← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِذَلِكَ مَنْعَهُ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا لَمَّا رَأَى مِنْ قَصْدِهِ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ نَهَى الْمَرْأَةَ عَنْ النَّظَرِ إلَى الْفَضْلِ وَلَا صَرَفَ وَجْهَهَا إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَمْنُوعَةً مِنْ النَّظَرِ إلَى الرَّجُلِ بِمَعْنَى تَأَمُّلِ مَحَاسِنِهِ وَالنَّظَرِ إلَى جَمَالِهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا احْتَمَلَ نَظَرُهَا إلَى جِهَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا لِسُؤَالِهَا عَنْ مَسْأَلَتِهَا إذَا كَانَتْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي جِهَةٍ يَتَضَمَّنُهَا نَظَرُهَا فَكَانَ نَظَرُهَا إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ مَقْصِدًا جَائِزًا فَتَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَيْهَا لِذَلِكَ وَالْفَضْلُ وَلَمْ يَكُنْ لِنَظَرِهِ إلَى جِهَتِهَا مَقْصِدٌ جَائِزٌ ظَاهِرٌ غَيْرُ تَأَمُّلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ اجْتَزَأَ بِصَرْفِ وَجْهِ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إلَى شَيْءٍ مِنْ وَجْهِ الْفَضْلِ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَنْعًا لِلْفَضْلِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا وَمَنْعًا لَهَا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَزَأَ بِمَنْعِ الْفَضْلِ مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا لَمَّا رَأَى أَنَّهَا تَعْلَمُ بِذَلِكَ مَنْعَ نَظَرِهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ وَلَعَلَّهَا لَمَّا صَرَفَ وَجْهَ الْفَضْلِ فَهِمَتْ ذَلِكَ فَصَرَفَتْ وَجْهَهَا أَوْ بَصَرَهَا عَنْ النَّظَرِ إلَيْهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَجَّ مِنْ الْفُرُوضِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَالْحَجُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْقَصْدُ يُقَالُ: حَجَّ يَحُجُّ حَجًّا بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْحِجُّ بِكَسْرِهَا هُوَ الِاسْمُ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِتَخْصِيصِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَاسْتِعْمَالِهَا فِي قَصْدٍ مَخْصُوصٍ إلَى مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى شَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إلَى أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي، وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الْمَغَارِبَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ عَلَى التَّرَاخِي. وَالثَّانِي: أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا. فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَوَامِرَ عَلَى التَّرَاخِي فَهُوَ أَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ لَيْسَتْ بِمُقْتَضِيَةٍ لِلزَّمَانِ إلَّا بِمَعْنَى أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَقَعُ إلَّا فِي زَمَانٍ وَذَلِكَ لِاقْتِضَائِهَا لِلْحَالِ وَالْمَكَانِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَيِّ مَكَان شَاءَ وَعَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي أَيِّ زَمَانٍ شَاءَ وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا رُوِيَ «أَنَّ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ حِينَ وَرَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: آللَّهُ أَمَرَك أَنْ تَحُجَّ هَذَا الْبَيْتَ؟ قَالَ نَعَمْ» وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ، ثُمَّ أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى سَنَةِ عَشْرٍ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ: أَنَّ كُلَّ وَقْتٍ لَا يَكُونُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَيْهِ قَاضِيًا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِتَأْخِيرِ الْإِحْرَامِ إلَيْهِ عَاصِيًا كَالتَّأْخِيرِ إلَى الثَّامِنِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فَظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى ظَنِّهِ إذَا غَلَبَ لِلْفَوَاتِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْ ذَلِكَ عَصَى، وَإِنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ فَجْأَةً قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوَاتُ فَلَيْسَ بِعَاصٍ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعِصْيَانَ قَدْ وَقَعَ بِتَأْخِيرِهِ وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ عَامٍ فَهُوَ قَاضٍ لَا مُؤَدٍّ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَكُونُ قَاضِيًا مَا دَامَ حَيًّا وَإِنَّمَا يَكُونُ الْقَضَاءُ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ حَجَّ عَنْهُ أَحَدٌ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَى أَنْ أَذِنَ لَهَا فِي الْحَجِّ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي وُجُوبِ أَدَاءِ الْحَجِّ أَوْ فِي الْحَجِّ وَلَهُ شُرُوطُ

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وُجُوبٍ وَشُرُوطُ أَدَاءً: فَأَمَّا شُرُوطُ وُجُوبِهِ فَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ وَأَمَّا شُرُوطُ الْأَدَاءِ فَهِيَ: الِاسْتِطَاعَةُ وَلِإِجْزَائِهِ شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، فَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْبُلُوغُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَجُّ مَعَ تَمَامِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَصِحُّ فَرْضُهُ وَلَكِنَّهُ يَصِحُّ نَفْلُهُ مَعَ عَدَمِهَا وَأَمَّا الْعَقْلُ فَلَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَلَا يَصِحُّ نَفْلُهُ وَلَا فَرْضُهُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَإِنَّهُ يَجِبُ مَعَهُ عَلَى قَوْلِ جَمَاعَةِ أَصْحَابِنَا غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَجِبُ مَعَ عَدَمِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَعَ عَدَمِهِ نَفْلُهُ وَلَا فَرْضُهُ. (فَصْلٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ هِيَ الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ عَادَةٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ السَّفَرَ مَاشِيًا وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى الْحَجِّ بِذَلِكَ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَاحِلَةً وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ سُؤَالَ النَّاسِ وَتَكَفُّفَهُمْ وَأَمْكَنَهُ التَّوَصُّلُ بِهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ زَادًا وَمَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الرُّكُوبَ وَالْغِنَى عَنْ النَّاسِ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى الْحَجِّ أَحَدُهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ دُونَ غَيْرِهِمَا وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي مَجْمُوعَتِهِ عَنْ سَحْنُونٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَمْ يَخُصَّ زَادًا وَلَا رَاحِلَةً فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ غَيْرُ مُفَسَّرَةٍ فَتَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ وَإِنَّمَا هِيَ عَامَّةٌ فَرُبَّمَا دَخَلَهَا التَّخْصِيصُ وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْحَدِيثِ صَحِيحًا لَكَانَ بَعْضَ مَا تَخْتَصُّ بِهِ الْآيَةُ وَأَنْ يَكُونَ بَعْضَ مَا يُسْتَطَاعُ بِهِ فِي حَقِّ بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ كَالصِّحَّةِ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ الْمَرِيضَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ وَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْخَثْعَمِيَّةُ إنَّ أَبَاهَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَجَعَلَتْ مِنْ الِاسْتِطَاعَةِ الشَّبَابَ وَالْقُوَّةَ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ فَثَبَتَ أَنَّ لِلِاسْتِطَاعَةِ مَعَانِيَ غَيْرَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مِنْ الصِّحَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالسِّنِّ الَّذِي لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ الثُّبُوتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمَانِ الطَّرِيقِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمُخَالِفُ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: إنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ وَأَهْلَ الْمَوَاقِيتِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حُكْمِهِمْ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُسْتَطِيعٌ لِلْحَجِّ مِنْ غَيْرِ خُرُوجٍ عَنْ عَادَةٍ فَلَزِمَهُ الْحَجُّ كَالْوَاجِدِ لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. (فَصْلٌ) : وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ أَوْ لِأَمْرٍ ثَابِتٍ فَإِنْ كَانَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ يَرْجُو بُرْأَهُ وَزَوَالَهُ كَالْأَمْرَاضِ الْمُعْتَادَةِ فَإِنَّ هَذَا يَنْتَظِرُ الْبُرْءَ وَيُؤَدِّي الْحَجَّ فَأَمَّا إنْ كَانَ لِأَمْرٍ ثَابِتٍ عَنْهُ كَالْهَرَمِ وَالزَّمَانَةِ فَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ الْمَعْضُوبَ وَلَا يَلْزَمُهُ عِنْدَنَا الْحَجُّ وَإِنْ وَجَدَ الْمَالَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، هُوَ مُسْتَطِيعٌ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ غَيْرَهُ يُؤَدِّي عَنْهُ الْحَجَّ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ وَجَدَ مَنْ يَبْذُلُ لَهُ الطَّاعَةَ مِنْ وَلَدٍ أَوْ أَخٍ أَوْ عَبْدٍ أَعْتَقَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْحَجُّ بِبَذْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَالْآيَةُ وَرَدَتْ مُقَيِّدَةً لِمَنْ يَسْتَطِيعُ السَّبِيلَ إلَى الْبَيْتِ فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السَّبِيلَ إلَيْهِ لَمْ تَتَنَاوَلْهُ الْآيَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ صِفَةٌ مَوْجُودَةٌ بِالْمُسْتَطِيعِ كَالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بِهِ اسْتِطَاعَةٌ فَلَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حَجٌّ. وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مُكَلَّفٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَصْلُ ذَلِكَ الصَّحِيحُ أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مِنْ نَصِّ قَوْلِهِمْ بِقَوْلِ الْخَثْعَمِيَّةِ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا أَخْبَرَتْ أَنَّ الْحَجَّ اُفْتُرِضَ عَلَى أَبِيهَا فِي حَالِ كِبَرِهِ وَعَجْزِهِ عَنْ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 633

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَلَى ذَلِكَ وَإِذَا ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وُجُوبُ الْحَجِّ عَلَيْهِ وَصَحَّ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهِ عَلِمْنَا أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ اسْتِنَابَةُ غَيْرِهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ تَعَلَّقَ بِأَبِيهَا وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِينَ نَزَلَ وَأَبُوهَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ تَوَجُّهُ فَرْضِ الْحَجِّ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ شَرَطَ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ فَلَمْ يَتَوَجَّهْ فَرْضُهُ إلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّهَا قَالَتْ هَلْ يُقْضَى عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ ﷺ نَعَمْ قَالُوا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ لَهَا نَعَمْ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُقْضَى عَنْهُ حَجُّهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَجٌّ لَمَا قَضَتْ عَنْهُ شَيْئًا كَمَا لَا تَقْضِي عَنْهُ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صَوْمٍ وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَضَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْوَاجِبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْضَى عَنْهُ مَا وَجَبَ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيُلْحِقُهُ ذَلِكَ بِحَالَةِ مَنْ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفَرْضُ فَأَدَّاهُ؛ لِأَنَّ حَالَتَهُ أَكْمَلُ مِنْ حَالَةِ مَنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ، وَلِذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ أَبِي مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ» أَنْ يُقْضَى وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ أَنْ يُؤَدِّيَهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّ الِابْنَ إذَا أَرَادَ إلْحَاقَ أَبِيهِ بِحَالِ مَنْ أَدَّى دَيْنَهُ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَحُجَّ عَنْهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُفْسَخْ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ دُونَ الْمَعْضُوبِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَدْ جَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِي ذَلِكَ عَنْ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَنْهَضُ وَلَمْ يَحُجَّ وَعَنْ الْمَيِّتِ أَنَّهُ جَائِزٌ لِابْنِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يُوصِ وَيُجْزِئُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الْأَعْمَى الَّذِي يَجِدُ مَنْ يَهْدِيهِ السَّبِيلَ وَيَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ أَنْ يَحُجَّ غَيْرُهُ عَنْهُ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَالْمَعْضُوبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا قَدْ اسْتَطَاعَ السَّبِيلَ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَلَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ غَيْرَهُ كَالْبَصِيرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْحَجُّ فِي الْبَحْرِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ لَا سَبِيلَ لَهُ غَيْرُهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إنْ كَانَ بَحْرًا مَأْمُونًا يَكْثُرُ سُلُوكُهُ لِلتِّجَارَاتِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ بَحْرًا مَخُوفًا تَنْدُرُ فِيهِ السَّلَامَةُ وَلَا يَكْثُرُ رُكُوبُ النَّاسِ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسْقِطُ فَرْضَ الْحَجِّ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ كَرِهَ الْحَجَّ فِي الْبَحْرِ إلَّا لِمِثْلِ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ لَهُ طَرِيقًا غَيْرَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَحْرَ قَالَ سَحْنُونٌ فِي غَيْرِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَلْحَقُ النَّاسَ فِيهِ مِنْ الْعَجْزِ مَا يَعْجِزُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ فِي الْبَحْرِ لَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْجِهَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النحل: ١٤] فَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِذَلِكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ مَنْعِ كَثِيرٍ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي التِّجَارَاتِ فَبِأَنْ يَجُوزَ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ مَعَ ذَلِكَ أَوْلَى وَأَحْرَى، وَقَدْ أُبِيحَ لَنَا السَّفَرُ فِي الْبَرِّ وَمَوَاضِعَ يُعْدَمُ فِيهَا الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ الَّتِي مَقْصُودُهَا الصَّلَاةُ.

стр. 634

مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا أَفَأَحُجُّ عَنْهُ سُؤَالٌ مِنْهَا عَنْ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ ﷺ نَعَمْ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي صِحَّةَ النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالْعِبَادَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: عِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالْمَالِ كَالزَّكَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِيهَا وَعِبَادَةٍ مُخْتَصَّةٍ بِالْجَسَدِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْلَمُهُ إلَّا مَا يُرْوَى عَنْ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ يَصُومُ عَنْهُ وَلِيُّهُ وَعِبَادَةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ كَالْجِهَادِ وَالْحَجِّ فَقَدْ أَطْلَقَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ قَالَ: وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَرَأَى أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمَيِّتِ أَفْضَلُ مِنْ اسْتِئْجَارِ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ نُفِّذَتْ وَصِيَّتُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ وَإِنَّمَا لِلْمَيِّتِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ نَفَقَتُهُ إنْ أَوْصَى أَنْ يُسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ تَطَوَّعَ عَنْهُ بِذَلِكَ أَحَدٌ فَلَهُ أَجْرُ الدُّعَاءِ وَفَضْلُهُ وَهَذَا وَجْهُ انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِالْحَجِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى قَوْلَيْنِ غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ أَظُنُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ يَنْفُذُ ذَلِكَ وَلَا يُسْتَأْجَرُ إلَّا مَنْ قَدْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَالَ أَيْضًا لَا يَحُجُّ عَنْهُ صَرُورَةٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُعْتَقٌ بَعْضُهُ وَلَا مُدَبَّرٌ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ فَلَوْلَا أَنَّ الْحَجَّ عَلَى وَجْهِ النِّيَابَةِ عَنْ الْمُوصِي لَمَا اُعْتُبِرَتْ صِفَةُ الْمُبَاشِرِ لِلْحَجِّ، وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بِمَنْعِ النِّيَابَةِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ فَقَالَ: أَمَّا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ عَنْهُ فَلَا نَرَى ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يَتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا أَحَبُّ إلَيَّ يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يَتَصَدَّقُ عَنْهُ أَوْ يُعْتِقُ عَنْهُ فَفَاضَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّفَقَاتِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ جَوَّزَ مَالِكٌ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ فَصَحَّتْ النِّيَابَةُ فِيهَا بِالْإِجَارَةِ كَالزَّكَاةِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَكُونُ النِّيَابَةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لَسْنَا نَعْنِي بِصِحَّةِ النِّيَابَةِ أَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ عَنْهُ بِحَجَّةِ الْغَيْرِ وَإِنَّمَا نُرِيدُ بِذَلِكَ التَّطَوُّعَ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِي نَفْلِهِ دُونَ فَرْضِهِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُسْتَأْجَرُ لِلْحَجِّ عَبْدٌ وَلَا مُكَاتَبٌ وَلَا مُدَبَّرٌ وَالنَّفَلُ يَصِحُّ مِنْ هَؤُلَاءِ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِنَابَةَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ. فَوَجْهُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِنَابَةَ مَكْرُوهَةٌ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُوهَا تُوُفِّيَ عَنْ وَصِيَّتِهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَنْ مَيِّتٍ. [مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ مَنْ حُبِسَ بِعَدُوٍّ عَنْ أَنْ يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ، وَذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ فِي الْحَجِّ بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَيَقَّنَ بَقَاءَهُ وَاسْتِيطَانَهُ لِقُوَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ وَالْيَأْسِ مِنْ إزَالَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ حَبْسًا وَيَحِلُّ حَيْثُ حُبِسَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ وَقْتِ الْحَجِّ مِقْدَارُ مَا يَهِمُ أَنَّهُ لَوْ زَالَ الْعَدُوُّ لَأَدْرَكَ الْحَجَّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ فَهَذَا لَا يَكُونُ مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مِقْدَارُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ زَالَ الْعَدُوُّ لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحِلُّ مَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْحَجِّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] يَرُوحَ النَّاسُ إلَى عَرَفَةَ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا وَقْتُ يَأْسٍ مِنْ إكْمَالِ حَجِّهِ بِعَدُوٍّ غَالِبٍ فَجَازَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ فِيهِ أَصْلُ ذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ حُكْمِ الْإِحْرَامِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَالْتِزَامُهُ لَهُ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لِلْحَاجِّ التَّحَلُّلُ بِمَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَظْهَرُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا فِي الْعُمْرَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقِيمُ وَيَتَرَبَّصُ رَاجِيًا زَوَالَ الْعَدُوِّ مَا لَمْ يَضُرَّ الِانْتِظَارُ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَ الْعَدُوِّ إلَّا فِي مُدَّةٍ يَلْحَقُهُ بِمِثْلِهَا الضَّرُّ رَحَلَ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هَذَا فِي الْعَدُوِّ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُهُ، وَأَمَّا الْعَدُوُّ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَالْمُسْتَوْطِنِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ تُرْجَى إبَاحَتُهُ لِلطَّرِيقِ فَإِنَّ التَّوَقُّفَ فِي ذَلِكَ وَمُحَاوَلَتَهُ يَجْرِي عِنْدِي مَجْرَى رَجَاءِ زَوَالِهِ وَمُحَاوَلَتِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ زَوَالَهُ وَلَا إبَاحَتَهُ لِلطَّرِيقِ جَازَ الْإِحْلَالُ بِنَفْسِ ظُهُورِهِ وَتَغَلُّبِهِ وَمَنْعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْإِحْصَارُ لَا يَكُونُ إلَّا عَمَّا لَا يَتِمُّ النُّسُكُ إلَّا بِهِ وَهُوَ فِي الْعُمْرَةِ الْبَيْتُ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي الْحَجِّ مَعَ ذَلِكَ عَرَفَةُ فَإِنْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ عَنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْمَنَاسِكِ كُلِّهَا وَيَنْتَظِرُ أَيَّامًا فَإِنْ زَالَ الْعَدُوُّ وَأَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إلَى الْبَيْتِ طَافَ وَإِلَّا حَلَّ وَانْصَرَفَ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ نُسُكِهِ بِمَا يُمْكِنُهُ وَمَا حُصِرَ عَنْهُ تَحَلَّلَ وَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ كَمَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ جَمِيعِ النُّسُكِ فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ فَأُحْصِرَ عَنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحِلَّ دُونَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى وَيُؤَخِّرَ الْحِلَاقَ فَإِنْ يَئِسَ مِنْ زَوَالِ الْعَدُوِّ أَوْ طَالَ انْتِظَارُهُ بِمِقْدَارِ مَا يُدْرِكُهُ بِهِ الضَّرَرُ حَلَقَ وَحَلَّ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ لَهُ مَتَى مَا حُصِرَ فَتَرْكُ مَا مُنِعَ مِنْهُ جَائِزٌ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ النُّسُكِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِالْإِحْرَامِ لَهُ وَلَهُ إذَا تَحَلَّلَ حُكْمُ الْحَاجِّ لَا حُكْمُ الْمُعْتَمِرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ وَكَذَلِكَ فَعَلَ سَائِرُ أَصْحَابِهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ نَحَرَهُ وَحَلَقَ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَقَ فَأَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ النُّسُكِ بِمَا أَمْكَنَهُ» ، وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَفُتْهُ وَإِنَّمَا عَمِلَ عَمَلَهُ لِلْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا عَمَلُهُ لِلْحَجِّ وَقَدْ كَانَ يَحْكُمُ لَهُ بِتَمَامِ حَجِّهِ دُونَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَقَدْ طَافَ وَسَعَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَحَالَ الْعَدُوُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَرَفَةَ فَلْيَحُلَّ وَيَنْصَرِفْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافٌ وَلَا سَعْيٌ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْوُرُودِ سَاقِطٌ عَنْهُ وَطَوَافَ الْإِفَاضَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ الْعَمَلِ بِمَا مُنِعَ مِنْهُ بِالْحَصْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَقَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ عَنْ الْوُصُولِ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى التَّقَدُّمِ إلَى قُرْبِ مَكَّةَ وَمَمْنُوعٌ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمَنَاسِكِ فَلَهُ عِنْدِي أَنْ يَحِلَّ بِمَوْضِعِهِ فَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ مَنَعَ الطَّرِيقَ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ طَرِيقًا أُخْرَى فَيَسْلُكَ حَيْثُ لَا تَسْلُكُ وَيَمُرَّ بِالْأَثْقَالِ حَيْثُ لَا يَمُرُّ بِهَا وَلَا يَرْكَبَ الْمَخَاوِفَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا هَذَا فَهُوَ مَحْصُورٌ وَإِنْ كَانَ وَجَدَ سَبِيلًا آمِنَةً مَسْلُوكَةً وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ فَلَيْسَ بِمَحْصُورٍ إنْ بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا يَصِلُ فِيهِ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الطَّرِيقِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ عَلِمَ بِالْحَصْرِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا يُحْرِمُ فَإِنْ فَعَلَ فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَحْصُورِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ بِالْمَنْعِ، وَأَحْرَمَ فَقَدْ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ لِذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِيهِ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ صَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْبَيْتِ فِي عُمْرَتِهِ فَتَحَلَّلَ بِالْحُدَيْبِيَةِ «قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ

стр. 636

) . ــ [المنتقى] فَنَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ» وَعِلَّةُ ذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ مَمْنُوعٌ بِيَدٍ ظَالِمَةٍ غَالِبَةٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ فِيمَنْ حُبِسَ فِي دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لَيْسَ بِمَحْصُورٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَقَدْ كُنْت عِنْدَ مَالِكٍ فِي نَفَرٍ مُحْرِمِينَ اُتُّهِمُوا فِي دَمٍ فِيمَا بَيْنَ الْأَبْوَاءِ وَالْجُحْفَةِ فَرُدُّوا إلَى الْمَدِينَةِ وَحُبِسُوا فَسَأَلَ مَالِكٌ عَنْهُمْ وَأُخْبِرَ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَالِكٌ لَا يُحِلُّهُمْ إلَّا الْبَيْتُ فَأَمَّا الْحَبْسُ فِي الدَّيْنِ وَالتُّهْمَةِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ بِحَقٍّ لَا يَسْتَدِيمُ الْمَنْعُ وَإِنَّمَا يُرِيدُ اقْتِضَاءَ حَقٍّ يُتَرَقَّبُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَدَاؤُهُ وَالتَّخَلُّصُ مِنْهُ، وَأَهْلُ التُّهَمِ مُتَرَقَّبٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ ظُهُورُ بَرَاءَتِهِمْ مِنْهَا أَوْ إقْرَارُهُمْ بِالْحَقِّ فَيُقْتَصُّ مِنْهُمْ مَعَ أَنَّ الْحَابِسَ بِيَدِ حَقٍّ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ تُحْرِمُ فِي تَطَوُّعٍ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَالْعَبْدُ يُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَإِنَّ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ أَنْ يُحِلَّهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ بِوَجْهِ حَقٍّ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ اسْتِدَامَةَ الْمَنْعِ وَأَمَّا الْمَسْجُونُ فِي دَيْنٍ أَوْ تُهْمَةٍ فَإِنَّ الْحَابِسَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْتِدَامَةَ الْمَنْعِ وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ، ثُمَّ لَا يَجُوزُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْعُهُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ عِلَّةُ جَوَازِ الْمُحْصَرِ غَيْرَ عِلَّةِ جَوَازِ تَحَلُّلِ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ وَقَدْ تَجْمَعُهُمْ عِلَّةٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَمْنُوعٌ بِيَدٍ غَالِبَةٍ تَقْصِدُ اسْتِدَامَةَ الْمَنْعِ فَكَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: إنَّ الْمَنْعَ إذَا كَانَ بِسَبَبٍ عَامٍّ فَلَهُ حُكْمُ الْمُحْصَرِ وَإِذَا كَانَ بِسَبَبٍ خَاصٍّ كَالْمَسْجُونِ فِي حَقٍّ أَوْ الَّذِي مَرِضَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ أَوْ أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَهَذَا سَبَبُهُ خَاصٌّ فَلَا يُحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّ مَا يَتَخَلَّصُ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ سَبَبِ الْحَصْرِ فَإِنَّهُ يُبِيحُ التَّحَلُّلَ وَمَا كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ سَبَبِهِ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ التَّحَلُّلَ كَالْمَرَضِ وَمَا أَشْبَهَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَنْحَرُ هَدْيَهُ مَعْنَاهُ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ قَدْ سَاقَهُ وَأَمَّا تَحَلُّلُهُ لِلْحَصْرِ فَلَا يُوجِبُ هَدْيًا عِنْدَ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ تَحَلُّلٌ مَأْذُونٌ فِيهِ عَارٍ مِنْ التَّفْرِيطِ وَإِدْخَالِ النَّقْصِ فَلَمْ يَجِبْ بِهِ هَدْيٌ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَكْمَلَ حَجَّهُ، وَدَلِيلٌ ثَانٍ يَخْتَصُّ بِالشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَحَرُّمٌ وَتَحَلُّلٌ فَإِذَا سَقَطَ قَضَاؤُهَا بِالْفَوَاتِ وَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ جُبْرَانُهَا كَالصَّلَاةِ إذَا سَقَطَ قَضَاؤُهَا لِفَوَاتِ الْإِتْيَانِ بِهَا بِالْحَيْضِ وَالْإِغْمَاءِ سَقَطَ جُبْرَانُ الْفَوَائِتِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ، وَاحْتَجَّ أَشْهَبُ وَمَنْ تَابَعَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ وَهَذَا مِمَّنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ، وَقَدْ خَالَفَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَشْهَبَ فِي هَذَا، وَقَالُوا الْإِحْصَارُ إنَّمَا هُوَ إحْصَارُ الْمَرَضِ وَأَمَّا الْعَدُوُّ فَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهِ: حُصِرَ حَصْرًا فَهُوَ مَحْصُورٌ فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ الْفَرَّاءُ إنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ أَحَصَرَهُ الْمَرَضُ وَأَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ وَلَا يُقَالُ: حَصَرَهُ إلَّا فِي الْعَدُوِّ وَحْدَهُ، فَإِذَا كَانَ لَفْظُ الْإِحْصَارِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ حُمِلَ عَلَيْهِمَا فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ حَكَى عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: أُحْصِرَ الرَّجُلُ فَهُوَ مُحْصَرٌ وَمَا كَانَ مِنْ سِجْنٍ أَوْ حَبْسٍ قِيلَ: فِيهِ أُحْصِرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى مَا كَانَ مِنْ مَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: أُحْصِرَ فَهُوَ مُحْصَرٌ وَمَا كَانَ مِنْ حَبْسٍ قِيلَ فِيهِ حُصِرَ فَهُوَ مَحْصُورٌ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ قُبِرَ الرَّجُلُ إذَا دُفِنَ وَأَقْبَرَ الرَّجُلَ جَعَلَ لَهُ قَبْرًا وَمَا حَكَاهُ الْفَرَّاءُ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعَدُوِّ: أُحْصِرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَعْنَى الْمَجَازِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاللِّسَانِ مَعَ التَّقَدُّمِ وَالْعِلْمِ، وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَرَضُ دُونَ الْعَدُوِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْمَحْصُورُ بِعَدُوٍّ يَحْلِقُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ

стр. 637

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَنَحَرُوا الْهَدْيَ وَحَلَقُوا رُءُوسَهُمْ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ الْهَدْيُ» ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لِشَيْءٍ) . ــ [المنتقى] تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] مَعْنَاهُ فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ. وَإِذَا كَانَ هَذَا وَارِدًا فِي الْمَرَضِ فَلَا خِلَافَ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ أَوَّلَ الْآيَةِ فِيمَنْ وَرَدَ فِيهِ وَسَطُهَا وَآخِرُهَا لِاتِّسَاقِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَانْتِظَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَرُجُوعِ الْإِضْمَارِ فِي أَجْزَاءِ الْآيَةِ إلَى مَنْ خُوطِبَ فِي أَوَّلِهَا، فَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُدُولِ عَنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ حَيْثُ حُبِسَ يُرِيدُ حَيْثُ انْتَهَى سَفَرُهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْحَرُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ وَحَلْقِ رَأْسِهِ وَإِذَا كَانَ تَحَلُّلُهُ وَحَلْقُ رَأْسِهِ فِي الْحِلِّ فَكَذَلِكَ نَحْرُ هَدْيِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ فِي الرُّتْبَةِ عَلَى الْحِلَاقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ عُمْرَتَهُ أَوْ حَجَّتَهُ الَّتِي تَحَلَّلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ تَحَلُّلَهُ مِنْهُمَا إذَا حُصِرَ عَنْ بُلُوغِ الْغَايَةِ مِنْهُمَا مُسْقِطٌ لِمَا وَجَبَ مِنْهَا بِالدُّخُولِ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَأَمَّا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ إتْمَامِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَتَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ كَانَ أَرَادَهَا بِهَا وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَاسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ بِيَدٍ غَالِبَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ أَصْلُهُ الْعَبْدُ يُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَالْمَرْأَةُ تُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَيَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا الْمَحْبُوسُ فِي الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَحْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ» يُرِيدُ أَنَّهُ تَحَلَّلَ بِذَلِكَ مِنْ عُمْرَتِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا وَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ عَنْهَا فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ، ثُمَّ حَلَقَ بِهَا رَأْسَهُ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُ لَوْ وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَفَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا مِنْ الْإِحْرَامِ شَيْئًا عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى إمَاطَةِ الْأَذَى وَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَسْتَبِيحُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَيَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ وَيَثْبُتُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَوَانِعِ الْإِحْرَامِ وَأَمَّا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُمْ حَلُّوا الْحِلَّ كُلَّهُ وَخَرَجُوا عَنْ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ إلَى حُكْمِ التَّحَلُّلِ الْمُطْلَقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الْهَدْيُ يُرِيدُ أَنَّ إحْلَالَهُمْ كَانَ قَبْلَ وُصُولِ الْهَدْيِ مَحِلَّهُ وَهُوَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ النُّسُكِ مِنْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَبْيِينَ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ وَأَنَّ تَحَلُّلَهُ ﷺ كَانَ وَلَمْ يَصِلْ إلَى الْبَيْتِ فَيَأْتِي بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ مِنْ طَوَافٍ أَوْ سَعْيٍ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الصَّدَّ إنَّمَا كَانَ عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ وَهُوَ مَوْضِعُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَلَوْ وَصَلَ إلَى ذَلِكَ لَمَا كَانَ مَحْصُورًا وَلَكَانَ نُسُكُهُ قَدْ كَمُلَ عَلَى وَجْهِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا يَعُودُوا لِشَيْءٍ يُرِيدُ مَالِكٌ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَصَابَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِثْلَ هَذَا فِي مَحْفِلٍ عَظِيمٍ وَعَدَدٍ كَثِيرٍ وَمَشْهَدٍ مَشْهُورٍ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ إلَّا بِإِيجَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَالٌ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَمُحَالٌ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِهِ، وَلَا يَبْلُغُنَا مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَتَوَاتُرِ جَمْعِهِمْ وَتَحَدُّثِهِمْ بِمَا جَرَى

стр. 638

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ حِينَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ إنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ وَأَهْدَى» قَالَ مَالِكٌ فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ وَأَصْحَابُهُ فَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ) . ــ [المنتقى] لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ لِشُهْرَةِ الْمَشْهَدِ وَسُؤَالِ التَّابِعِينَ لَهُمْ عَنْهُ وَقَدْ أَوْرَدُوا مِنْ حَالِ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ مَا لَا تَبْلُغُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ مَبْلَغَهَا إلَى هَذَا صِفَةِ مَسِيرِهِمْ وَلِقَاءِ مَنْ لَقُوهُ وَمَا لَقِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ صِفَةِ الْمَنْعِ وَأَسْمَاءِ الْوَارِدِينَ عَنْ قُرَيْشٍ وَنَصِّ أَلْفَاظِهِمْ وَمُرَاجَعَتِهِمْ وَجَوَابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَقَوْلِ أَصْحَابِهِ فِيهِ وَعِدَّةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ فَكَيْفَ بِهَذَا الْحُكْمِ، مَعَ عَظِيمِ شَأْنِهِ وَشُمُولِ الْحَاجَةِ إلَى بَقَاءِ حُكْمِهِ وَامْتِثَالِهِ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا فَهَذَا كَانَ أَوْلَى بِالنَّقْلِ فَإِذَا لَمْ يُنْقَلْ مَعَ مَا عُلِمَ مِنْ اهْتِبَالِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَقْلِ أَحْكَامِهِ وَاهْتِمَامِ التَّابِعِينَ بِسُؤَالِهِمْ عَنْهَا وَنَقْلِهِمْ لَهَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِقَضَاءٍ وَإِذَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ صَحَّ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ. وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا مَعَهُ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ الْعَدَدَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَوْ لَزِمَ الْقَضَاءُ لَلَزِمَ جَمِيعَهُمْ وَلَوَجَبَ أَنْ يُلْقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى جَمِيعِهِمْ إلْقَاءً شَائِعًا يَعُمُّهُمْ عِلْمُهُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ فِي مُسْتَقَرِّ الْعَادَةِ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْنَا إمَّا بِطَرِيقِ تَوَاتُرٍ أَوْ طَرِيقِ آحَادٍ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْنَا هَذَا مِنْ أَمْرِهِ مَعَ مَا يَلْزَمُ مِنْ شُمُولِهِ وَعُمُومِهِ لَجَازَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْنَا أَكْثَرُ غَزَوَاتِهِ وَمَشَاهِدِهِ وَمَقَامَاتِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي أَكْثَرِهَا لَمْ يَبْلُغُوا هَذَا الْعَدَدَ الَّذِي لَزِمَهُمْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَوَامِرِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَا لَعَلَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ إلَّا نَاقِلُهُ خَاصَّةً أَوْ سَمِعَهُ مَعَهُ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ فَكَيْفَ لَا يُنْقَلُ إلَيْنَا مَا شَمِلَ جَمِيعَهُمْ عِلْمُهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ،. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حِينَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي حَالِ الْفِتْنَةِ يُرِيدُ فِتْنَةَ الْحَجَّاجِ وَنُزُولِهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنَّهُ يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ وَيَرْجِعُ وَيَرَى أَنَّهُ قَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ نُسُكُهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِئًا لَمَا دَخَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَتَعَرَّضُ لِفَوَاتِ النُّسُكِ وَإِبْطَالِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمْ يَتَيَقَّنْ نُزُولَ الْجَيْشِ بِابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ أَحْرَمَ، وَإِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ يَتَّقِيهِ وَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ وَإِنْ كَانَ تَيَقَّنَ نُزُولَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ صَدَّهُمْ لَهُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِزَالِ الطَّوَائِفِ وَتَرْكِ التَّلَبُّسِ بِالْفِتْنَةِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ تَيَقَّنَ الْعَدُوَّ الْمَانِعَ لَمَا جَازَ أَنْ يُحْرِمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَلَبُّسٌ بِعِبَادَةٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهَا لَا تَتِمُّ فَيَكُونُ كَالْقَاصِدِ لِغَيْرِ الْبَيْتِ بِنُسُكِهِ أَوْ مُلْتَزِمًا لِتَمَامِ النُّسُكِ وَمُطَّرِحًا لِلْإِحْلَالِ بِالْحَصْرِ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إتْمَامُ نُسُكِهِ وَلَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنْ يُصَدَّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ مُحَارِبًا، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْعُمْرَةَ وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ تَمْنَعُ مِنْ قَصْدِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ امْتَثَلَ نُسُكَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْتِيَ مِنْ التَّحَلُّلِ دُونَ الْبَيْتِ إنْ صُدَّ عَنْهُ بِمَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيَكُونُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُ وَلَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ لَمَّا خَافَ أَنْ يَكُونَ آكَدَ مِنْ الْعُمْرَةِ فِي ذَلِكَ وَأَلَّا يَكُونَ لِلْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ مِنْ الرُّخْصَةِ بِالتَّحَلُّلِ مَا لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ

стр. 639

مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ الْمُحْصَرُ بِمَرَضٍ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِذَا اُضْطُرَّ إلَى لُبْسِ شَيْءٍ مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا أَوْ الدَّوَاءِ صَنَعَ ذَلِكَ وَافْتَدَى) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ يُرِيدُ أَنَّهُ تَأَمَّلَ مَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَمَا كَانَ يُرِيدُهُ مِنْ الْحَجِّ وَيُسْرِ حَالِهِمَا فَرَأَى أَنَّ حُكْمَهُمَا فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُمَا نُسُكَانِ مُتَعَلِّقَانِ بِالْبَيْتِ فَإِذَا كَانَ التَّرَخُّصُ بِالتَّحَلُّلِ فِي أَحَدِهِمَا كَانَ لَهُ فِي الْآخَرِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ التَّحَلُّلُ فِي الْعُمْرَةِ وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ فَبِأَنْ يَكُونَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ أَوْلَى فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنَّ أَمْرَهُمَا وَاحِدٌ وَهَذَا حُكْمٌ بِالْقِيَاسِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْتَفَتَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ أَعْلَمَهُمْ بِمَا ظَهَرَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ لِيُنَبِّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الْقَضِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ فِي ذَلِكَ مَنْ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ وَيُنَبِّهَ عَلَى مَوَاضِعِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ ذَلِكَ فَأَرْدَفَ عَبْدُ اللَّهِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ فَصَارَ قَارِنًا، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَنَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ طَوَافًا وَاحِدًا وَرَأَى ذَلِكَ مُجْزِئًا عَنْهُ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى الطَّوَافَ الْوَاحِدَ أَجْزَأَ عَنْ عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ إذْ كَانَ قَدْ قَرَنَ بَيْنَهُمَا وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَقُولُ لَا تُجْزِئُهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ فَهَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ وَكَمَا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ مِثْلُ حُكْمِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا جَازَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: أُحْصِرَ فِي الْعَدُوِّ فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَلَمْ تُغَيِّرْهَا الرُّوَاةُ فَإِنَّهَا عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ إنَّ لَفْظَةَ أُحْصِرَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ وَحُصِرَ لَا يُقَالُ: إلَّا فِي الْعَدُوِّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ فِي ذَلِكَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَمَّا مَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ يُرِيدُ بِذَلِكَ مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ وَأَمَّا مَنْ مَلَكَهُ غَيْرُهُ كَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنَّهُمَا يُحِلَّانِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ إذَا مَنَعَهُمَا مَنْ لَهُ الْمَنْعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدُوًّا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ لِتَمَامِهِ اسْتِدَامَةُ الْمَنْعِ وَالْإِذْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. [مَا جَاءَ فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ هُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ التَّحَلُّلُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا تَلَبُّسٌ بِالْحَجِّ لَمْ يُصَدَّ عَنْهُ بِيَدٍ غَالِبَةٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ دُونَ الْبَيْتِ كَمُخْطِئِ الْوَقْتِ أَوْ مُخْطِئِ الطَّرِيقِ وَالِاسْتِدْلَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا وُضِعَ لِلتَّخَلُّصِ مِمَّا هُوَ سَبَبٌ لِلتَّحَلُّلِ كَالْعَدُوِّ الْمَانِعِ فَشُرِعَ التَّحَلُّلُ لِلسَّلَامَةِ مِنْهُ وَالرُّجُوعِ عَنْهُ وَالْمَرِيضُ لَا يَتَخَلَّصُ بِتَحَلُّلِهِ مِنْ مَرَضِهِ فَلَمْ يَشْرَعْ لَهُ التَّحَلُّلُ كَالْمَسْجُونِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ شَرَطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ التَّحَلُّلَ لِلْمَرَضِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ إحْرَامِهِ بِأَنَّ لَهُ ذَلِكَ لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ لِأَجْلِ الشَّرْطِ أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِطَ إلَّا أَنْ يَبْدُو لِي، وَتَعَلَّقَ مَنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِ الِاشْتِرَاطِ بِمَا رَوَاهُ أَنَّ

стр. 640

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الْمُحْرِمُ لَا يُحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَانَ قَدِيمًا أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت إلَى مَكَّةَ حَتَّى إذَا كُنْت بِبَعْضِ الطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي فَأَرْسَلْت إلَى مَكَّةَ وَبِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالنَّاسُ فَلَمْ يُرَخِّصْ لِي أَحَدٌ أَنْ أُحِلَّ فَأَقَمْت عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَحْلَلْت بِعُمْرَةٍ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مَعْبَدَ بْنَ حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي عَرَضَ لَهُ فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَيَفْتَدِيَ فَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَيُهْدِي مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) ــ [المنتقى] ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ فَكَيْفَ أَقُولُ؟ فَقَالَ قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِقَوْلِهَا وَمَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي الْمَوْتَ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ عَلَيْهِ إتْمَامُ نُسُكِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ حَيْثُ تَحْبِسُنِي بِعَدُوٍّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِقَوْلِهَا مَحِلِّي أَيْ مَكَانَ مَقَامِي حَيْثُ تَحْبِسُنِي عَنْ التَّوَجُّهِ إلَى الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فَإِذَا زَالَ الْمَرَضُ تَوَجَّهْت إلَيْهِ وَأَكْمَلْت نُسُكِي وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ قَوْلُهَا وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي فَهَذَا ظَاهِرُهُ الْمَكَانُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ الدُّعَاءَ بِالْعَوْنِ وَالِاعْتِرَافَ بِالْعَجْزِ مَعَ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي بُلُوغِ الْغَرَضِ مِنْ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ لِمَا يُخَافُ مِنْ عَوَائِقِ الْمَرَضِ تُرِيدُ إنِّي يَا رَبِّ خَارِجَةٌ رَجَاءَ عَوْنِك عَلَى الْبُلُوغِ إلَى قَضَاءِ نُسُكِي فَإِنْ حَبَسْتنِي دُونَ ذَلِكَ فَإِنِّي إنَّمَا أُمْسِكُ عَنْ التَّمَادِي حَيْثُ حَبَسْتَنِي وَسَلَبْتَنِي الْقُوَّةَ عَلَى السَّعْيِ إلَى قَضَاءِ نُسُكِي وَهَذَا غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ صِفَةِ الْبَانِي عَلَى إحْرَامِهِ إذَا أُحْصِرَ بِمَرَضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ اسْتِدَامَةَ إحْرَامِهِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ لَمْ يَفُتْهُ فِيهِ الْحَجُّ كَانَ طَوَافُهُ بِالْبَيْتِ وَسَعْيُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِحَجَّةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَكَانَ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ يَطُوفُ بِهَا وَيَسْعَى، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْحَجِّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ فَمَتَى وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ طَافَ لَهَا وَسَعَى وَتَحَلَّلَ مِنْهَا. (فَرْعٌ) وَلَوْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ بَعْدَ مَا طَافَ لِحَجِّهِ وَسَعَى فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِلْعُمْرَةِ الَّتِي يُحِلُّ بِهَا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ إلَّا بِنُسُكٍ كَامِلٍ، وَأَقَلُّ النُّسُكَيْنِ الْعُمْرَةُ، وَلَمَّا كَانَتْ لَا تَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَدْخُلْهَا الْفَوَاتُ كَانَ تَحَلُّلُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِهَا لَمَّا كَانَ حُكْمُ الْإِحْرَامِ لَازِمًا لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ عَنْهُ إلَّا بِتَمَامِ نُسُكٍ، وَكَانَ الْحَجُّ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ لَمْ يَصِحَّ الْخُرُوجُ مِنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِعُمْرَةٍ وَلَمَّا كَانَ طَوَافُ هَذَا الْمُحْصَرِ وَسَعْيُهُ لِحَجِّهِ الَّذِي فَاتَهُ لَزِمَهُ اسْتِقْبَالُ طَوَافٍ وَسَعْيٍ لِلْعُمْرَةِ الَّتِي تَحَلَّلَ بِهَا وَلَمْ يَنُبْ طَوَافُ الْحَجِّ عَنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ مَعْبَدَ بْنَ حُزَابَةَ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إحْرَامَهُ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ إلَّا أَنَّ قَوْلَ الْمُفْتِينَ لَهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ يَقْتَضِي أَنَّ إحْرَامَهُ كَانَ بِالْحَجِّ وَأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي سُؤَالِهِ وَعَرَفُوا ذَلِكَ مِنْ حَالِهِ وَلَوْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ حَجٍّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَلَوْ لَمْ يَعْرِفُوا صِفَةَ إحْرَامِهِ لَمَا أَفْتَوْهُ حَتَّى سَأَلُوهُ عَنْ

стр. 641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مُقْتَضَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَسَأَلَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَنْ الْعُلَمَاءِ يُرِيدُ أَنَّهُ سَأَلَ عَمَّنْ يَسْتَفْتِيهِ فِي أَمْرِهِ مِنْ الْحَالِّينَ عَلَى الْمَاءِ إنْ كَانَ يَحْضُرُ مَوْضِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَوَجَدَ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْوَانَ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُسْتَفْتَى وَيُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ جَازَ أَنْ يُفْتِيَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ بِدَرَجَاتٍ كَثِيرَةٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ أَبَاحُوا لَهُ التَّدَاوِي لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَرَضِهِ) ذَلِكَ وَلِكَسْرِهِ مِنْ طَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيَفْتَدِي إنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَمْنَعُ الْإِحْرَامَ وَكَذَلِكَ إنْ احْتَاجَ أَنْ يَرْبِطَ عَلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ خِرْقَةً فَإِنَّهُ يَرْبِطُهَا وَيَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِذَا صَحَّ اعْتَمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ يُحِلُّ بِعُمْرَةٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ يَدُومُ بِهِ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ وَهُوَ لَا يُحِلُّ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَإِذَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ لِفَوَاتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَفَوَاتِ كَثِيرٍ مِنْ سَبَبِهِ وَهُوَ الْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفُ بِهَا وَالْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الْجِمَارِ بِهَا لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِنُسُكٍ يَتَحَلَّلُ بِهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ الْعُمْرَةُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ أَوْ يَدْخُلَ مَكَّةَ فَإِنْ أَرَادَ الْمَقَامُ بِمَوْضِعِهِ فَذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَقَدُّمِهِ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ فَوَاتِ الْحَجِّ مَعْنًى يُوجِبُ عَلَيْهِ التَّعَجُّلَ فَكَانَ لَهُ الِارْتِفَاقُ بِمَقَامِهِ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ إنْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُ فَيُقِيمَ عِنْدَهُمْ حَرَامًا حَتَّى يَقْوَى عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِذَا كَانُوا بَعِيدًا فَلْيَقُمْ بِمَوْضِعِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ لَهُ أَنْ يَسْتَدِيمَ طَرِيقَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ حَوَائِجِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ مِنْ الْأَسْفَارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَبَى الْمَقَامُ فِي مَوْضِعِهِ فَلَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَحُجُّ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ إنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ لِمَشَقَّةِ الْبَقَاءِ عَلَى الْإِحْرَامِ فَإِنْ أَبَى وَسَهُلَ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ اسْتِصْحَابُ الْإِحْرَامِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَأَتَمَّ حَجَّهُ هَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ يُهْدِي احْتِيَاطًا. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّحَلُّلِ الَّذِي قَبْلَ إكْمَالِ النُّسُكِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَلَّلْ وَبَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنْ يَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّبْرِ لِأَدَاءِ الْإِحْرَامِ عَامًا كَامِلًا لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْهَدْيَ فَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إذَا أَهْدَى خَالِصًا لِإِتْمَامِ الْعِبَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى إحْرَامِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُحِلَّ فَذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ تَدْخُلْ أَشْهُرُ الْحَجِّ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَهُ مَالِكٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ لِلْبَقَاءِ إلَى هَذَا الْعَامِ وَإِنَّمَا أَحْرَمَ لَهُ لِلْعَامِ الْأَوَّلِ فَلَمَّا فَاتَهُ كَانَ التَّحَلُّلُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ إلَى أَنْ تَدْخُلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي وَإِذَا دَخَلَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْحَجُّ بِدُخُولِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِهَا فَلَمَّا بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَيْهَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِلْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَحْرَمَ بِهِ الْآنَ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْعَامِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَحَلُّلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْإِحْرَامِ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ فَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يُحِلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَا يَسْتَدِيمَ فِيهَا الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ إذْ الْإِحْرَامُ بِهِ فِيهَا مَكْرُوهٌ وَقَدْ أُبِيحَ لَهُ التَّحَلُّلُ فَإِذَا اسْتَدَامَ الْإِحْرَامَ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُدَّةِ كَرَاهِيَةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَدَخَلَ فِي مُدَّةٍ تَخْتَصُّ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مَعَ قُرْبِ وَقْتِ الْحَجِّ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ قَبْلَ الْحَجِّ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ التَّحَلُّلَ لِمَشَقَّةِ اسْتِصْحَابِ الْإِحْرَامِ فَإِذَا دَخَلَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ فَقَدْ زَالَتْ الْمَشَقَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا يُشْرَعُ وَقْتًا لِلْإِحْرَامِ. (مَسْأَلَةٌ) :

стр. 642

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى هَذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ قَالَ مَالِكٌ. وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِينَ فَاتَهُمَا الْحَجُّ وَأَتَيَا يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يُحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَرْجِعَا حَلَالًا ثُمَّ يَحُجَّانِ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَانِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَكُلُّ مَنْ حُبِسَ عَنْ الْحَجِّ بَعْدَمَا يُحْرِمُ إمَّا بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ بِخَطَأٍ مِنْ الْعَدَدِ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَالُ فَهُوَ مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ) . (ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَصَابَهُ كَسْرٌ أَوْ بَطْنٌ مَخُوفٌ أَوْ امْرَأَةٌ تَطْلُقُ قَالَ فَمَنْ أَصَابَهُ هَذَا مِنْهُمْ فَهُوَ مُحْصَرٌ يَكُونُ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا هُمْ أُحْصِرُوا) . ــ [المنتقى] فَإِنْ بَقِيَ حَرَامًا حَتَّى يَحُجَّ فَذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ فَإِنْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً: فَسْخُهُ بَاطِلٌ، وَقَالَ مَرَّةً إنْ جَهِلَ فَفَعَلَ صَحَّ تَحَلُّلُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّحَلُّلِ فَلَمْ يَصِحَّ تَحَلُّلُهُ أَصْلُ ذَلِكَ لَوْ تَحَلَّلَ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَجِّ، وَأَصْلُهُ مَنْ أَحْرَمَ فِي هَذَا الْعَامِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَصَحَّ تَحَلُّلُهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا تَحَلَّلَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ تَحَلُّلِهِ فَحَجَّ مِنْ عَامِهِ ذَلِكَ فَهَلْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا أَمْ لَا؟ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَرَّةً يَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ عُمْرَةٌ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ فِي ذَلِكَ الْعَامِ تَرَخَّصَ فِيهِمَا بِتَرْكِ السَّفَرَيْنِ فَكَانَ مُتَمَتِّعًا، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَحْرَمَ بِهِمَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً وَإِنَّمَا تَحَلَّلَ بِهَا مِنْ حَجَّةٍ فَلَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ حُكْمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّ التَّمَتُّعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِعُمْرَةٍ صَحِيحَةٍ مَقْصُودَةٍ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ أَرَادَ التَّقَدُّمَ إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ لَزِمَهُ التَّحَلُّلُ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى إحْرَامِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ اسْتِدَامَةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ فَإِنْ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ إلَى أَشْهُرِ الْحَجِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ حَتَّى يَحُجَّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ: وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ حَلَّ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ قَضَاءً عَنْ حَجَّتِهِ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا وَمُنِعَ مِنْ إتْمَامِهَا وَيُجْزِئُ ذَلِكَ مِنْ فَرْضٍ وَنَفْلٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى مَا دَخَلَ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَنُوبَ عَمَّا كَانَ أَحْرَمَ بِهِ. (ش) : احْتَجَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِيَارُهُ هُوَ فِي الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ مَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا أَيُّوبَ وَهَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ حِين فَاتَهُمَا الْحَجُّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ قَدْ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ فَفَاتَهُ الْحَجُّ وَكَانَ هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَدْ أَخْطَأَ الْعِدَّةَ فَقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ يَرَاهُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَأَمَرَهُمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ يَقْضِيَا الْحَجَّ عَامًا قَابِلًا وَيُهْدِيَا فَرَأَى مَالِكٌ ﵀ أَنَّ حُكْمَ الْمُحْصَرِ بِمَرَضٍ حُكْمُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ عَنْ إتْمَامِ نُسُكٍ دُونَ يَدٍ غَالِبَةٍ وَلَا مَنْعَ مِنْ ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ حُبِسَ عَنْ تَمَامِ حَجِّهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهِ، وَكَانَ حَبْسُهُ ذَلِكَ بِمَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يُرِيدُ مِمَّا حُكْمُهُ حُكْمُ الْمَرَضِ فِي الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ الطَّرِيقَ وَلَا هِيَ مِنْ حُقُوقِ الْمَالِكِينَ وَأَمَّا الَّذِي يُخْطِئُ الْعَدَدَ، مِثْلُ أَنْ يَظُنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَخْفَى عَلَيْهِ الْهِلَالُ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ فِي خَطَأِ الْعَدَدِ فَإِنَّ خَطَأَ الْعَدَدِ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ خَفَاءِ الْهِلَالِ مِثْلُ أَنْ يُخْطِئَ فَيَظُنَّ يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَفُوتُهُ بِذَلِكَ الْحَجُّ فَإِنَّ هَذَا مُحْصَرٌ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ يُرِيدُ مِنْ التَّمَادِي إلَى الْبَيْتِ وَأَنَّهُ لَا يُحِلُّ دُونَهُ وَأَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ وَالْمُحْصَرُ عِنْده هُوَ الَّذِي لَمْ يُمْنَعْ وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ سَبَبُ الْمَنْعِ وَأَمَّا الْمَمْنُوعُ فَهُوَ مَحْصُورٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ أَهَلَّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ إتْمَامُهُ فَإِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَبَبٌ مَانِعٌ مِثْلُ أَنْ

