Полный текст (2 236 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ انْقَطَعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَسَكَنَهَا، ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ مِنْهَا فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَلَا صِيَامٌ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا كَانَ مِنْ سَاكِنِيهَا) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ خَرَجَ إلَى الرِّبَاطِ أَوْ إلَى سَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِمَكَّةَ أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ بِهَا فَدَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ أَنْشَأَ الْحَجَّ وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا مِنْ مِيقَاتِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ دُونِهِ أَمُتَمَتِّعٌ مَنْ كَانَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
ــ
[المنتقى]
التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَلَا مَعْنَاهُ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَوْضِعٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ وَإِنْ خَرَجَ إلَى مَوْضِعٍ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ السَّفَرِ حَائِلًا بَيْنَ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا كَمَا لَوْ رَجَعَ إلَى الشَّامِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَجَعَ الشَّامِيُّ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ الْمُتَمَتِّعِ وَهَذَا الشَّامِيُّ وَالْمِصْرِيُّ وَالْعِرَاقِيُّ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَخَرَجَ إلَيْهَا أَوْ إلَى مَا يَقْرَبُ مِنْهَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ حُكْمِ التَّمَتُّعِ، فَتَقَرَّرَ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى رَأْيِ ابْنِ الْقَاسِمِ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ أَوْ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ أَوْ مَا هُوَ فِي حُكْمِهِمَا مِمَّا تَلْحَقُ فِيهِ مَشَقَّةٌ تُقَارِبُ مَشَقَّةَ سَفَرِ بَلَدِهِ وَعَنْ ابْنِ كِنَانَةَ الرُّجُوعُ إلَى مِثْلِ أُفُقِهِ إنْ كَانَ قَرِيبًا أَوْ إلَى سَفَرٍ تَلْحَقُ فِيهِ الْمَشَقَّةُ بِالْبُعْدِ إنْ كَانَ بَلَدُهُ بَعِيدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ حَجَّ يُرِيدُ أَنَّهُ حَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَقَامَ حَتَّى الْحَجِّ، ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ فَلَمْ يُخِلَّ بِسَفَرِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ حَجٌّ فَيُخِلُّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْقَطَعَ إلَى مَكَّةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ وَسَكَنَهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ وَلَا تَكْمُلُ فِيهِ شُرُوطُ التَّمَتُّعِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَا صِيَامَ؛ لِأَنَّهُ إذَا اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَمْ يَتَرَخَّصْ بِتَرْكِ سَفَرٍ لِأَحَدِ نُسُكَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ اعْتَمَرَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أُفُقِهِ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْ عَامِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ فَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ مِنْهُ بَعْدَ عُمْرَتِهِ التَّحَلُّلُ وَالْمُقَامُ فِي مَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ إذَا انْقَطَعَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ وَاسْتَوْطَنَهَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ وَتَكْمُلُ لَهُ شُرُوطُ الْمُتْعَةِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ أَوْ الصَّوْمُ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِي ذَلِكَ وَقْتُ فِعْلِهِ النُّسُكَيْنِ وَابْتِدَائِهِ بِهِمَا فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتَيْنِ مُسْتَوْطِنًا مَكَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا سَائِرَ الْآفَاقِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِمَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى غَيْرِهَا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدَةُ إلَيْهَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَلَوْ خَرَجَ عَنْهَا بِنِيَّةِ الِانْتِقَالِ عَنْهَا وَالِاسْتِيطَانِ بِغَيْرِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا مُسَافِرًا لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ حُكْمَ أَهْلِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا مَرَّ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانِهِ يَكُونُ حَضَرِيًّا بِدُخُولِهِ إيَّاهُ نَوَى ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، وَإِذَا مَرَّ بِوَطَنٍ لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُرِدْ الْمُقَامَ بِهِ لَمْ يَكُنْ حَضَرِيًّا وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسَافِرِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُنَا مِثْلُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنَّمَا سَاوَى مَالِكٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِيطَانِ يَثْبُتُ لِمَنْ اسْتَوْطَنَ مَوْضِعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِيطَانِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ لِسَفَرٍ مِنْ الْأَسْفَارِ إلَى رِبَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَهْلٌ وَقَدْ ثَبَتَ لَبَقِيَ عَلَى حُكْمِ اسْتِيطَانِهِ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهَا بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَسَاوَى مَالِكٌ أَنْ تَكُونَ عُمْرَتُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ غَيْرِ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَحَجَّ مِنْ عَامِهِ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ
стр. 597
جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت تَجَهَّزْت لِلْحَجِّ فَاعْتَرَضَ لِي فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ كَحَجَّةٍ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ أَتَمُّ لِحَجِّ أَحَدِكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ) .
ــ
[المنتقى]
فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَاعْتَمَرَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَيْسَ بِمُتَمَتِّعٍ، وَإِنْ حَجَّ مِنْ عَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ التَّمَتُّعِ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا شُرُوطُهُ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] احْتِجَاجٌ بِالْآيَةِ عَلَى إسْقَاطِ الْهَدْيِ عَنْ هَذَا الْمَكِّيِّ الْقَادِمِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حُكْمَ الْمُتَمَتِّعِ وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ الصِّيَامِ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَخَصَّهُمْ بِهَذَا الْحُكْمِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِالْحَضَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَوْلَى فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَاسْتِصْحَابِ حَالِ الْعَقْلِ وَطَرِيقِ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِالشَّرْعِ وَمِقْدَارِ مَا شَغَلَ الشَّرْعُ مِنْهَا ذِمَّةَ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَبَقِيَ سَائِرُهُمْ عَلَى سَائِرِ الْأَصْلِ وَلَعَلَّ مَالِكًا ﵀ قَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْوَجْهِ وَذَهَبَ إلَيْهِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فَحَلَّ مُحْتَمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[جَامِعُ مَا جَاءَ فِي الْعُمْرَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إلَى هَاهُنَا بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وَيَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ الْعُمْرَةُ مَعَ الْعُمْرَةِ تَكْفِيرٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَيَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ تَكْفِيرَ جَمِيعِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ» عَلَى مِثَالِ مَفْعُولٍ مِنْ الْبِرِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ صَاحِبَهُ أَوْقَعَهُ عَلَى وَجْهِ الْبِرِّ وَأَصْلُهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِمَبْرُورِ وَصْفَ الْمَصْدَرِ فَيَتَعَدَّى حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا لَا يَتَعَدَّى مِنْ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْمَصْدَرِ فَذَكَرَ ﷺ وَوَعَدَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ وَأَنَّ مَا دُونَ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِجَزَائِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْعُمْرَةُ وَغَيْرُهَا مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ جَزَاؤُهَا تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ وَحَطُّ الْخَطَايَا لِمَا يَقْتَصِرُ لِصَاحِبِهِ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى تَكْفِيرِ بَعْضِ ذُنُوبِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ إدْخَالَهُ الْجَنَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهَا «إنِّي كُنْت تَجَهَّزْت لِلْحَجِّ» تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ أَعَدَّتْ مَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي سَفَرِهَا «فَاعْتَرَضَ لَهَا» يَعْنِي أَنَّهُ مَنَعَهَا مِنْ مُرَادِهَا مَانِعٌ وَلَعَلَّهُ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْجَمَلَ الَّذِي أَرَادَتْ أَنْ تَحُجَّ عَلَيْهِ اُضْطُرَّ أَهْلُهَا إلَى السَّقْيِ بِهِ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَعْتَمِرَ فِي رَمَضَانَ وَأَخْبَرَهَا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِبَرَكَةِ رَمَضَانَ وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فِيهِ حَتَّى يُوَازِيَ ثَوَابُ الْعُمْرَةِ فِيهِ ثَوَابَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ.
(ش) : قَوْلُهُ افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُمْ وَعُمْرَتِكُمْ يُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِحْرَامِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ فَتُفْرَدُ أَشْهُرُ الْحَجِّ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَيُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاسْتَدَامَ إلَى أَشْهُرِ
стр. 598
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا) .
ــ
[المنتقى]
الْحَجِّ فَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا فِي زَمَنِ الْإِحْرَامِ فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يَكُنْ نَهْيُهُ عَنْ الْمُتْعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ لَهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا كَانَ إمَّا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لِتَفْضِيلِهَا عَلَى الْإِفْرَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ أَوْ لِلِاجْتِزَاءِ بِالدُّونِ وَإِيثَارِ التَّمَتُّعِ بِالنِّسَاءِ إلَى وَقْتِ الْوُقُوفِ وَأَمَّا عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَنْ أَرَادَ فَسْخَ الْحَجِّ فِي عُمْرَةٍ لِيَتَمَتَّعَ بِهَا إلَى الْحَجِّ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا وَلَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمَا قَالَ: إنَّهُ أَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ بَلْ كَانَ يَقُولُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ إذَا اعْتَمَرَ رُبَّمَا لَمْ يَحْطُطْ عَنْ رَاحِلَتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إسْرَاعًا إلَى الْمَدِينَةِ لِحُبِّهِ إيَّاهَا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ الْإِسْرَاعَ لِلنَّظَرِ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي قَدْ قُرِنَ النَّظَرُ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ مَعَ الصَّحَابَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَكْرَهُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ لِمَا مُنِعَهُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ وَاسْتِيطَانِهَا، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ مُقَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ لَا يَكُونُ الْمُقِيمُ بِهَا مُقِيمًا وَلِمَا رَوَى الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لِلْمُهَاجِرِ ثَلَاثٌ بَعْدَ الصَّدْرِ» وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ «وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَشْرًا» وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «أَقَامَ بِهَا بِضْعَ عَشْرَةَ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ بِهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ وَبِنِيَّةِ الرَّحِيلِ كُلَّ يَوْمٍ فَيَطْرَأُ مَا يَمْنَعُهُ وَهَذَا مَقَامٌ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمُقَامِ وَلِذَلِكَ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَإِنَّمَا الْمَقَامُ الَّذِي لَهُ حُكْمُ الْمُقَامِ أَنْ يَنْوِيَ مُقَامَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَمَا زَادَ؛ وَلِذَلِكَ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ غَيْرَ رَأْيِ عُثْمَانَ وَتَأَوَّلُوا فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْمَنْعِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَيَاتِهِ وَإِنَّ مَكَّةَ بَعْدَهُ كَسَائِرِ الْأَمْصَارِ يَكُونُ لِلْمُهَاجِرِ اسْتِيطَانُهَا كَمَا لَوْ اسْتَوْطَنُوا الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْبِلَادِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الْعُمْرَةَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ كَالْحَجِّ، وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِالسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى السُّنَّةِ مَا رُسِمَ لِيُحْتَذَى فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ فَرْضًا وَيَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ أَصْحَابِنَا فِي تَسْمِيَةِ مُتَأَكِّدِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ إذَا حَصَلَ عَلَى صِفَتِهَا بِأَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ وَبِقَوْلِنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ هِيَ فَرْضٌ كَالْحَجِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذَا نُسُكٌ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ عَلَى وَجْهِ النَّفْلِ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِ الْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ تَمَامَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ مَنْ شَرَعَ فِيهَا وَجَبَ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا وَكَذَلِكَ صَلَاةُ النَّافِلَةِ وَصَوْمُ النَّافِلَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْخَصَ فِي تَرْكِهَا يُرِيدُ أَنَّهَا مُتَأَكِّدَةٌ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُفَضِّلُ تَرْكَهَا وَلَا يُرَخِّصُ فِيهِ بَلْ يَأْمُرُ بِفِعْلِهَا وَيُفْتِي بِتَأْكِيدِ حَالِهَا كَمَا يُفْتِي بِالْمُسَارَعَةِ إلَى مُتَأَكِّدِ السُّنَنِ لَا سِيَّمَا مَا اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ كَالْوِتْرِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مِنْ سُنَّةِ الْعُمْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَأَنَّ الِاعْتِمَارَ مَرَّتَيْنِ إخْرَاجٌ لَهَا عَنْ سُنَّتِهَا وَمَوْضُوعِهَا وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ نَحْوَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مَا تَقَدَّمَتْ رِوَايَتُهُ مِنْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا اعْتَمَرَ مَرَّةً فِي الْعَامِ» ، وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ
стр. 599
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُعْتَمِرِ يَقَعُ بِأَهْلِهِ أَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيَ وَعُمْرَةً أُخْرَى يَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إتْمَامِهِ الَّذِي أَفْسَدَهَا وَيُحْرِم مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَان أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ إلَّا مِنْ مِيقَاتِهِ) .
ــ
[المنتقى]
النَّدْبِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ لَهُ إحْرَامٌ وَتَحَلُّلٌ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَكُونَ مَرَّةً فِي السَّنَةِ كَالْحَجِّ،.
وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِوَقْتٍ فَلَمْ يُكْرَهْ تَكَرُّرُهَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ كَصَوْمِ النَّفْلِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمُعْتَمِرَ إذَا وَقَعَ بِأَهْلِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَيُنَافِيهِمَا وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي أَنَّ الْوَطْءَ يُفْسِدُ هَذَيْنِ النُّسُكَيْنِ وَيَجِبُ قَضَاؤُهُمَا وَالْهَدْيُ فَأَمَّا الْقَضَاءُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ النُّسُكُ الَّذِي أَفْسَدَهُ حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ حَجًّا قُرِنَ بِعُمْرَةٍ أَوْ عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَإِنْ كَانَ حَجًّا مُفْرَدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي عَامٍ قَابِلٍ يَقْضِي مِثْلَ مَا أَفْسَدَ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرِنَ الْحَجَّ الَّذِي أَفْسَدَ بِعُمْرَةٍ لَمْ يُجْزِهِ فِي قَوْلِ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ النَّقْصِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ مَا أَفْسَدَهُ أَوْ بِأَفْضَلَ فَإِذَا أَدْخَلَ فِي الْقَضَاءِ نَقْصَ الْقِرَانِ لَمْ يُجْزِهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَقْضِيَ مَكَانَهَا عُمْرَةً.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْقَارِنَ قَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ وَلَا تَمْنَعُ صِحَّةُ الْقَضَاءِ إضَافَةَ الْعُمْرَةِ إلَيْهِ وَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ دَمًا كَمَا لَوْ قَضَى مُتَمَتِّعًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ تَصِحَّ تِلْكَ الْعُمْرَةُ الَّتِي أَفْسَدَ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ عُمْرَةٍ مُبْتَدَأَةٍ يَسْلَمُ إحْرَامُهَا مِنْ الْفَسَادِ وَلَا تُرْتَدَفُ لَهُ عُمْرَةٌ أُخْرَى عَلَى هَذِهِ الَّتِي أَفْسَدَ وَلَوْ أَرْدَفَ عَلَيْهَا حَجًّا فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُرْتَدَفُ الْحَجَّةُ عَلَى الْعُمْرَةِ الْفَاسِدَةِ وَعِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يُرْتَدَفُ الْحَجُّ عَلَيْهَا وَيَصِيرُ قَارِنًا.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ هَذَا إحْرَامٌ قَدْ أُفْسِدَ بِالْوَطْءِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرْدِفَ عَلَيْهِ إحْرَامًا صَحِيحًا كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُتِمَّهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ لُزُومَ بَقَاءِ الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ يَمْنَعُ مَنْ أَنْ يَطْرَأَ إحْرَامٌ صَحِيحٌ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ هَذِهِ عُمْرَةٌ فَجَازَ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا كَالصَّحِيحَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى يَبْتَدِئُهَا بَعْدَ إتْمَامِهِ الَّتِي أَفْسَدَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَمْضِي عَلَى عُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ حَتَّى يُكْمِلَهَا وَيَحِلَّ مِنْهَا كَمَا يُكْمِلُ الَّتِي لَا فَسَادَ فِيهَا وَلَا يَخْرُجَ مِنْ الَّتِي أَفْسَدَهَا بِالْفَسَادِ بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي فَاسِدِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كَمَا يَمْضِيَ فِي صَحِيحِهِمَا، وَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ مِنْهُمَا إلَّا بِالْإِكْمَالِ وَالتَّحَلُّلِ وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ دَاوُد لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهِمَا وَيَصِحُّ رَفْضُهُمَا مَتَى شَاءَ الْمُكَلَّفُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ وَالْإِحْرَامِ لَهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ إفْسَادَ الْحَجِّ سَبَبٌ يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ لَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ كَالْفَوَاتِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّةً فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ حَجَّةً عَلَى إحْرَامِهِ الْفَاسِدِ إلَى عَامٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يُحِلَّ مِنْ حَجِّهِ أَوْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ إنْ كَانَ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَاضِيًا لِحَجِّهِ الْفَاسِدِ إلَّا بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ هَذَا وَابْتِدَاءِ إحْرَامٍ لِلْقَضَاءِ وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ الْفَاسِدُ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ إلَى عَامٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي مَا عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُحْرِمُ بِهَا مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ وَيُحْرِمَ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مِثْلَ مَا كَانَ أَفْسَدَ، وَذَلِكَ
стр. 600
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ جُنُبٌ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ ثُمَّ وَقَعَ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَالَ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَعْتَمِرُ عُمْرَةً أُخْرَى وَيُهْدِي وَعَلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَأَمَّا الْعُمْرَةُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَإِنَّهُ (لَا يَتَعَيَّنُ) وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَرَمِ (إلَى أَيِّ مَوْضِعٍ مِنْ الْحِلِّ) ثُمَّ يُحْرِمَ فَإِنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُهِلَّ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ التَّنْعِيمِ) .
ــ
[المنتقى]
يَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدِهَا: أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكِهِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ يُجَاوِزَ الْمِيقَاتَ.
وَالثَّانِي - أَنْ يُحْرِمَ بِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَالثَّالِثِ - أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ.
فَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ أَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ طَائِعًا أَوْ عَاصِيًا فَإِنْ كَانَ طَائِعًا مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهُ دُونَ الْمِيقَاتِ أَوْ مُجَاوِزَ الْمِيقَاتِ لَا يُرِيدُ نُسُكًا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُهُ إذَا أَفْسَدَ عُمْرَةً أَنْ يَقْضِيَ حَجَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ بِالنُّسُكِ الَّذِي أَفْسَدَهُ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ يُرِيدُ لِلْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي كَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِتَجَاوُزِهِ الْمِيقَاتِ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ كَانَ عَاصِيًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَرِّرَ الْعِصْيَانَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا لَوْ أَفْسَدَ حَجًّا تَرَكَ فِيهِ الْمَبِيتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتْرُكُ الْمَبِيتَ بِهَا فِي الْقَضَاءِ وَلَوْ أَفْسَدَ حَجًّا وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ فِدْيَةٌ بِتَطَيُّبٍ أَوْ لُبْسِ ثِيَابٍ لَوَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْقَضَاءِ الِامْتِنَاعُ مِنْ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ كَانَ إهْلَالُهُ بِالنُّسُكِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ أَفْسَدَ عُمْرَةً جَازَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي الْعُمْرَةِ الْمَقْضِيَّةِ ابْتِدَاءً بِالشَّرْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي قَضَائِهَا كَاجْتِنَابِ الطِّيبِ وَالْحِلَاقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهَا مِنْ أَبْعَدَ مِنْ الْمِيقَاتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ مِنْ مِيقَاتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْ الْمِيقَاتِ فِي ابْتِدَاءِ نُسُكِهِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ فِي الِابْتِدَاءِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ كَتَرْكِ الِاسْتِظْلَالِ حَالَ النُّزُولِ وَكَالْمَشْيِ إذَا مَشَى فِي عُمْرَةٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ أَنَّ مَنْ طَافَ وَسَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنَّ طَوَافَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِعَدَمِ شَرْطِ صِحَّتِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ أَنْ طَافَ كَذَلِكَ وَسَعَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَامَعَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى فَاسِدِ عُمْرَتِهِ فَيَطُوفَ وَيَسْعَى وَيُحِلَّ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْضِيَ عُمْرَةً وَيُهْدِيَ هَدْيًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَعَلَى الْمَرْأَةِ إذَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِثْلُ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تَتَمَادَى فِي حَجِّهَا الْفَاسِدِ، ثُمَّ تَقْضِيَ عُمْرَةً وَتُهْدِيَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهَا مِنْ إفْسَادِ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ مَا وُجِدَ مِنْ الرَّجُلِ فَكَانَ حُكْمُهَا فِي ذَلِكَ كَحُكْمِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْعُمْرَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» وَهُوَ أَدْنَى الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ؛ وَلِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ مِنْ شَرْطِ النُّسُكِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَهَذَا أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِي الْعُمْرَةِ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ عَلَى مَا قَالَ فِي الْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ فَقَالَ لَهَا انْتَظِرِي فَإِذَا طَهُرْتِ اُخْرُجِي مِنْ التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ
стр. 601
نِكَاحُ الْمُحْرِمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ نَبِيهِ بْنِ وَهْبٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّ «عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَأَبَانُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَهُمَا مُحْرِمَانِ إنِّي أَرَدْت أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بْنَ عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَرَدْت أَنْ تَحْضُرَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ وَقَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» ) .
ــ
[المنتقى]
ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ وَنَصَبِكِ» .
[نِكَاحُ الْمُحْرِمِ]
(ش) : قَوْلُهُ «بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا» آخَرَ ظَاهِرُهُ بِاتِّصَالِ قَوْلِهِ «فَزَوَّجَاهُ» جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْوَكَالَةِ فِيهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ» يَقْتَضِي كَوْنَهُ حَلَالًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمَ إلَّا بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي صِحَّةِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا لِاخْتِلَافِهِمْ فِي نِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ مَيْمُونَةَ هَلْ كَانَ فِي حَالَ إحْرَامِهِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَا تَقَدَّمَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» وَاَلَّذِي رَوَى أَبُو رَافِعٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي بَاشَرَ الْقَضِيَّةَ وَهُوَ بِهَا أَعْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يُبَاشِرْهَا وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ «مَيْمُونَةَ تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرَفٍ» وَهِيَ أَعْلَمُ بِحَالِهَا وَحَالِ النَّبِيِّ ﷺ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَتْ مَوْضِعَ الْعَقْدِ وَقَدْ أَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَهَمَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِمَذْهَبِهِ أَنَّ مَنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ فَقَدْ صَارَ مُحْرِمًا بِالتَّقْلِيدِ فَلَعَلَّهُ عَلِمَ بِنِكَاحِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أَنْ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ فَقَالَ «تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا» لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِتَقْلِيدِ الْهَدْيِ.
