّاسِ حَيْثُ حَصَدُوهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَإِذَا كَانَتْ تُدْفَعُ إلَى فُقَرَاءِ الْجِهَةِ الَّتِي أُخِذَتْ بِهَا فَلَا مَعْنَى لِنَقْلِهَا ثُمَّ تُرَدُّ إلَى مَوْضِعِهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي تَكْلِيفِهِمْ حَمْلَهُ زِيَادَةً عَلَيْهِمْ فِي الزَّكَاةِ وَرُبَّمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ دَابَّةٌ وَلَا مَالٌ غَيْرُ مَا أَصَابَهُ مِنْ الطَّعَامِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ نِصْفُ مَا حَصَدُوهُ أَوْ أَكْثَرُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُفَرَّقُ فِيهِ الزَّكَاةُ]
أَمَّا مَوْضِعُ تَفْرِيقِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ حَيْثُ تُؤْخَذُ مِنْ أَرْبَابِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِمَوْضِعٍ لَا فُقَرَاءَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ بِالْمَوْضِعِ فُقَرَاءُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَشَدَّ حَاجَةً مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ حَاجَتُهُمْ كَحَاجَةِ غَيْرِهِمْ أَوْ تَكُونَ حَاجَةُ غَيْرِهِمْ أَشَدَّ فَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُمْ أَشَدَّ أَوْ مُسَاوِيَةً لِحَاجَةِ غَيْرِهِمْ فَأَهْلُ مَوْضِعِ الصَّدَقَةِ أَوْلَى بِصَدَقَتِهِمْ حَتَّى يَغْنَوْا أَوْ لَا يُنْقَلَ مِنْهَا إلَّا مَا فَضَلَ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ حَاجَةُ غَيْرِهِمْ أَشَدَّ فُرِّقَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِمَوْضِعِهَا بِمِقْدَارِ مَا يَرَى الْإِمَامُ وَيُنْقَلُ سَائِرُهَا إلَى مَوْضِعِ الْحَاجَةِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَبْعَثَ الرَّجُلُ بِبَعْضِ زَكَاتِهِ إلَى الْعِرَاقِ، ثُمَّ إنْ هَلَكَتْ فِي الطَّرِيقِ لَمْ يَضْمَنْ فَإِذَا كَانَتْ الْحَاجَةُ كَثِيرَةً بِمَوْضِعِهِ أَحْبَبْت أَنْ لَا تُبْعَثَ وَهَذَا إبَاحَةٌ لِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنْ مَوْضِعِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الصَّدَقَاتِ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﷺ «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَإِنْ قِيلَ بِأَنَّ هَذَا يَقْتَضِي نَقْلَهَا مِنْ عَدَنٍ إلَى الْيَمَنِ؛ لِأَنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْلَ الْيَمَنِ وَعَدَنَ مِنْ الْيَمَنِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ مَنْ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُخَاطِبُ بِذَلِكَ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ رَدَّ زَكَاةِ أَغْنِيَائِهِ عَلَى فُقَرَائِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا نَقَلَ صَدَقَتَهُ إلَى غَيْرِ بَلَدِهَا فَلَمْ يَجُزْ لَهُ تَفْرِقَتُهَا مَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ بِبَلَدِ الصَّدَقَةِ أَصْلُهُ إذَا تَوَلَّى قَسْمَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةُ وَلَمْ يَخُصَّ بَلَدًا دُونَ غَيْرِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَالٌ لَزِمَ إخْرَاجُهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ فُقَرَاءُ بَلَدٍ دُونَ بَلَدٍ آخَرَ كَكَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِاخْتِصَاصِ إخْرَاجِهَا بِمَوْضِعِ الْمَالِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً بِأَرْبَعَةِ أَقَالِيمَ عَشْرَةٌ بِالْأَنْدَلُسِ وَعَشْرَةٌ بِأَفْرِيقِيَّةَ وَعَشْرَةٌ بِمِصْرَ وَعَشْرَةٌ بِالْعِرَاقِ وَكَانَ الْوُلَاةُ عُدُولًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِذَلِكَ وَيَدْفَعَ إلَى كُلِّ أَمِيرٍ رُبُعَ شَاةٍ فِي شَاةٍ يُشَارِكُهُ فِيهَا، وَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رُبُعَ قِيمَةِ شَاةٍ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ كَانَ الْوُلَاةُ غَيْرَ عُدُولٍ فَلْيُخْرِجْ هُوَ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى مَا أَعْلَمْتُك، وَإِنْ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ أَوَاقٍ فِي بِلَادٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَلْيُعْطِ كُلَّ أَمِيرٍ زَكَاةَ مَالِهِ بِبَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا أَخْرَجَ هُوَ مَا يَلْزَمُهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ يُرِيدُ فِي كُلِّ بَلَدٍ زَكَاةُ مَالِهِ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ نَقْلُهَا مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ إلَّا لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَنْقُلَ زَكَاتَهُ إلَى مَا يَقْرُبُ وَيَكُونَ فِي حُكْمِ مَوْضِعِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَوْضِعِ وُجُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَخُصَّ بِذَلِكَ
стр. 513
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ مِنْ أَشْجَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَّدِّقًا فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْرِجْ إلَيَّ صَدَقَةَ مَالِكِ فَلَا يَقُودُ إلَيْهِ شَاةً فِيهَا وَفَاءٌ مِنْ حَقِّهِ إلَّا قَبِلَهَا) .
(ص) : (قَالَ
ــ
[المنتقى]
أَهْلَ مَحَلَّتِهِ وَلَا جِيرَانَهُ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ أَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَكَذَلِكَ مَا قَرُبَ مِنْهَا وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ إنْ يَكُنْ عَلَى أَمْيَالٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ زَكَاتِهِ إلَى ضُعَفَاءَ عِنْدَهُ بِالْحَاضِرَةِ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مِقْدَارٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَأَمَّا مَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهِ الصَّلَاةُ فَلَا تُنْقَلُ إلَيْهِ الزَّكَاةُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ نَقَلَهُ وَقُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ لَا تُجْزِئُهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ فَإِنْ تَلِفَ فِي الطَّرِيقِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ ابْتِدَاءً أَوْ لِلْحَاجَةِ فَمَتَى يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنَّمَا يُرْسِلُ بِهَا قَبْلَ مَحَلِّهَا بِمِقْدَارِ مَا يُمْكِنُ حَوْلُهَا عِنْدَ وُصُولِهَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرْسَلَهَا بَعْدَ حَوْلِهَا فَقَدْ أَمْسَكَهَا وَأَخَّرَهَا بَعْدَ الْحَوْلِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ التَّعَدِّي الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الضَّمَانُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ إنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ إرْسَالُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ وَوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بَعْدُ وَقَدْ تَنْقُصُ عَنْ النِّصَابِ بِفِعْلِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ لِأَوَّلِ مَنْ يَلْقَاهُ بَعْدَ كَمَالِ الْحَوْلِ وَلَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ يَكْمُلُ الْحَوْلُ وُجُوبًا يَكُونُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ ذَلِكَ سَاعَةً وَاحِدَةً مُتَعَدِّيًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا بِتَأْخِيرِهِ مُدَّةً يَظْهَرُ بِهَا حُكْمُ التَّعَدِّي وَالْإِغْفَالِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا احْتَاجَ الْإِمَامُ إلَى نَقْلِهِ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَمِنْ أَيْنَ تَكُونُ مُؤْنَةُ مَا يَنْقُلُ مِنْهَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَتَكَارَى عَلَيْهَا مِنْ الْفَيْءِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَتَكَارَى عَلَيْهَا مِنْ الْفَيْءِ وَلَكِنْ يَبِيعُهَا فِي هَذَا الْبَلَدِ وَيَبْتَاعُ عِوَضَهَا فِي بَلَدِ تَفْرِيقِهَا.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْفَيْءَ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ بِهِ هَذِهِ الزَّكَاةُ وَلَا تُبَاعَ فِي مَوْضِعِ الْغِنَى عَنْهَا؛ لِأَنَّ بَيْعَهَا فِي مَوْضِعِ الْغِنَى عَنْهَا وَابْتِيَاعَهَا فِي مَوْضِعِ نَفَاقِهَا يَذْهَبُ بِأَكْثَرِهَا.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلْفُقَرَاءِ وَلِمَنْ سُمِّيَ مَعَهُمْ خَاصَّةً فَلَا يَجِبُ أَنْ يُتَمَّمَ بِالْفَيْءِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ مِقْدَارُ مَا يَخْلُصُ إلَيْهِمْ مِنْهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ وَهَذَا أَحْوَطُ مِنْ التَّغْرِيرِ بِهَا فِي الطُّرُقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَرَأَى فِيهَا شَاةً حَافِلًا الْحَافِلُ الَّتِي اجْتَمَعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا فَعَظُمَ ضَرْعُهَا لِذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ فَقَالَ عُمَرُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهَا مِنْ الصَّدَقَةِ مَا أَعْطَى هَذِهِ أَهْلُهَا وَهُمْ طَائِعُونَ يُرِيدُ أَنَّ أَهْلَهَا كَرِهُوا إعْطَاءَهَا لِمَا رَأَى مِنْ كَرَمِهَا وَكَثْرَةِ لَبَنِهَا وَأَنَّ نَفْسَ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ غَيْرُ طَيِّبَةٍ بِإِعْطَائِهَا فِي الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ " لَا تَفْتِنُوا النَّاسَ " الْفِتْنَةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ الِاخْتِبَارُ إلَّا أَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيمَا يَصْرِفُ النَّاسَ مِنْ الْحَقِّ إلَى الْبَاطِلِ.
(فَصْلٌ وَقَوْلُهُ لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ الْحَزَرَاتُ وَاحِدَتُهَا حَزْرَةٌ وَقَوْلُهُ نَكِّبُوا عَنْ الطَّعَامِ أَيْ اعْدِلُوا بِأَخْذِكُمْ عَمَّا يَكُونُ مِنْهُ الطَّعَامُ لِأَرْبَابِ الْمَوَاشِي فَإِنَّ نُفُوسَهُمْ لَا تَطِيبُ بِهَا فَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَفِيهِ قَوْلُهُ ﷺ «وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ» وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ رَدَّ تِلْكَ الشَّاةَ الْحَافِلَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْلِمَ أَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ طَابَتْ بِهَا نَفْسُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يَأْتِيهِمْ مُصَّدِّقًا، الْمُصَّدِّقُ الْآخِذُ لِلصَّدَقَةِ الْعَامِلُ عَلَيْهَا فَيَقُولُ لِرَبِّ الْمَالِ أَخْرِجْ إلَيَّ صَدَقَةَ مَالِكِ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ وَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ أَنَّ الِاخْتِيَارَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ مَنْ أَخْرَجَ إلَيْهِ شَاةً سَلِيمَةً يَجُوزُ مِثْلُ سِنِّهَا فِي الزَّكَاةِ أَنْ يَأْخُذَهَا؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لِرَبِّ الْمَاشِيَةِ دُونَ الْمُصَّدِّقِ.
стр. 514
مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا، وَاَلَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ لَا يُضَيَّقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي زَكَاتِهِمْ وَأَنْ يُقْبَلَ مِنْهُمْ مَا دَفَعُوا مِنْ زَكَاةِ أَمْوَالِهِمْ) .
