← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ) .. (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ثَوْبٍ مَسَّهُ طِيبٌ، ثُمَّ ذَهَبَ مِنْهُ رِيحُ الطِّيبِ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاغٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ) . لُبْسُ الْمُحْرِمِ الْمِنْطَقَةَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ) ــ [المنتقى] إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَأَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ الْكَفَّ عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَدْ قَالَ بِهَذَا وَلَمْ يُرَاجِعْهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ سَمِعَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَلَمْ يَعْرِفْ صِبَاغَهُ مِنْ مَدَرٍ هُوَ أَوْ غَيْرِهِ فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَأْتِي الْمَحْظُورَ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ صِبَاغُ مَدَرٍ أَنْكَرَ عَلَيْهِ التَّشْبِيهَ بِالْمَحْظُورِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ لَيْسَ فِيهَا زَعْفَرَانٌ) . ش قَوْلُهُ كَانَتْ تَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشَبَّعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ يَدُلُّ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا لَهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْدَمِ الَّذِي لَا يَنْتَفِضُ عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُعَصْفَرِ الْمُفْدَمِ لَا بَأْسَ أَنْ تَلْبَسَهُ الْمُحْرِمَةُ مَا لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ شَيْءٌ فَقَدْ ذَهَبَتْ بَهْجَتُهُ وَمُشَابَهَتُهُ الْمَصْبُوغَةَ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَأَمَّا الْمُحْرِمُ فَلَا يَلْبَسُ الْمُفْدَمَ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِضْ مِنْهُ شَيْءٌ فَكَانَتْ أَسْمَاءُ ﵂ تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ كَمَا لَبِسَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ﵁ الْمَصْبُوغَ بِالْمَدَرِ وَلَوْ تَرَكَتْ لُبْسَهُ كَانَ أَفْضَلَ فَإِنَّهَا كَانَتْ قُدْوَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَعَلَّ عُمَرَ ﵁ عَنْهُ لَوْ رَآهَا تَلْبَسُهُ لَأَنْكَرَهُ عَلَيْهَا مِثْلُ مَا أَنْكَرَ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِبَاسَ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ كَرِهَ لِبَاسَ الْمُعَصْفَرِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَفِضُ لِمَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ كَرِهَ الْمُعَصْفَرَ الْمُفْدَمَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مُبَاحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَبْغٌ لَهُ رَدْغٌ عَلَى الْجَسَدِ يَحْصُلُ الِاسْتِمْتَاعُ مِنْهُ بِالزِّينَةِ وَالرَّائِحَةِ فَكَانَ الْمُحْرِمُ مَمْنُوعًا مِنْ لُبْسِهِ كَالْمَصْبُوغِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَبِسَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَمَا يَحْتَجُّ بِهِ أَصْحَابُهُ الْعِرَاقِيُّونَ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يُوجِبُ بِهِ الْفِدْيَةَ وَيَجْعَلُهُ مُقَارِنًا لِلطِّيبِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا فِدْيَةَ فِيهِ. وَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ لَوْنٌ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ مِنْهُ مَا يَنْتَفِضُ عَلَى جَسَدِهِ فَإِنْ كَانَ زِينَةً وَيَسْتَمْتِعُ بِرَائِحَتِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَالزَّعْفَرَانِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لِشِبْهِهِ بِالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ فَلَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِلُبْسِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ أَلْوَانِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ رِيحَ الطِّيبِ إذَا ذَهَبَ مِنْ الثَّوْبِ وَبَقِيَ أَثَرُهُ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْ لُبْسِهِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الطِّيبِ الْمُحْرِمَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِتْلَافِهِ وَبِهِ تَتَعَلَّقُ الْفِدْيَةُ فَمَنْ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ شَمَّ رِيحَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِدْيَةٌ إذَا مَرَّ بِالْعَطَّارِينَ فَشَمَّ رَائِحَةَ الطِّيبِ، لَكِنَّ شَمَّ رَائِحَةِ الطِّيبِ مَكْرُوهَةٌ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ فَلَوْ أَحْرَمَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ رِيحُ طِيبٍ فَقَدْ أَتَى مَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا مِنْ الطِّيبِ فَإِذَا زَالَ مِنْ الثَّوْبِ رِيحُ الطِّيبِ وَلَمْ تَكُنْ فِي لَوْنِهِ زِينَةٌ كَلَوْنِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ أَوْ كَانَ مِمَّا فِي لَوْنِهِ زِينَةٌ فَزَالَ اللَّوْنُ بِالْغُسْلِ فَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ الْإِحْرَامِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [لُبْسُ الْمُحْرِمِ الْمِنْطَقَةَ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَكْرَهُ لُبْسَ الْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لُبْسَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ مِمَّا تُسْتَعْمَلُ، وَتُشَدُّ عَلَى الْجَسَدِ لِيَتَرَفَّهَ بِلُبْسِهَا فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَإِنْ لَبِسَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا كَحَمْلِ نَفَقَتِهِ وَلَمْ يَتَرَفَّهْ

стр. 562

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي الْفُرَافِصَةُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيُّ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ) . ــ [المنتقى] فِي لُبْسِهَا بِشَدِّ إزَارِهِ وَإِنَّمَا شَدَّهَا تَحْتَ إزَارِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ وَلَا بَدَلَ لَهَا مِنْ الْمَلْبُوسِ الْمُعْتَادِ كَالسَّرَاوِيلِ وَالنَّعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ لَهُمَا بَدَلٌ مِنْ الْمَلْبُوسِ الْمُعْتَادِ وَإِنْ شَدَّ الْمِنْطَقَةَ لِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَوْ شَدَّهَا لِذَلِكَ فَوْقَ إزَارِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا جَعَلَ طَرَفَيْهَا جَمِيعًا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ قَالَ مَالِكٌ وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) . (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمِنْطَقَةِ يَلْبَسُهَا الْمُحْرِمُ تَحْتَ ثِيَابِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ يُرِيدُ إذَا لَبِسَهَا لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَمْلِ نَفَقَتِهِ فِيهَا، وَخَصَّ ذَلِكَ بِأَنْ يَلْبَسَهَا تَحْتَ ثِيَابِهِ لِئَلَّا يَلْبَسَهَا فَوْقَ ثِيَابِهِ فَيَتَرَفَّهَ بِشَدِّهَا ثِيَابَهُ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَقَوْلُهُ إذَا جَعَلَ فِي طَرَفَيْهَا سُيُورًا يَعْقِدُ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ طَرَفَيْهَا سَيْرًا فَيَعْقِدُ أَحَدَهُمَا إلَى الْآخَرِ وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ شَدِّهَا وَلَوْ كَانَ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا سُيُورٌ وَفِي الْآخَرِ ثُقْبٌ يَدْخُلُ فِيهَا السَّيْرُ وَيُشَدُّ لَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَسَوَاءٌ كَانَ النِّطَاقُ مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ جِلْدَةٍ إذَا شَدَّهُ تَحْتَ إزَارِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [تَخْمِيرُ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ] (ش) : قَوْلُهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ يُغَطِّي وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ ﵁ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ مُبَاحًا وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ تَغْطِيَتُهُ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِعْلَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَذَكَرَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ طَرِيقٌ إلَى الِاجْتِهَادِ بِظُهُورِ الْخِلَافِ إلَيْهِ وَوُقُوفِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّمَا ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِمُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: الْكَرَاهِيَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَتَعَلَّقُ الْإِحْرَامُ بِالْوَجْهِ كَتَعَلُّقِهِ بِالرَّأْسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْوَجْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ «النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الرَّجُلِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثِيَابِهِ وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا شَخْصٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ فَلَزِمَهُ كَشْفُ وَجْهِهِ مَعَ السَّلَامَةِ كَالْمَرْأَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ غَطَّى الْمُحْرِمُ وَجْهَهُ فَهَلْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ نَظَرٌ وَقَالَ فِي غَيْرِهَا مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هُوَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَالَ: وَتَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا بِتَحْرِيمِ التَّغْطِيَةِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ قُلْنَا بِكَرَاهِيَتِهَا دُونَ التَّحْرِيمِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ. ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنْ الرَّأْسِ فَلَا يُخَمِّرْهُ الْمُحْرِمُ) . (ش) : قَوْلُهُ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ مِنْ الرَّأْسِ بَيَانٌ لِعِلَّةِ تَخْمِيرِهِ وَهُوَ مَا قَالَهُ إنَّ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ وَهُوَ عَظْمُ الرَّأْسِ فَلَهُ حُكْمُ الرَّأْسِ فِي الْإِحْرَامِ كَمَا لَهُ حُكْمُهُ فِي الْمُوضِحَةِ وَهَكَذَا كُلُّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ فَإِنَّ الْمُرَاعَى فِيهِ مَا فَوْقَ الذَّقَنِ. ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنَهُ وَاقِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَاتَ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ مُحْرِمًا وَخَمَّرَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ وَقَالَ لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيَّبْنَاهُ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيًّا فَإِذَا مَاتَ فَقَدْ انْقَضَى الْعَمَلُ) . (ش) : (فِعْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ تَخْمِيرِ وَجْهِ ابْنِهِ وَقَدْ مَاتَ مُحْرِمًا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَرَأَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا مَاتَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا سَوَاءٌ يُفْعَلُ بِالْمُحْرِمِ مِنْ تَخْمِيرِ

стр. 563

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ) . ــ [المنتقى] الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ مَا يُفْعَلُ بِغَيْرِهِ، وَكَذَالِكَ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنْ يُطَيِّبَهُ لِأَجْلِ إحْرَامِهِ هُوَ لَا لِأَجْلِ إحْرَامِ الْمَيِّتِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّا حُرُمٌ لَطَيَّبْنَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا مَاتَ الْمَيِّتُ لَا يُخَمَّرُ رَأْسُهُ وَلَا يُطَيَّبُ وَيُسْتَدَامُ لَهُ حَالُ إحْرَامِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْكَفَنَ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْحَلَالِ فَجَازَ أَنْ يُغَطَّى بِهِ رَأْسُ الْمَيِّتِ الْمُحْرِمِ وَأَصْلُ ذَلِكَ التُّرَابُ أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَّ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ: اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُلَبِّي» وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِمَّا لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ الْمَنْعَ مِنْ تَخْمِيرِ رَأْسِهِ، وَمَنَعَهُ مِنْ الطِّيبِ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ وَإِذَا عَلَّلَ بِمَا لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ الْحُكْمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ أَنْ يُغَطَّى رَأْسُهُ؛ لِأَنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا وَلَا طَرِيقَ لَنَا نَحْنُ إلَى مَنْ يَمُوتُ الْيَوْمَ مِنْ الْمُحْرِمِينَ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَمْ نُكَلَّفْهَا إذْ لَا طَرِيقَ لَنَا إلَى مَعْرِفَةِ عِلَّتِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ) . (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الرَّجُلُ مَا دَامَ حَيًّا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا مَاتَ فَقَدْ انْقَضَى عَمَلُهُ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إحْرَامٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ. فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا يُبْطِلُ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ فَكَذَلِكَ اسْتِدَامَةُ صِفَةِ الْإِحْرَامِ مِنْ كَشْفِ الرَّأْسِ وَاجْتِنَابِ الطِّيبِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا هُوَ تَنْظِيفٌ لِظَاهِرِ الْجَسَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ مِنْ دَمٍ وَغَيْرِهِ مَعَ مَا يَصْحَبُ الْمَرِيضَ مِنْ تَغَيُّرِ الرِّيحِ بِطُولِ الْمَرَضِ وَقِلَّةِ الِاغْتِسَالِ فَشُرِعَ غُسْلُهُ وَحَنُوطُهُ لِتَنْظِيفِهِ وَسَتْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ هَتْكًا لِحُرْمَتِهِ وَإِظْهَارًا لِمَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَرَ مِنْ حَالِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَإِنْ مَاتَ طَاهِرًا وَلِذَلِكَ شُرِعَ تَكْفِينُهُ وَسَتْرُ وَجْهِهِ وَرَأْسِهِ لِئَلَّا يَظْهَرَ مِنْهُ إلَّا ظَاهِرُ جَمَالِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْعُ الْمَيِّتِ مِنْ الطِّيبِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يَحْتَاجُ الْمَيِّتُ إلَيْهِ بَلْ هُوَ ضِدُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ سِتْرٍ وَتَطْيِيبِ رَائِحَتِهِ فَافْتَرَقَا، وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ الْإِحْرَامِ بِالطَّهَارَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّهَارَةَ يُبْتَدَأُ فِعْلُهَا بِالْمَيِّتِ وَالْإِحْرَامُ لَا يُبْتَدَأُ فِعْلُهُ بِالْمَيِّتِ فَلَا يُسْتَدَامُ فِعْلُهُ بِالْمَيِّتِ. (ش) : قَوْلُهُ لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْإِحْرَامِ فِي اللِّبَاسِ بِوَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ إلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ؛ وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا سِتْرُ جَمِيعِ جَسَدِهَا فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا تَعَلُّقَ لِلْإِحْرَامِ بِالْعَوْرَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَلْبَسَ مَوَاضِعَ الْإِحْرَامِ مِنْهَا مَخِيطًا يَخْتَصُّ بِهِ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ مِنْ الْمَخِيطِ النِّقَابُ وَالْبُرْقُعُ وَاَلَّذِي يَخْتَصُّ بِالْكَفَّيْنِ الْقُفَّازَانِ فَوَجَبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُعَرِّيهِمَا مِنْ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تُعَرِّيهِمَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللِّبَاسِ فَإِنْ أَدْخَلَتْ يَدَيْهَا فِي قَمِيصِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّهَا قَالَتْ كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ وَنَحْنُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄) . (ش) : قَوْلُهَا كُنَّا نُخَمِّرُ وُجُوهَنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَاتٌ تُرِيدُ أَنَّهُنَّ كُنَّ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ بِغَيْرِ النِّقَابِ عَلَى مَعْنَى التَّسَتُّرِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ النِّقَابَ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِضَافَةُ ذَلِكَ إلَى كَوْنِهِنَّ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ وَأَنَّهَا لَا تُقِرُّهُنَّ إلَّا عَلَى مَا تَرَاهُ جَائِزًا عِنْدَهَا فَفِي ذَلِكَ إخْبَارٌ بِجَوَازِهِ عِنْدَهَا وَهِيَ مِمَّنْ يَجِبُ لَهُنَّ الِاقْتِدَاءُ بِهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُخَمِّرْنَ وُجُوهَهُنَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بِأَنْ تُسْدِلَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِهَا تُرِيدُ السِّتْرَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْدِلَهُ لِحَرٍّ وَلَا لِبَرْدٍ فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا الْفِدْيَةُ.

стр. 564

مَا جَاءَ فِي الطِّيبِ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» ) ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي الطِّيبِ فِي الْحَجِّ] (ش) : قَوْلُهَا ﵂ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ تُطَيِّبُهُ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ طِيبٍ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الطِّيبِ الَّذِي لَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا أَنَّهَا «قَالَتْ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْلَالِهِ وَطَيَّبْتُهُ لِإِحْرَامِهِ طِيبًا لَا يُشْبِهُ طِيبَكُمْ هَذَا» يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ لَيْسَ لِرَائِحَتِهِ بَقَاءٌ، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا كَانَ يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فَيَغْتَسِلُ فَيَذْهَبُ رِيحُهُ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهِ فَلَا يَبْقَى مِنْ رَائِحَتِهِ شَيْءٌ. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ أَنَا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا» . وَرُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ يَنْضَخُ طِيبًا ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا - قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] تَقْدِيرُهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ قَيِّمًا وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَطَيَّبُ لِطَوَافِهِ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُقِيمُ لَيْلَةً ثُمَّ يُصْبِحُ فَيَغْتَسِلُ وَيُحْرِمُ وَلَا يَكَادُ أَنْ يَبْقَى مَعَ هَذَا رِيحُ الطِّيبِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَمَعْنَى تَأْوِيلِنَا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهَا أَنَّ مَالِكًا ﵀ لَا يُجِيزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ اسْتِعْمَالَ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ إذَا كَانَ طِيبٌ تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَدَّهِنُ بِدُهْنٍ فِيهِ رِيحٌ تَبْقَى وَلَنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: التَّأْوِيلُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَالثَّانِي: تَسْلِيمُهَا وَإِجْرَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِدَلِيلِ مَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا فِي مَنْعِ ذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ لِأَحَدٍ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعُ ذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِي سَأَلَهُ. وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ لَابِسٌ جُبَّةً مُضَمَّخًا بِطِيبٍ اغْسِلْ عَنْك الطِّيبَ وَانْزِعْ الْجُبَّةَ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا كُنْت تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك» فَأَمَرَ السَّائِلَ بِغُسْلِ طِيبٍ تَطَيَّبَ بِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَخَلْعِ مَخِيطِ لُبْسِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَا طُيِّبَ بِهِ ﷺ مِمَّا لَا تَبْقَى لَهُ رَائِحَةٌ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَيُجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَهَا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَا تَطَيَّبَ بِهِ ﷺ قَبْلَ إحْرَامِهِ مِمَّا تَبْقَى رِيحُهُ فَيَكُونَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفًا لِحُكْمِهَا حِينَ أَمَرَ الْوَاجِدَ مِنْهَا بِغُسْلِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ هُوَ فِي حَقِّهِ وَلِذَلِكَ وُجِدَ؛ لِأَنَّ الطِّيبَ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ ﷺ مَعْصُومٌ وَنَحْنُ غَيْرُ مَعْصُومِينَ. (فَرْعٌ) وَإِنْ تَطَيَّبَ لِإِحْرَامِهِ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ فِي وَقْتٍ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ إتْلَافِهِ وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ الرَّائِحَةُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِإِتْلَافٍ فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَرَأَيْت لِبَعْضِ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ مَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ تَطَيَّبَ بِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ اسْتِدَامَتَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَاءِ التَّطَيُّبِ بِهِ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي الْحَالَتَيْنِ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ

стр. 565

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْك وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك» ) ــ [المنتقى] وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ أَوْ بِلَمْسِهِ وَأَمَّا الِانْتِفَاعُ بِرِيحِهِ فَلَا تَجِبُ بِهِ فِدْيَةٌ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا؛ وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنْ مَرَّ بِالْعَطَّارِينَ فَشَمَّ رِيحَ الطِّيبِ وَالْتَذَّ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِحُنَيْنٍ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ هَذِهِ الصُّفْرَةَ عَنْك وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك» ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحُنَيْنٍ يُرِيدُ مُنْصَرِفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ بِالْجِعْرَانَةِ وَهُمَا مَوْضِعَانِ مُتَقَارِبَانِ وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْأَعْرَابِيِّ قَمِيصٌ وَبِهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ الصُّفْرَةُ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ سَائِرِ الْأَصْبِغَةِ الصُّفْرِ غَيْرِ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ وَلَكِنَّ الصُّفْرَةَ فِيمَا رُوِيَ كَانَتْ طِيبًا كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ فَقَالَ: وَهُوَ مُضَمَّخٌ بِطِيبٍ وَهَذَا الْأَعْرَابِيُّ أَحْرَمَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِالْمَنْعِ جُمْلَةً أَوْ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ فِي الْعُمْرَةِ وَإِنْ عَلِمَ بِمَنْعِهِ فِي الْحَجِّ فَلَمَّا حَاكَ فِي نَفْسِهِ بِخَبَرِ مُخْبِرٍ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ؟ هَذَا السُّؤَالُ مُجْمَلٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ ابْتِدَاءِ الْعَمَلِ وَاسْتِدَامَتِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هَلْ أَحْرَمَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ إحْرَامِهِ وَقَدْ بَيَّنَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ أَحْرَمَ عَلَى هَيْئَتِهِ تِلْكَ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَحْرَمْت بِعُمْرَةٍ وَأَنَا كَمَا تَرَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ انْزِعْ قَمِيصَك وَاغْسِلْ عَنْك هَذِهِ الصُّفْرَةَ أَمْرٌ لَهُ بِإِزَالَةِ مَا يُنَافِي الْإِحْرَامَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَلَبَّسَ بِهِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ اسْتِدَامَتَهَا كَمَا يَمْنَعُ اسْتِدَامَةَ اسْتِعْمَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك يَقْتَضِي أَنَّهُ ﷺ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِ السَّائِلِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِمَا يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَفْعَلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَجِّ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَمْتَثِلَهُ الْمُعْتَمِرُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ مِنْ إزَالَةِ الْقَمِيصِ وَغَسْلِ الصُّفْرَةِ؛ لِأَنَّ نَزْعَ الْقَمِيصِ وَغَسْلَ الصُّفْرَةِ قَدْ نَصَّ لَهُ عَلَيْهِمَا فَلَا مَعْنَى أَنْ يَنْصَرِفَ قَوْلُهُ وَافْعَلْ فِي عُمْرَتِك مَا تَفْعَلُ فِي حَجَّتِك إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِمَا أَبْيَنُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الثَّانِي. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ قَدْ عَطَفَ هَذَا اللَّفْظَ الثَّانِيَ عَلَى النُّزُوعِ وَالْغَسْلِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا غَيْرُهُمَا وَلَا شَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا الْفِدْيَةُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ إثْبَاتَ الْفِدْيَةِ وَلَا نَفْيَهَا وَإِنَّمَا أَحَالَهُ عَلَى مَنْ قَدْ عَلِمَ مِنْ حَالِ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَتْلَفَ الطِّيبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْفِدْيَةَ عَلَيْهِ لِمَا لَبِسَ مِنْ الْقَمِيصِ إنْ كَانَ اسْتَدَامَ مُدَّةً تَجِبُ بِهَا الْفِدْيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ فَقَالَ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ: مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ مِنْك لَعَمْرُ اللَّهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عُمَرُ عَزَمْت عَلَيْك لَتَرْجِعَنَّ فَلَتَغْسِلَنَّهُ) ش قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ فَقَالَ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؟ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَكْبِ مُحْرِمِينَ وَالشَّجَرَةُ مَوْضِعٌ بِطَرِيقِ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ فَأَنْكَرَ رِيحَ الطِّيبِ فِيهِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِمَّا يُنْكَرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا لِمَنْ