وَالْوَجْهِ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ الْمُحْرِمَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَإِنَّهُ يُقَالُ: لِمَنْ دَخْل فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَوْ الْأَرْضِ الْحُرُمِ مُحْرِمٌ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ.
(ش) : إرْسَالُ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إلَى أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ أَنْ يَحْضُرَ نِكَاحَ ابْنِهِ بِمَعْنَى إشْهَارِ النِّكَاحِ وَإِحْضَارِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَحْضُرَهُ لِعِلْمِهِ بِمَا يُصَحِّحُ الْعَقْدَ مِمَّا يُفْسِدُهُ فَأَنْكَرَ أَبَانُ نِكَاحَهُمْ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَمَا دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ حُضُورِهِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ عَقْدِ النِّكَاحِ لِلْمُحْرِمِ وَيَقْتَضِي مَنْعَ الْمُحْرِمِ مِنْ عَقْدِهِ لِغَيْرِهِ وَإِذَا اقْتَضَى النَّهْيُ الْمَنْعَ مِنْ عَقْدِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ اقْتَضَى فَسَادَهُ إنْ عَقَدَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَعْقِدُ الْمُحْرِمُ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مَعْنًى تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا عَلَى الْمُحْرِمِ كَوَطْءِ الْأَمَةِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ وَالطِّيبَ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ عَقْدُ النِّكَاحِ كَالْعِدَّةِ.
١ -
стр. 602
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ بْنَ طَرِيفٍ الْمُرِّيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نِكَاحَهُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ إنَّهُ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ إنْ شَاءَ إذَا كَانَتْ فِي عِدَّةٍ مِنْهُ) .
حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوْقَ رَأْسِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِلَحْيَيْ جَمَلٍ مَكَانٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ» )
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَلَا يَخْطُبُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ السِّفَارَةَ فِي النِّكَاحِ وَالسَّعْيَ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إيرَادَ الْخُطْبَةِ حَالَ النِّكَاحِ، فَأَمَّا السَّعْيُ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ فَإِنْ سَعَى فِيهِ وَتَنَاوَلَ الْعَقْدَ لِسِوَاهُ أَوْ سَعَى فِيهِ لِنَفْسِهِ وَأَكْمَلَ الْعَقْدَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا، وَعِنْدِي أَنَّهُ قَدْ أَسَاءَ وَالنِّكَاحُ لَا يُفْسَخُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إذَا خَطَبَ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَتَنَاوَلَ الْعَقْدَ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ فَقَدْ أَسَاءَ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ نِكَاحَ طَرِيفٍ لَمَّا تَزَوَّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ تَرْجِيحٌ لِمَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ، وَقُلْنَا بِهِ مِنْ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَنْكِحُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْأَئِمَّةِ وَحُكْمَهُمْ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةٍ وَنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَاجْتِهَادٍ وَمُرَاجَعَةٍ مِنْ الْمُخَالِفِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ قَائِلٍ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ وَلَا رُوجِعَ فِيهِ قَائِلُهُ وَلَا شَاوَرَ فِيهِ غَيْرَهُ، وَرَدُّهُ لِنِكَاحِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِفَسْخٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِطَلَاقٍ، وَالْفَسْخُ بِاسْمِ الرَّدِّ أَلْيَقُ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إبْطَالِ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ مَرَّةً هُوَ فَسْخٌ وَقَالَ مَرَّةً هُوَ طَلَاقٌ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ مَمْنُوعٌ حَتَّى يَحِلَّ بِالْإِفَاضَةِ فَإِنْ تَزَوَّجَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ فُسِخَ نِكَاحُهُ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» وَمَا لَمْ يَتَحَلَّلْ التَّحَلُّلَ التَّامَّ فَاسْمُ الْإِحْرَامِ يَتَنَاوَلُهُ، وَحَقِيقَتُهُ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ إحْرَامِهِ بَاقٍ فِي بَابِ الِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا أَصْلُهُ قَبْلَ الرَّمْيِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ) ش قَوْلُهُ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِهِ النِّكَاحِ حَالَ الْإِحْرَامِ، وَقَوْلُهُ لَا يَخْطُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مَنْعٌ لَهُ مِنْ تَنَاوُلِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أَنْ يَخْطُبَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إلَّا أَنَّ هَذَا أَزَالَ وُجُوهَ الِاحْتِمَالِ وَمَنَعَ التَّخْصِيصَ.
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ سَأَلُوا عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ) .
(ش) : أَكْثَرَ مَالِكٌ ﵀ مِنْ إدْخَالِ الْآثَارِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ فَأَظْهَرَ قُوَّةَ الْخِلَافِ عَلَيْهِ وَكَثْرَتَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْحُكْمُ مِنْ الْأَئِمَّةِ بِخِلَافِهِ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَهَمَّمَ بِهَا النَّاسُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَأَلُوا عَنْهَا وَخَاضُوا كَثِيرًا فِيهَا، وَأَنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً فِي حَالِ إحْرَامِهِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا مَا كَانَتْ لَهُ الرَّجْعَةُ عَلَيْهَا بِبَقَاءِ عِدَّتِهَا خِلَافًا لِمَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ حَنْبَلٍ مِنْ مَنْعِهِ الرَّجْعَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ وَإِنَّمَا هِيَ إصْلَاحُ مَا انْثَلَمَ مِنْ النِّكَاحِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حِجَامَةُ الْمُحْرِمِ]
(ش) : قَوْلُهُ «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَوْقَ رَأْسِهِ» بَيَانٌ لِمَوْضِعِ الْحِجَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَوْضِعهَا وَهِيَ فِي الرَّأْسِ أَشَدُّ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ حَلْقِ شَعْرِ مَوْضِعِهَا وَرُبَّمَا قَتَلَ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُبَاحٌ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَوْ شَيْئًا
стр. 603
(ص) (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) .
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ «كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ
ــ
[المنتقى]
كَانَ لَهُ عَلَى قَدَمِهِ وَالْحِجَامَةُ تَكُونُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدِهِمَا يُحْلَقُ لَهُ شَعْرٌ إذَا كَانَتْ فِي الرَّأْسِ أَوْ الْعُنُقِ أَوْ مَوْضِعٍ فِيهِ شَعْرٌ، وَضَرْبٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَلْقِ شَعْرٍ بِأَنْ يَكُونَ فِي ظَهْرِ قَدَمٍ أَوْ ظَهْرٍ أَوْ مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ بِمَوْضِعٍ فِيهِ شَعْرٌ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِإِمَاطَةِ الْأَذَى بِحَلْقِ الشَّعْرِ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ «احْتَجَمَ فَوْقَ رَأْسِهِ» وَهُوَ نَصٌّ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَتْ الْحِجَامَةُ فِي غَيْرِ رَأْسٍ فَاحْتَاجَ إلَى حَلْقِ شَعْرِهَا أَوْ نَتْفِ شَعْرٍ مِنْ جَسَدِهِ لِغَيْرِ حِجَامَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَدِّلِ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ شَعْرُ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ سَوَاءٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَحْلِقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مُحْرِمٌ تَرَفَّهَ بِحَلْقِ شَعْرٍ مِنْ جَسَدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا لَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ حَلَقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ قَالَ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَاطَ أَذًى، وَكُلُّ مَا فِيهِ إمَاطَةُ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فِيهِ وَإِنْ قَلَّ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ إمَاطَةِ أَذًى وَلَا مَنْفَعَةَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَعَلَيْهِ فِي الشَّعْرَةِ وَالشَّعَرَاتِ قَبْضَةُ طَعَامٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالتَّرَفُّهِ وَالِانْتِفَاعِ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ بِحَلْقِ يَسِيرِ الشَّعْرِ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِحُصُولِ الِانْتِفَاعِ الْكَثِيرِ وَبِحُصُولِ الِانْتِفَاعِ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَإِذَا كَانَ لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّرَفُّهُ إلَّا بِحَلْقِ الشَّعْرِ الْكَثِيرِ أَوْ جَمِيعِ الرَّأْسِ أَوْ أَكْثَرِهِ فَإِنَّهُ إذَا حَصَلَ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالتَّرَفُّهِ فَتَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَأَمَّا إذَا حَلَقَ شَعْرَةً أَوْ شَعَرَاتٍ يَسِيرَةً لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ مَقْصُودَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ انْتِفَاعٌ وَلَا تَرَفُّهٌ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ لِذَلِكَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ص) (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ ذَلِكَ عَلَى الْعَادَةِ مِنْ الِاحْتِجَامِ وَالْفَصَادَةِ لِغَيْرِ مَرَضٍ يُدْفَعُ وَلَا لِعِلَّةٍ تُزَالُ وَإِنَّمَا هُوَ لِاسْتِصْحَابِ الصِّحَّةِ وَأَمَّا إذَا خَافَ تَجَدُّدَ مَرَضٍ أَوْ زِيَادَتَهُ أَوْ دَوَامَهُ وَرَجَا فِي الْحِجَامَةِ دَفْعَ مَا يَخَافُ فَإِنَّ الْحِجَامَةَ لَهُ مُبَاحَةٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَانْتِفَائِهَا.
وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يَحْتَجِمَ مَنْ أَرَادَ مَا لَمْ يَحْلِقْ شَعْرًا وَلَا يَحْتَجِمَ فِي رَأْسِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ لِمَا يَخَافُ مِنْ قَتْلِ الْقَمْلِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَطَاءٍ.
وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ فِي ذَلِكَ حَالَ الْحَلَالِ إلَّا فِيمَا يَعُودُ إلَى حَلْقِ الشَّعْرِ وَقَتْلِ الْقَمْلِ فَإِذَا احْتَجَمَ وَسَلِمَ فِي ذَلِكَ الْأَمْرَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ فَفَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَكْرَهُ الْحِجَامَةَ لِلْمُحْرِمِ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَحْلِقْ لَهَا شَعْرًا وَرَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إنْ احْتَجَمَ لِضَرُورَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ احْتَجَمَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِصِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ.
وَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ بِهِ الْفِدْيَةُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لَوَجَبَتْ لِلضَّرُورَةِ كَحَلْقِ الرَّأْسِ وَلَمَّا لَمْ تَجِبْ لِلضَّرُورَةِ وَلَمْ تَجِبْ لِغَيْرِ الضَّرُورَةِ كَالْمَشْيِ فِي سُوقِ الْعَطَّارِينَ.
стр. 604
سَوْطَهُ فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ فَأَبَوْا فَأَخَذَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبَى بَعْضُهُمْ فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
[مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ]
(ش) : قَوْلُهُ «كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ» إخْبَارٌ عَنْ سَفَرِهِمْ وَقَصْدِهِمْ مَكَّةَ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّ أَبَا قَتَادَةَ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَتَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَإِنَّمَا جَازَ لِأَبِي قَتَادَةَ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْرِمٍ؛ لِأَنَّ الْمَوَاقِيتَ لَمْ تَكُنْ وُقِّتَتْ بَعْدُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَنْوِ الْوُصُولَ إلَى مَكَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَصْحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ لِيُكْثِرَ أَصْحَابَهُ وَجَمَاعَتَهُ إلَى مَوْضِعِ مَاءٍ لَكِنَّهُ لَمَّا أَتَى وَهُوَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُهُ لِيَعُودَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مَا يَنْزِلُ بَعْضُ أَهْلِ الرُّفْقَةِ وَبَعْضُ الْجَيْشِ لِلرَّاحَةِ أَوْ لِمَعْنًى يَخُصُّهُمْ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَخَذُوا غَيْرَ طَرِيقِهِ لِسَبَبِ الْعَدُوِّ الَّذِي ذُكِرَ لَهُمْ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الطَّرِيقِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ» يُرِيدُ أَنَّهُ رَآهُ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُحْرِمِينَ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ أَرَاهُ إيَّاهُ وَلَا أَشَارَ لَهُ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ «فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إلَى بَعْضٍ» وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى الصَّيْدِ وَلَا إشَارَةٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الصَّيْدِ وَالْإِشَارَةَ إنَّمَا هِيَ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الْمُشِيرُ وَالدَّالُ إلَى أَنْ يَرَى الْمَدْلُولُ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ الصَّيْدَ «وَضَحِكَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ» لَمْ يُقْصَدْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ قُصِدَ بِهِ ذَلِكَ لَمَا كَانَ أَكْبَرَ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَمْرٍ لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ وَلَا أُعْلِمَ بِجِنْسِهِ وَلَا نُبِّهَ عَلَى مَوْضِعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى رُؤْيَتِهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ ضَحِكَ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ لَيْسَ بِدَلَالَةٍ عَلَى الصَّيْدِ وَلَا إشَارَةٍ إلَيْهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ لَهُ إلَيْهَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَكُلُوا مِمَّا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا» فَنَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَمْلِ عَلَيْهَا أَوْ الْإِشَارَةِ إلَيْهَا مَمْنُوعٌ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ ضَحِكَ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ مِنْ بَابِ الْإِشَارَةِ وَالدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الصَّيْدِ سَبَبٌ لِقَتْلِهِ وَتَطَرُّقٌ إلَى إتْلَافِهِ وَذَلِكَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ دُلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ حَرُمَ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَكَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهَلْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ أَوْ لَا؟ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ إنْ دُلَّ الْمُحْرِمُ حَرَامًا أَوْ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْجَزَاءُ فَإِنْ دُلَّ حَلَالًا فَلَا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِّ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ إنْ نَاوَلَهُ سَوْطًا وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَرَى فِي ذَلِكَ شَيْئًا عَلَى الدَّالِّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الدَّالِّ الْمُحْرِمِ جَزَاءٌ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْمَدْلُولِ إنْ كَانَ حَرَامًا جَزَاءٌ آخَرُ، الدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذِهِ نَفْسٌ مَضْمُونَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ الدَّالُّ عَلَيْهَا غُرْمُ أَصْلِهِ إذَا دَلَّ عَلَى قَتْلِ غَيْرِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِنَّمَا أَبَوْا أَنْ يُنَاوِلُوهُ رُمْحَهُ أَوْ سَوْطَهُ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَعُونَةً عَلَى قَتْلِهِ وَمَنْ مُنِعَ مِنْ قَتْلِهِ فَقَدْ مُنِعَ الْعَوْنَ عَلَى قَتْلِهِ كَقَتْلِ الْآدَمِيِّ فَإِنْ أَعَانَ عَلَيْهِ بِمُنَاوَلَةِ رُمْحٍ أَوْ سَوْطٍ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ ذَهَبَتْ فِي ذَلِكَ إلَى مَعْنًى مَا دُونَ نَصٍّ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحْتَجَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِنَصٍّ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ وَاحْتَجَّ بِهِ لَصَارَ الْكُلُّ إلَى مَا احْتَجَّ بِهِ، ثُمَّ أُعْلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُعَنِّفْ
стр. 605
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَامّ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ فِي الْإِحْرَامِ قَالَ مَالِكٌ وَالصَّفِيفُ الْقَدِيدُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلَ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا قَالَ لِلْآكِلِينَ لِمَ قَدِمْتُمْ عَلَى الْأَكْلِ دُونَ نَصٍّ وَلَا قَالَ لِلْمُمْتَنِعِينَ لِمَ امْتَنَعْتُمْ دُونَ نَصٍّ؟ وَلَا قَالَ إنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ كَانَ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِنَّمَا قَالَ ﷺ «إنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رِزْقٌ يَسَّرَهُ اللَّهُ إلَيْكُمْ وَبَعَثَهُ لَكُمْ وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالتَّحْلِيلِ لَا مِنْ طَرِيقِ أَنَّ الرِّزْقَ لَا يَكُونُ إلَّا حَلَالًا بَلْ قَدْ يَكُونُ حَرَامًا وَيَكُونُ حَلَالًا وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ أَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهَا وَلَوْ لَمْ يُورِدْ هَذَا اللَّفْظَ لَمَا كَانَ مُبِيحًا بِقَوْلِهِ «كُلُوا مِمَّا بَقِيَ مِنْهَا» وَقَالَ فِي حَدِيثِ حَسَّانَ «كُلُوهُ حَلَالًا» .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَتَزَوَّدُ صَفِيفَ الظِّبَاءِ يَقْتَضِي اسْتِبَاحَةَ أَكْلِ لَحْمِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ لِمَنْ كَانَ عِنْدَهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ لِمَنْ أُهْدِيَ إلَيْهِ أَوْ ابْتَاعَهُ بَعْدَ إحْرَامِهِ وَلَمْ يَكُنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَمِمَّنْ مَنَعَ ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «كُلُوا حَلَالًا» وَفِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلْقَوْمِ: كُلُوا وَهُمْ مُحْرِمُونَ» وَهَذَا نَصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَفِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَ الْوَحْشَ بَيْنَ الرِّفَاقِ، وَالرِّفَاقُ مُحْرِمُونَ» ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مُحْرِمًا وَمُحَالٌ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ إحْرَامِهِ وَإِنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ أَحَدٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ» إذَا كَانُوا قَدْ حَكَوْا لَهُ أَمْرَهُ يَقْتَضِي السُّؤَالَ عَنْ بَقِيَّتِهِ عِنْدَهُمْ لِيَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِأَمْرِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ وَقَدْ يَكُونُ سُؤَالُهُ عَنْ بَقِيَّتِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إبَاحَتِهِ لِيَأْكُلَ مِنْهُ ﷺ .
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا مَعَنَا رِجْلُهُ فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَكَلَهَا» .
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ عَنْ الْبَهْزِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ إذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ وَهُوَ صَاحِبُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَأْنَكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى كَانَ بالأثاية بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ إذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ وَفِيهِ سَهْمٌ فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا يَقِفُ عِنْدَهُ لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ» ) ش قَوْلُهُ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ يُرِيدُ أَنَّهُ فِي سَفَرِهِ كَانَ مُحْرِمًا حِينَ اجْتِيَازِهِمْ بِالْحِمَارِ الْعَقِيرِ إلَّا أَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، وَفَائِدَةُ وَصْفِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ فِي الصَّيْدِ بِمَا أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْإِحْرَامُ مِنْ ذَلِكَ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَنْ مَعَهُ كَانُوا مُحْرِمِينَ وَقَدْ أَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَ الصَّيْدِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «حَتَّى إذَا كَانُوا بِالرَّوْحَاءِ» وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ «إذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ» وَهَذَا الْحِمَارُ الْعَقِيرُ قَدْ كَانَتْ كَمُلَتْ فِيهِ الذَّكَاةُ إمَّا بِالسَّهْمِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ «عَقِيرٌ فَأَتَى بَعْدَ
стр. 606
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ وَجَدَ رَكْبًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُحْرِمِينَ فَسَأَلُوهُ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ فَأَمَرَهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ، ثُمَّ إنِّي شَكَكْتُ فِيمَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ عُمَرُ مَاذَا أَمَرْتَهُمْ بِهِ فَقَالَ أَمَرْتُهُمْ بِأَكْلِهِ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ أَمَرْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِك يَتَوَعَّدُهُ)
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدُوهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَذَكَرُوهُ لَهُ» وَيَقْتَضِي أَنَّهُمْ وَصَفُوا لَهُ مِنْ صِفَةِ السَّهْمِ أَوْ الذَّكَاةِ لَهُ مَا دَلَّهُ عَلَى تَقَدُّمِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ فَقَالَ ﷺ «دَعُوهُ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ» نَهَاهُمْ ﷺ عَنْهُ لِاسْتِحْقَاقِ صَائِدِهِ لَهُ.
وَقَدْ رَأَى أَنَّ الَّذِي صَادَهُ وَبَلَغَ بِهِ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ سَيَقْرُبُ مَجِيئُهُ إلَيْهِ.
وَقَدْ يَكُونُ ظَهَرَ ذَلِكَ مِمَّا وَصَفُوهُ لَهُ أَنَّهُمْ شَاهَدُوا مِنْ دِمَائِهِ قُرْبَ صَاحِبِهِ مِنْهُ، وَأَنَّهُ إذَا رَأَى الْجَيْشَ قَدْ قَرُبَ مِنْهُ سَيَأْتِي لِيَمْنَعَهُ أَوْ يُبِيحَهُ وَلَوْ كَانَ لَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمُحْرِمِ الصَّيْدَ لَمَنَعَهُمْ مِنْهُ جُمْلَةً، وَلَقَالَ كُفُّوا عَنْهُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَجَاءَ الْبَهْزِيُّ» وَهُوَ زَيْدُ بْنُ كَعْبٍ الْبَهْزِيُّ السُّلَمِيُّ قَالَ «وَهُوَ صَاحِبُهُ» فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ صَادَهُ «فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَأْنَكُمْ بِهِ» هِبَةً مِنْهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ «فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ» وَالرِّفَاقُ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّاسِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَأْكَلِ وَالنُّزُولِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْعَمَلِ وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْإِخْبَارِ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْبَهْزِيَّ صَادَهُ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَصِدْهُ لِغَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَهُ يَمُرُّونَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مُحِلِّينَ وَلَا مُحْرِمِينَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «ثُمَّ مَضَى حَتَّى إذَا كَانَ بالأثاية بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ» هَذِهِ الْمَوَاضِعُ كُلُّهَا فِي طَرِيقِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ «إذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ فِي ظِلٍّ» الْحَاقِفُ هُوَ الْوَاقِفُ فِي ظِلِّ الْمَغَارَةِ يَلْتَمِسُ ظِلَّهَا وَقَوْلُهُ «وَفِيهِ سَهْمٌ» يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ بِسَهْمٍ وَهُوَ ثَابِتٌ فِيهِ وَهُوَ حَيٌّ بَعْدُ فَزَعَمَ يُرِيدُ أَنَّ الرَّاوِيَ زَعَمَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا يَقِفُ عِنْدَهُ يُرِيدُ حِرَاسَتَهُ مِنْ النَّاسِ لَا يُرِيبُهُ أَحَدٌ» يُرِيدُ لَا يَعْرِضُ لَهُ وَيَحْتَمِلُ أَمْرُهُ ذَلِكَ ﷺ وَجْهَيْنِ:
أَحَدَهُمَا: أَنَّ صَاحِبَهُ الَّذِي أَصَابَهُ بِالسَّهْمِ قَدْ مَلَكَهُ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَالثَّانِيَ: أَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا بَعْدُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُذَكِّيَهُ وَلَا أَنْ يُذَكِّيَ مِنْ أَجْلِهِ.