آخِذُ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِغَارِمٍ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ رَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوَالِي فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي وَعَسَى أَنْ يَنْتَقِلَ ذَلِكَ إلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ أَوْ أَعْوَامٍ فَيُؤْثِرُ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعَدَدِ حَيْثُمَا كَانَ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا أَدْرَكْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ تَجِبُ مُسَامَحَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ فِي الزَّكَاةِ وَأَخْذُ عَفْوِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ وَحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَمِمَّنْ خَرَجَ مُصَّدِّقًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ أَيَقْسِمُ الْمُصَّدِّقُ الْمَاشِيَةَ وَيَقُولُ لِصَاحِبِهَا آخُذُ مِنْ أَيُّهَا شِئْت فَقَالَ لَا وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّعْيِينَ لِصَاحِبِ الْمَاشِيَةِ كَسَائِرِ الزَّكَاةِ.
[آخِذُ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا]
(ش) : وَقَوْلُهُ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ» يُرِيدُ صَدَقَةَ الْأَمْوَالِ الْوَاجِبَةَ فِيهَا لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَمْ يُرِدْ الصَّدَقَةَ الْمُبْتَدِلَةَ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ فَإِنَّ تِلْكَ بِمَنْزِلَةِ الْهَدِيَّةِ تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَقَوْلُهُ ﷺ إلَّا لِخَمْسَةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ فَقَالَ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَذَكَرَهُمْ فَبَيَّنَ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ مَعَ كَوْنِهِمْ أَغْنِيَاءَ، وَإِنْ كَانَ وَجْهُ إبَاحَةِ الصَّدَقَةِ لَهُمْ تَخْتَلِفُ فَأَمَّا الْغَازِي فَمُبَاحَةٌ لَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَرُبَّمَا كَانَ غِنَاؤُهُ يَبْلُغُ بِهِ الْعَدَدَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْهُ مَا يَقْوَى بِهِ فِي نِهَايَةِ فَرَاهَةِ فَرَسِهِ وَجَوْدَةِ سِلَاحِهِ وَآلَتِهِ وَلَيْسَ كُلُّ غِنًى يَبْلُغُ بِهِ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْغِنَى مَا يُبَلِّغُهُ النِّهَايَةَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يَضُرُّ بِحَالِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ إبْقَاءً لِمَالِهِ وَالْمُسْلِمُونَ مَحَاوِيجُ إلَى غَزْوِهِ وَنُصْرَتِهِ وَأُبِيحَ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ لِيَبْلُغَ مِنْ غَزْوِهِ بِهَا مَا لَا يَبْلُغُهُ بِمَالِهِ وَأَمَّا الْعَامِلُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَأْخُذُهَا عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ مِنْ عَمَلِهِ وَالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الْإِجَارَةِ وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا مِنْ هَاشِمِيٍّ أَوْ ذِمِّيٍّ وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى حِرَاسَتِهَا وَسَوْقِهَا لَمَّا كَانَتْ تِلْكَ إجَارَةً مَحْضَةً وَأَمَّا الْغَارِمُ فَإِنَّمَا تُدْفَعُ إلَيْهِ مَعُونَةً عَلَى غَرَامَتِهِ وَهُوَ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ وَسَيَأْتِي وَصْفُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ وَذِكْرُ أَحْكَامِهِمْ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا مَنْ ذَكَرْنَا فَمَنْ أَعْطَاهَا غَنِيًّا عَالِمًا بِغِنَاهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهُ وَمَنْ أَعْطَاهَا جَاهِلًا بِغِنَاهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ فِيهِ الْفَقْرَ فَهَلْ تُجْزِئُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَضْمَنُ إنْ دَفَعَهَا لِغَنِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ.
وَقَالَ فِي الْأَسَدِيَّةِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
وَجْهُ إثْبَاتِ الضَّمَانِ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ إذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ كَالْمَاشِي فِي الطَّرِيقِ يَطَأُ ثَوْبَ غَيْرِهِ فَيَخْرِقُهُ.
وَوَجْهُ نَفْيِ الضَّمَانِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِدَفْعِهِ فَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ غَيْرُ ضَامِنٍ كَالْوَكِيلِ عَلَى دَفْعِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ اشْتَرَى الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا الصَّدَقَةُ قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا بِدَفْعِهَا إلَى الْفَقِيرِ، ثُمَّ ابْتَاعَهَا الْغَنِيَّ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْفَقِيرُ فَإِنَّهَا لَمْ تَصِرْ إلَيْهِ بِوَجْهِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا وَكَمُلَ فِيهَا أَدَاءُ فَرْضِ الزَّكَاةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ قَسْمَ الصَّدَقَاتِ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوَالِي وَذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَاتِ يَسْتَحِقُّهَا الْمُسْلِمُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]
стр. 515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ يَجُوزُ وَضْعُ الصَّدَقَاتِ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ وَضْعُهَا فِي غَيْرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] فَأَتَى بِلَفْظِ الْحَصْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي نَفْيَ إعْطَاءِ الصَّدَقَاتِ لِغَيْرِهِمْ فَأَمَّا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمَا فَقَالَ مَالِكٌ إنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ الْبُلْغَةُ مِنْ الْعَيْشِ لَا تَقُومُ بِهِ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ فَالْمِسْكِينُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ: الْفَقِيرُ الْمُتَعَفِّفُ عَنْ السُّؤَالِ مَعَ حَاجَتِهِ وَالْمِسْكِينُ الَّذِي يَسْأَلُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالطُّرُقِ وَهُوَ السَّائِلُ وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ الْفَقِيرَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَنْشَدَ فِي ذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ
أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ ... وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يُتْرَكْ لَهُ سَبَدُ
فَجَعَلَ لِلْفَقِيرِ بُلْغَةً مِنْ الْعَيْشِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمِسْكِينَ مَأْخُوذٌ مِنْ السُّكُونِ وَالْفَقِيرَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَسْرِ الْفَقَارِ، وَاَلَّذِي سَكَنَ فَلَا يَتَحَرَّكُ أَشَدُّ ضَعْفًا مِنْ الْمَكْسُورِ الْفَقَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَحَرِّكٌ، وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ الْفَقِيرُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ فَقُرْت لَهُ فُقْرَةً مِنْ مَالٍ أَيْ أَعْطَيْته فَالْفَقِيرُ عَلَى هَذَا الَّذِي لَهُ قِطْعَةٌ مِنْ مَالٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ صِفَةَ الْفَقِيرِ الَّذِي يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُعْطَاهَا مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِينَارًا وَرَأْسٌ وَرَأْسَانِ إذَا كَانَ كَثِيرَ الْعِيَالِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ قَدْرُ حَاجَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ دُونَ النِّصَابِ وَرَوَى الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ يَفْضُلُ لَهُ مِنْ ثَمَنِ دَارِهِ عِشْرُونَ دِينَارًا لَمْ يُعْطَ مِنْ الزَّكَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ النِّصَابِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْغِنَى يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ لَهُ الْمَالُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالسُّؤَالِ فَلَا يَكْفِيه مَا يَكْفِي مَنْ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالِابْتِدَالِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ لَهُ الْعِيَالُ الْكَثِيرُ وَالْوَلَدُ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالِاقْتِيَاتِ دُونَهُ فَلَا يَكْفِيهِ مَا يَكْفِي الْمُفْرَدَ وَذَا الْعِيَالِ الْيَسِيرُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ غِنَى الْمُفْرَدِ الْمُتَمَكِّنِ مِنْ التَّصَرُّفِ غَيْرَ غِنَى الْمُعِيلِ الَّذِي كَانَ لَا يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفُ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ فِي الِاسْتِطَاعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْحَجِّ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُمْ غَيْرُ الَّذِي يُدْفَعُ إلَيْهِمْ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَلَهُ عِيَالٌ تُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ فَيَجِبُ أَنْ لَا تُدْفَعَ إلَيْهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا غِنًى يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِهَا كَالنِّصَابِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ مِنْ صِفَاتِهِ الضَّعْفُ عَنْ التَّكَسُّبِ وَالْعَمَلِ رَوَاهُ الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُعْطَى الْقَوِيُّ عَلَى الْكَسْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةُ وَهَذَا عَامٌّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِنْ صِفَاتِ الْفَقِيرِ الْمُسْتَحِقِّ لِلزَّكَاةِ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَاتُ الْوَاجِبَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ التَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ تَقَعُ فِيهَا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَحِلُّ لَهُمْ التَّطَوُّعُ دُونَ الْفَرْضِ وَكَانَ شَيْخُنَا ﵀ يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ الْأَبْهَرَيَّ يَقُولُ قَدْ حَلَّتْ لَهُمْ الصَّدَقَاتُ كُلُّهَا فَرْضُهَا وَنَفْلُهَا.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ «قَوْلُهُ ﷺ لِلْحَسَنِ وَقَدْ جَعَلَ تَمْرَةً مِنْ الصَّدَقَةِ فِي فِيهِ أَمَا عَلِمْت أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ» .
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ
стр. 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ نَافِعٍ وَأَصْبَغَ أَنَّ جَمِيعَ الزَّكَوَاتِ الْوَاجِبَةِ كُلُّهَا وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ لِلْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تَجُوزُ لَهُمْ دُونَ الْفَرْضِ هُوَ رِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ، ذَوُو الْقُرْبَى الَّذِينَ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ يَسْتَثْنِي بَنِي أَبِي لَهَبٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ هُمْ عَشِيرَتُهُ الْأَقْرَبُونَ نَادَاهُمْ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَهُمْ آلُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ وَآلُ هَاشِمٍ وَآلُ عَبْدِ مَنَافٍ وَآلُ قُصَيٍّ وَبَنُو غَالِبٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْآلُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْأَقَارِبِ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْأَدْنَيْنَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَعْطَاهَا بَنِي هَاشِمٍ لَمْ تُجْزِهِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَوَالِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَدْخُلُونَ فِيهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ نَافِعٍ وَأَصْبَغَ مَوَالِيهمْ مِثْلُهُمْ حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ صَدَقَةُ الْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ قَالَ أَصْبَغُ احْتَجَجْت عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ بِالْحَدِيثِ مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ فَقَالَ قَدْ جَاءَ حَدِيثٌ آخَرُ «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» فَكَذَلِكَ حَدِيثُ الْمَوَالِي، وَإِنَّمَا تَفْسِيرُ مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْهُمْ فِي الْحُرْمَةِ وَالْبِرِّ مِنْهُمْ بِهِمْ كَمَا فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» يُرِيدُ فِي الْبَرِّ وَالطَّوَاعِيَةِ لَا فِي الْقَضَاءِ وَاللُّزُومِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا فَهُمْ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُعْطَوْنَ بِقَدْرِ الْمَسْعَى فِي قُرْبِهِ وَبُعْدِهِ وَبِقَدْرِ غِنَائِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْ عَمَلِهِ إلَّا أَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَا عَمِلَ فِيهِ إنْ كَانَ مُؤْمِنًا، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا أَسَاءَ مَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الصَّدَقَةِ وَاسْتَرْجَعَ مَا أَخَذَ مِنْهَا وَأَعْطَى أُجْرَتَهُ مِنْ غَيْرِهَا حَكَى ذَلِكَ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَ.
وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ قَوْمٌ ذُو وَعْدٍ وَسَعَةٍ وَقُدْرَةٍ عَلَى الْأَدَاءِ أَجَابُوا إلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ نُفُوسِهِمْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ شُيُوخُنَا وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ تَمَكَّنَ مِنْ نُفُوسِهِمْ غَيْرَ أَنَّ الطَّاعَةَ لِأَحْكَامِهِ لَا تَتَمَكَّنُ مِنْ نُفُوسِهِمْ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَأْلِفُهُمْ بِالْعَطَاءِ وَيُحَبِّبُ إلَيْهِمْ الْإِيمَانَ وَيَكُفُّ بِهِ أَذِيَّتَهُمْ وَقَدْ انْقَطَعَ هَذَا الصِّنْفُ لَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَكَثُرَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرِّقَابُ فَهِيَ أَنْ يُشْتَرَى مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ رِقَابٌ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ مِنْ الزَّكَاةِ إلَّا مَنْ يُجْزِئُ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ يُرِيدُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالسَّلَامَةِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ فَعَلَ أَعَادَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ زَكَاتِهِ أَعْمَى أَوْ أَعْرَجَ أَوْ مُقْعَدًا أَوْ إنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] فِكَاكُهَا وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَفِي الرِّقَابِ قَالَ الْمُكَاتَبِينَ.
وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ زَكَاتِهِ الْمُكَاتَبَ مَا يُتِمُّ بِهِ عِتْقَهُ أَوْ فِي قُطَاعَةِ مُدَبَّرٍ مَا يُعْتَقُ بِهِ وَهُمَا لَا يُعْتَقَانِ فِي الرِّقَابِ الْوَاجِبَةِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ عِتْقٌ يَنْفُذُ عَلَى وَجْهٍ إذَا وَجَبَ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ السَّلَامَةُ كَالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَةِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِي الْكَفَّارَةِ اُعْتُبِرَ فِي عِتْقِ الزَّكَاةِ كَالْإِسْلَامِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ أُعْتِقَ مِنْ الزَّكَاةِ يَعْتِقُونَ عَنْ جَمِيعِ الْإِسْلَامِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَإِنْ اشْتَرَى أَحَدٌ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ رِقَابًا وَأَعْتَقَهَا لِيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْ زَكَاتِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُجْزِئُهُ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ اسْتَمْسَكَ بِهِ حِينَ أَبْقَى الْوَلَاءَ لَهُ، وَإِنَّمَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَمَرَ عَبْدَهُ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَتَهُ أَوْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ فَأَنْفَذَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُ الْآمِرَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْغَارِمُونَ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ ادَّانَ فِي غَيْرِ سَفَهٍ وَلَا فَسَادٍ وَيَكُونُ مَعَهُمْ أَمْوَالٌ هِيَ بِإِزَاءِ دُيُونِهِمْ فَيُعْطَوْنَ مَا يَقْضُونَ بِهِ دُيُونَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ وَفَاءٌ فَهُمْ فُقَرَاءُ
стр. 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
غَارِمُونَ فَأُعْطُوا بِالْوَصْفَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الدَّاوُدِيُّ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْغَارِمِ فَمَرَّةً قَالَ يُعْطَى إذَا كَانَ مُحْتَاجًا وَمَرَّةً يُشِيرُ إلَى أَنَّ لِلْغَارِمِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مَا أُعْطِيَ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ كَفَافُ دَيْنِهِ وَأَكْثَرُ مِنْهُ وَلَا يُفْصِحُ.
وَجْهُ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] فَذَكَرَ الْغَارِمِينَ مَعَ الْفُقَرَاءِ وَعَطَفَهُمْ عَلَيْهِمْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُهُمْ.
(فَرْعٌ) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَارِمُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِمَّنْ تُنْجَزُ حَالُهُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَيَتَغَيَّرُ بِتَرْكِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَهُ أُصُولٌ يَسْتَغِلُّهَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهَا فَيَرْكَبُهُ دَيْنٌ يُلْجِئُهُ إلَى بَيْعِهَا وَيَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا بَاعَهَا خَرَجَ عَنْ حَالِهِ فَهَذَا يُؤَدَّى دَيْنُهُ مِنْ الزَّكَاةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى حَالَةٍ مِنْ الِابْتِذَالِ وَالسَّعْيِ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَمْوَالَ النَّاسِ لِيَكُونَ مِنْهَا دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ فَيَكُونُ غَارِمًا مَا يُؤَدَّى عَنْهُ مِنْ الزَّكَاةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ عَنْ هَذَا لَا يُغَيِّرُ وَلَا يَضْطَرُّهُ مَنْعُهُ مِنْ الِابْتِذَالِ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ عَادَتِهِ وَلِلْخُرُوجِ عَنْ الْعَادَةِ تَأْثِيرٌ فِي إسْقَاطِ الْعِبَادَاتِ كَالِاسْتِطَاعَةِ فِي الْحَجِّ.
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فَهُوَ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ قَالَهُ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ الْحَجُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ إذَا أُطْلِقَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ الْغَزْوُ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَزْوُ وَالْجِهَادُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِلْغَازِي، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُغْنِيهِ وَهُوَ غِنَى يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ فَهُوَ أَفْضَلُ لَهُ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُعْطَى لِلْغَازِي الْغَنِيِّ شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَةِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ» فَبَدَأَ بِالْغَازِي وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ لِحَاجَتِنَا إلَيْهِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُهَا مَعَ الْغَنِيِّ كَالْعَامِلِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَهُوَ الْمُسَافِرُ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ الَّذِي لَا يَجِدُ دَابَّةً وَلَا مَا يُكْرِيهَا بِهِ، وَقَالَ شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ ابْنُ السَّبِيلِ يَكُونُ مُبْتَدِئًا لِسَفَرِهِ وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَدِيمًا لَهُ فَأَمَّا الْمُبْتَدِئُ لِسَفَرِهِ فَهُوَ الْغَرِيبُ يَكُونُ بِالْبَلَدِ لَهُ فِيهِ مُدَّةٌ، ثُمَّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ إلَى وَطَنِهِ فَهَذَا مُبْتَدِئٌ لِسَفَرِهِ وَأَمَّا الْمُسْتَدِيمُ لَهُ فَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَثْنَاءِ سَفَرِهِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى مُسْتَدِيمِ السَّفَرِ وَأَمَّا مُبْتَدِئُهُ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُرِيدٌ لِلسَّفَرِ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ كَالْمُسْتَدِيمِ وَتَبْيِينُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَدِيمَ لِلسَّفَرِ إنَّمَا يَأْخُذُهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ وَأَمَّا الْمَاضِي فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يُغْنِيهِ وَكَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُغْنِيه وَكَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١] وَهَذَا عَامٌّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صِنْفٌ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ لِمَعْنَى سَفَرِهِ فَجَازَ صَرْفُهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِيه كَالْغَازِي.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُسَافِرَ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ابْنَ السَّبِيلِ أَنْ يَتَسَلَّفَ إذَا كَانَ غَنِيًّا بِبَلَدِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُشْغِلَ ذِمَّتَهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إبْرَائِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الِاجْتِهَادِ مِنْ الْوَالِي لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ يَكُونَ الِاجْتِهَادُ لِلْخَلِيفَةِ بَلْ جَعَلَ فِيهِ حَظًّا لِمَنْ يَلِيه وَهَذَا؛ لِأَنَّ وَالِيَ كُلِّ بَلَدٍ أَعْلَمُ بِوُجُوهِ مَصَالِحِهِ الْخَاصَّةِ فَلِذَلِكَ كَانَ
стр. 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الِاجْتِهَادُ فِيهِ إلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَيُّ الْأَصْنَافِ كَانَتْ فِيهِ الْحَاجَةُ وَالْعَدَدُ أُوثِرَ ذَلِكَ الصِّنْفُ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْوَالِي يُرِيدُ بِالْحَاجَةِ أَنْ يَكُونُوا أَشَدَّ فَقْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ وَأَكْثَرَ عَدَدًا وَأَقَلَّ مَرَافِقَ وَالْإِيثَارُ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْطَى صِنْفُ الْحَاجَةِ الْأَكْثَرَ وَيُعْطَى غَيْرُهُمْ الْأَقَلَّ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعْطَى صِنْفُ الْحَاجَةِ الْجَمِيعَ وَلَا يُعْطَى غَيْرُهُمْ شَيْئًا وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُجْزِي مَعَ وُجُودِ الْأَصْنَافِ إلَّا أَنْ يُدْفَعَ إلَى جَمِيعِهِمْ فَإِنْ عَدِمُوا جَازَ أَنْ يَدْفَعَ الْجَمِيعُ إلَى مَنْ وُجِدَ إلَّا الْعَامِلَ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْجَمِيعِ إلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْلُهُ ﷺ «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ يَجِبُ صَرْفُهَا إلَى الْفَقِيرِ فَجَازَ أَنْ يُخَصُّوا بِهَا كَالْكَفَّارَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عَسَى أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ إلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ بَعْدَ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ يُرِيدُ الْعَطَاءَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الشِّدَّةَ وَالْحَاجَةَ لَا تَبْقَى عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ بَلْ يَنْتَقِلُ مِنْ قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ وَيَكُونُ الْعَطَاءُ لِكُلِّ إنْسَانٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ وَقِلَّةِ تَصَرُّفِهِ وَقِلَّةِ سُؤَالِهِ وَمَا يُعْرَفُ مِنْ صَلَاحِهِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى قَدْرِ الِاجْتِهَادِ فَأَمَّا كَثْرَةُ الْعِيَالِ فَإِنَّ حَاجَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ أَكْثَرُ وَغَنَاءُ مَا يَدْفَعُ إلَيْهِ عَنْهُ أَقَلُّ، وَلِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عِيَالِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، وَإِذَا كَانَتْ نَفَقَتُهُ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَا مَالَ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ وُجُوبٌ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يُغْنِي عَنْهُ وَأَمَّا قِلَّةُ التَّصَرُّفِ فَإِنَّ الْفَقِيرَ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ أَقْدَرُ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَتَنْمِيَةِ مَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ غَيْرِهِ الَّذِي لَا تَصَرُّفَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ بِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ فَهَذَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الضَّيَاعُ وَيَتَعَجَّلُ إتْلَافَ مَا بِيَدِهِ فَكَانَ أَوْلَى بِالزِّيَادَةِ وَأَمَّا قِلَّةُ السُّؤَالِ فَإِنَّ فِي السُّؤَالِ نَوْعًا مِنْ الِاكْتِسَابِ فَالسَّائِلُ يَسْتَعِينُ بِسُؤَالِهِ، وَاَلَّذِي لَا يَسْأَلُ يَشْتَدُّ أَمْرُهُ فَيَجِبُ أَنْ يُزَادَ مِنْ الْعَطَاءِ وَالسُّؤَالُ مَكْرُوهٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يُعَانَ هَذَا الَّذِي لَا يَسْأَلُ عَلَى مَا الْتَزَمَ مِنْ تَرْكِ السُّؤَالِ وَأَمَّا صَلَاحُ الْحَالِ فَرَوَى الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ يُؤْثَرُ الْفَقِيرُ الصَّالِحُ لِحُسْنِ حَالِهِ وَلَا يُمْنَعُ لِسُوءِ حَالِهِ وَيُعْطَى الْقَوِيُّ الْبَدَنِ وَلَا يُمْنَعُ لِقُوَّةِ بَدَنِهِ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ مَذْكُورَةٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَمْ يُعْطَى مِنْ الصَّدَقَةِ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى اجْتِهَادِ الْمُتَوَلِّي قِيلَ فَيُعْطِي الْفَقِيرَ قُوتَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَزِيدُهُ فَقَالَ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى الْقَاسِمُ وَقَدْ يَقِلُّ الْمَسَاكِينُ وَتَكْثُرُ الصَّدَقَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ الْمُغِيرَةِ يُعْطَى أَقَلَّ مِنْ النِّصَابِ وَلَا يَبْلُغُهُ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ أَحْوَالَ النَّاسِ تَخْتَلِفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ الصِّفَاتِ فَيُعْطَى كُلُّ إنْسَانٍ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا كَقَضَاءِ دَيْنِ الْغَرِيمِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ وَبَيْنَ مَنْ تُدْفَعُ إلَيْهِ وَقَرَّرَتْ أَخْذَهَا مِنْ الْغَنِيِّ الَّذِي لَهُ عِشْرُونَ دِينَارًا وَأَنَّ الصَّدَقَةَ تُعْطَى لِلْفَقِيرِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُعْطَى لِمَنْ مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَارًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَدٌّ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ إعْطَاءِ الصَّدَقَةِ أَنْ يُخْرِجَهَا الْمُتَصَدِّقُ مِنْ يَدِهِ وَلَا يَحْبِسُهَا عِنْدَهُ وَيُفَرِّقُهَا عَلَى مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ قَالَهُ الْمُغِيرَةُ عَنْ مَالِكٍ وَالْفُقَرَاءُ أَجَانِبُ لِلْمُتَصَدِّقِ وَأَقَارِبُ فَأَمَّا الْأَجَانِبُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ وَأَمَّا الْأَقَارِبُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَلْزَمُ رَبُّ الْمَالِ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ وَضَرْبٌ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ لَهُمْ فَأَمَّا مَنْ يَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ بِأَصْلٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ أَغْنِيَاءُ بِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا مَنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا فِي عِيَالِهِ أَوْ لَا يَكُونُونَ فَإِنْ
стр. 519
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَرِيضَةٌ مُسَمَّاةٌ إلَّا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى الْإِمَامُ) .
مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَالتَّشْدِيدِ فِيهَا (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدَتْهُمْ عَلَيْهِ) .
ــ
[المنتقى]
كَانُوا فِي عِيَالِهِ فَقَدْ رَوَى مُطَّرِفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا يَضْمَنُ إنْ لَمْ يَقْطَعْ عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنْ قَطَعَ بِذَلِكَ الْإِنْفَاقَ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ انْتَفَعَ بِزَكَاةِ مَالِهِ حَيْثُ قَطَعَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَةَ مَنْ قَدْ كَانَ الْتَزَمَ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ وَالْقِيَامَ بِهِ وَأَظْهَرَ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ وَاسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِزَكَاةِ مَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ يَجُوزُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ إذَا وَلَّى غَيْرَهُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ إذَا تَوَلَّى هُوَ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ فَرَوَى عَنْهُ مُطَّرِفٌ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُعْطِي قَرَابَتَهُ مِنْ زَكَاتِهِ وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْهُ أَنَّ أَفْضَلَ مَنْ وَضَعْت فِيهِمْ زَكَاتَك أَهْلُ رَحِمِك الَّذِينَ لَا تَعُولُ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ تَتَوَجَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ صِلَةَ أَقَارِبِهِ وَصَرْفَ مَذَمَّتِهِمْ عَنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَمِيلَ بِهِ حُبُّ أَقَارِبِهِ إلَى إيثَارِهِمْ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُطَّرِفٍ وَالْوَاقِدِيِّ أَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مَبْنِيٌّ عَلَى صَرْفِهَا إلَى مَنْ يَخْتَصُّ بِمَنْ يُخْرِجُهَا مَا لَمْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ وَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَعْطَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا الْفَقِيرَ مِنْ صَدَقَةِ مَالِهَا فَهَلْ تُجْزِئُهَا أَمْ لَا؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُهَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ صُرِفَ ذَلِكَ فِي مَنَافِعِهَا لَمْ يُجْزِهَا، وَإِنْ لَمْ يُصْرَفْ ذَلِكَ فِي مَنَافِعِهَا وَكَانَ مُحْتَاجًا أَجْزَأَهَا وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ.
وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى بَنِيهِ فَجَازَ لَهَا صَرْفُ زَكَاتِهَا إلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ فَكَانَ لَهَا أَنْ تُعْطِيَ صَدَقَتَهَا غَرِيمَهَا لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ لِمَا يُعْطَى الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ حَدٌّ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِهِ فَيَجْتَهِدُ فِي أَمْرِهِ عَلَى بُعْدِ سَعْيِهِ وَقُرْبِهِ وَمَشَقَّتِهِ وَيَسَارَتِهِ وَقِلَّتِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمُؤْنَةِ فِي ذَلِكَ لِنَفَقَتِهِ فَإِنْ أَعْطَاهُ نَفَقَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَصَرَ مِنْ عَطَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُعْطِهِ نَفَقَةً زَادَ فِي عَطَائِهِ.
[مَا جَاءَ فِي أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَالتَّشْدِيدِ فِيهَا]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ الْعِقَالُ الْقُلُوصُ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْعِقَالُ وَاحِدُ الْعُقُلِ الَّتِي يُعْقَلُ بِهَا الْإِبِلُ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُعْطِي الْبَعِيرَ فِي الزَّكَاةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَ مَعَهُ عِقَالَهُ فَيَقُولُ لَوْ أَعْطُونِي الْبَعِيرَ وَمَنَعُونِي عِقَالَهُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ لَجَاهَدَتْهُمْ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا وَرَوَاءَ الْخَيْلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي تَتَبُّعِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُمْ إلَّا جَمِيعَ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهَذَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي الشَّاةِ، وَاَللَّهِ لَا تَرَكْتُ مِنْهَا شَعْرَةً وَلَا يُرِيدُ بِذَلِكَ الشَّعْرَةَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَتَبُّعُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَوْ مَنَعُونِي مَا يُسَاوِي عِقَالًا وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَا يُعْطِيه يُقَصِّرُ عَنْ حَقِّهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ بِقِيمَةِ الْعِقَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَلَا التَّجَارُزُ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعِقَالُ صَدَقَةُ عَامٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ سَاعِيًا عَلَى كُلَيْبٍ فَأَسَاءَ فِيهِمْ السِّيرَةَ فَقَالَ شَاعِرُهُمْ
سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَبَدًا ... فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ
لَأَصْبَحَ الْقَوْمُ أَوْبَادًا وَلَمْ يَجِدُوا ... عِنْدَ التَّحَمُّلِ لِلْهَيْجَا جِمَالَيْنِ
стр. 520
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا فَجَعَلْته فِي سِقَاءٍ فَهُوَ هَذَا فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ مَنَعَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ الْمُسْلِمُونَ أَخْذَهَا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ جِهَادُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْهُ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ زَكَاةَ مَالِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ دَعْهُ وَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ زَكَاةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَبَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَأَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ زَكَاةَ مَالِهِ فَكَتَبَ عَامِلُ عُمَرَ إلَيْهِ يَذْكُرُ لَهُ ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ خُذْهَا مِنْهُ) .
زَكَاةُ مَا يُخْرَصُ مِنْ ثِمَارِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» ) .
ــ
[المنتقى]
يُرِيدُ صَدَقَةَ عَامَيْنِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ يُرِيدُ اسْتَطَابَهُ فَسَأَلَ مَنْ سَقَاهُ إيَّاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّبَنَ كَانَ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَلَعَلَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَحِلَّهَا؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّبَنُ أُعْطِيَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا فَلِذَلِكَ اسْتَقَاءَهُ عُمَرُ ﵁، وَإِنَّمَا اسْتَقَاءَهُ لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ وَهُوَ لَا يَسْتَدِيمُ لَذَّتَهُ وَلَا يُسَوِّغُ نَفْسَهُ لَذَّةً أَصْلُهَا مَحْظُورٌ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِهَا قَصْدًا وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْوَرَعِ وَالتَّوَقِّي، وَإِنْ كَانَ الَّذِي سَقَاهُ إيَّاهُ عَبْدُهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ مَعَ ذَلِكَ وَأَوْصَلَهَا إلَى الْمَسَاكِينِ وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَلَبَ لَهُ هَذَا اللَّبَنَ مُسْتَحِقًّا لِلصَّدَقَةِ لَمَا حَرُمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ الْقَصْدُ إلَى شُرْبِهِ وَلَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْلُ اللَّحْمِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ بِالشُّرْبِ وَلَا فَائِدَةَ فِي أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْكِ الِانْتِفَاعِ بِهِ تَوَرُّعًا.
وَقَدْ سَأَلَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ مِثْلُ هَذَا أَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ عِيسَى نَعَمْ مَا أَحْسَنَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّنَاهِي فِي الْوَرَعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اللَّازِمُ لَهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِي وُجُوبِ دَفْعِهِ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جِهَادُهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِنْهُ وَهَكَذَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ لَمَّا مَنَعُوا الزَّكَاةَ جَاهَدَهُمْ عَلَيْهَا وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَوَابِ فِعْلِهِ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ هَاهُنَا بِالْفَرِيضَةِ الزَّكَاةَ خَاصَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ سَائِرَ الْحُقُوقِ الَّتِي يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَيْهِ أَنَّ رَجُلًا مَنَعَ الزَّكَاةَ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ لِلْعَامِلِ وَالْوَالِي مِنْ مُطَالَعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا يَحْدُثُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَأَخْذِ رَأْيِهِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَمَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَعْهُ وَلَا تَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ تَلَطُّفٌ مِنْهُ ﵁ فِي إغْرَاءِ الرَّجُلِ الْمَانِعِ لِلزَّكَاةِ بِأَدَائِهَا وَتَوْبِيخًا لَهُ وَتَبْيِينًا لِقُبْحِ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ فِعْلُهُ فَلَمَّا عَلِمَ مِنْ حَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّهُ مِمَّنْ يُمَيِّزُ مِثْلَ هَذَا وَلَا يُزْجَرُ بِهِ وَلَا يَرْضَى بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ وَلَوْ أَصَرَّ هَذَا الْمَانِعُ لِلزَّكَاةِ عَلَى الْمَنْعِ وَتَمَادَى لَمَّا أَقَرَّهُ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَقَهَرَهُ عَلَى دَفْعِهَا وَلَوْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى قَتْلِهِ وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ حُسْنِ نَظَرِهِ وَاجْتِهَادِهِ وَتَلَطُّفِهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالتَّوْبِيخِ قَبْلَ الْجِهَادِ وَالْقَتْلِ وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَعِظَهُ الْوَالِي وَيُوَبِّخَهُ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْمَنْعِ أَجْبَرَهُ عَلَى أَخْذِهَا مِنْهُ وَهَذَا فِيمَا إلَى الْإِمَامِ قَبْضُهُ مِنْ الْحَبِّ.
[زَكَاةُ مَا يُخْرَصُ مِنْ ثِمَارِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ -
стр. 521
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ النَّخْلِ الْجُعْرُورُ وَلَا مُصْرَانُ الْفَأْرَةِ وَلَا عَذْقُ بْنُ حُبَيْقٍ قَالَ وَهُوَ يُعَدُّ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ الْغَنَمُ تُعَدُّ عَلَى صَاحِبِهَا بِسِخَالِهَا وَالسَّخْلُ لَا يُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ ثِمَارٌ لَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْهَا مِنْ ذَلِكَ الْبُرْدِيُّ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا تُؤْخَذُ مِنْ أَدْنَاهُ كَمَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ خِيَارِهِ قَالَ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَاطِ الْمَالِ) .