стр. 566

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ وَإِلَى جَنْبِهِ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَقَالَ عُمَرُ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَبَّدْت رَأْسِي وَأَرَدْت أَنْ أَحْلِقَ فَقَالَ عُمَرُ فَاذْهَبْ إلَى شَرَبَةٍ فَادْلُكْ رَأْسَك حَتَّى تُنْقِيَهُ فَفَعَلَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَقَالَ مَالِكٌ الشَّرَبَةُ حَفِيرٌ يَكُونُ عِنْدَ أَصْلِ النَّخْلَةِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَخَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بَعْدَ أَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ عَنْ التَّطَيُّبِ فَنَهَاهُ سَالِمٌ وَأَرْخَصَ لَهُ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَدَّهِنَ الرَّجُلُ بِدُهْنٍ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَقَبْلَ أَنْ يُفِيضَ مِنْ مِنًى بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) . ــ [المنتقى] ابْتَدَأَهُ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ مِنْك لَعَمْرُ اللَّهِ، عَلَى مَعْنَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ إنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي لِيُعْلِمَهُ أَنَّ التَّطَيُّبَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَلِعِلْمِهِ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ مَعَ عِلْمِهَا وَمَعْرِفَتِهَا بِأَحْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالِهِ لِمَحَلِّهَا مِنْهُ قَدْ وَافَقَتْهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ فَقَالَ لَهُ عَزَمْت عَلَيْك لَتَرْجِعَنَّ فَلَتَغْسِلَنَّهُ فَمَنَعَهُ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرَ فِيهِ رَأْيَهُ وَلَا رَأْيَ أُمِّ حَبِيبَةَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عُمَرَ ﵁ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ عِلْمٌ مِنْ أَيْنَ قَالَتْهُ أُمُّ حَبِيبَةَ فَلَمْ يَرْضَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَهَا وَلَا صَحَّ عِنْدَهُ وَجْهُ اسْتِدْلَالِهَا وَلَعَلَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ بِمِثْلِ «خَبَرِ عَائِشَةَ كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» فَمَنَعَ مُعَاوِيَةَ مِنْ التَّعَلُّقِ بِفِعْلِهَا وَالْأَخْذِ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي ذَلِكَ نَصٌّ يَرُدُّ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ الْإِمَامَ الَّذِي يَخْتَارُ لِلنَّاسِ وَيُلْزِمُهُمْ الرُّجُوعَ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسَ بِمَا يَرَاهُ الصَّوَابَ فِيمَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ الصَّلْتِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وَهُوَ بِالشَّجَرَةِ وَإِلَى جَنْبِهِ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَقَالَ عُمَرُ مِمَّنْ رِيحُ هَذَا الطِّيبِ؟ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَبَّدْت رَأْسِي وَأَرَدْت أَنْ أَحْلِقَ فَقَالَ عُمَرُ فَاذْهَبْ إلَى شَرَبَةٍ فَادْلُكْ رَأْسَك حَتَّى تُنْقِيَهُ فَفَعَلَ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ فَقَالَ مَالِكٌ الشَّرَبَةُ حَفِيرٌ يَكُونُ عِنْدَ أَصْلِ النَّخْلَةِ) . (ش) : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا جَرَى لِعُمَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَكَثِيرٍ فِي سَفَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّجَرَةَ مَوْضِعٌ يَقْرُبُ مِنْ الْمِيقَاتِ فَمَنْ جَوَّزَ التَّطَيُّبَ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ صَحِبَهُ رِيحُ الطِّيبِ إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ فَكَانَ عُمَرُ ﵁ لِفَرْطِ تَفَقُّدِهِ لِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَاهْتِبَالِهِ بِأَدْيَانِهِمْ وَمُرَاعَاتِهِ لَهَا كَانَ يَتَفَقَّدُ هَذَا الْمَعْنَى مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ أَسْفَارِهِ لِعِلْمِهِ بِمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ وَيُوَاظِبُ عَلَى حَمْلِهِمْ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُ وَالْأَصْوَبُ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ كَثِيرٍ لَبَّدْت رَأْسِي وَأَرَدْت أَنْ أَحْلِقَ، التَّلْبِيدُ: أَنْ يُضَفِّرَ رَأْسَهُ بِصَمْغٍ وَغَاسُولٍ يَلْصَقُ فَيَقْتُلُ قَمْلَهُ وَلَا يَتَشَعَّثُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَكَانَ كَثِيرٌ جَعَلَ فِيمَا لَبَّدَ بِهِ رَأْسَهُ طِيبًا وَكَثِيرًا مَا يَسْتَعْمِلُهُ كَذَلِكَ مَنْ لَا يُرِيدُ الْإِحْرَامَ وَكَانَ كَثِيرٌ لَمَّا أَرَادَ الْحِلَاقَ لَبَّدَ بِمَا فِيهِ طِيبٌ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيدَ يَلْزَمُ الْحِلَاقَ فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى شَرَبَةٍ وَهِيَ مُسْتَنْقَعُ الْمَاءِ عِنْدَ أَصْلِ النَّخْلَةِ فَيَغْسِلُ بِهَا رَأْسَهُ حَتَّى يُزِيلَ عَنْهُ الطِّيبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ بِغُسْلِ الطِّيبِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِإِتْلَافِ الطِّيبِ حَالَ الْإِحْرَامِ وَهَذَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ بَقِيَ مِنْهُ مَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِإِتْلَافِهِ أَوْ لَمْسِهِ فَتَجِبُ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ. (ش) : سُؤَالُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ التَّطَيُّبِ بَعْدَ الْحِلَاقِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي التَّطَيُّبِ لِلْإِحْرَامِ فَلَمَّا سَأَلَ وَجَدَ الْخِلَافَ فِيهِ كَالْخِلَافِ فِي التَّطَيُّبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ قَالَ: وَمَنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ فَإِذَا أَفَاضَ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَمَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ أَحَدُ التَّحَلُّلَيْنِ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ مَحَلٌّ اُخْتُلِفَ فِي اسْتِبَاحَةِ اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فِيهِ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ فِدْيَةٌ أَصْلُ ذَلِكَ التَّطَيُّبُ لِلْإِحْرَامِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يَدَّهِنَ قَبْلَ

стр. 567

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ طَعَامٍ فِيهِ زَعْفَرَانٌ هَلْ يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ: أَمَّا مَا مَسَّتْهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ وَأَمَّا مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ) . ــ [المنتقى] إحْرَامِهِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ التَّنْظِيفِ وَذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْإِحْرَامِ كَغُسْلِ رَأْسِهِ بِالْغَاسُولِ أَوْ نَحْوِهِ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ الدُّهْنُ الْمُطَيِّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ لِبَقَاءِ رَائِحَةِ طِيبِهِ، وَلِادِّهَانِ الْمُحْرِمِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِي: بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيَّبٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الِادِّهَانِ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ مِنْ إزَالَةِ الشَّعَثِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لَهُ وَأَمَّا الدُّهْنُ الْمُطَيِّبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الطِّيبِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ فَبَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ وُجُودِ شَيْءٍ مِنْ التَّحَلُّلِ فَإِنَّ الْإِدْهَانَ حِينَئِذٍ مَمْنُوعٌ بِدُهْنٍ مُطَيِّبٍ وَغَيْرِ مُطَيِّبٍ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ اللَّيْثِ إبَاحَةَ ذَلِكَ بِكُلِّ مَا يَجُوزُ لَهُ أَكْلُهُ مِنْ الْأَدْهَانِ وَقَالَ: إنَّهُ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُنَافِي الشَّعَثَ فَمُنِعَ مِنْهُ الْمُحْرِمُ كَالتَّطَيُّبِ وَالتَّنَظُّفِ فِي الْحَمَّامِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُنَافِي الشَّعَثَ وَيُزِيلُهُ فَوَجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِاسْتِعْمَالِهِ الْفِدْيَةُ كَغُسْلِ رَأْسِهِ بِالْغَاسُولِ وَدُخُولِهِ الْحَمَّامَ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إسْقَاطُ الْفِدْيَةِ لِظُهُورِ الْخِلَافِ فِي إبَاحَتِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الزَّعْفَرَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ إذَا خُلِطَ بِمَأْكُولٍ وَأُنْضِجَ بِالنَّارِ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهُ الْمُحْرِمُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَ الْمُحْرِمُ الْخَبِيصَ والخشكنان وَمَا طَبَخَتْهُ النَّارُ مِنْ الزَّعْفَرَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّارَ قَدْ غَيَّرَتْ فِعْلَ الطِّيبِ الَّذِي فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَجَازَ لَهُ أَكْلُهَا. وَكَذَلِكَ إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ شَيْئًا فِيهِ طِيبٌ قَدْ اُسْتُهْلِكَ حَتَّى لَا يُرَى فِيهِ أَثَرٌ وَلَا رَائِحَةٌ فَأَمَّا إذَا بَقِيَ لَهُ أَثَرُ صَبْغٍ أَوْ رَائِحَةٍ فَتَلْزَمُهُ بِهِ الْفِدْيَةُ،. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي شُرْبِهَا قَالَ مَالِكٌ وَتُكْرَهُ الدَّقَّةُ الصَّفْرَاءُ وَالْأُشْنَانُ الْأَصْفَرُ وَالشَّرَابُ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: لِأَنَّ التَّطَيُّبَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُسْتَهْلَكٌ وَلَا هِيَ مَعْمُولَةٌ بِالنَّارِ فَعَلَى الْمُحْرِمِ بِتَنَاوُلِهَا الْفِدْيَةُ فَبَيَّنَ أَنَّ الْمَطْبُوخَ بِالنَّارِ لَا يُعْتَبَرُ بِأَنْ يَكُونَ الزَّعْفَرَانُ غَلَبَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيمَا خُلِطَ بِغَيْرِهِ وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَا كَانَ مِنْ الطَّعَامِ فِيهِ طِيبٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ قَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ كَالْخَبِيصِ والخشكنان فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلَهَا الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّهُ بِالطَّبْخِ قَدْ خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ طِيبًا وَلَحِقَ بِالطَّعَامِ وَلِأَنَّهُ فِي وَقْتِ أَكْلِهِ مُتْلَفٌ بِاسْتِهْلَاكِهِ وَغَلَبَةِ الطَّعَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُحَرِّرْ الْقَوْلَ فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ إبَاحَةَ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الطَّبْخُ وَالثَّانِي غَلَبَةُ مَا مَازَجَهُ عَلَيْهِ وَأَرَادَ بِالِاسْتِهْلَاكِ غَلَبَةَ الْمُمَازَجِ عَلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ وَالِاسْتِهْلَاكُ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي إبَاحَةِ مَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ إنَّمَا هُوَ عَدَمُ الْعَيْنِ جُمْلَةً وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الِاسْتِهْلَاكِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ فِيمَا مَسَّتْهُ النَّارُ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي تَنَاوُلِهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: وُجُوبُ الْفِدْيَةِ. وَالثَّانِيَةُ: نَفْيُهَا. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا مَسَّتْهُ النَّارُ حَتَّى لَا يَلْصَقَ بِالْيَدِ مِنْهُ شَيْءٌ كَالْخَبِيصِ والخشكنان فَأَمَّا الْفَالُوذُ وَالدَّقَّةُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا يَلْصَقُ زَعْفَرَانُهُ بِالْيَدِ وَالشَّفَةِ فَيَصْبُغُهَا فَلَا يَأْكُلُهُ الْمُحْرِمُ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْفَالُوذُ الَّذِي ذُكِرَ لَا يَلْصَقُ زَعْفَرَانُهُ بِيَدٍ وَلَا شَفَةٍ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا طُبِخَ مِنْ الْأَمْرَاقِ كَالسِّكْبَاجِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَأَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ لِلنَّارِ تَأْثِيرًا فِي الْإِبَاحَةِ فَعَلَى رِوَايَةِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَعْلَقُ بِالْيَدِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي اسْتِهْلَاكِ الطِّيبِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ اللَّوْنَ وَالطَّعْمَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَا جَمِيعًا

стр. 568

مَوَاقِيتُ الْإِهْلَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) ــ [المنتقى] الثَّلَاثُ الصِّفَاتِ عَلَى حَسْبِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الْمِيَاهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا انْفَرَدَ بِذِكْرِهِ دُونَ مَا ذَكَرَهُ الْآخَرُ فَيَكُونُ وَجْهُ قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الطِّيبَ مَقْصُودُهُ الرَّائِحَةُ دُونَ الطَّعْمِ وَيَكُونُ وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَمَّا انْتَقَلَ إلَى حُكْمِ الطَّعَامِ اُعْتُبِرَ فِيهِ الطَّعَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [مَوَاقِيتُ الْإِهْلَالِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» تَوْقِيتٌ مِنْهُ ﷺ لِأَهْلِ كُلِّ بَلَدٍ وَجِهَةٍ - مَوْضِعَ إحْرَامِهِمْ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْإِحْرَامِ لِمُرِيدِ النُّسُكِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ أَرَادَ النُّسُكَ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُرِدْهُ وَأَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ مَكَّةَ يَتَكَرَّرُ كَالْأَكْرِيَاءِ وَالْحَطَّابِينَ فَهَؤُلَاءِ لَا بَأْسَ بِدُخُولِهِمْ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَلْحَقُهُمْ بِتَكَرُّرِ الْإِحْرَامِ وَالْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ النُّسُكِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَنْدُرَ دُخُولُهُ مَكَّةَ فَهَذَا قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ لِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا قَاصِدٌ إلَى مَكَّةَ لَا يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ إلَيْهَا فَلَزِمَهُ الْإِحْرَامُ كَالْقَاصِدِ لِلنُّسُكِ. وَاسْتَدَلَّ الزُّهْرِيُّ فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» قَالَ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى التَّوَقِّي فِي الْحَرْبِ وَهُوَ ﷺ إنَّمَا دَخَلَهَا عَنْوَةً وَلَوْ سُلِّمَ لَهُ ذَلِكَ لَكَانَ أَمْرًا يَخْتَصُّ بِهِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» . (فَرْعٌ) فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ حَلَالًا فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ أَسَاءَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ دُخُولَ مَحَلِّ الْفَرْضِ لَا يُوجِبُ الدُّخُولَ فِي الْفَرْضِ كَدُخُولِ مِنًى وَعَرَفَةَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدُ الْإِحْرَامِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَلْيَرْجِعْ إلَى الْمِيقَاتِ مَا لَمْ يُحْرِمْ فَإِنْ أَحْرَمَ فَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الدَّمُ بِإِحْرَامِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرُجُوعِهِ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا رَجَعَ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا الْقَوْلُ فِي تَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ عَنْ الْمِيقَاتِ فَأَمَّا تَقْدِيمُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُفَصِّلْ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِنْ مَنْزِلِهِ إذَا كَانَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْ الْمِيقَاتِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ جُمْلَةً وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ ﷺ «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الْخَبَرِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ؛ لِأَنَّ خَبَرَ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ وَقَدْ نَجِدُ مَنْ لَا يُهِلُّ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا أَوْ نَدْبًا وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَقَدْ تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِضِدِّهِ عَلَى حَسْبِ مَا هُوَ أَمَرَ بِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَكُرِهَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِ بِالْإِحْرَامِ كَمِيقَاتِ الزَّمَانِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَخْصِيصَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بِأَهْلِ كُلِّ جِهَةٍ يُفِيدُ اخْتِصَاصَهُمْ بِهَا وَيَخْتَصُّ أَيْضًا بِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» غَايَةٌ فِي التَّحَرِّي

стр. 569

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعَتْهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُخْبِرْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ مِنْ الْجِعْرَانَةِ بِعُمْرَةٍ» ) . ــ [المنتقى] وَالتَّوَقِّي وَالتَّمْيِيزِ لِمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مُشَافَهَةً مِمَّا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَبَلَغَهُ عَنْهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ» وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَقَّتَ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَهُ لَهُمْ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعَتْهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُخْبِرْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ» ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» أَمْرٌ وَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ وَقَدْ يُصْرَفُ إلَى النَّدْبِ بِدَلِيلٍ إنْ وُجِدَ فِي الشَّرْعِ وَهَذَا يَقْتَضِي مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ وَتَأْخِيرَهُ عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ غَيْرُ مُخْتَارٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ فَالْأَمْرُ بِإِيقَاعِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ يَقْتَضِي مَنْعَ إيقَاعِهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ وَالتَّأْخِيرِ عَنْهُ كَمَا اقْتَضَى ذَلِكَ تَوْقِيتُ الْإِحْرَامِ بِالزَّمَانِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ الْفَرْعِ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ الْفَرْعِ وَإِنْ كَانَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ الْأَمْرُ بِالْإِهْلَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَى مَنْ خَالَفَ وَرَأَى تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵁ تَرَكَ ظَاهِرَهُ لِرَأْيٍ رَآهُ أَوْ تَأْوِيلٍ تَأَوَّلَهُ، وَهَكَذَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ «عَائِشَةَ اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ فَأَعْتَقَتْهَا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » ، وَأَخَذْنَا بِذَلِكَ مِنْ خَبَرِهِ وَإِنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَرَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ كَانَ خُرُوجُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْفَرْعِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا ﵀ إنَّمَا نَفَى بِذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَقْصِدَهَا لِلْإِحْرَامِ مِنْهَا. ص (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إيلْيَاءَ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إيلْيَاءَ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَهَذَا تَقْدِيمٌ لِلْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ جَوَازَ ذَلِكَ وَكَرَاهِيَتَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ: كَرَاهِيَتَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ بِالْمِيقَاتِ، وَتَوْقِيتُهُ الْإِحْرَامَ بِهِ يَمْنَعُ تَقْدِيمَهُ عَلَيْهِ وَتَأْخِيرَهُ عَنْهُ كَمِيقَاتِ الزَّمَانِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ التَّوْقِيتَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْعِ مُجَاوَزَتِهِ بِالْإِحْرَامِ لَا لِمَنْعِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِهْلَالَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مُبَاحٌ وَيُمْنَعُ اسْتِصْحَابُهُ بَعْدَ الْمِيقَاتِ وَالْأَوَّلُ أَقْيَسُ فَدَخَلَ عَلَى هَذَا مِيقَاتُ الزَّمَانِ. (فَرْعٌ) وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِقُرْبِ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصِدُ إلَّا مُخَالَفَةَ التَّوْقِيتِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِمْ إحْرَامًا وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ عَلَى الْبُعْدِ مِنْهُ فَإِنَّ لَهُ غَرَضًا فِي اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ وَهَذَا كَمَا قُلْنَا إنَّ مَنْ كَانَ فِي شَعْبَانَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ صِيَامَ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَمَنْ اسْتَدَامَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ شَعْبَانَ جَازَ لَهُ اسْتِدَامَةُ ذَلِكَ حَتَّى يَصِلَهُ بِرَمَضَانَ. (ش) : اعْتِمَارُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْجِعْرَانَةِ حِينَ رَجَعَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالْجِعْرَانَةُ وَحُنَيْنٌ مُتَقَارِبَانِ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَلَعَلَّهُ ﷺ إنَّمَا أَجْمَعَ عَلَى أَنَّ الْعُمْرَةَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ بِالْجِعْرَانَةِ وَأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ حَتَّى يَلْقَى عَدُوًّا أَوْ يُحْدِثَ سَفَرًا أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ دُخُولَ مَكَّةَ مِنْ حُنَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ لَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ إلَّا مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ دُخُولُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ عَلَى مَا قَالَهُ شُيُوخُنَا وَذَلِكَ أَنَّ سَحْنُونًا قَالَ فِيمَنْ دَخَلَ مُعْتَمِرًا فَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ إلَى