وَبِهَذَا فَارَقَ حُكْمُ هَذَا الظَّبْيِ حُكْمَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ كَانَتْ تَمْتَدُّ الذَّكَاةُ فِيهِ فَإِنَّمَا أَهْدَى الْمُهْدِي إلَيْهِمْ لَحْمًا فَلِذَلِكَ لَمْ يَقِفْ عِنْدَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ لِجَوَازِ أَنْ يَبْتَاعَهُ أَحَدٌ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ يَسْتَوْهِبَهُ إيَّاهُ، وَالظَّبْيُ الْحَاقِفُ كَانَ حَيًّا بَعْدُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ أَقْبَلَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ الْعِرَاقِ إلَّا أَنَّهُمَا مِمَّا يَلِي الْيَمَنَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالرَّبَذَةِ وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَنَجْدٍ لَقِيَ رَكْبًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَدْرَكَهُمْ أَوْ أَدْرَكُوهُ هُنَاكَ أَوْ الْتَقَى طَرِيقَاهُمَا بِالرَّبَذَةِ وَوَصَفَ الرَّكْبَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُحْرِمِينَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا قَبْلَ الْمِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الرَّبَذَةَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ صَيْدٍ وَجَدُوهُ عِنْدَ أَهْلِ الرَّبَذَةِ وَظَاهِرُ هَذَا الصَّيْدِ أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمُحْرِمُونَ وَلَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِمْ؛ لِأَنَّ الرَّبَذَةَ لَيْسَتْ بِطَرِيقِ الْمُحْرِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُحْرِمُونَ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ الْمِيقَاتِ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهَا إلَى مَكَّةَ فَأَفْتَاهُمْ أَبُو هُرَيْرَةُ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِمْ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِنَّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلَهُ إذَا مَلَكَهُ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ، وَكَذَلِكَ رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ لَحْمُ صَيْدٍ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صَيْدًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ الصَّيْدِ كَمَا يُوصَفُ الثَّوْبُ بِأَنَّهُ كَتَّانٌ أَوْ صُوفٌ أَوْ قُطْنٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ شَكَكْت فِيمَا أَفْتَيْتُ بِهِ يُرِيدُ أَنَّ الشَّكَّ طَرَأَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلِ بِهَا وَأَمَّا
стр. 607
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا أُنَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ قَالَ فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ) .
ــ
[المنتقى]
فِي حِينِ فَتْوَاهُ لَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ شَاكًّا وَلَوْ شَكَّ قَبْلَ الْعَمَلِ بِفَتْوَاهُ لَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّقْلِيدِ لَهُ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ فَلَمَّا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ أَرَادَ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّا أَفْتَاهُمْ بِهِ وَيَعْلَمَ صِحَّتَهُ فَسَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ قَدِمَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخْبَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ بِسُؤَالِهِمْ وَأَمْسَكَ عَمَّا أَجَابَ بِهِ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَعْلَمَ مَا أَجَابَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَفْتَاهُمْ بِغَيْرِ مَا يَجِبُ فَيَتَكَلَّفُ الْمَشَقَّةَ فِي إعْلَامِهِمْ أَنَّ مَا أَتَاهُمْ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةُ بِأَنَّهُ أَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ لَهُ لَوْ أَفْتَيْتهمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ بِكَ يَتَوَعَّدُهُ وَذَلِكَ مِنْ عُمَرَ ﵁ احْتِيَاطٌ لِلدِّينِ وَاهْتِمَامٌ بِأَمْرِهِ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَنْهَمِلَ النَّاسُ فِي الْفَتْوَى وَلَا يُفْتُوا النَّاسَ وَمَنْ سَأَلَهُمْ إلَّا بَعْدَ التَّثَبُّتِ وَالتَّيَقُّنِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ شَكَّ بَعْدَ أَنْ أَفْتَاهُمْ فَأَشْفَقَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَفْتَاهُمْ قَبْلَ إمْعَانِ النَّظَرِ فَبَعَثَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِمَا تَوَعَّدَهُ عَلَى التَّحَرُّزِ بَعْدَ هَذَا فِي فَتْوَاهُ وَالْإِمْسَاكِ عَمَّا يَرْتَابُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَبِينَ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ مَرَّ بِهِ قَوْمٌ مُحْرِمُونَ بِالرَّبَذَةِ فَاسْتَفْتَوْهُ فِي لَحْمِ صَيْدٍ وَجَدُوا أُنَاسًا أَحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: بِمَ أَفْتَيْتَهُمْ قَالَ فَقُلْتُ: أَفْتَيْتُهُمْ بِأَكْلِهِ قَالَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَوْ أَفْتَيْتَهُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأَوْجَعْتُكَ) .
(ش) : الْكَلَامُ عَلَى مَتْنِ هَذَا الْحَدِيثِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ لَأَوْجَعْتُكَ تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِمَا تَوَعَّدَهُ بِهِ وَإِعْلَامٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ نَوَى تَأْدِيبَ مَنْ يَتَسَامَحُ فِي فَتْوَاهُ وَيُفْتِي قَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقَ؛ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْإِضْرَارِ بِالنَّاسِ فِي تَحْلِيلِ الْحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الْحَلَالِ، وَلَعَلَّ عُمَرَ قَدْ شَاهَدَ فِي ذَلِكَ فِعْلًا لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ يَجْرِي مَجْرَى النَّصِّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ كَأَمْرِهِ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ أَنَّهُ يَقْسِمُ حِمَارَ الْوَحْشِ عَلَى الرِّفَاقِ أَوْ إبَاحَتَهُ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا بَقِيَ مِنْ صَيْدِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَكْلَهُ هُوَ ﷺ مَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْهُ فَلَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَعَسَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلَغَهُ بَعْضُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ وَلَا حُكْمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَأَرَادَ عُمَرُ ﵁ الْمُبَالَغَةَ فِي الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ فِيهِ ص (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَقْبَلَ مِنْ الشَّامِ فِي رَكْبٍ مُحْرِمِينَ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَجَدُوا لَحْمَ صَيْدٍ فَأَفْتَاهُمْ كَعْبٌ بِأَكْلِهِ قَالَ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: مَنْ أَفْتَاكُمْ بِهَذَا؟ قَالُوا كَعْبٌ قَالَ فَإِنِّي قَدْ أَمَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا ثُمَّ لَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ مَرَّتْ بِهِمْ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فَأَفْتَاهُمْ كَعْبٌ أَنْ يَأْخُذُوهُ فَيَأْكُلُوهُ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ أَنْ تُفْتِيَهُمْ بِهَذَا؟ قَالَ هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ قَالَ: وَمَا يَدْرِيكَ؟ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنْ هِيَ إلَّا نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْثُرُهُ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّتَيْنِ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ أَقْبَلَ مِنْ الشَّامِ فِي رَكْبٍ مُحْرِمِينَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَقْبَلُوا مِنْ الشَّامِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونُوا أَقْبَلُوا مِنْ الشَّامِ وَأَحْرَمُوا بَعْدَ انْفِصَالِهِمْ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا قَبْلَ الْمِيقَاتِ أَوْ قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمُوا وَمِيقَاتُهُمْ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ بِغَيْرِ الْمَدِينَةِ وَظَاهِرُ الْحَالِ خِلَافُ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَجَدُوا لَحْمَ صَيْدٍ فَأَفْتَاهُمْ كَعْبٌ بِأَكْلِهِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا صَيْدًا قَدْ اصْطَادَهُ حَلَالٌ وَذَكَّاهُ فَصَارَ لَهُ حُكْمُ اللَّحْمِ لَا حُكْمُ الصَّيْدِ، وَلِذَلِكَ قَالَ وَجَدُوا لَحْمَ صَيْدٍ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ ذَكَرُوا لَهُ مَا أُفْتُوا بِهِ مِنْ إبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ ﵁ كَانَ يَهْتَبِلُ بِأَمْرِ النَّاسِ وَأَمْرِ دِينِهِمْ، وَيَسْأَلُ عَمَّا جَرَى لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي طَرِيقِهِمْ وَتَصَرُّفِهِمْ وَلَمَّا كَانَ يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ يُبْدَأُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ فَلَمَّا أُخْبِرَ بِمَا جَرَى مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ بِفَتْوَى بَعْضِهِمْ سَأَلَهُمْ مَنْ الْمُفْتِي لَهُمْ بِذَلِكَ لِيَعْرِفَ لَهُ فَضْلَهُ وَمَكَانَهُ
стр. 608
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّا يُوجَدُ مِنْ لُحُومِ الصَّيْدِ عَلَى الطَّرِيقِ هَلْ يَبْتَاعُهُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ أَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ يَعْتَرِضُ بِهِ الْحَاجُّ وَمِنْ أَجْلِهِمْ صِيدَ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ وَأَنْهَى عَنْهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ رَجُلٍ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُحْرِمِينَ فَوَجَدَهُ مُحْرِمٌ فَابْتَاعَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ الْعِلْمِ فَلَمَّا أَخْبَرُوا بِأَنَّهُ كَعْبٌ قَالَ قَدْ أَمَّرْتُهُ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا تَنْوِيهًا بِهِ لِإِصَابَتِهِ فِي الْفَتْوَى وَتَقْدِيمًا لَهُ، وَهَذَا التَّأْمِيرُ يَقْتَضِي صَلَاتَهُ بِهِمْ وَحُكْمَهُ عَلَيْهِمْ وَرُجُوعَهُمْ إلَى رَأْيِهِ وَتَصَرُّفَهُمْ بِأَمْرِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ مَرَّ بِهِمْ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ وَهُوَ الْقَطِيعُ مِنْهُ فَأَفْتَاهُمْ كَعْبٌ أَنْ يَأْخُذُوهُ وَيَأْكُلُوهُ وَرَأَى لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادَهُ لِمَا اعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ مِنْ حَجِّهِمْ ذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ عُمَرُ وَقَالَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا أَفْتَيْتَهُمْ بِهِ فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ كَعْبٌ بِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ تَصْحِيحِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيَكَ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ؟ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ كَعْبٍ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَلَا نَصٌّ يَصِحُّ لَهُ طَرِيقُهُ إلَى نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَجَأَ إلَى أَنْ أَقْسَمَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْثُرُهُ كُلَّ عَامٍ وَأَرَاهُ أَسْنَدَ فِي ذَلِكَ إلَى مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِمَا لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ وَلَا نَتَعَلَّقُ بِهِ فِي حُكْمٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهُ التَّحْرِيفُ وَالنَّقْصُ وَالزِّيَادَةُ فَلَا نَعْلَمُ أَنَّ مَا يُنْقَلُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْكُتُبِ هُوَ مِمَّا بَقِيَ عَلَى صِحَّتِهِ وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَلَزِمَنَا الْقَوْلُ بِصِحَّتِهِ فِيمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ.
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ نَثْرَةُ حُوتٍ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَرَادَ مِمَّا بَقِيَ مِنْ طِينَةِ آدَمَ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ آدَمَ إلَّا الْجَرَادُ بَقِيَ مِنْ طِينِهِ شَيْءٌ فَخَلَقَ مِنْهُ الْجَرَادَ وَهَذَا أَيْضًا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِخَبَرِ نَبِيٍّ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خَبَرًا يَثْبُتُ فَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُ الْجَرَادِ وَقَدْ ذَهَبَ إلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ بَعْضُ النَّاسِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَإِنَّمَا يُعْلَمُ صَيْدُ الْبَرِّ مِنْ غَيْرِهِ بِمَا يَأْوِي إلَيْهِ وَيَعِيشُ فِيهِ وَالْجَرَادُ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَرِّ وَفِيهِ حَيَاتُهُ وَمَكَانُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ.
(فَصْلٌ) :
وَإِنَّمَا أَقَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَعْبَ الْأَحْبَارِ عَلَى قَسْمِهِ بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ نَثْرَةُ حُوتٍ إمَّا لِرَأْيٍ رَآهُ أَوْجَبَ تَوَقُّفَهُ عَنْ زَجْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ قَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَدْ رَجَعَ عَنْ هَذِهِ الْفُتْيَا وَحَكَمَ مَعَ عُمَرَ عَلَى مُحْرِمٍ أَصَابَ جَرَادَةً بِسَوْطٍ فَحَكَمَ فِيهَا كَعْبٌ بِدِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إنَّكَ لَكَثِيرُ الدَّرَاهِمِ لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ فَتَجَاوَزَ حَدَّ الْمَنْعَ لِاصْطِيَادِهِ إلَى أَنْ حَكَمَ فِي جَرَادَةٍ بِدِرْهَمٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ إذَا وَجَدَهُ الْمُحْرِمُ يُبْتَاعُ أَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ صَارَ إلَيْهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُصَادَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ أَوْ مِنْ أَجْلِ مُحَلٍّ فَإِنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحَلٍّ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ كُلِّهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ وَإِنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِ مُحْرِمٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُصَادَ قَبْلَ إحْرَامِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ صِيدَ وَتَمَّتْ ذَكَاتُهُ قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ فَإِنَّ أَشْهَبَ وَابْنَ الْقَاسِمِ رَوَيَا عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَهُ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّهُ إنَّمَا صِيدَ لَهُ وَهُوَ حَلَالٌ، وَالصَّيْدُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَهُ مُبَاحٌ مُطْلَقٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَادَهُ هُوَ وَذَبَحَهُ لِيَأْكُلَهُ حَالَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ لَجَازَ لَهُ أَكْلُهُ فَلَا يَكُونُ صَيْدُ غَيْرِهِ لَهُ بِأَشَدَّ مِنْ صَيْدِهِ هُوَ وَمُبَاشَرَتِهِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ، وَالصَّائِدُ يَقْصِدُ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا مُحْرِمًا فَكَأَنَّهُ صَادَهُ لِمُحْرِمٍ وَاَلَّذِي يَصِيدُ لِنَفْسِهِ يَصِيدُ لِيَأْكُلَهُ حَلَالًا، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) فَإِنْ صِيدَ بَعْدَ إحْرَامِهِمْ مِنْ أَجْلِهِمْ وَكَانُوا مُعَيَّنِينَ أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنِينَ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صِيدَ لِلْمُحْرِمِينَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، وَبِهَذَا قَالَ
стр. 609
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَحْرَمَ وَعِنْدَهُ صَيْدٌ قَدْ اصْطَادَهُ أَوْ ابْتَاعَهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ) .
ــ
[المنتقى]
الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ لِمَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ الِاصْطِيَادُ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ الْآيَةِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُمْ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى الِاصْطِيَادِ، ثُمَّ أَضَافَهُ إلَى الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْبَرُّ هُوَ الصَّيْدُ وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ فَلَا يَجُوزُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إضْمَارٍ وَهُوَ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ أَوْ صَيْدُ وَحْشِ الْبَرِّ، وَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ يُغْنِي عَنْ هَذَا الْإِضْمَارِ وَلَا يَجُوزُ ادِّعَاؤُهُ مَعَ اسْتِغْنَاءِ الْكَلَامِ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلِ وُجُوبٍ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَاحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ صَيْدِ الْبَرِّ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ عَيْنُ الصَّيْدِ وَلَوْ تَأَوَّلَ فِيهَا الْمَنْعَ مِنْ الِاصْطِيَادِ لَمَا احْتَجَّ بِهَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَعَلِيٌّ ﵁ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ مَعَ الدِّينِ وَالْعِلْمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا فَسَّرَ الْآيَةَ بِهِ هُوَ مَعْنَاهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ مَلَكَ صَيْدًا قَبْلَ إحْرَامِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ وَهُوَ فِي يَدِهِ أَوْ يَكُونَ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ، ثُمَّ أَحْرَمَ وَلَيْسَ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي أَهْلِهِ يُرِيدُ قَبْلَ إحْرَامِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ، وَعِنْدَهُ صَيْدٌ يُرِيدُ أَنَّهُ فِي مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاضِرٍ مَعَهُ فِي وَقْتِ إحْرَامِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِثْلُ قَوْلِنَا.
وَالْآخَرُ: أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ حُرْمَةٌ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الِاصْطِيَادِ فَلَمْ تَمْنَعْ اسْتِدَامَتَهُ كَحُرْمَةِ الْحَرَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إلَى أَهْلِهِ، ثُمَّ نَفَرَ لَمَا جَازَ لَهُ إمْسَاكُهُ وَلَوَجَبَ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ رَوَاهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ عَنْهُ فِي إحْرَامِهِ وَهَذَا أَصْلٌ قَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ لَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ وَهَلْ يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ أَمْ لَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ بِإِحْرَامِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ لَا يَزُولُ عَنْهُ مِلْكُهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فَإِذَا اخْتَلَطَ بِالْوَحْشِ وَلَحِقَ بِهَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الْقَوْلُ فَائِدَتُهُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَصْطَادَهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِالْوَحْشِ وَيَمْتَنِعَ بِمِثْلِ امْتِنَاعِهَا وَمَنْ صَادَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أُخْرِجَ عَنْ يَدِهِ وَمِلْكِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ الْمُحْرِمُ فَجَاءَ مَنْ أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَرَوَى أَشْهَبُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ ضَمَانُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إذَا قُلْنَا: إنَّ مِلْكَ الْمُحْرِمِ يَزُولُ عَنْهُ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ لَا ضَمَانَ عَلَى مُرْسِلِهِ وَعَلَى قَوْلِنَا الْآخَرِ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُهُ فَالضَّمَانُ عَلَى مُرْسِلِهِ مِنْ يَدِهِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ إرْسَالُهُ فَإِذَا أَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ كَمَا لَوْ صَادَهُ فِي حَالِ إحْرَامِهِ فَجَاءَ مَنْ أَرْسَلَهُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ مِلْكَ الْمُحْرِمِ بَاقٍ عَلَى الصَّيْدِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَهُ فَعَادَ إلَى بَيْتِهِ لَكَانَ عَلَى مِلْكِهِ، وَيَدُهُ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ فَإِذَا أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ تَعَدَّى عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ وَأَزَالَ يَدَهُ عَمَّا كَانَ فِي مِلْكِهِ وَعَرَّضَ الصَّيْدَ لِلْهَلَاكِ وَاصْطِيَادِ الْحَلَالِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَحْرَمَ وَبِيَدِهِ صَيْدٌ فَأَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَعَلَيْهِ إرْسَالُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَاهُ فِي حَالِ إحْرَامِهِ وَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ إذَا حَلَّ وَهُوَ عِنْدَهُ فَإِنَّ لَهُ إمْسَاكَهُ وَاَلَّذِي رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَطَاءٍ
стр. 610
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي صَيْدِ الْحِيتَانِ فِي الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ وَالْبِرَكِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَصْطَادَهُ) .
مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَادِنَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
مِثْلُ قَوْلِنَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّيْدَ حَالَ الْإِحْرَامِ يَمْنَعُ الْمِلْكَ وَيُنَافِيهِ فَلَمْ يُرْسِلْ مِنْ يَدِهِ مَا يَمْلِكُهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ صَيْدَ الْحِيتَانِ حَيْثُ كَانَتْ مِنْ مَوَاضِعِهَا فِي الْبَحْرِ الْمِلْحِ وَالْعَذْبِ وَالْأَنْهَارِ وَالْغُدْرَانِ وَالْبِرَكِ وَالْعُيُونِ وَالْمِيَاهِ الْقَلِيلَةِ وَالْكَثِيرَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَاسْمُ الْبَحْرِ وَاقِعٌ عَلَى الْعَذْبِ وَالْمِلْحِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَدَوَابُّ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ وَالْبِرَكِ وَغَيْرِهَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالسُّلَحْفَاةُ عِنْدِي مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهَا تُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَهِيَ تُرْسُ الْمَاءِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُهَا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ فِيمَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
وَوَجْهُ إبَاحَةِ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَلَا خِلَافَ أَنَّ السُّلَحْفَاةَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِيهِ وَأَمَّا سُلَحْفَاةُ الْبَرِّ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِيدُ الْمُحْرِمُ سُلَحْفَاةَ الْبَرِّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ فِي الْبَرَارِيِ دُونَ الْمِيَاهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمِيَاهِ، وَلَكِنَّهَا تَخْرُجُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَتَكُونُ فِي الْبَرِّ كَمَا تَصْنَعُ الضَّفَادِعُ وَغَيْرُهَا مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تَكُونُ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ لَوْ كَانَ مِنْهَا نَوْعٌ يَنْفَرِدُ بِالْحَيَاةِ فِيهِ وَهَذَا مَعْدُومٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الضُّفْدُعُ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ إنْ قَتَلَهُ قَالَ أَشْهَبُ وَقِيلَ يُطْعِمُ شَيْئًا وَلَعَلَّ أَشْهَبَ قَدْ رَاعَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ ابْنِ نَافِعٍ لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَصِيدُهُ الْمُحْرِمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّهُ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ كَغَيْرِهِ مِنْ الطَّيْرِ.
[مَا لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُهُ مِنْ الصَّيْدِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ «أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا» هَكَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ فِيهِ وَأَحْفَظُهُمْ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا رَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ قَبُولُهُ لَهُ: وَإِمَّا لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي قَبُولِهِ إلَّا الْإِضْرَارُ بِمَنْ كَانَ لَهُ وَيَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّ مَنْ أُهْدِيَ لَهُ صَيْدٌ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي أَنَّ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ الَّذِي أَهْدَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ إنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْحِمَارَ كَانَ حَيًّا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أُهْدِيَ لَهُ صَيْدٌ فِي حَالِ إحْرَامِهِ فَقِبَلَهُ لَمْ يَكُنْ رَدُّهُ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ مَلَكَهُ بِالْقَبُولِ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَوْ قَدْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي إِسْحَاقَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاهِبِهِ إنْ كَانَ حَلَالًا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُحْرِمٍ ابْتَاعَ صَيْدًا فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ مِنْهُ إنْ كَانَ حَلَالًا، وَلَوْ رَدَّهُ عَلَيْهِ لَزِمَهُ جَزَاؤُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ» يُرِيدُ مِنْ التَّغَيُّرِ وَالْإِشْفَاقِ لِرَدِّ النَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّتَهُ
стр. 611
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ رَأَيْت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ قَدْ غَطَّى وَجْهَهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ، ثُمَّ أُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا فَقَالُوا: أَوَّلًا تَأْكُلُ أَنْتَ فَقَالَ: إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ يَا ابْنَ أَخِي إنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ فَإِنْ تَخَلَّجَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ تَعْنِي أَكْلَ لَحْمِ الصَّيْدِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ يُصَادُ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ فَيُصْنَعُ لَهُ ذَلِكَ الصَّيْدُ فَيَأْكُلُ مِنْهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ الصَّيْدِ كُلَّهُ) .