ــ
[المنتقى]
«فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ» مَا سَقَتْ السَّمَاءُ هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَقْيٌ إلَّا بِالْمَطَرِ وَمَا سَقَتْ الْعُيُونُ فَهُوَ مَا سُقِيَ بِالْعُيُونِ الْجَارِيَةِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الَّتِي لَا يَتَكَلَّفُ فِي رَفْعِ مَائِهَا آلَةً وَلَا عَمَلًا وَهُوَ السَّيْحُ وَأَمَّا الْبَعْلُ فَقَالَ أَبُو دَاوُد الْبَعْلُ مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَنْشَدَ
مِنْ الْوَارِدَاتِ الْمَاءَ بِالْقَاعِ تُسْتَقَى ... بِأَعْجَازِهَا قَبْلَ اسْتِقَاءِ الْحَنَاجِرِ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أُصُولَهَا تَصِلُ إلَى الْمِيَاهِ تَحْتَ الْأَرْضِ فَيَقُومُ لَهَا مَقَامَ السَّقْيِ وَلَا تَحْتَاجُ أَنْ تُسْقَى بِمَا يَنْزِلُ إلَى عُرُوقِهَا مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْبَعْلُ مَا شَرِبَ بِعُرُوقِهِ مِنْ غَيْرِ سَقْيِ سَمَاءٍ وَلَا غَيْرِهَا وَالسَّيْحُ مَا سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَهَذَا شَيْءٌ لَا أَرَاهُ يَكُونُ إلَّا بِمَطَرٍ إلَّا أَنَّهَا عَلَى كُلٍّ يَأْخُذُهَا سَقْيُ النِّيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَهَذَا فِيهِ الْعُشْرُ لِقِلِّهِ مُؤْنَةِ سَقْيِهِ وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ الرَّشُّ وَالصَّبُّ فَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ هُوَ مَا يُسْقَى بِمَا يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْآبَارِ بِالْغَرْبِ أَوْ بِالسَّانِيَةِ وَيُسْتَخْرَجُ مِنْ الْأَنْهَارِ بِآلَةٍ فَفِي هَذَا نِصْفُ الْعُشْرِ لِكَثْرَةِ مُؤْنَتِهِ وَهَذَا أَصْلٌ فِي أَنَّ لِشِدَّةِ النَّفَقَةِ وَخِفَّتِهَا تَأْثِيرًا فِي الزَّكَاةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ سَقَى حَبَّهُ أَوْ ثَمَرَتَهُ فِي جَمِيعِ عَامِهِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ، وَإِنْ اخْتَلَفَ أَمْرُهُ فَكَانَ مَرَّةً يُسْقَى بِالنَّضْحِ وَمَرَّةً بِمَاءِ السَّمَاءِ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ فَإِنْ تَسَاوَى الْأَمْرُ فِيهِمَا كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَكْثَرَ كَانَ حُكْمُ الْأَقَلِّ تَبَعًا لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ التَّتَبُّعَ لَهُ يَشُقُّ وَالتَّقْدِيرُ يَتَعَذَّرُ وَالزَّكَاةُ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَ الْمَشَقَّةِ فِي مُرَاعَاتِهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا: مَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَا حَيَا بِهِ الزَّرْعُ وَتَمَّ، وَإِنْ كَانَ الْأَقَلَّ قَالَ وَوَجْهُهُ بِالسَّقْيِ كَمَالُ الزَّرْعِ وَانْتِهَاؤُهُ إلَى حَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ إلَّا فِيمَا يَحْيَا الزَّرْعُ بِهِ أَوْ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ قَالَ وَالْأُصُولُ تَشْهَدُ بِمَا قُلْنَاهُ يُدَايِنُ غُرَمَاءَهُ فِي سَقْيِ زَرْعِهِ وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ ثُمَّ يُفْلِسُ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِآخِرِهِمْ نَفَقَةً؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَحْيَا الزَّرْعَ بِنَفَقَتِهِ وَسَقْيِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يُؤْخَذُ فِي صَدَقَةِ النَّخْلِ الْجُعْرُورُ وَلَا مُصْرَانُ الْفَأْرَةِ وَلَا عَذْقُ ابْنِ حُبَيْقٍ هَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنْ رَدِيءِ التَّمْرِ فَنَهَى أَنْ تُخْرَجَ فِي زَكَاةِ التَّمْرِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّمْرَ الْمُزَكَّى لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَوْنًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لَوْنًا وَاحِدًا وَكَانَ مِنْ وَسَطِ التَّمْرِ أَدَّى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَدِيءِ التَّمْرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّأِ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَشْتَرِيَ الْوَسَطَ مِنْ التَّمْرِ فَيُؤَدِّيَ عَنْ زَكَاةِ هَذَا الرَّدِيءِ وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُؤَدِّي مِنْهُ وَلَيْسَ هَذَا كَالْمَاشِيَةِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ نَافِعٍ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذَا مَالٌ يَقْتَضِي زَكَاتَهُ الْإِمَامُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْرِجَ فِي زَكَاتِهِ الرَّدِيءَ مِنْهُ كَالْمَاشِيَةِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مَالٌ يُزَكَّى بِالْجُزْءِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاتَهُ مِنْهُ رَدِيئًا كَانَ أَوْ جَيِّدًا كَالْعَيْنِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاشِيَةِ أَنَّ الزَّكَاةَ تُجْلَبُ إلَى مَنْ تُدْفَعُ إلَيْهِ وَتُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ وَالْمَاشِيَةُ لَا مُؤْنَةَ فِي حِمْلِ الْوَسَطِ مِنْهَا فَلَوْ أُجِيزَ فِيهَا الْمَرِيضُ وَالْأَعْرَجُ لَمَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ التَّمْرُ جَيِّدًا كُلُّهُ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ أَنَّهُ يَأْتِي بِالْوَسَطِ وَيُجْزِئُهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْجَيِّدُ وَهَذَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْجَيِّدِ وَالْقَوْلَانِ
стр. 522
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُخْرَصُ مِنْ الثِّمَارِ إلَّا النَّخِيلُ وَالْأَعْنَابُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْرَصُ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ وَذَلِكَ أَنَّ ثَمَرَ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ يُؤْكَلُ رُطَبًا وَعِنَبًا فَيُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ لِلتَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ وَلِئَلَّا يَكُونَ عَلَى أَحَدٍ فِي ذَلِكَ ضِيقٌ فَيُخْرَصُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ كَيْفَ شَاءُوا وَيُؤَدُّونَ مِنْهُ الزَّكَاةَ عَلَى مَا خُرِصَ عَلَيْهِمْ) .
ــ
[المنتقى]
مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ أَنْوَاعُ التَّمْرِ كَثِيرَةً فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ يُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ أَوْسَطِهِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ يُؤَدِّي مِنْ كُلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِهِ.
فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا مَبْنِيًّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ الْمُتَقَدِّمَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَنْوَاعَ إذَا كَثُرَتْ لَحِقَتْ الْمَشَقَّةُ فِي إخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَشَقَّ حِسَابُ ذَلِكَ وَتَمْيِيزُهُ فَكَانَ الْأَعْدَلُ الرُّجُوعَ إلَى وَسَطِ ذَلِكَ وَيَلْزَمُ ابْنَ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ فِي الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِثْلَهُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا مَالٌ يُخْرَجُ زَكَاتُهُ بِالْجُزْءِ مِنْهُ وَلَا مَضَرَّةَ فِي قِسْمَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُخْرَجَ زَكَاةُ كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ جُزْءًا وَاحِدًا أَوْ جُزْأَيْنِ.
(فَرْعٌ) وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأَنْوَاعُ مُتَسَاوِيَةً فَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ هُوَ الْأَكْثَرَ وَسَائِرُهَا الْأَقَلَّ فَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ الْكَثِيرِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَقَلِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُوَ يُعَدُّ عَلَى رَبِّ الْمَالِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ فِي الصَّدَقَةِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُقْبَلُ فِي الصَّدَقَةِ وَيُكَلَّفُ صَاحِبُهُ الْوَسَطَ فَإِنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الزَّكَاةُ وَصَرَّحَ مَالِكٌ بِقِيَاسِ ذَلِكَ عَلَى الْغَنَمِ فَقَالَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْغَنَمِ تُعَدُّ عَلَى أَصْحَابِهَا بِسِخَالِهَا وَلَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تَمْرٍ فِيهِ الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ وَالْوَسَطُ فَيُؤَدِّي الزَّكَاةَ مِنْ وَسَطِهِ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ الْجَيِّدِ وَلَا مِنْ الرَّدِيءِ، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ عَلَى أَرْبَابِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ جَيِّدٌ كُلُّهُ أَوْ رَدِيءٌ كُلُّهُ أُخِذَ مِنْهُ وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَسَطِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ فِي الصَّدَقَةِ فِي التَّمْرِ فِي الْجُمْلَةِ لِمَنْ كَانَ تَمْرُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَمْرُهُ كُلُّهُ جَيِّدًا وَرَدِيئًا فَيَأْتِي بِالْوَسَطِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْجَيِّدِ أَوْ الرَّدِيءِ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمَا قَاسَهُ عَلَى الْمَاشِيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ وَيَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ ثِمَارٌ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهَا عَنْهَا الْبَرْنِيُّ وَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ أَنْوَاعِ التَّمْرِ، ثُمَّ قَالَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ رَدِيئِهِ كَمَا لَا يُؤْخَذُ مِنْ جَيِّدِهِ، وَإِنَّمَا الصَّدَقَةُ مِنْ أَوْسَطِ الْمَالِ.
وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ الْعَجْوَةُ مِنْ وَسَطِ التَّمْرِ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ النَّخِيلَ وَالْكُرُومَ تُخْرَصُ عِنْدَ مَالِكٍ دُونَ سَائِرِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّمَارِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَى «أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَلَمَّا جَاءَ وَادِي الْقُرَى إذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ أَخَرِصُوا وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ أَوْسُقٍ فَقَالَ لَهَا أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَمَّا رَجَعَ إلَى وَادِي الْقُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُك قَالَتْ عَشَرَةُ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » وَدَلِيلُنَا مَا رَوَى عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ كَمَا يُخْرَصُ النَّخِيلُ فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَمَا تُؤْخَذُ صَدَقَةُ النَّخْلِ تَمْرًا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي هَذِهِ الثِّمَارِ إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِأَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهَا مِنْهَا رُطَبًا وَعِنَبًا وَيَبِيعُونَ وَيُعْطُونَ وَيَتَصَرَّفُونَ فَإِنْ أَبَحْنَا ذَلِكَ لَهُمْ دُونَ خَرْصٍ أَتَى عَلَى التَّمْرَةِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمَسَاكِينِ مَا يُزَكَّى إلَّا الْيَسِيرُ فَيَضُرُّ ذَلِكَ بِهِمْ، وَإِنْ مَنَعْنَا أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ التَّصَرُّفَ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يَيْبَسَ أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ فَكَانَ وَجْهُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يُخْرَصَ الْأَمْوَالُ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَرْبَابِهَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا وَيَأْخُذُونَ مِنْ الزَّكَاةِ
стр. 523
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ رَطْبًا، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ مِنْ الْحُبُوبِ كُلِّهَا فَإِنَّهَا لَا تُخْرَصُ، وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا إذَا حَصَدُوهَا وَدَقُّوهَا وَطَيَّبُوهَا وَخَلَصَتْ حَبًّا فَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا الْأَمَانَةُ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا إذَا بَلَغَ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا) .
