Полный текст (2 236 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فَإِنَّهُ يَجْمَعُهَا وَيُؤَدِّي زَكَاتَهَا) .
زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الزَّيْتُونِ فَقَالَ فِيهِ الْعُشْرُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَمَا لَمْ يَبْلُغْ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ قِطَعُ أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ لَا يَبْلُغُ مَا يُقَوَّمُ مِنْهَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَإِذَا جُمِعَ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَمِيعِهَا كَانَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَهَا وَاحِدٌ كَالْمَاشِيَةِ وَالْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ إشْرَاكٌ فِي أَمْوَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ يَكُونُ الْمَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ شَرِيكٍ مِنْهُمْ عَلَى السَّوَاءِ وَلَا يَبْلُغُ مَالُ كُلِّ شَرِيكٍ مِنْهُمْ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا كَانَ فِي جَمِيعِ حِصَّتِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَمْوَالِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ زَكَّى دُونَ إشْرَاكِهِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ يَلْزَمُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَرْعٌ) وَإِنَّمَا يُجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مَا كَانَ فِي إبَّانٍ وَاحِدٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُضَمُّ بِكْرُهُ إلَى مُؤَخَّرِهِ فَإِذَا كَانَتْ لَهُ أَرَضُونَ كَثِيرَةٌ وَزَرَعَ بَعْضَهَا فِي أَوَّلِ الشِّتَاءِ وَبَعْضَهَا فِي آخِرِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الزِّرَاعَةِ الَّتِي يُضَافُ إلَى الشِّتَاءِ جَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الزَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّيْفِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي يُزْرَعُ فِيهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَزَرَعَ فِي الصَّيْفِ صِنْفًا فَحَصَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ وَزَرَعَ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ فِي الشِّتَاءِ فَحَصَدَ مِنْهُ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ إلَّا أَنَّهُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا حَصَدَهُ فِي الصَّيْفِ كَانَ نِصَابًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِرَاعَتَانِ لَا تُضَافُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى فِي الْوَقْتِ وَالْعَمَلِ فَلَا يُضَافُ إلَيْهَا فِي الزَّكَاةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي عَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا كَانَتْ الزِّرَاعَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ وَكَانَتْ إحْدَاهُمَا فِي الصَّيْفِ وَالْأُخْرَى فِي الشِّتَاءِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا تُجْمَعُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا فِي الصَّيْفِ أَوْ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْمَعُ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى قَالَ سَحْنُونٌ يُجْمَعَانِ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الزِّرَاعَةَ الثَّانِيَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَذْرِ الْأُولَى فَلَا تُضَافُ إلَيْهَا وَلِذَلِكَ لَا يُضَافُ زَرْعُ عَامٍ إلَى عَامٍ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَيْنِ حَصَادَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَضَمَّ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي أَرْضَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
[زَكَاةُ الْحُبُوبِ وَالزَّيْتُونِ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَلَا شَيْءَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا يَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] ، وَالْحَقُّ هَاهُنَا هُوَ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَاجِبٌ غَيْرُهُ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَهَذَا عَامٌّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُقْتَاتٌ بِزَيْتِهِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسِّمْسِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَيَبْلُغَ زَيْتُونُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي نِصَابِهِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَيْلِ لَا يَتَهَيَّأُ إلَّا فِي الْحَبِّ فَإِذَا بَلَغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَقَدْ كَمُلَ النِّصَابُ وَإِذَا قَصَرَ عَنْ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ فَقَدْ قَصَرَ النِّصَابُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِإِخْرَاجِهِ زَيْتًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ دَفْعُهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ مِنْهُ كَالتَّمْرِ وَالْحَبِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا السِّمْسِمُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ لِسَبَبِ زَيْتِهَا فَإِنْ عَصَرَهَا فَلَا
стр. 527
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالسُّنَّةُ عِنْدَنَا فِي الْحُبُوبِ الَّتِي يَدَّخِرُهَا النَّاسُ وَيَأْكُلُونَهَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِمَّا سَقَتْ السَّمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَالْعُيُونُ وَمَا كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَمَا يُسْقَى بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا زَادَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ بِحِسَابِ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ زَيْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْصِرْهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَمَرَّةً قَالَ: عَلَيْهِ الْعَصْرُ وَمَرَّةً قَالَ: يُخْرِجُ مِنْ الْحَبِّ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَبٌّ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهِ لِزَيْتِهِ فَلَمْ يُجْزِ رَبَّ الْمَالِ إلَّا إخْرَاجُ الزَّيْتِ كَالزَّيْتُونِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حَبٌّ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ غَالِبًا وَيُنْتَفَعُ بِهِ كَذَلِكَ فِي الزِّرَاعَةِ وَالْبَيْعِ، وَأَمَّا الزَّيْتُونُ فَإِنَّمَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ عَلَى هَيْئَتِهِ غَالِبًا وَلَا يُزْرَعُ فَكَانَ السِّمْسِمُ أَشْبَهَ بِالْحَبِّ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالزَّيْتُونُ بِمَنْزِلَةِ النَّخِيلِ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا فَفِيهِ الْعُشْرُ وَإِنْ كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ حُكْمَ الزَّيْتُونِ فِي الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ حُكْمُ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ فَمَا كَانَ بَعْلًا أَوْ سَقَتْهُ الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَقَوْلُ مَالِكٍ مَا كَانَ مِنْهُ سَقَتْهُ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبَعْلَ عِنْدَهُ غَيْرُ مَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يُخْرَصُ شَيْءٌ مِنْ الزَّيْتُونِ فِي شَجَرِهِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ لِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَلَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لِلْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّ الْأَيْدِي لَا تُسْرِعُ إلَيْهِ بِالْأَكْلِ إلَّا بَعْدَ عَمَلٍ وَتَغْيِيرٍ؛ لِأَنَّ ثَمَرَتَهُ مَسْتُورَةٌ فِي الْوَرَقِ لَا يَكَادُ يَتَهَيَّأُ فِيهَا الْخَرْصُ عَلَى التَّحْقِيقِ بِخِلَافِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحُبُوبَ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ يُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِهَا مِنْ حُكْمِ السَّقْيِ وَالْبَعْلِ وَالنَّضْحِ مَا يُعْتَبَرُ فِي النَّخْلِ فَمَا كَانَ بَعْلًا أَوْ حُكْمُهُ حُكْمَ الْبَعْلِ فَفِيهِ الْعُشْرُ، وَمَا كَانَ يُسْقَى بِالنَّضْحِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَالْوَسْقُ يُعْتَبَرُ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا بَلَغَ الْحَبُّ ذَلِكَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا أَخْرَجَ مِنْ زَكَاتِهِ بِحِسَابِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ فِيهِ بَعْدَ النِّصَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَالْحُبُوبُ الَّتِي فِيهَا الزَّكَاةُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْجُلَانُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا فَالزَّكَاةُ تُؤْخَذُ مِنْهَا كُلِّهَا بَعْدَ أَنْ تُحْصَدَ وَتَصِيرَ حَبًّا قَالَ: وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ وَيُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ مَا دَفَعُوا) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْحُبُوبَ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ بِاقْتِيَاتِهَا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا قُوِّمَتْ فِي أَنْفَسِهَا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَذَكَرَ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْهَا عَشْرَةَ أَصْنَافٍ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الزَّكَاةُ فِي التُّرْمُسِ وَزَادَ فِي الْمُخْتَصَرِ التُّرْمُسَ وَالْفُولَ وَالْحِمَّصَ وَالْبَسِيلَةَ وَزَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ الْكِرْسِنَّةَ وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّ الْأَشْقَالِيَةَ وَهِيَ الْعَلَسُ فَزَادُوا عَلَى مَا فِي الْمُوَطَّأِ سِتَّةَ أَصْنَافٍ وَهِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ الَّتِي تَصِيرُ طَعَامًا وَهَذِهِ الْحُبُوبُ كُلُّهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ مِنْهَا مَا اعْتَادَ النَّاسُ اقْتِيَاتَهُ وَمِنْهَا مَا لَمْ يَعْتَادُوا ذَلِكَ وَهُوَ الْكِرْسِنَّةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَدِ النَّاسُ أَكْلَهَا فِيمَا عَلِمْنَاهُ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُذْهِبَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَرَارَةِ بِالْعُصَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ التُّرْمُسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ التَّوَابِلِ زَكَاةٌ وَلَا الْفُسْتُقِ وَلَا الْقُطْنِ قَالَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمَا عَلِمْت أَنَّ فِي حَبِّ الْقُرْطُمِ وَبِزْرِ الْكَتَّانِ زَكَاةٌ قِيلَ: إنَّهُ يُعْصَرُ مِنْهَا زَيْتٌ كَثِيرٌ قَالَ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَثُرَ هَكَذَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ فِي بِزْرِ الْكَتَّانِ الزَّكَاةُ وَهُوَ أَعَمُّ نَفْعًا مِنْ زَيْتِ الْقُرْطُمِ وَقَالَ
стр. 528
(ص) (وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ زَرْعَهُ وَقَدْ صَلَحَ وَيَبِسَ فِي أَكْمَامِهِ فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اشْتَرَاهُ زَكَاتُهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَصْلُحُ بَيْعُ الزَّرْعِ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ) .
(ص) : (وَقَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إنَّ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَقَدْ سَمِعْت مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
ابْنُ الْقَاسِمِ لَا زَكَاةَ فِي بِزْرِ الْكَتَّانِ وَلَا زَيْتِهِ إذْ لَيْسَ بِعَيْشٍ وَقَالَهُ الْمُغِيرَةُ وَسَحْنُون.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالنَّاسُ مُصَدَّقُونَ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ قَوْلَهُمْ فِي مَبْلَغِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُخْرَصُ وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يَغِيبُوا عَلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مَعَ كُلِّ إنْسَانٍ مَنْ يَحْفَظُ عَلَيْهِ ذَلِكَ.
(ص) (وَسُئِلَ مَالِكٌ مَتَى يُخْرَجُ مِنْ الزَّيْتُونِ الْعُشْرُ أَوْ نِصْفُهُ أَقَبْلَ النَّفَقَةِ أَمْ بَعْدَهَا فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ وَيُصَدَّقُونَ بِمَا قَالُوا فِيهِ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَصَاعِدًا أُخِذَ مِنْ زَيْتِهِ الْعُشْرُ بَعْدَ أَنْ يُعْصَرَ وَمَنْ لَمْ يُرْفَعْ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِي زَيْتِهِ الزَّكَاةُ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يُنْظَرُ إلَى النَّفَقَةِ وَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِهَا وَذَلِكَ أَنَّ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ الزَّكَاةِ إلَى الْحَدِّ الَّذِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِادِّخَارِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لَمَا خُرِصَ عَلَيْهِمْ نَخِيلُهُمْ وَعِنَبُهُمْ وَلَقُوسِمُوا فِيهَا وَلَكِنْ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ إلَّا عَلَى هَيْئَةِ الِادِّخَارِ فَعَلَيْهِمْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا حَتَّى يَخْلُصَ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْهُ أَهْلُهُ كَمَا يُسْأَلُ أَهْلُ الطَّعَامِ عَنْ الطَّعَامِ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهُمْ: كَمْ خَلَصَ مِنْ زَيْتِ هَذَا الزَّيْتُونِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُهُ أَوْ نِصْفُ عُشْرِهِ عَلَى حَسْبِ سَقْيِهِ وَيُصَدَّقُونَ فِيمَا قَالُوا عَنْ مَبْلَغِهِ وَقَوْلُهُ فَمَنْ رُفِعَ مِنْ زَيْتُونِهِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ أُخِذَ مِنْهُ فِي زَكَاةِ الزَّيْتُونِ سُؤَالَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُقَالَ لِصَاحِبِهِ كَمْ مَبْلَغُ زَيْتُونِك؟ فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَصَرَ عَنْ النِّصَابِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَ: بَلَغَ النِّصَابَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ سُئِلَ سُؤَالًا ثَانِيًا كَمْ أُخْرِجَ لَهُ مِنْ الزَّيْتِ إنْ كَانَ عَصَرَهُ؟ فَإِنْ كَانَ بَاعَهُ سُئِلَ كَمْ يُخْرِجُ مِثْلُهُ مِنْ الزَّيْتِ؟ أَوْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ؟ .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ زَرْعَهُ بَعْدَ يُبْسِهِ أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَ وُجُوبُهَا بِهِ حِينَ صَارَ فِيهِ الْحَبُّ فَهُوَ حِينَ بَاعَ الزَّرْعَ بَاعَ حَظَّهُ وَحَظَّ الْمَسَاكِينِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِبَدَلِ حَظِّ الْمَسَاكِينِ، وَأَمَّا الْمُشْتَرِي فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّ الْوُجُوبِ بِالْمَالِ عِنْدَهُ فَإِنْ أَعْدَمَ الْبَائِعُ وَقَدْ أَتْلَفَ حَظَّ الْمَسَاكِينِ فَلَا يَخْلُو: أَنْ يُوجَدَ الطَّعَامُ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ أَمْ لَا، فَإِنْ وُجِدَ بِيَدِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُرْجَعُ عَلَى الْبَائِعِ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ وَيُتْبَعُ الْبَائِعُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَإِنَّمَا أُجِيزَ لَهُ الْبَيْعُ لِضَرُورَةِ الشَّرِكَةِ فَإِذَا لَمْ يُوصَلْ إلَيْهِمْ الْعِوَضُ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِعَيْنِ الْمَالِ حَيْثُ وُجِدَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ صَاحِبَ الْحَائِطِ مُبَاحٌ لَهُ الْبَيْعُ كَأَبِي الصَّبِيِّ يَبِيعُ مَالَهُ وَيَأْكُلُ مِنْهُ فَلَا حَقَّ لِلْوَلَدِ فِيهِ وَإِنْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا بَاعَ رَبُّ الزَّرْعِ زَرْعَهُ قَائِمًا فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَعْرِفُ مَبْلَغَهُ لِيُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَسْأَلُ الْمُبْتَاعَ وَيَأْتَمِنُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُزَكِّي عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ أَصَحُّ الطُّرُقِ الَّتِي يَجِدُهَا إلَى مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ عَلَى الْمُبْتَاعِ فِيهِ بِأَنْ يُؤْثِمَ نَفْسَهُ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ غَيْرَ مُسْلِمٍ تَوَخَّى بِقَدْرِ الزَّرْعِ وَلَا يَأْخُذُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ غَيْرِ الْمُسْلِمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَيْعُهُ حَتَّى يَيْبَسَ فِي أَكْمَامِهِ وَهِيَ غُلُفُ حَبِّهِ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ غِنًى لَوْ سُقِيَ بِالْمَاءِ لَمْ يَنْفَعْهُ وَهَذَا انْتِهَاءُ يُبْسِهِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ حَقٌّ وَاجِبٌ يَوْمَ الْحَصَادِ غَيْرَ الزَّكَاةِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِإِخْرَاجِ هَذَا الْحَقِّ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْحَقَّ الْمَأْمُورَ بِهِ يَوْمَ
стр. 529
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ أَوْ أَرْضَهُ وَفِي ذَلِكَ زَرْعٌ أَوْ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ عَلَى الْمُبْتَاعِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ فَزَكَاةُ ذَلِكَ (الثَّمَر أَوْ الزَّرْع) عَلَى الْبَائِعِ لَا أَنْ يَشْتَرِطَهَا عَلَى الْمُبْتَاعِ) .
مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ إنَّ الرَّجُلَ إذَا كَانَ لَهُ مَا يَجِدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَمَا يَقْطُفُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الزَّبِيبِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمَا يَحْصُدُ مِنْهُ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ إنَّهُ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ، وَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ زَكَاةٌ حَتَّى يَكُونَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ فِي الزَّبِيبِ أَوْ فِي الْحِنْطَةِ أَوْ فِي الْقُطْنِيَّةِ مَا يَبْلُغُ الصِّنْفُ الْوَاحِدُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» قَالَ: وَإِنْ كَانَ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مَا يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْحِنْطَةُ كُلُّهَا السَّمْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ كُلُّ ذَلِكَ صِنْفٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا حَصَدَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ جُمِعَ عَلَيْهِ بَعْضُ ذَلِكَ إلَى بَعْضٍ وَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
ــ
[المنتقى]
الْحَصَادِ هُوَ الزَّكَاةُ وَقَدْ أَيَّدَ ذَلِكَ مَالِكٌ بِأَنْ قَالَ: إنَّهُ قَوْلٌ قَدْ قِيلَ وَسَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَنْقُلُ مِثْلَ مَالِكٍ قَوْلُهُ: وَلَا يُرَجِّحُ بِهِ مَذْهَبَهُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَقُولُ أَيُّهَا الزَّارِعُ أَدِّ حَقَّ مَا رَفَعْت وَيَا أَيُّهَا الْوَالِي لَا تَأْخُذْ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّك فَتَكُونَ مِنْ الْمُسْرِفِينَ.
(ش) : هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ بَاعَ أَصْلَ حَائِطِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهِ عَلَى الْمُبْتَاعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ كَانَتْ عَلَى مِلْكِهِ حِينَ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهَا فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَإِذَا بِيعَتْ بِثَمَرِهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَمْ تَتَعَلَّقْ الزَّكَاةُ بِهَا إلَّا وَهِيَ عَلَى مِلْكِ الْمُبْتَاعِ، وَأَمَّا الزَّرْعُ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إلَّا مَعَ الْأَرْضِ فَلِذَلِكَ رَاعَى فِيهِ بَيْعَ الْأَرْضِ مَعَ الزَّرْعِ وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الْحَبُّ بِمِلْكِ الزَّرْعِ يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اكْتَرَى أَرْضًا فَزَرَعَهَا لَكَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الزَّارِعِ دُونَ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَا مِلْكَ لَهُ فِي الزَّرْعِ الَّذِي نَمَاؤُهُ الْحَبُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعُشْرُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دُونَ الزَّارِعِ.
[مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الثِّمَارِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ مِنْ نِصَابٍ مِنْ تَمْرٍ وَمِثْلِهِ مِنْ زَبِيبٍ وَمِثْلِهِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَمِثْلِهِ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُضَافُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ لِيَكْمُلَ نِصَابُ الزَّكَاةِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةُ الْمَنَافِعِ مُتَبَايِنَةُ الْأَغْرَاضِ وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ صَدَقَةٌ» وَمَنْ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ فَلَيْسَ عِنْدَهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ وَإِنَّمَا عِنْدَهُ مَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ فِي كُلِّ صِنْفٍ مِنْهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ وَالْحِنْطَةُ وَالْقُطْنِيَّةُ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَجُدَّ الرَّجُلُ مِنْ التَّمْرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُ وَأَلْوَانُهُ فَإِنَّهُ يَجْمَعُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ الزَّكَاةُ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْخَلْطَةَ بِالتَّمْرِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ سَوَاءٌ كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا أَوْ أَنْوَاعًا كَثِيرَةً وَيَجْتَمِعُ مِنْ جِنْسِهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ فَإِنَّ الزَّكَاةَ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَغْرَاضَ فِيهَا وَالْمَنَافِعَ وَالْمَقَاصِدَ مُتَّفِقَةٌ وَمُتَقَارِبَةٌ، وَإِنَّمَا بَيَّنَهَا كَمَا بَيَّنَ الذَّهَبَ الْجَيِّدَ وَالرَّدِيءَ وَالضَّأْنَ وَالْمَاعِزَ وَالْبُخْتَ وَالْعِرَابَ.
стр. 530
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْحِنْطَةَ تَجْمَعُ أَنْوَاعَهَا كُلَّهَا كَمَا تَجْمَعُ أَنْوَاعَ التَّمْرِ فَتُجْمَعُ الْمَحْمُولَةُ وَهِيَ الْبَيْضَاءُ إلَى السَّمْرَاءِ فَإِذَا بَلَغَتْ النِّصَابَ فَفِيهَا الزَّكَاةُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُجْمَعُ إلَى الْحِنْطَةِ الشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ لَا يَخْتَلِفُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالزُّهْرِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا إنَّ الشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جِنْسٌ مُنْفَرِدٌ غَيْرُ الْحِنْطَةِ لَا تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُتَّجَهُ بَيْنَنَا فِي هَذَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافٌ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَاعِي النِّصَابَ فِي الْحُبُوبِ فَهُوَ يُزَكِّي الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةٌ عِنْدَنَا عَلَى تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِيهَا وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي أَشْيَاءَ وَلَيْسَتْ بِجِنْسٍ وَاحِدٍ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَدْ صَرَّحَ مَالِكٌ أَنَّ الْقَطَانِيَّ فِي الْبُيُوعِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ عِنْدَهُ فِي الزَّكَاةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ.
وَقَدْ عَوَّلَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى فَصْلَيْنِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَشْيَاءَ أَعْنِي الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فِي الْمَنْبَتِ وَالْمِحْصَدِ فَكَانَتْ جِنْسًا وَاحِدًا كَالْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: هُوَ أَنَّ مَنَافِعَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ مُتَقَارِبَةٌ وَمَقَاصِدَهَا مُتَسَاوِيَةٌ فَحُكِمَ لَهَا بِأَنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ كَالسَّمْرَاءِ وَالْمَحْمُولَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁.
وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي فِي تَعْلِيلِ ذَلِكَ تَشَابُهُ الْحِنْطَةِ وَالسُّلْتِ فِي الصُّورَةِ وَالْمَنْفَعَةِ وَهُمَا أَقْرَبُ تَشَابُهًا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْعَلَسِ وَقَدْ سَلَّمَ لَنَا الْمُخَالِفُ الْعَلَسَ فَيَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ السُّلْتِ وَإِذَا سَلَّمَ السُّلْتَ لَحِقَ بِهِ الشَّعِيرُ فَإِنَّ الْأُمَّةَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ إنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ صِنْفٌ وَاحِدٌ وَقَائِلٌ يَقُولُ: إنَّهَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ فَمَنْ قَالَ إنَّ السُّلْتَ وَالْحِنْطَةَ صِنْفٌ وَالشَّعِيرَ صِنْفٌ فَقَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الزَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصِّنْفِ لِتَحْتَمِلَ الْأَمْوَالُ الْمُوَاسَاةَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ جِنْسٌ مِنْ الْمَالِ يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ أَدَّى زَكَاتَهُ، وَإِذَا قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاتُهُ لِضِيقِ الْمَالِ عَنْ احْتِمَالِ الْمُوَاسَاةِ فَإِنْ كَانَتْ الْأَمْوَالُ الَّتِي عِنْدَهُ مَنْفَعَتُهَا وَاحِدَةً وَمُعْظَمُ مَقْصُودِهَا سَوَاءً احْتَمَلَتْ الْمُوَاسَاةَ مِنْ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَضِقْ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الزَّكَاةِ انْتِفَاعُهُ بِذَلِكَ النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ وَلَا ضَاقَ عَلَيْهِ جِنْسُ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِمُوَاسَاتِهِ مِنْهَا بَلْ يَبْقَى عِنْدَهُ مِنْ جِنْسِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ مَا يُقَوَّمُ بِهِ وَلَا فَرْقَ فِيمَا يَعُودُ إلَى انْتِفَاعِهِ وَاسْتِضْرَارِهِ بِمَا يُخْرَجُ مِنْ الزَّكَاةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَنْفَعَةُ فِي أَشْخَاصٍ مُتَّفِقَةَ الصُّورَةِ وَالْأَسْمَاءِ أَوْ مُخْتَلِفَتَهَا وَلَوْ كَانَتْ الْأَسْمَاءُ مُتَّفِقَةً وَالْمَنَافِعُ مُخْتَلِفَةً لِاسْتِضْرَارِ انْتِفَاعِهِ بِإِخْرَاجِ بَعْضِ نَوْعٍ مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَا يَحْتَمِلُ مَا عِنْدَهُ مِنْ نَوْعِهَا الْمُوَاسَاةَ فَإِذَا أُخْرِجَ مِنْهَا مَعَ قِلَّتِهَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مِنْهَا مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ أَنْوَاعُ مَنَافِعَ أُخَرَ تُوَافِقُ هَذِهِ فِي الْأَسْمَاءِ دُونَ الْمَنَافِعِ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ التِّجَارَةَ وَالتَّصَرُّفَ لِلتَّنْمِيَةِ ضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ اخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَالصُّوَرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَلَسُ فَهُوَ الْأَشْقَالِيَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ فِي الزَّكَاةِ، وَتَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ سَأَلْت ابْنَ كِنَانَةَ عَنْ الْأَشْقَالِيَةِ وَفَسَّرْنَا لَهُ أَمْرَهَا وَمَنْفَعَتَهَا هَلْ تُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ مَعَ الْقَمْحِ وَأَرَيْنَاهُ إيَّاهَا فَقَالَ: هَذَا صِنْفٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يُقَالُ لَهُ الْعَلَسُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ وَهُوَ يُجْمَعُ فِي الْحِنْطَةِ مَعَ الزَّكَاةِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ مَنْفَعَتَهُ مِنْ جِنْسِ مَنْفَعَةِ الْقَمْحِ وَلَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ إنَّهُ لَا يُصْحَبُ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ فِي الْوُجُودِ فَيُوجَدُ حَيْثُ يُعْدَمُ وَيُعْدَمُ حَيْثُ يُوجَدُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ مَنْفَعَتِهِمَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الذُّرَةُ وَالدُّخْنُ وَالْأُرْزُ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا صِنْفٌ مُنْفَرِدٌ لَا يُضَافُ إلَى شَيْءٍ وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ شَيْءٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى زَيْدُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالسُّلْتَ وَالذُّرَةَ وَالْأُرْزَ
стр. 531
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الزَّبِيبُ كُلُّهُ أَسْوَدُهُ وَأَحْمَرُهُ فَإِذَا قَطَفَ الرَّجُلُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الْقُطْنِيَّةُ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِثْلُ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهَا وَأَلْوَانُهَا وَالْقُطْنِيَّةُ الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ وَكُلُّ مَا ثَبَتَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ قُطْنِيَّةٌ فَإِذَا حَصَّلَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ بِالصَّاعِ الْأَوَّلِ صَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْنَافِ الْقُطْنِيَّةِ كُلِّهَا لَيْسَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ ذَلِكَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ وَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ فَرَّقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْقُطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ فِيمَا أَخَذَ مِنْ النَّبَطِ وَرَأَى أَنَّ الْقُطْنِيَّةَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ فَأَخَذَ مِنْهَا الْعُشْرَ وَأَخَذَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ)
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تُجْمَعُ الْقُطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً
ــ
[المنتقى]
وَالدُّخْنَ كُلَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ لَا يَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا التَّفَاضُلُ وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ صِنْفًا وَاحِدًا فِي الْبَيْعِ فَكَذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدٍ مَا يُصَحِّحُ هَذَا الْبِنَاءَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الزَّبِيبَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَسْوَدَهُ وَأَحْمَرَهُ يُجْمَعُ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ وَاحِدَةٌ وَمُعْظَمُ مَقْصُودِهِ سَوَاءٌ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِهِ مَقَاصِدُ وَأَغْرَاضٌ لَيْسَتْ فِي سَائِرِهِ إلَّا أَنَّ مُعْظَمَ الْمَقَاصِدِ مُتَّفِقٌ وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الزَّكَاةُ وَالْجَمْعُ فِيهَا وَاعْتِبَارُ أَجْنَاسِهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْحُبُوبِ مُقْتَاتًا مُدَّخَرًا لِلْعَيْشِ غَالِبًا فَإِنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَاَلَّذِي يُقْتَاتُ مِنْ ذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ وَالْأُرْزُ وَالدُّخْنُ وَالذُّرَةُ وَالْبَاقِلَاءُ وَالْحِمَّصُ وَاللُّوبِيَا وَالْجُلْبَانُ وَالْعَدَسُ وَالتُّرْمُسُ وَالْبَسِيلَةُ وَالسِّمْسِمُ وَحَبُّ الْفُجْلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْحُبُوبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهَا مَا هُوَ صِنْفٌ لِنَفْسِهِ لَا يُضَمُّ إلَى غَيْرِهِ كَالْأُرْزِ وَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَمِنْهَا مَا يُضَمُّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ كَمَا تُضَمُّ أَنْوَاعُ التَّمْرِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ كَالْقَطَانِيِّ يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَهِيَ الْفُولُ وَاللُّوبِيَا وَالْحِمَّصُ وَالتُّرْمُسُ وَالْجُلْبَانُ وَالْعَدَسُ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لِتَقَارُبِ مَنَافِعِهَا وَاتِّفَاقِ مُعْظَمِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا وَأَمَّا الْبَسِيلَةُ وَهِيَ الْكِرْسِنَّةُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مِنْ الْقُطْنِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بَلْ هِيَ صِنْفٌ عَلَى حِدَتِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَطَانِيِّ فِي الْبُيُوعِ فَمَرَّةً قَالَ إنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَمَرَّةً قَالَ هِيَ أَصْنَافٌ مُخْتَلِفَةٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الزَّكَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ فِي الزَّكَاةِ صِنْفٌ وَاحِدٌ دُونَ خِلَافٍ وَهِيَ فِي الْبُيُوعِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمُوَطَّأِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا صِنْفًا مُنْفَرِدًا لَا يُضَافُ إلَى غَيْرِهِ فِي الزَّكَاةِ وَالْبُيُوعِ؛ لِأَنَّنَا إنْ عَلَّلْنَا الْجِنْسَ بِانْفِصَالِ الْحُبُوبِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ اطَّرَدَ ذَلِكَ فِيهَا وَانْعَكَسَ وَصَحَّ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِاخْتِلَافِ الصُّوَرِ وَالْمَنَافِعِ صَحَّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ -.
(ش) : اسْتَدَلَّ مَالِكٌ ﵀ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْقُطْنِيَّةِ وَالْحِنْطَةِ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَفَّفَ عَنْ النَّبَطِ فِيمَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ مِنْ الْحِنْطَةِ لَمَّا كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا آكَدَ مِنْ سَائِرِ الْأَقْوَاتِ وَالْقَطَانِيِّ الَّتِي هِيَ لِلْأُدْمِ وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ الْقَطَانِيِّ الْعُشْرَ كَامِلًا فَعُلِمَ بِذَلِكَ اخْتِلَافُهَا فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَقَاصِدِ وَلَوْ كَانَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا سَوَاءً وَالْمَنَافِعُ بِهَا مُتَّفِقَةً لَكَانَتْ الرَّغْبَةُ فِي كَثْرَةِ جَلْبِهَا إلَى الْمَدِينَةِ سَوَاءً، وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الزَّيْتُ وَالْحِنْطَةُ فَإِنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمَا جَمِيعًا نِصْفَ الْعُشْرِ لِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَقَدْ يَحْتَاجُ إلَى الْجِنْسَيْنِ حَاجَةً مُتَسَاوِيَةً مَعَ اخْتِلَافِ مَنَافِعِهِمَا إلَّا أَنَّهُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ الَّذِي تَتَّفِقُ مَنَافِعُهُ وَتَتَسَاوَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَخْتَصَّ الْحَاجَةُ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ فَلِذَلِكَ عَلَّقَ الْحُكْمَ مَالِكٌ ﵀ بِاخْتِلَافِ حُكْمِ الْحِنْطَةِ وَالْقُطْنِيَّةِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَسَاوِي الْحَاجَةِ فِي الْحِنْطَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ -.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ تُجْمَعُ الْقُطْنِيَّةُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ حَتَّى تَكُونَ صَدَقَتُهَا وَاحِدَةً وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنْ الْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ) .
стр. 532
وَالرَّجُلُ يَأْخُذُ مِنْهَا اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ الْحِنْطَةِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ يَدًا بِيَدٍ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْوَرِقَ يُجْمَعَانِ فِي الصَّدَقَةِ وَقَدْ يُؤْخَذُ بِالدِّينَارِ أَضْعَافُهُ فِي الْعَدَدِ مِنْ الْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي النَّخِيلِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَيَجُدَّانِ مِنْهَا ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ مِنْ التَّمْرِ أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهِمَا مِنْهَا، وَأَنَّهُ إنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا مِنْهَا مَا يَجُدُّ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ مَا يَجُدُّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ الصَّدَقَةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ الْأَوْسُقِ وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي جَدَّ أَرْبَعَةَ أَوْسُقٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا صَدَقَةٌ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ فِي الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ فِي كُلِّ زَرْعٍ مِنْ الْحُبُوبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ وَالنَّخْلُ يُجَدُّ أَوْ الْكَرْمُ يُقْطَفُ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَجُدُّ مِنْ التَّمْرِ أَوْ يَقْطِفُ مِنْ الزَّبِيبِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ أَوْ يَحْصُدُ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ فَعَلَيْهِ فِيهِ الزَّكَاةُ وَمَنْ كَانَ حَقُّهُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلَا صَدَقَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الصَّدَقَةُ عَلَى مَنْ بَلَغَ جَدَادُهُ أَوْ قِطَافُهُ أَوْ حَصَادُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ كُلِّهَا، ثُمَّ أَمْسَكَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ أَنْ أَدَّى صَدَقَتَهُ سِنِينَ، ثُمَّ بَاعَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَاعَهُ إذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ وَالْعُرُوضِ يُفِيدُهَا الرَّجُلُ ثُمَّ يُمْسِكُهَا سِنِينَ، ثُمَّ يَبِيعُهَا بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهَا زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَاعَهَا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْعُرُوضِ لِلتِّجَارَةِ فَعَلَى صَاحِبِهَا فِيهَا الزَّكَاةُ حَتَّى يَبِيعَهَا إذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمِ زَكَّى الْمَالَ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّ الْقَطَانِيَّ صِنْفٌ وَاحِدٌ يُضَافُ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي الزَّكَاةِ وَأَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ أَصْنَافٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الْوَرِقَ يُجْمَعُ إلَى الذَّهَبِ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ فِي الْبُيُوعِ صِنْفَانِ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِمَا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ فِي الزَّكَاةِ مَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ، وَأَمَّا مَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يُجْمَعَ فِي الزَّكَاةِ.
وَقَدْ أَشَارَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ إلَى ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ الْمَنَافِعُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْجِنْسِ لِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ عِنْدَ الْمَنَافِعِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْجِنْسِ لِلْجَمْعِ فِي الزَّكَاةِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الزَّكَوَاتِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ بَلَغَ مَا مَلَكَهُ النِّصَابَ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَمَنْ قَصَرَ مِلْكُهُ عَنْ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْجُمْلَةِ إذَا افْتَرَقَتْ فِي الْمِلْكِ كَمَا لَا يُنْظَرُ إلَى افْتِرَاقِهَا إذَا اجْتَمَعَتْ فِي الْمِلْكِ فَإِذَا جَدَّ رَجُلَانِ ثَمَانِيَةَ أَوْسُقٍ فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجُدَّ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَهِيَ النِّصَابُ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَلِلْآخَرِ ثَلَاثَةٌ لَكَانَتْ الزَّكَاةُ عَلَى صَاحِبِ الْخَمْسَةِ أَوْسُقِ عَنْ الْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَجِبْ عَلَى صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ شَيْءٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ يَجُدُّهَا فِي بِلَادٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَبَاعِدَةٍ لَجُمِعَتْ عَلَيْهِ وَأَدَّى الزَّكَاةَ عَنْهَا؛ فَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالْمِلْكِ دُونَ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَا أُخْرِجَتْ زَكَاتُهُ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، ثُمَّ بَاعَهُ صَاحِبُهُ بَعْدَ سِنِينَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بَعْدَ قَبْضِهِ وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ بَاعَهُ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ وَأَقَامَ الْمَالُ غَائِبًا عَنْهُ أَعْوَامًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ لَا يَسْتَأْنِفُ بِهِ حَوْلًا وَإِنَّمَا أَطْلَقَ
стр. 533
مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا وَاَلَّذِي سَمِعْت مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ
ــ
[المنتقى]
اللَّفْظَ عَلَى غَالِبِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلْقَبْضِ.
(فَصْلٌ) :
ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ أَصْلُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ مِنْ فَائِدَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُبُوبَ وَالثِّمَارَ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ لِلْقِنْيَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ فَإِنْ كَانَتْ لِلْقِنْيَةِ فَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ وَأَرَادَهُ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَتْ مِنْ فَائِدَةٍ، يُرِيدُ كَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ أَوْ غَلَّةِ حَائِطِهِ وَزَرْعِ أَرْضِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ فَأَمَّا الثِّمَارُ فَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِيهَا إلَّا أَنْ تُشْتَرَى بِأَعْيَانِهَا لِلتِّجَارَةِ بَعْدَ أَنْ بَدَا صَلَاحُهَا فَهَذِهِ قَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِيهَا عَلَى بَائِعِهَا وَأَمَّا إنْ ابْتَاعَهَا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فَهِيَ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ لِلْأَرْضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ زُكِّيَتْ زَكَاةَ الزَّرْعِ، ثُمَّ زُكِّيَ ثَمَنُ مَا بِيعَ مِنْهُ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ الْحَصَادِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي كَوْنِهَا لِلتِّجَارَةِ بِثَلَاثَةِ مَعَانٍ: الْحِنْطَةُ الْمَزْرُوعَةُ، وَالْأَرْضُ الْمَزْرُوعُ فِيهَا وَالزِّرَاعَةُ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةُ لِلتِّجَارَةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ حُكْمَ الْحَبِّ حُكْمُ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا لِلتِّجَارَةِ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ التِّجَارَةِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحُولَ عَلَى ثَمَنِهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ يَقْبِضَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْقِنْيَةِ وَاشْتَرَى الْبَذْرَ لِلتِّجَارَةِ وَزَرَعَ يُرِيدُ التِّجَارَةَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ فَزَرَعَهَا لِلتِّجَارَةِ فَإِنَّهُ لَا يُزَكِّي ثَمَنَ الْحِنْطَةِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي حُكْمُ الْأَرْضِ إذَا اُشْتُرِيَتْ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا إذَا اُشْتُرِيَتْ لِلتِّجَارَةِ فَالتِّجَارَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهَا دُونَ مَنَافِعِهَا وَإِذَا اُكْتُرِيَتْ لِلتِّجَارَةِ فَالتِّجَارَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنَافِعِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَتْ الْحِنْطَةُ لِلْقِنْيَةِ، وَالْأَرْضُ وَالزِّرَاعَةُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَغَارِبَةِ فِيمَنْ اشْتَرَى حِنْطَةً لِلْقِنْيَةِ وَالْأَرْضَ وَالزَّرْعَ لِلتِّجَارَةِ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ الزَّكَاةِ حَتَّى يَنِضَّ الثَّمَنُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ لِلْقِنْيَةِ مِنْ الْعُرُوضِ لَا يَجْرِي فِيهَا حُكْمُ التِّجَارَةِ بِالنِّيَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ فَإِنْ كَانَ لِلْقِنْيَةِ يَعُودُ إلَى التِّجَارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ فِيمَا مَلَكَهُ بِالْبَيْعِ وَمَا مَلَكَهُ بِالْمِيرَاثِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: جَرَيَانُ الزَّكَاةِ فِيهَا؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ عَمَلٌ.
وَالثَّانِي: لَا تَجْرِي فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّ الزِّرَاعَةَ لَيْسَتْ بِعَمَلٍ لِلتِّجَارَةِ وَإِنَّمَا هِيَ عَمَلٌ لِزَكَاةِ الْحَبِّ دُونَ زَكَاةِ الثَّمَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لِلتِّجَارَةِ وَالْحِنْطَةُ لِلتِّجَارَةِ وَزَرْعُهَا لِلْقِنْيَةِ فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي ثَمَنِهِ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهِ فَعَلَى هَذَا يَجْرِي أَمْرُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ مَتَى يَكُونُ وَاحِدًا مِنْهَا لِلْقِنْيَةِ مَنَعَ جَرَيَانَ زَكَاةِ الْعَيْنِ فِي الْحِنْطَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ بِالْبَيْعِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَإِنْ لَمْ يُبَعْ بَعْدَ الْحَوْلِ وَكَانَ مُدَّخَرًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَبِيعَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَإِنْ كَانَ مُدِيرًا فَإِنَّهُ يُقَوِّمُ حِنْطَةً إذَا كَمُلَ لَهَا حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ زَكَّى الزَّرْعَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ زَكَاةَ الزَّرْعِ أَمْلَكُ بِالْحِنْطَةِ عِنْدَ الْحَصَادِ مِنْ زَكَاةِ التِّجَارَةِ كَالْمَاشِيَةِ فَيَجِبُ عِنْدَ الْحَصَادِ إخْرَاجُ زَكَاةِ الزَّرْعِ مِنْهُ وَزَكَاةُ الزَّرْعِ لَا تَتَكَرَّرُ وَلَمَّا كَانَ لِلتِّجَارَةِ فِي هَذَا الْحَبِّ تَأْثِيرٌ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْمَعَ زَكَاتَانِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ أُولَاهُمَا لِلْعَيْنِ وَالثَّانِيَةُ لِلْقِيمَةِ لَزِمَ أَنْ يُسْتَأْنَفَ حَوْلٌ مِنْ يَوْمِ الْحَصَادِ فَإِذَا كَمُلَ قُوِّمَ مَعَ سَائِرِ مَالِهِ وَأَدَّى زَكَاتَهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 534
مِنْ الْفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ الرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَالتِّينِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمَا لَمْ يُشْبِهْهُ إذَا كَانَ مِنْ الْفَوَاكِهِ قَالَ وَلَا فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ وَلَا فِي أَثْمَانِهَا إذَا بِيعَتْ صَدَقَةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَى أَثْمَانِهَا الْحَوْلُ مِنْ يَوْمِ بَيْعِهَا وَيَقْبِضُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا وَهُوَ نِصَابٌ) .
مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ وَالْعَسَلِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ الْفَوَاكِهِ وَالْقَضْبِ وَالْبُقُولِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا اخْتِلَافَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ مِمَّا ذَكَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَا لَمْ نُسَمِّهِ وَأَضَافَ مَالِكٌ ﵀ التِّينَ إلَى جُمْلَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبَلَدِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَعْنَى التَّفَكُّهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْقُوتِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ لِشَجَرَةٍ ذَاتِ سَاقٍ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُدَّخَرُ كَالْجَوْزِ وَالْفُسْتُقِ أَوْ لَا يُدَّخَرُ كَالرُّمَّانِ وَالْفِرْسِكِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمُقْتَاتٍ مُدَّخَرٍ فَلَمْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْحَشِيشِ فَأَمَّا التِّينُ فَإِنَّهُ عِنْدَنَا بِالْأَنْدَلُسِ قُوتٌ وَقَدْ أَلْحَقَهُ مَالِكٌ بِمَا لَا زَكَاةَ فِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَصْلُهُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا شُرِعَتْ فِيمَا كَانَ يُقْتَاتُ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ التِّينُ يُقْتَاتُ بِهَا فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ الزَّكَاةِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ لِمَا كَانَا مُقْتَاتَيْنِ بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ حُكْمَ الزَّكَاةِ مُتَعَلِّقٌ بِالتِّينِ قِيَاسًا عَلَى الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التِّينُ مُقْتَاتًا بِالْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَعَلِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَلْحَقَ الْعُلَمَاءُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبِ فَكَانَ الْأُرْزُ بِالْعِرَاقِ أَكْثَرَ مِنْ الْبُرِّ وَالذُّرَةُ بِالْيَمَنِ أَكْثَرُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي الْقَضْبِ وَلَا فِي الْبُقُولِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَمِيعِ الْبُقُولِ الزَّكَاةُ إلَّا الْقَضْبَ وَالْحَشِيشَ وَالْحَطَبَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْخُضَرَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا أَنَّ أَحَدًا أَخَذَ مِنْهَا زَكَاةً وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ زَكَاةُ سَائِرِ مَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ نَبْتٌ لَا يُقْتَاتُ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْحَشِيشِ وَالْقَضْبِ.
[مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ الرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ وَالْعَسَلِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» يَقْتَضِي نَفْيَ كُلِّ صَدَقَةٍ فِي هَذَا الْجِنْسِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِقَابِ الْعَبِيدِ صَدَقَةٌ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا صَدَقَةَ فِي رِقَابِ الْخَيْلِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُزَكَّى إنَاثُ الْخَيْلِ إذَا انْفَرَدَتْ وَلَا تُزَكَّى ذُكُورُهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ قَوْلُهُ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَهَذَا نَفْيٌ وَالنَّفْيُ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ لَا تَجِبُ فِي ذُكُورِهِ الزَّكَاةُ إذَا انْفَرَدَتْ فَلَا تَجِبُ فِيهَا مَعَ الْإِنَاثِ كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ عَكْسُهُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ قَالُوا لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: خُذْ مِنْ خَيْلِنَا وَرَقِيقِنَا صَدَقَةً فَأَبَى ثُمَّ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَبَى عُمَرُ، ثُمَّ كَلَّمُوهُ أَيْضًا فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ إنْ أَحَبُّوا فَخُذْهَا مِنْهُمْ وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵀ وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ يَقُولُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ) .
(ش) : قَوْلُهُ فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَيْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُدَّةَ صُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَرَهُ أَخَذَ مِنْ الْخَيْلِ وَلَا مِنْ الرَّقِيقِ شَيْئًا؛ وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ
стр. 535
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَ كِتَابٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَبِي وَهُوَ بِمِنًى أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنْ الْعَسَلِ وَلَا مِنْ الْخَيْلِ صَدَقَةً) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ فَقَالَ وَهَلْ فِي الْخَيْلِ مِنْ صَدَقَةٍ) .
جِزْيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ فَارِسَ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَخَذَهَا مِنْ الْبَرْبَرِ» )
ــ
[المنتقى]
وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاشِي وَلَوْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُ مِنْ الْخَيْلِ شَيْئًا لَمَا خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمِثْلُهُ مِمَّنْ كَانَ يُلَازِمُ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَخْذُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَاشِيَةِ، ثُمَّ كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هَذَا وَعُمَرُ مِمَّنْ كَانَ يُخْرِجُهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَخْذِ الصَّدَقَاتِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ مِنْ الْخَيْلِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ لَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَخْذِهِ كَمَا أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ مِنْ سَائِرِ الْمَوَاشِي.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ كَلَّمُوهُ أَيْضًا يُرِيدُ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ أَلَحُّوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَكَلَّمُوهُ بَعْدَ أَنْ أَبَى عَلَيْهِمْ وَبَعْدَ أَنْ أَبَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ بِمُعَاوَدَتِهِمْ الْقَوْلَ فَكَتَبَ عُمَرُ إلَيْهِ خُذْ مِنْهُمْ إنْ أَحَبُّوا يُرِيدُ أَنَّ هَذَا تَطَوُّعٌ مِنْهُمْ وَمَنْ تَطَوَّعَ بِشَيْءٍ أُخِذَ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الصَّدَقَةُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَوْلُهُ وَارْدُدْهَا عَلَيْهِمْ يُرِيدُ عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَقَوْلُهُ: وَارْزُقْ رَقِيقَهُمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يُجْرِيَ لِرَقِيقِهِمْ رِزْقًا لِكَوْنِهِمْ فِي ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي الْحَرْبِ وَلَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ فَيُرْتَفَقُونَ بِالرِّزْقِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُكَافَأَةً لَهُمْ عَلَى تَطَوُّعِهِمْ بِالصَّدَقَةِ مِنْ رَقِيقِهِمْ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنْ لَا تَأْخُذَ مِنْ الْعَسَلِ صَدَقَةً يَقْتَضِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَفَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ صَدَقَةٌ وَهَذَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الزَّكَاةَ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَ أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْعَسَلِ صَدَقَةً وَلَيْسَ فِي الْعَسَلِ صَدَقَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا بِأَنَّ لِلْإِمَامِ أَخْذَهَا غَيْرُ الزَّكَاةِ فَإِذَا مُنِعَ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنْهَا كَانَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَى الزَّكَاةِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الْعَسَلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا طَعَامٌ يَخْرُجُ مِنْ حَيَوَانٍ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَاللَّبَنِ.
(ش) : جَوَابُ سَعِيدٍ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ وَاقِعٌ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِرَابِ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ سُؤَالَهُ عَنْ صَدَقَةِ الْبَرَاذِينِ بِمَا يَقْتَضِي مَنْعَ الصَّدَقَةِ فِي جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ إنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِمَا سَأَلَ عَنْهُ.
[جِزْيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ]
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ مَجُوسِ الْبَحْرَيْنِ» عَلَى مَا رُوِيَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا» ، وَأَهْلُ الْكُفْرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَهْلُ كِتَابٍ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَغَيْرُ أَهْلِ كِتَابٍ وَهُمْ الْمَجُوسُ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَكُلُّ مَنْ لَيْسَ لَهُ كِتَابٌ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إقْرَارِهِمْ عَلَى الْجِزْيَةِ عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا الْمَجُوسُ فَإِنَّهُ يُسَنُّ بِهِمْ سُنَّةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا عِنْدَهُ بِأَهْلِ كِتَابٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ قَالَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفَائِدَةُ الْقَوْلَيْنِ
стр. 536
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) .
ــ
[المنتقى]
أَنَّنَا إذَا قُلْنَا إنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ لَمْ تَحِلَّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ حَلَّتْ مُنَاكَحَتُهُمْ وَأَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَقَالُوا: إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا تَجُوزَ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا ذَبَائِحُهُمْ بِوَجْهٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُ بِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ: أَنَّ الْمَجُوسَ فِرْقَةٌ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ أَهْلُ الْكِتَابِ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِأَهْلِ كِتَابٍ فَإِنَّهُمْ يُقَرُّونَ عَلَى الْجِزْيَةِ هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يُقَرُّونَ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا قُرَيْشًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقَرُّونَ عَلَى الْجِزْيَةِ بِوَجْهٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُقَرُّ مِنْهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا الْعَجَمُ دُونَ الْعَرَبِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ بَرِيرَةَ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ وَصَّاهُ وَقَالَ لَهُ إذَا أَنْتَ لَقِيت عَدُوًّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوك إلَيْهَا اقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْإِسْلَامِ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ كَمَا يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَلَا فِي الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمْ إعْطَاءَ الْجِزْيَةِ فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ» ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ دِينٍ يَجُوزُ اسْتِبْقَاؤُهُمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ فَجَازَ اسْتِبْقَاؤُهُمْ بِالْجِزْيَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ذَكَرَ الْمَجُوسَ فَقَالَ لَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ يُرِيدُ مِنْ إقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ أَوْ دُعَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْهُ قُوتِلُوا عَلَيْهِ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَهَذَا مِنْ فِقْهِ عُمَرَ وَوَرَعِهِ وَتَوَقِّيهِ فَإِنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ الْحُكْمَ شَاوَرَ فِيهِ أَهْلَ الْعِلْمِ لِيَقْوَى فِي نَفْسِهِ مَا ظَهَرَ إلَيْهِ بِنَصٍّ يُنْقَلُ إلَيْهِ أَوْ مُوَافَقَةٍ مِنْهُمْ لِرَأْيِهِ وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَشْهَدُ لَقَدْ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» فَقَوِيَ لَهُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ وَأَسْنَدَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ لِتَسْكُنَ إلَيْهِ نَفْسُ الْمُسْتَفْتِي وَلَا يُقَالُ بِاجْتِهَادٍ وَلَا رَأْيٍ وَلَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ رَأْيِهِ لَكَانَ لِعُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنْ يُقَابِلَهُ بِرَأْيِهِ أَوْ يُعَارِضَهُ بِاجْتِهَادِهِ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ أَضَافَ الْكِتَابَ إلَى غَيْرِهِمْ وَأَمَرَ أَنْ يُسَنَّ بِهِمْ سُنَّةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَوْ كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ لَقَالَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَمْ يَقُلْ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» .
(ش) : وَقَوْلُهُ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدَّرَهَا بِهَذَا الْمِقْدَارِ وَذَلِكَ لِمَا رَآهُ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاحْتِمَالِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ قَدْرَهَا عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُونَ
стр. 537
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ فَقَالَ عُمَرُ ادْفَعْهَا إلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَنْتَفِعُونَ بِهَا قَالَ فَقُلْت: وَهِيَ عَمْيَاءُ فَقَالَ عُمَرُ يَقْطُرُونَهَا بِالْإِبِلِ قَالَ فَقُلْت: كَيْفَ تَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ؟ ، قَالَ فَقَالَ عُمَرُ أَمِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ هِيَ أَمْ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ؟ فَقُلْت بَلْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ عُمَرُ أَرَدْتُمْ وَاَللَّهِ أَكْلَهَا قَالَ فَقُلْت إنَّ عَلَيْهَا وَسْمَ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَأَمَرَ بِهَا عُمَرُ فَنُحِرَتْ وَكَانَ عِنْدَهُ صِحَافٌ تِسْعٌ فَلَا تَكُونُ فَاكِهَةٌ وَلَا طَرِيفَةٌ إلَّا جَعَلَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الصِّحَافِ يَبْعَثُ بِهَا إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَكُونُ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ إلَى حَفْصَةَ ابْنَتِهِ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقْصَانٌ كَانَ فِي حَظِّ حَفْصَةَ قَالَ فَجَعَلَ فِي تِلْكَ الصِّحَافِ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ فَبَعَثَ بِهِ إلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ فَصُنِعَ فَدَعَا عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ) .
ــ
[المنتقى]
دِرْهَمًا لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَضْعُفُ خُفِّفَ عَنْهُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُنْقَصُ مِنْ فَرْضِ عُمَرَ لِعُسْرٍ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ لِغِنًى وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا حَدَّ لِأَقَلِّهَا قَالَ وَقِيلَ أَقَلُّهَا دِينَارٌ وَعَشْرَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهَا دِينَارٌ وَلَا يَتَقَرَّرُ أَكْثَرُهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا بَذَلَ الْغَنِيُّ دِينَارًا لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَكْثَرَ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْجِزْيَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَقَلُّهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَدِينَارٌ وَالثَّانِي عَلَى أَوْسَطِ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَدِينَارَانِ، وَالثَّالِثُ عَلَى أَغْنِيَائِهِمْ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحُكْمُهُ بِحَضْرَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفَضَائِلُهُ تُسْمَعُ وَتُشْهَرُ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا أَنْكَرَ فِعْلَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَعَ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَقْوَاتَ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنْ أَجْنَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قَدْرِ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ تِلْكَ الْجِهَةِ مِنْ الِاقْتِيَاتِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا رَوَى أَسْلَمُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ لَا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ إلَّا عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي، وَجِزْيَتُهُمْ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ مِنْهُمْ وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَعَلَيْهِمْ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ مُدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَثَلَاثَةَ أَقْسَاطِ زَيْتٍ كُلَّ شَهْرٍ لِكُلِّ إنْسَانٍ وَالْكِسْوَةُ الَّتِي يَكْسُوهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ النَّاسَ ضَرِيبَةٌ وَيُضَيِّفُونَ مَنْ نَزَلَ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَعَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا لِكُلِّ إنْسَانٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَوَدَكٌ لَا أَدْرِي كَمْ هُوَ؟ وَلَا تُضْرَبُ الْجِزْيَةُ عَلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَيُخْتَمُ فِي أَعْنَاقِ رِجَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يُرِيدُ ضِيَافَةَ الْمَارِّ الْمُسَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَقْصَى أَمَدِ ضِيَافَتِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا فَرْقٌ بَيْنَ السَّفَرِ وَالْإِقَامَةِ؛ وَلِذَلِكَ مَنْ عَزَمَ عَلَى مُقَامِ يَوْمٍ زَائِدٍ عَلَيْهَا أُمِرَ بِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَتَلَوَّمُ لِطَالِبِ رُفْقَةٍ أَوْ تَعَذُّرِ حَاجَةٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنْ أَرَادَ مُقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُقِيمٌ لَا يَلْزَمُ أَهْلَ الذِّمَّةِ ذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَلْزَمُهُمْ مِنْ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مُدَّةِ الضِّيَافَةِ مَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى أَسْلَمُ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ اشْتَكَوْا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ الْجَابِيَةُ أَنَّهُ إذَا نَزَلَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَلَّفَهُمْ ذَبْحَ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ لَا تَزِيدُوهُمْ عَلَيْهِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَيُوضَعُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ ضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوفِ لَهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَازِمَةٌ مَعَ الْوَفَاءِ بِمَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الظَّهْرِ نَاقَةٌ عَمْيَاءُ عَلَى مَعْنَى اطِّلَاعِ الْإِمَامِ عَلَى مَا غَابَ عَنْهُ مِنْ النَّعَمِ لِيَرَى فِيهَا رَأْيَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَنْتَفِعُونَ بِهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا فَرَاجَعَهُ أَسْلَمُ بِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِظَهْرِهَا لِكَوْنِهَا عَمْيَاءَ وَإِنَّ أَمْرَهَا مِمَّا يَئُولُ إلَى نَحْرِهِمْ
стр. 538
(ص) : (مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ تُؤْخَذَ النَّعَمُ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ إلَّا فِي جِزْيَتِهِمْ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَضَعُوا الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ حِينَ يُسْلِمُونَ) .
ــ
[المنتقى]
إيَّاهَا فَقَالَ عُمَرُ تُقْطَرُ بِالْإِبِلِ فَتَمْشِي مَعَ جُمْلَتِهَا وَتَهْتَدِي بِهَا فَقَالَ أَسْلَمُ فَكَيْفَ تَأْكُلُ مِنْ الْأَرْضِ؟ يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تَبْقَى إذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُبْصِرُ مَرَاعِيَ الْإِبِلِ وَلَا تَعْلَمُ بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَى أَمْرٌ حَدَثَ بِهَا حِينَئِذٍ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مُرَاجَعَةَ أَسْلَمَ لَهُ بِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ اقْتِنَاؤُهَا وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهَا إلَّا لِلْأَكْلِ سَأَلَ أَمِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ هِيَ لِيَعْلَمَ اخْتِصَاصَهَا بِالْمَسَاكِينِ أَوْ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَيَعْلَمَ أَنَّ أَكْلَهَا جَائِزٌ لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ فَلَمَّا قَالَ هِيَ مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ عَلِمَ أَنَّ مُرَاجَعَتَهُ إيَّاهُ بِأَنْ لَا مَنْفَعَةَ فِيهَا كَانَ يَدْعُوهُمْ لِأَكْلِ أَمْثَالِهَا مِنْ نَعَمِ الْجِزْيَةِ فَاعْتَقَدَ فِي أَسْلَمَ رَغْبَةً فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَرَدْتُمْ - وَاَللَّهِ - أَكْلَهَا فَاسْتَظْهَرَ أَسْلَمَ بِوَسْمِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ مُقْتَضَى مُخَالَفَةِ وَسْمِ الْجِزْيَةِ لِوَسْمِ الصَّدَقَةِ احْتِيَاطًا مِنْ عُمَرَ لِيَصْرِفَ كُلَّ مَالٍ فِي وَجْهِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَ عُمَرُ بِهَا فَنُحِرَتْ وَكَانَ عِنْدَهُ صِحَافٌ تِسْعٌ فَلَا يَكُونُ عِنْدَهُ فَاكِهَةٌ وَلَا طَرِيفَةٌ إلَّا جَعَلَ مِنْهَا فِي تِلْكَ الصِّحَافِ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ تَكُونُ عِنْدَهُ الطَّرَائِفُ وَالْفَوَاكِهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْوَالِ الْجِزْيَةِ وَالْأَحْبَاسِ وَخَرَاجِ الْأَرْضِينَ وَسَائِرِ الْوُجُوهِ الْمُبَاحَةِ لِلْأَغْنِيَاءِ فَكَأَنَّهُ أَعَدَّ هَذِهِ الصِّحَافَ عَلَى عِدَّةِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَعَاهَدَهُنَّ بِالْفَوَاكِهِ وَالطَّرَائِفِ، وَمُرَاقَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَحِفْظًا لَهُ فِي أَهْلِهِ بَعْدَهُ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ لِاخْتِصَاصِ حَفْصَةَ بِهِ يَجْعَلُ لَهَا مِنْ آخِرِ مَنْ يَجْعَلُ لَهَا مِنْهُنَّ، وَإِنْ نَقَصَ بَعْضُ السِّهَامِ عَنْ الْمُسَاوَاةِ جَعَلَ النَّقْصَ فِي حَظِّهَا طَلَبَ مَرْضَاتِ غَيْرِهَا وَعِلْمًا بِأَنَّهَا سَتَرْضَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا تَأْسَفُ مِنْ إيثَارِهِ عَلَيْهَا إذْ كَانَ أَبَاهَا، وَيَجُوزُ لَهُ التَّبَسُّطُ عَلَيْهَا وَتَتَيَقَّنُ مَحَبَّتَهُ فِيهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَرَ بِمَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ تِلْكَ الْجَزُورِ فَصُنِعَ فَدَعَا عَلَيْهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ يُرِيدُ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إلَى أَكْلِهِ اسْتِئْلَافًا لَهُمْ وَإِينَاسًا وَتَوَاسِيَا فِي مَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَهِيَ سُنَّةٌ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ لِلْأَكْلِ عِنْدَهُ وَقَدْ كَانَ جَعَلَ لِعُثْمَانَ بْنِ يَسَارٍ بِالْكُوفَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ شَاةٍ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجَعَلَ لِصَاحِبَيْهِ رُبُعَ شَاةٍ رُبُعَ شَاةٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّعَمَ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ صَدَقَةً كَمَا تُؤْخَذُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ النَّعَمُ فِي جِزْيَتِهِمْ بِقِيمَتِهَا.
وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ ابْنُ وَهْبٍ فِي جَامِعِهِ فَقَالَ وَأَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُؤْتَى بِنَعَمٍ كَثِيرَةٍ مِنْ نَعَمِ الْإِبِلِ فَيَأْخُذُهَا فِي الْجِزْيَةِ قَالَ وَذَلِكَ بِالْقِيمَةِ تَكُونُ جِزْيَتُهُ عَشْرَةَ دَنَانِيرَ فَتُؤْخَذُ بِنْتُ مَخَاضٍ بِكَذَا وَكَذَا، وَابْنَةُ لَبُونٍ بِكَذَا وَكَذَا فَيَكُونُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ لِإِقَامَتِهِمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ وَالْحِمَايَةِ لَهُمْ، وَالْعَيْنُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَكَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ بِهِمْ وَالتَّيْسِيرِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُرُوضِ وَالثِّيَابِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَضَعُوا الْجِزْيَةَ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ حِينَ يُسْلِمُونَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَضْعَهَا عَنْهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَضْعَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا فَلَا يُطْلَبُونَ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْمَعْنَيَيْنِ حُمِلَ عَلَيْهِمَا إذْ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى عَامِلِ عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْجُهَّالِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ فَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ يُبْطِلُ فَائِدَتَهُ وَحَمْلُهُ عَلَى إبْطَالِ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ يَقْتَضِي فَائِدَتَهُ وَمِثْلُ هَذَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَاجَ عُمَرُ إلَى أَنْ يُكَاتِبَ بِهِ وَيَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى رَأْيِهِ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ مَا بَقِيَ مِنْ الْجِزْيَةِ وَيُؤَدِّيهَا فِي حَالِ إسْلَامِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى
стр. 539
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا عَلَى صِبْيَانِهِمْ وَأَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ إلَّا مِنْ الرِّجَالِ الَّذِينَ قَدْ بَلَغُوا الْحُلُمَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَلَى الْمَجُوسِ فِي نَخِيلِهِمْ وَلَا كُرُومِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ وَلَا مَوَاشِيهِمْ صَدَقَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَرَدًّا عَلَى فُقَرَائِهِمْ وَوُضِعَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ صِغَارًا لَهُمْ فَهُمْ مَا كَانُوا بِبَلَدِهِمْ الَّذِينَ صَالَحُوا عَلَيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ سِوَى الْجِزْيَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَيَخْتَلِفُوا فِيهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْعُشْرُ فِيمَا يُدِيرُونَ مِنْ التِّجَارَاتِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إنَّمَا وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةُ وَصَالَحُوا عَلَيْهَا عَلَى أَنْ يُقَرُّوا بِبِلَادِهِمْ وَيُقَاتَلَ عَنْهُمْ عَدُوُّهُمْ فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنْ بِلَادِهِ إلَى غَيْرِهَا يَتَّجِرُ فِيهَا فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ مَنْ يَتَّجِرُ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ إلَى الشَّامِ وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ إلَى الْعِرَاقِ وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ الْيَمَنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الْبِلَادِ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ) .
ــ
[المنتقى]
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَتَجِبُ بِالْكُفْرِ فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى الَّذِي سَقَطَتْ بِمَوْتِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَسْقُطُ بِمَوْتِهِ، وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذِهِ عُقُوبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْمَوْتِ كَالْحُدُودِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ مِنْ النِّسَاءِ جُمْلَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى قَوْلِهِ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] .