ــ
[المنتقى]
مَعَ أَنَّهُ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيَأْكُلُهَا فَخَافَ الصَّعْبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا فِي وَجْهِهِ أَعْلَمُهُ وَجْهَ رَدِّهِ لَهَا لِيُزِيلَ مَا فِي نَفْسِهِ وَلِيُعْلِمَ أُمَّتَهُ هَذَا الْحُكْمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْإِحْرَامِ فِي حَالِ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ الصَّيْدِ.
(ش) : قَوْلُهُ: إنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ يُغَطِّي وَجْهَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إحْرَامَ الرَّجُلِ مُتَعَلِّقٌ بِوَجْهِهِ فَلَا يُخَمِّرُهُ وَفِعْلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَنْعَهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ جَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَدَلِيلُنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا إحْرَامٌ فَكُرِهَ لِلرَّجُلِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ يُرِيدُ شَدِيدَ الْحَرِّ وَقَوْلُهُ بِقَطِيفَةِ أُرْجُوَانٍ الْقَطِيفَةُ كِسَاءٌ لَهُ خَمْلٌ وَالْأُرْجُوَانُ صُوفٌ أَحْمَرُ لَا يُنْتَقَضُ شَيْءٌ مِنْ صَبْغِهِ فَلَا يُمْنَعُ الْمُحْرِمُ مِنْهُ إلَّا لَمَّا أَنْكَرَهُ عُمَرُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِالْمَدَرِ وَقَالَ إنَّكُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمْ النَّاسُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا صِيدَ مِنْ أَجْلِي ذَهَبَ إلَى أَنَّ الصَّيْدَ إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَلَى مَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ وَإِنْ كَانَ صِيدَ مِنْ أَجْلِ عُثْمَانَ وَلَمْ يُصَدْ مِنْ أَجْلِهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَكَانَ مَالِكٌ لَا يَأْخُذُ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حِينَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَكَاتِهِ عِنْدَهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ مَا صَادَهُ الْمُحْرِمُ وَذَبَحَهُ مَيْتَةٌ لَا يَجُوزُ لِحَلَالٍ وَلَا لِحَرَامٍ أَكْلُهُ، وَالِاصْطِيَادُ وَالذَّبْحُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِينَ مَمْنُوعٌ فَإِذَا كَانَتْ ذَكَاتُهُ هَذَا الصَّيْدَ مَمْنُوعَةً لِحَقِّ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا تَقَعَ بِهَا ذَكَاةٌ وَلَا اسْتِبَاحَةُ أَكْلٍ كَمَا لَوْ بَاشَرَ ذَلِكَ الْمُحْرِمُ أَوْ أَمَرَ بِهِ.
(ش) : قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ يَا ابْنَ أَخِي إنَّمَا هِيَ عَشْرُ لَيَالٍ تُشِيرُ إلَى قِصَرِ مُدَّةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّ الصَّبْرَ عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْوَحْشِ فِي مَوْتِهِ لَا يَلْحَقُ بِهِ كَبِيرُ مَضَرَّةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ صَبْرٌ يَسِيرٌ يُسْتَسْهَلُ لِمَا يَخْتَلِجُ فِي النَّفْسِ مِنْ أَمْرِ الصَّيْدِ فَمَا كَانَ يَشُكُّ فِيهِ مِنْ أَمْرِ لَحْمِ الصَّيْدِ فَوَاجِبٌ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بِالْأَحْوَطِ وَيَتْرُكَ أَصْلَهُ إلَّا مَا تَيَقَّنَ إبَاحَتَهُ وَوَضَحَ لَدَيْهِ حُكْمُهُ وَلَمْ يَخْتَلِجْهُ شَكٌّ فِي إبَاحَتِهِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ كَمَا يَأْكُلَ لَحْمَ الْأَنْعَامِ، وَلَمْ يُفَسِّرْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ كَلَامَهُمَا فِي لَحْمِ الصَّيْدِ وَلَكِنْ أَوْرَدَ مِنْ الْحَدِيثِ مَا حَفِظَهُ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِمَا فَهِمَ مِنْ مَقْصِدِهِ وَتَيَقَّنَ مِنْ مَعْنَاهُ وَهَذَا دَلِيلُ فَضْلِهِ وَوَرَعِهِ وَثِقَةِ نَقْلِهِ وَاقْتِصَارِهِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي حِفْظِهِ وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ عُمُومَ لَفْظِ الْحَدِيثِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي نَصِّ الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ عُرْوَةَ قَالَ سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ لَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أَخِي إنَّمَا هِيَ أَيَّامٌ قَلَائِلُ فَمَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ فَدَعْهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ صِيدَ وَصُنِعَ مِنْ أَجْلِهِ فَأَكَلَ مِنْهُ عَالِمًا بِذَلِكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ قَالَ بِأَثَرِهِ وَقَدْ قِيلَ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَيْتَةً إلَّا أَنْ يَعْلَمَ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَيَذْبَحَهُ عَلَى
стр. 612
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يُضْطَرُّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَيَصِيدُ الصَّيْدَ فَيَأْكُلُهُ أَمْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ فَقَالَ: بَلْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُحْرِمِ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ وَلَا فِي أَخْذِهِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَقَدْ أَرْخَصَ فِي الْمَيْتَةِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ أَوْ يَأْمُرَهُمْ بِصَيْدِهِ فَهَذَا عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّ وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ عَالِمًا بِذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْجَزَاءِ.
وَالثَّانِي: نَفْيُهُ.
وَجْهُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاصْطِيَادَ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِينَ مَمْنُوعٌ فَإِذَا صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ جَزَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الِاصْطِيَادَ، وَلَا أَمَرَ بِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ وَلَا وُجِدَ مِنْهُ مَقْصُودُ الِاصْطِيَادِ الَّذِي هُوَ الْأَكْلُ وَاَلَّذِي يَدْعُو الصَّائِدَ إلَى الِاصْطِيَادِ فَإِذَا أَكَلَهُ فَقَدْ أَتَى بِمَقْصُودِ الِاصْطِيَادِ لَهُ فَلَزِمَهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ فِعْلِهِ فِيهِ يَنْضَافُ إلَى الِاصْطِيَادِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَجْلِهِ فَيَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِلْأَكْلِ تَأْثِيرًا فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا صَادَ صَيْدًا فَأَكَلَ مِنْهُ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْآكِلِ جَزَاءٌ فَبِأَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ إذَا أَكَلَ مِنْهُ أَوْلَى، وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْأَكْلِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ أَكَلَ مِنْ هَذَا الصَّيْدِ مُحْرِمٌ غَيْرُهُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا جَزَاءَ فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَأْثِيرِ الْأَكْلِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ.
(فَرْعٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ كُلَّهُ لَفْظٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ إنَّمَا هُوَ كَفَّارَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ مِنْ الصَّيْدِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الضَّمَانِ لَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ ذَلِكَ بَدَلٌ مِنْ الصَّيْدِ وَلَيْسَ بِكَفَّارَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْجَزَاءِ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ فَإِذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ صَيْدًا وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ يَتَوَزَّعُونَهُ بَيْنَهُمْ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمُحْرِمَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ مَيْتَةٍ فَوَجَدَهَا وَوَجَدَ صَيْدًا كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَلَمْ يَعْرِضْ لِلصَّيْدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ فِي الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ ضَرُورَةً وَلَا غَيْرَهَا وَقَالَ فِي الْمَيْتَةِ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْمَنْعُ بِحَالِ الضَّرُورَةِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّيْدِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْ الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّعَرُّضُ إلَى الصَّيْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يُرَخِّصْ لِلْمُحْرِمِ فِي أَكْلِ الصَّيْدِ وَلَا فِي أَخْذِهِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا نَصَّ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِي ذَلِكَ مَا دَامَ وَاجِدًا لِلْمَيْتَةِ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ أَكْلَهُ لِلصَّيْدِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا.
وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَكْلَهُ لِلصَّيْدِ بَعْدَ تَصَيُّدِهِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَيْتَةِ، وَتَصَيُّدُهُ أَيْضًا مَمْنُوعٌ فَكَانَ فِيهِ مَنْعَانِ.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْعُ الصَّيْدِ أَشَدَّ تَغْلِيظًا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسَبُّبِ إلَى التَّصَيُّدِ الْمَمْنُوعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا صِيدَ مِنْ الصَّيْدِ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ وَكَانَتْ عِنْدَهُ مَيْتَةٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَأْكُلُ الصَّيْدَ وَيُؤَدِّي جَزَاءَهُ أَحَبُّ إلَيْنَا.
فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي كَوْنِهِ مَيْتَةً غَيْرَ ذَكِيٍّ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ ذَكِيٌّ أَئِمَّةٌ مَشْهُورُونَ فَكَانَ أَكْلُهُ أَوْلَى مِنْ أَكْلِ مَا اُتُّفِقَ عَلَى كَوْنِهِ مَيْتَةً وَيَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا فِيمَنْ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ صَيْدٌ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فَأَكَلَ مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الضَّرُورَةُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْجَزَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مُحْرِمًا لَوْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَلَمْ يَجِدْهَا فَاصْطَادَ صَيْدًا
стр. 613
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا مَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ أَوْ ذَبَحَ مِنْ الصَّيْدِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِحَلَالٍ وَلَا لِمُحْرِمٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَكِيٍّ كَانَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَأَكْلُهُ لَا يَحِلُّ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ لِحَلَالٍ وَلَا لِحَرَامٍ؛ لِأَنَّ ذَكَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِلصَّيْدِ فَهُوَ مَيْتَةٌ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ غَيْرَ الْقَاتِلِ يَأْكُلُ مِنْهُ، الدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ ذَكَاةٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِهَا الْمُذَكَّى لِحَقِّ اللَّهِ فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهَا غَيْرَهُ كَالذَّكَاةِ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ صِيدَ الصَّيْدُ وَذُبِحَ لِأَجْلِ مُحْرِمٍ أَوْ أَشَارَ مُحْرِمٌ عَلَى حَرَامٍ أَوْ حَلَالٍ أَنْ يَصِيدَهُ وَيَذْبَحَهُ لِلْمُشِيرِ أَوْ دَلَّهُ عَلَيْهِ لِيَذْبَحَهُ لَهُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: لَا تَصِحُّ ذَكَاتُهُ قَالَ.
وَقَدْ وَجَدْتُهُ مَنْصُوصًا أَنَّ هَذَا مَا ذُبِحَ لِلْمُحْرِمِينَ فَلَا يَأْكُلُهُ مُحْرِمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ عَلَى مَا ذُكِرَ، وَكَذَلِكَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذَبْحَهُ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي الْمَنْعِ وَقَدْ يَصِيدُ الْمُحْرِمُ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَصِيدُ أَسَدًا وَقَدْ يَذْبَحُ الصَّيْدَ الدَّاجِنَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ يَظُنُّهُ شَاةً وَقَدْ يَذْبَحُ وَيَصِيدُ وَيَنْسَى إحْرَامَهُ وَلَا يُسْتَبَاحُ ذَلِكَ كُلُّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قَدْ سَمِعْت هَذَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ هُوَ أَنْ يَقُولَهُ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إجْمَاعٌ يُخَالِفُهُ إلَّا أَنَّ فِي ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِلْمَقَالَةِ، وَمِمَّنْ قَالَ: إنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مَيْتَةٌ لَا يَأْكُلُهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمٌ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ، ثُمَّ يَأْكُلُهُ إنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ مِثْلُ مَنْ قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ) .
ــ
[المنتقى]
وَأَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ لَا تَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الْمُحْرِمُ مِنْهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ لِقَتْلِهِ إيَّاهُ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ غَيْرَ الْجَزَاءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي وَجَبَ بِالْقَتْلِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو مُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي قَتْلِهِ جَزَاءٌ كَامِلٌ وَفِي أَكْلِهِ ضَمَانُ مَا أَكَلَ وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ ذَبَحَ صَيْدًا، ثُمَّ أَكَلَهُ فَعَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ إتْلَافٌ بَعْدَ قَتْلٍ وَجَبَ بِهِ الْجَزَاءُ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ ضَمَانٌ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ ثُمَّ أَحْرَقَهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُحْرِمِينَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَظِيرُهُ وَإِنْ أَكَلَهُ حَلَالٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَكَلَ مَيْتَةً فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجَزَاءُ كَمَا لَوْ أَكَلَ مَيْتَةً لَمْ يَصِدْهَا وَلَا صِيدَتْ مِنْ أَجْلِهِ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ أَكْلِهِ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ صَيْدِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ بِأَكْلِهِ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِقَتْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الْمُحْرِمِينَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْأَكْلُ وَالْقَتْلُ إلَّا وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَإِذَا عَادَ الْمُحْرِمُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ أَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ كُلَّمَا عَادَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ قَتْلُ الصَّيْدِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِلَيْهِ رَجَعَ عَطَاءٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ إلَّا فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ فَإِنْ عَاوَدَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِجَزَاءٍ وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَنَهَى عَنْ قَتْلِ جِنْسِ الصَّيْدِ، وَالصَّيْدُ اسْمٌ لِمَا يُصْطَادُ، ثُمَّ قَالَ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٩٥] عَائِدٌ إلَى الصَّيْدِ الْمَمْنُوعِ مِنْ قَتْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا ثَانِيًا فَهُوَ قَاتِلٌ لِلصَّيْدِ وَدَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ قَوْلِهِ ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] الْآيَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] فَتَوَلَّى تَعَالَى الِانْتِقَامَ مِنْهُ وَجَعَلَ
стр. 614
أَمْرُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ كُلُّ شَيْءٍ صِيدَ فِي الْحَرَمِ أَوْ أُرْسِلَ عَلَيْهِ كَلْبٌ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءُ ذَلِكَ الصَّيْدِ فَأَمَّا الَّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يَصِيدَهُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ جَزَاءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنْ أَرْسَلَهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ)
ــ
[المنتقى]
ذَنْبَهُ أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَهُ كَفَّارَةٌ بِالْجَزَاءِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ عَطَاءً قَدْ قَالَ: إنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] يَعْنِي مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: مَعْنَاهُ مَنْ عَادَ بَعْدَ الَّذِي سَلَفَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ وَعَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ يُرِيدُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَلِهَذَا التَّأْوِيلِ وَجْهٌ صَحِيحٌ بَلْ هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] ظَاهِرُهُ مَا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ وَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى سَلَفَ الْمَرَّةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَيْسَتْ بِسَالِفَةٍ مِمَّنْ يَأْتِي بَعْدُ وَهِيَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ مِمَّنْ مَضَى وَعَلَى هَذَا تَأَوَّلَ الْجَمِيعُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِانْتِقَامُ مِنْهُ بِأَشْيَاءَ تُصِيبُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وَلَا خِلَافَ بَيْنَنَا فِي وَجْهِ الِانْتِقَامِ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] مَا يَنْفِي وُجُوبَ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ، وَالْآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لَهُ وَعَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مِنْ الِانْتِقَامِ مِنْهُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مَمْلُوكًا وَجَبَ عَلَيْهِ مَعَ الْجَزَاءِ لِصَاحِبِهِ الْقِيمَةُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْقِيمَةُ لِصَاحِبِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
[أَمْرُ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الصَّيْدَ مَمْنُوعٌ فِي الْحَرَمِ لِلْحَلَالِ وَالْحُرُمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ وَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ الْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ الِاصْطِيَادَ كَمَا يَمْنَعُهُ الْحَرَمُ فَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ وَالِاصْطِيَادُ فِيهِ مُبَاحٌ إذَا سَلِمَ مِنْ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّ كُلَّ مَا يَسْكُنُ بِسُكُونٍ مَا فِي الْحَرَمِ وَيَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَرَمَ مَحْدُودٌ وَفَائِدَةُ تَحْدِيدِهِ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ حَدِّهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ حُكْمِ الْحَرَمِ.
(فَصْلٌ) :
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ تَحْدِيدَهُ لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَى غَايَتِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرُمِ شَيْءٌ مِنْ جُمْلَةٍ إلَّا الْحَظُّ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِيمَا قَرُبَ لِيَتَيَقَّنَ اسْتِيفَاءَ حُرْمَةِ الْحَرَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَصَيُّدُهُ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ فَإِنْ كَانَ تَصَيُّدُهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ دَاوُد لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ حَلَالًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]
стр. 615
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالْحُرُمُ جَمَاعَةُ حَرَامٍ يُقَالُ: أَحْرَمَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَحَرَامٌ إذَا أَتَى الْحَرَمَ وَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ
قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا ... فَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا
يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ فِي حُرُمِ الْمَدِينَةِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا بِحَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا ادَّعَى ذَلِكَ لَهُ أَحَدٌ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَقَعُ عَلَى مَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ وَعَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الْحُرُمِ حَرَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ النُّسُكُ وَيُمْنَعُ التَّصَيُّدُ فَأَوْجَبَ أَنْ يُجْزَى بِقَتْلِ الصَّيْدِ كَالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا إنْ صَادَ الْحَلَالُ فِي الْحِلِّ فَإِنَّ لَهُ ذَبْحَهُ فِي الْحَرَمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَحَكَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَنَّ الْحَرَمَ مَوْضِعُ اسْتِيطَانٍ وَإِقَامَةٍ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ فِيهِ ذَبْحُ الصَّيْدِ لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ مُتَأَبِّدَةٌ وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ غَيْرُ مُتَأَبِّدَةٍ وَهَذَا الدَّلِيلُ فِيهِ نَظَرٌ، وَتَرْكُ ذَبْحِ مَا صِيدَ فِيهِ عِنْدِي أَحْوَطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَيَحْرُمُ الِاصْطِيَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَرَأَيْت لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» وَقَوْلُهُ ﷺ «إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا وَيُنَفَّرَ صَيْدُهَا» .
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ الِاصْطِيَادِ فِيهِ فَهَلْ يَجِبُ الْجَزَاءُ، الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي وَهْبٍ وَقَوْلُ مَالِكٍ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمَدِينَةَ لَا تَتَعَلَّقُ الْكَفَّارَةُ وَالْفِدْيَةُ بِالْأَعْمَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا فَلِذَلِكَ تَعَلَّقَتْ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِ صَيْدِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأُرْسِلَ عَلَيْهِ كَلْبٌ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَ ذَلِكَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَزَاءُ ذَلِكَ الصَّيْدِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ فِي الْحِلِّ، وَالصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ فِي الْحَرَمِ وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ.
فَأَمَّا إنْ كَانَا فِي الْحَرَمِ فَأَخَذَهُ الْخَارِجُ فِي الْحَرَمِ أَوْ الْحِلِّ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ قَدْ كَانَ مُتَحَرِّمًا بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ فَإِذَا صَادَهُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ فَأَخَذَهُ فِي الْحِلِّ فَقَدْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ وَأَخَذَ صَيْدًا مُتَحَرِّمًا بِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَلَوْ كَانَ الصَّائِدُ فِي الْحِلِّ، وَالصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ لَكَانَ هَذَا حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحِلِّ وَالصَّائِدُ فِي الْحَرَمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ ذَلِكَ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وَلَمْ يُغَيِّرْ حَالَ الصَّيْدِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ حُرْمَةٌ تَمْنَعُ الِاصْطِيَادَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ الصَّائِدِ دُونَ حَالِ الصَّيْدِ كَحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحَرَمَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الصَّائِدِ وَإِنَّمَا تَأْثِيرُهُ وَحُرْمَتُهُ لِلصَّيْدِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَرَّمْ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ جَازَ اصْطِيَادُهُ وَأَمَّا الصَّائِدُ فَلَمْ يَتَلَبَّسْ بِعِبَادَةٍ تُحَرِّمُ عَلَيْهِ صَيْدًا وَلَا غَيْرَهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الَّذِي يُرْسِلُ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يَصِيدَهُ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَهَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ إذَا كَانَ الصَّيْدُ وَالصَّائِدُ فِي الْحِلِّ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَا بِقُرْبِ الْحَرَمِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا عَلَى بُعْدٍ مِنْهُ.
فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ الْحَرَمِ فَأَرْسَلَ كَلْبَهُ عَلَى الصَّيْدِ فَأَدْخَلَهُ الْكَلْبُ فِي الْحُرُمِ وَقَتَلَهُ فِيهِ أَوْ قَتَلَهُ فِي الْحِلِّ بَعْدَ إدْخَالِهِ الْحَرَمَ وَإِخْرَاجِهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَحَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَرَمِ فَحَرُمَ اصْطِيَادُهُ وَأَكْلُهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَى الصَّائِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَهِكْ حُرْمَةَ الْحَرَمِ وَلَا غَرَرَ بِإِرْسَالِهِ بِقُرْبِهِ.
(فَرْعٌ) وَالْبُعْدُ هُوَ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْكَلْبَ لَا يَلْحَقُهُ بِهِ وَأَنَّهُ سَيُدْرِكُهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرْجِعُ عَنْهُ
стр. 616
الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]
ــ
[المنتقى]
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّ الْبُعْدَ مِنْ الْحَرَمِ بِمِقْدَارِ مَا لَا يَسْكُنُ الصَّيْدُ فِيهِ بِسُكُونِ مَنْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ فِي الْحَرَمِ كَلْبَهُ عَلَى صَيْدٍ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْحِلِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنْ لَا يَكُونَ أَرْسَلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْحَرَمِ فَإِنْ أَرْسَلَهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ يُرِيدُ أَنَّ الْإِرْسَالَ بِقُرْبِ الْحَرَمِ مَمْنُوعٌ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْحَرَمِ.
وَالثَّانِي: مَا قَالَهُ أَشْهَبُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الِاحْتِيَاطِ وَالِامْتِنَاعِ مِنْ التَّغْرِيرِ بِإِرْسَالِ جَارِحٍ عَلَى صَيْدٍ قُرْبَ الْحَرَمِ فَلَا يُدْرِكُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ وَأَنَّ الرَّاتِعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ» وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ لَا تُؤْمَنُ مَعَهُ مُوَاقَعَةُ الْمَحْظُورِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَرْسَلَهُ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَإِذَا أَخَذَهُ بَعْدَ إدْخَالِهِ الْحَرَمَ فَإِنْ أَخَذَهُ فِيهِ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ بِأَخْذِهِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَدْرَكَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهِ فَعَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِمَّا غَرَّرَ بِهِ وَلَوْ أَكَلَهُ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ لَهُ حُكْمَ الْحَرَمِ بِقُرْبِهِ مِنْهُ فَلَا يُؤْكَلُ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ قَبْلَ إدْخَالِهِ فِيمَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَرَمِ فَقَدْ سَلِمَ وَيَأْكُلُهُ.
[الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ]
(ش) : تَفْسِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى حُرُمٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُحْرِمُونَ إمَّا بِالْإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ وَإِمَّا بِالْكَوْنِ فِي الْحَرَمِ فَنَهَى تَعَالَى عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِأَنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا الْجَزَاءَ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ النَّاسِيَ لِإِحْرَامِهِ الْمُتَعَمِّدَ لِقَتْلِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْعَامِدِينَ وَمَا ذَكَرُوا وَجْهٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ نَصَّ تَعَالَى مُتَعَمِّدَ الْقَتْلِ وَلَمْ يَخُصَّ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ وَلَا ذَاكِرًا لَهُ فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ دَاوُد يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ نَسِيَ الْإِحْرَامَ وَتَعَمَّدَ الْقَتْلَ وَالْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْلِهِ بِالْعُمُومِ وَأَمَّا الْمُخْطِئُ بِالْقَتْلِ فَلَمْ يَجْرِ لَهُ فِي الْآيَةِ ذِكْرٌ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ عَلَى إثْبَاتِ الْجَزَاءِ فِيهِ، وَلَا نَفْيِهِ إلَّا لِمَنْ يَقُولُ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ وَلَا دَاوُد وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يَجِبُ عَلَى الْعَامِدِ الْجَزَاءُ بِالْآيَةِ وَعَلَى الْمُخْطِئِ بِالسُّنَّةِ فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلْمُخْطِئِ فِي الْآيَةِ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: ثَبَتَ حُكْمُ الْمُخْطِئِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فَعَمَّ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إخْرَاجُ مِثْلِ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَالنَّعَامَةُ لَهَا مِثْلٌ وَهِيَ الْبَدَنَةُ وَبَقَرُ الْوَحْشِ لَهُ مِثْلٌ وَهِيَ الْبَقَرُ الْإِنْسِيَّةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُضْمَنُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ وَإِنَّمَا يُضْمَنُ بِالْقِيمَةِ، ثُمَّ يُشْتَرَى بِتِلْكَ الْقِيمَةِ هَدْيًا أَوْ طَعَامًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْقَاتِلَ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ مِثْلَ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ هُوَ الْجَزَاءُ وَالْقِيمَةُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا مِثْلٌ لِلْمَقْتُولِ لَا لُغَةً وَلَا شَرْعًا، وَإِنَّمَا الْمِثْلُ مَا يُشْبِهُهُ، وَأَشْبَهُ النَّعَمِ بِالنَّعَامَةِ الْبَدَنَةُ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي يَحْكُمُ وَهُوَ
стр. 617
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمِثْلُ مِنْ النَّعَمِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ بِهِ هَدْيًا وَهَذَا يُوجِبُ اخْتِصَاصَهُ بِالْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ هَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ شُيُوخُنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] أَنَّ الْمِثْلَ هَاهُنَا صِفَةٌ لِلْمَقْتُولِ فَكَأَنَّهُ قَالَ فَجَزَاءٌ مِثْلُ هَذَا الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ بِمَعْنَى قَصْرِ جَزَاءِ مِثْلِ هَذَا الْمَقْتُولِ عَلَى النَّعَمِ عَلَى وَجْهِ الْهَدْيِ وَلَوْ كَانَ الْمِثْلُ مُتَعَلِّقًا بِالنَّعَمِ لَقَالَ فَجَزَاؤُهُ مِثْلُهُ مِنْ النَّعَمِ أَوْ مِثْلُ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ فَهَذَا الظَّاهِرُ لِلَّفْظِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ إجْمَاعٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ مِمَّا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ الظَّاهِرِ وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ مِنْ النَّعَمِ وَالْمُثْلَى عَائِدًا إلَى الْمَقْتُولِ مِنْ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَيْهِ كَانَ نَصًّا فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ النَّعَمِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَعْنَى الْمِثْلِ الْقِيمَةُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَرَ الْجَزَاءَ عَلَى النَّعَمِ وَلَمْ يَصْرِفْهُ إلَى قِيمَةٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ إلَّا إلَى النَّعَمِ خَاصَّةً وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الضَّبُعِ فَقَالَ: هِيَ صَيْدٌ وَجَعَلَ فِيهَا كَبْشًا» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ فِي الضَّبُعِ كَبْشًا وَأَبُو حَنِيفَةَ يَجْعَلُ فِيهَا الْقِيمَةَ، وَدَلِيلُنَا أَيْضًا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ قَضَى وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِي النَّعَامَةِ بِبَدَنَةٍ مِنْ الْإِبِلِ، وَهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ وَالْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ قَضَوْا بِذَلِكَ فِي آفَاقٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَزْمَانٍ مُفْتَرِقَةٍ تَخْتَلِفُ فِيهَا الْقِيَمُ مَعَ عِلْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ قِيمَةَ الْبَدَنَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ النَّعَامَةِ وَشَاعَتْ قَضَايَاهُمْ بِذَلِكَ فِي الْآفَاقِ وَالْأَمْصَارِ فَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَلَا مُنْكِرٌ لِحُكْمِهِمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ: أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ التَّكْفِيرِ فَلَمْ يَخْرُجْ بِالْقِيمَةِ كَالرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِثْلُ الصَّيْدِ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ وَفِي الْفِيلِ بَدَنَةٌ وَفِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَحِمَارِ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الضَّبُعِ شَاةٌ وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَهُ مِنْ الصَّغِيرِ هَدْيٌ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الضَّبِّ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَاةٌ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ قِيمَتُهُ طَعَامٌ أَوْ صِيَامٌ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّ مِثْلَ الثَّعْلَبِ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ شَاةٌ وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يَقْتَضِي إلَّا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَأَنَّ فِيهِ الْإِطْعَامَ وَأَمَّا الْأَرْنَبُ وَالْيَرْبُوعُ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْزٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يُحْكَمُ فِيهِمَا بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُمَا فِي الْخِلْقَةِ يُرِيدُ مِنْ النَّعَمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الصَّيْدِ كُلِّهِ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيهِ شَاةٌ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَتَادَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ فِيهَا إلَّا قِيمَتُهَا وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَهُ مَالِكٌ أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ حَكَمَ بِهِ عُمَرُ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ عُمَرَ فِي الْمَوَاسِمِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا خَالَفَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الشَّاةَ فِي الْحَمَامَةِ لَيْسَتْ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ وَلَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّغْلِيظِ لِحُرْمَةِ مَكَّةَ فَأُلْحِقَتْ بِمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ فِي الْهَدْيِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ شَاةٌ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا حَمَامُ الْحِلِّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ الطَّيْرِ يُضْمَنُ بِقِيمَتِهِ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي حَمَامِ الْحِلِّ شَاةٌ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَلَا لَهُ حُرْمَةُ الِاخْتِصَاصِ بِالْبَيْتِ أَوْ بِالْحَرَمِ فَلَمْ تَجِبْ فِيهِ شَاةٌ كَالْعُصْفُورِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي حَمَامِ الْحَرَمِ فَقَالَ مَالِكٌ فِيهِ شَاةٌ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهِ حُكُومَةٌ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا حَمَامٌ مُتَحَرِّمٌ بِالْحَرَمِ فَكَانَتْ فِيهِ شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا حَمَامٌ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ كَحَمَامِ الْحِلِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَارِي الْحَرَمِ وَيَمَامُهُ عِنْدَ أَصْبَغَ بِمَنْزِلَةِ حَمَامِ الْحَرَمِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِالْحَمَامِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ هَذِهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحَمَامِ فَكَانَ فِيهَا شَاةٌ كَالْحَمَامِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ
стр. 618
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الِاخْتِصَاصَ بِالْبَيْتِ وَالتَّحْرِيمَ بِهِ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الْحَمَامِ دُونَ غَيْرِهِ وَبِذَلِكَ مَضَى حُكْمُ السَّلَفِ لِتَخَصُّصِهَا بِذَلِكَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) يَجِبُ فِي صِغَارِ الصَّيْدِ مَا يَجِبُ فِي كِبَارِهِ وَفِي مَعِيبِهِ مَا يَجِبُ فِي سَلِيمِهِ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تَجِبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقِيمَةُ عَلَى أَصْلِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِي فَرْخِ النَّعَامَةِ فَصِيلٌ وَفِي وَلَدِ بَقَرَةِ الْوَحْشِ عِجْلٌ وَفِي وَلَدِ الظَّبْيِ سَخْلَةٌ وَفِي الْمَعِيبِ مِنْ الْوَحْشِ مَعِيبٌ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ الدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا دُونَ مَا لَا يُجْزَى فِيهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مُخْرَجٌ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ سِنِّ الْمُتْلِفِ أَصْلُ ذَلِكَ الرَّقَبَةُ.
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْجَزَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حُكْمِ ذَوِي الْعَدْلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَ الْجَزَاءَ بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فَكَانَ شَرْطًا فِيهِ كَتَقْيِيدِ الصِّفَاتِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدٌ الْجَزَاءَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَعَلَيْهِ إعَادَتُهُ بِالْحُكْمِ إلَّا حَمَامَ مَكَّةَ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى حَكَمَيْنِ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ جَزَاءِ حَمَامِ مَكَّةَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لَهَا مِنْ جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ فَلَوْ اجْتَهَدَ حَكَمَانِ فِي ذَلِكَ لَمَا جَازَ أَنْ يُؤَدِّيَهُمَا اجْتِهَادُهُمَا فِي الْحُكْمِ إلَّا إلَى الشَّاةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا الْحَكَمَانِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مُحْتَاجٌ فِيهِ إلَى حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ بِتَحْقِيقِ مِثْلِ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى الْحَكَمَيْنِ لِانْحِتَامِ جِنْسِ الْجَزَاءِ أَمْ لَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: إنَّهُ إذَا حَكَمَ الْحَكَمَانِ انْحَتَمَ عَلَيْهِ مَا حَكَمَا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي زَاهِيهِ لَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُنْفِذَا عَلَيْهِ الْحُكْمَ فَإِذَا أَنْفَذَاهُ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَنْهُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُمَا إنْ حَكَمَا عَلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ بِالْهَدْيِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ بِحُكْمِهِمَا أَوْ بِحُكْمِ غَيْرِهِمَا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَنْحَتِمَ مَا حَكَمَا بِهِ مِنْ الْإِصَابَةِ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ لَمَّا كَانَ مُخَيَّرًا فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُمَا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمِقْدَارِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ مِثْلِ الصَّيْدِ أَوْ قَدْرِ الطَّعَامِ أَوْ الصِّيَامِ فَإِذَا قَدَّرَ الصَّيْدَ بِمِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمِثْلُ الَّذِي حَكَمَا بِهِ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى مَا يَخْتَارُهُ مِنْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ فَحُكْمُ حَكَمَيْنِ فِي تَقْدِيرِهِ بِالِاخْتِيَارِ لَهُ بَعْدَ الْحُكْمِ كَالِاخْتِيَارِ لَهُ قَبْلَ الْحُكْمِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ فِيهِ الْعَدَدَ كَمَا شَرَطَ الْعَدَالَةَ وَكَمَا شَرَطَ الْعَدَدَ فِي الشُّهُودِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] ، وَالْحَاكِمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَحْكُمُ بِهِ عَدْلٌ مِنْكُمْ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَحْكُمُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ قَبِلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْتُمْ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَقِلُّ مِنْ وَلَا يَتَقَدَّرُ مَحْذُوفٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ فَتُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى كُلِّ عَدْلٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ، وَالْقَاتِلُ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَحْكُمَ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: اُحْكُمْ عَلَى نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْكَ الْحَاكِمُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ مُخَاطَبَةَ الْبَارِي الْمُؤْمِنِينَ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ الْحُكَّامِ فِي ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ وَالْمَشْهُودُ لَهُ مِنْهُمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّهِيدَيْنِ، وَقَوْلُهُمْ إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَحْكُمُ عَلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ الْقَهْرُ لَهُ وَالْغَلَبَةُ وَالرَّدُّ عَنْ الْبَاطِلِ إلَى الْحَقِّ وَهَذَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يَأْمُرَهَا وَيَنْهَاهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْحَكَمَيْنِ
стр. 619
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَأَمَّا قَوْلُ النَّاسِ: اُحْكُمْ عَلَى نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْكَ الْحَاكِمُ فَمِنْ كَلَامِ السُّوقَةِ وَمَنْ لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ قَدْ نَطَقَتْ بِهِ الْعَرَبُ لَكَانَ مَعْنَاهُ اُخْرُجْ عَنْ الْحَقِّ وَأَدِّهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْحُكْمِ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِهِ عَلَيْكَ وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ
ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمٌ
وَإِنْ كُنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْهَى نَفْسَهُ وَلَا يَأْمُرُهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ فِي اللُّغَةِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ اخْتَلَفَ الْحَكَمَانِ فِي الْحُكْمِ اسْتَأْنَفَ الْحُكْمَ غَيْرُهُمَا وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] فَإِذَا أَخَذَ بِقَوْلِ أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِهِ حَكَمٌ وَاحِدٌ.
(فَصْلٌ) :
وقَوْله تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنْ يَكُونَ مَا يَخْرُجُ مِنْ النَّعَمِ جَزَاءً عَنْ الصَّيْدِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُهْدَى وَهُوَ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ وَإِنْ أَخْرَجَ مَا دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُجِزْهُ فِي لَحْمِهِ شِبَعُ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْقِيمَةِ وَالشَّافِعِيُّ عَلَى وَجْهِ الْمِثْلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَنَصَّ تَعَالَى عَلَى أَنَّ الَّذِي أَمَرَ بِهِ مِنْ النَّعَمِ يَكُونُ هَدْيًا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيِّ مِنْ غَيْرِهِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِصِفَةِ الْهَدْيِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا قَصَرَ سِنُّهُ عَنْ سِنِّ الْهَدْيِ أَصْلُ ذَلِكَ هَدْيُ التَّمَتُّعِ.
١ -
(فَصْلٌ) وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ أَوْ فَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْآيَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَقَاتِلُ الصَّيْدِ خُيِّرَ بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ فَأَيُّهُمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ يَحْكُمُ بِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَأَصْحَابُهُ يُنْكِرُونَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ لَفْظُ الْآيَةِ فَإِنَّهُ وَرَدَ بِلَفْظِ أَوْ وَظَاهِرُهَا التَّخْيِيرُ مَعَ أَنَّ أَوْ لَا تَحْتَمِلُ التَّرْتِيبَ، وَإِنْ احْتَمَلَتْ غَيْرَ التَّخْيِيرِ مِنْ الْمَعَانِي وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ كَفَّارَةٌ فِي الْحَجِّ لِلطَّعَامِ فِيهَا مَدْخَلٌ وَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ كَفِدْيَةِ الْأَذَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْمِثْلِ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ وَإِنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ فِيمَا لَهُ مِثْلٌ أَوْ فِيمَا لَا مِثْلَ لَهُ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الصَّيْدُ نَفْسُهُ بِالطَّعَامِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْمِثْلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّنَا إذَا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الصَّيْدِ وَمِثْلِهِ فَاعْتِبَارُ الصَّيْدِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ الْمُتْلَفُ وَبِسَبَبِهِ وَجَبَ الْجَزَاءُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي الطَّعَامِ مَعْنًى يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْمَسَاكِينِ بِسَبَبِ الصَّيْدِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِالصَّيْدِ كَالْمِثْلِ مِنْ النَّعَمِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَتَقْوِيمُ الصَّيْدِ نَفْسِهِ بِالطَّعَامِ هُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ هُوَ الْمَأْخُوذُ، وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمَأْخُوذَةُ فَإِنْ قُوِّمَ الصَّيْدُ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ بِالطَّعَامِ جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ لَا سِيَّمَا، وَالتَّقْوِيمُ غَالِبًا إنَّمَا يَكُونُ بِالدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ لَكِنْ فِي ذَلِكَ تَطْوِيلٌ وَتَكْرَارُ اجْتِهَادٍ وَتَقْوِيمٌ يَكْثُرُ مَعَهُ السَّهْوُ وَتَقْلِيلُ مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ أَوْلَى وَأَبْعَدُ مِنْ السَّهْوِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ تَقْوِيمِ الْمِثْلِ بِالطَّعَامِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ جُمْلَةٌ لِتَكَرُّرِ مَوَاضِعِ الِاجْتِهَادِ وَتَطْوِيلِ طُرُقِ النَّظَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ أُصُولُ الْأَثْمَانِ، وَقِيَمُ الْمُتْلَفَاتِ وَقَدْ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ بِالطَّعَامِ إذَا كَانَ الصَّيْدُ لَا تُعْرَفُ
стр. 620
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَصِيدُ الصَّيْدَ وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ يَقْتُلُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَبْتَاعُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ يَقْتُلُهُ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ)
ــ
[المنتقى]
قِيمَتُهُ بِالطَّعَامِ وَلَا جَرَتْ عَادَةٌ بِشِرَاءِ مِثْلِهِ بِالطَّعَامِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَى بِالدَّرَاهِمِ فَيُتَوَصَّلُ بِمَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ إلَى مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ مِنْ الطَّعَامِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمِثْلُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ لِلتَّقْوِيمِ وَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَى تَحْقِيقِهِ فَإِذَا كَثُرَتْ بِهِ مَوَاضِعُ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ غَيْرُ الْخَطَأِ فِيهِ، وَالْعُدُولُ عَنْ وَجْهِ الصَّوَابِ فِي تَقْوِيمِ مَا يُرَادُ تَقْوِيمُهُ بِهِ مَعَ أَنَّ تَقْوِيمَ الصَّيْدِ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ تَقْوِيمُ الدَّرَاهِمِ بِالطَّعَامِ لَا يُخَالِفُ تَقْوِيمَ الصَّيْدِ بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ فِي الْوَجْهَيْنِ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ تَقْوِيمُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَشُكُّ أَنَّ قِيمَةَ الْفِدْيَةِ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَةِ النَّعَامَةِ بِكَثِيرٍ فَإِذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِإِخْرَاجِ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ النَّعَامَةِ بِكَثِيرٍ فَلِذَلِكَ افْتَرَقَا.
[وَفِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّقْوِيمِ]
وَفِي تَقْوِيمِ الصَّيْدِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ التَّقْوِيمِ) .
وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ يَحْيَى يَنْظُرُ كَمْ يُشْبِعُ الصَّيْدُ مِنْ نَفْسٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ قَدْرَ شِبَعِهِمْ طَعَامًا وَبِمِثْلِ هَذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَالِمٌ وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَنْظُرُ إلَى مَا يُسَاوِي مِنْ الطَّعَامِ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَجْهُ قَوْلِ يَحْيَى أَنَّ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاعْتِبَارُ بِمِقْدَارِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْدَمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَلَوْ رَاعَيْنَا الْقِيمَةَ لَأَعْدَمْنَا دَمَ كَثِيرٍ مِنْ الْحَيَوَانِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الْحَيَوَانَ كُلَّهُ تُرَاعَى قِيمَتُهُ عَلَى حَسَبِ مَا هُوَ حِينَ إتْلَافِهِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ بِالشِّبَعِ مِنْهُ لَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ قِيمَةِ جِلْدِهِ وَلَا اعْتَبَرْنَا فِي قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حِينَ إتْلَافِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّهُ يُقَوَّمُ حَيًّا وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَتْلَفَهُ عَلَيْهَا وَإِنْ قُلْنَا بِرِوَايَةِ يَحْيَى فِي مُرَاعَاةِ الشِّبَعِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ حَيًّا وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِقْدَارُ لَحْمِهِ بَعْدَ ذَبْحِهِ وَكَمْ عَدَدُ مَنْ شَبِعَ مِنْ لَحْمِهِ.