стр. 570

الْعَمَلُ فِي الْإِهْلَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ» ) ــ [المنتقى] مِثْلِ جَدَّةَ أَوْ الطَّائِفِ وَهُوَ يَنْوِي الرُّجُوعَ إلَى مَكَّةَ لِيَحُجَّ مِنْ عَامِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بِإِحْرَامٍ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إلَى مَكَّةَ بِالْحَطَبِ وَالْفَاكِهَةِ وَإِنْ كَانَ حِينَ خَرَجَ إلَى سَفَرِهِ لَمْ يَنْوِ الْعَوْدَةَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَعَلَيْهِ الْإِحْرَامُ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ وَخَرَجَ مِنْهَا يَنْوِي الْعَوْدَةَ إلَيْهَا فَقَدْ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهَا الَّذِينَ تَعْرِضُ لَهُمْ الْحَوَائِجُ خَارِجَهَا فَيَخْرُجُونَ إلَيْهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إحْرَامٌ لِدُخُولِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا إلَى مَكَّةَ وَهُوَ لَا يَنْوِي أَنْ يَبْلُغَهَا فَلَمَّا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ نَوَى دُخُولَ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ حَيْثُ نَوَى ذَلِكَ وَلَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ مَكَّةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحْرَمَ. [الْعَمَلُ فِي الْإِهْلَالِ] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الَّتِي كَانَ يُلَبِّي بِهَا وَيُوَاظِبُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ لَا يُوَاظِبُ عَلَى تَلْبِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَمَا اخْتَصَّتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَمُوَاظَبَتُهُ ﷺ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ لَهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ؛ وَلِذَلِكَ زَادَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِأَيِّ لَفْظٍ لَبَّى الْمُلَبِّي أَجْزَأَهُ وَلَبَّيْكَ إجَابَةُ الدَّاعِي مَأْخُوذٌ مِنْ أَلَبَ بِالْمَكَانِ إذَا أَقَامَ بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ هَذَا مُقِيمٌ عِنْدَك وَثَنَّى عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا إجَابَةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ هَذَا الَّذِي يَذْكُرُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالتَّلْبِيَةُ مَسْنُونَةٌ فِي الْحَجِّ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ قَالَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ؛ وَلِذَلِكَ يَجِبُ الدَّمُ بِتَرْكِهَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك فَإِنَّهُ يُرْوَى بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَقَالَ قَوْمٌ إنَّ كَسْرَ الْهَمْزَةِ أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ؛ لِأَنَّ كَسْرَ الْهَمْزَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ بِأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَأَنَّهُ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ وَفَتْحُ الْهَمْزَةِ يَقْتَضِي التَّلْبِيَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَهُ وَلَيْسَ فِي أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ مَزِيَّةُ مَدْحٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْخَيْرِ بِيَدَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَكَانَ الْمُلَبِّي يُلَبِّي رَبَّهُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ جَمِيعَ الْخَيْرِ بِيَدَيْهِ وَالرَّغْبَاءُ لَك إذَا فَتَحَ الرَّاءَ مَدَّ وَإِذَا ضَمَّهَا قَصَرَ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْمَرْغُوبَ إلَيْهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمَقْصُودُ بِالْعَمَلِ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ هَذَا اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ النَّافِلَةَ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِمْ صَلَّى فُلَانٌ رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ بِذِي الْحُلَيْفَةِ كَانَتْ صَلَاةَ الْفَجْرِ. وَقَدْ اخْتَارَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ بِإِثْرِ نَافِلَةٍ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ خَيْرٍ وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ بِإِثْرِ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِإِثْرِ صَلَاةِ نَافِلَةٍ وَأَحْرَمَ بِإِثْرِ فَرِيضَةٍ أَجْزَأَهُ فَإِنْ وَرَدَ الْمِيقَاتَ فِي وَقْتٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ النَّافِلَةُ وَلَيْسَ بِوَقْتِ فَرِيضَةٍ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَنْتَظِرَ وَقْتَ جَوَازِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتًا أَوْ عُذْرًا فَإِنْ أَحْرَمَ وَلَمْ يَنْتَظِرْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا شَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَهَلَّ يُرِيدُ أَنْ تَسْتَوِيَ قَائِمَةً وَهَذَا هُوَ الِاسْتِوَاءُ وَالِانْبِعَاثُ

стр. 571

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّذِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِد ذِي الْحَلِيفَة) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُك تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِك يَصْنَعُهَا؟ قَالَ وَمَا هُنَّ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ رَأَيْتُك لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ وَرَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَرَأَيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُك إذَا كُنْت بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إذَا رَأَوْا الْهِلَالَ وَلَمْ تُهْلِلْ أَنْتَ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمَّا الْأَرْكَانُ فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمَسُّ مِنْهَا إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ» وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا» فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا «وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا» فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ــ [المنتقى] أَخْذُهَا فِي الْقِيَامِ وَاسْتِوَاؤُهَا كَمَالَ الْقِيَامِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُهِلُّ عَقِيبَ الصَّلَاةِ إذَا سَلَّمَ مِنْهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُهِلُّ إذَا أَخَذَتْ نَاقَتُهُ فِي الْمَشْيِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا رَوَى مُسْلِمُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً» . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّذِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِد ذِي الْحَلِيفَة) . (ش) : قَوْلُهُ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا يَعْنِي - وَاللَّه أَعْلَم - أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ الْإِحْرَامَ وَالْإِهْلَالَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ وَنَحْنُ مَعَهُ الظُّهْرَ أَرْبَعًا بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ بَاتَ فِيهَا حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ ثُمَّ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» فَأَنْكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَوَصَفَهَا بِالْكَذِبِ؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى مَا لَيْسَ بِهِ، قَصَدَ بِذَلِكَ الْمُخْبِرُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ غَيْرُ هَذَا وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَهَلَّ بِإِثْرِ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ فَحُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ وَرَدَ قَوْمٌ فَوَجَدُوهُ يُهِلُّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَحَفِظُوا ذَلِكَ عَنْهُ، وَقَالَ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، وَأَصَحُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ مَا وَافَقَ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنْكَرَ مَالِكٌ الْإِحْرَامَ مِنْ الْبَيْدَاءِ وَقَالَ مَا الْبَيْدَاءُ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَوِّغُ لَنَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَيَلْزَمُنَا الْجَوَابُ عَنْهُ إذَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَيْنَا أَبُو حَنِيفَةَ فَنَقُولُ: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَحْفَظُ النَّاسِ لِلْمَنَاسِكِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَغِيرٌ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ اخْتَلَفَتْ رِوَايَتُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَلَمْ تَخْتَلِفْ رِوَايَةُ ابْنِ عُمَرَ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ صَحِيحٌ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ خُصَيْفٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَفْضَلُ مَوَاضِعِ ذِي الْحُلَيْفَةِ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالتَّبَرُّكِ بِمَوْضِعِ إحْرَامِهِ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ عِظَمِ الرِّفَاقِ وَكَثْرَةِ الْبَشَرِ وَتَزَاحُمِ النَّاسِ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْجُحْفَةِ أَيُحْرِمُ الْمَرْءُ مِنْ أَوَّلِ الْوَادِي أَوْ أَوْسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ فَقَالَ: هُوَ مُهَلٌّ كُلُّهُ قَالَ وَسَائِرُ الْمَوَاقِيتِ كَذَلِكَ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْوَادِي حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَالْمَوَاقِيتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِيقَاتٌ أَحْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُ وَمِيقَاتٌ لَمْ يُحْرِمْ مِنْهُ فَأَفْضَلُهُ مَوْضِعُ إحْرَامِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 572

يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ» ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ رَأَيْتُك تَصْنَعُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِك يَصْنَعُهَا سُؤَالُهُ عَنْ وَجْهِ تَعَلُّقِهِ بِهَا وَهَلْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ عَنْ رَأْيٍ وَاجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ كَثِيرَ الْحِفْظِ لِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ شَدِيدَ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيهَا مَعْرُوفًا بِذَلِكَ مَشْهُورًا فِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَأَرَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنْ يَعْلَمَ مَا خَالَفَ فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ لِسُنَّةٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ لِرَأْيٍ مِنْهُ، وَأَعْلَمَهُ بِخِلَافِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ لَهُ ذَلِكَ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَبْعَثَ لَهُ عَلَى قُوَّةِ الِاجْتِهَادِ وَشِدَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا ابْنُ جُرَيْجٍ حِينَ سَأَلَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَأَيْتُك لَا تَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ إلَّا الْيَمَانِيَّيْنِ فَأَخْبَرَهُ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَمَسُّ مِنْهَا غَيْرَ الْيَمَانِيَّيْنِ، وَهَذِهِ سُنَّةٌ كَافِيَةٌ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ أَشْوَاطًا وَأَسَابِيعَ وَلَمْ يَرَهُ ابْنُ عُمَرَ مَعَ ذَلِكَ يَمَسُّ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرَ الْيَمَانِيَّيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَصَدَ تَرْكَهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَهَا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﷺ فَصَارَ الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيهِمَا وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا اخْتِيَارُ مَالِكٍ أَنْ لَا يُسْتَلَمَ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْيَمَانِيَّيْنِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَرَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ وَهِيَ نِعَالٌ تُدْبَغُ بِالْقَرْظِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لَا شَعْرَ فِيهَا. وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ كَانَتْ سَوْدَاءَ لَا شَعْرَ فِيهَا قَالَ مُحَمَّدٌ فَقُلْت لَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ النِّعَالُ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرْظِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانَ يَلْبَسُهَا غَيْرَ مَدْبُوغَةٍ إلَّا أَهْلُ السَّعَةِ مِنْهُمْ قَالَ سَحْنُونٌ قَدْ أَعْلَمْتُك مَا قَالَ فِي ابْنِ وَهْبٍ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ لَا يَعْتَرِضُ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْتَنِعْ أَنْ تَكُونَ السِّبْتِيَّةُ الْمَدْبُوغَةُ بِالْقَرَظِ وَتَكُونُ لَا شَعْرَ فِيهَا وَأَنَّ الْعَرَبَ كَانَ يَلْبَسُ أَكْثَرُهُمْ النِّعَالَ غَيْرَ مَدْبُوغَةٍ وَأَنَّ السِّبْتِيَّةَ كَانَ لَا يَلْبَسُهَا إلَّا أَهْلُ الشَّرَفِ وَالسَّعَةِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّاعِرُ يَحْذِي نِعَالَ السَّبْتِ لَيْسَ بِتَوْأَمِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ السِّبْتِيَّةُ مَدْبُوغَةً بِالْقَرْظِ وَعَلَيْهَا شَعَرٌ وَيَحْتَجُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِلُبْسِهَا بِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَا شَعْرَ عَلَيْهَا» . ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَرَأَيْتُك تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ يَحْتَمِلُ يُرِيدُ الْخِضَابَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الثِّيَابَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ لَا لِحْيَتَهُ قَالَ: وَهَذَا مَعْنَاهُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَلَا يَثْبُتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَبَغَ لِحْيَتَهُ بِصُفْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَلَا أَدْرَكَ ذَلِكَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي لِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. وَقَدْ رَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَكَانَ أَوْ رَأَيْته أَحَبَّ الطِّيبِ إلَيْهِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ «ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ بِالصُّفْرَةِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ فَقَالَ إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْبُغُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ» وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ مِنْ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ وَلِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَيَسْتَحِبُّهَا مِنْ أَجْلِهِ فَيَصْبُغُ بِهَا ثِيَابَهُ وَلِحْيَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَتَحَلَّلَ فَأَرْدَفَ هُوَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ مَرَّةً لَمَّا خَافَ أَنْ يُصَدَّ عَنْ الْبَيْتِ لِيَتَحَلَّلَ دُونَهُ إنْ حُصِرَ وَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ.

стр. 573

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ) .. رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَوْ مَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أَوْ بِالْإِهْلَالِ يُرِيدُ أَحَدَهُمَا» ) ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَرَأَيْتُك إذَا كُنْت بِمَكَّةَ لَمْ تُهِلَّ حَتَّى يَكُونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ يَوْمَ مِنًى وَهُوَ ثَامِنُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ فَكَانَ الصَّحَابَةُ يُهِلُّونَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَخِّرُ إهْلَالَهُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلَّ وَوَصَلَ خُرُوجَهُ إلَى مِنًى بِإِهْلَالِهِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ وَأَمَّا الْإِهْلَالُ فَإِنِّي «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ» يُرِيدُ أَنَّ تَأْخِيرَهُ الْإِهْلَالَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَتَرْكَ تَقْدِيمِهِ فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ لِمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِنْ قَاطِنٍ أَوْ قَادِمٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ مِنْهَا إنَّمَا اخْتَارَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَوَجِّهًا وَأَخَذَ فِي فِعْلِ الْحَجِّ فَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ إهْلَالَهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حِينَ تَنْبَعِثُ بِهِ رَاحِلَتُهُ مُتَوَجِّهًا إلَى مِنًى أَشْبَهُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْرَبُ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ مِنْ الْإِهْلَالِ فِي أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُقَامِ بِمَكَّةَ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَلَعَمْرِي إنَّهُ لَوَجْهٌ حَسَنٌ لِمَنْ كَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ يُقِيمَ بِأَرْضٍ يُهِلُّ بِهَا حَتَّى يَخْرُجَ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِهْلَالَ إنَّمَا هُوَ إجَابَةٌ لِمَنْ دَعَا إلَى الْحَجِّ وَتَلْبِيَتُهُ لِلدَّاعِي، وَلَيْسَ الْمُقَامُ مِنْ جِنْسِ التَّلْبِيَةِ وَلَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يُقْرَنَ بِهَا وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُقْرَنَ بِهَا الْمُسَارَعَةُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يُشَاكِلُهَا وَهَذَا كُلُّهُ لِمَنْ كَانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ وَأَمَّا مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَقَدْ اخْتَارَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ الْإِهْلَالَ أَوَّلَ ذِي الْحِجَّةِ وَرَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَسْتَدِيمَ الْمُحْرِمُ الْإِحْرَامَ وَيَأْخُذَ بِحَظٍّ مِنْ الشَّعَثِ عَلَى حَسَبِ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمَّا فَاتَ أَهْلَ مَكَّةَ الشَّعَثُ بِقَطْعِ الْمَسَافَةِ عُوِّضُوا مِنْ ذَلِكَ مَسَافَةً مِنْ الزَّمَانِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَوَى أَكْثَرُ الرُّوَاةِ هَذِهِ اللَّفْظَةَ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَمَعْنَاهُ تَنْبَعِثَ مِنْ الْأَرْضِ لِلْقِيَامِ وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ فَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِوَاءِ وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ) . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَرْكَبُ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَوَاحِلَهُمْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ بِبَابِهِ وَمَا اتَّصَلَ بِهِ وَبِقُرْبٍ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْإِهْلَالَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الرَّاحِلَةِ قَائِمَةً لِمَنْ يَرْكَبُهَا مُنَاخَةً. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ فَقَالَ فِيهِ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمًا أَحْرَمَ، وَلَوْ كَانَ مِمَّنْ يَرْكَبُ قَائِمًا عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ الْحَاجِّ الْيَوْمَ لَكَانَ إهْلَالُهُ إذَا اسْتَوَى عَلَيْهَا رَاكِبًا. ص (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَأَنَّ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَفِعْلُهُ مَشْهُورٌ وَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا عَنْ مُشَاوَرَةِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَقَدْ اُشْتُهِرَ فِعْلُهُ بِذَلِكَ اشْتِهَارَ فِعْلِ الْخُلَفَاءِ بِحَضْرَةِ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ وَعُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ الْمَعْرُوفُ الْمَشْهُورُ. [رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْإِهْلَالِ] (ش) : قَوْلُهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ إخْبَارٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مِمَّا أَتَاهُ بِهِ جِبْرِيلُ وَأَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ فِيهِ عَلَى مَا أَدَّاهُ

стр. 574

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لِتُسْمِعَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ وَعَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ) . إفْرَادُ الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ــ [المنتقى] إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَقَوْلُهُ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَوْ مَنْ مَعِي الشَّكُّ مِنْ الرَّاوِي وَمَنْ مَعَهُ هُمْ أَصْحَابُهُ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: فُلَانٌ لَهُ صُحْبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ لِلصُّحْبَةِ مَزِيَّةً عَلَى الرُّؤْيَةِ وَأَنَّ اسْمَ الصَّحَابِيِّ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ مَعَهُ وَجَمِيعُ مَنْ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ صَحِبَهُ فِي طَرِيقِهِ وَحَجِّهِ وَمَا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمَشْهُورَ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَنَقَلَةِ الْآثَارِ مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَإِنَّ التَّلْبِيَةَ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ وَمِمَّا لَا يَجُوزُ لِلْحَاجِّ تَعَمُّدُ تَرْكِهَا فِي جَمِيعِ نُسُكِهِ وَمَتَى تَرَكَهُ فِي جَمِيعِهِ عَامِدًا أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَإِنْ سَلَّمُوا وُجُوبَ التَّلْبِيَةِ وَإِلَّا فَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ لَمَّا كَانَتْ التَّلْبِيَةُ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ كَانَ مِنْ سُنَّتِهَا الْإِعْلَانُ بِهِ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا كَالْأَذَانِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ حَتَّى يَشُقَّ عَلَى نَفْسِهِ وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِ وَبِحَسْبِ مَا لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِهِ. (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لِتُسْمِعَ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا) . (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَيْسَ شَأْنُهُنَّ الْجَهْرَ؛ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ فَلَيْسَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَهْرِ إلَّا بِقَدْرِ مَا تُسْمِعُ نَفْسَهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إسْمَاعِ غَيْرِهَا فَلَيْسَ مِنْ حُكْمِهَا وَالْجَهْرُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ. ص (قَالَ مَالِكٌ لَا يَرْفَعُ الْمُحْرِمُ صَوْتَهُ بِالْإِهْلَالِ فِي مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ لِيُسْمِعْ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيهِ إلَّا فِي مَسْجِدِ مِنًى وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِيهِمَا) ش وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْإِهْلَالِ فِي غَيْرِ مَسْجِدِ مِنًى وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَالِكٍ وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَ نَافِعٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ مَبْنِيَّةٌ لِلصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَلَا يَصِحُّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهَا بِمَا لَيْسَ مِنْ مَقْصُودِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِشَيْءٍ مِنْهَا بِالْحَجِّ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ الْخَيْفِ فَلِلْحَجِّ اخْتِصَاصٌ بِهِمَا مِنْ الطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ أَيَّامَ مِنًى وَلِسَبَبِ الْحَجِّ بُنِيَا فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ رَفْعُ الصَّوْتِ فِيهِمَا بِالتَّلْبِيَةِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ التَّلْبِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعٌ بِإِثْرِ الصَّلَوَاتِ فَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ مَا يَخْتَصُّ بِهِ وَمَا هُوَ شِعَارُهُ وَهُوَ التَّلْبِيَةُ وَهَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَالْمَسْنُونَةِ وَالنَّافِلَةِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ يُرِيدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ وَفِي بَطْنِ كُلِّ وَادٍ وَعِنْدَ لُقَى النَّاسِ وَعِنْدَ انْضِمَامِ الرِّفَاقِ وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ هِيَ الْأَحْوَالُ الَّتِي تُقْصَدُ بِالتَّلْبِيَةِ؛ لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُ الْحَاجِّ فَشُرِعَ الْإِتْيَانُ بِهَا عِنْدَ التَّنَقُّلِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 575

أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بَعْدَهُ بِعُمْرَةٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الَّذِي أَدْرَكْت عَلَيْهِ أَهْلَ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) . ــ [المنتقى] [إفْرَادُ الْحَجِّ] (ش) : قَوْلُهَا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ عَامُ عَشْرَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ غَيْرَ هَذِهِ الْحَجَّةِ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ عَامَ تِسْعَةٍ وَحَجَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَهُ عَامَ عَشْرَةٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَعَظَهُمْ فِيهَا وَوَدَّعَهُمْ فَسُمِّيَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ تُرِيدُ أَنَّ مَنْ نَسَكَ مِنْهُمْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَضْرُبِ وَلَا يَصِحُّ نُسُكٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ كُلُّهَا مَشْرُوعَةٌ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَرَّ عَلَيْهَا وَفِي قَوْلِهَا بَعْدَ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَهَلَّ بِالْحَجِّ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ أَفْرَدَ الْحَجَّ لَا أَنَّهَا قَدْ نَفَتْ عَنْهُ الصِّفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَجَعَلَتْهُ مِمَّنْ كَانَ نُسُكُهُ الْحَجَّ، وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ أَفْرَدَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: إنَّهُ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَتَمَتَّعَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفُوا عَلَى حَسْبِ ذَلِكَ فِي الْأَفْضَلِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَعَائِشَةُ أَقْعَدُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَمُهُمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَقَصَّتْ أَصْنَافَ النُّسُكِ وَقَسَّمَتْهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ قَرَنَ الْحَجَّ بِالْعُمْرَةِ وَقِسْمٌ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إفْرَادَهُ لَهَا وَإِلَّا كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قِسْمُ الْقِرَانِ وَقِسْمٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إفْرَادَهُ لَهُ وَإِلَّا دَخَلَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَجَعَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إفْرَادَهُ لَهُ. وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ مِنْ صِفَاتِ الْحَجِّ فَهُوَ الْأَفْضَلُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ تُرِيدُ بَعْدَ أَنْ طَافَ وَسَعَى بِمَكَّةَ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يُحِلَّ حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ وَهُوَ وَقْتُ كَمَالِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ تَحَلُّلِ الْحَاجِّ يَوْمُ النَّحْرِ وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَا يَنْفَعُهُ تَمَامُ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فِي جَوَازِ تَحَلُّلِهِ مِنْ عُمْرَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَرَنَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ لَمْ يَصِحَّ تَحَلُّلُهُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَّا بِتَحَلُّلِهِ مِنْ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ حُكْمُهُمَا حُكْمَ النُّسُكِ الْوَاحِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ص (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ وَكَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ» ) . (ش) : قَوْلُهَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْرَدَ الْحَجَّ يَقْتَضِي إفْرَادَهُ مِنْ كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ وَهِيَ الْعُمْرَةُ، وَهَذَا اللَّفْظُ يَنْطَلِقُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَفْرَدَ الْحَجَّ مِنْ مُقَارَنَةِ الْعُمْرَةِ إلَّا أَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ يَقْتَضِي أَنَّ إفْرَادَهُ الْحَجَّ هُوَ مَا لَمْ تُقَارِنْهُ عُمْرَةٌ وَإِلَّا كَانَ مُتَمَتِّعًا فَإِذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ إفْرَادُ الْحَجِّ فُهِمَ مِنْهُ تَرْكُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالُوا إنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرْدِفَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ إرْدَافَ الْإِحْرَامِ عَلَى الْإِحْرَامِ يَقْتَضِي أَنْ يُسْتَفَادَ بِالثَّانِي فَائِدَةٌ وَحُكْمٌ لَا يُوجَدُ بِالْأَوَّلِ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ لِهَذَا الْإِرْدَافِ، وَكَذَالِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرْدِفَ حَجًّا عَلَى حَجٍّ أَوْ عُمْرَةً عَلَى عُمْرَةٍ وَهُوَ عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ

стр. 576

الْقِرَانُ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ دَخَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالسُّقْيَا وَهُوَ يَنْجَعُ بَكَرَاتٍ لَهُ دَقِيقًا وَخَبَطًا فَقَالَ هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَلَى يَدَيْهِ أَثَرُ الدَّقِيقِ وَالْخَبَطِ فَمَا أَنْسَى أَثَرَ الدَّقِيقِ وَالْخَبَطِ عَلَى ذِرَاعَيْهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ: أَنْتَ تَنْهَى أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ ذَلِكَ رَأْيِي فَخَرَجَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ وَيَحِلَّ ــ [المنتقى] وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ كَانَ مُحْرِمًا بِوَاحِدَةٍ وَلَا يَلْزَمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَضَاءٌ وَلَا دَمٌ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ تَلْزَمَانِ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَيَكُونُ مُحْرِمًا بِهِمَا حَتَّى يَتَوَجَّهَ فِي السَّفَرِ فَتَرْتَفِضُ إحْدَاهُمَا وَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا أَرْدَفَ مِنْ قَابِلٍ وَالدَّمُ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَاتَيْنِ عِبَادَتَانِ لَا يَصِحُّ الْمُضِيُّ فِيهِمَا بِوَجْهٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَصِحَّ الدُّخُولُ فِيهِمَا وَلَا إرْدَافُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى أَصْلُهُ إذَا نَوَى فِي رَمَضَانَ أَنْ يَصُومَهُ عَنْهُ وَعَنْ نَذْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقِرَانُ فِي الْحَجِّ] (ش) : السُّقْيَا مَوْضِعٌ وَقَوْلُهُ يَنْجَعُ وَيُنْجِعُ لُغَتَانِ مَعْنَاهُ يُلَقِّمُ الْخَبَطَ بَكَرَاتٍ لَهُ يَعْنِي نُوقًا فَتِيَّةً فَقَالَ الْمِقْدَادُ هَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُقْرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إنْكَارًا لِنَهْيِ عُثْمَانَ عَنْ الْقِرَانِ وَلَعَلَّ عُثْمَانَ إنَّمَا نَهَى عَنْهُ عَلَى حَسْبِ مَا نَهَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ الْمُتْعَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْحَضِّ عَلَى الْإِفْرَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ فَحَمَلَ ذَلِكَ الْمِقْدَادُ عَلَى الْمَنْعِ التَّامِّ أَوْ خَافَ أَنْ يُحْمَلَ مِنْهُ عَلَى الْمَنْعِ التَّامِّ فَيَتْرُكُ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهِ جُمْلَةً حَتَّى يَذْهَبَ حُكْمُهُ وَيَنْقَطِعَ عَمَلُهُ فَقَالَ عُثْمَانُ ذَلِكَ رَأْيِي يُرِيدُ تَفْضِيلَ الْإِفْرَادِ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا يُرِيدُ كَارِهًا لِقَوْلِ عُثْمَانَ وَنَهْيِهِ عَنْ الْقِرَانِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ لِيُحْيِيَ حُكْمَ هَذِهِ السُّنَّةِ وَيُعْلِيَ بِأَمْرِهَا وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مُرِيدٌ لِلْخَيْرِ ﵃ أَجْمَعِينَ وَإِنَّمَا أَعْلَنَ عَلِيٌّ بِذِكْرِ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إظْهَارَ الْقِرَانِ وَلَوْ اجْتَزَأَ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ فِي نُسُكِهِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ لَأَجْزَأَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النُّطْقِ بِنَفْسِ النُّسُكِ فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى تَرْكَ التَّسْمِيَةِ وَقَالَ أَلَيْسَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُسَمِّي. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُجْزِئُهُ النِّيَّةُ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ عَنْهُ هُنَاكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى إجْزَاءِ النِّيَّةِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ فَوَجَبَ أَنْ تُلْزَمَ بِالدُّخُولِ فِيهَا دُونَ تَسْمِيَتِهِ لَهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْعِبَادَاتِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَلِيٍّ لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا قَدَّمَ الْعُمْرَةَ فِي اللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ يُرْدَفُ عَلَيْهَا بِالْحَجِّ وَلَا تُرْدَفُ هِيَ عَلَى الْحَجِّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَمَّا صَحَّ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَيْهَا وَلَمْ يَصِحَّ إرْدَافُهَا عَلَى الْحَجِّ اُخْتِيرَ تَقْدِيمُهَا فِي النِّيَّةِ لِصِحَّةِ وُرُودِ الْحَجِّ عَلَى الْإِحْرَامِ بِهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عِيسَى هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ تَقْدِيمِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ فَلَمَّا سَمِعَ مِنْ عُثْمَانَ مَا سَمِعَ أَرْدَفَ عَلَيْهَا حَجَّةً، وَتَقْدِيمُ الْعُمْرَةِ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي اللَّفْظِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِهِ يُجْزِئُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ نَوَاهُمَا جَمِيعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 577

بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ مَعَهَا فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَدْ مَنَعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ قَالَ إنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْت كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت الْعُمْرَةَ مَعَ الْحَجِّ قَالَ. وَقَدْ «أَهَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» ) ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ إحْرَامِهِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ جَمِيعِهِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ وَهَذَا مَعْنَى قِرَانِهِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَيَكُونُ إحْرَامُهُ وَفِعْلُهُ لَهُمَا لَا يَنْفَصِلُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَتَحَيَّزُ لِأَحَدٍ نُسُكُهُ وَلَوْ انْفَصَلَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ لَمَا كَانَ قِرَانًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِثْلُ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى لَا يَصِحُّ إذَا نَوَاهُمَا أَنْ يُتِمَّ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَوْعَبَ مِنْ الْأُخْرَى وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنَّ التَّحَلُّلَ يُنَافِي الْإِحْرَامَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِ حَجِّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ وَيَحِلَّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ يُرِيدُ أَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْحَجِّ لَا يَكُونُ إلَّا بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ، وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهَا وَتَحَلُّلُهُ بِالْحِلَاقِ بِمِنًى إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ نَحْرِ هَدْيِهِ فَإِنَّ تَحَلُّلَهُ مِنْ الْعُمْرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي ذَلِكَ الْمُقَامِ، وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِجِمَاعٍ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لِعُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ أَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ عُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ مُفْتَرِقَيْنِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْعُمْرَةُ لِتَمَامِ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ لَهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَمَلِ يُحَصِّلُ النُّسُكَيْنِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحِلَّ مِنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْ الْأُخْرَى. ص (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَقَطْ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحْلِلْ وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ» ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَقْصُودَهُ الْحَجُّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ إلَى الْإِخْبَارِ عَلَى مَعْنَى سَفَرِهِ فَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ مَعَ الْحَجِّ لَذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَقْصُودِ سَفَرِهِ كَمَا ذَكَرَ الْحَجَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ بَاقِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا. ش قَوْلُهُ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ مَعَهَا فَذَلِكَ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَيَكُونُ قَارِنًا لَهُمَا فَذَلِكَ لَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ لِإِرْدَافِهِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِدْخَالِهِ لَهُ عَلَيْهَا فَائِدَةَ عَمَلٍ لَا يَكُونُ فِي الْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يَنْفَرِدُ بِهَا الْحَجُّ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجُوزُ إلَيْهِ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِيهِ فَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يُكْمِلْهَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يُكْمِلْ الطَّوَافَ فَإِذَا طَافَ وَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَارِنًا وَلَمْ يَصِحَّ الْإِرْدَافُ وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الطَّوَافِ فَإِذَا شَرَعَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ الْأَقْوَالِ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُكْمِلْ السَّعْيَ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ مِنْ الْعُمْرَةِ فَصَحَّ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَيْهَا مَا لَمْ يُكْمِلْ أَصْلُهُ الطَّوَافُ. وَوَجْهُ اخْتِيَارِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ طَوَافَ الْوُرُودِ لَيْسَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَإِذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالسَّعْيِ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَإِذَا شَرَعَ فِي السَّعْيِ فَقَدْ فَاتَهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ السَّعْيُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ افْتَتَحَهُ لِلْعُمْرَةِ وَمَضَى جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ لِغَيْرِ الْحَجِّ فَلَا يَصِحُّ افْتِتَاحُ

стр. 578

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحَجِّ حِينَئِذٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّرُ بِهِمَا وَأَمَّا الْإِحْرَامُ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِزَمَانٍ وَلَا مَكَان، وَإِنَّمَا يُرَادُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فَلَهُ الْإِرْدَافُ مَا لَمْ يَتَلَبَّسْ بِالْمَقْصُودِ وَهُوَ الطَّوَافُ فَإِذَا تَلَبَّسَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِرْدَافُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ شَرَعَ فِيهِ لِلْعُمْرَةِ خَالِصًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ لِلْحَجِّ مَبْنِيًّا عَلَى طَوَافٍ لِغَيْرِهِ مِنْ النُّسُكِ فَفَاتَ بِذَلِكَ إرْدَافُ الْحَجِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَدْ صَنَعَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إنَّمَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي طَرِيقِهِ إلَى مَكَّةَ بِقُرْبِ إحْرَامِهِ بِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَهُوَ خَائِفٌ أَنْ يُصَدَّ عَنْ الْبَيْتِ لِأَجْلِ الْفِتْنَةِ الَّتِي بَلَغَتْهُ وَقَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى إنْ صُدَّ صَنَعَ كَمَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إذْ صَدَّهُمْ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ فَحَلَقَ ﷺ وَنَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَّ حَيْثُ حُبِسَ فَلِذَلِكَ أَقْدَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مَعَ تَخَوُّفِهِ أَنْ يُصَدَّ عَنْ الْبَيْتِ، ثُمَّ نَظَرَ فَرَأَى أَنَّ حُكْمَ الْعُمْرَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْحَجِّ فَالْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا عِنْدِي إلَّا وَاحِدٌ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ بِالْقِيَاسِ وَإِلْحَاقِ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ وَجْهِ النَّظَرِ دُونَ نَصٍّ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ فَأَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا مَعْنَى إشْهَادِهِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَيَقْتَدِي بِهِ مَنْ فَرْضُهُ التَّقْلِيدُ أَوْ يُنَبِّهَ عَلَى النَّظَرِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَقَدْ أَهَلَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ يُرِيدُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْنَدًا فَقَالَ ﷺ «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ» إعْلَامٌ مِنْهُ ﷺ بِجَوَازِ إرْدَافِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ الَّتِي كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْقِرَانِ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى الْقِرَانَ أَفْضَلَ مِنْ التَّمَتُّعِ أَوْ إبَاحَةٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لِمَا يَلْزَمُ الْقَارِنَ مِنْ الْهَدْيِ وَإِنْ كَانَ لِلْهَدْيِ بَدَلٌ مِنْ الصَّوْمِ إلَّا أَنَّهُ يَشُقُّ فِي السَّفَرِ وَكَثْرَةِ الشُّغْلِ وَهَذَا لِمَنْ كَانَ مَعَهُ حَيَوَانٌ يَصْلُحُ لِلْهَدْيِ لَمْ يُوجِبْهُ بَعْدُ وَلَمْ يُقَلِّدْهُ أَوْ ثَمَنُ هَدْيٍ فَيُقَالُ لَهُ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ وَيَسُوقَ الْهَدْيَ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ سَاقَهُ وَقَلَّدَهُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَسُوقَهُ عَنْ تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ فَإِنْ كَانَ سَاقَهُ عَنْ تَطَوُّعٍ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْحَرَهُ عَنْ قِرَانِهِ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ذَلِكَ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ إنْ فَعَلَ وَكَانَ الْأَقْيَسُ أَنْ لَا يُجْزِئَ إلَّا أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ هَذَا مُجْزِئٌ عَنْ دَمِ الْقِرَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي إجْزَائِهِ عَنْ دَمِ الْمُتْعَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُجْزِئُهُ لِمُتْعَتِهِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي أَقْيَسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَدْ رَأَيْت مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ سَاقَ الْهَدْيَ الَّذِي مَعَهُ بِأَنْ كَانَ لِشَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَأَرَادَ أَنْ يَصْرِفَهُ لِقِرَانِهِ، أَوْ مُتْعَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا نَهْيٌ عَنْ أَنْ يَحِلَّ مِنْ طَوَافٍ وَسَعْيٍ بَعْدَ أَنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدْخَلَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا يَوْمَ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ يُنَافِي الْإِحْرَامَ فَلَوْ اسْتَحَالَ إحْلَالُهُ بِالْعُمْرَةِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ لِلْحَجِّ كَانَ جَمِيعُ الْإِحْرَامِ

стр. 579

قَطْعُ التَّلْبِيَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ «سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ؟ ﷺ قَالَ كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يُلَبِّي فِي الْحَجِّ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ إذَا انْتَهَى إلَى الْحَرَمِ حَتَّى يَطُوفَ ــ [المنتقى] مُشْتَرَكًا لَهُمَا وَلَوْلَا أَنَّ مُقْتَضَى الْقِرَانِ اشْتِرَاكُ النُّسُكَيْنِ لَمَا أَجْزَأَ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ لَهُمَا لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بَعْضُ طَوَافٍ وَلَا بَعْضُ سَعْيٍ لِمَنْ أَفْرَدَ حَجَّهُ وَلَا لِمَنْ أَرْدَفَ عُمْرَتَهُ. [قَطْعُ التَّلْبِيَةِ] (ش) : قَوْلُهُ لِأَنَسٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَمُرَّ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ فَإِنْ مَرَّ عَلَى غَيْرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَنَاسِكِ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ أَنْ يَسْلُكَ عَلَى سَبِيلِ الِاقْتِدَاءِ وَالتَّبَرُّكِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ» يُرِيدُ مِنْ التَّلْبِيَةِ وَالذِّكْرِ إنْ كَانَ أَنَسٌ قَدْ شَهِدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ «كَانَ يُهِلُّ الْمُهِلُّ مِنَّا فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْأَمْرَيْنِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ غَدَا مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ وَلَهُ أَنْ يُلَبِّيَ وَقَالَ «قَدْ كَانَ الْقَوْمُ يُلَبُّونَ وَيُكَبِّرُونَ» . (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُلَبِّي فِي الْحَجِّ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَفْعَلَهُ اسْتِحْبَابًا. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا يَسْتَحِبُّهُ مِنْ ذَلِكَ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ وَرَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمُصَلَّى وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَ إلَى الْمَوْقِفِ وَاخْتَارَهُ سَحْنُونٌ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ أَوَّلَ جَمْرَةٍ مِنْ جَمَرَاتِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِمَّا تَعَلَّقَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةُ الدَّاعِي بِالْحَجِّ فَإِذَا انْتَهَى إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي دُعِيَ إلَيْهِ فَقَدْ أَكْمَلَ التَّلْبِيَةَ فَلَا مَعْنَى لِاسْتِدَامَتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةُ مَنْ دَعَا إلَى الْحَجِّ فَلَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِجَابَةَ إلَى أَوَّلِ الْعَمَلِ لَانْقَطَعَتْ بِالْإِحْرَامِ أَوْ بِأَوَّلِ الطَّوَافِ أَوْ بِآخِرِ الْعَمَلِ وَهُوَ أَوَّلُ التَّحَلُّلِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الْإِجَابَةَ إلَى أَوَّلِ مَوَاضِعِ الْحَجِّ عَمَلًا فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَقْصُرَ عَلَى مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ أَوْ مَكَّةَ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ آخِرَ مَوَاضِعِ الْحَجِّ عَمَلًا فَهُوَ مِنًى، وَأَمَّا عَرَفَةُ فَلَيْسَتْ أَوَّلَ ذَلِكَ وَلَا آخِرَهُ فَلَا تَعَلُّقَ لِقَطْعِ التَّلْبِيَةِ بِهَا، وَأَكْثَرُ مَا رَأَيْت قَطْعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ وَمَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ أَظْهَرُ عِنْدِي وَأَقْوَى فِي النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: بِأَثَرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي التَّلْبِيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ فَيُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى مَنْ هَذَا حُكْمُهُ وَلَعَلَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَ الرَّاوِي أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ» أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ إذَا رَاحَتْ إلَى الْمَوْقِفِ) . (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تَتْرُكُهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ إذَا أَخَذَتْ فِي الرَّوَاحِ إلَى الْمَوْقِفِ وَرِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى هَذَا وَعَائِشَةُ مِنْ أَعْلَمْ النَّاسِ بِأَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَحَجَّتْ مَعَهُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 580

بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ فَإِذَا غَدَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْزِلُ مِنْ عَرَفَةَ بِنَمِرَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَى الْأَرَاكِ قَالَتْ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تُهِلُّ مَا كَانَتْ فِي مَنْزِلِهَا وَمَنْ كَانَ مَعَهَا فَإِذَا رَكِبَتْ فَتَوَجَّهَتْ إلَى الْمَوْقِفِ تَرَكَتْ الْإِهْلَالَ قَالَتْ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَمِرُ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ تَرَكَتْ قَالَتْ فَكَانَتْ تَخْرُجُ قَبْلَ هِلَالِ الْمُحَرَّمِ حَتَّى تَأْتِيَ الْجُحْفَةَ فَتُقِيمَ بِهَا حَتَّى تَرَى الْهِلَالَ فَإِذَا رَأَتْ الْهِلَالَ أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْحَجِّ إذَا انْتَهَى إلَى الْحَرَمِ وَكَانَ يَتْرُكُهَا فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى، فَأَمَّا الْحَاجُّ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي أَوَّلِ الْحَرَمِ وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ يَقْطَعُهَا إذَا دَخَلَ مَكَّةَ وَرَوَى أَشْهَبُ لَا يَقْطَعُهَا، وَإِنْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَلَكِنْ يَقْطَعُهَا فِي الطَّوَافِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ مُرَاعَاةُ طُولِ مُدَّةِ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ؛ لِأَنَّ وُصُولَهُ إلَى الْحَرَمِ مِنْ أَوَّلِ عَمَلِ مَنَاسِكِهِ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ اسْتَدَامَ التَّلْبِيَةَ لِيَدُومَ أَمْرُ تَلْبِيَتِهِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى يَقْطَعُهَا عِنْدَ دُخُولِ مَكَّةَ أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ وَالِاغْتِسَالِ لَهُ فَتَرْكُ التَّلْبِيَةِ لَهُ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهُ مُسْتَحَبٌّ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْمَسَافَةَ كُلَّهَا مَسَافَةُ تَلْبِيَةٍ وَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَرْكِهَا فِي الطَّوَافِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، وَلَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَدِيمُ التَّرْكَ لِلتَّلْبِيَةِ حَتَّى يُتِمَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي وَقْتِ مُعَاوَدَةِ التَّلْبِيَةِ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ يُعَاوِدُهَا بَعْدَ السَّعْيِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُعَاوِدُهَا بَعْدَ الطَّوَافِ. وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ فِيهَا تَرْكُ التَّلْبِيَةِ وَأَمَّا السَّعْيُ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَشُرِعَ فِيهِ تَرْكُ التَّلْبِيَةِ كَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ فَإِذَا غَدَا تَرَكَ التَّلْبِيَةَ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَ تَجْوِيزِهِ التَّلْبِيَةِ بَعْدَ الْغَدْوِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي شُرِعَ تَرْكُهَا فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ شَاءَ كَبَّرَ وَإِنْ شَاءَ لَبَّى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَتْرُكُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْإِهْلَالِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ أَصْحَابِنَا فِي تَرْكِ التَّلْبِيَةِ فِي الْحَجِّ عِنْدَ دُخُولِ الْحَرَمِ لِمَنْ أَهَلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي الْعُمْرَةِ وَذَلِكَ لِقِصَرِ مُدَّةِ الْعُمْرَةِ، وَإِنَّهَا أَقَلُّ عَمَلًا مِنْ الْحَجِّ. ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَا يُلَبِّي وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ) . (ش) : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ الطَّوَافِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يُعَاوِدُهَا فِي الْحَجِّ بَعْدَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا. (ش) : قَوْلُهَا كَانَتْ تَنْزِلُ مِنْ عَرَفَةَ بِنَمِرَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَى الْأَرَاكِ يَقْتَضِي أَنَّ نَمِرَةَ مِنْ عَرَفَةَ وَأَنَّ الْأَرَاكَ مَوْضِعٌ غَيْرُهُ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ نَمِرَةَ وَالْأَرَاكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا نَمِرَةُ مَوْضِعُ الْأَرَاكِ بِعَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا قَالُوهُ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْزِلُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ نَمِرَةَ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ مِنْ مَوْضِعِهَا ذَلِكَ إلَى مَنْبَتِ الْأَرَاكِ بِنَمِرَةَ وَهَذَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَرْفَقُ فِي النُّزُولِ وَالتَّصَرُّفِ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ أَنْ يَنْزِلَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَرَفَةَ حَيْثُ شَاءَ وَجَرَى الْعَمَلُ بِنُزُولِ الْإِمَامِ بِنَمِرَةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا وَكَانَتْ تُهِلُّ مَا كَانَتْ فِي مَنْزِلِهَا تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُلَبِّي إلَى أَنْ تَرْكَبَ مُتَوَجِّهَةً إلَى

стр. 581

(ص) : ــ [المنتقى] الْمَوْقِفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ إلَى الصَّلَاةِ وَوَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ رَوَاحٌ إلَى الْمَوْقِفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ الرَّوَاحُ إلَى الْمَوْقِفِ، وَالْمُصَلَّى بِقُرْبِ الْمَوْقِفِ، وَالرَّوَاحُ إلَيْهِمَا وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الرَّوَاحُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْقِفِ إلَى الْمُصَلَّى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَعْتَمِرُ بَعْدَ الْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ تُرِيدُ أَنَّ إهْلَالَهَا بِالْعُمْرَةِ كَانَ بَعْدَ كَمَالِ حَجِّهَا وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَبَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنْ مِنًى. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَائِشَةَ مَنْعَ الْعُمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ لِمَنْ حَجَّ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ تُكْرَهُ الْعُمْرَةُ لِمَنْ حَجَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِهَا سَوَاءٌ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ تَأَخَّرَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ مَنْ حَجَّ فَلَا يَعْتَمِرْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ وَمَنْ رَمَى فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا يَعْتَمِرُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ تَأَخَّرَ دُونَ مَنْ تَعَجَّلَ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهَا أَيَّامٌ مُخْتَصَّةٌ بِعَمَلِ الْحَجِّ فَيُكْرَهُ لِمَنْ تَعَجَّلَ أَنْ يَتْرُكَ التَّمَادِي عَلَى تَمَامِ عَمَلِ حَجِّهِ وَيَتَعَجَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ لِيَشْرَعَ فِي عَمَلِ نُسُكٍ آخَرَ مُخْتَصٍّ بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ. ١ - (فَرْعٌ) فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَجِّ بِعُمْرَةٍ فِي ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ أَنْ حَلَّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُحْرِمَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَرْمِيَ فَإِنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَلَا شَيْءَ وَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ الرَّمْيِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُحْرِمُ بِهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ حَجِّهِ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَمْ تَلْزَمْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ تَلْزَمُهُ الْعُمْرَةُ إنْ أَحْرَمَ بِهَا بَعْدَ الرَّمْيِ وَيَمْضِي فِيهَا حَتَّى يُتِمَّهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إتْمَامُهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا يَقْتَضِي مُنَافَاةَ الْيَوْمِ لِعَمَلِ الْعُمْرَةِ دُونَ الْإِحْرَامِ بِهَا وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ التَّحْصِيبَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ فَيَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِهَا قَبْلَ إتْمَامِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَحْرَمَ بِهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَمْ تَلْزَمْهُ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ أَنْ يَكُونَ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى التَّحْصِيبَ مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ قَبْلَ هَذَا فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. (فَرْعٌ) وَهَلْ ذَلِكَ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الْمُحَرَّمِ أَمْ لَا، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي الْمُحَرَّمِ عُمْرَةً أُخْرَى فَتَكُونُ الْعُمْرَتَانِ فِي سَنَتَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ وَقَالَ لَا يُعْجِبُنِي لَكِنْ مَنْ حَجَّ وَهُوَ يُرِيدُ عُمْرَةَ الْمُحَرَّمِ وَكَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً. وَجْهُ رِوَايَةِ الْجَوَازِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُمَا عُمْرَتَانِ فِي سَنَتَيْنِ فَجَازَ ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَهُمَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ تَقَارُبُ مَا بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ فِي الزَّمَانِ، وَالتَّبَاعُدُ مَشْرُوعٌ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِهِ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي الْعَامِ مَرَّةً. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَعْتَمِرُ إلَّا وَاحِدَةً عُمْرَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ أَوْ عُمْرَةً فِي الْمُحَرَّمِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ الْعُمْرَةُ فِي الْمُحَرَّمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا انْتَقَلَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ الْإِتْيَانِ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ لَيْسَتْ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ سَوَاءٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا: إنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ إلَى الْمُحَرَّمِ أَفْضَلُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَإِبْعَادِ مَا بَيْنَهُمَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَهُمْ أَنْ يُحْرِمُوا بِالْعُمْرَةِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَيْسُوا كَحَاجِّ أَهْلِ مِنًى وَلَمْ يَذْكُرْ يَوْمَ النَّحْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخُصَّهُ بِالْمَنْعِ لَمَّا كَانَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ يَوْمِ النَّحْرِ فِي ذَلِكَ حُكْمَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْإِشْرَافِ عَنْ الْمَذْهَبِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ إحْلَالُهُ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَيَّامِ مِنًى أَوْ بَعْدَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْيَوْمَ لَا يُنَافِي عَمَلَ الْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ عَمَلُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ هَذِهِ الْأَيَّامِ بِعَمَلِ الْحَجِّ فَلَيْسَ لَهُ صَرْفُ ذَلِكَ إلَى نُسُكٍ آخَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 582

مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَدَا يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ مِنًى فَسَمِعَ التَّكْبِيرَ عَالِيًا فَبَعَثَ الْحَرَسَ يَصِيحُونَ فِي النَّاسِ أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهَا التَّلْبِيَةُ) . إهْلَالُ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ يَا أَهْلَ مَكَّةَ مَا شَأْنُ النَّاسِ يَأْتُونَ شُعْثًا وَأَنْتُمْ مُدْهِنُونَ أَهِلُّوا إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَقَامَ بِمَكَّةَ تِسْعَ سِنِينَ وَهُوَ يُهِلُّ بِالْحَجِّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَعَهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ) ــ [المنتقى] (ش) : إِنَّمَا مَنَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ إفْرَادِ التَّكْبِيرِ وَقَطْعِ التَّلْبِيَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِخِلَافٍ لِمَا رَوَاهُ أَنَسٌ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَسٌ أَنَّ الْمُكَبِّرَ كَانَ يُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْمُلَبِّيَ كَانَ يُلَبِّي فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّلْبِيَةَ كَانَتْ ظَاهِرَةً بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَنْكَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَرْكَهَا وَقَطْعَهَا جُمْلَةً فِي وَقْتٍ هِيَ فِيهِ مَشْرُوعَةٌ فَخَافَ إطْرَاحَهَا وَدُرُوسَهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ حُكْمُهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: إنَّهَا التَّلْبِيَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الذِّكْرَ الْمَشْرُوعَ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمَخْصُوصِ بِهِ لَهُ هُوَ التَّلْبِيَةُ وَأَنَّ التَّكْبِيرَ لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْوَقْتِ بَلْ يَظْهَرُ فِيهِ التَّكْبِيرُ كَمَا يَظْهَرُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ التَّلْبِيَةَ مِنْ جُمْلَةِ أَذْكَارِ هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ وَالتَّرْكُ لَهُ إلَى غَيْرِهِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. [إهْلَالُ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا مِنْ غَيْرِهِمْ] ش قَوْلُهُ مَا بَالُ النَّاسِ يَأْتُونَ شُعْثًا وَأَنْتُمْ مُدْهِنُونَ إنْكَارٌ لِلْإِدْهَانِ وَعَدَمِ الشُّعْثِ عَلَى الْحَجِّ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ بِعَرَفَةَ أَنْ يَكُونَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ فَأَنْكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَفُوتَهُمْ مِثْلُ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ بِتَأْخِيرِهِمْ الْإِهْلَالِ إلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمُوا الْإِهْلَالَ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ لِيَبْعُدَ عَهْدُهُمْ بِالتَّرَجُّلِ وَالِادِّهَانِ وَيَأْخُذُوا مِنْ الشُّعْثِ بِحَظٍّ وَافِرٍ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ ﵀ لِمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَخْتَارُ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يُهِلَّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ لَمْ يَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُحْرِمِ أَنْ لَا يُقِيمَ فِي مَوْضِعٍ يُنْشِئُ فِيهِ إحْرَامَهُ وَإِنَّمَا يُحْرِمُ وَيُلَبِّي عِنْدَ أَخْذِهِ فِي التَّوَجُّهِ إلَى حَيْثُ يَقْتَضِي إحْرَامُهُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَكَرِهَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ يُقِيمَ بِهَا بَعْدَ إحْرَامِهِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَمُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، ثُمَّ يُقِيمَ بِأَرْضٍ يُهِلَّ بِهَا حَتَّى يَخْرُجَ، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مَا كَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَهْلِ مَكَّةَ مِنْ أَنْ يَأْتُوا عَرَفَةَ مُدَّهِنِينَ. (ش) : تَعَلَّقَ مَالِكٌ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ بِفِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مُدَّةَ تِسْعَةِ أَعْوَامٍ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَهُوَ الْأَمِيرُ الَّذِي يُشْهَرُ فِعْلُهُ وَلَا يَخْفَى أَمْرُهُ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا يُثَابِرُ مَعَ دِينِهِ وَفَضْلِهِ وَوَرَعِهِ إلَّا عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أَخُوهُ عُرْوَةُ مَعَ عِلْمِهِ وَدِينِهِ وَعَلَى هَذَا كَانَ أَمْرُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيْجٍ لِابْنِ عُمَرَ رَأَيْتُك تَفْعَلُ أَرْبَعًا لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِك يَفْعَلُهَا. ص (قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُهِلُّ أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ بِالْحَجِّ إذَا كَانُوا بِهَا وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِنْ جَوْفِ مَكَّةِ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ) . (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يُهِلُّ مِنْ غَيْرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِيقَاتٌ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ بِهِ دُونَ مَا يُحْرِمُونَ مِنْهُ، وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْمُهِلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْبَيْتِ بِإِحْرَامِهِ مِنْ مِيقَاتِهِ لِئَلَّا يُرَدَّ إلَّا مُحْرِمًا فَمَنْ كَانَ عِنْدَ الْبَيْتِ وَفِي الْحَرَمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ لِلْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُقْصَدُ بِالْإِحْرَامِ قَدْ صَارَ فِيهِ، وَنُسُكُهُ

стр. 583

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَلْيُؤَخِّرْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى وَكَذَلِكَ صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ مَكَّةَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ كَيْفَ يَصْنَعُ فِي الطَّوَافِ؟ قَالَ أَمَّا الطَّوَافُ الْوَاجِبُ فَلْيُؤَخِّرْهُ وَهُوَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيَطُفْ مَا بَدَا لَهُ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ كُلَّمَا طَافَ سَبْعًا وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ فَأَخَّرُوا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ يُهِلُّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَيُؤَخِّرُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى) . ــ [المنتقى] يَقْتَضِي الْخُرُوجَ إلَى الْحِلِّ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَا مَعْنَى لِلْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ لِلْإِحْرَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَمَنْ أَهَلَّ مِنْهُمْ مِنْ الْحِلِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْحَرَمِ وَهَذَا زَادَ وَلَمْ يُنْقِصْ وَهَذَا عِنْدِي فِيمَنْ عَادَ إلَى الْحَرَمِ ظَاهِرٌ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ مِنْ الْحِلِّ وَتَوَجَّهَ إلَى عَرَفَةَ دُونَ دُخُولِ الْحَرَمِ أَوْ أَهَلَّ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ إلَيْهَا حَلَالًا مُرِيدًا لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ نَقَصَ وَلَمْ يَزِدْ وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الدَّمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ فِي حُكْمِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ إنَّمَا وُقِّتَتْ لِئَلَّا يَدْخُلَ الْمُحْرِمُ إلَى الْبَيْتِ إلَّا بِإِحْرَامٍ فَمَنْ كَانَ عِنْدَ الْبَيْتِ فَلَيْسَ لَهُ مِيقَاتٌ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ لَا يُحْرِمُ، وَالْمَوَاقِيتُ يَسْتَوِي فِي الْإِحْرَامِ مِنْهَا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ. (فَرْعٌ) وَمِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ؟ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ يُحْرِمُ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْهُ يُحْرِمُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ. وَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ مَخْصُوصٌ بِالْإِهْلَالِ وَمُتَعَلِّقٌ بِأَرْكَانِ الْحَجِّ فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يُشْرَعْ الْإِهْلَالُ بِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ بِالْإِهْلَالِ دُونَ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالنُّسُكِ إنَّمَا يَكُونُ حِينَ الْأَخْذِ فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْإِحْرَامِ مِنْ مَسْجِدِ الْمِيقَاتِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَرَمِ يَقْتَضِي أَنَّ إحْرَامَهُ مِنْ جَمِيعِ الْحَرَمِ مُبَاحٌ وَإِنْ اُخْتِيرَ الْإِحْرَامُ مِنْ دَاخِلِ الْمَسْجِدِ أَوْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا أَحْلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ إذَا تَوَجَّهْنَا إلَى مِنًى فَأَهْلَلْنَا مِنْ الْأَبْطُحِ» . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَلْيُؤَخِّرْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى وَكَذَلِكَ صَنَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) . (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَأَمَّا طَوَافُ الْوُرُودِ فَلَيْسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَإِنَّمَا هُوَ الْوُرُودُ عَلَى الْبَيْتِ بِالنُّسُكِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِالرَّكْعَتَيْنِ وَهَذَا أَوْكَدُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى وَدَاعٍ وَالْبَيْتَ قَدْ شُرِعَ فِيهِ الْوَدَاعُ فَإِذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وُرُودٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مِنْ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَوْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ يُؤْتَى بِهِمَا بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْحَرَمِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَإِذَا رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ جَازَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا قَدْ وُجِدَ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَى أَنْ يَعُودَ مِنْ مِنًى لِلْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّعْيِ أَنْ يَعْقُبَ طَوَافًا وَاجِبًا وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ مِنْ مَكَّةَ طَوَافٌ إلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَمَنْ قَدَّمَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ فَبِالْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ وَلْيُعِدْ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَةَ فَإِذَا لَمْ يُعِدْهُمَا حَتَّى خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَذَلِكَ أَيْسَرُ شَأْنِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَى بِالسَّعْيِ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ وَاجِبٍ لَزِمَهُ أَنْ يُعِيدَهُ بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ فَإِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ لِخُرُوجِهِ إلَى بَلَدِهِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ لِمَا أَدْخَلَ فِيهِ مِنْ النَّقْصِ بِالْإِتْيَانِ لَهُ بَعْدَ طَوَافٍ غَيْرِ وَاجِبٍ. (ش) : وَهَذَا

стр. 584

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَلْ يُهِلُّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ قَالَ بَلْ يَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ فَيُحْرِمُ مِنْهُ) . ــ [المنتقى] كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَبَقِيَ بَعْدَ إهْلَالِهِ بِهَا أَيَّامًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَطُوفَ تَطَوُّعًا مَا شَاءَ وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الطَّوَافُ الْوَاجِبُ فَلْيُؤَخِّرْهُ وَهُوَ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَلَامٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوُرُودِ سَقَطَ جُمْلَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يُفْعَلُ وَلَوْ كَانَ مُؤَخَّرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ الْآتِي بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا سُمِّيَ طَوَافُ الْوُرُودِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَارِدِ وَلَيْسَ يَجِبُ بِمُجَرَّدِ الْحَجِّ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَمَا سَقَطَ عَمَّنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَلَا عَلَى الْمُرَاهِقِ فَإِنْ أَخَّرَهُ الْوَارِدُ الْمُدْرِكُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ دَمٌ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَجِّهِ فَإِذَا تَرَكَهُ حَتَّى فَاتَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ أَصْلُ ذَلِكَ رَمْيُ الْجِمَارِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ الدَّمُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الدَّمُ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ مِنْ غَيْرِ مَكَّةَ أَصْلُ ذَلِكَ طَوَافُ الْوَدَاعِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلْيَطُفْ مَا بَدَا لَهُ يُرِيدُ مِنْ التَّطَوُّعِ فَإِنَّ الطَّوَافَ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ التَّنَفُّلُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَوَافٌ وَاجِبٌ، وَقَوْلُهُ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ كُلَّمَا طَافَ سَبْعًا فِيهِ مَسَائِلُ، غَيْرَ أَنَّنَا نَذْكُرُ مِنْهَا مَا تَعَلَّقَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَنُؤَخِّرُ سَائِرَهَا إلَى مَوَاضِعِهَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ حُكْمِ الطَّوَافِ أَنْ تَتَعَقَّبَهُ رَكْعَتَانِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ» . (فَرْعٌ) وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّهَا سُنَّةٌ وَيَجِبُ بِفَوَاتِهَا الدَّمُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَيَجِبُ بِالدُّخُولِ فِي التَّطَوُّعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَأَخَّرُوا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنًى يُرِيدُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَحَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَطُوفُوا بِحَجِّهِمْ حَتَّى رَجَعُوا مِنْ مِنًى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكَانَ يُهِلُّ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَكَّةَ فَذَكَرَ خِلَافَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُهِلُّ إلَّا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَهَذَا يَقْتَضِي اخْتِلَافَ فِعْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْحَرَمِ وَإِنَّمَا يُحْرِمُ بِهَا مِنْ الْحِلِّ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «عَائِشَةَ قَالَتْ فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ اُخْرُجْ بِأُخْتِك مِنْ الْحَرَمِ فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ النُّسُكَ مِنْ شَرْطِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا مِنْ الْحَرَمِ لَمَا جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَحْرَمَ الْمُعْتَمِرُ مِنْ الْحَرَمِ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَيَدْخُلَ مِنْهُ مُهِلًّا بِالْعُمْرَةِ قَالَهُ مَالِكٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ سُنَّةَ الْعُمْرَةِ أَنْ يَبْدَأَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ وَيَكُونَ انْتِهَاؤُهُ فِي الْحَرَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فَإِذَا ابْتَدَأَهَا مِنْ الْحَرَمِ فَقَدْ ابْتَدَأَهَا مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ الْوَاجِبِ لَهَا فَلَزِمَتْ بِالدُّخُولِ فِيهَا وَوَجَبَ اسْتِدْرَاكُ مَا يَجِبُ مِنْ شُرُوطِهَا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ قَارِنًا فَهَلْ يُهِلُّ مِنْ الْحَرَمِ أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُهِلُّ مِنْ الْحَرَمِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَهُ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْحَرَمِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ فَوَجَبَ