فَوَجْهُ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْجِزْيَةَ إنَّمَا تَوَجَّهَ أَخْذُهَا عَلَى مَنْ وَجَبَتْ مُقَاتَلَتُهُ، وَالنِّسَاءُ لَا يُقَاتِلْنَ وَلَا يُقْتَلْنَ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِنَّ بِالْمُحَارَبَةِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الْجِزْيَةُ عَلَى الرِّجَالِ لِرَفْعِ السَّيْفِ عَنْهُمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَذَلِكَ الصِّبْيَانُ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يُقْتَلُ إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ بِالْمُحَارَبَةِ فَإِنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ كَالنِّسَاءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّهُمْ نَوْعٌ مِنْ الْمَالِ كَالْخَيْلِ وَالْإِبِلِ فَإِنْ أُعْتِقَ الْعَبْدُ النَّصْرَانِيُّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُعْتِقُهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ فَقَدْ تَوَقَّفَ مَالِكٌ فِي وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَوَجَّهَهُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ الْمُقَامُ بِبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّأْبِيدِ فَلَمْ تَلْزَمْهُ جِزْيَةٌ بِالْعِتْقِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الرُّهْبَانِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْفَقِيرِ، وَالرَّاهِبُ إنَّمَا تُرِكَ لَهُ مِنْ الْمَالِ الْيَسِيرِ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْفِدَاءِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرَّاهِبَ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ مَحْقُونُ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ كَالْمَرْأَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَتَى تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُؤْخَذُ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ حِينَ تُعْقَدُ لَهُمْ الذِّمَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ أَوَّلِ كُلِّ حَوْلٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ تُؤْخَذُ مِنْ آخِرِ الْحَوْلِ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ نَصًّا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ أَنَّهَا تُؤْخَذُ فِي آخِرِ الْحَوْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ حَقٌّ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِالْحَوْلِ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْخَذَ فِي آخِرِ الْحَوْلِ كَالزَّكَاةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَى الذِّمِّيِّ جِزْيَةُ سَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَتَدَاخَلْ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَتَتَدَاخَلُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَتَجِبُ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَرَّ مِنْهَا أُخِذَ مِنْهُ لِلسِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَجْزٍ لَمْ تَتَدَاخَلْ وَلَمْ يَبْقَ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ السِّنِينَ وَرَأَيْت هَذَا لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ وَلَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مَجُوسًا كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْهَا الصَّدَقَةُ وَهِيَ الْعَيْنُ وَالْحَرْثُ وَالْمَاشِيَةُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ ﵀ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ طُهْرَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَأَهْلُ الْكُفْرِ لَيْسُوا مِمَّنْ يُطَّهَرُ وَأَيْضًا فَإِنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَهَذَا سُنَّةُ الزَّكَاةِ وَلَوْ أُخِذَتْ مِنْ أَغْنِيَاءِ أَهْلِ الذِّمَّةِ
стр. 540
(ص) : (وَلَا صَدَقَةَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمَجُوسِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَاشِيهِمْ وَلَا ثِمَارِهِمْ وَلَا زُرُوعِهِمْ مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَيُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِرَارًا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِمْ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا الْعُشْرُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ
ــ
[المنتقى]
لَمْ تُرَدَّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَحَلٍّ لِلزَّكَاةِ وَلَيْسَتْ الْجِزْيَةُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا إنَّمَا تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَلَيْسَ فِيهَا تَطْهِيرُ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا هِيَ إذْلَالٌ وَصَغَارٌ لَهُ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُرَدَّ عَلَى فُقَرَاءِ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ بَلْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تُدْفَعَ إلَى مَنْ أُصْغِرَ مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ فَلَمَّا فَارَقَتْ الزَّكَاةُ هَذِهِ الْأَوْصَافَ كُلَّهَا فَارَقَتْهَا فِي مَحَلِّ وُجُوبِهَا وَكَانَتْ الْجِزْيَةُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ غَيْرُهَا؛ لِأَنَّهُمْ بِهَا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ وَأَهْلَيْهِمْ مَا كَانُوا فِي بَلَدِ عَقْدِ ذِمَّتِهِمْ وَمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِمْ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ التَّقَلُّبِ فِي التِّجَارَاتِ وَالتَّعَرُّضِ لِلْمَكَاسِبِ بِالْعَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالسَّائِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُعْقَدْ لَهُمْ الذِّمَّةُ إلَّا عَلَى التَّصَرُّفِ وَالتَّكَسُّبِ وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ وَلَا غَيْرَهُ مَا كَانُوا فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي أُقِرُّوا عَلَى الْمُقَامِ فِيهَا وَمَا كَانَ فِي حُكْمِهِ مِنْ الْبِلَادِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَاهَدُوا إلَّا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَقَطْ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْمُرَاعَاةُ فِي ذَلِكَ بِالْآفَاقِ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَتَصَرَّفَ فِي مُدُنِ الشَّامِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَصَرَّفَ إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْآفَاقِ كَالْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ إذَا خَرَجَ عَنْهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمَالِ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ صَرَفَ دَرَاهِمَ بِذَهَبٍ أَوْ ذَهَبٍ بِدَرَاهِمَ فَعَلَيْهِ عُشْرُ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَمُوَافَقَتِهِمْ وَلَمْ يُخَالِفْ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ؛ وَلِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إنَّمَا يُوجِبُ لَهُمْ التَّصَرُّفَ وَالتَّكَسُّبَ فِي بِلَادِ إقَامَتِهِمْ وَلَمْ يُوجِبْ لَهُمْ تَنْمِيَةَ أَمْوَالِهِمْ فِي سَائِرِ آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا حَقٌّ ثَابِتٌ وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُمْ فِيهَا بَعْدَ الذِّمَّةِ تَصَرُّفٌ مَخْصُوصٌ فَإِذَا نَمَّوْا أَمْوَالَهُمْ بِغَيْرِ بَلَدِ ذِمَّتِهِمْ أُخِذَ مِنْهُمْ الْعُشْرُ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّنْ وَرَدَ عَلَيْنَا بِأَمَانٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ بِبَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عُشْرُ مَا وَصَلُوا بِهِ وَإِنْ لَمْ يَبِيعُوا وَلَمْ يَشْتَرُوا.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَبِيعُوا وَلَمْ يَشْتَرُوا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الْأَمَانِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ لَهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ التَّصَرُّفَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ آفَاقِهِمْ بِالسَّفَرِ وَطَلَبِ النَّمَاءِ وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ أَخْذَ عُشْرِ مَا وَصَلُوا بِهِ كَمَا لَوْ بَاعُوا فَخَسِرُوا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ الْأَمَانُ فِي آفَاقِهِمْ، فَأَمَّا طَلَبُ الرِّبْحِ وَالتَّصَرُّفِ فِي غَيْرِهَا فَلَا إلَّا بِأَدَاءِ الْعُشْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَكْرَى شَيْئًا مِنْ إبِلِهِ إلَى الْمَدِينَةِ وَرَاجِعًا إلَى الشَّامِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرُ مَا أَكْرَى بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى الشَّامِ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا أَكْرَى بِهِ مِنْ الشَّامِ إلَى الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا وَجْهٌ مِنْ التَّنْمِيَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ حَصَلَتْ لَهُ بِغَيْرِ أُفُقِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ عُشْرُهُ كَالْمُعَاوَضَةِ بِالْبَيْعِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وَقَعَ بِالشَّامِ وَإِنَّمَا دَخَلَ لِلْمَدِينَةِ لِإِيفَاءِ حَقِّهِ وَاسْتِيفَائِهِ، وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا غَلَّةٌ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ عُشْرُهَا كَمَا لَوْ أَكْرَى نَفْسَهُ فِي الْخِدْمَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) اخْتَلَفَ الْمَغَارِبَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا بَاعُوا وَاشْتَرَوْا بِغَيْرِ بِلَادِهِمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كَانَ مَا صَارَ إلَيْهِمْ يَنْقَسِمُ أُخِذَ مِنْهُمْ عُشْرُهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْقَسِمُ أُخِذَ مِنْهُمْ ثَمَنُ عُشْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ:.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعُشْرَ إذَا انْقَسَمَ أُخِذَ مِنْ الْعَيْنِ كَعُشْرِ الزَّرْعِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْأَسْوَاقَ تَحُولَ وَتَخْتَلِفُ فَيَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ مَا لَا تُحِيلُهُ الْأَسْوَاقُ؛ وَلِأَنَّهُ عُشْرٌ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْخَذَ فِيهِ الْقِيمَةُ أَصْلُ ذَلِكَ مَا لَا يَنْقَسِمُ.
стр. 541
مِمَّا صَالَحُوا عَلَيْهِ وَلَا مِمَّا شُرِطَ لَهُمْ وَهَذَا الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) .
عُشْرُ أَهْلِ الذِّمَّةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ نِصْفَ الْعُشْرِ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكْثُرَ الْحَمْلُ إلَى الْمَدِينَةِ وَيَأْخُذُ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ) .
اشْتِرَاءُ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدُ فِيهَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ يُقَرُّونَ عَلَى دِينِهِمْ وَيَكُونُونَ مِنْ دِينِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَا يُمْنَعُونَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فِي بَاطِنِ أَمْرِهِمْ وَإِنَّمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إظْهَارِهِ فِي الْمَحَافِلِ وَالْأَسْوُقِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي عَامٍ وَاحِدٍ مِرَارًا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِمْ كُلَّمَا اخْتَلَفُوا الْعُشْرُ يُرِيدُ أَنَّ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا فَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ وَصَلُوا بِمَالٍ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عُشْرُ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْعَامِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْغَرَضَ قَدْ حَصَلَ فِي السَّفْرَةِ الثَّانِيَةِ كَمَا حَصَلَ فِي الْأُولَى فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي الْأُولَى فَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ.
[عُشْرُ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ وَهُمْ كُفَّارُ أَهْلِ الشَّامِ عَقَدَ لَهُمْ عَقْدَ الذِّمَّةِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ إلَى الْمَدِينَةِ بِالْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَاتِ أَهْلِ الشَّامِ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ فِي الْحِنْطَةِ وَالزَّيْتِ فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ فِيهَا نِصْفَ الْعُشْرِ فَيَكْثُرُ حَمْلُهُمْ لَهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ فَتَرْخُصُ بِذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالزَّيْتُ بِالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مُعْظَمُ الْقُوتِ، وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ كَامِلًا؛ لِأَنَّ غَلَاءَ الْقَطَانِيِّ لَا يَكَادُ يَضُرُّ بِالنَّاسِ كَثِيرَ ضَرَرٍ.
ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ كُنْت غُلَامًا عَامِلًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكُنَّا نَأْخُذُ مِنْ النَّبَطِ الْعُشْرَ) ش هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى غُلَامًا يُرِيدُ بِذَلِكَ شَابًّا وَرَوَاهُ مُطَّرِفٌ وَأَبُو مُصْعَبٍ كُنْت عَامِلًا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ عَامِلًا عَلَى أَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْقَادِمِينَ مِنْ سَائِرِ الْآفَاقِ فَأَخْبَرَ عَمَّا كَانَ يَأْخُذُ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ النَّبَطِ وَهُوَ الْعُشْرُ وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ يُفْعَلُ فِيهِ كَانَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِمَشُورَتِهِمْ فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِلَافٌ وَلَا ظَهَرَ فَهُوَ إجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهَا وَالْعَمَلُ بِهَا.
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَأْخُذُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ النَّبَطِ الْعُشْرَ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: كَانَ ذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ) .
ش قَوْلُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَأْخُذُ عُمَرُ مِنْ النَّبَطِ الْعُشْرَ سُؤَالٌ عَنْ وَجْهِ ذَلِكَ وَحُجَّتِهِ وَدَلِيلِ جَوَازِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ إنَّ ذَلِكَ كَانَ يَقْبِضُهُ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَلْزَمَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ وَلَيْسَ فِي هَذَا أَكْثَرُ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالسَّبَبِ وَلَيْسَ هَذَا إخْبَارًا عَنْ الْحُجَّةِ الْمُوجِبَةِ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ إنَّمَا عُوهِدُوا عَلَى التِّجَارَةِ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ بِآفَاقِهِمْ الَّتِي اسْتَوْطَنُوهَا فَإِذَا طَلَبُوا تَنْمِيَةَ أَمْوَالِهِمْ بِالتِّجَارَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَقٌّ غَيْرُ الْجِزْيَةِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا فَهَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي لَهُ فَعَلَ هَذَا عُمَرُ لَكِنَّهُ إذَا فَعَلَهُ عُمَرُ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ ثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً قَاطِعَةً عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحُكْمِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجْهُهُ وَكَمَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْحُكْمِ كَذَلِكَ اجْتَمَعَتْ عَلَى صِحَّةِ تَقْرِيرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بِالْعُشْرِ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 542
فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» )
ــ
[المنتقى]
[اشْتِرَاءُ الصَّدَقَةِ وَالْعَوْدُ فِيهَا]
(ش) : قَوْلُهُ حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ عَتِيقٍ وَاحِدُ الْعَتَاقِ مِنْ الْخَيْلِ وَهِيَ الْكِرَامُ السَّابِقَةُ مِنْهَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَ مَنْ فِيهِ النَّجْدَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ فَيَهَبَهُ لَهُ وَيُمَلِّكَهُ إيَّاهُ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ نَجْدَتِهِ وَنِكَايَتِهِ لِلْعَدُوِّ فَهَذَا يَمْلِكُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ وَيَتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَغَيْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَهُ إلَى مَنْ يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ مُوَاظَبَةَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْبِيسِ لَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَهَذَا لَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ فِي هَذَا الْوَجْهِ فَلَيْسَ لَهُ إزَالَتُهُ عَنْهُ مَعَ السَّلَامَةِ وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَوْقَافِ وَالْحَبْسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ قَدْ أَضَاعَهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَضَاعَهُ مِنْ الْإِضَاعَةِ بِأَنْ لَمْ يُحْسِنْ الْقِيَامَ عَلَيْهِ وَيَبْعُدُ مِثْلُ هَذَا فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنْ يُوجِبَ هَذَا عُذْرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ صَيَّرَهُ ضَائِعًا مِنْ الْهَزْلِ لِفَرْطِ مُبَاشَرَةِ الْجِهَادِ بِهِ وَلِإِتْعَابِهِ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَظَنَنْت أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهُ كَانَ وَهَبَهُ إيَّاهُ فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَرْخِصَهُ لِضَيَاعِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ حَبْسًا فَظَنَّ أَنَّ شِرَاءَهُ جَائِزٌ وَبَيْعُ الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ لَهُ مُبَاحٌ حَتَّى مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ الضَّيَاعِ مَبْلَغًا يَعْدَمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي حَبَسَهُ فِيهِ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ يُبِيحُ لَهُ شِرَاءَهُ.
(فَرْعٌ) وَضَيَاعُ الْخَيْلِ الْمُوقَفَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرْجَى صَلَاحُهُ وَالِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْجِهَادِ كَالضَّعْفِ وَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ فَهَذَا لَا خِلَافَ أَنْ يُسْتَبَاحَ لَهُ بَيْعُهُ الثَّانِي الْكَلَبُ وَالْهَرَمُ وَالْمَرَضُ الَّذِي لَا تُرْجَى إفَاقَتُهُ فَهَذَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا عَدِمَ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَ لَهُ وَلَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ جَازَ بَيْعُهُ وَوَضْعُ ثَمَنِهِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا عُدِمَ الِانْتِفَاعُ بِعَيْنِهِ وَأَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِثَمَنِهِ نُقِلَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ مِنْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ مُخْرَجٌ عَلَى سَبِيلِ الْحَبْسِ فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالْأُصُولِ الثَّابِتَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ الْقُبْحِ وَالْكَرَاهِيَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَائِدِ فِي أَكْلِ مَا قَدْ قَاءَ بَعْدَ أَنْ قَبُحَ وَتَغَيَّرَ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ إلَى حَالِ الْقَيْءِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَصَدِّقُ قَدْ أَخْرَجَ فِي صَدَقَتِهِ أَوْسَاخَ مَالِهِ وَمَا يُدَنِّسُهُ فَلَا يَرْتَجِعُهُ إلَى مِلْكِهِ بَعْدَ أَنْ تَغَيَّرَ بِصَدَقَتِهِ وَيُغَيِّرُهَا فِي مَالِهِ لِمَعْنَى الْفَسَادِ فِيهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْكَلْبِ وَأَخْلَاقِهِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا وَيُكْرَهُ مِنْ أَجْلِهَا وَفِي هَذَا خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي وَجْهِ الْعَطِيَّةِ .
وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي صِفَةِ الْعَطِيَّةِ فِي نَفْسِهَا.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي صِفَةِ الْمُعْطَى.
وَالْبَابُ الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ الِارْتِجَاعِ.
وَالْبَابُ الْخَامِسُ: فِي حُكْمِ الِارْتِجَاعِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي وَجْهِ الْعَطِيَّةِ] ١
أَمَّا وَجْهُ الْعَطِيَّةِ فَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ أَوْ التَّطَوُّعِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِرْجَاعُ صَدَقَتِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» وَأَمَّا إنْ كَانَتْ عَطِيَّةً عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَحْمِلُ عَلَى الْفَرَسِ لَا لِلسَّبِيلِ وَلَا لِلْمَسْكَنَةِ لَا بَأْسَ
стр. 543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَشْتَرِيَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقُرْبَةَ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا يَجُوزُ اعْتِصَارُ مَا وَهَبَ لِغَيْرِ الْقُرْبَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «الْعَائِدُ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى الْعَوْدِ إلَى مِلْكِ مَا وَهَبَ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ وَمَعْنَى الصَّدَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى ارْتِجَاعِ مَا وَهَبَ الْأَجْنَبِيَّ بِغَيْرِ عِوَضٍ بِدَلِيلِ مَا قَدَّمْنَاهُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْعَطِيَّةِ] ١
أَمَّا صِفَةُ الْعَطِيَّةِ فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ عَيْنًا بَتَلَهَا مِثْلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِفَرَسٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ أَصْلٍ أَوْ وَرِقٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي امْرَأَةٍ جَعَلَتْ خَلْخَالَهَا فِي السَّبِيلِ إنْ شَفَاهَا اللَّهُ فَلَمَّا بَرَأَتْ أَرَادَتْ أَنْ تُخْرِجَ قِيمَتَهَا وَتَحْبِسَهَا فَكَرِهَ ذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ أَعْطَى غَلَّةً أَوْ مَنْفَعَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّقُ بِغَلَّةِ الْأَصْلِ سِنِينَ أَوْ حَيَاةَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ لَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الْمُتَصَدِّقُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَّا عَبْدُ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ أَبَاهُ وَاحْتَجَّ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَأَجَازَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَوَّازِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عُمَرَ أَنْ يَعُودَ فِي صَدَقَتِهِ وَأَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِخَرْصِهَا وَهِيَ صَدَقَةٌ.
(فَرْعٌ) : وَمَنْ أَسْكَنْتَهُ أَوْ أَخْدَمْتَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَدِّلَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ إنْ رَضِيَهُ مَا لَمْ تَفْسُدْ عَطِيَّتُهُ وَمَنْ أَعْطَى فَرَسَهُ فِي السَّبِيلِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمُعْطَى]
أَمَّا صِفَةُ الْمُعْطَى فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَلَا يَرْجِعُ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فِيمَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ فَلَا يَرْكَبُهُ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا.
وَقَدْ رَكِبَ ابْنُ عُمَرَ نَاقَةً وُهِبَهَا فَصُرِعَ عَنْهَا فَقَالَ: مَا كُنْت لِأَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا كَأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ عُوقِبَ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ أَنْ يُرْكَبَ الْفَرَسُ الَّذِي جُعِلَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَنْ يُشْرَبَ مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ الْيَسِيرُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَقِلُّ قَدْرُهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَغَيْرُ مَقْصُودٍ بِالِارْتِجَاعِ؛ وَلِذَلِكَ عُفِيَ عَنْ الْيَسِيرِ فِي تَرْكِ حِيَازَتِهِ مِنْ الصَّدَقَةِ إذَا حِيزَ الْأَكْثَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْمُعْطَى ابْنًا فَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ فِي حِجْرِهِ بِجَارِيَةٍ فَتَتْبَعُهَا نَفْسُهُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَجْنَبِيٍّ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا أُرَخِّصُ فِيهَا لِمَكَانِ الِابْنِ مِنْ الْأَبِ وَلَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِغَنَمٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا وَيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا وَيَكْتَسِيَ مِنْ صُوفِهَا وَإِنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِحَائِطٍ جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا يُكْتَسَى مِنْ صُوفِ الْغَنَمِ وَلَا يُشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ بِغَيْرِ مَالٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَمَلُّكُهَا كَصَدَقَتِهِ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْأُمَّ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ فِي الِابْنِ الصَّغِيرِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الِابْنِ الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ لِلتَّصَرُّفِ تَأْثِيرًا فِي الْإِبَاحَةِ؛ وَلِذَلِكَ أُبِيحَ لِلْوَصِيِّ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ يُبَحْ لَهُ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِذْنُ وَأَمَّا الْكَبِيرُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي ذَلِكَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَةِ الِارْتِجَاعِ] ١
وَأَمَّا صِفَةُ الِارْتِجَاعِ فَإِنَّ عُمْدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ كُلَّ ارْتِجَاعٍ يَكُونُ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ كَالِابْتِيَاعِ لِمَا رُوِيَ
стр. 544
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك» ) .
ــ
[المنتقى]
عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا يَكُونُ بِاخْتِيَارِ الْمَمْنُوعِ، فَأَمَّا مَا يَقَعُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ مِمَّنْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِمَا تَصَدَّقَ بِهِ فَلَا تَقْبَلْهُ وَلَا تَرْتَجِعْهُ بِهِبَةٍ وَلَا إجَارَةٍ وَلَا عَارِيَّةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَا بَأْسَ لِمَنْ عَادَتْ إلَيْهِ صَدَقَتُهُ بِالْمِيرَاثِ أَنْ يَسْتَدِيمَ مِلْكَهَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ لَيْسَ بِرَاجِعٍ فِي صَدَقَتِهِ وَلَا مُتَّهَمٍ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَتَمَلَّكْهَا وَإِنَّمَا الشَّرْعُ قَضَى لَهُ وَعَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَوْ أَرَادَ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبْضِهَا لَأُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ تَصَدَّقَ غَازٍ عَلَى رَجُلٍ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ تَرَافَقَا فَأَخْرَجَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ نَفَقَةً مِنْ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَبْقَى.
وَقَدْ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي لَحْمِ بَرِيرَةَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَرَافِقَيْنِ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ نَفَقَتِهِ بِنَفَقَةِ الْآخَرِ وَإِنَّمَا تَشَارَكَا عَلَى أَنْ بَقِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِصَّتِهِ ثُمَّ يُمَيِّزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقَّهُ يَأْكُلُهُ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا حُكْمَ بَرِيرَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ اللَّحْمُ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، ثُمَّ لَمَّا أَبَاحَتْهُ هِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ ذَلِكَ هَدِيَّةً مِنْهَا إلَيْهِ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ الِارْتِجَاعِ] ١
أَمَّا حُكْمُ الِارْتِجَاعِ إذَا وَقَعَ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَدْ أَجَازَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ شِرَاءَ الرَّجُلِ صَدَقَتَهُ وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ فَإِنْ نَزَلَ عِنْدَنَا لَمْ نَفْسَخْهُ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ يُفْسَخُ الشِّرَاءُ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَالْقَوْلَانِ يَتَخَرَّجَانِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْمُدِيرِ أَوْ غَيْرِ الْمُدِيرِ يُخْرِجُ فِي زَكَاتِهِ عَرَضًا لَا يُجْزِيهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَيُجْزِئُهُ عِنْدَ أَشْهَبَ إذَا لَمْ يُحَابِ عَنْ نَفْسِهِ، بِئْسَ مَا صَنَعَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مُعَارَضَةُ الْمُزَكِّي بِزَكَاتِهِ لَا تُنَافِي صِحَّةَ الْمِلْكِ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَخْرَجَ وَرِقًا عَنْ ذَهَبٍ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي نَهْيُهُ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَشْتَرِيَ صَدَقَتَهُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ إذَا كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ اقْتَضَى فَسَادَهُ كَالْبَيْعِ وَقْتَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك» ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك سَمَّى الِابْتِيَاعَ عَوْدًا إمَّا لِأَنَّهُ يُحْبَسُ فَرَأَى أَنَّ ابْتِيَاعَهُ نَقْضٌ لِتَحْبِيسِهِ فَهُوَ عَوْدُهُ فِيهِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ فَسَمَّى الِابْتِيَاعَ عَوْدًا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى مِلْكِهِ وَهَذَا مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ مَنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَوْدِ فِي الصَّدَقَةِ.