(فَرْعٌ) وَلَا تُعْتَبَرُ فَرَاهِيَةُ الصَّيْدِ وَلَا جَمَالُهُ وَالْفَارِهُ وَغَيْرُ الْفَارِهِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْمِثْلَ مِنْ جِهَةِ الْآحَادِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يُخْرِجَ عَنْ صَغِيرِ النَّعَمِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى مِقْدَارِهَا مِنْ الْبَدَنَةِ وَالْفَصِيلِ، وَذَلِكَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْمُمَاثَلَةُ مِنْ جِهَةِ الْجِنْسِ وَالْخَلَفِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَوْضِعِ التَّقْوِيمِ] ١
الَّذِي قَالَهُ جَمَاعَةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ تُرَاعَى قِيمَتُهُ حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ إنْ كَانَ لَهُ هُنَاكَ قِيمَةٌ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ هُنَاكَ قِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ وَلَا مَقَامٍ وَلِأَنَّهُ أَنِيسٌ اُنْتُقِلَ إلَى أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ مِمَّا يُمْكِنُ التَّقْوِيمُ فِيهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قِيمَتَهُ إنَّمَا هُوَ تَرْتِيبٌ عَلَيْهِ هُنَاكَ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ، وَيَجِبُ أَنْ يُرَاعَى أَيْضًا ذَلِكَ الْوَقْتُ وَذَلِكَ الْإِبَّانُ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ وَهَذَا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ يَحْيَى فَلَا يُرَاعَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا يُرَاعَى الشِّبَعُ خَاصَّةً مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الصَّيْدِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَوْضِعِ إخْرَاجِ الْجَزَاءِ] ١
وَذَلِكَ أَنَّهُ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ إنْ كَانَ فِيهِ مَنْ يَقْبَلُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَنْ يَقْبَلُهُ فَفِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ إلَيْهِ يَكُونُ فِيهِ مَنْ يَقْبَلُهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ الْقِيمَةَ إذَا رُوعِيَ فِيهَا سِعْرُ الْبَلَدِ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ بِهِ وَإِلَّا كَانَ فِي ذَلِكَ إسْقَاطُ بَعْضِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْ يُقَوَّمَ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِ غَلَاءِ السِّعْرِ فَيُخْرِجُهُ فِي مَوْضِعِ رُخْصِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَخْرَجَهُ بِمَوْضِعٍ آخَرَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي الْمَدِينَةِ وَيُطْعِمُ بِمِصْرَ إنْكَارًا لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِهِ وَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ يُجْزِئُهُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ وَغَيْرُهُمَا يُجْزِئُهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ مَبْنِيٌّ عِنْدِي عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ نَفْسَهُ يُقَوَّمُ بِالطَّعَامِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ يُقَوَّمُ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ تُقَوَّمُ الدَّرَاهِمُ بِالطَّعَامِ
стр. 621
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ قَالَ مَالِكٌ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يُقَوَّمَ الصَّيْدُ الَّذِي أَصَابَ فَيُنْظَرَ كَمْ ثَمَنُهُ مِنْ الطَّعَامِ فَيُطْعِمُ كُلَّ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَنْ يُجِيزُ ذَلِكَ فَإِنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافًا رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَةَ الطَّعَامِ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا حَيْثُ يُرِيدُ إخْرَاجَهُ سَوَاءٌ كَانَ أَرْخَصَ طَعَامًا مِنْ بَلَدٍ أَصَابَهُ أَوْ أَغْلَى وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ أَخْرَجَ الْجَزَاءَ عَلَى سِعْرِهِ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ حَيْثُ كَانَ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ أَصَابَ الصَّيْدَ بِمِصْرَ فَأَخْرَجَ الطَّعَامَ بِالْمَدِينَةِ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ سِعْرَهَا أَغْلَى وَإِنْ أَصَابَ الصَّيْدَ بِالْمَدِينَةِ وَأَخْرَجَ الطَّعَامَ بِمِصْرَ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ سِعْرَاهُمَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ كَانَ الطَّعَامُ بِبَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَرْخَصَ اشْتَرَى بِثَمَنِ الطَّعَامِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِبَلَدِ الصَّيْدِ طَعَامًا فَأَخْرَجَهُ فَإِنْ كَانَ بِبَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَغْلَى أَخْرَجَ الْمَكِيلَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْرُبُ ظَاهِرُهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَهُوَ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَحْوَطُ الْأَقْوَالِ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ إخْرَاجَهُ بِغَيْرِ بَلَدِ إصَابَةِ الصَّيْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) وَيُفَرِّقُ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ مُدًّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ شُيُوخِنَا إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا كَفَّارَةٌ، وَالْكَفَّارَةُ الْإِطْعَامُ فِيهَا مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وَهَذَا يُنْتَقَضُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ شُيُوخِنَا إنَّ مُدَّ هِشَامٍ مِنْ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَيَتَحَرَّرُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ إطْعَامٌ فِي كَفَّارَةٍ لَا يَجِبُ فِيهَا تَرْتِيبٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِعَدَمِهِ أَذًى فَأَشْبَهَ الْإِطْعَامَ فِي كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا أَوْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ فِي الطَّعَامِ كَسْرُ مُدٍّ فَإِنَّهُ يُعْطِي لِمِسْكِينٍ وَلَا يَلْزَمُ جَبْرُهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِطْعَامَ إنَّمَا كَانَ بِالْقِيمَةِ وَقَدْ اُسْتُوْفِيَتْ الْقِيمَةُ بِالْإِخْرَاجِ وَلَوْ قِيلَ فِيهِ: يَلْزَمُهُ جَبْرُهُ لَمْ يَبْعُدْ عِنْدِي؛ لِأَنَّ مَا يُدْفَعُ مِنْ الْكَفَّارَاتِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِقْدَارٌ لَا يَتَبَعَّضُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَعْطَى مِسْكِينَيْنِ مُدًّا بَيْنَهُمَا لَمْ يُجْزِهِ حَتَّى يَجْبُرَ مَا يُعْطِي أَحَدَهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ اخْتَارَ الصَّوْمَ صَامَ عَنْ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى سُنَّةِ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ اعْتِبَارَ الصَّوْمِ بِالْإِطْعَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صِفَةِ الِاعْتِبَارِ وَمِقْدَارِ مَا يُقَابِلُ الْيَوْمَ مِنْ الْإِطْعَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الصَّيْدِ مِنْ الطَّعَامِ كَسْرُ مُدٍّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُصَامُ يَوْمٌ كَامِلٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ إسْقَاطُ كَسْرِ الْمُدِّ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ إلْقَاؤُهُ وَتَبْعِيضُ الْيَوْمِ لَا يُمْكِنُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا جَبْرُهُ كَالْأَيْمَانِ فِي الْقَسَامَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَتَبَعَّضُ الْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ بِأَنْ يُطْعِمَ عَنْ بَعْضِ الْكَفَّارَةِ وَيَصُومَ عَنْ بَعْضٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْ جَمِيعِهَا أَوْ يَصُومُ عَنْ جَمِيعِهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا كَفَّارَةُ شَرْعٍ فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا التَّبْعِيضُ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الَّذِي يَصِيدُ الصَّيْدَ وَهُوَ حَلَالٌ ثُمَّ يَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ يُحْرِمَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَبْتَاعُهُ فِي حَالِ إحْرَامِهِ فَيَقْتُلُهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُحْرِمُ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ صَادَهُ وَهُوَ حَلَالٌ قَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي اسْتِدَامَةِ إمْسَاكِهِ فَجَوَّزَهُ أَشْهَبُ وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعِ الْقَتْلِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ لِأَجْلِ إحْرَامِهِ فَقَتَلَهُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ فِي حَالِ إحْرَامِهِ وَتِلْكَ الصِّفَةُ الَّتِي تَنَاوَلَهَا النَّهْيُ عَلَى مَا وَرَدَتْ فِيهِ الْآيَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 622
مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا وَيَنْظُرُ كَمْ عَدَدِ الْمَسَاكِينِ فَإِنْ كَانُوا عَشَرَةً صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَإِنْ كَانُوا عِشْرِينَ مِسْكِينًا صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا عَدَدَهُمْ مَا كَانُوا وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَصَابَ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حُكِمَ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّ الْحُكْمَ شَرْطٌ فِي إخْرَاجِ الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ مَا أَلْزَمَهُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِذَلِكَ فَقَالَ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَجَعَلَ لِذَلِكَ شُرُوطًا مِنْهَا:
أَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ النَّعَمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ بِصِفَةِ الْهَدْيِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يَبْلُغَ الْكَعْبَةَ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَيَّرَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ إلَّا فِي صِفَةِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ الطَّعَامُ وَلَا الصِّيَامُ مِنْ النَّعَمِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُهْدِيَ وَلَا يُسَاقَ إلَى الْكَعْبَةِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ فَكَانَ الْحُكْمُ شَرْطًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَصِفَةُ مَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ فِيمَا مِثْلُهُ الْهَدْيُ مِنْ النَّعَمِ حُكْمًا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَإِنْ أَخْرَجَا فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا لَزِمَهُ وَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ عَنْهُ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِهِ وَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ بِحُكْمٍ مُسْتَأْنَفٍ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ الَّذِي أَصَابَ فَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُهُ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى مَا يُقَوَّمُ مِنْ أَنَّ الصَّيْدَ يُقَوَّمُ بِالطَّعَامِ فَيَنْظُرُ ذَلِكَ الْمِقْدَارَ فَيُطْعِمُ مِنْهُ إنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْإِطْعَامِ كَانَ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا أَوْ يَصُومَ مَكَانَهُ يَوْمًا دُونَ حُكْمٍ وَعَلَى هَذَا إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْحُكْمِ فِي إخْرَاجِ الْمِثْلِ أَوْ إخْرَاجِ الطَّعَامِ فَأَمَّا التَّخْيِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصِّيَامِ وَالتَّكْفِيرِ بَدَلًا مِنْ الطَّعَامِ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى حُكْمٍ وَلِذَلِكَ وَجْهٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِالطَّعَامِ تَقْدِيرًا بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَمَّا إطْعَامُ الْمِثْلِ فَيَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ وَاعْتِبَارٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَحَتَّمُ بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ وَلَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ عَمَّا حَكَمَا بِهِ فَإِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدِي أَنْ يُخْبِرَاهُ بِمَا يَحْكُمَانِ عَلَيْهِ مِنْ الْهَدْيِ وَمِنْ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ، ثُمَّ يُخَيِّرَانِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدَ ذَلِكَ حَكَمَا بِهِ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِحُكْمِهِمَا وَإِنَّ لَهُ الِانْتِقَالَ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُخَيِّرَاهُ فَإِنْ اخْتَارَ أَحَدٌ مَا يُكَفِّرُ بِهِ حَكَمَا عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا يَرَيَانِهِ مِنْ ذَلِكَ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا حُكْمُهُمَا لَازِمٌ فَاَلَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّهُ إذَا حَكَمَا عَلَيْهِ بِمَا حَكَمَا فَلَيْسَ لَهُ الِانْتِقَالُ وَلَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ حُكْمَهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ لَازِمٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ إنْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْهَدْيِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ لَزِمَ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِالْإِطْعَامِ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ فِي الْهَدْيِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ إلَى هَدْيٍ وَإِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ مِنْ إطْعَامٍ إلَى صِيَامٍ فَعَلَى ظَاهِرِ لَفْظِ الْمُوَطَّأِ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ حُكْمٍ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَ الصِّيَامِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ مِنْ الطَّعَامِ فَقَدْ تَقَرَّرَ بِالشَّرْعِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي اسْتِئْنَافُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْكُوفِيِّينَ يَقُولُ: إنَّهُ يُصَامُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمٌ فَيَحْتَاجُ إلَى اجْتِهَادٍ وَحُكْمٍ يَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَلَعَلَّ اللَّفْظَ أُطْلِقَ وَالْمُرَادُ إعَادَةُ الْحُكْمِ فِي الصِّيَامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ بِالْمِثْلِ نَظَرَا إلَى مِثْلِهِ مِنْ النَّعَمِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَيَحْكُمُ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ بِالطَّعَامِ قَدَّرَ مِقْدَارَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنْ أَرَادَ الْحُكْمَ بِالصِّيَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الطَّعَامِ إنْ أَرَادَ التَّكْفِيرَ بِهِ وَبِذَلِكَ يَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الصِّيَامِ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ عَدْلُ الطَّعَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ الطَّعَامِ لِيَصِحَّ أَنْ يُعَادَلَ بِالصَّوْمِ.
١ -
стр. 623
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ سَمِعْت أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ حَلَالٌ بِمِثْلِ مَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ) .
مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» )
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ مِسْكِينًا يُرِيدُ أَنَّ الْإِطْعَامَ وَالصِّيَامَ جَزَاءُ الصَّيْدِ كَمَا يَتَقَدَّرُ بِعَدَدٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ كَمَا تَتَقَرَّرُ سَائِرُ الْكَفَّارَاتِ كَانَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَإِنْ كَانَ كَفَّارَةً فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِقَدْرِ الصَّيْدِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ بَالِغًا مَا بَلَغَ.
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْقَاتِلِ الْمُحْرِمِ وَالْقَاتِلِ الْحَلَالِ سَوَاءٌ لَا يُزَادُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِسَبَبِ إحْرَامِهِ وَهُوَ أَيْضًا مِثْلُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ إنَّمَا أَصَابَ مِنْ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ وَالْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِإِصَابَةِ الصَّيْدِ فِي الْحِلِّ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِذَا تَدَاخَلَتْ الْحُرْمَتَانِ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي زِيَادَةِ الْجَزَاءِ كَإِحْرَامِ الْقَارِنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
[مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ» اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ إلَّا أَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ فِي نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ عَلَى أَصْلِهَا مَعَ الْقَرَائِنِ الَّتِي يَتَبَيَّنُ الْمُرَادُ بِهَا وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُوقَعَ عَلَيْهَا اسْمُ الدَّوَابِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ» يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّ الْجُنَاحَ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى الْإِثْمِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا إثْمَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ فَإِذَا أُبِيحَ قَتْلُهَا فَلَا مَعْنَى لِلْكَفَّارَةِ وَالْجَزَاءِ بِقَتْلِهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُبَاحِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِهِ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شُيُوخُنَا الْمَالِكِيُّونَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ مَا يَبْتَدِئُ بِالضَّرَرِ غَالِبًا فَإِنَّ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَهُ ابْتِدَاءً فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْخَمْسُ الدَّوَابُّ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا جَامِعَةٌ لِأَنْوَاعِ ذَلِكَ وَهِيَ الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَهُوَ كُلُّ مَا يَعْدُو وَيَفْتَرِسُ وَيُخِيفُ الْإِنْسَانَ مِنْ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ وَغَيْرِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ الطَّيْرِ مِنْهَا وَبَيْنَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ ابْتِدَاءً الذِّئْبَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَإِنْ قَتَلَ فَهْدًا أَوْ أَسَدًا أَوْ نَمِرًا أَوْ غَيْرَ مَا سَمَّيْنَاهُ مِنْ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَإِنْ عَدَتْ عَلَيْهِ فَقَتَلَهَا فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَهَذَا الِاسْمُ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَكُلِّ مَا يَعْقِرُ الْإِنْسَانَ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّكَلُّبِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وَالْعَقُورُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُقْرِ وَهَذِهِ الصِّفَةُ فِي الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ أَبْيَنُ وَأَثْبُتُ مِنْهُ فِي الذِّئْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكِلَابِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ أَنَّهُ قَالَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ هُوَ الْأَسَدُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَلْحَقُ الضَّرَرُ مِنْ جِهَتِهِ بِالْعُدْوَانِ وَالِافْتِرَاسِ غَالِبًا فَجَازَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْقَتْلِ كَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ كُلُّ حَيَوَانٍ يَحْرُمُ أَكْلُهُ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ إلَّا السَّبُعَ وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَأَمَّا الصَّيْدُ الَّذِي يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ فَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ صَيْدُهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] وَالصَّيْدُ اسْمٌ وَاقِعٌ عَلَى كُلِّ مُتَوَحِّشٍ يُصْطَادُ سَوَاءٌ كَانَ
стр. 624
(ص) (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» ) .
ــ
[المنتقى]
مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلِذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ اصْطَادَ فُلَانٌ سَبُعًا كَمَا يُقَالَ: اصْطَادَ ظَبْيًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: اصْطَادَ شَاةً وَلَا إنْسَانًا وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا وَحْشِيٌّ لَا يَبْتَدِئُ بِالضَّرَرِ غَالِبًا فَوَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مُحْرِمًا كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَنْوَاعَ الَّتِي يَخْتَصُّ بَعْضُهَا بِمَعَانٍ مِنْ الضَّرَرِ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا فَأَمَّا الْغُرَابُ وَالْحَدَأَةُ فَإِنَّ مَضَرَّتَهُمَا لَيْسَتْ بِأَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَقْتُلَا أَحَدًا فِي الْغَالِبِ وَلَكِنَّهُمَا يَكْثُرَانِ فِي الْغَالِبِ وَيَغْتَفِلَانِ النَّاسَ فَيَأْخُذَانِ الْأَزْوَادَ وَاللَّحْمَانِ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُمَا لِكَثْرَتِهِمَا وَدُنُوِّهِمَا مِنْ النَّاسِ، وَالْفَأْرَةُ تَخْتَصُّ بِقَرْضِ الثِّيَابِ وَالْمَزَاوِدِ وَإِفْسَادِ الطَّعَامِ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُمَا وَالْعَقْرَبُ تُؤْذِي بِاللَّدْغِ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لَا سِيَّمَا فِي حَالِ النَّوْمِ وَالِاضْطِجَاعِ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ يُؤْذِي بِالْعَقْرِ وَالْفَرْسِ وَالْإِجَاحَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُ إذَا عَدَا لَمْ يَكُنْ يُسْتَطَاعُ دَفْعُهُ فَأُبِيحَ لِلْمُحْرِمِ دَفْعُ ذَلِكَ بِاغْتِفَالِهِ وَطَلَبِ غُرَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَحَرِّزًا فَقَصَدَهُ لَمْ يَسْتَطِعْ فِي الْغَالِبِ دَفْعَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ نَصَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمَا، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُمَا فِي بَابِهِمَا وَهَذَا الْكَلَامُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي جِنْسِهِمَا مَا يَبْلُغُ ضَرَرَهُمَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ ضَرَرِهِمَا لَيْسَ لِشِدَّةٍ فِيهِمَا وَإِنَّمَا هُوَ لِكَثْرَتِهِمَا وَدُنُوِّهِمَا مِنْ النَّاسِ وَطَلَبِهِمَا الْغَفْلَةَ حَتَّى لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُمَا وَلَا الِانْفِصَالُ عَنْهُمَا بِقَتْلِهِمَا وَصَيْدِهِمَا وَأَمَّا الرَّخَمُ وَالْعِقْبَانُ فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ نَافِرَةٌ عَنْ النَّاسِ فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا مَا يَعْدُو فَهُوَ نَادِرٌ كَسَائِرِ الْحَيَوَانِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْفَأْرَةُ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّهُ ﷺ نَصَّ عَلَى الْفَأْرَةِ وَنَبَّهَ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا فِي جِنْسِهَا وَأَبْسَطُ حِيلَةً وَهَذَا أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ لَيْسَتْ تُؤْذِي بِقُوَّةٍ وَلَا بِمُغَالَبَةٍ وَإِنَّمَا تُؤْذِي بِاخْتِلَاسٍ وَمُدَاوَمَةٍ وَانْفِرَادٍ بِالْمَتَاعِ وَالزَّادِ وَلَا نَعْلَمُ مَا يُسَاوِيهَا فِي جِنْسِ إذَايَتِهَا فَكَيْفَ بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ كَلَامُهُ فِي الْعَقْرَبِ وَيُتَّجَهُ عَلَيْهِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ مَا تَقَدَّمَ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْكَلْبُ الْعَقُورُ فَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَيْضًا أَنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَنَبَّهَ عَلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فِي بَابِهِ وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ مَنْ قَالَ: إنَّ اسْمَ الْكَلْبِ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْكَلْبَ؛ فَلِذَا نَصَّ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ لِأَجْلِ إذَايَتِهِ وَلَمَّا كَانَ الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ مِنْ جِنْسِهِ وَأَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْهُ كَانَ فِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَيْهِمَا وَعَلَى مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ مِثْلِهِمَا وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّ اسْمَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ يَقَعُ عَلَى الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُهُمَا إبَاحَةُ قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ لَا مِنْ جِهَةِ التَّنْبِيهِ.
(ص) (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَتَلَهُنَّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ لَفْظَةُ «مُحْرِمٍ» أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِنُسُكٍ وَأَنْ يَكُونَ فِي الْحَرَمِ حَلَالًا؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» .
(ص) (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ الْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «خَمْسُ فَوَاسِقَ» الْفِسْقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخُرُوجُ يُقَالُ فَسَقَتْ الثَّمَرَةُ إذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرَتِهَا وَفَسَقَ الرَّجُلُ إذَا خَرَجَ عَمَّا أُمِرَ بِهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَقَوِيمِ الطَّرِيقَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنَّمَا سَمَّاهَا فَوَاسِقَ لِخُرُوجِهَا عَمَّا عَلَيْهِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ بِمَا فِيهَا مِنْ الضَّرَاوَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ
стр. 625
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي الْحَرَمِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ الَّذِي أُمِرَ بِقَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ إنَّ كُلَّ مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافَهُمْ مِثْلُ النَّمِرِ وَالْأَسَدِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ فَهُوَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ لَا يَعْدُو مِثْلُ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَالْهِرِّ وَمَا أَشْبَهَهُنَّ مِنْ السِّبَاعِ فَلَا يَقْتُلْهُنَّ الْمُحْرِمُ فَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ) .
ــ
[المنتقى]
الِاحْتِرَازُ مِنْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا وَلَا يَكَادُ أَنْ تُعَرَّى هِيَ عَنْهُ.
(ش) : أَمَرَ عُمَرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ فِي الْحَرَمِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ أَذَاهُنَّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ إلَّا بِابْتِدَائِهَا بِالْقَتْلِ وَلَوْ تُرِكَتْ إلَى أَنْ تَبْتَدِئَ هِيَ لَابْتَدَأَتْ بِهِ فِي وَقْتِ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ فَلَا يُمْكِنُ مُدَافَعَتُهَا مَعَ مَا طُبِعَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ الْأَذَى وَلَا تَنْصَرِفُ أَنْ لَا تَعْدُو وَهِيَ شَائِعَةٌ فِي جِنْسِهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ فِي غَارِ مِنًى بِقَتْلِ حَيَّةٍ» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْوَزَغُ فَهَلْ يَقْتُلُهَا الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَوْ تُرِكَتْ لَكَثُرَتْ وَغَلَبَتْ فَجَعَلَ مَالِكٌ ﵀ أَذَاهَا فِي كَثْرَتِهَا؛ لِأَنَّ لَهَا أَذًى بِإِفْسَادِ مَا تَدْخُلُ فِيهِ مَعَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهَا فَاسِقَةً غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ بِنُسُكٍ أَنْ يَقْتُلَهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ غَالِبًا إلَّا فِي الْبُيُوتِ وَحَيْثُ يَقْتُلُهُ وَيَدْفَعُ مَضَرَّتَهُ الْحَلَالُ وَمُدَّةُ الْإِحْرَامِ يَسِيرَةٌ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَأْرِ أَنَّ الْفَأْرَ أَكْثَرُ أَذًى وَتَسْلِيطًا وَأَسْرَعُ فِي الْفِرَارِ وَالْعَوْدَةِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ مَالِكٍ ﵀ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ فُوَيْسِقًا وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ» فَلَوْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ مِمَّنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَمْرَهُ بِقَتْلِ الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ وَلَمْ تَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ تَوَقَّفَ عَنْ قَتْلِهِ حَالَ الْإِحْرَامِ قَالَ مَالِكٌ وَسَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَحُمِلَ ذَلِكَ عَلَى حَالِ الْإِحْلَالِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِثْلَ شَحْمَةِ الْأَرْضِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ الضَّرَرِ ابْتِدَاءً وَيَضْعُفُ عَنْ التَّحَرُّزِ وَالْفِرَارِ وَلَا يَكْثُرُ فِي مَسَافَةِ الْإِحْرَامِ بَلْ لَا يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا مِمَّا يَحْمِلُ فِي مَتَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْهَوَامِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ ﵀ إنَّ كُلَّ مَا عَدَا عَلَى النَّاسِ مِنْ هَذِهِ السِّبَاعِ وَأَخَافَهُمْ وَجَرَتْ عَادَتُهُ بِذَلِكَ وَعُرِفَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِذَلِكَ فَإِنَّ اسْمَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ يَتَنَاوَلُهُ وَيَقَعُ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَإِذَا كَانَ الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ مِنْ جَمِيعِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ وَذَلِكَ الْكَلْبُ وَالذِّئْبُ وَاسْتُبِيحَ غَيْرُ الْكَلْبِ وَالذِّئْبِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ ذَلِكَ فَبِأَنْ يَسْتَبِيحَ قَتْلَ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ أَوْلَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فِي الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهَا وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الذِّئْبِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إبَاحَةَ ذَلِكَ وَمَنْعَهُ.