стр. 643

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ حَتَّى إذَا قَضَى عُمْرَتَهُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ كُسِرَ أَوْ أَصَابَهُ أَمْرٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ قَالَ مَالِكٌ أَرَى أَنْ يُقِيمَ حَتَّى إذَا بَرَأَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُحِلُّ ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ مَرِضَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْضُرَ مَعَ النَّاسِ الْمَوْقِفَ قَالَ مَالِكٌ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنْ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ لَمْ يَكُنْ نَوَاهُ لِلْعُمْرَةِ فَلِذَلِكَ يَعْمَلُ بِهَذَا وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ) . ــ [المنتقى] يَكُونَ الْمُحْرِمُ يُصِيبُهُ كَسْرٌ أَوْ انْطِلَاقُ بَطْنٍ أَوْ تَكُونَ امْرَأَةٌ حَامِلٌ تُطْلِقُ يُرِيدُ يُصِيبُهَا وَجَعُ النِّفَاسِ فَيَأْتِي مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُسْتَطَاعُ مَعَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عَرَفَةَ فَإِنَّ حُكْمَ هَذَا الْمَكِّيِّ الَّذِي أَصَابَهُ هَذَا حُكْمُ أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا أُحْصِرُوا عَنْ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا إحْصَارَ عَلَى الْمَكِّيِّ وَإِنْ نَعَشَ نَعْشًا قَالَ مُحَمَّدٌ يُرِيدُ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى النَّعْشِ إلَى عَرَفَةَ وَغَيْرِهَا. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّ هَذَا عَاجِزٌ عَنْ إتْمَامِ نُسُكِهِ وَفِعْلِ مَا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ بِمَرَضٍ فَكَانَ مُحْصَرًا، أَصْلُ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَكِّيِّ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ قُرْبُ الْمَسَافَةِ وَالتَّمَكُّنُ فِي غَالِبِ الْحَالِ عِنْدَهُ مِنْ إتْمَامِ الْحَجِّ وَبُلُوغِ الْمَنَاسِكِ وَإِنْ تَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ الْمُؤَنَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْعَادَةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ أَظْهَرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ هَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَكُونُ عَلَيْهِ مَا عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ إذَا أُحْصِرُوا يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ الْقَضَاءِ وَالْهَدْيِ. وَقَدْ رَوَى دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فَقِيلَ لِمَالِكٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَطَرَحَ عَنْهُمْ هَدْيَ التَّمَتُّعِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فَإِنْ ﴿أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَالْمَكِّيُّ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَحَلَّ مِنْهَا، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى التَّمَتُّعِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ أُحْصِرَ عَنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ يُرِيدُ وَقْتَ الْوُقُوفِ بِهَا بِكَسْرٍ أَوْ أَمْرٍ يَمْنَعُهُ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ قَالَ أَرَى أَنْ يُقِيمَ يُرِيدُ عَلَى إحْرَامِهِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إذَا قَوِيَ وَاسْتَطَاعَ الْخُرُوجَ إلَى الْحِلِّ خَرَجَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ قَدْ فَاتَهُ وَلَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ وَمِنْ شَرْطِهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَهُوَ قَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ الْحَرَمِ وَجَمَعَ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ لِيَأْتِيَ بِشَرْطِ الْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ لِلْإِتْيَانِ بِأَفْعَالِ عُمْرَتِهِ الَّتِي يَتَحَلَّلُ بِهَا وَهِيَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّ مِنْ الْإِحْرَامِ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ قَضَاءً عَنْ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ وَهَلْ يَكُونُ مُتَمَتِّعًا لِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ اعْتَمَرَ فِيهَا أَمْ لَا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَجَّ لَمْ يَتِمَّ. (ش) : قَوْلُهُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وُرُودٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ وَلَهُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِمَا شَاءَ مِنْ الطَّوَافِ وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا لَا يُتَنَفَّلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَكُنْ قُرْبَةً فِي نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَتَنَفَّلُ بِهِ بِإِثْرِ طَوَافِ تَنَفُّلٍ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَكُونَ بِإِثْرِ طَوَافٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَا طَوَافَ فِي الْحَجِّ إلَّا طَوَافُ الْوُرُودِ أَوْ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَإِذَا سَقَطَ عَنْ الْحَاجِّ مِنْ مَكَّةَ طَوَافُ الْوُرُودِ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَيَلْزَمُهُ تَأْخِيرُ السَّعْيِ يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ

стр. 644

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ فَأَصَابَهُ مَرَضٌ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَلَّ بِعُمْرَةٍ وَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافًا آخَرَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ لِأَنَّ طَوَافَهُ الْأَوَّلَ وَسَعْيَهُ إنَّمَا كَانَ نَوَاهُ لِلْحَجِّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ) . مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَخْبَرَ ــ [المنتقى] فَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ يَشْتَمِلُ عَلَى طَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَ حُكْمُهُ الْإِتْيَانَ بِهِمَا بَعْدَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْعُمْرَةِ. (فَرْعٌ) وَمَنْ أَهَلَّ مِنْ مَكَّةَ بِالْحَجِّ فَقَدَّمَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ فَقَدْ أَتَى بِالسَّعْيِ بِإِثْرِ طَوَافٍ لَمْ يُشْرَعْ لِلْحَجِّ بَلْ هُوَ طَوَافٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ إذَا فَعَلَهُ لِلْحَجِّ فَلَمْ يَأْتِ بِالسَّعْيِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِيَأْتِيَ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يُعِدْ السَّعْيَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ تَبَاعَدَ مِنْ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهِ عَقِيبَ طَوَافٍ فَوُجِدَ فِيهِ شَرْطُ الْإِجْزَاءِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِلنَّقْصِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ بِإِتْيَانِهِ عَقِيبَ طَوَافٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ لِلْحَجِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ إنْ اسْتَطَاعَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ فَدَخَلَ بِعُمْرَةٍ يُرِيدُ إنْ تَمَادَى بِهِ عُذْرُهُ حَتَّى يَفُوتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَطَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ الْخُرُوجَ إلَى الْحِلِّ وَلَمْ تَخْتَرِمْهُ مَنِيَّةٌ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ فَإِنَّ حُكْمَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَقَدْ حَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ تَنْبِيهًا عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ بِالْحَجِّ وَيَنْوِي أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي نُسُكِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَلَوْ كَانَ إحْرَامُهُ لِحَجِّهِ مِنْ الْحِلِّ لَمَا احْتَاجَ الْآنَ إلَى الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ الْإِحْرَامُ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ يَسْتَأْنِفُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ الَّذِي أَتَى بِهِمَا لِلْحَجِّ قَبْلَ أَنْ يُحْصَرَ لَا يُجْزِئَانِهِ لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ، وَالْهَدْيُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَضَاءِ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ وَالْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِفَوَاتِهِ. (ش) : قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ يُرِيدُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِهَا فَيَكُونُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوُرُودِ فَيَطُوفُ لَهُ وَيَسْعَى بِإِثْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ لَا يَخْلُو أَنْ يُحْرِمَ بِهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ مِنْ الْحِلِّ فَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحَرَمِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ فِي تَأْخِيرِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْحَرَمِ فَيَكُونُ لَهُ طَوَافُ الْوُرُودِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ الْحِلِّ فَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ وَارِدٌ عَلَى الْحَرَمِ مِنْ الْحِلِّ فَعَلَيْهِ طَوَافُ الْوُرُودِ وَهُوَ وَاجِبٌ لِلنُّسُكِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ فَيَتَعَقَّبُ السَّعْيَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرِ التَّعْلِيل وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ قَدِمَ إلَى مَكَّةَ دُونَ مَنْ كَانَ بِهَا وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَدِمَ إلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَ الْوُرُودِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِأَهْلِ مَكَّةَ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِمْ دُونَ أَهْلِ الْحَرَمِ أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ لَا دَمَ عَلَيْهِمْ لِلْقِرَانِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا كَرَّرَ مَالِكٌ ﵀ هَذَا الْفَصْلَ أَنَّ مَنْ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ بَعْدَ أَنْ طَافَ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ وَسَعَى فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ لِعُمْرَتِهِ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا طَافَ الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ وَسَعَى طَوَافًا وَسَعْيًا غَيْرَ مَشْرُوعَيْنِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ مَشْرُوعَانِ فَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ اسْتِئْنَافِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلْعُمْرَةِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ لَمْ يَكُنْ أَتَى بِهِمَا جَمِيعًا لِعُمْرَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ أَتَى بِهِمَا لِحَجَّتِهِ فَلَا يُجْزِئَانِهِ لِعُمْرَتِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ -.

стр. 645

عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ قَالَتْ: فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْت» قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أُرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ مَا أُبَالِي أَصَلَّيْت فِي الْحِجْرِ أَمْ فِي الْبَيْتِ) . ــ [المنتقى] [مَا جَاءَ فِي بِنَاءِ الْكَعْبَةِ] (ش) : قَوْلُهُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ بَنَوْا الْبَيْتَ عَلَى بَعْضِ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَهِيَ قَوَاعِدُ الْبَيْتِ الَّذِي أَسَّسَهُ بِهَا إبْرَاهِيمُ ﵇ فَلَمْ تَسْتَوْعِبْ قُرَيْشٌ حِينَ بَنَوْا الْبَيْتَ الْبُنْيَانَ الَّذِي كَانَ بِهَا حِينَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ وَهَذَا الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ شَهِدَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَنَقَلَ الْحِجَارَةَ فِيهِ وَوَضَعَتْ قُرَيْشٌ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي حَائِطِهِ بِحُكْمِهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَذَلِكَ الْبُنْيَانُ الَّذِي اقْتَصَرَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَنْ بَعْضِ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَتَرَكَتْ شَيْئًا مِنْهَا خَارِجًا عَنْ بُنْيَانِهَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي مَنَعَهَا مِنْ اسْتِيعَابِ الْقَوَاعِدِ بِالْبِنَاءِ قُصُورُ النَّفَقَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ تُرِيدُ أَنْ يَنْقُضَ الْبُنْيَانَ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ الْقَوَاعِدُ وَيَبْنِيهَا بُنْيَانًا يَسْتَوْعِبُ الْقَوَاعِدَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِك بِالْكُفْرِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قُرْبَ الْعَهْدِ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا أَنْكَرَتْ نُفُوسُهُمْ خَرَابَ الْكَعْبَةِ فَيُوَسْوِسُ لَهُمْ الشَّيْطَانُ بِذَلِكَ مَا يَقْتَضِي إدْخَالَ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ يُرِيدُ اسْتِئْلَافَهُمْ وَيَرُومُ تَثْبِيتَهُمْ عَلَى أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ يَخَافُ أَنْ تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ بِتَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ وَرَأَى أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ وَأَمْرُ النَّاسِ بِاسْتِيعَابِ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ أَقْرَبُ إلَى سَلَامَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَإِصْلَاحِ أَدْيَانِهِمْ مَعَ أَنَّ اسْتِيعَابَهُ بِالْبُنْيَانِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْفُرُوضِ وَلَا مِنْ أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي لَا تَقُومُ إلَّا بِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالطَّوَافِ خَاصَّةً وَهَذَا يُمْكِنُ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ إنْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَدْ سَلِمَ مِنْ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ وَكَانَتْ عَائِشَةُ قَدْ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا أُرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلَّا؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ وَهَذَا يَقْتَضِي قَصْدَ تَرْكِهِمَا وَإِلَّا فَلَا يُسَمَّى تَارِكًا لِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مَنْ أَرَادَ الشَّيْءَ فَمَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ فَعَلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِتَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ عِلَّةَ ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ لِلْبَيْتِ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ بَلْ أُخْرِجَ مِنْهُ بَعْضُ الْحَجَرِ فَلَمْ يَبْلُغْ بِهِ رُكْنَيْ الْبَيْتِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ فَالرُّكْنَانِ اللَّذَانِ هُمَا الْيَوْمَ لِلْبَيْتِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَيْسَا بِرُكْنَيْنِ لِلْبَيْتِ الَّذِي أَسَّسَ قَوَاعِدَهُ إبْرَاهِيمُ ﵇ وَإِنَّمَا هُمَا مِنْ وَسَطِ الْجِدَارِ فَلَمْ يُشْرَعْ اسْتِلَامُهُمَا كَمَا لَمْ يُشْرَعْ اسْتِلَامُ سَائِرِ الْجِدَارِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِلَامَ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالْأَرْكَانِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ: لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ شَيْءٌ مَهْجُورٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «مَا أُرَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلَّا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يَتِمَّ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ» . (ش) : قَوْلُهَا مَا أُبَالِي

стр. 646

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ سَمِعْت بَعْضَ عُلَمَائِنَا يَقُولُ: مَا حُجِرَ الْحِجْرُ فَطَافَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ إلَّا إرَادَةَ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ كُلِّهِ) . الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ» قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا) . ــ [المنتقى] أَصَلَّيْت فِي الْحِجْرِ أَمْ فِي الْبَيْتِ تُرِيدُ الْبَيْتَ الْمَبْنِيَّ الْآنَ فَقَالَتْ لَا أُبَالِي أَصَلَّيْت فِيهِ أَمْ فِي الْحِجْرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ الَّذِي أَسَّسَهُ إبْرَاهِيمُ ﵇ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِمَا فَالصَّلَاةُ فِي الْحِجْرِ صَلَاةٌ فِي الْبَيْتِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ تَقَرَّرَ مِنْ رَأْيِهَا مَنْعَ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ فَنَقُولُ: إنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَجِّ بِمَنْزِلَتِهَا فِي الْمَنْعِ إمَّا عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِمَّا عَلَى وَجْهِ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي الْبَيْتِ لَمَا خَصَّتْ الْحِجْرَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ سَائِرِ الْمَوَاضِعِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ قَالَتْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ إبَاحَةِ الْأَمْرَيْنِ جَوَابًا لِمُنْكِرِ ذَلِكَ فِي الْبَيْتِ فَقَالَتْ إنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحِجْرِ وَالْبَيْتِ عِنْدِي سَوَاءٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالصَّلَاةُ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فَأَمَّا الْفَرْضُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ مَنْ صَلَّى فِي الْبَيْتِ أَعَادَ أَبَدًا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَشْهَبُ مَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ أَعَادَ أَبَدًا. وَجْهُ قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ الْقِبْلَةَ تَمُرُّ عَلَى جَمِيعِ الْبَيْتِ وَيَسْتَقْبِلُ الْمُسْتَقْبِلُ لَهَا جَانِبَيْنِ مِنْ الْبَيْتِ وَمَنْ صَلَّى فِيهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُصَلٍّ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ مَوْضِعٌ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى فِيهِ النَّافِلَةُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَجَازَ أَنْ تُصَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةُ كَخَارِجِ الْبَيْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّفَلُ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحِجْرِ وَالْبَيْتِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تُصَلَّى النَّافِلَةُ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ وَهُوَ كَمُصَلٍّ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَيُصَلَّى دَاخِلُ الْبَيْتِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي الْفَرِيضَةِ مَنْ صَلَّاهَا فَوْقَ الْبَيْتِ أَجْزَأَهُ وَإِذَا جَوَّزَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ فَبِأَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِي النَّافِلَةِ أَوْلَى وَقَوْلُهُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ مَا حُجِرَ الْحِجْرُ يُرِيدُ مَا حُجِرَ بِالْجِدَارِ الَّذِي حُجِرَ بِهِ عَلَيْهِ يُرِيدُ مَنَعَ بِهِ مِنْ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا لِمَنْ قَصَدَهُ مِنْ بَابِهِ فَإِنَّمَا أُرِيدَ تَحْجِيرُ الْحِجْرِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ النَّاسَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ إذَا كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا وَالْحِجْرُ مِنْ الْبَيْتِ فَالطَّوَافُ بِهِ لَازِمٌ كَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَلَوْ لَمْ يُحْجَرْ لَأَوْشَكَ أَنْ يَمُرَّ بِهِ طَائِفٌ فَلَا يَسْتَوْعِبُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَإِجْمَاعُ النَّاسِ عَلَى تَحْجِيرِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْتِيعَابَ الطَّوَافِ لِجَمِيعِ الْبَيْتِ لَازِمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ بِبَعْضِ الْبَيْتِ مُجْزِئًا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى تَحْجِيرِ الْبَيْتِ لِيَسْتَوْعِبَ الطَّوَافُ جَمِيعَهُ وَمَنْ طَافَ بِبَعْضِ الْبَيْتِ لَمْ يُجْزِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ طَافَ بِالْحِجْرِ طَوَافًا وَاجِبًا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ طَوَافَهُ وَإِنْ تَبَاعَدَ وَرَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَبَرَ ذَلِكَ بِالدَّمِ وَأَجْزَأَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَهَذَا يَقْتَضِي الطَّوَافَ بِجَمِيعِهِ وَمَنْ طَافَ بِالْحِجْرِ فَإِنَّمَا يَطُوفُ بِبَعْضِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. [الرَّمَلُ فِي الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُهُ رَمَلَ مِنْ الْحِجْرِ الْأَسْوَدِ يُرِيدُ ابْتَدَأَ رَمَلَهُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَهُوَ افْتِتَاحُ الطَّوَافِ، ثُمَّ جَعَلَ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَطَافَ بِالْبَيْتِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ مَرَّةً فَيَكُونُ مَعَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَكِّسَ الطَّائِفُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَطُوفَ بِهِ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ فَإِنْ فَعَلَهُ حَاجٌّ