ص (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَوَجَدَهَا مَعَ غَيْرِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ تُبَاعُ أَيَشْتَرِيهَا فَقَالَ تَرْكُهَا أَحَبُّ إلَيَّ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ وَجَدَهَا بِيَدِ غَيْرِهِ فَابْتِيَاعُهُ إيَّاهَا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أَزَالَ مِلْكَهُ عَنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مُضَارِعٌ لِلرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ دِينَارٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ عَلَى آخَرَ، ثُمَّ وَجَدَهَا عِنْدَ غَيْرِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا زَادَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ وَلَا يَدُسُّ مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا تَقَدَّمَ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ رُبَّمَا سَامَحَهُ فِي بَعْضِ الثَّمَنِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَدَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَالْأَجْنَبِيُّ لَا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنْهُ غَالِبًا وَلَوْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمَا كَانَ فِي مَعْنَى الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا
стр. 545
مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ غِلْمَانِهِ الَّذِينَ بِوَادِي الْقُرَى وَبِخَيْبَرِ) .
ــ
[المنتقى]
يُمْنَعُ مِنْ الرُّجُوعِ فِيمَا تَصَدَّقَ بِهَا فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَيَقْبَلَهَا مِمَّنْ أَهْدَاهَا إلَيْهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ سَحْنُونٍ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَشْتَرِيَ كَسْرًا لِسُؤَالٍ قِيلَ لَهُ وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ فَقَالَ أَلَا تَرَى إلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «هُوَ صَدَقَةٌ عَلَى بَرِيرَةَ وَهُوَ لَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ» وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الرُّجُوعَ فِيهَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْ الْمُتَصَدِّقِ فَلِذَلِكَ اُخْتُصَّ الْمَنْعُ بِهِ وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ بِرَاجِعٍ فِيهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا.
[مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ غِلْمَانِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ عَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مِلْكِهِ، وَنَفَقَتُهُمْ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَالزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ عَنْهُمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «كُنَّا نُخْرِجُ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةً عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» الْحَدِيثَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ لِوَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ لِجَمَاعَةٍ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِيهِ وَاجِبَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ فِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ عَبْدَانِ مُشْتَرَكَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ «كُنَّا نُخْرِجُ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُشْتَرَكِ وَغَيْرِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ وَمَنْ هُوَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ وَاجِدٌ لَهَا فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ زَكَاةُ فِطْرِهِ وَاجِبَةً أَصْلُهُ إذَا كَانَ لِوَاحِدٍ.
(فَرْعٌ) وَكَيْفَ يُخْرِجُ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ مَالِكَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ بِقَدْرِ مِلْكِهِ فِيهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْهُ فِطْرَةً كَامِلَةً.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ فَلَمَّا كَانَتْ النَّفَقَةُ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ الْفِطْرَةُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْعَبْدَ مَحْبُوسٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِسَبَبِهِ فِي أَحْكَامِ الرِّقِّ إذَا انْفَرَدَ مِلْكُهُ لِحَقِّهِ مِنْهُ فَكَانَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا لَوْ مَلَكَ جَمِيعَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا ابْتَاعَ الْعَامِلُ الْعَبِيدَ بِمَالِ الْقِرَاضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُمْ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُمْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ يُخْرِجُهَا مِنْ مَالِهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَأَصْبَغُ يُزَكِّي عَنْهُمْ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ هُوَ رَأْسَ الْمَالِ، رَوَى ذَلِكَ عَنْهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ.
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَسَحْنُونٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهُمْ تُخْرَجُ مِنْ مَالِ الْعَامِلِ ثُمَّ تَكُونُ مُرَاعَاةً فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ كَانَ لِلْعَامِلِ مِنْهَا قَدْرُ حِصَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: زَكَاةُ الْفِطْرِ كَالنَّفَقَةِ مِنْ الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ عِنْدَنَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَجِبُ أَنْ يُخْرِجَ مِمَّا بِيَدِهِ الزَّكَاةَ؛ لِأَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ لَهُ فَكَانَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَلَا يَمْلِكُ الْعَامِلُ نَصِيبَهُ مِنْ الرِّبْحِ إلَّا بِالْقِسْمَةِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ زَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ وَنَفَقَاتِهَا إنَّمَا حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ مِنْهَا فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ تَلْزَمُ رَبَّ الْمَالِ فَوَاجِبٌ أَنْ تُخْرَجَ مِمَّا بِيَدِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ إذَا أَخْرَجَهَا فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْقِرَاضِ بَعْدَ الْعَمَلِ فِيهِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمَالِ فَإِذَا كَانَ لِلْعَامِلِ فِيهِ حِصَّةٌ عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ يَمْلِكُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ بِالظُّهُورِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ
стр. 546
(ص) : (مَالِكٌ إنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعْت فِيمَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ زَكَاةِ الْفِطْرِ أَنَّ الرَّجُلَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَنْ يَضْمَنُ نَفَقَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَالرَّجُلُ يُؤَدِّي عَنْ مُكَاتَبِهِ وَمُدَبَّرِهِ وَرَقِيقِهِ كُلِّهِمْ غَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لِتِجَارَةٍ أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ)
ــ
[المنتقى]
نِصْفُ الْعَبْدِ حُرًّا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّ عَلَى مَالِكِ النِّصْفِ نِصْفَ الْفِطْرَةِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْبَاقِي وَرَوَى عَنْهُ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْفِطْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَرَوَى عَنْهُ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ عَلَى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ الرِّقِّ جَمِيعَ الْفِطْرَةِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْفِطْرَةَ زَكَاةٌ وَالزَّكَاةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ فَعَلَى مَنْ مَلَكَ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَتَسْقُطُ عَنْ حِصَّةِ الْحُرِّ زَكَاةُ الْفِطْرِ لِمَا ذَكَرَهُ.
وَوَجْهُ مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ فَلَمَّا قُسِّطَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْمِلْكِ فَكَذَلِكَ الْفِطْرَةُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُطَّرِفٍ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي حَقِّ مَنْ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ بِأَحْكَامِ الرِّقِّ كُلِّهَا وَهَذَا مِنْ جُمْلَتِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ جَمِيعُ الصَّاعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عَنْ غِلْمَانِهِ الَّذِينَ كَانُوا بِوَادِي الْقُرَى وَبِخَيْبَرِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ عَنْهُمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانُوا غُيَّبًا عَنْ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِمْ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ مَغِيبَهُمْ عَنْهُ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ فِيهِمْ زَكَاةَ الْفِطْرِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ نَفَقَةٌ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ وَنَفَقَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْعَقْدِ.
فَأَمَّا النَّفَقَةُ الثَّابِتَةُ بِالشَّرْعِ فَمَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ لَزِمَتْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ حُكْمَ النَّفَقَةِ لِيَتَبَيَّنَ حُكْمُ الزَّكَاةِ فِيهَا فَتَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ نَفَقَةُ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ الْمُعْسِرِ وَنَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الْمُعْسِرَيْنِ وَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ وَعَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ فَأَمَّا الْأَوْلَادُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا صِغَارًا أَوْ كِبَارًا فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ، وَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ نَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ وَفِطْرَتُهُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَدَلِيلُنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الْفِطْرَةُ عَنْهُ كَالْكَبِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَالنَّفَقَةُ فِي مَالِ أَبِيهِ وَكَذَلِكَ الْفِطْرَةُ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا أَوْ مُعْسِرًا، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ وَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا أَوْ زَمِنًا فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِطْرَتُهُ وَإِنْ كَانَ زَمِنًا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الزَّمَانَةُ طَرَأَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَكَذَالِكَ الْفِطْرَةُ وَإِنْ كَانَ بَلَغَ زَمِنًا فَنَفَقَتُهُ عَلَى أَبِيهِ، وَكَذَالِكَ فِطْرَتُهُ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ بِالْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ الزَّمَانَةَ تَمْنَعُ الِاكْتِسَابَ كَالصِّغَرِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ نَفَقَةُ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ عَنْ وَلَدِهِ الْبَالِغِ زَمِنًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حَقٌّ يَجِبُ فِيهِ عَنْ الصَّغِيرِ مِنْ وَلَدِهِ فَجَازَ أَنْ يَحْمِلَهُ عَنْ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ كَالنَّفَقَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ الْمُعْسِرَيْنِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ الْوَلَدَ وَإِنْ كَانَا قَوِيَّيْنِ عَلَى الْعَمَلِ وَهَذَا إذَا كَانَا زَوْجَيْنِ فَإِنْ كَانَ لِلْأَبِ زَوْجٌ غَيْرُ الْأُمِّ فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ عَلَى الِابْنِ الْغَنِيِّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ وَعَلَى زَوْجِهِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ أُمِّهِ.
وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ لَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ أُمَّهُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُنْفِقُ مِنْ نِسَاءِ أَبِيهِ إلَّا عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَمِنْ خَدَمِهَا إلَّا عَلَى خَادِمٍ وَاحِدَةٍ وَأَمَّا الْأُمُّ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا غَيْرُ أَبِيهِ فَنَفَقَتُهَا عَلَى الزَّوْجِ فَإِنْ أَبَى الزَّوْجُ أَنْ يُمْسِكَهَا إلَّا بِغَيْرِ نَفَقَةٍ وَرَضِيَتْ الْأُمُّ بِذَلِكَ لَزِمَ الِابْنُ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ بِذَلِكَ إلَّا الْإِضْرَارُ بِهَا وَالْعَضْلُ لَهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَى الِابْنِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ
стр. 547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ يُمَوِّنُهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ مِمَّنْ يَجِدُهَا فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ كَالِابْنِ الصَّغِيرِ الْمُعْسِرِ مَعَ الْأَبِ الْغَنِيِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الزَّوْجَةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْهَا وَذَلِكَ فِي مَالِهَا وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ يُمَوِّنُهَا بِالشَّرْعِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْفِطْرَةِ وَاجِدٌ لَهَا فَلَزِمَهُ إخْرَاجُهَا عَنْهَا أَصْلُهُ الْأَمَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا أَوْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْدُمُ نَفْسَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْدَامُهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا خَادِمٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَيْهَا، وَكَذَالِكَ فِطْرَتُهَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْدُمُ نَفْسَهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَنْ يُكْرِيَ لَهَا مَنْ يَخْدُمُهَا أَوْ يَشْتَرِيَ لَهَا خَادِمَهَا يُشْغِلُهَا بِخِدْمَتِهَا أَوْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمِهَا وَقِيلَ: إنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاء: ثَلَاثَةٌ تَقَدَّمَتْ وَالرَّابِعُ أَنْ يَخْدُمَهَا بِنَفْسِهِ فَإِنْ اخْتَارَ النَّفَقَةَ عَلَى خَادِمِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهَا زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ بِالشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ بِأَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدَةٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِلْكُهُ تَامًّا وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ مَاضِيًا نَافِذًا أَوْ يَكُونَ قَدْ عَقَدَ فِيهِمْ عَقْدًا يَمْنَعُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ فِيهِمْ عَقْدٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُنَا فِيهِ بِمَا يُغْنِي، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِمْ عَقْدٌ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَأَحْكَامُهُمْ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الْعُقُودُ، وَالْعُقُودُ فِي ذَلِكَ الرَّهْنُ وَالْإِجَارَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ وَالْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ وَالْكِتَابَةُ وَالْإِخْدَامُ فَأَمَّا الرَّهْنُ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِيهِ عَلَى مَالِكِهِ الرَّاهِنِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَكَذَالِكَ الْإِجَارَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التَّدْبِيرُ وَالِاسْتِيلَادُ وَالْعِتْقُ إلَى أَجَلٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى السَّيِّدِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَزُولُ يَدُهُ بِالْكِتَابَةِ وَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا عَقْدٌ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْ السَّيِّدِ فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ كَالْعِتْقِ الْبَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْإِخْدَامُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَرْجِعُ الرَّقَبَةِ بَعْدَ الْخِدْمَةِ إلَى مِلْكٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَرْجِعَ إلَى حُرِّيَّةٍ فَإِنْ كَانَ رُجُوعُهَا إلَى رِقٍّ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: النَّفَقَةُ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَرَجَعَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ: النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ وَالزَّكَاةُ عَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ تَطُولُ فَالنَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ وَإِنْ كَانَتْ قَصِيرَةً كَالْوَجَائِبِ وَالْإِجَارَةِ فَالنَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ عَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ طَالَتْ مُدَّةُ الْخِدْمَةِ أَوْ قَصُرَتْ النَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ عَلَى مَنْ لَهُ مَرْجِعُ الرَّقَبَةِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ خَالِصَةٌ لِلَّذِي لَهُ الْخِدْمَةُ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ؛ لِأَنَّنَا لَا نَتَحَقَّقُ رُجُوعَهَا إلَى غَيْرِهِ وَالزَّكَاةُ مَانِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ الثَّابِتَةِ بِالشَّرْعِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ بِسَبَبِ الْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي الرَّقَبَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ زَكَاةَ الْفِطْرِ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا مِنْهُ وَاشْتَرَطَ النَّفَقَةَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْخِدْمَةَ الْيَسِيرَةَ الْغَالِبُ مِنْهَا السَّلَامَةُ وَرُجُوعُهَا إلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ فَكَانَتْ النَّفَقَةُ وَالْفِطْرَةُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ وَإِنْ كَانَتْ الْخِدْمَةُ طَوِيلَةَ الْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ فَإِنَّهَا لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ سَلَامَتُهَا وَرُجُوعُهَا إلَيْهِ فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى مَنْ يَتَعَجَّلُ مَنْفَعَتَهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الرَّقَبَةَ لَا تَزُولُ عَنْهُ وَالْفِطْرَةُ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ النَّفَقَةَ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ ابْتَاعَ رَقَبَةً كَانَتْ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ وَمَنْ ابْتَاعَ مَنْفَعَتَهَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَالنَّفَقَةُ تَجِبُ عَلَى مَنْ لَهُ الرَّقَبَةُ، وَالزَّكَاةُ تَبَعٌ لَهَا فَإِنْ يَئِسَ مِنْ رُجُوعِهَا فَلْيُزِلْ مِلْكَهُ عَنْهَا بِالْعِتْقِ لِتَسْقُطَ عَنْهُ النَّفَقَةُ وَالزَّكَاةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَرْجِعُ إلَى حُرِّيَّةٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ نَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ عَلَى
стр. 548
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ إنَّ سَيِّدَهُ إنْ عَلِمَ مَكَانَهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً وَهُوَ يَرْجُو حَيَاتَهُ وَرَجْعَتَهُ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ إبَاقُهُ قَدْ طَالَ وَيَئِسَ مِنْهُ فَلَا أَرَى أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَمَا تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ) .
مَكِيلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ» )
ــ
[المنتقى]
مَنْ لَهُ الْخِدْمَةُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ فِي الرِّقِّ بِسَبَبِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ الْعَبْدَ الَّذِي يَمْلِكُ رَقَبَتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لِتِجَارَةٍ يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ وَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ وَلَزِمَهُ فِي قِيمَتِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ ثَابِتَةٌ فِي رَقَبَتِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مُسْلِمًا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِ، يُرِيدُ أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ عَبِيدِهِ أَوْ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ غَيْرَ مُؤْمِنٍ فَإِنَّهُ لَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْ عَبِيدِهِ الْكُفَّارِ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الطُّهْرَةِ فَلَمْ يَجِبْ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْهُ، أَصْلُهُ الْأَبُ الذِّمِّيُّ الْكَافِرُ الْفَقِيرُ فَإِنَّهُ يُنْفَقُ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَدَّى عَنْهُ الْفِطْرُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُمْ مَنْ تُرْجَى أَوْبَتُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُرْجَى فَمَنْ رُجِيَتْ أَوْبَتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْهُ، وَمَنْ يَئِسَ مِنْ أَوْبَتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِي عِلْمِهِ بِحَيَاتِهِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَزِمَتْهُ عَنْهُ الْفِطْرَةُ دَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا قَدْ يَئِسَ مِنْهُ فَلَمْ يَلْزَمْ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ كَاَلَّذِي صَارَ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَأَهْلِ الْحَاضِرَةِ وَهُمْ أَهْلُ الْقُرَى وُجُوبًا سَوَاءً لِمَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَهَا عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَلَمْ يَخُصَّ أَهْلَ حَاضِرَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَهَذَا نَصٌّ مِنْ مَالِكٍ ﵀ عَلَى قَوْلِهِ بِصِحَّةِ الْعُمُومِ وَاعْتِقَادِهِ الِاحْتِجَاجَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ هُوَ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ إلَّا مَا يُحْكَى عَنْ الْأَصَمِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ دَاخِلَةٌ فِيهَا وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَصِحُّ بِتَأَوُّلِهِ لَهَا وَهُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى هَذِهِ الزَّكَاةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
[مَكِيلَةُ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى النَّاسِ» يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الزَّكَاةِ خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ وَالْأَصَمِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى فَرَضَ أَلْزَمَ فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ عِنْدَنَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْوَاجِبُ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهَذَا الْخِلَافُ فِي عِبَارَةٍ وَمَعَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ خَالَفَ أَصْلَهُ فَجَعَلَ زَكَاةَ الْخَيْلِ وَزَكَاةَ التِّجَارَةِ فَرِيضَةً، وَالْخِلَافُ فِيهَا أَظْهَرُ مِنْ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَاللُّزُومَ فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ قَدَّرَهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ فَرَضَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ إلَّا أَوْجَبَ؛ لِأَنَّ عَلَى يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَاللُّزُومَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى عَنْ؛ لِأَنَّ الْمُوجَبَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمُوجَبِ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 549
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
ﷺ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ قَدَّرَ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ وَكَانَ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ لَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمَا إذْ لَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] أَنَّهَا زَكَاةُ الْعَيْنِ وَالْحَرْثِ وَالْمَاشِيَةِ وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ: فَقَالَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ قِيلَ لَهُ فَزَكَاةُ الْفِطْرِ فَقَالَ هِيَ مِمَّا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفَرَضَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فَهِيَ فَرْضٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ ﷺ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الْفَرْضِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ الْغَنِيِّ فَأَمَّا الْفَقِيرُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُخْرِجُ مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ دُونَ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ نِصَابُ مَالٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى النَّاسِ» وَهَذَا عَامٌّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَقٌّ فِي الْمَالِ لَا يَزْدَادُ بِزِيَادَةٍ فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى نِصَابٍ كَالْكَفَّارَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ رَمَضَانَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ ابْتِدَاءَ الْفِطْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ فِي أَوَّلِ زَمَنٍ مِنْ شَوَّالٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْفِطْرُ يَوْمَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ الَّذِي يُخَالِفُ حُكْمَ الصَّوْمِ فِيهِ وَأَمَّا الْفِطْرُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَوَّالٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفِطْرٍ مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيَ صَوْمَ مَا بَعْدَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ذِكْرٌ لِمَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إخْرَاجِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَأَنَّ الْمِقْدَارَ الْمُخْرَجَ مِنْهُ هُوَ صَاعٌ، وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ رِطْلٌ وَثُلُثٌ فَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْمُدُّ رَطْلَانِ وَالصَّاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ نَقْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلُ رَوَاهُ خَلَفُهُمْ عَنْ سَلَفِهِمْ وَوَرِثَهُ أَبْنَاؤُهُمْ عَنْ آبَائِهِمْ أَنَّ هَذَا الْمُدَّ هُوَ مُدُّ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهَذَا احْتَجَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى أَبِي يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ، وَاسْتَدْعَى أَبْنَاءَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَكُلٌّ أَتَى بِمُدٍّ زَعَمَ أَنَّهُ أَخَذَهُ عَنْ أَبِيهِ أَوْ عَنْ عَمِّهِ أَوْ عَنْ جَارِهِ مَعَ إشَارَةِ الْجُمْهُورِ إلَيْهِ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا يُوجِبُ الْعِلْمَ وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ كَمَا لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَلَدًا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ مُدِّهِمْ الَّذِي يَتَعَامَلُونَ بِهِ الْيَوْمَ وَاَلَّذِي تَعَامَلُوا بِهِ مُنْذُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ وَأَشَارَ إلَيْهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ لَوَقَعَ إلَيْهِمْ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي يُوسُفَ؛ وَلِذَلِكَ رَجَعَ عَنْ مُوَافَقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ إلَى مُوَافَقَةِ مَالِكٍ لِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْعِلْمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ هَاهُنَا عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّقْسِيمِ وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّخْيِيرِ لَاقْتَضَى أَنْ يُخْرِجَ الشَّعِيرَ مَنْ قُوتُهُ غَيْرَهُ مِنْ التَّمْرِ مَعَ وُجُودِهِ وَلَا يَقُولُ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ فَتَقْدِيرُهُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ عَلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى عَنْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَالْعَبْدُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ عِنْدَ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْ عَبْدِهِ وَإِنَّمَا يُخْرِجُهَا الْعَبْدُ نَفْسُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَعْنَاهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَكِنْ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ السَّيِّدُ
стр. 550
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ «أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ » )
ــ
[المنتقى]
وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ ابْتِدَاءً فَإِنَّهُ أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ الْغُرْمُ يَلْزَمُ السَّيِّدَ دُونَ الْعَبْدِ؛ وَلِذَلِكَ يُقَالُ يَلْزَمُك عَلَى كُلِّ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّك دِرْهَمٌ وَعَلَى كُلِّ نَاقَةٍ مِنْ إبِلِك بِحَارِسِهَا دِرْهَمٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُطْلِقْهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ ذَلِكَ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إشْغَالِهَا بِالشَّرْعِ وَعَلَى أَنَّ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُسْلِمِينَ وَانْتِفَائِهِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمَّى مَا يُخْرَجُ زَكَاةً وَالزَّكَاةُ إنَّمَا هِيَ تَطْهِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] فَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطَهِّرُهُمْ وَلَا تُزَكِّيهِمْ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ التَّقْيِيدَ بِصِفَةِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا حَصَلَ فِيمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ لَا فِيمَنْ تَجِبُ عَنْهُ؛ وَلِذَلِكَ تَكُونُ طُهْرَةً وَزَكَاةً فَالْجَوَابُ أَنَّ التَّقْيِيدَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ بَعْدَ ذِكْرِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا تَجِبُ فَيَجِبُ أَنْ تُصْرَفَ إلَى جَمِيعِهِمْ وَلَوْ قُلْنَا: إنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِهِمْ دُونَ بَعْضٍ لَكَانَ انْصِرَافُ ذَلِكَ إلَى مَنْ تَجِبُ عَنْهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ إلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِلَيْنِ قَائِلٌ يَقُولُ: إنَّ الصِّفَاتِ وَالتَّقْيِيدَ وَالِاسْتِثْنَاءَ يَنْصَرِفُ إلَى جَمِيعِ الْمَذْكُورِ، وَطَائِفَةٌ تَقُولُ يَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ دُونَ غَيْرِهِ وَلَا أَحَدَ يَقُولُ: إنَّهَا تَنْصَرِفُ إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ دُونَ أَقْرَبِهِ، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لَنَا إذَا اُعْتُبِرَ الْإِسْلَامُ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ يَلْزَمُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيمَنْ يُخْرِجُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ «أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَذَلِكَ بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ » ) .