وَجْهُ إبَاحَةِ قَتْلِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَاسِ وَتَكَرُّرِ الضَّرَرِ وَالْأَذَى كَالْعَقْرَبِ وَالْحِدَأَةِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ يَتَنَاوَلُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ.
وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ غَالِبًا بِالْعَقْرِ وَالتَّفَرُّسِ وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ فِي النَّادِرِ أَوْ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِصِغَارِ الْمَوَاشِي فَأَشْبَهَ الضَّبُعَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا قَتْلُ صِغَارِ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفُهُودِ وَمَا يَجُوزُ قَتْلُ كِبَارِهَا فَهَلْ يُقْتَلُ ابْتِدَاءً أَمْ لَا رَوَى الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ جَوَازَ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَنْعَ ذَلِكَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ الْخَبَرِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ يَصِفُهُ بِالْعُقْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَقَرَ وَإِنَّمَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ بِجِنْسِهِ وَهُوَ صِفَةُ صِغَارِهِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى الضَّرَرِ فَلَمْ يَجُزْ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ كَالْهِرِّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قَتَلَهَا فَهَلْ يَفْدِيهَا أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا نَصَّ وَأُبِيحَ قَتْلُهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَتْلِهِ
стр. 626
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا مَا ضَرَّ مِنْ الطَّيْرِ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَقْتُلُهُ إلَّا مَا سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ فَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ الطَّيْرِ سِوَاهُمَا فَدَاهُ) .
ــ
[المنتقى]
لِصِغَرِهِ وَعَدَمِ أَذَاهُ فَإِذَا صِيدَ لَمْ تَجِبْ فِيهِ فِدْيَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ أَذَاهُ وَضَرَرَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إذَا كَبِرَ وَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِيمَا قُتِلَ مِنْهُ كَالْمَرِيضِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِقَتْلِهِ فِدْيَةٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا مَنْعٌ مِنْ قَتْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ الْآنَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالضَّرَرِ فَوَجَبَتْ فِيهِ الْفِدْيَةُ كَالضَّبُعِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ وَالْهِرُّ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ السِّبَاعِ فَلَا يَقْتُلُهُنَّ الْمُحْرِمُ فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْحَيَوَانِ الْمُسْتَوْحِشِ الَّذِي لَا يَبْدَأُ بِالضَّرَرِ غَالِبًا بَلْ يَفِرُّ مِنْ الْإِنْسَانِ إذَا رَآهُ وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: إنَّ الْهِرَّ الْوَحْشِيَّ سَبُعٌ عَادٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَبْدَأَهُ بِالْقَتْلِ وَمَا قُلْنَا أَبْيَنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ قِرْدًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَقْتُلُ خِنْزِيرًا وَحْشِيًّا وَلَا إنْسِيًّا وَلَا خِنْزِيرَ الْمَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَقْتُلُ الذِّئْبَ وَشِبْهَهُ مِنْ السِّبَاعِ الَّتِي لَا تُؤْذِي يُرِيدُ تَبْدَأُ بِالضَّرَرِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ قَتَلَهُ وَدَاهُ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ السِّبَاعِ الَّتِي لَا تَبْدَأُ بِالضَّرَرِ غَالِبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْدُو عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ قَتَلَ خِنْزِيرًا وَحْشِيًّا أَوْ إنْسِيًّا أَوْ خِنْزِيرَ الْمَاءِ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ قَتَلَ الذِّئْبَ: عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مَا لَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ فَإِنَّ قَتْلَهُ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ إلَّا السَّبُعَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَقْتُلُ ابْتِدَاءً مِنْ الطَّيْرِ إلَّا الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَامٌّ فِي الطَّيْرِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ، ثُمَّ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الْجُمْلَةِ الْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ فَبَقِيَ بَاقِي الطَّيْرِ عَلَى الْحَظْرِ وَأَيْضًا فَإِنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَضَرَّتَهُمَا الَّتِي أَبَاحَتْ قَتْلَهُمَا لَا يُشَارِكُهُمَا فِي إبَاحَةِ الْقَتْلِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إبَاحَةِ قَتْلِهِمَا ابْتِدَاءً فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ مَا أَثْبَتَهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ مَنْعَ ذَلِكَ لِلْمُحْرِمِ وَفِي الْحَرَمِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا مِنْ الْفَوَاسِقِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِإِبَاحَةِ قَتْلِهَا كَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّهُمَا مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَلَمْ تَبْدَأْ بِالْقَتْلِ كَالْعِقْبَانِ وَالنُّسُورِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِمُوَافَقَةِ ظَاهِرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِغَارُ الْغِرْبَانِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُودِيهَا إنْ قَتَلَهَا إذَا كَانَتْ صِغَارًا لَا حَرَكَةَ فِيهَا وَلَمْ أَرَ فِيهَا خِلَافًا بَيْنَنَا لِأَصْحَابِنَا وَأَمَّا وُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ رَأَى الْفِدْيَةَ بِقَتْلِ كِبَارِهَا فَبَيِّنٌ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ لَمْ يَرَ الْفِدْيَةَ بِقَتْلِ كِبَارِهَا فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَوْلَيْنِ إنْ قُلْنَا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا جَزَاءَ بِقَتْلِ صِغَارِهَا وَتَعْلِيلُنَا ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يُخَافُ الْآنَ مِنْهَا الضَّرَرُ فَلِذَلِكَ مُنِعَ قَتْلُهَا وَأَنَّهُ مِمَّا يُخَافُ ضَرَرُهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَلَا جَزَاءَ عَلَى قَاتِلِهَا فَلَا فِدْيَةَ عَلَى هَذَا فِي صِغَارِ الْغِرْبَانِ وَالْحِدَإِ وَإِنْ عَلَّلْنَا لِذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى ابْتِدَاءُ ضَرَرِهِ الْيَوْمَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ فَإِنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِقَتْلِ صِغَارِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ لَا فِدْيَةَ فِي قَتْلِهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا فِدْيَةَ فِي قَتْلِ صِغَارِ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْ الطَّيْرِ غَيْرَهُمَا وَدَاهُ يُرِيدُ إنْ قَتَلَ غَيْرَ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ أَوْ غَيْرِ سِبَاعِهَا وَدَاهُ وَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهَا ابْتِدَاءً وَمَنْ قَتَلَهَا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ فَإِنْ ابْتَدَأَتْ بِالضَّرَرِ فَلَا جَزَاءَ عَلَى قَاتِلِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيمَنْ عَدَتْ عَلَيْهِ سِبَاعُ الطَّيْرِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْوَحْشِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ فِي الطَّيْرِ الْفِدْيَةُ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ بِالضَّرَرِ وَقَالَ أَصْبَغُ مَنْ عَدَا عَلَيْهِ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَقَتَلَهُ وَدَاهُ بِشَاةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا مِنْ أَصْبَغَ غَلَطَ وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَبْسُوطِ
стр. 627
مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ أَنَّهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ فِي طِينٍ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مُحْرِمٌ قَالَ مَالِكٌ وَأَنَا أَكْرَهُهُ) .
ــ
[المنتقى]
بِأَنَّ الْإِنْسَانَ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْ الصَّيْدِ وَإِنْ قَتَلَهُ الْإِنْسَانُ دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ]
(ش) : قَوْلُهُ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُقَرِّدُ بَعِيرًا لَهُ فِي طِينٍ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُزِيلُ عَنْهُ الْقُرَادَ وَيُلْقِيهَا فِي الطِّينِ فِي حَالِ إحْرَامِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَأَجَازَهُ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَكَرِهَهُ ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَنْعُ قَتْلِ الْقَمْلِ وَإِلْقَائِهَا عَنْ الْجَسَدِ فَنَقُولُ إنَّ هَذَا حَيَوَانٌ يَتَوَلَّدُ فِي جَسَدِهِ حَيَوَانٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحْرِمِ طَرْحُهُ عَمَّا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ الْأَجْسَامِ كَالْقَمْلِ مِنْ جَسَدِ الْإِنْسَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْهَوَامِّ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ إلَّا مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَيَلْزَمُ الْمُحْرِمَ الِامْتِنَاعُ مِنْ قَتْلِ الذُّبَابِ وَالنَّمْلِ وَالذَّرِّ وَالعظايا وَالْخَنَافِسِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالدُّودِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ، ثُمَّ أَبَاحَ لَهُ إزَالَتَهُ عَلَى أَنْ يَفْتَدِيَ» فَدَلَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ إزَالَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ وَهَذَا الِاسْمُ مِنْ غَيْرِ أَذًى.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْهَوَامَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٍ مِنْهُ يَخْتَصُّ بِالْأَجْسَامِ وَيَتَوَلَّدُ فِيهَا وَيَعِيشُ مِنْهَا مَعَ السَّلَامَةِ كَالْقُرَادِ فِي أَجْسَامِ الدَّوَابِّ وَالْقَمْلِ فِي أَجْسَامِ بَنِي آدَمَ وَضَرْبٍ لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ كَالنَّمْلِ وَالذَّرِّ وَالدُّودِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَالْبَقِّ فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ دَوَابِّ الْجَسَدِ فَلَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُزِيلُهُ عَنْ الْجَسَدِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إلَّا لِكَثْرَةِ أَذًى يَظْهَرُ فَيُمِيطُهُ عَنْهُ وَهَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَوْ إطْعَامٌ قَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ فِدْيَةُ أَذًى إذَا أَصَابَ الْكَثِيرَ مِنْهُ وَإِنْ أَصَابَ الْيَسِيرَ فَإِطْعَامُ شَيْءٍ مِنْ الطَّعَامِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ الْإِطْعَامُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ الْحَدِيثُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ احْلِقْ رَأْسَكَ وَانْسُكْ بِشَاةٍ أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ اطْعَمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ وَإِنْ كَانَ يَصِلُ إلَى إزَالَةِ الْهَوَامِّ بِالْغُسْلِ وَالْمُشْطِ لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الْهَوَامِّ هُوَ الْوَاجِبُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَتَلَ الْقَمْلَ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ فِدْيَةٌ غَيْرُ يَسِيرِ الطَّعَامِ أَصْلُ ذَلِكَ قَتْلُ الْيَسِيرِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الصَّيْدِ أَوْ مَجْرَى إلْقَاءِ التَّفَثِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ: أَمَّا مُشَابَهَتُهُ لِقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُهُ فِي غَيْرِ الْجِسْمِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ قَمْلَةً سَاقِطَةً فِي الْأَرْضِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ شَعْرًا سَاقِطًا فِي الْأَرْضِ لِمَا كَانَ مَحْضُ إلْقَاءِ التَّفَثِ فَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْقَمْلِ مِنْ بَابِ إلْقَاءِ التَّفَثِ خَاصَّةً لَجَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ عَلَى غَيْرِ جِسْمِهِ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ قَتْلِ الصَّيْدِ لَجَازَ لَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ عَنْ جِسْمِهِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ الذَّرَّ عَنْ جِسْمِهِ وَالْقُرَادَ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ الْحُكْمَانِ فَلَمْ يَجُزْ إلْقَاؤُهُ مِنْ الْجَسَدِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ التَّفَثِ، وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاصْطِيَادِ وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ.
وَالْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْ طَرْحِهِ عَنْ جِسْمِهِ لِضَعْفِ هَذَا الْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ إذَا أُزِيلَ عَنْ مَوْضِعِ تَوَلُّدِهِ وَمَكَانِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ كَانَ سَبَبَ هَلَاكِهِ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى قَتْلِهِ.
وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إنَّهُ مَنْ أَزَالَ فَرْخَ صَيْدٍ عَنْ مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ كَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ عَرَّضَهُ لِلْهَلَاكِ وَلِذَلِكَ مَنَعْنَاهُ مِنْ تَقْرِيدِ بَعِيرِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الْقُرَادِ عَنْ مَوْضِعِ حَيَاتِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَعِيرُ لَا يُرَى فِيهِ إلْقَاءُ تَفَثِهِ كَمَا لَا يُمْنَعُ مِنْ إزَالَةِ شَعْرِهِ إلَّا أَنَّنَا إذَا قُلْنَا
стр. 628
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا قَالَتْ سَمِعْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَسْأَلُ عَنْ الْمُحْرِمِ أَيَحُكُّ جَسَدَهُ فَقَالَتْ: نَعَمْ فَلْيَحْكُكْهُ (وَلْيَشْدُدْ قَالَتْ عَائِشَةُ) وَلَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إلَّا رِجْلِي لَحَكَكْت) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ لِشَكْوٍ كَانَ بِعَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ بَابِ قَتْلِ الصَّيْدِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ وُجُوبَ الْفِدْيَةِ بِقَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ كَمَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ بِتَقْرِيدِ الْبَعِيرِ وَقَتْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْهَوَامِّ وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْإِطْعَامُ.
قَالَ مُحَمَّدٌ تُجْزِئُهُ قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ مِنْ الصَّوْمِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْوَاحِدُ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ مِنْ بَابِ إلْقَاءِ التَّفَثِ تَعَلَّقَتْ الْفِدْيَةُ بِكَثِيرِهِ دُونَ يَسِيرِهِ كَحَلْقِ الشَّعْرِ فَمَنْ نَتَفَ شَعْرَهُ أَوْ شَعَرَاتٍ يَسِيرَةً فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ إطْعَامٌ وَمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ كَثِيرًا مِنْ شَعْرِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحَلَمُ وَالْقُرَادُ وَالْحَمْنَانِ فَهِيَ مِنْ دَوَابِّ جِسْمِ الْبَعِيرِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُلْقِيَهُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ هَلَاكِهِ إلَّا أَنْ يَرَى مِنْ الْبَعِيرِ إضْرَارًا مِنْ كَثْرَةِ ذَلِكَ وَاسْتِضْرَارِهِ بِهَا فَيُزِيلُهَا عَنْهُ وَيُطْعِمُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلْقِيَ الْقَمْلَ عَنْ جِسْمِهِ إذَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ دَوَابِّ الْجِسْمِ كَالْبَرَاغِيثِ وَالْبَعُوضِ وَالْبَقِّ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالذُّبَابِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ طَرْحُهُ عَنْ جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَوَابِّ جَسَدِهِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ عَنْ جَسَدِهِ الْقُرَادَ وَالْحَلَمَ وَالْحَمْنَانَ إلَّا الْقَمْلَ خَاصَّةً وَيَطْرَحُ عَنْ بَعِيرِهِ الْعَلَقَ وَسَائِرَ الْحَيَوَانِ إلَّا الْقُرَادَ وَمَا كَانَ مِنْ دَوَابِّ جَسَدِهِ وَلَا يَقْتُلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ قَتَلَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُطْعِمُ وَقَالَ مَرَّةً أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُطْعِمَ وَإِنْ ابْتَدَأَ الْإِنْسَانَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِالضَّرَرِ فَقَتَلَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي مُحْرِمٍ لَدَغَتْهُ ذَرَّةٌ فَقَتَلَهَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَرَى أَنْ يُطْعِمَ شَيْئًا وَكَذَلِكَ النَّمْلَةُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ضَرَرَهَا يَسِيرٌ فَطَرْحُهَا يَقُومُ مَقَامَ قَتْلِهَا فِي دَفْعِ أَذَاهَا.
(ش) : قَوْلُهَا فَلْيَحْكُكْهُ وَلْيَشْدُدْ تُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَّقِي مِنْ قَتْلِ شَيْءٍ مِنْ الْقَمْلِ وَلَا نَتْفَ شَيْءٍ مِنْ الشَّعْرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِقَتْلِ الْقَمْلِ بِمِثْلِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الْجَسَدِ إلَى غَيْرِهِ لِشِدَّةِ الْحَكِّ فِي ظَاهِرِ جَسَدِهِ وَمَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ عَلَى الْمُحْرِمِ إتْيَانُ شَيْءٍ مِنْ الْمَحْظُورِ عَلَيْهِ فَهُوَ مُبَاحٌ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا بَأْسَ أَنْ يَحُكَّ الْمُحْرِمُ مَا يَرَى مِنْ جَسَدِهِ وَقُرُوحِهِ وَإِنْ أَدْمَى جِلْدَهُ فَنَصَّ عَلَى إبَاحَةِ مَا يَرَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا لَا يَرَى مَمْنُوعًا عِنْدَهُ لِجَوَازِ أَنْ يُزِيلَ مِنْهُ بِحَكِّهِ قَمْلًا يُسْقِطُهُ إلَى الْأَرْضِ، وَلِذَلِكَ قَالَ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْهُ يَحُكُّ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ حَكًّا رَفِيقًا لَا يُقْتَلُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَتَوَقَّى شَيْئًا آخَرَ وَهُوَ مَا يُنْتَفُ شَعْرًا.
وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحُكُّ جَسَدَهُ مَا بَدَا لَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي جِلْدِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّوَابِّ إنْ كَانَ يَرَى فِي ظَاهِرِهِ قَمْلًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَحُكَّ مَوْضِعَهَا وَلَا يَتَعَمَّدَ طَرْحَهَا وَلَا قَتْلَهَا فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَسَدِ وَالرَّأْسِ أَنَّ مَا فِي الْجَسَدِ مِنْ الْقَمْلِ يَبْدُو لَهُ وَيَظْهَرُ إلَيْهِ وَمَا فِي الرَّأْسِ يَخَافُ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ وَلَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الصَّغِيرِ يَحُكُّ الْمُحْرِمُ مَا يَرَى مِنْ جَسَدِهِ وَإِنْ أَدْمَى فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ رَأْسِهِ وَمَا لَا يَرَى مِنْ جَسَدِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إلَّا رِجْلَيَّ لَحَكَكْت تُرِيدُ اسْتِبَاحَةَ قُوَّةِ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا حَتَّى أَنَّهَا لَوْ مُنِعَتْ حَكَّ جَسَدِهَا بِيَدَيْهَا وَأَمْكَنَهَا أَنْ تَحُكَّ ذَلِكَ بِرِجْلَيْهَا لَفَعَلَتْ مَعَ عَدَمِ الرِّفْقِ بِالْحَكِّ بِالرِّجْلِ وَأَنَّ مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ لَا يَكَادُ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَأْتِيَ مِنْ إزَالَةِ حَيَوَانٍ عَنْ مَوْضِعِهِ أَوْ نَتْفِ شَعْرٍ مِنْ جَسَدِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ لِشَكْوٍ كَانَ بِعَيْنَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ اسْتَبَاحَ ذَلِكَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ أَنَّ سَبَبَ نَظَرِهِ فِيهَا كَانَ لِشَكْوِ عَيْنَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ مَا يُمْنَعُ مِنْ أَجْلِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ نَظَرَ الْإِنْسَانِ إلَى جَسَدِهِ كُلِّهِ مُبَاحٌ لَهُ فِي حَالِ إحْرَامِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ
стр. 629
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادَةً عَنْ بَعِيرِهِ قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ سَعِيدٌ اقْطَعْهُ) .
ــ
[المنتقى]
أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمَةِ أَنْ تَنْظُرَ وَجْهَهَا فِي الْمِرْآةِ وَمَعْنَى ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا ذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ تَرَى شُعْثًا فَتُصْلِحَهُ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُحْرِمِ تَسْوِيَةُ الشَّعْرِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا يَخَافُ عَلَيْهِ إزَالَةَ شَيْءٍ مِنْ الشَّعْرِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ لِتَعَرُّضِهِ لِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِشَكْوٍ كَانَ بِعَيْنَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّ نَظَرَهُ فِي الْمِرْآةِ كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّسَبُّبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْمُحْرِمِ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ إلَّا مِنْ وَجَعٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ فِي الْمِرْآةِ إنَّمَا يَكُونُ غَالِبًا لِإِصْلَاحِ الْوَجْهِ وَتَزْيِينِهِ وَإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ شُعْثٍ وَذَلِكَ مِنْ مَمْنُوعَاتِ الْإِحْرَامِ فَإِذَا نَظَرَ فِيهِ لِوَجَعٍ بِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ بِهِ مَا هُوَ مُبَاحٌ لَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْزِعَ الْمُحْرِمُ حَلَمَةً أَوْ قُرَادَةً عَنْ بَعِيرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ وَفِي إزَالَتِهِ عَنْ جِسْمِ الْبَعِيرِ تَعَرُّضٌ لِهَلَاكِهِ وَاخْتَارَ مَالِكٌ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى قَوْلِ أَبِيهِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّهُ عَلَى صِحَّتِهِ وَأَدْخَلَ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا لِتَعَرُّضِهِمَا لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ بَعْدِهِ وَهَذَا غَايَةُ النُّصْحِ وَالْإِنْصَافِ ﵁ وَأَرْضَاهُ وَأَرْضَاهُ.
(ش) : سُؤَالُهُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ ظُفْرٍ لَهُ انْكَسَرَ وَأَمْرُ سَعِيدٍ لَهُ بِقَطْعِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا يَتَأَذَّى بِهِ فَأَمَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَطْعِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ انْكَسَرَ ظُفْرِي وَأَنَا مُحْرِمٌ فَتَعَلَّقَ فَآذَانِي قَالَ فَذَهَبْت إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ اقْطَعْهُ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ فَفَعَلْت وَذَلِكَ أَنَّ قَطْعَ الظُّفْرِ مَمْنُوعٌ لِلْمُحْرِمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ الْمُعْتَادِ بِطُولِ السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ فَإِنْ قَطَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَقْطَعَهُ لِضَرُورَةٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْطَعَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ قَطَعَهُ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا يَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَقْطَعَهُ لِضَرُورَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالظُّفْرِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْطَعَهُ لِضَرُورَةٍ غَيْرِ مُخْتَصَّةٍ بِالظُّفْرِ.