стр. 647

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَيَمْشِي أَرْبَعَةَ أَطْوَافٍ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) . ــ [المنتقى] أَوْ مُعْتَمِرٌ أَعَادَ مَا كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَبَرَهُ بِدَمٍ وَأَجْزَأَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ مَضَى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْبَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ، وَأَفْعَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . (فَصْلٌ) : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّمَلَ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ هُوَ الْإِسْرَاعُ فِيهِ بِالْخَبَبِ لَا يَحْسُرُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ وَلَا يُحَرِّكُهُمَا وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيُّ الرَّمَلُ أَنْ يَثِبَ فِي مَشْيِهِ وَثْبًا خَفِيفًا يَهُزُّ مَنْكِبَيْهِ وَلَيْسَ بِالْوَثْبِ الشَّدِيدِ فَإِنْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ قَدْرَ وَثْبِهِ بِتَحَرُّكِ جَسَدِهِ وَلَا يَقْصِدُ إلَى إفْرَادِهِمَا بِالتَّحْرِيكِ فَهُوَ حَسَنٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَذَلِكَ مِنْ حُكْمِ طَوَافِ الْوُرُودِ، الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَبَبَ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ إنَّمَا كَانَ لِإِظْهَارِ الْجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَقَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يَتْرُكَ الرَّمَلَ ثُمَّ اسْتَدَامَهُ فَقَالَ: مَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمْ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ شَيْءٌ صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ وَقَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ الْفَتْحِ وَبَعْدَ أَنْ ثَبَتَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ وَزَالَتْ عَنْهُ الْمُرَاءَاةُ بِذَلِكَ لِلْمُشْرِكِينَ» رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِحَدِيثِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنْ الْجِعْرَانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا وَمَشَوْا أَرْبَعًا» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رَمَلَ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى انْتَهَى إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ يَقْتَضِي أَنَّ الطَّوَافَ كَانَ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَمْشُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ» وَتَأَوَّلَ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُرَاءُونَ الْمُشْرِكِينَ بِالْجَلَدِ وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى قُعَيْقِعَانَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا ظَهَرُوا لَهُمْ رَمَلُوا لِيَرَوْهُمْ الْجَلَدَ وَالْقُوَّةَ وَإِذَا اسْتَتَرُوا بِالْبَيْتِ فَكَانُوا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ مَشَوْا إبْقَاءً لِقُوَّتِهِمْ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ أَنْ يَرْمُلَ الطَّائِفُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمُ وَإِنَّمَا حَكَى فِعْلَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ آخِرُ مَا فَعَلَ وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فِعْلَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ، وَالْآخِرُ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَايَنَ مَا حَكَاهُ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَاهْتَبَلَ ذَلِكَ اهْتِبَالًا أَوْرَدَ جَمِيعَ فِعْلِهِ مُنْذُ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ عَادَ إلَيْهَا وَتَحَفَّظَ ذَلِكَ وَابْنُ عَبَّاسٍ إنَّمَا رَوَى عَنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْ عَامَ الْقَضِيَّةِ لِصِغَرِهِ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ تَرَكَ الرَّمَلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا لِحَاجَتِهِ إلَى الْإِبْقَاءِ عَلَى أَصْحَابِهِ فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ لَزِمَ اسْتِدَامَةَ الرَّمَلِ الْمَشْرُوعِ. (ش) : قَوْلُهُ يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي طَوَافِ الْوُرُودِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَيَمْشِي أَرْبَعَةً يُرِيدُ الثَّلَاثَةَ الَّتِي رَمَلَ فِيهَا لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ أُسْبُوعَهُ وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَسْتَوْعِبُ الطَّوَافَ بِالرَّمَلِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَدْ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ

стр. 648

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إذَا طَافَ سَعَى الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَا وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَمَا أَمَتَّا يَخْفِضُ صَوْتَهُ بِذَلِكَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ التَّنْعِيمِ قَالَ، ثُمَّ رَأَيْته سَعَى حَوْلَ الْبَيْتِ الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ. ) ــ [المنتقى] قَالَ قُلْت لِنَافِعٍ أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ قَالَ كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لِاسْتِلَامِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِتَرْكٍ لِلرَّمَلِ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ رِفْقٌ فِيهِ عِنْدَ ازْدِحَامِ النَّاسِ عَلَى الْحَجَرِ لِيَكُونَ أَيْسَرَ لِاسْتِلَامِهِ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَاهُ يُرِيدُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ سَعَى الْأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ يُرِيدُ الْأُولَى مِنْ الطَّوَافِ وَسَمَّاهَا أَشْوَاطًا. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ. وَقَدْ كَرِهَ مُجَاهِدٌ أَنْ يُقَالَ: شَوْطٌ وَدَوْرٌ وَيُقَالَ طَوْفٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ فِي الطَّوَافِ غَيْرُ هَذَا الِاسْمِ لِيَغْلِبَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] كَأَنَّهُ رَآهُ اسْمًا شَرْعِيًّا فَكَرِهَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ غَيْرُهُ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَا وَأَنْتَ تُحْيِي بَعْدَمَا أَمَتَّا كَانَ يَقُولُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَخَيَّرُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ الذِّكْرِ أَوْ الدُّعَاءِ لَا عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَخْصُوصٌ بِالطَّوَافِ وَمَسْنُونٌ فِيهِ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُرْوَةَ هَذَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ مُعَيَّنٍ لِلطَّوَافِ حَتَّى لَا يُجْزِئَ غَيْرُهُ وَحَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ سَبَبِهِ بَلْ لِمَنْ شَاءَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِهَذَا الذِّكْرِ وَيَتْرُكَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا يُؤْثِرُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَخْفِضُ بِهَا صَوْتَهُ هَذَا حُكْمُ الذِّكْرِ فِي الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مُجْمِعٍ يَنْفَرِدُ كُلُّ أَحَدٍ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَلَوْ رَفَعَ كُلُّ إنْسَانٍ صَوْتَهُ لَآذَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ التَّلْبِيَةُ فَإِنَّهَا شِعَارُ الْحَجِّ فَلِذَلِكَ شُرِعَ فِيهَا الْإِعْلَانُ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ سَعَى فِي الْأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ يُرِيدُ الْأَوَّلَ وَأَمْكَنَ تَعْرِيفُهَا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ؛ لِأَنَّهَا الْمَعْرُوفَةُ بِالرَّمَلِ وَإِنَّمَا رَمَلَ فِي طَوَافِهِ وَإِنْ كَانَ إحْرَامُهُ مِنْ التَّنْعِيمِ؛ لِأَنَّ الرَّمَلَ إنَّمَا شُرِعَ فِي طَوَافِ مَنْ قَدِمَ مِنْ الْحِلِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُ طَوَافَهُ السَّعْيُ وَلَمَّا كَانَ الْمُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ مِنْ التَّنْعِيمِ قَادِمًا مِنْ الْحِلِّ كَانَ حُكْمُهُ الرَّمَلَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ يَرْمُلُ الْمُعْتَمِرُ مَكِّيٌّ وَغَيْرُهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ دَاخِلٌ مِنْ الْحِلِّ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُ طَوَافَهُ السَّعْيُ. (فَرْعٌ) وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْمُلَ مِنْ الرِّجَالِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَالُهُمْ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ هِيَ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي يَسُوغُ فِعْلُهَا وَتَرْكُهَا كَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ أَوْ هِيَ مِنْ الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ الَّتِي تَلْزَمُ الطَّوَافَ كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَالْأَصْلُ الثَّانِي: هَلْ يَصِحُّ رَفْضُ الطَّوَافِ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا مِنْ الْهَيْئَاتِ الْحَسَنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ رَفْضُ الطَّوَافِ عِنْدَهُ فَلَا يُعِيدُ مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ مَوْضِعُ الرَّمَلِ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ طَوَافِهِ لَا يَصِحُّ رَفْضُهُ. وَإِنَّمَا يَفْعَلُ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الطَّوَافِ نَفْلًا وَلَمْ يُشْرَعْ فِيهِ رَمَلٌ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي لَا تَلْزَمُ الطَّوَافَ كَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ بَلْ اسْتِلَامُ الْحَجَرِ آكَدُ مِنْهُ وَأَلْزَمُ لِلطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نَوَى بِهِ فِي كُلِّ طَوَافٍ وَهُوَ عِبَارَةٌ تَنْفَرِدُ بِنَفْسِهَا وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ الْهَيْئَاتِ وَيَصِحُّ رَفْضُ الطَّوَافِ قَالَ يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَوَجْهُ إعَادَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَأْتِ بِالطَّوَافِ عَلَى أَكْمَلِ صِفَاتِهِ رَفَضَهُ وَأَتَى بِطَوَافٍ آخَرَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمُسْتَحَبَّةِ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ مِنْ الْهَيْئَاتِ وَيَصِحُّ مَنْعُ هَذَا إنْ أَرَادَ أَنَّهُ يُتَمِّمُ فَضِيلَةَ ذَلِكَ الطَّوَافِ وَإِنْ لَمْ يَرْفُضْهُ كَمَا يُتِمُّ فَضِيلَةَ مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَهَذَا أَبْيَنُ عَلَى قَوْلِ مَنْ

стр. 649

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) . الِاسْتِلَامُ فِي الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ وَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ» ) . ــ [المنتقى] قَالَ: إنَّهُ يُعِيدُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُعِيدَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ ذَلِكَ النُّسُكِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِنَا بِصِحَّةِ الرَّفْضِ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يُعِيدَ مَا لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ نُسُكِهِ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّوَافِ اللَّازِمَةِ كَلُزُومِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَلَمْ يَرَ صِحَّةَ رَفْضِ الطَّوَافِ قَالَ لَا يُعِيدُ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ قَالَ يَلْزَمُ الرَّمَلُ وَرَأَى صِحَّةَ الرَّفْضِ أَوْ إتْمَامَ الْفَرِيضَةِ قَالَ لَا يُعِيدُ فَإِنْ فَاتَهُ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ لَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى لِمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا عَقِيبَ طَوَافٍ وَاجِبٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَأَنَّ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَنْ وَرَدَ مِنْ الْحِلِّ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِالْحَرَمِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافٌ أَصْلًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يُؤَخِّرُ طَوَافَهُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى مُنْصَرَفَهُ مِنْ عَرَفَةَ فَيَطُوفُ لِلْإِفَاضَةِ فَيَسْعَى عَقِيبَ طَوَافِهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ طَوَافٌ وَاجِبٌ لِوَارِدٍ مِنْ حِلٍّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ لَا يَرْمُلُ إذَا طَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ طَوَافَ التَّطَوُّعِ الَّذِي كَانَ يَطُوفُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ وَأَمَّا طَوَافُ الْإِضَافَةِ فَإِنَّهُ يَتَعَقَّبُ قُدُومَهُ مِنْ الْحِلِّ فَسُنَّتُهُ الرَّمَلُ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ عَنْهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ نَافِعٍ مَكِّيًّا كَانَ إذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَرْمُلُ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ قَالَ وَالرَّمَلُ أَحَبُّ إلَيْنَا فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ فَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ وَمَنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ حَتَّى صَدَرَ فَلْيَرْمُلْ وَمَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَهْدَى فَحَسَنٌ وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ حُكْمَ الرَّمَلِ لِمَنْ وَرَدَ مِنْ عَرَفَةَ لَازِمٌ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ تَرَكَهُ فِي طَوَافِ الْوُرُودِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذَا الطَّوَافِ أَخَفَّ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَارِدًا مِنْ الْحِلِّ فَإِنَّهُ طَوَافُ تَحَلُّلٍ لَا طَوَافُ تَلَبُّسٍ بِالْعِبَادَةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ الرَّمَلُ وَإِنَّمَا شُرِعَ فِيهِ الرَّمَلُ إذَا كَانَ بَعْدَهُ سَعْيٌ. [الِاسْتِلَامُ فِي الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ وَرَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ يُرِيدُ الطَّوَافَ الَّذِي يَتَعَقَّبُهُ السَّعْيُ فَإِنَّهُ كَانَ إذَا أَكْمَلَهُ وَأَكْمَلَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ وَصَلَ بِذَلِكَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا فَكَانَ إذَا أَرَادَ فِرَاقَ الْبَيْتِ عَادَ إلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ خَلْفَ الْمَقَامِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الصَّفَا فَإِنَّ طَرِيقَهُ عَلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَكَانَ ﷺ يَسْتَلِمُ فِي خُرُوجِهِ ذَلِكَ إلَى الصَّفَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُرِعَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ تَوَابِعِ الطَّوَافِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُمَا بِاسْتِلَامِ الْحَجَرِ كَالطَّوَافِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا اسْتِلَامُ الرُّكْنِ ابْتِدَاءً فِي غَيْرِ طَوَافٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ وَمَا بِذَلِكَ مِنْ بَأْسٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَكِنْ لَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ اسْتِلَامِهِ طَوَافٌ وَلَا رُكُوعٌ وَلَا غَيْرُهُ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يُفْرِدَ ذَلِكَ كَالدُّعَاءِ الَّذِي قَدْ يُفْعَلُ فِي جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُفْرِدَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمِنْ سُنَّةِ

стр. 650

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَيْفَ صَنَعْت يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنِ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَلَمْت وَتَرَكْت فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصَبْت» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا قَالَ: وَكَانَ لَا يَدَعُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ إلَّا أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ) . تَقْبِيلُ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لِلرُّكْنِ الْأَسْوَدِ إنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك ثُمَّ قَبَّلَهُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحِبُّ إذَا رَفَعَ الَّذِي يَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَدَهُ عَنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى فِيهِ) . ــ [المنتقى] اسْتِلَامِ الرُّكْنِ الطَّهَارَةُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ إلَّا طَاهِرًا. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الطَّوَافِ وَالطَّوَافُ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «كَيْفَ صَنَعْت يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنِ؟» اخْتِبَارٌ مِنْهُ ﷺ لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ مِقْدَارَ عِلْمِهِمْ وَحَمْلِهِمْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ عَلَى وَجْهِهَا وَإِنْ كَانَ ﷺ قَدْ وَكَّلَ الْأَمْرَ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِهِمْ لَمَّا كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ فِيهِ الِاجْتِهَادُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَلَمْت وَتَرَكْت يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَلَمَ مَرَّةً وَتَرَكَ الِاسْتِلَامَ أُخْرَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ فِي الِاسْتِلَامِ أَنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ النُّسُكِ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدَهُ مِنْ الْفَضَائِلِ الَّتِي يُؤْجَرُ مَنْ فَعَلَهَا وَلَا يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهَا مِنْ الْقُرَبِ، وَأَنَّهُ يُجْزِي فِعْلُهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ دُونَ بَعْضٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ أَصَبْت تَصْوِيبٌ لِفِعْلِهِ وَلِمَا رَآهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ جَمِيعُ الْفُقَهَاءِ مَنْ تَرَكَ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَنَّ اسْتِلَامَهُ أَفْضَلُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَلِمُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَقَوْلُهُ وَكَانَ: لَا يَدَعُ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ إلَّا أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّ مُرَاعَاتَهُ لَهُ كَانَتْ أَكْثَرَ وَمُحَافَظَتَهُ عَلَى اسْتِلَامِهِ كَانَتْ أَشَدَّ فَكَانَ لَا يَدَعُ اسْتِلَامًا إلَّا أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَرَكَ اسْتِلَامَ غَيْرِهِ مِنْ دُونِ أَنْ يُغْلَبَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لَمَّا عَلِمَ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى اسْتِلَامِهِ وَمُخَالَفَةِ النَّاسِ لَهُ فِي اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [تَقْبِيلُ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ فِي الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُ عُمَرَ إنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ يُرِيدُ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ ظَنَّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ تَعْظِيمَ النَّبِيِّ ﷺ الْحَجَرَ وَأُمَّتَهُ إنَّمَا كَانَ عَلَى حَسَبِ تَعْظِيمِ الْجَاهِلِيَّةِ الْأَوْثَانَ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا آلِهَةٌ وَأَنَّهَا تَضُرُّ وَتَنْفَعُ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يُعَلِّمَ النَّاسَ أَنَّ تَعْظِيمَهُ لِلْحَجَرِ إنَّمَا كَانَ لِتَعْظِيمِ النَّبِيِّ ﷺ طَاعَةً لِلَّهِ وَإِفْرَادًا لَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَنَا بِتَعْظِيمِ الْبَيْتِ وَعَلَى حَسَبِ مَا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ عِبَادَةً لِلَّهِ لَا عَلَى أَنَّ آدَمَ مَعْبُودٌ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ فَقَالَ: إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ يُرِيدُ مِنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْحِجَارَةِ الَّتِي لَا تُقَبَّلُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَأَعْلَمُ أَنَّك حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَوْلَا: أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك تَبْيِينٌ بِأَنَّ تَقْبِيلَهُ وَتَعْظِيمَهُ لَيْسَ لِذَاتِهِ وَلَا لِمَعْنًى فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرَعَ ذَلِكَ طَاعَةً لِلَّهِ تَعَالَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْتِلَامَ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلَهُ لِمَنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَوَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي تَقْبِيلِهِ إيَّاهُ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ تَقْبِيلَهُ لِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقْبِيلٍ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ إذَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يُرِيدُ مَسْحَهُ لِلِاسْتِلَامِ بِيَدِهِ