ــ
[المنتقى]
بِمَا تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ فِي الْخَرْصِ فَيَصِلُونَ هُمْ إلَى الِانْتِفَاعِ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى عَادَتِهِمْ وَيَصِلُ الْمَسَاكِينُ إلَى حَقِّهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ يُخْرَصُ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ وَذَلِكَ أَنَّ النَّخِيلَ وَالْعِنَبَ يُؤْكَلُ رَطْبًا فَهَذَا عَلَى مَا قَالَ إنَّ وَقْتَ الْخَرْصِ هُوَ إذَا بَدَا صَلَاحُهُ فِي الثَّمَرَةِ وَوَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَلَوْ وُجِدَ جَمِيعُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُ تَنَاهِي عِظَمِهَا وَتَمَكُّنِ خَرْصِهَا وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يَتَأَتَّى خَرْصُهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَعْنَى الْخَرْصِ أَنْ يُحْزَرَ مَا يَكُونُ فِي هَذِهِ النَّخْلَةِ مِنْ التَّمْرِ الْيَابِسِ عِنْدَ الْجَدَادِ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ التَّمْرِ وَجِنْسِهِ وَمَا عُلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ الْإِثْمَارِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُ تَمْرًا وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنْ يُخْرَجَ فِيهَا الثَّمَرُ أَوْ الرُّطَبُ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْخَرْصِ فِي هَذَا النَّوْعِ إلَّا فِي مَعْرِفَةِ النِّصَابِ خَاصَّةً.
(فَرْعٌ) وَمَتَى يُقَوَّمُ هَذَا النَّوْعُ عَلَيْهِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤَدِّي مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ فَإِنْ أَكَلَهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي قِيمَتَهُ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَدِمَ عَلَيْهِ عِنْدَ إزْهَائِهِ لَوَجَبَ أَنْ يُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ عَلَى تِلْكَ الْقِيمَةِ وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ ثَمَنٍ أَوْ نَقْصِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الْأَظْهَرُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ تَقْوِيمَهُ يَتَأَتَّى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيَحْتَاجُ مِنْ التَّحَرُّزِ فِيهِ لِلْمَسَاكِينِ وَإِبَاحَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ مِثْلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّخْلُ الَّذِي يُثْمِرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَصِفَةُ الْخَرْصِ أَنْ يَخْرُصَ الْحَائِطَ نَخْلَةً نَخْلَةً فَإِذَا كَمَّلَ خَرْصَهُ أَضَافَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ إلَى الْإِصَابَةِ وَأَمْكَنُ لِلْحَزْرِ فَإِذَا كَثُرَ النَّخْلُ مَعَ اخْتِلَافِهَا شَقَّ الْحَزْرُ وَكَثُرَ الْوَهْمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَلْ يُخَفَّفُ فِي الْخَرْصِ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُلْغَى لَهُ شَيْءٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَيُوَسَّعُ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هَذَا خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا تَقْدِيرٌ لِلْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ تَخْفِيفٌ كَعَدِّ الْمَاشِيَةِ وَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا الثُّلُثَيْنِ وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التَّخْفِيفَ فِي الْأَمْوَالِ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ الْمِسْكِينُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُطْعِمَهُ وَيُهْدِيَ إلَيْهِ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَسْلَمَ حَائِطٌ مِنْ أَكْلِ طَائِرٍ وَأَخْذِ إنْسَانٍ مَارٍّ فَيُخَفَّفُ عَنْهُ لِهَذَا الْمَعْنَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَجُوزُ أَنْ يُرْسَلَ فِيهَا الْخَارِصُ الْوَاحِدُ خِلَافًا لِأَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ» الْحَدِيثُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْخَارِصَ حَاكِمٌ لِجِنْسِ الْعَيْنِ الْمَحْكُومِ فِيهَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا وَأَمَّا الْمُحَكِّمَانِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمَا يَخْرُجَانِ عَنْ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا فَأَشْبَهَا الْمُقَوِّمِينَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَيُخْرَصُ عَلَيْهِمْ وَيُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ كَيْفَ شَاءُوا يُرِيدُ أَنَّ الْخَارِصَ قَدْ قَدَّرَ مَا يَجِبُ فِي ثِمَارِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ فَسَلَّمَ إلَيْهِمْ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَيَأْخُذُونَ مِنْ الزَّكَاةِ بِمَا قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ الْخَارِصُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَضْمُونٍ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَعَ السَّلَامَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ
стр. 524
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ النَّخْلَ يُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهِ وَثَمَرُهُ فِي رُءُوسِهِ إذَا طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ وَتُؤْخَذُ مِنْهُ صَدَقَتُهُ ثَمَرًا عِنْدَ الْجَدَادِ فَإِنْ أَصَابَتْ التَّمْرَ جَائِحَةٌ بَعْدَ أَنْ يُخْرَصَ عَلَى أَهْلِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُجَدَّ فَأَحَاطَتْ الْجَائِحَةُ بِالتَّمْرِ كُلِّهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةٌ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ التَّمْرِ شَيْءٌ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ أُخِذَ مِنْهُمْ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَصَابَتْ الْجَائِحَةُ زَكَاةٌ قَالَ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الْكَرْمِ أَيْضًا) .
ــ
[المنتقى]
رَطْبًا، وَإِنَّمَا يُؤْكَلُ يَابِسًا بَعْدَ حَصَادِهِ فَإِنَّهُ لَا يُخْرَصُ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ إنَّمَا هُوَ لِحَاجَةِ انْتِفَاعِ أَهْلِهَا بِهَا رَطْبًا وَهَذِهِ لَا تُؤْكَلُ رَطْبَةً فَتَحْتَاجُ إلَى الْخَرْصِ، وَلِأَنَّ النَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ ثِمَارُهَا بَارِزَةٌ ظَاهِرَةٌ عَنْ أَكْمَامِهَا فَيَتَهَيَّأُ فِيهَا الْخَرْصُ وَهَذِهِ ثَمَرَتُهَا وَحُبُوبُهَا مُتَوَارِيَةٌ فِي أَوْرَاقِهَا فَلَا يَتَهَيَّأُ فِيهَا الْخَرْصُ.
(فَصْلٌ) :
وَقُلْنَا إنَّمَا هِيَ عَلَى أَهْلِهَا إذَا حَصَدُوهَا وَدَقُّوهَا وَطَيَّبُوهَا وَخَلَصَتْ حَبًّا يُرِيدُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهَا وَعَلَيْهِمْ تَنْقِيَتُهَا وَتَصْفِيَتُهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَتَخْلِيصُهَا إلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ وَالِاقْتِيَاتِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ مِنْ زَكَاتِهَا شَيْءٌ لِأَجْلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا رَوَاهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ ﵀.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إلَّا عَلَيْهَا وَعَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ كَانُوا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التِّينَ وَالْعَذْقَ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَيَجِبُ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ تَمْيِيزُ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهَا وَمَا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي زَيْتِهِ مِنْ الْحُبُوبِ فَإِنَّ عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ تَخْلِيصَهُ زَيْتًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ حَالُ ادِّخَارِهِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَلِأَنَّ ثُفْلَهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَمْيِيزُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ " وَإِنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا الْأَمَانَةُ يُؤَدُّونَ زَكَاتَهَا إذَا بَلَغَ ذَلِكَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ مُؤْتَمَنُونَ فِي مَبْلَغِهَا وَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا فَإِذَا قَالُوا قَصَرَتْ عَنْ النِّصَابِ ائْتَمَنُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ الزَّكَاةُ، وَإِنْ قَالُوا قَدْ بَلَغَتْ النِّصَابَ وَمَبْلَغُهَا كَذَا ائْتَمَنُوا فِي ذَلِكَ وَأُخِذَتْ مِنْهُمْ الزَّكَاةُ عَلَى حَسَبِ مَا أَقَرُّوا بِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَلَى رَبِّ الزَّيْتُونِ وَالْحُبُوبِ أَنْ يَحْتَسِبَ فِي ذَلِكَ بِمَا اسْتَأْجَرَ بِهِ مِنْهُ وَبِمَا عَلَفَ وَأَكَلَ فَرِيكًا مِنْ الْحَبِّ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ تَخْلِيصُهَا بِمَالِهِ فَمَا اسْتَأْجَرَ بِهِ عَلَى تَخْلِيصِهَا مِنْهُ فَهُوَ مِنْ حِصَّتِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ النَّخِيلَ تُخْرَصُ عَلَى أَهْلِهَا إذَا بَدَا صَلَاحُهَا وَحَلَّ بَيْعُهَا وَتُؤْخَذُ مِنْهُ يُرِيدُ مِنْ ثَمَرِ النَّخْلِ صَدَقَتُهُ تَمْرًا عِنْدَ الْجَدَادِ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي عَيْنِ الثَّمَرَةِ فَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يَشْتَرِيَ عِنْدَ الْخَرْصِ مِنْ غَيْرِهَا وَيَأْتِيَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْجَائِحَةَ قَدْ تَأْتِي عَلَى الثَّمَرَةِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَالنَّخِيلُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ يُثْمِرُ وَضَرْبٌ لَا يُثْمِرُ فَأَمَّا مَا يُثْمِرُ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِزَكَاتِهِ تَمْرًا سَوَاءٌ أَكَلَهُ أَوْ بَاعَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ قِيلَ يُخْرِجُ مِنْ ثَمَنِهِ وَقِيلَ مِنْ مِثْلِهِ قَالَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ جَعَلَ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ ثَمَنِهِ عَلَى رِوَايَةٍ فِي إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَوَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَهُ بِأَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ مِنْ عَيْنِهَا قَدْ فَاتَ بَيْعُهَا وَالثَّمَنُ بَدَلٌ مِنْهَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ التَّمْرِ وَالْحَبِّ عَيْنًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَا تُجْزِئُهُ فِي فِطْرَةٍ وَلَا كَفَّارَةِ يَمِينٍ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِئُ ذَلِكَ فِي زَكَاةِ الْحَبِّ وَالْمَاشِيَةِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَضَعُهَا مَوْضِعَهَا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يُجْزِهِ أَخْذُ ذَلِكَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَ أَصْبَغُ وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافٍ يُجْزِي مَا أَخَذَ كَرْهًا وَبِهِ كَانَ يُفْتِي ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَدْلًا جَازَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ جَائِرًا لَمْ يَجُزْ حُكْمُهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ تَسْلِيمُ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ إلَى الْإِمَامِ إذَا طَلَبُوا، وَإِنْ وَضَعَهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا بِحُكْمِ الطَّاعَةِ الْوَاجِبَةِ لَهُ فَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ قِيمَتَهَا وَوُجُوبُ تَسْلِيمِهَا يَتَضَمَّنُ إجْزَاءَهَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَقَالَ أَصْبَغُ مَنْ
стр. 525
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ قِطَعُ أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ إشْرَاكٌ فِي أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ لَا يَبْلُغُ مَالُ كُلِّ شَرِيكٍ مِنْهُمْ أَوْ قِطْعَتُهُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَكَانَ إذَا جَمَعَ بَعْضَ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ يَبْلُغُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ
ــ
[المنتقى]
أَخْرَجَ عَنْ الْحَبِّ عَيْنًا أَوْ عَنْ الْعَيْنِ حَبًّا أَجْزَأَهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ وَمَا أُحِبُّ ذَلِكَ لَهُ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَهَذَا بَيِّنٌ فِي تَجْوِيزِ إخْرَاجِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ تَكَرَّرَ الْقَوْلُ فِيهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَهَذَا إذَا عَلِمَ مَبْلَغَهَا فَإِذَا بَاعَهَا وَجَهِلَ مَبْلَغَهَا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَرِّي فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُخْرِجُ مِنْ ثَمَنِهَا وَأَمَّا إذَا أَكَلَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ تَمْرًا وَيَتَحَرَّى مَا أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ بَدَلٌ مِنْ ثَمَنٍ وَلَا غَيْرِهِ يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَتَحَرَّى الْقِيمَةَ بَعْدَ تَحَرِّي الْكَيْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ النَّخْلُ لَا يَتَتَمَّرُ وَالْعِنَبُ لَا يَتَزَبَّبُ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ وَابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ إنْ وَجَدَ الزَّبِيبَ بِالْبَلَدِ أَخْرَجَ عَنْهُ الزَّبِيبَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ أَخْرَجَ عَنْهُ عِنَبًا مِنْهُ أَجْزَأَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُخْرِجُ عُشْرَ ثَمَنِهِ أَوْ نِصْفَ عُشْرِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ هَذَا عِنَبٌ فَكَانَتْ زَكَاتُهُ زَبِيبًا كَالْمُتَزَبِّبِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ زَكَاةَ التَّمْرِ وَالْحَبِّ عِنْدَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنْ تُخْرَجَ مِنْهُ جَيِّدَةً كَانَتْ أَوْ رَدِيئَةً فَإِذَا كَانَ لَا يَتَزَبَّبُ فَلَا يَلْزَمُ إخْرَاجُ غَيْرِهِ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعِنَبَ لَا يُخْرَجُ فِي الزَّكَاةِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ إخْرَاجُ الزَّبِيبِ عَنْ الْحَدِيقَةِ لِتَعَذُّرِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبِ صَاحِبِهَا وَجَبَ بَدَلُهَا وَهُوَ الثَّمَنُ أَوْ الْقِيمَةُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ بَعْدَ الْخَرْصِ وَقَبْلَ الْجَدَادِ وَأَحَاطَتْ بِالثَّمَرَةِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا أَصَابَ مِنْ الْجَوَائِحِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: قَبْلَ الْخَرْصِ.