стр. 585

مَا لَا يُوجِبُ الْإِحْرَامَ مِنْ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ «زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إلَى عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ وَقَدْ بَعَثْت بِهَدْيٍ فَاكْتُبِي إلَيَّ بِأَمْرِكَ أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ قَالَتْ عَمْرَةُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَإِنَّمَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ» ) ــ [المنتقى] أَنْ يَكُونَ إهْلَالُهُ مِنْ الْحِلِّ كَالْمُفْرِدِ. وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ النُّسُكَيْنِ مَتَى اجْتَمَعَا فَإِنَّ الْحُكْمَ لِلْحَجِّ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا لَا يُوجِبُ الْإِحْرَامَ مِنْ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ] (ش) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ قَلَّدَ هَدْيًا لِيَبْعَثَ بِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ مِنْ الطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَجِمَاعِ النِّسَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَانِعِ الْإِحْرَامِ وَذَهَبَ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَاحْتَجَّتْ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِ وَمَا رَوَتْهُ فِي ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسْأَلُ عَنْهُ وَيُلْجَأُ إلَيْهَا فِي مَعْرِفَتِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَقَدْ بَعَثْت بِهَدْيٍ فَاكْتُبِي إلَيَّ بِأَمْرِك أَوْ مُرِي صَاحِبَ الْهَدْيِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ مَا يَلْزَمُ مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَقَدْ أَنْكَرَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ لُزُومِهِ اجْتِنَابِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ يَرُدُّ بِهِ قَوْلَهُ وَلَا كَانَ مِمَّنْ يَرُدُّ بِنَظَرِهِ نَظَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَرَادَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى مَا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فِي ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدٌّ لِقَوْلِهِ وَإِظْهَارٌ لِمُخَالَفَتِهِ وَاحْتَجَّتْ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَمَتْهُ أَنَّهَا الْمُبَاشِرَةُ لَهُ، وَذَلِكَ يُؤَكِّدُ مَعْرِفَتَهَا بِهِ وَاسْتِيقَانَهَا لِعِلْمِهِ؛ لِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا بَاشَرَ الْقَضِيَّةَ رَجَحَتْ رِوَايَتُهُ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُبَاشِرْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا «ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ» يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِذَلِكَ تَبْيِينَ حِفْظِهَا لِلْأَمْرِ وَمَعْرِفَتَهَا مِنْ تَنَاوُلِ كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ وَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى اهْتِبَالِهَا بِهَذَا الْأَمْرِ وَمَعْرِفَتِهَا بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَنَاوَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَعَلِمَ وَقْتَ التَّقْلِيدِ لِئَلَّا يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ اسْتَبَاحَ مَحْظُورَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ تَقْلِيدِ هَدْيِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ هُوَ بِذَلِكَ فَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إلَّا وَهُوَ عَالِمٌ بِتَقْلِيدِ هَدْيِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي تُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ لِتُبَيِّنَ بِذَلِكَ عِلْمَهَا بِجَمِيعِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ آخِرِ هَدْيٍ بَعَثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَّ فِي الْعَامِ الَّذِي يَلِي هَذَا الْعَامَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ نُسِخَ وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ بِصِغَرِ سِنِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَوَاخِرَهَا وَذَهَبَتْ عَائِشَةُ ﵂ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَى رَفْعِ الْإِشْكَالِ وَإِزَالَةِ اللَّبْسِ عَلَيْهِ وَتَمَّمَتْ بِذَلِكَ بِأَنْ قَالَتْ: فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ

стр. 586

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الَّذِي يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ وَيُقِيمُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: لَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ خَرَجَ بِهَدْيٍ لِنَفْسِهِ فَأَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَمْ يُحْرِمْ هُوَ حَتَّى جَاءَ الْجُحْفَةَ فَقَالَ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ وَلَمْ يُصِبْ مَنْ فَعَلَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ الْهَدْيَ وَلَا يُشْعِرَهُ إلَّا عِنْدَ الْإِهْلَالِ إلَّا رَجُلٌ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ فَيَبْعَثُ بِهِ وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَخْرُجُ بِالْهَدْيِ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ الْإِحْرَامِ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ فَقَالَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي نَأْخُذُ بِهِ فِي ذَلِكَ ــ [المنتقى] تُرِيدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثَ هَدْيَهُ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ بِبَعْثِهِ الْهَدْيَ إلَى أَنْ نُحِرَ وَهَذِهِ الْمُدَّةُ الَّتِي يَدَّعِي فِيهَا الِامْتِنَاعَ مِنْ مَحْظُورِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا بَعْدَ نَحْرِ الْهَدْيِ فَلَا خِلَافَ فِي الْإِبَاحَةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الَّذِي يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ وَيُقِيمُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَأَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَقُولُ: لَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى) . ش قَوْلُهَا لَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى جَوَابٌ مُقَابِلٌ لِلَّفْظِ يَحْيَى؛ لِأَنَّ يَحْيَى إنَّمَا سَأَلَ هَلْ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فَجَوَابُهُ الْمُقَابِلُ لَهُ لَا أَوْ نَعَمْ فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا مَنْ أَهَلَّ وَلَبَّى وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لِعِلْمِهَا بِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِمَّا سَأَلَهَا عَنْهُ إلَّا عَلَى مُحْرِمٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا فَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ عَلَيْهِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ فَقَالُوا: إنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ قَالَ رَبِيعَةُ فَلَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) ش قَوْلُهُ رَأَى رَجُلًا مُتَجَرِّدًا بِالْعِرَاقِ، يُرِيدُ أَنَّهُ رَآهُ مُتَجَرِّدًا عَنْ الْمَخِيطِ إلَّا أَنَّهُ لَابِسٌ ثِيَابَ الْإِحْرَامِ، وَذَلِكَ بِبَلَدٍ يَلْبَسُ جَمِيعُهُمْ الْمَخِيطَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَةَ عَادَةِ النَّاسِ فَلَمَّا سَأَلَ عَنْهُ أُخْبِرَ أَنَّهُ إنَّمَا تَجَرَّدَ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ فَلَمَّا لَقِيَ رَبِيعَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بِدْعَةً وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ عَلِمَ مَا عِنْدَ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ فَعَوَّلَ عَلَيْهِ وَحَكَمَ بِأَنَّ مَا خَالَفَهُ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافٌ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَجَعَ عَنْهُ أَوْ كَانَ بَلَغَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ رَجَعَ عَنْ مَسَائِلَ حِينَ أُعْلِمَ بِمَا فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَسْأَلَةِ الْمُتْعَةِ وَتَجْوِيزِ الذَّهَبَيْنِ وَالْفِضَّتَيْنِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ التَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ تَكُونُ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ «فِي ذِكْرِ زَمَنِ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْهَدْيَ تَبَعٌ لِلنُّسُكِ، وَمِنْ سُنَّتِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَحُكْمُهُ أَنْ يَنْفَرِدَ عَنْ النُّسُكِ وَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِهِ لِمَعْنًى يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَى الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْإِحْرَامِ أَنْ يَتَعَقَّبَ السَّعْيَ إلَى مَا أَحْرَمَ وَلِذَلِكَ يُهِلُّ الرَّاكِبُ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَيُهِلُّ الْمَاشِي إذَا انْفَصَلَ عَنْ مَوْضِعِ صَلَاتِهِ مَاشِيًا فَلَوْ أَخَّرَ تَقْلِيدَ هَدْيِهِ وَإِشْعَارِهِ لَحَالَ ذَلِكَ بَيْنَ إحْرَامِهِ وَسَعْيِهِ فَقَدْ وَصَلَ بِهِ؛ لِأَنَّنَا قَدْ نَجِدُ مِنْ الْأَفْعَالِ مَا يَكُونُ لِلْإِحْرَامِ وَالنُّسُكِ وَيَتَقَدَّمُ الْإِحْرَامُ مُتَّصِلًا بِهِ كَلُبْسِ الثِّيَابِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَمَّا إذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَخَّرَ الْإِحْرَامَ إلَى الْجُحْفَةِ فَقَدْ أَفْرَدَ الْهَدْيَ وَجَعَلَ لَهُ حُكْمَ نَفْسِهِ وَمِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَكُونَ تَبَعًا لِنُسُكِهِ فَقَدْ أَتَى بِهِ عَلَى خِلَافِ سُنَّتِهِ وَهَذَا لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَدْيِهِ وَيُقِيمَ حَلَالًا فِي أَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا هَدْيٌ قَدْ بَنَى فِيهِ عَلَى الْإِفْرَادِ لَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَ بِهَدْيِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْهَدْيِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُرِيدٌ لِلْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ غَيْرَ أَنَّهُ يُخْبِرُ بِهَذَا عَنْ جَوَازِ خُرُوجِهِ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ حَلَالًا إلَى مَوْضِعِ الْإِحْرَامِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرْسِلَ بِهِ صَاحِبُهُ إلَى مَكَّةَ مَعَ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ بِدُخُولِهَا.

стр. 587

قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بِهَدْيِهِ، ثُمَّ أَقَامَ فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نَحَرَ هَدْيَهُ» ) . مَا تَفْعَلُ الْحَائِضُ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ الَّتِي تُهِلُّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إذَا أَرَادَتْ وَلَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهِيَ تَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَعَ النَّاسِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ) . الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا: عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعَامَ الْقَضِيَّةِ وَعَامَ الْجِعْرَانَةِ» ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ عَمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ يُرِيدُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ وَمَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ يُرِيدُ أَنَّ الْإِحْرَامَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ خَاصَّةً لَا لِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَمَا أَرَى ابْنَ عَبَّاسٍ أَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ مُحْرِمٍ وَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ بِاجْتِنَابِهِ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ إنَّمَا سُمِّيَ مُحْرِمًا؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي عِبَادَةٍ يَحْرُمُ بِهَا عَلَيْهِ مَعَانٍ مُبَاحَةٌ إذَا دَخَلَ فِيهَا، وَهَذَا إنَّمَا يُطْلَقُ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ مَحْظُورَاتُ الْحَجِّ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ مَحْظُورَاتُ الصَّلَاةِ بِالْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ فَأَخَذَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ وَمَا رَوَتْهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ. [مَا تَفْعَلُ الْحَائِضُ فِي الْحَجِّ] (ش) : قَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ أَنَّهَا تُهِلُّ بِحَجِّهَا أَوْ عُمْرَتِهَا إذَا أَرَادَتْ، يُرِيدُ أَنَّ حَيْضَهَا لَا يَمْنَعُهَا مِنْ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَا يُنَافِي الْحَيْضَ وَلَا النِّفَاسَ؛ وَلِذَلِكَ لَا يُفْسِدَانِ شَيْئًا مِنْهُمَا إذَا طَرَءَا عَلَيْهِمَا، وَيُفْسِدَانِ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ لِمَا كَانَا مُنَافِيَيْنِ لَهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَلَكِنْ لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْحَائِضَ إنْ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا الْحَيْضُ بَعْدَ إحْرَامِهَا فَإِنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ يُنَافِيهِ وَلِذَلِكَ يُفْسِدُهُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَيَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَتَمَامُهُ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْحَائِضَ تَمْتَنِعُ مِنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ كَمَا تَمْتَنِعُ مِنْ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَثَرِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ الْحَائِضَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ لَمْ يُمْكِنْهَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَيْتِ وَلَوْ طَرَأَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْحَيْضُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّوَافِ لَصَحَّ سَعْيُهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَتَشْهَدُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا تَفْعَلُ جَمِيعَ الْمَنَاسِكِ غَيْرَ مَا اسْتَثْنَى مِنْهَا فَتَقِفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَتَرْمِي الْجِمَارَ وَتَبِيتُ بِمِنًى؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ يُرِيدُ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهَا لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَا غَيْرَهُ وَلَا تَبِيتُ بِهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهَا الطَّوَافُ حِينَئِذٍ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْحَائِضُ لَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَيْضَ حَدَثٌ يَمْنَعُ الطَّهَارَةَ وَالطَّوَافَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالطَّهَارَةِ. [الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ] (ش) : قَوْلُهُ «اعْتَمَرَ ثَلَاثًا» هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَنْ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَنَ الْحَجَّ يَقُولُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٌ وَكَذَلِكَ يَقُولُ أَنَسٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ. ١ -

стр. 588

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا ثَلَاثًا إحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَانِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ «رَجُلًا سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَأَعْتَمِرُ قَبْلَ أَنْ أَحُجَّ فَقَالَ سَعِيدٌ نَعَمْ قَدْ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي شَوَّالٍ فَأَذِنَ لَهُ فَاعْتَمَرَ، ثُمَّ قَفَلَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحُجَّ) . قَطْعُ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حِينَ يَرَى الْبَيْتَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَمِرُ مِنْ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ مَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فَقَالَ ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ «عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ» فَعَدَّهَا عُمْرَةً يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدَهُ تَامَّةٌ، وَإِنْ كَانَ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ وَمُنِعَ مِنْهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى الِاعْتِدَادِ بِعُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَلَوْ كَانَتْ عُمْرَةً غَيْرَ تَامَّةٍ وَكَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ قَضَاءً لَهَا لَمَا عُدَّتْ وَلَوْ كَانَتْ عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ قَضَاءً لَهَا لَمَا عُدَّتْ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا أَنْ تُعَدَّ مَعَ عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ عُمْرَةً وَاحِدَةً. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «وَعَامُ الْقَضِيَّةِ» يُرِيدُ الَّتِي قَاضَى النَّبِيُّ ﷺ كُفَّارَ قُرَيْشٍ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَلِذَلِكَ جَعَلَ مَالِكٌ ﵀ تَرْجَمَةَ الْبَابِ الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ «وَعُمْرَةُ الْجِعْرَانَةِ» يُرِيدُ الَّتِي اعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفُهُ مِنْ حُنَيْنٍ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا ثَلَاثًا إحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَانِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» ) . (ش) : قَوْلُهَا لَمْ يَعْتَمِرْ إلَّا ثَلَاثًا إنْكَارٌ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَوْلُ أَنَسٍ اعْتَمَرَ أَرْبَعًا فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ أَضَافَ إلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ عُمْرَةً فِي رَجَبٍ وَأَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ وَقَالَتْ «لَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطُّ فِي رَجَبٍ» وَأَمَّا أَنَسٌ فَإِنَّهُ أَضَافَ إلَى الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ عُمْرَةً زَعَمَ أَنَّهُ قَرَنَهَا بِحَجَّةٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا «إحْدَاهُنَّ فِي شَوَّالٍ وَاثْنَتَانِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ» تَنْبِيهٌ عَلَى أَوْقَاتِ عُمَرَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ جَائِزَةٌ وَقَدْ كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ حَتَّى بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ جَوَازَهُ. (ش) : سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ تَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ لِمَا عَلِمَ بِكَوْنِ الْحَجِّ مُقَدَّمًا فِي الرُّتْبَةِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلَعَلَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَمَّا كَانَتْ تَدْخُلُ فِي عَمَلِ الْحَجِّ أَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ وَمُؤَخَّرَةٌ فِي الرُّتْبَةِ فَأَخْبَرَهُ سَعِيدٌ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَدْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ» وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا حَجَّ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ فَرْضُ الْحَجِّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَقَدْ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ الثَّلَاثَ الْعُمَرَ الْمَذْكُورَةَ. (ش) : اسْتِئْذَانُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي عُمْرَةٍ فِي شَوَّالٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى السُّؤَالِ وَالِاسْتِفْتَاءِ، وَإِذْنُ عُمَرَ لَهُ بِمَعْنَى الْفُتْيَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ لِلْمُسْلِمِينَ بِتَقْدِيمِ عُمَرَ فَلَا يُمْكِنُهُ الْإِخْلَالُ بِهِ وَلَا التَّرْكُ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ عُمَرَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ قَفَلَ إلَى أَهْلِهِ وَلَمْ يَحُجَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَحُجَّ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَجَّ فِي عَامِهِ بَعْدَ الْعَوْدَةِ إلَى أَهْلِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِذَلِكَ دَمُ الْمُتْعَةِ. [قَطْعُ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ قَطْعِهِ التَّلْبِيَةَ فِي الْعُمْرَةِ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إنَّمَا يَقْصِدُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَم، وَإِلَيْهِ دُعِيَ فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ الْبُعْدِ قَدْ انْقَطَعَتْ تَلْبِيَتُهُ وَكَمُلَ مَقْصِدُهُ فَأَمَّا الْحَاجُّ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنِهَايَةِ مَقْصِدِهِ وَإِنَّمَا نِهَايَةُ مَقْصِدِهِ عَرَفَةُ.