стр. 651

رَكْعَتَا الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ السَّبْعَيْنِ لَا يُصَلِّي بَيْنَهُمَا وَلَكِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ كُلِّ سَبْعٍ رَكْعَتَيْنِ فَرُبَّمَا صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ) . ــ [المنتقى] وَقَدْ رَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ مِنْ الْبَيْتِ إلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ» وَظَاهِرُ الْمَسْحِ بِالْيَدِ الْوَضْعُ عَلَى الْمَمْسُوحِ وَكَانَ مَالِكٌ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى فِيهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِلَامِ عَائِدٌ إلَى الْفَمِ فَلَمَّا رَوَى الْمَسْحَ فِي الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَرْوِ التَّقْبِيلَ إلَّا فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ اُسْتُحِبَّ فِي الْيَمَانِيِّ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فِيهِ بَعْدَ الْمَسْحِ. وَرُوِيَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى تَقْبِيلَ الْيَدِ بَعْدَ مَسْحِ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَقَالَ لَمْ يَرَ مَالِكٌ تَقْبِيلَ الْيَدِ فِيهِ وَلَا فِي الْأَسْوَدِ فَإِنْ قُلْنَا: بِالرِّوَايَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْيَدَ بَدَلٌ مِنْ الرُّكْنِ إذَا امْتَنَعَ تَقْبِيلُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ تَقْبِيلُهَا وَإِنْ قُلْنَا بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ الْمَسْحَ بَدَلٌ مِنْ التَّقْبِيلِ وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَلَى الْفَمِ لَمَّا كَانَتْ بَدَلًا مِنْهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ قَالَ أَوَّلًا التَّقْبِيلَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ أَوْ رَجَعَ إلَيْهِ مُحَمَّدٌ. [رَكْعَتَا الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ السَّبْعَيْنِ لَا يُصَلِّي بَيْنَهُمَا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعَرِّي كُلَّ سَبْعٍ مِنْ أَنْ يَرْكَعَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ سَبْعَيْنِ، ثُمَّ يُؤَخِّرُ الرُّكُوعَ لَهُمَا فَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْ السَّبْعَيْنِ بَعْدَهُمَا وَلَكِنْ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ كُلِّ سَبْعٍ رَكْعَتَيْهِ الْمَشْرُوعَتَيْنِ لَهُ اللَّتَيْنِ هُمَا مِنْ تَمَامِهِ وَلَا يَجُوزُ إعْرَاؤُهُ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ فِي حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَهُمَا وَاجِبَتَانِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا: إنَّهُمَا مُسْتَحَبَّانِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَبَدَأَ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بَعْدَ طَوَافِ نُسُكِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ مَا فَعَلَهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وَهَذَا أَمْرٌ وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَهُ تَابِعٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَابِعُهُ وَاجِبًا كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ الَّذِي يَتْبَعُهُ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ تَرَكَ حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ الرَّكْعَتَيْنِ أَعَادَ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِمَا عَقِيبَ الطَّوَافِ وَسَعَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ، وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْكَعُهُمَا وَلَا يُعِيدُ الطَّوَافَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ أَعَادَ الطَّوَافَ كَانَ أَحَبُّ إلَيَّ وَفِي غَيْرِهَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ طَافَ وَلَمْ يَرْكَعْ وَلَا يُعِيدُ الطَّوَافَ وَلَا السَّعْيَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ لِاتِّصَالِ الرَّكْعَتَيْنِ بِهِ فَإِنْ فَاتَ ذَلِكَ بِالْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ رَكَعَهُمَا وَأَهْدَى، وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَسُنَّتَهُمَا أَنْ يَكُونَا عَقِيبَ الطَّوَافِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ تَمَامِ فَضِيلَةِ الطَّوَافِ فَإِذَا فَاتَهُ ذَلِكَ أَتَى بِهِمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَعَلَّقَانِ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَكَانَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ لِنَقْصِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالرَّكْعَتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرُبَّمَا صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ حِجْرِ إسْمَاعِيلَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إنَّ إبْرَاهِيمَ قَامَ هَذَا الْمَقَامَ فَيَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ أَثَرُ مَقَامِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَى الْجِبَالِ أَنْ تَفَرَّجِي عَنْهُ حَتَّى يَرَى الْمَنَاسِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرُبَّمَا صَلَّى عِنْدَ الْمَقَامِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ عِنْدَ الْمَقَامِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَمَاكِنِ فِي الْمَسْجِدِ مُجْزِئَتَيْنِ وَأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ الْأَمْرَيْنِ وَذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزٌ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ

стр. 652

(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الطَّوَافِ إنْ كَانَ أَخَفَّ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ فَيَقْرِنَ بَيْنَ الْأُسْبُوعَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ يَرْكَعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ رُكُوعِ تِلْكَ السُّبُوعِ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ يُتْبِعَ كُلَّ سَبْعٍ رَكْعَتَيْنِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ فِي الطَّوَافِ فَيَسْهُو حَتَّى يَطُوفَ ثَمَانِيَةَ أَوْ تِسْعَةَ أَطْوَافٍ قَالَ: يَقْطَعُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ زَادَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَلَا يَعْتَدُّ بِاَلَّذِي كَانَ زَادَ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى التِّسْعَةِ حَتَّى يَصِلَ سَبْعَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الطَّوَافِ أَنْ يُتْبِعَ كُلَّ سَبْعٍ رَكْعَتَيْنِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ بَعْدَمَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَلْيُعِدْ لِيُتِمَّ طَوَافَهُ عَلَى الْيَقِينِ، ثُمَّ لِيُعِدْ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِطَوَافٍ إلَّا بَعْدَ إكْمَالِ السَّبْعِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَوْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ بَيْنَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ وَقَدْ طَافَ بَعْضَ الطَّوَافِ أَوْ كُلَّهُ وَلَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَسْتَأْنِفُ الطَّوَافَ قَالَ مَالِكٌ وَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَا أَصَابَهُ مِنْ انْتِقَاضِ ــ [المنتقى] تَكُونَ رَكْعَتَا الطَّوَافِ الْوَاجِبِ خَلْفَ الْمَقَامِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَرَأَ عِنْدَ صَلَاتِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِالْآيَةِ وَهَذَا أَمْرٌ وَلَيْسَ فِي الصَّلَوَاتِ مَا يَخْتَصُّ بِمَقَامِ إبْرَاهِيمَ غَيْرُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ السُّنَّةَ لِلطَّائِفِ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِيبَ كُلِّ سَبْعٍ مِنْ الطَّوَافِ رَكْعَتَيْهِ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ سَبْعَيْنِ لَا يَرْكَعُ بَيْنَهُمَا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ وَإِنْ فَعَلَ الْأُسْبُوعَيْنِ وَلَمْ يَرْكَعْ بَيْنَهُمَا فَغَيْرُ جَائِزٍ وَجَوَّزَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَيْنِ نُسُكَانِ لَا يَتَدَاخَلَانِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْرَعَ فِي أَفْعَالِ ثَانٍ مِنْهُمَا قَبْلَ تَمَامِ الْأَوَّلِ كَالْعُمْرَتَيْنِ، وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّ هَذَيْنِ طَوَافَانِ فَلَمْ يَشْرَعْ فِي ثَانٍ مِنْهُمَا قَبْلَ تَمَامِ رُكُوعِ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ كَانَا فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ سَعَى فِي طَوَافِهِ فَبَلَغَ ثَمَانِيَةَ أَطْوَافٍ أَوْ تِسْعَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ وَلَمْ يَكُنْ قَصَدَ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ كُلِّ سَبْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ لِلسَّبْعِ الْكَوَامِلِ وَيُلْغِي مَا زَادَ عَلَيْهِ وَلَا يَعْتَدُّ بِهِ إنْ أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ أُسْبُوعًا آخَرَ وَلِيَبْتَدِئَهُ مِنْ أَوَّلِهِ فَيَطُوفَ سَبْعًا، ثُمَّ يَرْكَعَ، وَهَذَا حُكْمُ الْعَامِدِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أَكْمَلَ السُّبُوعَيْنِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا صَلَّى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأُسْبُوعَ الثَّانِيَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَأَمَرْنَاهُ بِالرُّكُوعِ مُرَاعَاةً لِلِاخْتِلَافِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَدِينَةِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ وَاخْتَارَ عِيسَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حُكْمُ كُلِّ أُسْبُوعٍ أَنْ يَعْقُبَهُ رَكْعَتَاهُ وَحَالَ بَيْنَ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ وَرَكْعَتَيْهِ الْأُسْبُوعُ الثَّانِي بَطَلَ حُكْمُهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلْأُسْبُوعِ الثَّانِي. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ شَكَّ بَعْدَ أَنْ رَكَعَ لِطَوَافِهِ فِي إتْمَامِهِ طَوَافَهُ فَلَا يَعْلَمُ إنْ كَانَ أَكْمَلَ السَّبْعَ أَوْ إنَّمَا طَافَ سِتًّا أَوْ خَمْسًا فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ الطَّوَافُ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةِ أَطْوَافٍ مُتَيَقِّنَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَيَبْنِيَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْ طَوَافِهِ لِقُرْبِ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بِإِثْرِ سَلَامِهِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَإِنْ تَيَقَّنَ خَمْسَةً طَافَ شَوْطَيْنِ، وَإِنْ تَيَقَّنَ سِتَّةً طَافَ وَاحِدًا، ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا أَنْ يُصَلَّيَا بَعْدَ تَمَامِ الْأُسْبُوعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُجْزِئُ أَكْثَرُ الطَّوَافِ عَنْ جَمِيعِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ تَمَامِ عَدَدِهِ وَيَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ لَزِمَهُ إتْمَامُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَجَعَ جَبَرَهُ بِالدَّمِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا رَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا» وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَالْأَخْذُ عَنْهُ أَنْ يَفْعَلَ كَمَا يَفْعَلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَا يُجْبَرُ أَكْثَرُهَا بِالدَّمِ فَلَمْ يُجْبَرْ أَقَلُّهَا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.

стр. 653

وُضُوئِهِ وَلَا يَدْخُلُ السَّعْيَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ بِوُضُوءٍ) . [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ] الصَّلَاةُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فِي الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِيّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَمَّا قَضَى عُمَرُ طَوَافَهُ فَلَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ فِي طَوَافِهِ لَزِمَهُ قَطْعُ طَوَافِهِ وَأَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَسْتَأْنِفَ الطَّوَافَ مِنْ أَوَّلِهِ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ بَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ شَرْطِ الطَّوَافِ الطَّهَارَةَ. وَالثَّانِي أَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الِاتِّصَالَ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ) . اعْلَمْ أَنَّ الطَّوَافَ عِنْدَنَا مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الطَّهَارَةُ وَاجِبَةٌ لَهُ وَلَيْسَتْ مِنْ شَرْطِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ مِنْ مَكَّةَ أَنْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ» وَأَفْعَالُهُ ﷺ عِنْدَنَا عَلَى الْوُجُوبِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ كَالصَّلَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةَ فَإِنَّهُ إنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَطُفْ وَيُعِيدُ أَبَدًا وَيَرْجِعُ لَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَأَمَّا طَوَافُ الْوُرُودِ فَقَدْ يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ وَرُبَّمَا نَابَ عَنْهُ الدَّمُ بَعْدَ الْفَوَاتِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي اتِّصَالِ الطَّوَافِ] ١ مِنْ شَرْطِ الطَّوَافِ الِاتِّصَالُ فَلَا يَجُوزُ تَفْرِيقُهُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ فَكَانَتْ الْمُوَالَاةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا كَالصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّفْرِيقَ عَلَى ضَرْبَيْنِ بِالْحَدَثِ أَوْ بِالْعَمَلِ فَأَمَّا الْحَدَثُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَيَمْنَعُ الرُّكُوعَ بَعْدَ الطَّوَافِ لِمَنْ أَحْدَثَ بَعْدَ تَمَامِهِ وَيَلْزَمُهُ فِي الْوَاجِبِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَهُوَ فِي النَّفْلِ بِالْخِيَارِ إذَا غَلَبَهُ الْحَدَثُ بَيْنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَتْرُكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعَمَلُ فَإِنَّ كَثِيرَهُ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ كَالْخُرُوجِ لِنَفَقَةٍ ذَكَرَهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْيَسِيرُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَلَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ كَالْوُقُوفِ الْيَسِيرِ لِلْحَدِيثِ أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ لِمَنْ يَغْلِبُهُ الْعَطَشُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخُرُوجُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لِلْمَكْتُوبَةِ لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ الْمُؤْتَمِّ بِهِ إذَا كَانَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَمْنَعُ الْبِنَاءَ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ طَوَافِهِ لِغَيْرِ صَلَاةٍ تَجِبُ عَلَيْهِ وَيَخَافُ فَوَاتَهَا فَكَانَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً طَوَافُهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ لِطَلَبِ نَفَقَةٍ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ طَوَافِهِ لِصَلَاةٍ يَخَافُ فَوَاتَ فَضْلِهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ وَأَمَّا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ عَلَيْهِ مَا أَصَابَهُ مِنْ انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ السَّعْيِ الطَّهَارَةُ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَيْتِ كَالْجِمَارِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَدَثَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُ فَمَنْ أَحْدَثَ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَتَطَهَّرَ لِحَدَثِهِ ذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعَ فَيَبْنِيَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ وَلَوْ تَمَادَى مُحْدِثًا لَأَجْزَأَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يَدْخُلُ السَّعْيَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ بِوُضُوءٍ يُرِيدُ أَنَّ الْوُضُوءَ مَشْرُوعٌ فِيهِ لِمَنْ أَمْكَنَهُ الطَّهَارَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ فَأَمَّا الْحَائِضُ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى إزَالَةِ حَدَثِهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهَا.

стр. 654

فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوَى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ سُنَّةَ الطَّوَافِ) . ــ [المنتقى] [الصَّلَاةُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ فِي الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا قَضَى طَوَافَهُ بَعْدَ الصُّبْحِ نَظَرَ الشَّمْسَ فَلَمَّا لَمْ يَرَهَا طَلَعَتْ رَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى يَقْتَضِي امْتِنَاعَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لَمَّا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ، وَاسْتِجَازَتُهُ تَأْخِيرَ الرُّكُوعِ لِذَلِكَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ بِذِي طُوًى فَصَلَّاهُمَا وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الطَّوَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّكُوعَ لَهُ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ مَمْنُوعٌ. وَالثَّالِثُ - أَنَّ مِنْ حُكْمِ الرَّكْعَتَيْنِ الِاتِّصَالَ بِالطَّوَافِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّ الطَّوَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ) . جَوَازُ الطَّوَافِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَيُؤَخِّرُ الرُّكُوعَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: أَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ أُبِيحَ فِيهَا النُّطْقُ فَجَازَ أَدَاؤُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ أَصْلُ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ، وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَيْسَ لِأَدَاءِ فَرْضِهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ نَفْلُهَا لِوَقْتٍ أَصْلُ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ عَكْسُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَهَذَا حُكْمُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا النَّفَلُ فَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ غُرُوبِهَا لِيَتَّصِلَ الرُّكُوعُ بِالطَّوَافِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي مَنْعِ نَفْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ] ١ تَقَدَّمَ أَنَّ الرُّكُوعَ لِلطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ مَمْنُوعٌ بَعْدَ الْعَصْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ مُبَاحٌ، وَدَلِيلُنَا مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا فِي بَابِ مَنْعِ النَّوَافِلِ الَّتِي لَهَا أَسْبَابٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَتِهِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي اتِّصَالِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ بِهِ] ١ أَمَّا اتِّصَالُ الطَّوَافِ بِرَكْعَتَيْهِ فَهُوَ مِنْ سُنَنِهِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ تُضَافُ إلَى عِبَادَةٍ فَكَانَ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ تَتَّصِلَ بِهَا وَتُضَافَ إلَيْهَا كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ اتِّصَالَهُمَا بِهِ أَنْ يُؤْتَى بِهِمَا عَقِبَهُ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْهُ إلَّا لِعُذْرِ الْوَقْتِ أَوْ لِعُذْرِ النِّسْيَانِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِهِمَا أَنْ يُؤْتَى بِهِمَا بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَلْزَمْ مِنْ اتِّصَالِهِمَا وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَا بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمِثْلُ هَذَا يَلْزَمُ فِي الْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَكَانَ طَوَافَ تَطَوُّعٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَبْتَدِئَ الطَّوَافَ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الطَّوَافُ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَرَكِبَ حَتَّى أَنَاخَ بِذِي طُوًى فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ طَوَافِهِ اللَّتَيْنِ امْتَنَعَ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حِينَ لَمْ يَرَ الشَّمْسَ طَلَعَتْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غَيْرَ أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بِالْمَسْجِدِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى لِرُكُوعِهِ خَلْفَ الْمَقَامِ» وَذَلِكَ أَفْضَلُ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ مَنَعَهُ الْوَقْتُ مِنْ صَلَاتِهِمَا فَحَانَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا بِمَنْزِلِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّكُوعَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ لِاتِّصَالِهِ بِالطَّوَافِ وَلِكَوْنِهِمَا مِنْ تَوَابِعِ الطَّوَافِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ص. (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ يَطُوفُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَدْخُلُ حُجْرَتَهُ فَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ) . (ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَطُوفُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ، ثُمَّ