وَالثَّانِي: بَيْنَ الْخَرْصِ وَالْجَدَادِ.
وَالثَّالِثُ: بَعْدَ الْجَدَادِ.
فَأَمَّا مَا كَانَ قَبْلَ الْخَرْصِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْخَرْصَ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ وَأَمَّا مَا كَانَ بَيْنَ الْخَرْصِ وَالْجَدَادِ فَإِنَّهُ يُبْطِلُ حُكْمَ الْخَرْصِ وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ بَعْدَ تَقْدِيرِهَا بِالْخَرْصِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالْخَرْصِ بِشَرْطِ وُصُولِ الثَّمَرَةِ إلَى أَرْبَابِهَا فَإِذَا أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ جَائِحَةٌ قَصُرَتْ بِهَا عَنْ النِّصَابِ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى صَاحِبِهَا مِنْهَا نِصَابٌ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يُخْرِجَ الْحَائِطُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ نَقَصَ الثَّمَرُ عَنْ الْخَرْصِ مِنْ غَيْرِ جَائِحَةٍ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا خُرِصَ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ إذَا كَانَ الَّذِي خَرَصَ عَلَيْهِ عَالِمًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ أَخْرَجَ الزِّيَادَةَ وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِنْ رَأْيِهِ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ وَلَهُ النَّقْصُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْخَرْصَ حُكْمٌ بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَمُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ فَلَا يُنْقَضُ بِقَوْلِ رَبِّ الْمَالِ وَدَعْوَاهُ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى اللُّزُومِ وَلَوْ رَجَعَ إلَى قَوْلِ رَبِّ الْحَائِطِ لَمْ يَكُنْ لِلْخَرْصِ مَعْنًى.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ الْحَائِطَ غَيْرَ مَا خَرَصَ بِهِ الْخَارِصُ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُنْقَضَ حُكْمُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا مَا أَصَابَتْ الثَّمَرَةَ مِنْ الْجَائِحَةِ بَعْدَ الْجَدَادِ فَإِنْ كَانَ قَدْ ضَمِنَهَا رَبُّ الْحَائِطِ بِتَعَدِّيهِ لَزِمَهُ غُرْمُهَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهَا.
وَجْهُ التَّعَدِّي فِيهَا أَنْ يُدْخِلَ التَّمْرَ بَيْتَهُ فَهَذَا قَدْ تَعَدَّى عَلَيْهِ بِنَقْلِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ تَخْتَصُّ بِالثَّمَرَةِ فَأَمَّا إذَا جَمَعَهُ فِي جَرِينِهِ فَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ مِنْهُ وَتَرَكَهَا فِي الْجَرِينِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٌ فَضَاعَتْ الزَّكَاةُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ السَّاعِي فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا فِي الْجَرِينِ وَجَمْعَهَا فِيهِ يَعُودُ بِمَنْفَعَةِ التَّمْرِ فِي تَيْبِيسِهِ وَكَمَالِهِ وَهُوَ مِمَّا يَلْزَمُ بِهَا الْحَائِطَ فِعْلُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ ضَمَانُ وَقِسْمَةُ التَّمْرِ وَإِخْرَاجُ زَكَاتِهِ مِمَّا لَهُ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُخَزِّنَ حِصَّتَهُ وَيَشْرَعَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا وَالِاقْتِيَاتِ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهَا بِتَأْخِيرِ السَّاعِي فَكَانَتْ الْقِسْمَةُ مُبَاحَةً لَهُ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَاشِيَةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَبْرَزَ زَكَاةَ مَاشِيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ السَّاعِي فَهَلَكَتْ لَأَخَذَ مِنْهُ السَّاعِي الزَّكَاةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْخَرْصَ فِي التَّمْرِ قَدْ قَرَّرَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْهُ وَكَلَّفَهُ بِتَبْلِيغِهِ حَدَّ الِاقْتِيَاتِ وَلَا يَصِلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِحِصَّتِهِ بَعْدَ هَذَا إلَّا بِالْقِسْمَةِ.
стр. 526
فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا وَيُؤَدِّي زَكَاتَهَا) .
زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الزَّيْتُونِ فَقَالَ فِيهِ الْعُشْرُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ قِطَعُ أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لَا يَبْلُغُ مَا يُقَوَّمُ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَإِذَا جُمِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِهَا كَانَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَهَا وَاحِدٌ كَالْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ إشْرَاكٌ فِي أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ شَرِيكٍ مِنْهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَلَا يَبْلُغُ مَالُ كُلِّ شَرِيكٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا كَانَ فِي جَمِيعِ حِصَّتِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى دُونَ إشْرَاكِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَلْزَمُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) وَإِنَّمَا يُجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا كَانَ فِي إبَّانٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُضَمُّ بِكْرُهُ إلَى مُؤَخَّرِهِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَرَضُونَ كَثِيرَةٌ وَزَرَعَ بَعْضَهَا فِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ وَبَعْضَهَا فِي آخِرِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ الَّتِي يُضَافُ إلَى الشِّتَاءِ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّيْفِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي يُزْرَعُ فِيهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَزَرَعَ فِي الصَّيْفِ صِنْفًا فَحَصَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَزَرَعَ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ فِي الشِّتَاءِ فَحَصَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا حَصَدَهُ فِي الصَّيْفِ كَانَ نِصَابًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِرَاعَتَانِ لَا تُضَافُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى فِي الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي عَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَتْ الزِّرَاعَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الصَّيْفِ وَالْأُخْرَى فِي الشِّتَاءِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُجْمَعُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا فِي الصَّيْفِ أَوْ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْمَعُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى قَالَ سَحْنُونٌ يُجْمَعَانِ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزِّرَاعَةَ الثَّانِيَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَذْرِ الْأُولَى فَلَا تُضَافُ إلَيْهَا وَلِذَلِكَ لَا يُضَافُ زَرْعُ عَامٍ إلَى عَامٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَيْنِ حَصَادَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
[زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَا شَيْءَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا يَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، وَالْحَقُّ هَاهُنَا هُوَ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَاجِبٌ غَيْرُهُ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَهَذَا عَامٌّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُقْتَاتٌ بِزَيْتِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسِّمْسِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي نِصَابِهِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَيْلِ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا فِي الْحَبِّ فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَقَدْ كَمُلَ النِّصَابُ وَإِذَا قَصَرَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ فَقَدْ قَصَرَ النِّصَابُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِإِخْرَاجِهِ زَيْتًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ دَفْعُهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ كَالتَّمْرِ وَالْحَبِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا السِّمْسِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ لِسَبَبِ زَيْتِهَا فَإِنْ عَصَرَهَا فَلَا
стр. 527
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَالْعُيُونُ وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَمَا يُسْقَى بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ زَيْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَمَرَّةً قَالَ: عَلَيْهِ الْعَصْرُ وَمَرَّةً قَالَ: يُخْرِجُ مِنْ الْحَبِّ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَبٌّ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ لِزَيْتِهِ فَلَمْ يُجْزِ رَبَّ الْمَالِ إلَّا إخْرَاجُ الزَّيْتِ كَالزَّيْتُونِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حَبٌّ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ غَالِبًا وَيُنْتَفَعُ بِهِ كَذَلِكَ فِي الزِّرَاعَةِ وَالْبَيْعِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ فَإِنَّمَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ غَالِبًا وَلَا يُزْرَعُ فَكَانَ السِّمْسِمُ أَشْبَهَ بِالْحَبِّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ حُكْمَ الزَّيْتُونِ فِي الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ حُكْمُ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ فَمَا كَانَ بَعْلًا أَوْ سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَقَوْلُ مَالِكٍ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْلَ عِنْدَهُ غَيْرُ مَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِي لَا تُسْرِعُ إلَيْهِ بِالْأَكْلِ إلَّا بَعْدَ عَمَلٍ وَتَغْيِيرٍ؛ لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ مَسْتُورَةٌ فِي الْوَرَقِ لَا يَكَادُ يَتَهَيَّأُ فِيهَا الْخَرْصُ عَلَى التَّحْقِيقِ بِخِلَافِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحُبُوبَ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ يُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ حُكْمِ السَّقْيِ وَالْبَعْلِ وَالنَّضْحِ مَا يُعْتَبَرُ فِي النَّخْلِ فَمَا كَانَ بَعْلًا أَوْ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبَعْلِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ يُعْتَبَرُ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا بَلَغَ الْحَبُّ ذَلِكَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَخْرَجَ مِنْ زَكَاتِهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ فِيهِ بَعْدَ النِّصَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا كُلِّهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا قَالَ: وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحُبُوبَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِاقْتِيَاتِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا قُوِّمَتْ فِي أَنْفَسِهَا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْهَا عَشْرَةَ أَصْنَافٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الزَّكَاةُ فِي التُّرْمُسِ وَزَادَ فِي الْمُخْتَصَرِ التُّرْمُسَ وَالْفُولَ وَالْحِمَّصَ وَالْبَسِيلَةَ وَزَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ الْكِرْسِنَّةَ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَشْقَالِيَةَ وَهِيَ الْعَلَسُ فَزَادُوا عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ سِتَّةَ أَصْنَافٍ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا وَهَذِهِ الْحُبُوبُ كُلُّهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْهَا مَا اعْتَادَ النَّاسُ اقْتِيَاتَهُ وَمِنْهَا مَا لَمْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ وَهُوَ الْكِرْسِنَّةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَدِ النَّاسُ أَكْلَهَا فِيمَا عَلِمْنَاهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُذْهِبَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَرَارَةِ بِالْعُصَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التُّرْمُسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّوَابِلِ زَكَاةٌ وَلَا الْفُسْتُقِ وَلَا الْقُطْنِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمَا عَلِمْت أَنَّ فِي حَبِّ الْقُرْطُمِ وَبِزْرِ الْكَتَّانِ زَكَاةٌ قِيلَ: إنَّهُ يُعْصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ كَثِيرٌ قَالَ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَثُرَ هَكَذَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِي بِزْرِ الْكَتَّانِ الزَّكَاةُ وَهُوَ أَعَمُّ نَفْعًا مِنْ زَيْتِ الْقُرْطُمِ وَقَالَ
стр. 528
(ص) (وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاتُهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ) .