فَأَمَّا الضَّرُورَةُ الْمُخْتَصَّةُ بِالظُّفْرِ فَمِثْلُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنْ يَنْكَسِرَ الظُّفْرُ فَيَبْقَى مُتَعَلِّقًا يَتَأَذَّى بِهِ فَهَذَا يَقْطَعُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ مَا اقْتَصَرَ عَلَى قَطْعِ مَا يَتَأَذَّى بِهِ فَإِنْ قَطَعَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ افْتَدَى رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِيمَا زَادَ عَلَى إزَالَةِ الضَّرَرِ مُتَعَدٍّ فَتَلْزَمُهُ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إنْ كَانَ الضَّرَرُ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الظُّفْرِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِأَصَابِعِهِ قُرُوحٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُدَاوَاتِهَا إلَّا بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِهِ فَإِنَّهُ يُقَلِّمُهَا وَيَفْتَدِي قَالَهُ مَالِكٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الضَّرُورَةَ تُبِيحُ لَهُ تَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الضَّرَرُ مِنْ جِهَةِ الظُّفْرِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَهَا غَيْرَ مُسْتَضِرٍّ بِهَا وَلَا خَارِجَةً عَنْ هَيْئَتِهَا وَأَصْلِ خِلْقَتِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ مُرْتَكِبٌ لِلْمَحْظُورِ تَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْفِدْيَةُ سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى الْمُعْتَادِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَذَلِكَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ كَحَلْقِ الرَّأْسِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ قَلَّمَ ظُفْرَ يَدَيْهِ افْتَدَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَذَلِكَ عِنْدِي مَنْ قَلَّمَ أَظْفَارَ رِجْلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ قَلَّمَ ظُفْرَ يَدٍ وَاحِدَةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَصَّ ظُفْرَيْنِ، وَإِنْ قَصَّ ظُفْرًا مِنْ كُلِّ يَدٍ افْتَدَى قَالَهُ أَشْهَبُ وَإِنْ قَلَّمَ ظُفْرًا وَاحِدًا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَمَاطَ بِهِ عَنْهُ الْأَذَى فَلْيَفْتَدِ وَإِلَّا فَلْيُطْعِمْ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ وَمَعْنَى إمَاطَةِ الْأَذَى
стр. 630
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَكِي أُذُنَهُ أَيَقْطُرُ فِي أُذُنِهِ مِنْ الْأَلْبَانِ الَّتِي لَمْ تَطِبْ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ لَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، وَلَوْ جَعَلَهُ فِي فِيهِ لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبُطَّ الْمُحْرِمُ خُرَّاجَهُ وَيَفْقَأَ دُمَّلَهُ وَيَقْطَعَ عِرْقَهُ إذَا احْتَاجَ لِذَلِكَ) .
الْحَجُّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلَ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ قَالَ نَعَمْ، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ» )
ــ
[المنتقى]
يُرِيدُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِتَقْلِيمِهِ الْمَنْفَعَةَ الْمُعْتَادَةَ فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى فِي تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُزِيلَ عَنْ نَفْسِهِ خُشُونَةَ طُولِ أَظْفَارِهِ أَوْ أَكْثَرَهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْلَقَ مِنْ طُولِ ظُفْرٍ فَيُقَلِّمَهُ فَهَذَا أَمَاطَ عَنْهُ بِهِ أَذًى مُعْتَادًا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُرِيدَ مُدَاوَاةَ قُرُوحٍ بِأَصَابِعِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِقَصِّ أَظْفَارِهِ فَهَذَا قَدْ أَمَاطَ بِهِ أَذًى لَا يَخْتَصُّ بِأَظْفَارِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الدُّهْنِ الَّذِي لَيْسَ بِمُطَيِّبٍ يَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي بَاطِنِ جَسَدِهِ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ كَتَقْطِيرِهِ فِي الْأُذُنِ وَالِاسْتِسْعَاطِ بِهِ وَالْمَضْمَضَةِ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَكْلِهِ إيَّاهُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي ظَاهِرِ جَسَدِهِ غَيْرِ بَاطِنِ يَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ فَهَذَا مَمْنُوعٌ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَدْ رَوَى إبَاحَةَ ذَلِكَ وَبِهِ أَخَذَ اللَّيْثُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ إزَالَةُ شُعْثٍ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُفْعَلُ لِلْجَمَالِ وَالتَّنَظُّفِ كَالتَّنَظُّفِ فِي الْحَمَّامِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ دَهَنَ بِهِ عُضْوًا مِنْ جَسَدِهِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ جَسَدِهِ إذَا كَانَ الَّذِي دَهَنَهُ مِنْ جَسَدِهِ مَوْضِعًا لَهُ بَالٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا شَيْئًا يَسِيرًا لَا بَالَ لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّجَمُّلَ وَالتَّنَظُّفَ وَإِزَالَةَ الشُّعْثِ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِنْ دَهَنَ بُطُونَ قَدَمَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ لِشُقُوقٍ بِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا ظَاهِرَانِ ظُهُورَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِدُهْنِهِمَا دَفْعَ مَضَرَّةٍ فَلَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ تَحْسِينِ ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَإِزَالَةِ الشُّعْثِ فَوَجَبَتْ بِذَلِكَ الْجِزْيَةُ وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ دَفْعَ الْمَضَرَّةِ أَوْ الْقُوَّةِ عَلَى الْعَمَلِ فَلَا فِدْيَةَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمَا وَإِنْ ظَهَرَا فَإِنَّهُمَا بَاطِنَانِ مِنْ ظَاهِرِ الْجَسَدِ وَيَخْتَصَّانِ بِالْعَمَلِ وَبِذَلِكَ فَارَقَا سَائِرَ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْجَسَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ شَيْءٍ مِنْ جِلْدِ جَسَدِهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِغَيْرِ حُرْمَةِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُبَاحٌ لِلضَّرُورَةِ كَالْحِجَامَةِ.
وَقَدْ «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيَيْ جَمَلٍ» وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى بَطُّ جِرَاحِهِ وَفَقْءُ دُمَّلِهِ وَقَطْعُ عِرْقِهِ لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ شَرَطَ مَالِكٌ ﵀ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ.
[الْحَجُّ عَمَّنْ يُحَجُّ عَنْهُ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ الْفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ غَدَاةَ النَّحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْدَفَ أُسَامَةَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قَدْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا ثَوْبًا فَإِنَّ الْمُحْرِمَةَ يَجُوزُ لَهَا ذَلِكَ لِمَعْنَى السَّتْرِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَبْدُو مِنْ وَجْهِهَا مَا يَنْظُرُ إلَيْهِ الْفَضْلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ» يُرِيدُ
стр. 631
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
بِذَلِكَ مَنْعَهُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا لَمَّا رَأَى مِنْ قَصْدِهِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ نَهَى الْمَرْأَةَ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْفَضْلِ وَلَا صَرَفَ وَجْهَهَا إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةً مِنْ النَّظَرِ إلَى الرَّجُلِ بِمَعْنَى تَأَمُّلِ مَحَاسِنِهِ وَالنَّظَرِ إلَى جَمَالِهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا احْتَمَلَ نَظَرُهَا إلَى جِهَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِسُؤَالِهَا عَنْ مَسْأَلَتِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِهَةٍ يَتَضَمَّنُهَا نَظَرُهَا فَكَانَ نَظَرُهَا إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ مَقْصِدًا جَائِزًا فَتَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ وَالْفَضْلُ وَلَمْ يَكُنْ لِنَظَرِهِ إلَى جِهَتِهَا مَقْصِدٌ جَائِزٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ تَأَمُّلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ اجْتَزَأَ بِصَرْفِ وَجْهِ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى شَيْءٍ مِنْ وَجْهِ الْفَضْلِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَنْعًا لِلْفَضْلِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَزَأَ بِمَنْعِ الْفَضْلِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا لَمَّا رَأَى أَنَّهَا تَعْلَمُ بِذَلِكَ مَنْعَ نَظَرِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ وَلَعَلَّهَا لَمَّا صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ فَهِمَتْ ذَلِكَ فَصَرَفَتْ وَجْهَهَا أَوْ بَصَرَهَا عَنْ النَّظَرِ إلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَجَّ مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْحَجُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ يُقَالُ: حَجَّ يَحُجُّ حَجًّا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْحِجُّ بِكَسْرِهَا هُوَ الِاسْمُ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا فِي قَصْدٍ مَخْصُوصٍ إلَى مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى شَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمَغَارِبَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ عَلَى التَّرَاخِي.
وَالثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا.
فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ عَلَى التَّرَاخِي فَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ لَيْسَتْ بِمُقْتَضِيَةٍ لِلزَّمَانِ إلَّا بِمَعْنَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي زَمَانٍ وَذَلِكَ لِاقْتِضَائِهَا لِلْحَالِ وَالْمَكَانِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي أَيِّ زَمَانٍ شَاءَ وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا رُوِيَ «أَنَّ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ حِينَ وَرَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ؟ قَالَ نَعَمْ» وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ، ثُمَّ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى سَنَةِ عَشْرٍ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَا يَكُونُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَيْهِ قَاضِيًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَيْهِ عَاصِيًا كَالتَّأْخِيرِ إلَى الثَّامِنِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
(فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى ظَنِّهِ إذَا غَلَبَ لِلْفَوَاتِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ عَصَى، وَإِنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ فَجْأَةً قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ فَلَيْسَ بِعَاصٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِصْيَانَ قَدْ وَقَعَ بِتَأْخِيرِهِ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ عَامٍ فَهُوَ قَاضٍ لَا مُؤَدٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَكُونُ قَاضِيًا مَا دَامَ حَيًّا وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَضَاءُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ حَجَّ عَنْهُ أَحَدٌ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى أَنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْحَجِّ أَوْ فِي الْحَجِّ وَلَهُ شُرُوطُ
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وُجُوبٍ وَشُرُوطُ أَدَاءً: فَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهِ فَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَأَمَّا شُرُوطُ الْأَدَاءِ فَهِيَ: الِاسْتِطَاعَةُ وَلِإِجْزَائِهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَ تَمَامِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَصِحُّ فَرْضُهُ وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ نَفْلُهُ مَعَ عَدَمِهَا وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَلَا يَصِحُّ نَفْلُهُ وَلَا فَرْضُهُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُ يَجِبُ مَعَهُ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِهِ نَفْلُهُ وَلَا فَرْضُهُ.
(فَصْلٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ عَادَةٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّفَرَ مَاشِيًا وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى الْحَجِّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَاحِلَةً وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سُؤَالَ النَّاسِ وَتَكَفُّفَهُمْ وَأَمْكَنَهُ التَّوَصُّلُ بِهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الرُّكُوبَ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى الْحَجِّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ دُونَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي مَجْمُوعَتِهِ عَنْ سَحْنُونٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَمْ يَخُصَّ زَادًا وَلَا رَاحِلَةً فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ غَيْرُ مُفَسَّرَةٍ فَتَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فَرُبَّمَا دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْحَدِيثِ صَحِيحًا لَكَانَ بَعْضَ مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْآيَةُ وَأَنْ يَكُونَ بَعْضَ مَا يُسْتَطَاعُ بِهِ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَالصِّحَّةِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ الْمَرِيضَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ وَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْخَثْعَمِيَّةُ إنَّ أَبَاهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَجَعَلَتْ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ الشَّبَابَ وَالْقُوَّةَ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَثَبَتَ أَنَّ لِلِاسْتِطَاعَةِ مَعَانِيَ غَيْرَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالسِّنِّ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ الثُّبُوتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمَانِ الطَّرِيقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُخَالِفُ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ وَأَهْلَ الْمَوَاقِيتِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حُكْمِهِمْ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ عَادَةٍ فَلَزِمَهُ الْحَجُّ كَالْوَاجِدِ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ أَوْ لِأَمْرٍ ثَابِتٍ فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ يَرْجُو بُرْأَهُ وَزَوَالَهُ كَالْأَمْرَاضِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَظِرُ الْبُرْءَ وَيُؤَدِّي الْحَجَّ فَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَمْرٍ ثَابِتٍ عَنْهُ كَالْهَرَمِ وَالزَّمَانَةِ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ الْمَعْضُوبَ وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَنَا الْحَجُّ وَإِنْ وَجَدَ الْمَالَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، هُوَ مُسْتَطِيعٌ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ غَيْرَهُ يُؤَدِّي عَنْهُ الْحَجَّ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ وَجَدَ مَنْ يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ مِنْ وَلَدٍ أَوْ أَخٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِبَذْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَالْآيَةُ وَرَدَتْ مُقَيِّدَةً لِمَنْ يَسْتَطِيعُ السَّبِيلَ إلَى الْبَيْتِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السَّبِيلَ إلَيْهِ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ بِالْمُسْتَطِيعِ كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بِهِ اسْتِطَاعَةٌ فَلَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ.
وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُكَلَّفٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَصْلُ ذَلِكَ الصَّحِيحُ أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مِنْ نَصِّ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِ الْخَثْعَمِيَّةِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا أَخْبَرَتْ أَنَّ الْحَجَّ اُفْتُرِضَ عَلَى أَبِيهَا فِي حَالِ كِبَرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 633
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ وَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَعَلَّقَ بِأَبِيهَا وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِينَ نَزَلَ وَأَبُوهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ تَوَجُّهُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ شَرَطَ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ فَرْضُهُ إلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّهَا قَالَتْ هَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ ﷺ نَعَمْ قَالُوا» .
فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ لَهَا نَعَمْ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ حَجُّهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ لَمَا قَضَتْ عَنْهُ شَيْئًا كَمَا لَا تَقْضِي عَنْهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْوَاجِبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ مَا وَجَبَ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيُلْحِقُهُ ذَلِكَ بِحَالَةِ مَنْ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فَأَدَّاهُ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ أَكْمَلُ مِنْ حَالَةِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، وَلِذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» أَنْ يُقْضَى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الِابْنَ إذَا أَرَادَ إلْحَاقَ أَبِيهِ بِحَالِ مَنْ أَدَّى دَيْنَهُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْسَخْ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ دُونَ الْمَعْضُوبِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَنْهَضُ وَلَمْ يَحُجَّ وَعَنْ الْمَيِّتِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِابْنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُوصِ وَيُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
الْأَعْمَى الَّذِي يَجِدُ مَنْ يَهْدِيهِ السَّبِيلَ وَيَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالْمَعْضُوبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا قَدْ اسْتَطَاعَ السَّبِيلَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ غَيْرَهُ كَالْبَصِيرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْحَجُّ فِي الْبَحْرِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ غَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنْ كَانَ بَحْرًا مَأْمُونًا يَكْثُرُ سُلُوكُهُ لِلتِّجَارَاتِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ بَحْرًا مَخُوفًا تَنْدُرُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَلَا يَكْثُرُ رُكُوبُ النَّاسِ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ فَرْضَ الْحَجِّ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ كَرِهَ الْحَجَّ فِي الْبَحْرِ إلَّا لِمِثْلِ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَحْرَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي غَيْرِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَلْحَقُ النَّاسَ فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ مَا يَعْجِزُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ فِي الْبَحْرِ لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] فَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي التِّجَارَاتِ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا السَّفَرُ فِي الْبَرِّ وَمَوَاضِعَ يُعْدَمُ فِيهَا الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ الَّتِي مَقْصُودُهَا الصَّلَاةُ.
стр. 634
مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا أَفَأَحُجُّ عَنْهُ سُؤَالٌ مِنْهَا عَنْ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ ﷺ نَعَمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالْعِبَادَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالْمَالِ كَالزَّكَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا وَعِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالْجَسَدِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَعِبَادَةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ فَقَدْ أَطْلَقَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ: وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَرَأَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِئْجَارِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ نُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ وَإِنَّمَا لِلْمَيِّتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ نَفَقَتُهُ إنْ أَوْصَى أَنْ يُسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ تَطَوَّعَ عَنْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَلَهُ أَجْرُ الدُّعَاءِ وَفَضْلُهُ وَهَذَا وَجْهُ انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِالْحَجِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ أَظُنُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَنْفُذُ ذَلِكَ وَلَا يُسْتَأْجَرُ إلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَيْضًا لَا يَحُجُّ عَنْهُ صَرُورَةٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُعْتَقٌ بَعْضُهُ وَلَا مُدَبَّرٌ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ فَلَوْلَا أَنَّ الْحَجَّ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوصِي لَمَا اُعْتُبِرَتْ صِفَةُ الْمُبَاشِرِ لِلْحَجِّ، وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بِمَنْعِ النِّيَابَةِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَقَالَ: أَمَّا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ عَنْهُ فَلَا نَرَى ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ أَوْ يُعْتِقُ عَنْهُ فَفَاضَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفَقَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ فَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهَا بِالْإِجَارَةِ كَالزَّكَاةِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَكُونُ النِّيَابَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَسْنَا نَعْنِي بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ أَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِحَجَّةِ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا نُرِيدُ بِذَلِكَ التَّطَوُّعَ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهِ دُونَ فَرْضِهِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُسْتَأْجَرُ لِلْحَجِّ عَبْدٌ وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُدَبَّرٌ وَالنَّفَلُ يَصِحُّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِنَابَةَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ.
فَوَجْهُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِنَابَةَ مَكْرُوهَةٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُوهَا تُوُفِّيَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ مَيِّتٍ.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ عَنْ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي الْحَجِّ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَيَقَّنَ بَقَاءَهُ وَاسْتِيطَانَهُ لِقُوَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ وَالْيَأْسِ مِنْ إزَالَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَبْسًا وَيَحِلُّ حَيْثُ حُبِسَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ وَقْتِ الْحَجِّ مِقْدَارُ مَا يَهِمُ أَنَّهُ لَوْ زَالَ الْعَدُوُّ لَأَدْرَكَ الْحَجَّ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مِقْدَارُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ زَالَ الْعَدُوُّ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحِلُّ مَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَرُوحَ النَّاسُ إلَى عَرَفَةَ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا وَقْتُ يَأْسٍ مِنْ إكْمَالِ حَجِّهِ بِعَدُوٍّ غَالِبٍ فَجَازَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ فِيهِ أَصْلُ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ حُكْمِ الْإِحْرَامِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَالْتِزَامُهُ لَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لِلْحَاجِّ التَّحَلُّلُ بِمَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقِيمُ وَيَتَرَبَّصُ رَاجِيًا زَوَالَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَضُرَّ الِانْتِظَارُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَ الْعَدُوِّ إلَّا فِي مُدَّةٍ يَلْحَقُهُ بِمِثْلِهَا الضَّرُّ رَحَلَ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا فِي الْعَدُوِّ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ، وَأَمَّا الْعَدُوُّ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْمُسْتَوْطِنِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ تُرْجَى إبَاحَتُهُ لِلطَّرِيقِ فَإِنَّ التَّوَقُّفَ فِي ذَلِكَ وَمُحَاوَلَتَهُ يَجْرِي عِنْدِي مَجْرَى رَجَاءِ زَوَالِهِ وَمُحَاوَلَتِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَهُ وَلَا إبَاحَتَهُ لِلطَّرِيقِ جَازَ الْإِحْلَالُ بِنَفْسِ ظُهُورِهِ وَتَغَلُّبِهِ وَمَنْعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْإِحْصَارُ لَا يَكُونُ إلَّا عَمَّا لَا يَتِمُّ النُّسُكُ إلَّا بِهِ وَهُوَ فِي الْعُمْرَةِ الْبَيْتُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي الْحَجِّ مَعَ ذَلِكَ عَرَفَةُ فَإِنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْمَنَاسِكِ كُلِّهَا وَيَنْتَظِرُ أَيَّامًا فَإِنْ زَالَ الْعَدُوُّ وَأَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ طَافَ وَإِلَّا حَلَّ وَانْصَرَفَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ نُسُكِهِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَمَا حُصِرَ عَنْهُ تَحَلَّلَ وَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ جَمِيعِ النُّسُكِ فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ فَأُحْصِرَ عَنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ دُونَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى وَيُؤَخِّرَ الْحِلَاقَ فَإِنْ يَئِسَ مِنْ زَوَالِ الْعَدُوِّ أَوْ طَالَ انْتِظَارُهُ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُهُ بِهِ الضَّرَرُ حَلَقَ وَحَلَّ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ لَهُ مَتَى مَا حُصِرَ فَتَرْكُ مَا مُنِعَ مِنْهُ جَائِزٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ النُّسُكِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِالْإِحْرَامِ لَهُ وَلَهُ إذَا تَحَلَّلَ حُكْمُ الْحَاجِّ لَا حُكْمُ الْمُعْتَمِرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ وَكَذَلِكَ فَعَلَ سَائِرُ أَصْحَابِهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ وَحَلَقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَقَ فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ النُّسُكِ بِمَا أَمْكَنَهُ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَفُتْهُ وَإِنَّمَا عَمِلَ عَمَلَهُ لِلْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا عَمَلُهُ لِلْحَجِّ وَقَدْ كَانَ يَحْكُمُ لَهُ بِتَمَامِ حَجِّهِ دُونَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَقَدْ طَافَ وَسَعَى.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَحَالَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَرَفَةَ فَلْيَحُلَّ وَيَنْصَرِفْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافٌ وَلَا سَعْيٌ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوُرُودِ سَاقِطٌ عَنْهُ وَطَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْعَمَلِ بِمَا مُنِعَ مِنْهُ بِالْحَصْرِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى قُرْبِ مَكَّةَ وَمَمْنُوعٌ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ فَلَهُ عِنْدِي أَنْ يَحِلَّ بِمَوْضِعِهِ فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ مَنَعَ الطَّرِيقَ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ طَرِيقًا أُخْرَى فَيَسْلُكَ حَيْثُ لَا تَسْلُكُ وَيَمُرَّ بِالْأَثْقَالِ حَيْثُ لَا يَمُرُّ بِهَا وَلَا يَرْكَبَ الْمَخَاوِفَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا هَذَا فَهُوَ مَحْصُورٌ وَإِنْ كَانَ وَجَدَ سَبِيلًا آمِنَةً مَسْلُوكَةً وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ فَلَيْسَ بِمَحْصُورٍ إنْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا يَصِلُ فِيهِ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ عَلِمَ بِالْحَصْرِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا يُحْرِمُ فَإِنْ فَعَلَ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَحْصُورِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْمَنْعِ، وَأَحْرَمَ فَقَدْ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ لِذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِيهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ فِي عُمْرَتِهِ فَتَحَلَّلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ
следующие страницы →