стр. 655

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَنَّ الطَّوَافَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ] (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْت الْبَيْتَ يَخْلُو بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا يَطُوفُ بِهِ أَحَدٌ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ بَعْضَ أُسْبُوعِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ أَوْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَى مَا طَافَ حَتَّى يُكْمِلَ سَبْعًا، ثُمَّ لَا يُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبَ قَالَ مَالِكٌ وَإِنْ أَخَّرَهُمَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَزِيدُ عَلَى سَبْعٍ وَاحِدٍ وَيُؤَخِّرُ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَيُؤَخِّرُهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ صَلَّاهُمَا إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا حَتَّى يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ) . وَدَاعُ الْبَيْتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَا يَصْدُرَنْ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ قَالَ مَالِكٌ فِي قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ إنَّ ذَلِكَ فِيمَا نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وَقَالَ ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَمَحِلُّ الشَّعَائِرِ كُلِّهَا وَانْقِضَاؤُهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) . ــ [المنتقى] يَدْخُلُ حُجْرَتَهُ فَلَا أَدْرِي مَا يَصْنَعُ يُرِيدُ؛ أَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَرْكَعُ لِطَوَافِهِ بَعْدَ دُخُولِ حُجْرَتِهِ أَمْ لَا وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْكَعُ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَرَكَعَ فِي الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُعْتَادَ لِمَنْ وَصَلَ رُكُوعَهُ بِطَوَافِهِ أَنْ يَرْكَعَ فِي الْمَسْجِدِ، وَانْصِرَافُ عَبْدِ اللَّهِ إلَى مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ ظَاهِرُهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ الرُّكُوعِ لِلطَّوَافِ إلَّا مَنْ رَأَى الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لِنَافِلَةٍ وَإِنْ كَانَ لَهَا سَبَبٌ. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ الْبَيْتَ كَانَ يَخْلُو فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لَا يَطُوفُ بِهِ أَحَدٌ يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّوَافِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الطَّائِفَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إنَّمَا يَطُوفُ أُسْبُوعًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَمْتَنِعُ مِنْ الطَّوَافِ لِامْتِنَاعِ رُكُوعِ الطَّوَافِ الْأَوَّلِ؛ وَلِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ كُلِّ طَوَافٍ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُكُوعِهِ طَوَافٌ آخَرُ، وَلِذَلِكَ كَانَ يَخْلُو الْبَيْتُ مِنْ الطَّائِفِينَ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ شَرَعَ فِي طَوَافٍ فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ تُمْنَعُ النَّافِلَةُ بَعْدَهَا وَهِيَ الصُّبْحُ أَوْ الْعَصْرُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ طَوَافَهُ وَيَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِئَلَّا تَفُوتَهُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَوْ لِئَلَّا يُخَالِفَ الْإِمَامَ فَإِذَا أَكْمَلَ صَلَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ بَنَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ طَوَافِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ لِعُذْرٍ يَقْطَعُ الطَّوَافَ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ فَإِذَا أَتَمَّ أُسْبُوعَهُ أَخَّرَ الرُّكُوعَ لِامْتِنَاعِ النَّافِلَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ أَوْ الْعَصْرِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ انْتَظَرَ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ، ثُمَّ يَرْكَعَ لِطَوَافِهِ فَإِنْ أَخَّرَ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَخَّرَ الرُّكُوعَ عَنْ طَوَافِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا يَرْكَعُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ» . (فَصْلٌ) : وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ انْتَظَرَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ فَيَرْكَعَ لِطَوَافِهِ وَلَهُ أَنْ يُقَدِّمَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ يَرْكَعَ لِطَوَافِهِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَقْدِيمَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ أَفْضَلُ لِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ الْوَقْتِ. [وَدَاعُ الْبَيْتِ] (ش) : قَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَا يَصْدُرَنْ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ يُرِيدُ طَوَافَ الْوَدَاعِ لِلْبَيْتِ، وَذَلِكَ مَشْرُوعٌ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إنَّهُ آخِرُ النُّسُكِ وَذَكَرَ مَالِكٌ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ثُمَّ

стр. 656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ لِلْوَدَاعِ مَشْرُوعٌ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ قَالَتْ حَجَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا حَائِضٌ قَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ اُخْرُجُوا» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ خَافَ أَنْ لَا تَكُونَ طَافَتْ لِلْإِفَاضَةِ وَأَنْ يَحْبِسَهُمْ ذَلِكَ بِمَكَّةَ فَلَمَّا أُخْبِرَ أَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ اُخْرُجُوا وَلَمْ يَحْبِسْهُمْ لِعُذْرِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَلَى صَفِيَّةَ كَمَا خَافَ أَنْ يَحْبِسَهُمْ لِعُذْرِ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَفِي هَذَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّصَالِهِ بِالْخُرُوجِ. وَالثَّانِيَةُ: حُكْمُ مَنْ يَلْزَمُهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ. (مَسْأَلَةٌ) : حُكْمُ طَوَافِ الْوَدَاعِ اتِّصَالُهُ بِالْخُرُوجِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَدَاعِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِفِرَاقِ مَنْ يُوَدِّعُ وَلَيْسَ شِرَاؤُهُ أَوْ بَيْعُهُ جِهَازًا أَوْ طَعَامًا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَاصِلًا بَيْنَ وَدَاعِهِ وَسَفَرِهِ وَإِنَّمَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا مَقَامُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بِمَكَّةَ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُجْزِئُ مِنْ الْخُرُوجِ فِي ذَلِكَ الْخُرُوجُ إلَى طُوًى وَالْأَبْطُحِ فَمَنْ وَدَّعَ وَخَرَجَ إلَيْهَا وَأَقَامَ بِهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً لَمْ يَلْزَمْهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ انْفَصَلَ مِنْ مَكَانِ سُكْنَاهُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا مَنْ يَلْزَمُهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْعَبِيدَ وَالْأَحْرَارَ وَكُلَّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ مُسَافِرًا أَوْ عَائِدًا إلَى وَطَنِهِ وَإِنْ قَرُبَ كَأَهْلِ مَرِّ الظَّهْرَانِ وَأَهْلِ عَرَفَةَ وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعُمْرَةِ فَإِنْ كَانَ خَارِجًا إلَى الْحِلِّ كَالتَّنْعِيمِ وَالْجِعْرَانَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَكَانَ مَعَ قُرْبِهِ إنَّمَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِلْعَوْدَةِ إلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَوَاقِيتِ كَالْجُحْفَةِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ كَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَيْسَ عَلَيْهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَا سَفَرٌ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَشُرِعَ فِيهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ كَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ خُرُوجَهُ مُتَضَمِّنٌ لِلْعَوْدَةِ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ كَخُرُوجِ الْحَاجِّ إلَى عَرَفَةَ. (فَرْعٌ) وَيُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ الطَّوَافُ الْوَاجِبُ إذَا خَرَجَ بِإِثْرِهِ فَإِنْ أَقَامَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ طَوَافَهُ لِفَرْضِهِ قَرُبَ مِنْ طَوَافِ الْبَيْتِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ طَوَافٍ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّ آخِرَ النُّسُكِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ آخِرُ النُّسُكِ الَّذِي تَلَبَّسَ بِهِ الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الطَّوَافَ آخِرُ نُسُكٍ يُعْمَلُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ كُلِّ نُسُكٍ وَعِنْدَ فِرَاقِ الْبَيْتِ وَإِلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ تَتَوَجَّهُ أَقْوَالُ أَشْهَبَ وَأَمَّا أَقْوَالُ ابْنِ الْقَاسِمِ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي. وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِيمَنْ أَفَاضَ، ثُمَّ عَادَ إلَى مِنًى لِلرَّمْيِ، ثُمَّ صَدَرَ فَلْيُوَدِّعْ بِالطَّوَافِ فَإِذَا طَافَ هَذَا الطَّوَافَ الَّذِي هُوَ آخِرُ النُّسُكِ ثُمَّ أَقَامَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَدِّعَ إنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَجَعَلَ الطَّوَافَ مِنْ جُمْلَةِ حَجِّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ وَدَاعٌ لِلنُّسُكِ وَلَيْسَ لِمُفَارَقَةِ الْبَيْتِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ اعْتَمَرَ إنْ خَرَجَ عَنْ مَكَانِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وَدَاعٍ وَإِنْ أَقَامَ فَعَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ فَجَعَلَ طَوَافَ الْوَدَاعِ نُسُكًا كَامِلًا لِمُفَارَقَةِ الْبَيْتِ وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُسْقِطُهُ عَنْ الْمَكِّيِّ الْمُقِيمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ مُجَاهِدٌ إلَى أَنَّ الشَّعَائِرَ هِيَ الْبُدْنُ وَأَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْقَوْلَ قَالَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْبُدْنَ مِنْ الشَّعَائِرِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهَا جَمِيعَ الشَّعَائِرِ قَالَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ

стр. 657

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ لَمْ يَكُنْ وَدَّعَ الْبَيْتَ حَتَّى وَدَّعَ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَفَاضَ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَإِنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ أَوْ عَرَضَ لَهُ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا جَهِلَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ حَتَّى صَدَرَ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَرْجِعَ فَيَطُوفَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ إذَا كَانَ قَدْ أَفَاضَ) . ــ [المنتقى] ﴿فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣] وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَجَلًا مُؤَقَّتًا كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: الشَّعَائِرُ سِتٌّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَالْجِمَارُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ وَعَرَفَةُ وَالرُّكْنُ وَالْحُرُمَاتُ خَمْسٌ الْكَعْبَةُ الْحَرَامُ وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ وَالْمُحْرِمُ حَتَّى يُحِلَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وقَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فَإِذَا طَافَ الْحَاجُّ بَعْدَ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ فَقَدْ حَلَّ بِالْبَيْتِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ حَلَّ مِنْ الْإِحْلَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَلَّ مِنْ الْوُصُولِ، وَظَاهِرُ اللَّفْظَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الشَّعَائِرَ تَنْتَهِي إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَإِمَّا بِأَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ بِهِ آخِرَ الشَّعَائِرِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ بِهِ نِهَايَتَهَا وَتَمَامَهَا. (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَدَّ رَجُلًا مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ حَتَّى وَدَّعَ الْبَيْتَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ وَدَّعَهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ وَلَا خَافَ فَوَاتَ رُفْقَةٍ وَلَا رِفَاقِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ نَسِيَ الْوَدَاعَ حَتَّى بَلَغَ مَرَّ الظَّهْرَانِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَأَرَى إنْ لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ أَصْحَابِهِ وَلَا مَنَعَهُ كَرِيهٌ فَلْيَرْجِعْ وَإِلَّا مَضَى وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَقَوْلُ مَالِكٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ تَلْحَقْهُ مَشَقَّةٌ بِالرُّجُوعِ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا وَإِنَّمَا هُوَ بِمِقْدَارِ الْإِمْكَانِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلَعَلَّ الَّذِي رَدَّهُ عُمَرُ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ قَدْ رَأَى بِهِ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَتَمَكُّنِهِ لَهُ مَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا تَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ فَنَدَبَهُ إلَى ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ بِمَا لَهُ فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ فَرَجَعَ بِقَوْلِهِ فَكَانَ ذَلِكَ رَدًّا لَهُ. (ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَفَاضَ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ كَمُلَتْ فَرَائِضُهُ وَحَلَّ لَهُ جَمِيعُ مَا يَحِلُّ لِلْحَلَالِ وَإِنْ كَانَتْ إفَاضَتُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إلَّا سُنَنُ الْحَجِّ كَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَإِنْ كَانَتْ إفَاضَتُهُ بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَجِّ وَلَا شَيْءَ مِمَّا لَوْ تَرَكَهُ لَلَزِمَهُ دَمٌ وَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ تَمَامِ نُسُكِهِ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ لَهُ وَمُسْتَحَبٌّ فِي حُكْمِهِ وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ دُونَ الْوَاجِبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ عِنْدَهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَمَنْ تَرَكَهُ فَحَجُّهُ تَامٌّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ وَقَدْ أَسَاءَ بِتَرْكِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا مُسْتَوْعَبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ حَبَسَهُ شَيْءٌ أَوْ عَرَضَ لَهُ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ حَجَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ مَنَعَهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ مَانِعٌ فَقَدْ كَمُلَ حَجُّهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ يَكُونُ مَحْبُوسًا بِسَبَبِهِ فَلْيَرْجِعْ إلَى بَلَدِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ جَهِلَ أَنْ يَطُوفَ حَتَّى صَدَرَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ وَهُوَ قَرِيبٌ فَيَرْجِعَ فَيَطُوفَ، ثُمَّ يَنْصَرِفَ إلَى بَلَدِهِ أَوْ يَعْلَمَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَعُدَ صَارَ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِالرُّجُوعِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ رُجُوعٍ وَلَا دَمٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ دَمٌ إذَا فَاتَهُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ مِثْلُ قَوْلِنَا، وَالدَّلِيلُ لِمَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ قَدْ حَاضَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا إنْ لَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ قُلْنَ بَلَى قَالَ فَاخْرُجْنَ» . فَوَجْهُ

стр. 658

جَامِعُ الطَّوَافِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ «شَكَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ قَالَتْ فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلَى جَانِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ» ) . ــ [المنتقى] الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا بِدَمٍ وَلَا أَمَرَهَا بِالْمَقَامِ لَهُ وَهَذَا وَقْتُ تَعْلِيمٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَعْنًى لَمْ يَجِبْ الدَّمُ بِفَوَاتِهِ عَلَى الْحَائِضِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى غَيْرِهَا أَصْلُ ذَلِكَ التَّحْصِيبُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا كَانَ قَدْ أَفَاضَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ هَذَا حُكْمُ مَنْ أَفَاضَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفِضْ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَرُبَ أَوْ بَعُدَ. وَالثَّانِيَ: أَنْ يُرِيدَ إذَا كَانَ قَدْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ. وَأَمَّا مَنْ أَفَاضَ بَعْدَ النَّحْرِ وَاتَّصَلَ خُرُوجُهُ بِإِفَاضَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وَدَاعٍ؛ لِأَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ يُجْزِئُ عَنْهُ وَيَكُونُ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ الطَّوَافُ، وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ لِمَنْ قَدَّمَ الْإِفَاضَةَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ لِمَنْ أَقَامَ بَعْدَ النَّحْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً وَلَا يَكُونُ آخِرَ عَهْدِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ إلَّا بِطَوَافِ الْوَدَاعِ. [جَامِعُ الطَّوَافِ] (ش) : قَوْلُهَا ﵂ «شَكَوْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي» يُرِيدُ أَنَّهَا شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهَا لَا تُطِيقُ الطَّوَافَ مَاشِيَةً لِضَعْفِهَا مِنْ تِلْكَ الشَّكْوَى الَّتِي كَانَتْ بِهَا فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَطُوفَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ رَاكِبَةً وَفِي هَذَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: وُجُوبُ الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ. وَالثَّانِيَةُ: جَوَازُ الطَّوَافِ مَحْمُولًا لِلْعُذْرِ. وَالثَّالِثَةُ: الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ عُذْرٍ. وَالرَّابِعَةُ: طَوَافُ النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الرِّجَالِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا وُجُوبُ الْمَشْيِ فَسَيَأْتِي وَأَمَّا جَوَازُ الطَّوَافِ لِلرَّاكِبِ وَالْمَحْمُولِ لِلْعُذْرِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ نَصٌّ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا، فَإِنْ كَانَ رَاكِبًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَاكِبَ بَعِيرٍ مِنْ غَيْرِ الْجَلَّالَةِ لِطَهَارَةِ بَوْلِهِ وَرَوْثِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْدُوبًا فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا إنْ كَانَ مَحْمُولًا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الطَّائِفُ بِهِ لَا طَوَافَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَلَا يُصَلِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَنْ طَافَ رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا لِغَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي إشْرَافِهِ لَا: يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْزِئُهُ وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ نَحْوًا مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يُعِيدُ طَوَافَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَبْعَثْ بِهَدْيٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا دَمَ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَشْيَ وَاجِبٌ فِي الطَّوَافِ فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ وَاجِبًا فَكَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا طَوَافُ النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الرِّجَالِ فَهُوَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ» وَلَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الْبَعِيرِ فَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اتِّصَالِهِ بِالْبَيْتِ لَكِنْ مَنْ طَافَ غَيْرُهُ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى بَعِيرٍ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ إنْ خَافَ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا أَنْ يَبْعُدَ قَلِيلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَوْلَ الْبَيْتِ زِحَامٌ وَأَمِنَ أَنْ يُؤْذِيَ أَحَدًا فَلْيَقْرُبْ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِهَا أَنْ تَطُوفَ وَرَاءَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ فَكَانَ مِنْ سُنَّةِ النِّسَاءِ أَنْ يَكُنَّ وَرَاءَ الرِّجَالِ كَالصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُ أُمِّ سَلَمَةَ طَوَافًا وَاجِبًا وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَوَافَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُتْرَكُ فَضِيلَةٌ إلَّا لِمَشَقَّةٍ أَوْ فَوَاتِ أَصْحَابٍ وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : «قَالَتْ: فَطُفْت وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّي إلَى جَانِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ بِالطُّورِ