(ص) : (وَقَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إنَّ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَقَدْ سَمِعْت مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا زَكَاةَ فِي بِزْرِ الْكَتَّانِ وَلَا زَيْتِهِ إذْ لَيْسَ بِعَيْشٍ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُون.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ قَوْلَهُمْ فِي مَبْلَغِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُخْرَصُ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يَغِيبُوا عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ كُلِّ إنْسَانٍ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(ص) (وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الزَّكَاةِ إلَى الْحَدِّ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِادِّخَارِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَا خُرِصَ عَلَيْهِمْ نَخِيلُهُمْ وَعِنَبُهُمْ وَلَقُوسِمُوا فِيهَا وَلَكِنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ فَعَلَيْهِمْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا حَتَّى يَخْلُصَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ: كَمْ خَلَصَ مِنْ زَيْتِ هَذَا الزَّيْتُونِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُهُ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ عَلَى حَسْبِ سَقْيِهِ وَيُصَدَّقُونَ فِيمَا قَالُوا عَنْ مَبْلَغِهِ وَقَوْلُهُ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَ مِنْهُ فِي زَكَاةِ الزَّيْتُونِ سُؤَالَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِهِ كَمْ مَبْلَغُ زَيْتُونِك؟ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَصَرَ عَنْ النِّصَابِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: بَلَغَ النِّصَابَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ سُئِلَ سُؤَالًا ثَانِيًا كَمْ أُخْرِجَ لَهُ مِنْ الزَّيْتِ إنْ كَانَ عَصَرَهُ؟ فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ سُئِلَ كَمْ يُخْرِجُ مِثْلُهُ مِنْ الزَّيْتِ؟ أَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ؟ .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ زَرْعَهُ بَعْدَ يُبْسِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِهِ حِينَ صَارَ فِيهِ الْحَبُّ فَهُوَ حِينَ بَاعَ الزَّرْعَ بَاعَ حَظَّهُ وَحَظَّ الْمَسَاكِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِ حَظِّ الْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوُجُوبِ بِالْمَالِ عِنْدَهُ فَإِنْ أَعْدَمَ الْبَائِعُ وَقَدْ أَتْلَفَ حَظَّ الْمَسَاكِينِ فَلَا يَخْلُو: أَنْ يُوجَدَ الطَّعَامُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ أَمْ لَا، فَإِنْ وُجِدَ بِيَدِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُتْبَعُ الْبَائِعُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَإِنَّمَا أُجِيزَ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ فَإِذَا لَمْ يُوصَلْ إلَيْهِمْ الْعِوَضُ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِعَيْنِ الْمَالِ حَيْثُ وُجِدَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ مُبَاحٌ لَهُ الْبَيْعُ كَأَبِي الصَّبِيِّ يَبِيعُ مَالَهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا حَقَّ لِلْوَلَدِ فِيهِ وَإِنْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا بَاعَ رَبُّ الزَّرْعِ زَرْعَهُ قَائِمًا فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْرِفُ مَبْلَغَهُ لِيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ وَيَأْتَمِنُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُزَكِّي عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ الطُّرُقِ الَّتِي يَجِدُهَا إلَى مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيهِ بِأَنْ يُؤْثِمَ نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ غَيْرَ مُسْلِمٍ تَوَخَّى بِقَدْرِ الزَّرْعِ وَلَا يَأْخُذُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ غَيْرِ الْمُسْلِمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهُ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَهِيَ غُلُفُ حَبِّهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ غِنًى لَوْ سُقِيَ بِالْمَاءِ لَمْ يَنْفَعْهُ وَهَذَا انْتِهَاءُ يُبْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ حَقٌّ وَاجِبٌ يَوْمَ الْحَصَادِ غَيْرَ الزَّكَاةِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَقِّ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ الْمَأْمُورَ بِهِ يَوْمَ
стр. 529
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ (الثَّمَر أَوْ الزَّرْع) عَلَى الْبَائِعِ لَا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ) .
مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ إنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ مَا يَجِدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَمَا يَقْطُفُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ إنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى يَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقُطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
ــ
[المنتقى]
الْحَصَادِ هُوَ الزَّكَاةُ وَقَدْ أَيَّدَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِأَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلٌ قَدْ قِيلَ وَسَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَنْقُلُ مِثْلَ مَالِكٍ قَوْلُهُ: وَلَا يُرَجِّحُ بِهِ مَذْهَبَهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَقُولُ أَيُّهَا الزَّارِعُ أَدِّ حَقَّ مَا رَفَعْت وَيَا أَيُّهَا الْوَالِي لَا تَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّك فَتَكُونَ مِنْ الْمُسْرِفِينَ.
(ش) : هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِهِ حِينَ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهَا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا بِيعَتْ بِثَمَرِهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهَا إلَّا وَهِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُبْتَاعِ، وَأَمَّا الزَّرْعُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَّا مَعَ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ رَاعَى فِيهِ بَيْعَ الْأَرْضِ مَعَ الزَّرْعِ وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الْحَبُّ بِمِلْكِ الزَّرْعِ يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا لَكَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الزَّارِعِ دُونَ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الزَّرْعِ الَّذِي نَمَاؤُهُ الْحَبُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دُونَ الزَّارِعِ.
[مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ تَمْرٍ وَمِثْلِهِ مِنْ زَبِيبٍ وَمِثْلِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمِثْلِهِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ لِيَكْمُلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ مُتَبَايِنَةُ الْأَغْرَاضِ وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» وَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ فَلَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَإِنَّمَا عِنْدَهُ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ وَالْحِنْطَةُ وَالْقُطْنِيَّةُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُدَّ الرَّجُلُ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَلْوَانُهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْخَلْطَةَ بِالتَّمْرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ سَوَاءٌ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً وَيَجْتَمِعُ مِنْ جِنْسِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ فِيهَا وَالْمَنَافِعَ وَالْمَقَاصِدَ مُتَّفِقَةٌ وَمُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا بَيَّنَهَا كَمَا بَيَّنَ الذَّهَبَ الْجَيِّدَ وَالرَّدِيءَ وَالضَّأْنَ وَالْمَاعِزَ وَالْبُخْتَ وَالْعِرَابَ.
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْحِنْطَةَ تَجْمَعُ أَنْوَاعَهَا كُلَّهَا كَمَا تَجْمَعُ أَنْوَاعَ التَّمْرِ فَتُجْمَعُ الْمَحْمُولَةُ وَهِيَ الْبَيْضَاءُ إلَى السَّمْرَاءِ فَإِذَا بَلَغَتْ النِّصَابَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُجْمَعُ إلَى الْحِنْطَةِ الشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ لَا يَخْتَلِفُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا إنَّ الشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنْسٌ مُنْفَرِدٌ غَيْرُ الْحِنْطَةِ لَا تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُتَّجَهُ بَيْنَنَا فِي هَذَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافٌ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ فِي الْحُبُوبِ فَهُوَ يُزَكِّي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَنَا عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي أَشْيَاءَ وَلَيْسَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ أَنَّ الْقَطَانِيَّ فِي الْبُيُوعِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي الزَّكَاةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَقَدْ عَوَّلَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى فَصْلَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَشْيَاءَ أَعْنِي الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فِي الْمَنْبَتِ وَالْمِحْصَدِ فَكَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا كَالْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ مَنَافِعَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبَةٌ وَمَقَاصِدَهَا مُتَسَاوِيَةٌ فَحُكِمَ لَهَا بِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كَالسَّمْرَاءِ وَالْمَحْمُولَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁.
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ تَشَابُهُ الْحِنْطَةِ وَالسُّلْتِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُمَا أَقْرَبُ تَشَابُهًا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ وَقَدْ سَلَّمَ لَنَا الْمُخَالِفُ الْعَلَسَ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ السُّلْتِ وَإِذَا سَلَّمَ السُّلْتَ لَحِقَ بِهِ الشَّعِيرُ فَإِنَّ الْأُمَّةَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَقَائِلٌ يَقُولُ: إنَّهَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ فَمَنْ قَالَ إنَّ السُّلْتَ وَالْحِنْطَةَ صِنْفٌ وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصِّنْفِ لِتَحْتَمِلَ الْأَمْوَالُ الْمُوَاسَاةَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جِنْسٌ مِنْ الْمَالِ يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ أَدَّى زَكَاتَهُ، وَإِذَا قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِضِيقِ الْمَالِ عَنْ احْتِمَالِ الْمُوَاسَاةِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ الَّتِي عِنْدَهُ مَنْفَعَتُهَا وَاحِدَةً وَمُعْظَمُ مَقْصُودِهَا سَوَاءً احْتَمَلَتْ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَضِقْ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الزَّكَاةِ انْتِفَاعُهُ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ وَلَا ضَاقَ عَلَيْهِ جِنْسُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِمُوَاسَاتِهِ مِنْهَا بَلْ يَبْقَى عِنْدَهُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ وَلَا فَرْقَ فِيمَا يَعُودُ إلَى انْتِفَاعِهِ وَاسْتِضْرَارِهِ بِمَا يُخْرَجُ مِنْ الزَّكَاةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ فِي أَشْخَاصٍ مُتَّفِقَةَ الصُّورَةِ وَالْأَسْمَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَتَهَا وَلَوْ كَانَتْ الْأَسْمَاءُ مُتَّفِقَةً وَالْمَنَافِعُ مُخْتَلِفَةً لِاسْتِضْرَارِ انْتِفَاعِهِ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ نَوْعٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَا يَحْتَمِلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهَا الْمُوَاسَاةَ فَإِذَا أُخْرِجَ مِنْهَا مَعَ قِلَّتِهَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مِنْهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ أَنْوَاعُ مَنَافِعَ أُخَرَ تُوَافِقُ هَذِهِ فِي الْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَنَافِعِ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ التِّجَارَةَ وَالتَّصَرُّفَ لِلتَّنْمِيَةِ ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَالصُّوَرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَلَسُ فَهُوَ الْأَشْقَالِيَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ فِي الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ سَأَلْت ابْنَ كِنَانَةَ عَنْ الْأَشْقَالِيَةِ وَفَسَّرْنَا لَهُ أَمْرَهَا وَمَنْفَعَتَهَا هَلْ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ مَعَ الْقَمْحِ وَأَرَيْنَاهُ إيَّاهَا فَقَالَ: هَذَا صِنْفٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يُقَالُ لَهُ الْعَلَسُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ وَهُوَ يُجْمَعُ فِي الْحِنْطَةِ مَعَ الزَّكَاةِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ مَنْفَعَتَهُ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْقَمْحِ وَلَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ إنَّهُ لَا يُصْحَبُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ فِي الْوُجُودِ فَيُوجَدُ حَيْثُ يُعْدَمُ وَيُعْدَمُ حَيْثُ يُوجَدُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ لَا يُضَافُ إلَى شَيْءٍ وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ شَيْءٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ وَالذُّرَةَ وَالْأُرْزَ
следующие страницы →