(ش) : قَوْلُهُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَلْحَقُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمُسْنَدِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا أَخْبَرَ بِفِعْلٍ مِنْ الشَّرْعِ وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَضَافَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ دَاوُد بْنُ قَيْسٍ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ إذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ» فَذَكَرَهُ فَصَرَّحَ بِرَفْعِهِ فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ الْمُضَافُ مِمَّا يَظْهَرُ وَيَتَبَيَّنُ وَلَا يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى الْمُنْكَرِ، وَإِخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ يَكْثُرُ الْمُخْرِجُونَ لَهَا وَالْآخِذُونَ وَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ حَتَّى لَا يُمْكِنَ أَنْ يَخْفَى أَمْرُهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَثَبَتَ أَنَّ الْخَبَرَ حُجَّةٌ وَأَنَّهُ مُسْنَدٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ وَالطَّعَامُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَا يُتَطَعَّمُ، وَلَكِنَّهُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَاقِعٌ عَلَى قُوتِ النَّاسِ مِنْ الْبُرِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إخْرَاجَ الْبُرِّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ جَائِزٌ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْبُرِّ فِي الزَّكَاةِ وَهَذَا خِلَافٌ لَا يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ هَكَذَا «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ» وَالطَّعَامُ إذَا أُطْلِقَ تَوَجَّهَ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ إلَى الْبُرِّ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ اذْهَبْ بِنَا إلَى سُوقِ الطَّعَامِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ سُوقُ الْجَزَّارِينَ وَلَا سُوقُ الزَّيْتِ وَلَا سُوقُ شَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ إلَّا الْبُرَّ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّعِيرِ عَلَى حَسْبِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْبُرِّ فَالْجَوَابُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَى سُوقِ الشَّعِيرِ إذَا انْفَرَدَ وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى سُوقِ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِ لِلْقَمْحِ، وَأَمَّا سُوقُ الشَّعِيرِ إذَا انْفَرَدَ فَإِنَّ هَذَا
стр. 551
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الِاسْمَ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُ قَالَ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ فَصَرَّحَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّعَامِ غَيْرُ الشَّعِيرِ كَمَا بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّعِيرِ غَيْرُ مَا بَعْدَهُ لَمَّا أَوْرَدَ بَيْنَهُمَا لَفْظَ التَّقْسِيمِ أَوْ التَّخْيِيرِ وَلَا يُقْسَمُ الشَّيْءُ فِي نَفْسِهِ كَمَا لَا يُخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فَقَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ قُوتَهُمْ الْغَالِبَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الطَّعَامِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تُخْرَجُ مِنْ الْقُوتِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا عَنْهُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُؤَدِّيهَا مِنْ كُلِّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قُوتِهِ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ تُؤَدَّى مِنْ تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ وَالذُّرَةِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَقِطِ وَالتَّمْرِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَلَسَ فَجَعَلَهَا عَشْرَةً وَقَالَ: إنْ أَخْرَجَ الدَّقِيقَ بِرِيعِهِ أَجْزَأَهُ، وَكَذَالِكَ الْخُبْزُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تُجْزِئُ إلَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ الشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ إلَّا أَنَّ الشَّعِيرَ يَدْخُلُ مَعَهُ الْقَمْحُ وَالسُّلْتُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ وَهَذِهِ مَعَانٍ تُبَيِّنَ الْقَوْلُ فِي جَوَازِ إخْرَاجِهَا ثُمَّ تُبَيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ صِفَةَ إخْرَاجِهَا فَأَمَّا الْقَمْحُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَالشَّعِيرُ ثَابِتٌ ذِكْرُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
وَقَدْ انْفَرَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ «كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سُلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ» وَلَيْسَ السُّلْتُ بِمَحْفُوظٍ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ وَاَلَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي جَوَازِ إخْرَاجِهِ أَنَّهُ حَبٌّ مِنْ جِنْسِ الْقَمْحِ تُجْزِئُ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالشَّعِيرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقَمْحَ وَالسُّلْتَ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ أَفْضَلُهُ الْقَمْحُ وَأَوْسَطُهُ السُّلْتُ وَأَدْوَنُهُ الشَّعِيرُ فَإِذَا كَانَ يُجْزِئُ إخْرَاجُ الشَّعِيرِ وَهُوَ الْأَدْوَنُ فَبِأَنْ يُجْزِئَ إخْرَاجُ الْقَمْحِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالسُّلْتِ وَهُوَ الْأَوْسَطُ أَوْلَى وَأَحْرَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْعَلَسُ فَقَدْ قَدَّمْنَا اخْتِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي إلْحَاقِهِ بِالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ، وَالْكَلَامُ فِي إخْرَاجِهِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مَبْنِيٌّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ أُلْحِقَ بِهِ عَلَى مَعْنَى الْجِنْسِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ أُلْحِقَ بِهِ بِالْقِيَاسِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التَّمْرُ فَلَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ مُجْزِئًا وَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَمَّا الزَّبِيبُ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إخْرَاجِهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ خَبَرُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ ثَمَرَةٌ تُجْزِئُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا وَعِنْدَ كَمَالِ نَمَائِهَا تُقْتَاتُ غَالِبًا فَجَازَ إخْرَاجُهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأَقِطُ فَإِنَّ إخْرَاجَهُ جَائِزٌ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِثْلُ قَوْلِنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَوْ صَاعٌ مِنْ أَقِطٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ مَعْنَى يُجْزِئُ فِيهِ الصَّاعُ يُقْتَاتُ غَالِبًا يُسْتَفَادُ مِنْ أَصْلٍ تَجِبُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَجَازَ إخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْحُبُوبِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْأُرْزُ وَالذُّرَةُ وَالدُّخْنُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا عِنْدَ أَشْهَبَ وَيُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَبٌّ يُقْتَاتُ غَالِبًا تُجْزِئُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ يَوْمَ تَمَامِهِ فَجَازَ إخْرَاجُهُ فِي الزَّكَاةِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهَا كَاللَّحْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقَطَانِيُّ الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالْجُلْبَانُ فَهَلْ يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ مِنْهَا أَمْ لَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُخْرِجُ مِنْ كُلِّ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ ذَلِكَ قُوتَهُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُخْرِجُ مِنْ الْقَطَانِيِّ
стр. 552
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا التَّمْرَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا) .
ــ
[المنتقى]
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ كَانَ قُوتَهُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذَا حَبٌّ يُقْتَاتُ غَالِبًا تُجْزِئُ فِي عَيْنِهِ الزَّكَاةُ فَجَازَ إخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذِهِ حُبُوبٌ تُسْتَعْمَلُ غَالِبًا بِمَعْنَى التَّأَدُّمِ وَإِصْلَاحِ الْأَقْوَاتِ فَلَمْ يَجُزْ إخْرَاجُهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ كَالْأَبْزَارِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الدَّقِيقُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا ذَلِكَ لِلرِّيعِ فَإِذَا أَخْرَجَ بِمِقْدَارِ مَا يُرِيعُ الْقَمْحُ أَجْزَأَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ مُقَدَّرَةٌ وَمِقْدَارُ الرِّيعِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَوْ جَوَّزْنَا إخْرَاجَ الدَّقِيقِ بِالرِّيعِ لَأَخْرَجْنَاهَا عَنْ التَّقْدِيرِ الَّذِي فَرَضَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَأَوْجَبَهُ إلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ الَّذِي يُنَافِي الزَّكَاةَ وَلَكَانَ لَا يُطْلَقُ عَلَى مَا يُخْرِجُ اسْمَ صَاعٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلَّقَ حُكْمَهَا بِهَذَا الِاسْمِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ يَكُونَ الصَّاعُ قَدْ جَرَى فِي الْحِنْطَةِ، ثُمَّ يُطْحَنُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ التَّقْدِيرِ إلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا التِّينُ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يُخْرَجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَقَدْ تَرَجَّحَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ: إنَّ الزَّكَاةَ لَا تُجْزِئُ فِيهِ وَإِنَّ الرِّبَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ مِنْ الْأَقْوَاتِ لِمَا لَمْ يَكُنْ بَلَدٌ يُقْتَاتُ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ الْأَقْوَاتِ وَأَنْ تُجْزِئَ فِيهِ الزَّكَاةُ وَالرِّبَا وَيُخْرِجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ مَنْ يَتَقَوَّتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْأَقْوَاتُ بَعْضُهَا أَرْفَعُ مِنْ بَعْضٍ فَعَلَى أَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ غَالِبِ قُوتِهِمْ وَأَكْثَرِ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي جِهَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَقْتَاتُ بِغَيْرِ مَا يَقْتَاتُ بِهِ أَهْلُ بَلَدِهِ فَيُنْظَرُ فَإِنْ اقْتَاتَ أَفْضَلَ مِنْ قُوتِهِمْ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ قُوتِهِ فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ وَمَا زَادَ عَلَى قُوتِ النَّاسِ فَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى التَّرَفُّهِ وَالتَّفَكُّهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَاتُ دُونَ قُوتِ النَّاسِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ عُسْرٍ أَوْ بُخْلٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ عُسْرٍ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ قُوتِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لِأَكْثَرَ مِنْهُ وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ يَتَعَلَّقُ بِالْوُجُودِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] ، فَإِنْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبُخْلٍ لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ قُوتِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الزَّكَاةِ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَتَقْصِيرُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يُسْقِطُ عَنْهُ الزَّكَاةَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ وَالسُّلْتُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَمَنْ أَكَلَ الْحِنْطَةَ وَأَخْرَجَ الشَّعِيرَ أَوْ السُّلْتَ أَجْزَأَهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذِهِ زَكَاةٌ فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِنَوْعٍ لَمْ يَجُزْ أَدْوَنُ مِنْهُ، أَصْلُ ذَلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ حِنْطَةٍ لَا يُجْزِيهِ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا حِنْطَةً رَدِيئَةً.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ لَا يُجِيزُ التَّخْيِيرَ مِنْ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثَيْنِ وَإِنَّمَا يُجِيزُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْقَمْحِ وَالسُّلْتِ وَلَيْسَ بِمَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ وَأَمَّا التَّمْرُ وَالْأَقِطُ وَالزَّبِيبُ الْمَذْكُورُ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ مَعَ الشَّعِيرِ فَلَا نَرَى فِيهَا التَّخْيِيرَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَمَّا السِّتَّةُ الْأَصْنَافِ الْبَاقِيَةِ فَلْيُخْرِجْ مِنْ بَدَلِهِ فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ لَمْ يُجْزِهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا التَّمْرَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ أَخْرَجَ شَعِيرًا) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يُخْرِجُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إلَّا التَّمْرَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قُوتَهُ وَقُوتَ أَهْلِ بَلَدِهِ بِالْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ كَانَ يَرَى أَنْ لَا يُجْزِيَهُ غَيْرَ التَّمْرِ وَكَانَ يَقْتَصِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الشَّعِيرِ وَيَقُوتُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ التَّمْرَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الشَّعِيرُ يُجْزِيهِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُخْرَجَ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْضَلُ أَقْوَاتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُقْتَاتُ فِيهَا إلَّا التَّمْرُ أَوْ الشَّعِيرُ وَأَمَّا اقْتِيَاتُ الْقَمْحِ فَنَادِرٌ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ ابْنُ عُمَرَ الشَّعِيرَ مَرَّةً وَاحِدَةً إذَا أَعْوَزَهُ التَّمْرُ، وَكَذَالِكَ رَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ
стр. 553
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ وَزَكَاةُ الْعُشُورِ كُلُّ ذَلِكَ بِالْمُدِّ الْأَصْغَرِ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا الظِّهَارَ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ بِمُدِّ هِشَامٍ وَهُوَ الْمُدُّ الْأَعْظَمُ) .
وَقْتُ إرْسَالِ زَكَاةِ الْفِطْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) .
ــ
[المنتقى]
التَّمْرُ عَامًا فَأَعْطَى شَعِيرًا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا غَيْرُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إنَّمَا تُخْرَجُ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ إمَّا مُدٌّ لِكُلِّ إنْسَانٍ وَإِمَّا مُدَّانِ عَلَى حَسْبِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ وَقَوْلُهُ: وَزَكَاةُ الْعُشُورِ إنَّمَا يُرِيدُ أَنَّ اعْتِبَارَ النُّصُبِ إنَّمَا هُوَ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَالِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ الِاعْتِبَارُ بِمَا يُخْرَجُ إنَّمَا هُوَ بِالْمُدِّ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الظِّهَارُ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهِ بِمُدِّ هِشَامٍ يُرِيدُ هِشَامَ بْنَ إسْمَاعِيلَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مِقْدَارِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مُدَّانِ إلَّا ثُلُثًا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ مُدَّانِ بِهِ وَإِنَّمَا قَدَّرَ مَالِكٌ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ بِهِ لِمَا رَأَى أَنَّهُ مِقْدَارٌ يُجْزِي إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِمُدِّ هِشَامٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ كَانَ قَبْلَ هِشَامٍ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ فِي الظِّهَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[وَقْتُ إرْسَالِ زَكَاةِ الْفِطْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهَا إلَيْهِ لِتَكُونَ عِنْدَهُ إلَى أَنْ يَجِبَ خُرُوجُهَا فَيُخْرِجُهَا عَنْهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ نَصَّبَ لَهَا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ كَانَ إلَيْهِ الْأَمْرُ رَجُلًا يُرْسِلُ إلَيْهِ بِهَا فَتَجْتَمِعُ عِنْدَهُ حَتَّى يَضَعَهَا فِي وَقْتِهَا حَيْثُ رَأَى قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَإِرْسَالُهَا إلَيْهِ أَحَبُّ إلَيَّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ إنَّمَا يَقْصِدُونَ الْإِمَامَ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بَيْتُ الْمَالِ بِيَدَيْهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَدَفْعُ هَذِهِ الْحُقُوقِ إلَيْهِ أَوْلَى لِيَضَعَهَا فِي نَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ وَمَا يَعْتَرِيهِ مِنْ ضَرُورَاتِهِمْ وَمَوَاضِعِ حَاجَتِهِمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَخْرَجَهَا مَنْ هِيَ عَلَيْهِ دُونَ أَنْ يُرْسِلَهَا أَجْزَأَتْهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يُبْعَثُ إلَى الْإِمَامِ فِيهَا وَإِنَّمَا هِيَ إلَى أَمَانَةِ مَنْ يُخْرِجُهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يُرْسِلُ الْإِمَامُ فِيهَا مَنْ يَطْلُبُ النَّاسَ بِهَا كَمَا يَفْعَلُ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ وَالثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَإِنَّمَا يُنَصِّبُ لِذَلِكَ مَنْ يَثِقُهُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ فِطْرَتَهُ قَبَضَهَا وَمَنْ وَلِيَ إخْرَاجَهَا لَمْ يَطْلُبْ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَلِيَهَا عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يُخْرِجَهَا قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَجْزَأَهُ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
ص (قَالَ مَالِكٌ إنَّهُ رَأَى أَهْلَ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْرِجُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوا إلَى الْمُصَلَّى قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءُوا أَنْ يُؤَدُّوا قَبْلَ الْغُدُوِّ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ بَعْدَهُ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرَجَ زَكَاةُ الْفِطْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» .
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ دَفْعَهَا إلَى الْمَسَاكِينِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَبَبٌ إلَى انْتِفَاعِهِمْ بِهَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَفِطْرِهِمْ بِهَا وَبِذَلِكَ يَسْتَغْنُونَ عَنْ التَّطَوُّفِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى النَّاسِ فِي الْمُصَلَّى وَمَنْعًا لَهُمْ مِنْ النَّظَرِ عَلَيْهَا وَالِانْتِفَاعِ بِهَا فِي أَوَّلِ يَوْمِ الْفِطْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي وَقْتِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَّرِفٌ تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهَا تَجِبُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ
стр. 554
مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ (ص) : (مَالِكٌ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ وَلَا فِي أَجِيرِهِ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ زَكَاةٌ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُمْ يَخْدُمُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي أَحَدٍ مِنْ رَقِيقِهِ مَا لَمْ يُسْلِمْ لِتِجَارَةٍ كَانُوا أَوْ لِغَيْرِ تِجَارَةٍ) .
ــ
[المنتقى]
﵁ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ رَأَيْت كَلَامَهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِأَصْحَابِنَا بِمَسَائِلَ تَقْتَضِي غَيْرَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا.
وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ قَوْلُهُ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» فَأَضَافَهَا إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ وَحَقِيقَتُهُ أَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ فِي زَمَانِ شَوَّالٍ وَهُوَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْتَ وُجُوبِهَا.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْفِطْرَ مِنْ رَمَضَانَ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْفِطْرِ الَّذِي يُخَالِفُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ وَيُنَافِيهِ وَذَلِكَ فِطْرُ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَوَّالٍ وَأَمَّا الْفِطْرُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَيْسَ بِمُنَافٍ لِصَوْمِ رَمَضَانَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ أَوَّلُ وَقْتِ وُجُوبِهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ اسْتِحْبَابِ خُرُوجِهَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْنَا إنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ طُلُوعُ الْفَجْرِ فَمَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ أَوْ اشْتَرَى مَمْلُوكًا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ أَوَبَاعَ عَبْدَهُ قَالَ أَشْهَبُ أَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا بَائِنًا أَوْ احْتَلَمَ وَلَدُهُ الذَّكَرُ أَوْ بُنِيَ بِابْنَتِهِ الْبِكْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَقَطَتْ عَنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَكَذَالِكَ الْأَمْرُ فِيمَنْ قَالَ إنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَكَذَالِكَ يَجْرِي حُكْمُ مَنْ أَسْلَمَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ أَدْرَكَ صِيَامَ يَوْمٍ لَزِمَتْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هَذَا شَاذٌّ وَلَوْ وَجَبَتْ بِالصَّوْمِ لَسَقَطَتْ عَنْ الْمَوْلُودِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ وَاسِعٌ أَنْ يُؤَدُّوا قَبْلَ الْغُدُوِّ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ أَوْ بَعْدَهُ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُفِيتُ الْإِخْرَاجُ وَالْأَدَاءُ بِالْغُدُوِّ إلَى الْمُصَلَّى؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ وَاسِعٌ وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ قَدْ انْقَضَى.
[مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي عَبِيدِ عَبِيدِهِ؛ لِأَنَّ عَبِيدَ عَبِيدِهِ لَيْسُوا فِي مِلْكِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُونَ فِي مِلْكِهِ بَعْدَ أَنْ يَنْتَزِعَهُمْ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ عَبِيدَهُ لَمْ يُعْتَقُوا بِعِتْقِهِمْ وَلَكَانُوا مِلْكًا لَهُمْ إلَّا أَنْ يَسْتَثْنِيَهُمْ وَلِيَنْتَزِعَهُمْ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِيهِمْ.
١ -
وَلَا فِطْرَةَ عَلَيْهِ فِي أَجِيرِهِ وَإِنْ الْتَزَمَ نَفَقَتَهُ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْأَجِيرِ لَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ بِالشَّرْعِ وَإِنَّمَا هِيَ إجَارَةٌ تُشْتَرَطُ فِي الْعَقْدِ كَمَا تُشْتَرَطُ الزِّيَادَةُ مِنْ الْإِجَارَةِ وَجِنْسِهَا.
١ -
وَقَوْلُهُ وَلَا فِي رَقِيقِ امْرَأَتِهِ قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ فِي رَقِيقِهِ إذَا لَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ لِتِجَارَةٍ كَانُوا أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزَّكَاةُ مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ فَتَجِبُ فِيهِمْ عَلَيْهِ إذَا كَانُوا لِلتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ زَكَاةٌ عَلَى وَجْهِ الطُّهْرَةِ لِمَنْ أُخْرِجَتْ عَنْهُ فَسَوَاءٌ كَانُوا لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا لَمْ يُخْرِجْ عَنْهُمْ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمْ إذَا كَانُوا لِلتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا فِي زَكَاةِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُمْ إذَا لَمْ يَكُونُوا لِلتِّجَارَةِ زُكِّيَتْ قِيمَتُهُمْ كَسَائِرِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ فَلَا يُعْتَبَرُ هُنَاكَ إسْلَامٌ وَلَا حُرِّيَّةٌ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ هَذِهِ الزَّكَاةُ فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالرِّقَابِ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُخْرَجُ عَنْ غَيْرِ بَنَى آدَمَ وَتُخْرَجُ عَنْ الْأَحْرَارِ فَلَيْسَتْ مِنْ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ مَعْنَى طَهَارَةِ بَنِي آدَمَ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ لَزِمَتْهُ وَلَزِمَتْ عَنْهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ لَمْ تَلْزَمْ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ تَمَّ كِتَابُ الزَّكَاةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
стр. 555
كِتَابُ الْحَجِّ الْغُسْلُ لِلْإِهْلَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالْبَيْدَاءِ فَذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ مُرْهَا فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتُهِلَّ» ) .