стр. 589

أَمَّا الْمُهِلُّ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذَا انْتَهَى إلَى الْحَرَمِ قَالَ وَبَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ) . مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ «سَمِعَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَامَ حَجَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَهُمَا يَذْكُرَانِ التَّمَتُّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ: لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ فَقَالَ سَعْدٌ: بِئْسَ مَا قُلْت يَا ابْنَ أَخِي فَقَالَ الضَّحَّاكُ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ: قَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ» ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ التَّنْعِيمِ وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ يَسْتَدِيمُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّنْعِيمِ إلَى الْحَرَمِ كَبِيرُ مَسَافَةٍ فَلَوْ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ بِدُخُولِ الْحَرَمِ لَمَا لَبَّى إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ الَّتِي هِيَ شِعَارُ الْمُعْتَمِرِ وَاسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِدَامَةُ التَّلْبِيَةِ إلَى نِهَايَةِ الْمَقْصُودِ لِتَطُولَ مُدَّتُهَا وَلَا يُعَرَّى مُعْظَمُ النُّسُكِ مِنْهَا وَأَمَّا الَّذِي يُهِلُّ مِنْ الْمَوَاقِيتِ فَقَدْ اسْتَدَامَ التَّلْبِيَةَ أَيَّامًا وَكَثُرَ شِعَارُهُ لَهَا وَاقْتَرَنَ أَكْثَرُ نُسُكِهِ بِهَا فَاسْتُحِبَّ لَهُ قَطْعُهَا عِنْدَ دُخُولِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ مَقْصُودُهُ، وَلِأَنَّ مِنْ حُكْمِ النُّسُكِ أَنْ يُعَرَّى بَعْضُهُ مِنْ التَّلْبِيَةِ كَالْحَجِّ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمُخْتَصَرِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حِينَ دُخُولِ مَكَّةَ وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ التَّنْعِيمِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُولِ مُدَّةِ التَّلْبِيَةِ وَقِصَرِهَا وَإِنَّهُ يُرَاعَى أَنْ يَقْرِنَ التَّلْبِيَةَ بِمُعْظَمِ مُدَّةِ الْعِبَادَةِ وَيُعَرَّى مِنْهَا بَعْضُهَا وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعُمْرَةِ الْحَرَمُ وَأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْحَرَمِ الْبَيْتُ فَهَذِهِ مَقَاصِدُ صَحِيحَةٌ وَوُجُوهُ اسْتِحْبَابٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ لِذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُ كَثِيرًا مِنْ إرْسَالِهِ الْخَبَرَ مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ أَوْثَقِ النَّاسِ وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ التَّابِعُونَ ﵃. [مَا جَاءَ فِي التَّمَتُّعِ] (ش) : قَوْلُ الضَّحَّاكِ فِي التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ إلَّا مَنْ جَهِلَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ لِلْمُتْعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَأَمَرَ بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّك تُخَالِفُ أَبَاك فَقَالَ إنَّ عُمَرَ لَمْ يَقُلْ الَّذِي تَقُولُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ: أَفْرِدُوا الْحَجَّ مِنْ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ أَتَمُّ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَتِمُّ فِي شُهُورِ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يُهْدِيَ وَأَرَادَ أَنْ يُزَارَ الْبَيْتُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَجَعَلْتُمُوهَا أَنْتُمْ حَرَامًا وَعَاقَبْتُمْ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَقَدْ أَحَلَّهَا اللَّهُ وَعَمِلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ تَتَّبِعُوا أَمْ عُمَرُ» وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ رَأَى الْإِفْرَادَ أَفْضَلَ مِنْهَا وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ النَّهْيَ عَنْهَا وَأَنَّهُ قَالَ أَنَا أَفْعَلُهَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا أَنَّهُ قَالَ: افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَلِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَكَانَ عُمَرُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ وَيَأْمُرُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ اعْتِقَادَ تَفْضِيلِ الْمُتْعَةِ خَطَأٌ فَكَانَ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُ عَلَيْهِ لَا عَلَى إبَاحَةِ الْمُتْعَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلصَّبِيِّ مَعْبَدٍ، وَقَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ سَعْدٍ بِئْسَ مَا قُلْت يَا ابْنَ أَخِي لَمَّا سَمِعَ إنْكَارَ الضَّحَّاكِ لِلْمُتْعَةِ، وَحَمْلَ أَمْرِهَا عَلَى الْمَنْعِ

стр. 590

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ وَأُهْدِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي شَوَّالٍ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ إذَا أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ) ــ [المنتقى] فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْمِلْ أَمْرَهَا عَلَى مَا حَمَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ تَفْضِيلِ الْإِفْرَادِ عَلَيْهَا وَقَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْهَا تَعَلُّقٌ مِنْهُ بِالْحُجَّةِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ وَمُنْتَهَى عِلْمِهِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ عَنْ نَصٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ نَظَرٍ أَدَّاهُ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ لَهُ لَمَّا رَأَى مِنْ نَهْيِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَعْنَى مَنْعِهِ الْمُتْعَةَ وَلَا حَمْلِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَعْدٌ قَدْ عَلِمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمُتْعَةِ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ فَبَيَّنَ وَجْهَ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمَا ذُكِرَ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لِعِلْمِ السَّامِعِ أَنَّ عُمَرَ لَا يُشَرِّعُ شَرِيعَةً وَلَا يُخَالِفُ مَا شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يُرِدْ النَّهْيَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْوَجْهُ إلَّا بِأَنْ يَعْتَقِدَ سَعْدٌ فِي عُمَرَ أَنَّهُ مِنْ عِلْمِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ مَا عَلِمَ. وَالثَّانِيَ: أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ سَعْدٌ فِي نَهْيِ عُمَرَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ جُمْلَةً، أَوْ جَوَّزَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَعْلَمَ بِهِ النَّاسَ لِيَعْلَمُوا بِهِ وَلِيَتْرُكُوا نَهْيَ عُمَرَ، وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَمَرَ بِهَا أَوْ أَبَاحَهَا كَمَا يُقَالُ: نَادَى الْأَمِيرُ بِكَذَا، وَإِنَّمَا أَمَرَ مَنْ يُنَادِي وَقَتَلَ الْأَمِيرُ فُلَانًا وَإِنَّمَا أَمَرَ مَنْ يَقْتُلُهُ فَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ مُبَاشَرَةَ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى هَذَا الَّذِي يَحْتَمِلُهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ وَقَوْلُ سَعْدٍ وَصَنَعْنَاهَا مَعَهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُتَمَتِّعًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا، وَيُخْبِرُ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَيُضِيفُ ذَلِكَ إلَى جُمْلَةِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ مِنْهُمْ. (ش) : قَوْلُهُ لَأَنْ أَعْتَمِرَ قَبْلَ الْحَجِّ يُرِيدُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ يُهْدِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا فَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيْهِ وَأَفْضَلُ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ يَعْتَمِرَ بَعْدَ الْحَجِّ فِي ذِي الْحِجَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁. وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ تَرْكَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْضَلُ وَأَنَّ النَّقْصَ يَدْخُلُ عَلَى الْحَجَّةِ وَالْعُمْرَةِ بِفِعْلِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ إنْ فَعَلَهَا قَبْلَ الْحَجِّ جَبَرَ ذَلِكَ بِدَمِ الْمُتْعَةِ فَكَانَ فِعْلُهُ إيَّاهَا قَبْلَ الْحَجِّ أَفْضَلَ عِنْدَهُ لِلْجُبْرَانِ الْمَشْرُوعِ فِيهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ ذِي الْحِجَّةِ عِنْدَهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا التَّأْوِيلِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ جَمِيعَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ عَامِهِ، ثُمَّ خَصَّ قَبْلَ الْحَجِّ دُونَ مَا بَعْدَهُ بِحُكْمِ التَّمَتُّعِ، وَإِنْ كَانَ جَمِيعُ الشَّهْرِ حُكْمُهُ وَاحِدٌ فِي أَنَّهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالثَّانِيَ: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ مَا قَبْلَ الْحَجِّ مِنْ أَشْهُرِهِ دُونَ مَا بَعْدَهُ فَقَالَ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ الْحَجِّ وَأَرَادَ بِهِ بَيَانَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ دُونَ مَا بَعْدَهُ. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَشْهُرُ الْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ وَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ عِنْدَهُ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَتْ لَيْلَتُهُ مِنْهَا وَالدَّلِيلُ

стр. 591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَأَتَى بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَاهُنَا شَهْرَيْنِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ ثَلَاثَةً، وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَالرَّفَثُ الْجِمَاعُ وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَمَمْنُوعٌ يَوْمَ النَّحْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ تَأْخِيرَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ إلَى آخِرِهِ لَا يَلْزَمُ بِهِ الدَّمُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهَذَا اخْتَارَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ عَشْرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ يَحْصُلُ بِانْقِضَائِهِ التَّحَلُّلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَلَمْ يَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ حَلَّ لَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مَا لَمْ يَحِلَّ لِمَنْ رَمَى وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ فِيمَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لِمَا كَانَ مِنْ شُهُورِ الْحَجِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي كَوْنِهِ مُتَمَتِّعًا وَلِلتَّمَتُّعِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا إلَّا بِاجْتِمَاعِهَا فَمَتَى انْخَرَمَ مِنْهَا شَرْطٌ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا: أَحَدُهَا: أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَالثَّالِثُ - أَنْ يَفْعَلَ الْعُمْرَةَ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. وَالرَّابِعُ - أَنْ يُقَدِّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ. وَالْخَامِسُ - أَنْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ. وَالسَّادِسُ - أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَكِّيٍّ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ) . فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فَلِأَنَّهُ الْمَعْنَى الَّذِي يَتَمَتَّعُ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ تَرَكَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ نُسُكٍ مِنْهُمَا كَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِسَفَرِهِ فَتَرَخَّصَ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَصْفُ السَّفَرِ الْمُخْرِجِ عَنْ حُكْمِ الْمُتْعَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (الْبَابُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْجَمْعُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ) . وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ إلَى عَامٍ ثَانٍ فَحَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ حَجِّهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. (فَرْعٌ) فَإِنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يُرِيدُ الْحَجَّ مِنْ عَامِهِ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَلَمْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ وَلَوْ أَكْمَلَ حَجَّهُ لَكَانَ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ عُمْرَتِهِ. (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي فِعْلِ الْعُمْرَةِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ) . وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ - وَهُوَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ أَحَقُّ بِالْحَجِّ لِمَنْ أَرَادَهُ وَسَائِرُ الْأَشْهُرِ أَحَقُّ بِالْعُمْرَةِ وَهَذَا مَعْنَى اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ بِهَذَا الْوَصْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَطُولُ بِهِ مُدَّةُ الْإِحْرَامِ وَلَا تَشُقُّ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْغَالِبِ، وَلَكِنَّهُ يُكْمِلُ سَعْيَهُ فَإِذَا لَمْ يُرِدْ الْحَجَّ فَالْعُمْرَةُ فِيهَا مُطْلَقَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَشْهُرَ لَا تَخْتَصُّ بِالْحَجِّ اخْتِصَاصَ مَنْعٍ مِنْ غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا تَخْتَصُّ بِهَا اخْتِصَاصَ كَمَالٍ وَفَضِيلَةٍ فَمَنْ أَرَادَ التَّرَفُّهَ وَالِاسْتِمْتَاعَ بِمَكَّةَ كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَنْ يَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَبْقَى حَلَالًا إلَى الْحَجِّ. (فَرْعٌ) وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْعُمْرَةِ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي رَمَضَانَ أَوْ شَعْبَانَ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ وَأَتَى بِبَعْضِ أَفْعَالِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ بِشَوْطٍ وَاحِدٍ مِنْ السَّعْيِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَجَمَاعَةُ النَّاسِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ السَّعْيَ وَالطَّوَافَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْعُمْرَةِ فَإِذَا أَتَى بِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ مُتَمَتِّعًا كَالْإِحْرَامِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ غَيْرُ

стр. 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الْحِلَاقِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّ الْحِلَاقَ تَحَلُّلٌ مِنْ النُّسُكِ، وَلَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ ابْنُ حَبِيبٍ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَبِسَ الثِّيَابَ أَوْ مَسَّ الطِّيبَ أَوْ النِّسَاءَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَقْدِيمِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ) . وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا مُتَأَخِّرًا عَمَّا قَبْلَهَا إذَا كَانَ غَايَةً لَهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ التَّمَتُّعَ إنَّمَا هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّنْ يُرِيدُ الْحَجَّ فَيَدْخُلُ فِي أَوَّلِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَأْتِي بِالْعُمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِتْيَانُ بِالْحَجِّ أَوْلَى لِيَتَرَفَّهَ بِالْعُمْرَةِ إلَى أَنْ يَرِدَ زَمَنُ الْحَجِّ فَيُحْرِمَ بِهِ، وَهُوَ إذَا قَدَّمَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَدْ عَرِيَ عَنْ هَذَا الْعُمُومِ وَأَتَى بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَحْرَمَ فِي أَوَّلِ أَشْهُرِهِ فَلَمْ يَتَمَتَّعْ بِشَيْءٍ أَلْبَتَّةَ وَلَا تَرَخَّصَ بِتَحَلُّلٍ مِنْ نُسُكٍ فِي شُهُورِهِ وَهَذَا إذَا قُلْنَا: إنَّ جَمِيعَ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَإِنَّ قُلْنَا: إنَّ الْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةَ مِنْهُ لَيْسَتْ مِنْ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْأَمْرُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ. (الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْإِهْلَالِ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ) . وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ وَهُوَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيَفُوتَ حُكْمُ الْإِرْدَافِ فَلَا يَكُونُ قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي وَقْتٍ يَصِحُّ لَهُ ذَلِكَ كَانَ قَارِنًا وَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا. (الْبَابُ السَّادِسُ فِي كَوْنِهِ غَيْرَ مَكِّيٍّ) . وَأَمَّا الشَّرْطُ السَّادِسُ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ مَكِّيًّا فَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَخَصَّ بِهِ غَيْرَ أَهْلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَكِّيَّ لَا يَلْزَمُهُ سَفَرٌ لِحَجٍّ وَلَا لِعُمْرَةٍ فَيَتَرَخَّصُ لِتَرْكِ أَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمَكِّيِّ قَدْ قُلْنَا: إنَّهُ إذَا رَجَعَ إلَى أُفُقِهِ أَوْ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَهَذَا حُكْمُ الْمَكِّيِّ بِمَوْضِعِهِ. (فَرْعٌ) وَحَاضِرُو الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: إنَّ مَنْ كَانَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى مَسَافَةٍ لَا تُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ فَهُوَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَالَ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا لَيْسَ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكِ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ: أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُمْ دُونَ الْمِيقَاتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَقْتَضِي مَنْ كَانَ أَهْلُهُ مُقِيمًا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَوْجُودًا عِنْدَهُ وَهَذَا الْقِسْمُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مِنْ حَاضِرِي مَوْضِعِ كَذَا وَمِنْ حَاضِرَةِ فُلَانَةَ وَلَا يُقَالُ لِمَنْ كَانَ دُونَ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَسِيرَةَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ يَحْضُرُ أَهْلُهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. (فَرْعٌ) وَحُكْمُ أَهْلِ ذِي طُوًى فِي ذَلِكَ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ اتِّصَالُ الْبُيُوتِ الْمُجَاوِرَةِ وَالْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ حِينَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْمُتَمَتِّعِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ الَّذِي اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ حَجِّهِ وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ يُرِيدُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَكِّيًّا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَرْعٌ) وَهَذَا حُكْمُ الْحُرِّ، فَأَمَّا الْعَبْدُ فَإِنَّهُ لَا يُهْدِي إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ سَيِّدُهُ وَلْيَصُمْ وَإِنْ كَانَ وَاجِدًا لِلْهَدْيِ قَالَهُ مَالِكٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ كَامِلِ الْمِلْكِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لِحَقِّ غَيْرِهِ فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِدًا لِهَدْيٍ يَمْلِكُ أَنْ يُهْدِيَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا الْهَدْيُ عَمَّا دَخَلَ الْعِبَادَةَ مِنْ النَّقْصِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ

стр. 593

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] لَهُ نَحْرُهُ مُنْذُ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَجَازَ الْحِلَاقُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْقَوْلِ بِهِ إذَا عُلِّقَ بِالْغَايَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَكْثَرُ شُيُوخِنَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ حَفْصَةَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهَا «يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بَالُ النَّاسِ حَلُّوا مِنْ عُمْرَتِهِمْ وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك؟ فَقَالَ: إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهُ تَعَذَّرَ النَّحْرُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْحِلَاقِ وَلَوْ كَانَ النَّحْرُ مُبَاحًا لَهُ لَعَلَّلَ امْتِنَاعَ الْإِحْلَالِ بِغَيْرِ تَأْخِيرِ النَّحْرِ وَلَمَا صَحَّ اعْتِلَالُهُ بِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا هَدْيٌ يَجِبُ إرَاقَةُ دَمِهِ فِي الْحَجِّ فَلَمْ يَجُزْ نَحْرُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا نَذَرَ هَدْيًا وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا فِدْيَةُ الْأَذَى؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَدْيٍ فَإِنْ أَهْدَاهَا كَانَ هَذَا حُكْمُهَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُصَامَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهِ وَلَا يُصَامَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ صَائِمًا لِلثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ فِي الْحَجِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا عَقِيبَ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا نَصٌّ فِي وُجُوبِ صِيَامِهَا فِي الْحَجِّ وَمَا لَمْ يُحْرِمْ فَلَيْسَ صِيَامُهُ فِيهِ وَاسْتِدْلَالٌ آخَرُ مِنْ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمَنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ بِالْحَجِّ وَاسْتِدْلَالٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَعَلَّقَ جَوَازَ الصِّيَامِ بَعْدَ الْهَدْيِ وَلَا نَعْلَمُ عَدَمَهُ قَبْلَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُيَسَّرُ عِنْدَ وُجُوبِ الْهَدْيِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا صَوْمٌ وَاجِبٌ فَلَمْ يَجُزْ أَدَاؤُهُ قَبْلَ وُجُوبِهِ أَصْلُ ذَلِكَ صَوْمُ رَمَضَانَ. (فَرْعٌ) وَوَقْتُ هَذَا الصَّوْمِ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالِاخْتِيَارُ تَقْدِيمُهُ فِي أَوَّلِ الْإِحْرَامِ رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ إلَى حِينِ الْفَرَاغِ مِنْ عَمَلِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الِاخْتِيَارَ تَقْدِيمُهُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدِهِمَا: تَعْجِيلُ إبْرَاءِ الذِّمَّةِ. وَالثَّانِي - أَنَّهُ وَقْتٌ مُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِ الصَّوْمِ فِيهِ. فَكَانَ أَوْلَى مِنْ الصَّوْمِ فِي وَقْتٍ مُخْتَلَفٍ فِي إجْزَائِهِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ فَاتَهُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أَيَّامَ مِنًى فَإِنْ لَمْ يَصُمْ أَيَّامَ مِنًى صَامَ بَعْدَهَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ مَذْهَبُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَصُومُ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَسْتَقِرُّ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا قَدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ مَا اُسْتُدِيمَ الْعَجْزُ عَنْ الْحَيَوَانِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ كَالصَّوْمِ لِلظِّهَارِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَصَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ اسْتَحْسَنَّا لَهُ أَنْ يُهْدِيَ وَلَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَمَادَى عَلَى صَوْمِهِ أَجْزَأَهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَبْطُلُ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى الْهَدْيِ فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَإِنْ حَلَّ وَانْقَضَتْ أَيَّامُ الذَّبْحِ لَمْ يُنْتَقَضْ صَوْمُهُ بِوُجُودِ الْهَدْيِ، وَكَذَلِكَ إذَا دَخَلَ فِي السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ، ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَوْمٌ تَلَبَّسَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْهَدْيِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِوُجُودِهِ كَتَلَبُّسِهِ بِصَوْمِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى جَازَ أَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ لَا يَصُومُهَا حَتَّى يَرْجِعَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الْحَجَّ فَقَالَ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ مِنْ مِنًى وَلَمْ يَتَقَدَّمْ إلَّا ذِكْرُ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ مِنْهُ كَمَا

стр. 594

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ انْقَطَعَ إلَى غَيْرِهَا وَسَكَنَ سِوَاهَا، ثُمَّ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ مِثْلَ أَهْلِ مَكَّةَ) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَمُتَمَتِّعٌ هُوَ فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ مُتَمَتِّعٌ وَلَيْسَ هُوَ مِثْلُ أَهْلِ مَكَّةَ وَإِنْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا الْهَدْيُ أَوْ الصِّيَامُ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ وَلَا يَدْرِي مَا يَبْدُو لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مَنْ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ فِي ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ إنْ حَجَّ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) . ــ [المنتقى] يُقَالُ: انْصَرَفَ فُلَانٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَرَجَعَ مِنْ عَمَلِهِ يُرِيدُ فَرَغَ مِنْهُ وَانْقَضَى تَلَبُّسُهُ بِهِ، وَوَجْهٌ ثَانٍ: وَهُوَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعَ مِنْ الْحَجِّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعَسُّفِ التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِأَهْلِهِ وَلَا لِبَلَدِهِ ذَكَرُوا إذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ ذَلِكَ بِأَوَّلِهِمَا وُجُودًا كَمَا قُلْنَا فِي الشَّفَقِ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِمَا وُجُودًا وَهُوَ مَغِيبُ الْحُمْرَةِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مُتَمَتِّعٌ عَدِمَ الْهَدْيَ وَفَرَغَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَجَازَ لَهُ صَوْمُ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ أَصْلُهُ إذَا اسْتَوْطَنَ مَكَّةَ أَوْ أَرَادَ الْمُقَامَ بِهَا إلَى عَامٍ آخَرَ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ قَالَهُ مَالِكٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَأَدِّيَ الْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا وَسَكَنَهَا مُسْتَوْطِنًا فَقَدْ انْتَقَلَ حُكْمُهُ إلَى حُكْمِ سَائِرِ أَهْلِ الْآفَاقِ وَكَمُلَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْمُتْعَةِ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الْهَدْيُ أَوْ الصِّيَامُ إنْ لَمْ يَجِدْهُ، وَإِنَّمَا يُرَاعَى مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الِاسْتِيطَانُ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا حِينَ الْإِحْرَامِ فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ وَدَخَلَهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِهَا وَالِاسْتِيطَانَ فَإِنَّ حُكْمَهُ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ بَعْدُ، فَقَدْ أَتَى بِبَعْضِ أَفْعَالِ التَّمَتُّعِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ قَبْلَ الِاسْتِيطَانِ، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا مَنْ كَمُلَ اسْتِيطَانُهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِثْلَ أَنْ يَدْخُلَ مُعْتَمِرًا فِي رَمَضَانَ فَيَحِلُّ فِي رَمَضَانَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ يَسْتَوْطِنُ مَكَّةَ، ثُمَّ يَعْتَمِرُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَحُجُّ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا قَالَهُ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ حِينَ دَخَلَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ الِاسْتِيطَانَ وَذَلِكَ يَمْنَعُ حُكْمَ التَّمَتُّعِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ وَأَهْلٌ بِغَيْرِهَا مِنْ الْآفَاقِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ قَالَ هَذَا مِنْ مُشَبَّهَاتِ الْأُمُورِ وَأَحَبُّ إلَيَّ الِاحْتِيَاطُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ رَأَى أَنْ يُهْرِقَ دَمًا لِمُتْعَتِهِ وَذَلِكَ رَأْيِي، وَفِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرَى عَلَيْهِ الْهَدْيَ وَشَأْنُهُ يَسِيرٌ وَالِاحْتِيَاطُ أَوْلَى، وَقَالَ مُحَمَّدٌ قَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ إنَّمَا يَأْتِي أَهْلَهُ الَّذِينَ بِمَكَّةَ مُنْتَابًا فَالْهَدْيُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَسْتَوْطِنُ مَكَّةَ وَإِنَّمَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِالْآفَاقِ مُنْتَابًا فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. فَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَالَهُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْأُمُورِ؛ لِأَنَّ لَهُ شُبْهَةً تَقْتَضِيَ إسْقَاطَ الْهَدْيِ لِاسْتِيطَانِهِ بِمَكَّةَ وَشُبْهَةً تَقْتَضِي إيجَابَهُ لِاسْتِيطَانِهِ غَيْرَ مَكَّةَ فَيُؤْثِرُ الِاحْتِيَاطَ بِإِخْرَاجِ الْهَدْيِ وَمَا قَالَهُ أَشْهَبُ إخْرَاجُ الْمَسْأَلَةِ إلَى الْبَيَانِ وَيَلْزَمُهُ مَا قَالَ مَالِكٌ إذَا اسْتَوَى اسْتِيطَانُهُ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَأْتِ إحْدَاهُمَا إلَّا كَمَا يَأْتِي الْأُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : هَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ يُرِيدُ قَبْلَ الْحَجِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي

стр. 595

مَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّمَتُّعُ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ أَوْ ذِي الْقَعْدَةِ أَوْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ إنَّمَا الْهَدْيُ عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ) . ــ [المنتقى] حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْمَكِّيِّ وَلِذَلِكَ قَالَ، ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حَتَّى يُدْرِكَهُ الْحَجُّ يُرِيدُ فَحَجَّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَنَّهَا شَاةٌ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُجْزِئُ فِي الْهَدْيِ إلَّا الشَّاةُ بِعَيْنِهَا لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَتِهَا وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ غَيْرُهَا قَالَهُ مَالِكٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْهَدْيُ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْعَيْنِ وَالْعُرُوضِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَنَقَلَ عِنْدَ عَدَمِ تِلْكَ الْعَيْنِ إلَى الصَّوْمِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يُخْرَجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يُجْزِ عَنْهُ الْقِيمَةُ كَالْأُضْحِيَّةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ عَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَعْدَمَ عَيْنُهُ جُمْلَةً وَهَذَا لَا يَكَادُ يَقَعُ، وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ وَهَذَا يَكْثُرُ وُجُودُهُ فِي النَّاسِ وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَدِمَ ثَمَنَهُ فَقَدْ عَدِمَ مِلْكَ عَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا لَا يَجِبُ فِيهِ التَّمَتُّعُ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ مَنْ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ لَمْ يَتَرَخَّصْ بِتَرْكِ سَفَرِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ وَقَدْ أَنْشَأَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَفَرًا كَامِلًا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّمَا هَدْيُ التَّمَتُّعِ عَلَى مَا قَالَ عَلَى مَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ أَحَدَ السَّفَرَيْنِ وَجَمَعَهُمَا فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَ سَالِمٌ أَنَّهُ كَرِهَ الْمُتْعَةَ عُمَرُ ﵁ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمَعْنَى تَمَتُّعِهِ بِهَا أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ فِعْلِ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِهَا إلَى أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُعْتَمِرِ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنْ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إذَا دَخَلَ فِي وَقْتٍ شَرَعَ لَهُ فِيهِ الْإِهْلَالَ بِالْحَجِّ وَأَمَّا الْمُسَافِرُ الَّذِي يَعُودُ إلَى وَطَنِهِ فَمَا يَتَمَتَّعُ بِالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا يَتَمَتَّعُ بِرُجُوعِهِ إلَى بَلَدِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ اعْتَمَرَ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَنْ يَسْتَبِيحَ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعَ عَلَيْهِ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَا يُكْرَهُ الرُّجُوعُ إلَى أُفُقِهِ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُمْ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ أَنَّ عُمَرَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُهَا كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَلَمْ يَحُجَّ مَعَ شَيْءٍ مِنْهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودَ سَفَرِهِ قَدْ كَمُلَ لَهُ بِتَمَامِ نُسُكِهِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ الِانْصِرَافِ قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِنُسُكِ الْحَجِّ كَمَا لَوْ لَمْ يَنْوِ الْحَجَّ وَلَمْ يُرِدْهُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فَمَنْ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أُفُقِهِ أَوْ إلَى مِثْلِهِ فِي الْبُعْدِ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ؛ لِأَنَّهُ أَفْرَدَ كُلَّ نُسُكٍ بِسَفَرِهِ وَلَمْ يَتَمَتَّعْ بِتَرْكِ سَفَرٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ وَإِنْ رَجَعَ إلَى أُفُقِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ خَرَجَ إلَى أُفُقٍ أَقْرَبَ مِنْ أُفُقِهِ مِثْلَ أَنْ يَرْجِعَ الْمِصْرِيُّ أَوْ الشَّامِيُّ أَوْ الْعِرَاقِيُّ إلَى الْمِيقَاتِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى التَّمَتُّعِ التَّرَخُّصُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ أَوْ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجُحْفَةِ أَوْ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ التَّرَخُّصُ وَالتَّرَفُّهُ بِتَرْكِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَأَنَّ مَا سَقَطَ عَنْهُ مِنْ السَّفَرَيْنِ مِنْ بَلَدِهِ أَكْثَرُ مِمَّا أَتَى بِهِ فَلَمْ يَزُلْ عَنْهُ حُكْمُ

стр. 596

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ انْقَطَعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَسَكَنَهَا، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ إلَى الرِّبَاطِ أَوْ إلَى سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ بِهَا فَدَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دُونِهِ أَمُتَمَتِّعٌ مَنْ كَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] . ــ [المنتقى] التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَلَا مَعْنَاهُ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَإِنْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ. وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ حَائِلًا بَيْنَ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى الشَّامِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَجَعَ الشَّامِيُّ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ وَهَذَا الشَّامِيُّ وَالْمِصْرِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إلَيْهَا أَوْ إلَى مَا يَقْرَبُ مِنْهَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ، فَتَقَرَّرَ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِمَا مِمَّا تَلْحَقُ فِيهِ مَشَقَّةٌ تُقَارِبُ مَشَقَّةَ سَفَرِ بَلَدِهِ وَعَنْ ابْنِ كِنَانَةَ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ إلَى سَفَرٍ تَلْحَقُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ بِالْبُعْدِ إنْ كَانَ بَلَدُهُ بَعِيدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ حَجَّ يُرِيدُ أَنَّهُ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ فَلَمْ يُخِلَّ بِسَفَرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَجٌّ فَيُخِلُّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ إلَى مَكَّةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَسَكَنَهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا تَكْمُلُ فِيهِ شُرُوطُ التَّمَتُّعِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَمْ يَتَرَخَّصْ بِتَرْكِ سَفَرٍ لِأَحَدِ نُسُكَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أُفُقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ فَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ عُمْرَتِهِ التَّحَلُّلُ وَالْمُقَامُ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ إذَا انْقَطَعَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ وَاسْتَوْطَنَهَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ وَتَكْمُلُ لَهُ شُرُوطُ الْمُتْعَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ وَقْتُ فِعْلِهِ النُّسُكَيْنِ وَابْتِدَائِهِ بِهِمَا فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتَيْنِ مُسْتَوْطِنًا مَكَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا سَائِرَ الْآفَاقِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى غَيْرِهَا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدَةُ إلَيْهَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَلَوْ خَرَجَ عَنْهَا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ عَنْهَا وَالِاسْتِيطَانِ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا مَرَّ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ يَكُونُ حَضَرِيًّا بِدُخُولِهِ إيَّاهُ نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَإِذَا مَرَّ بِوَطَنٍ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمُقَامَ بِهِ لَمْ يَكُنْ حَضَرِيًّا وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَافِرِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُنَا مِثْلُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا سَاوَى مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِيطَانِ يَثْبُتُ لِمَنْ اسْتَوْطَنَ مَوْضِعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيطَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ لِسَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ إلَى رِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَهْلٌ وَقَدْ ثَبَتَ لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ اسْتِيطَانِهِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهَا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَسَاوَى مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ عُمْرَتُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ

стр. 597

جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت تَجَهَّزْت لِلْحَجِّ فَاعْتَرَضَ لِي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) . ــ [المنتقى] فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا شُرُوطُهُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] احْتِجَاجٌ بِالْآيَةِ عَلَى إسْقَاطِ الْهَدْيِ عَنْ هَذَا الْمَكِّيِّ الْقَادِمِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حُكْمَ الْمُتَمَتِّعِ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَخَصَّهُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِالْحَضَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَاسْتِصْحَابِ حَالِ الْعَقْلِ وَطَرِيقِ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِالشَّرْعِ وَمِقْدَارِ مَا شَغَلَ الشَّرْعُ مِنْهَا ذِمَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَبَقِيَ سَائِرُهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَصْلِ وَلَعَلَّ مَالِكًا ﵀ قَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْوَجْهِ وَذَهَبَ إلَيْهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فَحَلَّ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وَيَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ الْعُمْرَةُ مَعَ الْعُمْرَةِ تَكْفِيرٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ تَكْفِيرَ جَمِيعِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ» عَلَى مِثَالِ مَفْعُولٍ مِنْ الْبِرِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ صَاحِبَهُ أَوْقَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَأَصْلُهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِمَبْرُورِ وَصْفَ الْمَصْدَرِ فَيَتَعَدَّى حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَتَعَدَّى مِنْ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَصْدَرِ فَذَكَرَ ﷺ وَوَعَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ وَأَنَّ مَا دُونَ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِجَزَائِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ جَزَاؤُهَا تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ وَحَطُّ الْخَطَايَا لِمَا يَقْتَصِرُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى تَكْفِيرِ بَعْضِ ذُنُوبِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ إدْخَالَهُ الْجَنَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهَا «إنِّي كُنْت تَجَهَّزْت لِلْحَجِّ» تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ أَعَدَّتْ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَفَرِهَا «فَاعْتَرَضَ لَهَا» يَعْنِي أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ مُرَادِهَا مَانِعٌ وَلَعَلَّهُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجَمَلَ الَّذِي أَرَادَتْ أَنْ تَحُجَّ عَلَيْهِ اُضْطُرَّ أَهْلُهَا إلَى السَّقْيِ بِهِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْتَمِرَ فِي رَمَضَانَ وَأَخْبَرَهَا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَرَكَةِ رَمَضَانَ وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ حَتَّى يُوَازِيَ ثَوَابُ الْعُمْرَةِ فِيهِ ثَوَابَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ. (ش) : قَوْلُهُ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ يُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ فَتُفْرَدُ أَشْهُرُ الْحَجِّ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاسْتَدَامَ إلَى أَشْهُرِ

стр. 598

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا) . ــ [المنتقى] الْحَجِّ فَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَنْ الْمُتْعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ لَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا كَانَ إمَّا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لِتَفْضِيلِهَا عَلَى الْإِفْرَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ أَوْ لِلِاجْتِزَاءِ بِالدُّونِ وَإِيثَارِ التَّمَتُّعِ بِالنِّسَاءِ إلَى وَقْتِ الْوُقُوفِ وَأَمَّا عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَنْ أَرَادَ فَسْخَ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ لِيَتَمَتَّعَ بِهَا إلَى الْحَجِّ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمَا قَالَ: إنَّهُ أَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ بَلْ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إسْرَاعًا إلَى الْمَدِينَةِ لِحُبِّهِ إيَّاهَا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي قَدْ قُرِنَ النَّظَرُ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ مَعَ الصَّحَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ لِمَا مُنِعَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَاسْتِيطَانِهَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ مُقَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ لَا يَكُونُ الْمُقِيمُ بِهَا مُقِيمًا وَلِمَا رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لِلْمُهَاجِرِ ثَلَاثٌ بَعْدَ الصَّدْرِ» وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ «وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرًا» وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «أَقَامَ بِهَا بِضْعَ عَشْرَةَ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بِهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ وَبِنِيَّةِ الرَّحِيلِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَطْرَأُ مَا يَمْنَعُهُ وَهَذَا مَقَامٌ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمُقَامِ وَلِذَلِكَ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا الْمَقَامُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْمُقَامِ أَنْ يَنْوِيَ مُقَامَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ؛ وَلِذَلِكَ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ غَيْرَ رَأْيِ عُثْمَانَ وَتَأَوَّلُوا فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَنْعِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَإِنَّ مَكَّةَ بَعْدَهُ كَسَائِرِ الْأَمْصَارِ يَكُونُ لِلْمُهَاجِرِ اسْتِيطَانُهَا كَمَا لَوْ اسْتَوْطَنُوا الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْبِلَادِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ كَالْحَجِّ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى السُّنَّةِ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فَرْضًا وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ أَصْحَابِنَا فِي تَسْمِيَةِ مُتَأَكِّدِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ إذَا حَصَلَ عَلَى صِفَتِهَا بِأَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذَا نُسُكٌ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِ الْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ تَمَامَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَنْ شَرَعَ فِيهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا وَكَذَلِكَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَصَوْمُ النَّافِلَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا يُرِيدُ أَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُفَضِّلُ تَرْكَهَا وَلَا يُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ يَأْمُرُ بِفِعْلِهَا وَيُفْتِي بِتَأْكِيدِ حَالِهَا كَمَا يُفْتِي بِالْمُسَارَعَةِ إلَى مُتَأَكِّدِ السُّنَنِ لَا سِيَّمَا مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ كَالْوِتْرِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مِنْ سُنَّةِ الْعُمْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَأَنَّ الِاعْتِمَارَ مَرَّتَيْنِ إخْرَاجٌ لَهَا عَنْ سُنَّتِهَا وَمَوْضُوعِهَا وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ نَحْوَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا اعْتَمَرَ مَرَّةً فِي الْعَامِ» ، وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ

стр. 599

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ يَقَعُ بِأَهْلِهِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيَ وَعُمْرَةً أُخْرَى يَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إتْمَامِهِ الَّذِي أَفْسَدَهَا وَيُحْرِم مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَان أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إلَّا مِنْ مِيقَاتِهِ) . ــ [المنتقى] النَّدْبِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ لَهُ إحْرَامٌ وَتَحَلُّلٌ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مَرَّةً فِي السَّنَةِ كَالْحَجِّ،. وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ فَلَمْ يُكْرَهْ تَكَرُّرُهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَصَوْمِ النَّفْلِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمُعْتَمِرَ إذَا وَقَعَ بِأَهْلِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَيُنَافِيهِمَا وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْوَطْءَ يُفْسِدُ هَذَيْنِ النُّسُكَيْنِ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُمَا وَالْهَدْيُ فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ النُّسُكُ الَّذِي أَفْسَدَهُ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ حَجًّا قُرِنَ بِعُمْرَةٍ أَوْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَإِنْ كَانَ حَجًّا مُفْرَدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي عَامٍ قَابِلٍ يَقْضِي مِثْلَ مَا أَفْسَدَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرِنَ الْحَجَّ الَّذِي أَفْسَدَ بِعُمْرَةٍ لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ النَّقْصِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَفْسَدَهُ أَوْ بِأَفْضَلَ فَإِذَا أَدْخَلَ فِي الْقَضَاءِ نَقْصَ الْقِرَانِ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مَكَانَهَا عُمْرَةً. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَارِنَ قَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَا تَمْنَعُ صِحَّةُ الْقَضَاءِ إضَافَةَ الْعُمْرَةِ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ دَمًا كَمَا لَوْ قَضَى مُتَمَتِّعًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ تَصِحَّ تِلْكَ الْعُمْرَةُ الَّتِي أَفْسَدَ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ عُمْرَةٍ مُبْتَدَأَةٍ يَسْلَمُ إحْرَامُهَا مِنْ الْفَسَادِ وَلَا تُرْتَدَفُ لَهُ عُمْرَةٌ أُخْرَى عَلَى هَذِهِ الَّتِي أَفْسَدَ وَلَوْ أَرْدَفَ عَلَيْهَا حَجًّا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُرْتَدَفُ الْحَجَّةُ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يُرْتَدَفُ الْحَجُّ عَلَيْهَا وَيَصِيرُ قَارِنًا. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ هَذَا إحْرَامٌ قَدْ أُفْسِدَ بِالْوَطْءِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرْدِفَ عَلَيْهِ إحْرَامًا صَحِيحًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتِمَّهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ لُزُومَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ يَمْنَعُ مَنْ أَنْ يَطْرَأَ إحْرَامٌ صَحِيحٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا. وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذِهِ عُمْرَةٌ فَجَازَ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا كَالصَّحِيحَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى يَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إتْمَامِهِ الَّتِي أَفْسَدَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى عُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ حَتَّى يُكْمِلَهَا وَيَحِلَّ مِنْهَا كَمَا يُكْمِلُ الَّتِي لَا فَسَادَ فِيهَا وَلَا يَخْرُجَ مِنْ الَّتِي أَفْسَدَهَا بِالْفَسَادِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي فَاسِدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا يَمْضِيَ فِي صَحِيحِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ مِنْهُمَا إلَّا بِالْإِكْمَالِ وَالتَّحَلُّلِ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ دَاوُد لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا وَيَصِحُّ رَفْضُهُمَا مَتَى شَاءَ الْمُكَلَّفُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ وَالْإِحْرَامِ لَهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ إفْسَادَ الْحَجِّ سَبَبٌ يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْفَوَاتِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّةً فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ حَجَّةً عَلَى إحْرَامِهِ الْفَاسِدِ إلَى عَامٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يُحِلَّ مِنْ حَجِّهِ أَوْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ إنْ كَانَ فَاتَهُ الْحَجُّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَاضِيًا لِحَجِّهِ الْفَاسِدِ إلَّا بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ هَذَا وَابْتِدَاءِ إحْرَامٍ لِلْقَضَاءِ وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ الْفَاسِدُ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ إلَى عَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيُحْرِمُ بِهَا مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ وَيُحْرِمَ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ مَا كَانَ أَفْسَدَ، وَذَلِكَ

стр. 600

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَالَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَعْتَمِرُ عُمْرَةً أُخْرَى وَيُهْدِي وَعَلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ (لَا يَتَعَيَّنُ) وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ (إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ) ثُمَّ يُحْرِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ التَّنْعِيمِ) . ــ [المنتقى] يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدِهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكِهِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ. وَالثَّانِي - أَنْ يُحْرِمَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ. وَالثَّالِثِ - أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ. فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ طَائِعًا أَوْ عَاصِيًا فَإِنْ كَانَ طَائِعًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ أَوْ مُجَاوِزَ الْمِيقَاتِ لَا يُرِيدُ نُسُكًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ إذَا أَفْسَدَ عُمْرَةً أَنْ يَقْضِيَ حَجَّةً. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ يُرِيدُ لِلْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِتَجَاوُزِهِ الْمِيقَاتِ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ كَانَ عَاصِيًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَرِّرَ الْعِصْيَانَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَ حَجًّا تَرَكَ فِيهِ الْمَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْمَبِيتَ بِهَا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ أَفْسَدَ حَجًّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ بِتَطَيُّبٍ أَوْ لُبْسِ ثِيَابٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ كَانَ إهْلَالُهُ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَفْسَدَ عُمْرَةً جَازَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْعُمْرَةِ الْمَقْضِيَّةِ ابْتِدَاءً بِالشَّرْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي قَضَائِهَا كَاجْتِنَابِ الطِّيبِ وَالْحِلَاقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ أَبْعَدَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي ابْتِدَاءِ نُسُكِهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ حَالَ النُّزُولِ وَكَالْمَشْيِ إذَا مَشَى فِي عُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. (ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ مَنْ طَافَ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنَّ طَوَافَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ شَرْطِ صِحَّتِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ أَنْ طَافَ كَذَلِكَ وَسَعَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَامَعَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى فَاسِدِ عُمْرَتِهِ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيُحِلَّ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْضِيَ عُمْرَةً وَيُهْدِيَ هَدْيًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَمَادَى فِي حَجِّهَا الْفَاسِدِ، ثُمَّ تَقْضِيَ عُمْرَةً وَتُهْدِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا مِنْ إفْسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّجُلِ فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ كَحُكْمِهِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ؛ وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِنْ شَرْطِ النُّسُكِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَهَذَا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الْعُمْرَةِ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ عَلَى مَا قَالَ فِي الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ فَقَالَ لَهَا انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ اُخْرُجِي مِنْ التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ
следующие страницы →