ــ
[المنتقى]
[كِتَابُ الْحَجِّ] [الْغُسْلُ لِلْإِهْلَالِ]
(ش) : الْبَيْدَاءُ مَوْضِعٌ مُتَّصِلٌ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ قَبْلَ أَنْ تُحْرِمَ فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ سَأَلَهُ مُسْتَفْتِيًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ إنْ كَانَ النِّفَاسُ وَدَمُهُ الَّذِي يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْحَجِّ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ النِّفَاسَ لَا يُنَافِي الْحَجَّ وَلَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ بَلْ يَصِحُّ جَمِيعُ أَفْعَالِهِ مَعَ النِّفَاسِ إلَّا مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ مِنْ الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى طَهَارَةٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ كَانَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ يَمْنَعَانِ صِحَّتَهُ وَيُنَافِيَانِهِ لَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَدَاءُ الْحَجِّ لِكُلِّ مَنْ يَحِيضُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْقَضِي إلَّا فِي مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ بِهِ إلَى التَّحَلُّلِ مِنْهُ وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ أَرَادَتْ الْحَجَّ يُمْكِنُهَا أَنْ تَكُونَ فِي أَوَّلِ طُهْرِهَا فَكَانَتْ لَا تَأْتِي عَلَى إكْمَالِ الْحَجِّ حَتَّى يَطْرَأَ عَلَيْهَا فَيُبْطِلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَجِّهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُ عَنْ اغْتِسَالِهَا لِلْإِحْرَامِ إنْ عَلِمَ أَنَّ إحْرَامَهَا بِالْحَجِّ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ لِلْمُحْرِمِ مَشْرُوعٌ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: أَحَدُهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ فَخَافَ أَنْ يَكُونَ النِّفَاسُ يَمْنَعُ الِاغْتِسَالَ الَّذِي يُوجِبُ حُكْمَ الطُّهْرِ فَبَيَّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الْغُسْلَ مَشْرُوعٌ لَهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْغُسْلَ لَيْسَ لِرَفْعِ حَدَثٍ فَلَا يُنَافِيه حَيْضٌ وَلَا غَيْرُهُ وَإِنَّمَا هُوَ غُسْلٌ مَشْرُوعٌ لِلْإِحْرَامِ وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ الْإِحْرَامَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ لَمْ يَمْنَعْ الْغُسْلَ.
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَلَدَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَأَمَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ) .
(ش) : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ بِالْبَيْدَاءِ لَيْسَا بِمُخْتَلِفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَيْدَاءَ مُتَّصِلَةٌ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُ أَسْمَاءَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَمَبِيتُهُمَا بِهَا فَنَسَبَ الرَّاوِي ذَلِكَ إلَى الْحُلَيْفَةِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ الْمَقْصُودَةَ بِالْمَنْزُولِ فِيهَا، وَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَصَدَ النُّزُولَ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا لِلِانْفِرَادِ مِنْ النَّاسِ لَا سِيَّمَا لِحَاجَةِ أَهْلِهِ إلَى الْوِلَادَةِ.
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نَفِسَتْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِتَقَارُبِ الْمَوْضِعَيْنِ وَلِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَلَا يَكُونُ إلَّا بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَسَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَغْتَسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَفْتَى لَهَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَأْمُرَهَا تَغْتَسِلَ، ثُمَّ تُهِلَّ فَامْتَثَلَ أَبُو بَكْرٍ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَرَهَا بِذَلِكَ فَكُلٌّ رَوَى وَنَقَلَ مَا حَفِظَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِدُخُولِهِ مَكَّةَ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ) ش قَوْلُهُ: يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِلْإِحْرَامِ وَيُقَدَّمُ لَهُ وَقَوْلُهُ لِدُخُولِهِ مَكَّةَ أَضَافَ الْغُسْلَ إلَى دُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّهُ يَفْعَلُ عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ لِيَتَّصِلَ الدُّخُولُ بِالطَّوَافِ، وَالْغُسْلُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلطَّوَافِ دُونَ الدُّخُولِ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَغْتَسِلُ الْحَائِضُ وَلَا النُّفَسَاءُ لِدُخُولِ مَكَّةَ لِتَعَذُّرِ الطَّوَافِ عَلَيْهِمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلِوُقُوفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّ حَقِيقَةَ الْغُسْلِ لِلْوُقُوفِ؛ وَلِذَلِكَ تَغْتَسِلُ الْحَائِضُ
стр. 556
غُسْلُ الْمُحْرِمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ قَالَ فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ مُسْتَتِرٌ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا فَقُلْت أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إلَيْك عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُك كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ اُصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ)
ــ
[المنتقى]
وَالنُّفَسَاءُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: اتِّصَالُ الْوُقُوفِ بِالصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الصَّلَاةَ مِمَّا شُرِعَ لَهَا الِاغْتِسَالُ فَيَجْمَعُ فِي غُسْلِهِ الْأَمْرَيْنِ الصَّلَاةَ وَالْوُقُوفَ كَمَا يَفْعَلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ حَقِيقَةَ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ، وَلَكِنَّهُ يُقَدِّمُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، وَالْعِشَاءُ مِنْ وَقْتِ الزَّوَالِ آخِرَ النَّهَارِ وَهُوَ وَقْتُ الْوُقُوفِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ زَمَانِ الْوُقُوفِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[غُسْلُ الْمُحْرِمِ]
(ش) : اخْتِلَافُهُمَا بِالْأَبْوَاءِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُذَاكَرَةِ بِالْعِلْمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَنْكَرَهُ الْآخَرُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ إرْسَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ صِفَةِ غُسْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلِمَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لَمَا أَرْسَلَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ هَلْ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ عِلْمٌ فَوَجَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَبَا أَيُّوبَ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ يُرْكَزَانِ أَوْ الرِّجْلَانِ يُبْنَيَانِ عَلَى الْبِئْرِ يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِمَا وَأَبُو أَيُّوبَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ يَحْتَاجُ مِنْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ إلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مَعَهُ مِنْ السِّتْرِ لَا سِيَّمَا حَيْثُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ وَيُنْظَرَ إلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ احْتَاجَ إلَى مُخَاطَبَتِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا الْحَالُ الَّتِي أُرْسِلَ إلَى سُؤَالِهِ عَنْهَا فَاسْتَفْتَحَ لِكَلَامِهِ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَالِ تُجْتَنَبُ مُكَالَمَتُهُ وَيَغُضُّ الْبَصَرَ عَنْهُ وَيُنْصَرَفُ عَنْ جِهَتِهِ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ وَلِمَا يَجِبُ إفْرَادُهُ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا يَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ لِسُرْعَةِ تَمَامِهِ، وَلِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِ سَهْوٌ فِي عَمَلِهِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَنَّهُ أُرْسِلَ يَسْأَلُهُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهَذَا خِلَافٌ لِظَاهِرِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا هَلْ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ أَوْ لَا يَغْسِلُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ غُسْلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْغُسْلِ وَلَا يُمْكِنُ الْمِسْوَرَ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُحْرِمَ إذَا أَصَابَتْهُ جَنَابَةٌ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ خِلَافُهُمَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْفَرْضِ مِنْ الْغُسْلِ وَفِي إمْرَارِ الْيَدِ جُمْلَةً مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْفَرْضَ إفَاضَةُ الْمَاءِ فَقَطْ لِتَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ أَوْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي غُسْلٍ غَيْرِ وَاجِبٍ فَطَأْطَأَ أَبُو أَيُّوبَ الثَّوْبَ حَتَّى بَدَا رَأْسُهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ اُصْبُبْ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ.
وَلَوْ اقْتَصَرَ أَبُو أَيُّوبَ عَلَى فِعْلِهِ لَكَانَ مُسْنَدًا؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُنَيْنٍ إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِعْلًا يُرِيهِ إيَّاهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ فَكَيْفَ وَقَدْ أَكَّدَ ذَلِكَ ﵁ بِأَنْ قَالَ بَعْدَ غُسْلِ رَأْسِهِ وَتَحْرِيكِهِ بِيَدَيْهِ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، وَلَعَلَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ إنَّمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ خَشْيَةَ قَتْلِ الدَّوَابِّ فِي الرَّأْسِ وَإِزَالَةِ الشَّعَثِ عَلَى حَسْبِ مَا تَوَقَّعَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ الصَّبِّ عَلَى رَأْسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَيْسَ فِي إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى الرَّأْسِ قَتْلٌ لَهَا وَلَا إزَالَتُهَا عَنْ
стр. 557
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ يَصُبُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَاءً وَهُوَ يَغْتَسِلُ اُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِي إنْ أَمَرْتنِي صَبَبْت فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اُصْبُبْ فَلَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إلَّا شَعَثًا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَنَا مِنْ مَكَّةَ بَاتَ بِذِي طُوًى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلَ مِنْ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَلَا يَدْخُلُ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا حَتَّى يَغْتَسِلَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إذَا دَنَا مِنْ مَكَّةَ بِذِي طُوًى وَيَأْمُرُ مَنْ مَعَهُ فَيَغْتَسِلُونَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا)
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ
ــ
[المنتقى]
مَوْضِعِهَا إلَّا مِثْلُ مَا فِي صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الرَّأْسِ خَاصَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانَا مُبَاحَيْنِ فَأَمَّا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ مَحْظُورٌ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ عَلَى الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَالَ الْقَمْلُ بِكَثْرَةِ الْمَاءِ عَنْ الشَّعْرِ فَيَأْتِي مِنْ قَتْلِ الدَّوَابِّ بِمَا حُظِرَ عَلَيْهِ وَمُنِعَ مِنْهُ.
وَقَدْ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إجَازَةَ انْغِمَاسِ الْمُحْرِمِ فِي الْمَاءِ وَأَمَّا اغْتِسَالُ أَبِي أَيُّوبَ فَلَا يُعْلَمُ هَلْ كَانَ غُسْلًا وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ وَلَمْ يُبَيِّنْ إلَّا صِفَةَ الْعَمَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِيَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ وَهُوَ يَصُبُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَاءً وَهُوَ يَغْتَسِلُ اُصْبُبْ عَلَى رَأْسِي فَقَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِي إنْ أَمَرْتنِي صَبَبْت فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اُصْبُبْ فَلَا يَزِيدُهُ الْمَاءُ إلَّا شَعَثًا) .
(ش) : صَبُّ يَعْلَى عَلَى رَأْسِ عُمَرَ وَهُوَ يَغْتَسِلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَغْتَسِلَ عُمَرُ تَبَرُّدًا وَعَلَيْهِ إزَارٌ فَإِنَّ الْغُسْلَ لِلتَّبَرُّدِ جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لَا يَزِيدُ الْمَاءُ الْبَارِدُ الشَّعْرَ إلَّا شَعَثًا وَإِنَّمَا يُكْرَهُ غَسْلُ الرَّأْسِ بِمَا يُزِيلُ الشَّعَثَ أَوْ يُسَبِّبُ قَتْلَ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ كَالْخَطْمِيِّ وَنَحْوِهِ فَمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِهِ افْتَدَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يَعْنِي أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَهَا بِي حَذِرَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَبُّ الْمَاءِ يُلْحِقُ بِهِ أَمْرًا مِنْ فِدْيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَقَالَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَيَّ إذْ وَلَّيْتنِي الصَّبَّ إنْ أَمَرْتنِي صَبَبْت يُرِيدُ أَنَّهُ إنَّمَا أَفْعَلُ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ فَكَرَاهِيَتُهُ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اُصْبُبْ فَلَنْ يَزِيدَهُ الْمَاءُ إلَّا شَعَثًا.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوًى وَهُوَ رَبَضٌ مِنْ أَرْبَاضِ مَكَّةَ حُكْمُهُ حُكْمُهَا حَتَّى يُصْبِحَ فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدْخُلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ وَاظَبَ عَلَى هَذَا لِمَا رَأَى مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي آخِرِ النَّهَارِ فِيهِ مَشَقَّةٌ؛ لِأَنَّهُ يَضِيقُ مَا بَقِيَ مِنْ آخِرِهِ عَنْ قَضَاءِ مَا يَلْزَمُ الْوَارِدَ فِي قُدُومِهِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحْوَالِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ بِمَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِكَ بَلْ يُقْدِمُ عَلَيْهِ مَنْ قَصَدَ بِهِ الْبَيْتَ وَالطَّوَافَ وَالرُّكُوعَ وَالسَّعْيَ وَرُبَّمَا تَرَكَ رَاحِلَتَهُ وَرَحْلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَ ذَلِكَ لِغَيْرِ حَافِظٍ، وَالْأَمْرُ فِي اللَّيْلِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي النَّهَارِ فَآثَرَ الْمَبِيتَ بِذِي طُوًى لِمَنْ يَقْدُمُ آخِرَ النَّهَارِ وَقَدِمَ لَيْلًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَتَرَكَ رَاحِلَتَهُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالصَّادِرِ فَلَا يَنْفَرِدُ بِهَا مَنْ يُرِيدُ اغْتِيَالَهُ فِيهَا وَلَمْ يَنْفَسِخْ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنْ الثَّنِيَّةِ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ وَهِيَ كَدَاءَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَاَلَّتِي بِأَسْفَلِ مَكَّةَ كُدًى بِضَمِّ الْكَافِ وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ كَدَاءٍ بِأَعْلَى مَكَّةَ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَدْخُلُ مِنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ إذَا خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا حَتَّى يَغْتَسِلَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ إذَا دَنَا مِنْ مَكَّةَ بِذِي طُوًى عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاغْتِسَالَ لِدُخُولِ مَكَّةَ مَشْرُوعٌ فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ جِهَةِ ذِي طُوًى اغْتَسَلَ بِهَا وَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ تِلْكَ الْجِهَةِ اغْتَسَلَ بِقُرْبِهَا وَفِي أَوَّلِ أَرْبَاضِهَا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ الْغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ بِذِي طُوًى يُرِيدُ مَنْ جَاءَ مِنْ جِهَتِهَا قِيلَ: لَهُ فَمَرُّ الظَّهْرَانِ قَالَ الَّذِي سَمِعْت بِقُرْبِ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْوَارِدِ أَنْ يَتَّصِلَ طَوَافُهُ بِدُخُولِهِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ غُسْلَهُ لِئَلَّا يَفْصِلَ بَيْنَ الدُّخُولِ وَالطَّوَافِ بِطَلَبِ الْمَاءِ وَالِاغْتِسَالِ قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ دُخُولِ مَكَّةَ فَوَاسِعٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَتَعَذَّرُ وَتَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ بِمُرَاعَاتِهِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ مَعَ شُغْلِ الْوَارِدِ وَمُؤْنَةِ السَّفَرِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلَّا مِنْ احْتِلَامٍ) .
стр. 558
لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلَّا مِنْ احْتِلَامٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ بِالْغَاسُولِ بَعْدَ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ قَتْلُ الْقَمْلِ وَحَلْقُ الشَّعْرِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ) .
مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الْوَرْسُ» )
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَقَوْلُهُ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلَّا مِنْ احْتِلَامٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ غُسْلَهُ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَانَ يَخْتَصُّ بِجَسَدِهِ دُونَ رَأْسِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا اغْتَسَلَ الْمُحْرِمُ لِدُخُولِ مَكَّةَ فَإِنَّمَا يَغْسِلُ جَسَدَهُ دُونَ رَأْسِهِ فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ فَلَا حَرَجَ مَا لَمْ يَغْمِسْ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ لَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ يَعْنِي فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ، فَذَهَبَ إلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَتَدَلَّكُ فِي غُسْلِ دُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ إلَّا بِالْمَاءِ وَحْدَهُ يَصُبُّ صَبًّا وَلَا يُغَيِّبُ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُحْرِمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُدَلِّكُهُ بِيَدَيْهِ وَظَاهِرُ لَفْظِ مَالِكٍ يَقْتَضِي جَوَازَ الْغُسْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ غَيْرَ أَنَّهُ اعْتَبَرْت ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَرَأَيْت كُلَّ مَوْضِعٍ أَبَاحَ فِيهِ الْغُسْلَ لِلْمُحْرِمِ لِغَيْرِ جَنَابَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِيهِ إمْرَارَ الْيَدِ وَإِنَّمَا يَذْكُرُ فِيهِ صَبَّ الْمَاءِ وَإِذَا ذَكَرَ غُسْلَ الْجِنَايَةِ ذَكَرَ إمْرَارَ الْيَدِ وَلَعَلَّهُ اجْتَنَبَ الْخِلَافَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى وَهُوَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ مَوَانِعَ الْإِحْرَامِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: رَفَثٌ وَإِلْقَاءُ تَفَثٍ فَالرَّفَثُ هُوَ الْجِمَاعُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الِالْتِذَاذِ بِالنِّسَاءِ وَمَا يَدْعُو إلَى الْجِمَاعِ مِنْ الطِّيبِ وَالْعُقُودِ الَّتِي مَقْصُودُهَا الْجِمَاعُ كَالنِّكَاحِ وأَمَّا إلْقَاءُ التَّفَثِ فَهُوَ حَلْقُ الشَّعْرِ وَإِزَالَةُ الشَّعَثِ وَالزِّينَةُ وَقَتْلُ الْقَمْلِ وَخَلْعُ ثِيَابِ الْإِحْرَامِ وَلُبْسُ الْمَخِيطِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَأَمَّا إلْقَاءُ التَّفَثِ مُبَاحٌ بِأَوَّلِ التَّحَلُّلَيْنِ وَأَمَّا الرَّفَثُ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِآخِرِ التَّحَلُّلَيْنِ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالْغَاسُولِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَتَنْقِيَةِ الْبَشَرَةِ وَالشَّعْرِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ وَهَذَا كُلُّهُ يُسْتَبَاحُ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ -.
[مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ]
(ش) : اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ نَافِعٍ عَلَى لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَيُّوبُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ عَوْفٍ، وَكَذَالِكَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ نَافِعٍ وَرَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ فَوَهَمَ فِيهِ فِي مَوْضِعَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَسَرَاوِيلَ» وَلَيْسَ هَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ قَالَ نَافِعٌ وَيَقْطَعُ الْخُفَّ أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ فَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ وَالصَّحِيحُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ» مُسْتَوْعَبًا فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ الْمَخِيطَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي لَا تَحْصُلُ غَالِبًا إلَّا بِالْخِيَاطَةِ وَهِيَ الْقَمِيصُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْجُبَّةِ وَالْفَرْوِ وَالسَّرَاوِيلِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْبُرْنُسِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْغِفَارَةِ وَمَا يُوضَعُ فِي الرَّأْسِ مِنْ قَلَنْسُوَةٍ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا تَحْصُلُ التَّفْرِقَةُ بِلُبْسِ الثِّيَابِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَقْصُودِ بِتِلْكَ الْخِيَاطَةِ
стр. 559
(ص) :.
(سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ) ..
ــ
[المنتقى]
وَالْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ عَنْ التَّرَفُّهِ؛ وَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ وَإِلْقَاء التَّفَثِ وَإِزَالَةِ الْقَمْلِ عَنْ جَسَدِهِ وَأُمِرَ بِالتَّشَعُّثِ وَأَمَّا مَا كَانَ مَخِيطًا وَهُوَ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي يَحْصُلُ عَلَيْهَا بِالنَّسْجِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْخِيَاطَةِ كَالْمِئْزَرِ الْمَرْقُوعِ فَلَا بَأْسَ بِلُبْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّرَفُّهَ لَا يَحْصُلُ بِتِلْكَ الْخِيَاطَةِ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهَا إلَّا لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ أَوْ دَفْعِ الْمَضَرَّةِ عَنْ الْجَسَدِ، وَالْمُحْرِمُ مَأْمُورٌ بِهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مَا يَخْتَصُّ بِهِمَا مِنْ اللِّبَاسِ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ لَبِسَ الْقَمِيصَ أَوْ الْبُرْنُسَ أَوْ السَّرَاوِيلَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُلْبَسُ عَلَيْهِ مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ لَمَا كَانَ بِذَلِكَ بَأْسٌ مِثْلُ أَنْ يُلْقِيَ الْقَمِيصَ عَلَى كَتِفَيْهِ وَيَأْخُذَ كُمَّيْهِ أَمَامَهُ، وَكَذَالِكَ الْبُرْنُسُ وَالْقَبَاءُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَحْصُلُ لَهُ دُونَ الْخِيَاطَةِ الَّتِي يَحْصُلُ الْمَنْعُ بِلُبْسِهَا.
وَقَدْ رَوَى إبَاحَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَ الِارْتِدَاءَ بِالسَّرَاوِيلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي قُبْحُ الزِّيِّ كَمَا كُرِهَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ مَعَ الرِّدَاءِ دُونَ الْقَمِيصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ مَنْكِبَيْهِ دَاخِلَ الْقَبَاءِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ افْتَدَى وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ هَذَا لَبِسَ مَخِيطًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فَكَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا لَوْ أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمِقْدَارُ مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فِي لُبْسِ الْمَخِيطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ فَأَمَّا أَنْ يُحْرِمَهُ، ثُمَّ يُزِيلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَكَذَالِكَ الْخُفَّانِ وَالْمِقْدَارُ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَقْصِدَ دَفْعَ مَضَرَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَيَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ فِي مُدَّةٍ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، وَالثَّانِي أَنْ يَطُولَ لُبْسُهُ كَالْيَوْمِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ دَفْعَ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ التَّرَفُّهَ بِنَفْسِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا تَلْبَسُوا الْعَمَائِمَ فَإِنَّ لُبْسَ الْعَمَائِمِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْقَلَانِسِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَأْمُورٌ بِالشَّعَثِ، وَالْعِمَّةُ تَمْنَعُ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ فِي رَأْسِهِ فَلَزِمَهُ كَشْفُهُ مُحْرِمًا وَلَا يَحِلُّ لَهُ سَتْرُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ مَعَ الْفِدْيَةِ لِاخْتِصَاصِ الْإِحْرَامِ بِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ مُنِعَ مِنْ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ صِيَانَةِ الرِّجْلِ وَتَرَفُّهِهِ إلَّا أَنْ تَدْعُوَ إلَيْهِمَا ضَرُورَةٌ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَيَلْبَسُهُمَا لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» فَشَرَطَ فِي جَوَازِ لُبْسِهِمَا عِنْدَ عَدَمِ النَّعْلَيْنِ قَطْعَهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ التَّامِّينَ وَلَمْ يَقْطَعْهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجَمَاعَةُ قَوْلُهُ ﷺ «إلَّا أَحَدًا لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ حَالَةُ إحْرَامٍ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا لُبْسُ الْخُفِّ التَّامِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى قَطْعِ أَصْلِ ذَلِكَ إذَا وَجَدَ النَّعْلَيْنِ وَدَلِيلٌ ثَانٍ أَنَّ هَذَا قَادِرٌ عَلَى قَطْعِ الْخُفِّ وَمُقَارَنَةِ النَّعْلَيْنِ لَهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّ التَّامَّ، كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ، أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي يَأْتِي مُسْنَدًا بَعْدَ هَذَا وَهُوَ «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ» وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَفِظَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ وَنَقَلَهُ وَلَمْ يَنْقُلْ صِفَةَ لُبْسِهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَدْ نَقَلَ صِفَةَ لُبْسِهِ فَكَانَ أَوْلَى (ص) :.
(سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ» فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي السَّرَاوِيلِ وَعَلَى مَا رَأَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا عَلَى حَسْبِ مَا تُلْبَسُ عَلَيْهِ كَمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ
стр. 560
لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ فِي الْإِحْرَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ» وَقَالَ «مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ» )
ــ
[المنتقى]
الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ إذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ؛ لِأَنَّ السَّرَاوِيلَ إذَا قُطِعَتْ لَمْ يَقَعْ السِّتْرُ بِهَا فَإِذَا لُبِسَتْ عَلَى وَجْهِهَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مَقْطُوعَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ لَا يَلْبَسُهَا سَرَاوِيلَ عَلَى وَجْهِهَا وَلْيَصْرِفْهَا عَنْ جِهَتِهَا إلَى مَا يُسْتَبَاحُ لُبْسُهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا يَلْبَسُهَا دُونَ فِدْيَةٍ كَمَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِهِ عَلَى مَا يُرِيدُ الْمُخَالِفُ مِنْ أَنَّهُ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ دُونَ فِدْيَةٍ تَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الِاسْتِثْنَاءَ فِي السَّرَاوِيلِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ عَلَى صُورَةٍ لَا تَجِبُ فِيهَا الْفِدْيَةُ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا أَنَّهُ مَنْ لَبِسَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَأَنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْجُبَّةِ فَكَذَلِكَ السَّرَاوِيلُ.
[لُبْسُ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ فِي الْإِحْرَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ» دُونَ سَائِرِ أَنْوَاعِ الصِّبَاغِ، وَأَفْضَلُ لِبَاسِ الْمُحْرِمِ الْبَيَاضُ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «خَيْرُ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضُ يَلْبَسُهَا أَحْيَاؤُكُمْ وَيُكَفَّنُ فِيهَا مَوْتَاكُمْ» فَإِنْ كَانَ مَصْبُوغًا فَيَجْتَنِبُ الْمَصْبُوغَ بِالزَّعْفَرَانِ أَوْ الْوَرْسِ يَجْتَنِبُهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ الطِّيبِ وَالصِّبْغِ الَّذِي يَسْتَعْمِلُهُ غَالِبًا لِلتَّجَمُّلِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ يُنَافِيَانِ الْإِحْرَامَ وَمَنْ لَبِسَهُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَصْبُوغُ بِالْمُعَصْفَرِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: مُفْدَمٌ وَمُوَرَّدٌ فَأَمَّا الْمُفْدَمُ فَمَمْنُوعٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي صَبْغِهِ لَا تَتَحَقَّقُ غَالِبًا إلَّا لِلتَّجَمُّلِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ مِنْهُ بِالْجَسَدِ مَا يُشْبِهُ رَدْغَهَا فَكُرِهَ لِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمُوَرَّدُ بِالْعُصْفُرِ وَالْمَصْبُوغُ بِالْمُغَرَّى أَوْ الْمِشْقِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْأَصْفَرُ بِغَيْرِ زَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ فَلَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لُبْسُهُ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ وَلَا يُفْعَلُ غَالِبًا إلَّا إبْقَاءً عَلَى الثَّوْبِ فَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ الْمُقْتَدَى بِهِ لُبْسُهُ لِئَلَّا يُلْبَسَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي لُبْسِ الْمَصْبُوغِ الْمَمْنُوعِ لُبْسُهُ أَوْ يَنْقُلُهُ عَنْهُ إلَى مَنْ يَقْتَدِي بِهِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَشْهَبَ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَا هَذَا الثَّوْبُ الْمَصْبُوغُ يَا طَلْحَةُ فَقَالَ طَلْحَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا هُوَ مَدَرٌ فَقَالَ عُمَرُ: إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمْ النَّاسُ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاهِلًا رَأَى هَذَا الثَّوْبَ لَقَالَ إنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قَدْ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمَصْبُوغَةَ فِي الْإِحْرَامِ فَلَا تَلْبَسُوا أَيُّهَا الرَّهْطُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ) .
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِطَلْحَةَ فِي الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ مَا هَذَا يَقْتَضِي إنْكَارَهُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا فِي حَالِ إحْرَامِهِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَصْبُوغٌ بِمَدَرٍ فَكَرِهَهُ لَهُ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إمَامٌ يَقْتَدِي بِهِ النَّاسُ فِي لُبْسِ الْمَصْبُوغِ وَيَحْكُونَ عَنْهُ مِثْلَ هَذَا وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَمْنُوعِ وَهَذَا أَصْلٌ فِي أَنَّ الْإِمَامَ الْمُقْتَدَى بِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْ بَعْضِ الْمُبَاحِ الْمُشَابِهِ لِلْمَحْظُورِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا
стр. 561
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ) ..
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ثَوْبٍ مَسَّهُ طِيبٌ، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاغٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) .
لُبْسُ الْمُحْرِمِ الْمِنْطَقَةَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ)
ــ
[المنتقى]
إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَأَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ الْكَفَّ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ قَالَ بِهَذَا وَلَمْ يُرَاجِعْهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَلَمْ يَعْرِفْ صِبَاغَهُ مِنْ مَدَرٍ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَأْتِي الْمَحْظُورَ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صِبَاغُ مَدَرٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِ التَّشْبِيهَ بِالْمَحْظُورِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ) .
ش قَوْلُهُ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا لَهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْدَمِ الَّذِي لَا يَنْتَفِضُ عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ شَيْءٌ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ لَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَهُ الْمُحْرِمَةُ مَا لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ ذَهَبَتْ بَهْجَتُهُ وَمُشَابَهَتُهُ الْمَصْبُوغَةَ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَلَا يَلْبَسُ الْمُفْدَمَ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ شَيْءٌ فَكَانَتْ أَسْمَاءُ ﵂ تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ كَمَا لَبِسَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ الْمَصْبُوغَ بِالْمَدَرِ وَلَوْ تَرَكَتْ لُبْسَهُ كَانَ أَفْضَلَ فَإِنَّهَا كَانَتْ قُدْوَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَعَلَّ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ لَوْ رَآهَا تَلْبَسُهُ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهَا مِثْلُ مَا أَنْكَرَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِبَاسَ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ كَرِهَ لِبَاسَ الْمُعَصْفَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَفِضُ لِمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ كَرِهَ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مُبَاحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَبْغٌ لَهُ رَدْغٌ عَلَى الْجَسَدِ يَحْصُلُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهُ بِالزِّينَةِ وَالرَّائِحَةِ فَكَانَ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعًا مِنْ لُبْسِهِ كَالْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَبِسَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَمَا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُوجِبُ بِهِ الْفِدْيَةَ وَيَجْعَلُهُ مُقَارِنًا لِلطِّيبِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ.
وَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَوْنٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ مِنْهُ مَا يَنْتَفِضُ عَلَى جَسَدِهِ فَإِنْ كَانَ زِينَةً وَيَسْتَمْتِعُ بِرَائِحَتِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَالزَّعْفَرَانِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِشِبْهِهِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ فَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَلْوَانِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ رِيحَ الطِّيبِ إذَا ذَهَبَ مِنْ الثَّوْبِ وَبَقِيَ أَثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ لُبْسِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الطِّيبِ الْمُحْرِمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِتْلَافِهِ وَبِهِ تَتَعَلَّقُ الْفِدْيَةُ فَمَنْ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَمَّ رِيحَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةٌ إذَا مَرَّ بِالْعَطَّارِينَ فَشَمَّ رَائِحَةَ الطِّيبِ، لَكِنَّ شَمَّ رَائِحَةِ الطِّيبِ مَكْرُوهَةٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ فَلَوْ أَحْرَمَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رِيحُ طِيبٍ فَقَدْ أَتَى مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ فَإِذَا زَالَ مِنْ الثَّوْبِ رِيحُ الطِّيبِ وَلَمْ تَكُنْ فِي لَوْنِهِ زِينَةٌ كَلَوْنِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ أَوْ كَانَ مِمَّا فِي لَوْنِهِ زِينَةٌ فَزَالَ اللَّوْنُ بِالْغُسْلِ فَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْرَامِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[لُبْسُ الْمُحْرِمِ الْمِنْطَقَةَ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لُبْسَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ مِمَّا تُسْتَعْمَلُ، وَتُشَدُّ عَلَى الْجَسَدِ لِيَتَرَفَّهَ بِلُبْسِهَا فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ لَبِسَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا كَحَمْلِ نَفَقَتِهِ وَلَمْ يَتَرَفَّهْ
стр. 562
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْفُرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ) .
ــ
[المنتقى]
فِي لُبْسِهَا بِشَدِّ إزَارِهِ وَإِنَّمَا شَدَّهَا تَحْتَ إزَارِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَلَا بَدَلَ لَهَا مِنْ الْمَلْبُوسِ الْمُعْتَادِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالنَّعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَهُمَا بَدَلٌ مِنْ الْمَلْبُوسِ الْمُعْتَادِ وَإِنْ شَدَّ الْمِنْطَقَةَ لِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْ شَدَّهَا لِذَلِكَ فَوْقَ إزَارِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ إذَا لَبِسَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ نَفَقَتِهِ فِيهَا، وَخَصَّ ذَلِكَ بِأَنْ يَلْبَسَهَا تَحْتَ ثِيَابِهِ لِئَلَّا يَلْبَسَهَا فَوْقَ ثِيَابِهِ فَيَتَرَفَّهَ بِشَدِّهَا ثِيَابَهُ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهُ إذَا جَعَلَ فِي طَرَفَيْهَا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْهَا سَيْرًا فَيَعْقِدُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ شَدِّهَا وَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا سُيُورٌ وَفِي الْآخَرِ ثُقْبٌ يَدْخُلُ فِيهَا السَّيْرُ وَيُشَدُّ لَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَسَوَاءٌ كَانَ النِّطَاقُ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ جِلْدَةٍ إذَا شَدَّهُ تَحْتَ إزَارِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ]
(ش) : قَوْلُهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ ﵁ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ مُبَاحًا وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَتُهُ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِعْلَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ إلَى الِاجْتِهَادِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ إلَيْهِ وَوُقُوفِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّمَا ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِمُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: الْكَرَاهِيَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَعَلَّقُ الْإِحْرَامُ بِالْوَجْهِ كَتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْوَجْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثِيَابِهِ وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا شَخْصٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ فَلَزِمَهُ كَشْفُ وَجْهِهِ مَعَ السَّلَامَةِ كَالْمَرْأَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ غَطَّى الْمُحْرِمُ وَجْهَهُ فَهَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرٌ وَقَالَ فِي غَيْرِهَا مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَتَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِ التَّغْطِيَةِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهِيَتِهَا دُونَ التَّحْرِيمِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنْ الرَّأْسِ فَلَا يُخَمِّرْهُ الْمُحْرِمُ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنْ الرَّأْسِ بَيَانٌ لِعِلَّةِ تَخْمِيرِهِ وَهُوَ مَا قَالَهُ إنَّ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ وَهُوَ عَظْمُ الرَّأْسِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا لَهُ حُكْمُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَهَكَذَا كُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ فَإِنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنَهُ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَاتَ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ مُحْرِمًا وَخَمَّرَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَقَالَ لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيَّبْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ انْقَضَى الْعَمَلُ) .
(ش) : (فِعْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ تَخْمِيرِ وَجْهِ ابْنِهِ وَقَدْ مَاتَ مُحْرِمًا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَرَأَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا سَوَاءٌ يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ مِنْ تَخْمِيرِ
стр. 563
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ) .
ــ
[المنتقى]
الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ مَا يُفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَالِكَ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنْ يُطَيِّبَهُ لِأَجْلِ إحْرَامِهِ هُوَ لَا لِأَجْلِ إحْرَامِ الْمَيِّتِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيَّبْنَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ لَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ وَلَا يُطَيَّبُ وَيُسْتَدَامُ لَهُ حَالُ إحْرَامِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْكَفَنَ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْحَلَالِ فَجَازَ أَنْ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ وَأَصْلُ ذَلِكَ التُّرَابُ أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي» وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ الطِّيبِ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ وَإِذَا عَلَّلَ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ؛ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَلَا طَرِيقَ لَنَا نَحْنُ إلَى مَنْ يَمُوتُ الْيَوْمَ مِنْ الْمُحْرِمِينَ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ نُكَلَّفْهَا إذْ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ عِلَّتِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) .
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيًّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ فَقَدْ انْقَضَى عَمَلُهُ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إحْرَامٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُبْطِلُ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَكَذَلِكَ اسْتِدَامَةُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ كَشْفِ الرَّأْسِ وَاجْتِنَابِ الطِّيبِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا هُوَ تَنْظِيفٌ لِظَاهِرِ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ دَمٍ وَغَيْرِهِ مَعَ مَا يَصْحَبُ الْمَرِيضَ مِنْ تَغَيُّرِ الرِّيحِ بِطُولِ الْمَرَضِ وَقِلَّةِ الِاغْتِسَالِ فَشُرِعَ غُسْلُهُ وَحَنُوطُهُ لِتَنْظِيفِهِ وَسَتْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ وَإِظْهَارًا لِمَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَرَ مِنْ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ طَاهِرًا وَلِذَلِكَ شُرِعَ تَكْفِينُهُ وَسَتْرُ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ لِئَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ إلَّا ظَاهِرُ جَمَالِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْعُ الْمَيِّتِ مِنْ الطِّيبِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ الْمَيِّتُ إلَيْهِ بَلْ هُوَ ضِدُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ سِتْرٍ وَتَطْيِيبِ رَائِحَتِهِ فَافْتَرَقَا، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْإِحْرَامِ بِالطَّهَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ يُبْتَدَأُ فِعْلُهَا بِالْمَيِّتِ وَالْإِحْرَامُ لَا يُبْتَدَأُ فِعْلُهُ بِالْمَيِّتِ فَلَا يُسْتَدَامُ فِعْلُهُ بِالْمَيِّتِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْإِحْرَامِ فِي اللِّبَاسِ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ؛ وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا سِتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا تَعَلُّقَ لِلْإِحْرَامِ بِالْعَوْرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلْبَسَ مَوَاضِعَ الْإِحْرَامِ مِنْهَا مَخِيطًا يَخْتَصُّ بِهِ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ مِنْ الْمَخِيطِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِالْكَفَّيْنِ الْقُفَّازَانِ فَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُعَرِّيهِمَا مِنْ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تُعَرِّيهِمَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللِّبَاسِ فَإِنْ أَدْخَلَتْ يَدَيْهَا فِي قَمِيصِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄) .
(ش) : قَوْلُهَا كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ تُرِيدُ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ بِغَيْرِ النِّقَابِ عَلَى مَعْنَى التَّسَتُّرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ النِّقَابَ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِضَافَةُ ذَلِكَ إلَى كَوْنِهِنَّ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَأَنَّهَا لَا تُقِرُّهُنَّ إلَّا عَلَى مَا تَرَاهُ جَائِزًا عِنْدَهَا فَفِي ذَلِكَ إخْبَارٌ بِجَوَازِهِ عِنْدَهَا وَهِيَ مِمَّنْ يَجِبُ لَهُنَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُخَمِّرْنَ وُجُوهَهُنَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِأَنْ تُسْدِلَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهَا تُرِيدُ السِّتْرَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْدِلَهُ لِحَرٍّ وَلَا لِبَرْدٍ فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ.
стр. 564
مَا جَاءَ فِي الطِّيبِ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» )
ــ
[المنتقى]
[مَا جَاءَ فِي الطِّيبِ فِي الْحَجِّ]
(ش) : قَوْلُهَا ﵂ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ تُطَيِّبُهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ طِيبٍ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي لَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا أَنَّهَا «قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْلَالِهِ وَطَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ لَيْسَ لِرَائِحَتِهِ بَقَاءٌ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا كَانَ يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فَيَغْتَسِلُ فَيَذْهَبُ رِيحُهُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ رَائِحَتِهِ شَيْءٌ.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا» .
وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ يَنْضَخُ طِيبًا ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا - قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] تَقْدِيرُهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَطَيَّبُ لِطَوَافِهِ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ لَيْلَةً ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَغْتَسِلُ وَيُحْرِمُ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَبْقَى مَعَ هَذَا رِيحُ الطِّيبِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَمَعْنَى تَأْوِيلِنَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا أَنَّ مَالِكًا ﵀ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ طِيبٌ تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَدَّهِنُ بِدُهْنٍ فِيهِ رِيحٌ تَبْقَى وَلَنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ.
وَالثَّانِي: تَسْلِيمُهَا وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِدَلِيلِ مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فِي مَنْعِ ذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لِأَحَدٍ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعُ ذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ. وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ لَابِسٌ جُبَّةً مُضَمَّخًا بِطِيبٍ اغْسِلْ عَنْك الطِّيبَ وَانْزِعْ الْجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا كُنْت تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك» فَأَمَرَ السَّائِلَ بِغُسْلِ طِيبٍ تَطَيَّبَ بِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَخَلْعِ مَخِيطِ لُبْسِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَا طُيِّبَ بِهِ ﷺ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا تَطَيَّبَ بِهِ ﷺ قَبْلَ إحْرَامِهِ مِمَّا تَبْقَى رِيحُهُ فَيَكُونَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِحُكْمِهَا حِينَ أَمَرَ الْوَاجِدَ مِنْهَا بِغُسْلِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ هُوَ فِي حَقِّهِ وَلِذَلِكَ وُجِدَ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ ﷺ مَعْصُومٌ وَنَحْنُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ.
(فَرْعٌ) وَإِنْ تَطَيَّبَ لِإِحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ فِي وَقْتٍ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ الرَّائِحَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِتْلَافٍ فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَرَأَيْت لِبَعْضِ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ مَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَطَيَّبَ بِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَاءِ التَّطَيُّبِ بِهِ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي الْحَالَتَيْنِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ
стр. 565
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْك وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك» )
ــ
[المنتقى]
وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ أَوْ بِلَمْسِهِ وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِرِيحِهِ فَلَا تَجِبُ بِهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِالْعَطَّارِينَ فَشَمَّ رِيحَ الطِّيبِ وَالْتَذَّ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْك وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك» ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ يُرِيدُ مُنْصَرِفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ وَهُمَا مَوْضِعَانِ مُتَقَارِبَانِ وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ الصُّفْرَةُ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ سَائِرِ الْأَصْبِغَةِ الصُّفْرِ غَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَلَكِنَّ الصُّفْرَةَ فِيمَا رُوِيَ كَانَتْ طِيبًا كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فَقَالَ: وَهُوَ مُضَمَّخٌ بِطِيبٍ وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ أَحْرَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْمَنْعِ جُمْلَةً أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ فِي الْعُمْرَةِ وَإِنْ عَلِمَ بِمَنْعِهِ فِي الْحَجِّ فَلَمَّا حَاكَ فِي نَفْسِهِ بِخَبَرِ مُخْبِرٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟ هَذَا السُّؤَالُ مُجْمَلٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَاسْتِدَامَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَحْرَمَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْرَامِهِ وَقَدْ بَيَّنَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ عَلَى هَيْئَتِهِ تِلْكَ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَحْرَمْت بِعُمْرَةٍ وَأَنَا كَمَا تَرَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ عَنْك هَذِهِ الصُّفْرَةَ أَمْرٌ لَهُ بِإِزَالَةِ مَا يُنَافِي الْإِحْرَامَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَلَبَّسَ بِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا كَمَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ اسْتِعْمَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك يَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِ السَّائِلِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَفْعَلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَمْتَثِلَهُ الْمُعْتَمِرُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ مِنْ إزَالَةِ الْقَمِيصِ وَغَسْلِ الصُّفْرَةِ؛ لِأَنَّ نَزْعَ الْقَمِيصِ وَغَسْلَ الصُّفْرَةِ قَدْ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِمَا فَلَا مَعْنَى أَنْ يَنْصَرِفَ قَوْلُهُ وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِمَا أَبْيَنُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الثَّانِي.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ قَدْ عَطَفَ هَذَا اللَّفْظَ الثَّانِيَ عَلَى النُّزُوعِ وَالْغَسْلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا غَيْرُهُمَا وَلَا شَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا الْفِدْيَةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إثْبَاتَ الْفِدْيَةِ وَلَا نَفْيَهَا وَإِنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى مَنْ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ الطِّيبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ لِمَا لَبِسَ مِنْ الْقَمِيصِ إنْ كَانَ اسْتَدَامَ مُدَّةً تَجِبُ بِهَا الْفِدْيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ فَقَالَ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مِنْك لَعَمْرُ اللَّهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ عَزَمْت عَلَيْك لَتَرْجِعَنَّ فَلَتَغْسِلَنَّهُ) ش قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ فَقَالَ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَكْبِ مُحْرِمِينَ وَالشَّجَرَةُ مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فَأَنْكَرَ رِيحَ الطِّيبِ فِيهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِمَّا يُنْكَرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا لِمَنْ
следующие страницы →