стр. 659

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ أَبَا مَاعِزٍ الْأَسْلَمِيَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْتَفْتِيهِ فَقَالَتْ: إنِّي أَقْبَلْت أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إذَا كُنْت عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقَتْ الدِّمَاءُ فَرَجَعْت حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ عَنِّي، ثُمَّ أَقْبَلْت حَتَّى إذَا كُنْت عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقَتْ الدِّمَاءُ فَرَجَعْت حَتَّى ذَهَبَ عَنِّي، ثُمَّ أَقْبَلْت حَتَّى إذَا كُنْت عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقَتْ الدِّمَاءُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنَّمَا ذَلِكَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ فَاغْتَسِلِي، ثُمَّ اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ ثُمَّ طُوفِي) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ كَانَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ مُرَاهِقًا خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ قَالَ مَالِكٌ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) . ــ [المنتقى] وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ» رُوِيَ أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةَ الصُّبْحِ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ لِلصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِك وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ» . (ش) : قَوْلُهَا: إنِّي أَقْبَلْت أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى إذَا كُنْت عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقَتْ الدِّمَاءُ فَرَجَعْت يَقْتَضِي مَنْعَ الْحَيْضِ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَمِنْ الطَّوَافِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ صَفِيَّةَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا حِينَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَابِسَتُنَا هِيَ فَلَمَّا أُعْلِمَ بِأَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ أَمْرَهَا بِأَنْ تَنْفِرَ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَرَجَعْت حَتَّى إذَا كُنْت عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ هَرَقَتْ الدِّمَاءُ إلَى آخِرِ قَوْلِهَا إخْبَارٌ عَنْ تَكْرَارِ ذَلِكَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ ذَلِكَ عَنْهَا وَعَوْدَتُهُ إلَيْهَا مِرَارًا كَانَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَوْ أَمْرٍ قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ تُلَفِّقُ فِيهِ أَيَّامَ الدَّمِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ وَتُلْغِي مَا بَيْنَهَا مِنْ أَيَّامِ الطُّهْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ تُقِيمُ مُدَّةَ الْحُيَّضِ ثُمَّ تَرَى الطُّهْرَ وَقْتًا أَوْ أَوْقَاتًا فَتُقْبِلُ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا دَنَتْ مِنْهُ رَأَتْ الْحَيْضَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنَّمَا ذَلِكَ رَكْضَةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدَهُمَا: أَنَّهَا كَانَتْ رَأَتْ الدَّمَ فِي مُدَّةٍ يَكُونُ جَمِيعُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِحَاضَةِ لَكِنَّهُ نَسَبَهُ إلَى الشَّيْطَانِ وَذَلِكَ بِالْمَنْعِ مِنْ الطَّوَافِ وَعَدَمِهِ إذَا لَمْ يُرِدْ الطَّوَافَ. وَالثَّانِيَ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مُدَّةٍ أَوْ أَمَدٍ لَمْ يَبْلُغْ الدَّمُ فِي آخِرِهَا إلَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ أَمَدِ الْحَيْضِ لَكِنَّهُ أَمَدٌ مُخَالِفٌ لِحَيْضِهَا الْمُعْتَادِ فَكَأَنَّهُ اخْتَصَّ بِالْمَنْعِ مِنْ الطَّوَافِ، وَلِذَلِكَ نَسَبَهُ إلَى الشَّيْطَانِ وَلَوْ كَانَ عَلَى عَادَتِهَا فِي الْحَيْضِ لَمَا أَضَافَهُ إلَى الشَّيْطَانِ وَلَكَانَ أَمْرًا اتَّفَقَ لَهَا لَمْ يُخَالِفْ عَادَتَهَا. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ فَاغْتَسِلِي يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الِاغْتِسَالَ مِنْ الْحَيْضِ عَلَى حَسَبِ مَا تَفْعَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ غَسْلَ مَا بِهَا مِنْ الدَّمِ إنْ كَانَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حُكْمَ الْحَيْضِ، وَقَوْلُهُ، ثُمَّ اسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ يُرِيدُ أَنْ تَتَوَقَّى بِهِ مِمَّا يَجْرِي مِنْهُ ثُمَّ تَطُوفُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ أَمِنَتْ الدَّمَ أَنْ يُصِيبَ الْمَسْجِدَ أَوْ يُصِيبَ ظَاهِرَ جَسَدِهَا فَتَكُونُ حَامِلَةً نَجَاسَةً. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ مُرَاهِقًا خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْوُرُودِ، وَذَلِكَ أَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَارِدَ لِلْحَجِّ يَلْزَمُهُ طَوَافُ الْوُرُودِ فَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لِسَعَةِ الْوَقْتِ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الطَّوَافَ لِلْوُرُودِ وَاجِبٌ لِلْحَجِّ فَلَزِمَ بِتَرْكِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ الْهَدْيُ كَتَرْكِ الْحِلَاقِ. وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ طَوَافَ الْوُرُودِ تَحِيَّةٌ لِلْبَيْتِ فَتَرْكُ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ الدَّمَ كَطَوَافِ الْوَدَاعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمُرَاهِقُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَمَا لَا بُدَّ

стр. 660

(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يَقِفُ الرَّجُلُ فِي الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ يَتَحَدَّثُ مَعَ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] لَهُ مِنْ أَحْوَالِهِ وَيَرَى أَنَّهُ إنْ اشْتَغَلَ بِذَلِكَ فَاتَهُ الْحَجُّ أَوْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَلَهُ تَأْخِيرُ الطَّوَافِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ لِلْمُرَاهِقِ تَعْجِيلَ الطَّوَافِ وَتَأْخِيرَهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ وَاجِبَةٌ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا مَا هُوَ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِرُكْنٍ فَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الرُّكْنِ مَعَ سِعَةِ الْوَقْتِ لِسَائِرِ الطَّوَافِ لَزِمَ الدَّمُ وَإِذَا تَرَكَهُ لِعُذْرِ ضِيقِ الْوَقْتِ فَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَهُوَ رُكْنٌ وَيَتَكَرَّرُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا اقْتَصَرَ مِنْهُ عَلَى اللَّيْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْوَقْتِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُمَا (مَسْأَلَةٌ) : وَمَتَى يَكُونُ الْحَاجُّ مُرَاهِقًا قَالَ أَشْهَبُ إنْ قَدِمَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَحْبَبْت تَأْخِيرَ طَوَافِهِ، وَإِنْ قَدِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَحْبَبْت تَعْجِيلَهُ وَلَهُ فِي التَّأْخِيرِ سِعَةٌ رَوَاهُ عَنْهُ مُحَمَّدٌ وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ إنْ قَدِمَ يَوْمَ عَرَفَةَ فَلْيُؤَخِّرْ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ طَافَ وَسَعَى وَإِنْ قَدِمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ فَلْيُؤَخِّرْ إنْ شَاءَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَهْلُهُ فَلْيَطُفْ وَلْيَسْعَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الِاشْتِغَالَ يَوْمَ عَرَفَةَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى عَرَفَةَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مُخْتَصٌّ بِهَا فَالِاشْتِغَالُ بِهِ دُونَ مَا قَدْ فَاتَ وَقْتُهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ الَّتِي يَنُوبُ عَنْهَا غَيْرُهَا أَوْلَى، وَأَمَّا يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَمَنْ كَانَ مَعَهُ أَهْلُهُ كَانَ فِي شُغْلٍ مِمَّا لَا بُدَّ لِلْمُسَافِرِ بِالْأَهْلِ مِنْهُ وَإِنْ كُلِّفَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ مَعَهُ وَالْخُرُوجَ مِنْ يَوْمِهِ إلَى مِنًى لَمْ يَتَّسِعْ لَهُ وَقْتُهُ وَشَقَّ عَلَيْهِ تَضْيِيعُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَوَسِعَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ، وَأَمَّا الْمُفْرِدُ فَحَالُهُ أَخَفُّ وَاشْتِغَالُهُ أَقَلُّ فَإِنْ كَانَ ذَا أَثْقَالٍ وَحَاشِيَةٍ وَاسْتَضَرَّ بِذَلِكَ فَلَهُ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ سِعَةٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يَطُوفُ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى إلَّا أَنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَا كَانَ يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُرَاهِقِ مِنْ طَوَافِ الْوُرُودِ فَاقْتَصَرَ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الَّذِي يُفْعَلُ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى وَلَا بُدَّ لَهُ لِمَنْ طَافَ طَوَافَ الْوُرُودِ وَلِمَنْ لَمْ يَطُفْهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ مَنْ طَافَ طَوَافَ الْوُرُودِ وَسَعَى بَعْدَهُ لَمْ يَسْعَ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَمَنْ لَمْ يَطُفْ لِلْوُرُودِ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ وَاجِبٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ، وَذَلِكَ وَاسِعٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنَّ تَرْكَ طَوَافِ الْوُرُودِ لِلْمُرَاهِقِ وَاسِعٌ وَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اللَّفْظَ لِلتَّخْيِيرِ وَهُوَ فِيهِ أَظْهَرُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي حَالِ طَوَافِهِ يُحَدِّثُ غَيْرَهُ وَلَا سِيَّمَا فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ فَكَرَاهِيَتُهُ فِي الْوَاجِبِ أَشَدُّ وَفِي هَذَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا: أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُبْطِلُ الطَّوَافَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْكَلَامَ بِغَيْرِ عِبَادَةٍ مَكْرُوهٌ فِي الطَّوَافِ. وَالثَّالِثَةُ: إذَا اقْتَرَنَ بِهِ الْوُقُوفُ فَالْمَنْعُ فِيهِ أَشَدُّ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ الْكَلَامَ لَا يُبْطِلُ الطَّوَافَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ فِيهِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَأَكْرَهُهُ فِي الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَكَلَّمَ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الطَّوَافَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ، ثُمَّ مَنَعَ الْحَدِيثَ فِيهِ فَقَصَدَ إلَى ذِكْرِ أَكْثَرَ مِنْهُ لِيُبَيِّنَ وَجْهَ الْكَرَاهِيَةِ، وَلِذَلِكَ خَصَّ بِهِ الْوَاجِبَ لِيُبَيِّنَ شِدَّةَ الْكَرَاهِيَةِ وَيَقْصُرَ ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ وَإِفْسَادِ الْعِبَادَةِ. وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّهُ أَبَاحَ الْكَلِمَةَ وَالْكَلِمَتَيْنِ وَكَرِهَ مَا كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ وَطَالَ حَتَّى يَصِيرَ حَدِيثًا يَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ الْإِقْبَالِ عَلَى الطَّوَافِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ يُوَسَّعُ فِي الْأَمْرِ الْخَفِيفِ مِنْ الْحَدِيثِ فِي الطَّوَافِ وَهُوَ أَشْبَهُ بِالتَّأْوِيلِ الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي كَرَاهِيَةِ الْكَلَامِ فِي الطَّوَافِ لِغَيْرِ ذِكْرٍ وَلَا حَاجَةٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَلْيُقِلَّ الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ وَتَرْكُهُ فِي الْوَاجِبِ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ

стр. 661

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَطُوفُ أَحَدٌ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ) . الْبَدْءُ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّفَا وَهُوَ يَقُولُ: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَبَدَأَ بِالصَّفَا» ) . ــ [المنتقى] ابْنُ حَبِيبٍ: الْكَلَامُ فِي السَّعْيِ بِغَيْرِ مَا أَنْتَ فِيهِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الطَّوَافِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أُمِرَ بِالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا مَعَ قِصَرِ مُدَّتِهَا أَوْ مَعَ تَعَلُّقِهَا بِالْبَيْتِ فَكَانَ ذَلِكَ مَمْنُوعًا وَمَكْرُوهًا لَا سِيَّمَا إذَا أَقْبَلَ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا أَوْ عَلَى مَا لَا يَعْنِي وَلَا فَائِدَةَ فِي الِاشْتِغَالِ بِهِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَمْ تَكُنْ الْقِرَاءَةُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَلَا بَأْسَ بِهَا إذَا أَخْفَاهَا وَلَا يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَانَ يَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ فِي الطَّوَافِ فَكَيْفَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁. وَوَجْهُهُ عِنْدِي أَنْ يَفْعَلَ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ وَإِنَّمَا هِيَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَيُكْرَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَفْعَلَ الطَّوَافَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَمْ تُسَنَّ لَهُ قِرَاءَةٌ كَمَا لَمْ تُسَنَّ لِلصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَإِنَّمَا سُنَّتْ لِلصَّلَاةِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: وَذَلِكَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ ذَلِكَ جَمَاعَةُ النَّاسِ أَوْ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُظَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ فَأَمَّا مَنْ أَخْفَاهَا وَلَمْ يَقْرَأْ لِلطَّوَافِ وَلَمْ يُكْثِرْ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَقْتَدِيَ بِهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فَلَا بَأْسَ بِهَا عَلَى مَا حَكَاهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَذْكَارِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا كَالدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي أَنَّ الْوُقُوفَ لِلْحَدِيثِ أَشَدُّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْوُقُوفُ لِلْحَدِيثِ أَشَدُّ فِي السَّعْيِ وَالطَّوَافِ أَشَدُّ مِنْهُ بِغَيْرِ وُقُوفٍ، وَهُوَ فِي الطَّوَافِ الْوَاجِبِ أَشَدُّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُقُوفَ فِيهِ مَمْنُوعٌ وَالْحَدِيثَ أَيْضًا مَمْنُوعٌ فَاجْتَمَعَ فِيهِ أَمْرَانِ مَمْنُوعَانِ؛ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ فَصْلًا بَيْنَ أَبْعَاضِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعِ اتِّصَالُهَا وَتَفْرِيقًا لِأَجْزَائِهَا بِالْإِقْبَالِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَتَأَكَّدَ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ، وَكَذَلِكَ لَا يَمَسُّ الرُّكْنَ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الطَّوَافِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا وَهُوَ طَاهِرٌ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّهَارَةَ فِيهِ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالطَّوَافِ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ الطَّهَارَةُ. وَلَوْ أَحْدَثَ أَحَدٌ بَعْدَ الطَّوَافِ أَوْ الرُّكُوعِ لَكَانَ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ لِسَعْيِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَسَعَى مُحْدِثًا صَحَّ سَعْيُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ أَنْ طَافَتْ وَرَكَعَتْ لَطَافَتْ عَلَى حَالِهَا مِنْ الْحَيْضِ وَأَجْزَأَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. [الْبَدْءُ بِالصَّفَا فِي السَّعْيِ] (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ يُرِيدُ الصَّفَا» وَالْخُرُوجُ إلَى الصَّفَا يَكُونُ بِإِثْرِ الطَّوَافِ مُتَّصِلًا بِالرُّكُوعِ لَهُ وَفِي ذَلِكَ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: فِي لُزُومِ اتِّصَالِهِ بِرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ. وَالثَّانِيَةُ: فِي صِفَةِ الْخُرُوجِ إلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا لُزُومُ تَرْتِيبِهِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَلُزُومِ اتِّصَالِهِ بِهِمَا فَلِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوَّلُ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ. (فَرْعٌ) وَمَنْ طَافَ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى بَيْتِهِ حَتَّى يَسْعَى إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ يَخَافُ فَوَاتَهَا أَوْ يَتَعَذَّرُ التَّصَبُّرُ لَهَا وَيُرْجَى بِالْخُرُوجِ ذَهَابُهَا كَالْحَقْنِ

стр. 662

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَصْنَعُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» ) . ــ [المنتقى] وَالْخَوْفِ عَلَى النُّزُولِ وَكُرِهَ الْخُرُوجُ لِلْمَرِيضِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِالْخُرُوجِ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَبْتَدِئُ طَوَافَهُ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ إنْ لَمْ يَبْدَأْهُ حَتَّى يَرْجِعَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي صِفَةِ الْخُرُوجِ إلَى الصَّفَا فَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ يَسْتَلِمَ الْحِجْرَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ مَارٌّ بِالْحِجْرِ يُرِيدُ السَّعْيَ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِ الطَّوَافِ. (فَرْعٌ) وَلَمْ يَحُدَّ مَالِكٌ لِمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ إلَى الصَّفَا بَابًا يَخْرُجُ مِنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ الْخُرُوجُ عَلَى بَابِ الصَّفَا غَيْرَ أَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّفَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْوُقُوفِ وَيُبْتَدَأُ السَّعْيُ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالصَّفَا قَبْلَ الْمَرْوَةِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] وَهَذَا حُكْمُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا وَالْأَصْلُ فِيهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَوْلُهُ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَبَدَأَ بِالصَّفَا» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّفَا أَقْرَبُ إلَى الْبَيْتِ فَيَخْرُجُ إلَيْهَا الْحَاجُّ أَوْ الْمُعْتَمِرُ مِنْ السَّعْيِ بِخُطُوَاتٍ يَسِيرَةٍ، ثُمَّ يَرْقَى إلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَتَوَجَّهُ مِنْهَا إلَى الْمَرْوَةِ سَاعِيًا فِي نُسُكِهِ وَلَوْ بَدَأَ أَوَّلًا بِالْمَرْوَةِ لَخَرَجَ إلَيْهَا مِنْ الْمَسْجِدِ فَمَرَّ بِأَكْثَرِ الْمَسْعَى وَهُوَ غَيْرُ سَاعٍ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقْصِدَ الْإِنْسَانُ إلَى أَنْ يَطُوفَ بِأَكْثَرِ الْبَيْتِ قَبْلَ طَوَافِهِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَانَ الْبَدْءُ بِالصَّفَا أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ قَبْلَ الصَّفَا بَنَى عَلَى سَعْيِهِ شَوْطًا ثَامِنًا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ بِهِ سَبْعًا أَوَّلُهَا الْوُقُوفُ بِالصَّفَا وَآخِرُهَا الْوُقُوفُ بِالْمَرْوَةِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَعْيِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَقِيبَ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّفَا لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ وَاعْتَدَّ مِنْ سَعْيِهِ بِمَا تَعَقَّبَ وُقُوفَهُ عَلَى الصَّفَا فَأَكْمَلَ عَلَيْهِ بَقِيَّةَ سَعْيِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَبَدَأَ بِالصَّفَا» يُرِيدُ أَنَّهُ بَدَأَ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا أَوْ افْتَتَحَ بِذَلِكَ سَعْيَهُ وَوُقُوفَهُ عَلَى الصَّفَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَعَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلُهَا وَبِذَلِكَ يُتِمُّ سَعْيَ سَبْعَ مَرَّاتٍ بَيْنَهُمَا. (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا» الْوُقُوفُ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكُونُ بِأَعْلَاهُمَا مِنْ حَيْثُ يَرَى الْبَيْتَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الْوُقُوفِ عَلَى الصَّفَا يَقْتَضِي الْإِشْرَافَ عَلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ بِأَعْلَاهَا أَمْكَنَهُ رُؤْيَةُ الْبَيْتِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ الرَّجُلِ فَأَمَّا النِّسَاءُ فَمَنْ سَعَتْ مِنْهُنَّ فِي سِعَةِ وَقْتِ خَلْوَةٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَقِفُ عَلَى أَعْلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَنْ سَعَتْ بَيْنَ الرِّجَالِ فَلْتَقِفْ فِي أَصْلِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَرْقَى إلَى أَعْلَاهُ؛ لِأَنَّ التَّأَخُّرَ عَنْ الرِّجَالِ وَالِاعْتِزَالَ لِمَوْضِعِهِمْ مَشْرُوعٌ لَهُنَّ مُتَعَيَّنٌ عَلَيْهِنَّ، أَصْلُ ذَلِكَ الطَّوَافُ وَالصَّلَاةُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْعُدَ عَلَى الصَّفَا أَوْ الْمَرْوَةِ وَلْيَقِفْ قَالَ مَالِكٌ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا السَّقِيمُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْعُدَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُقُوفَ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ دُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ فَالْوُقُوفُ فِيهِ أَفْضَلُ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا يُكَبِّرُ فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرُ مَرَضٍ أُبِيحَ لَهُ الْقُعُودُ» ؛ لِأَنَّهُ عُذْرٌ يُسْقِطُ حُكْمَ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا فَبِأَنْ يَسْقُطَ هَاهُنَا أَوْلَى وَأَحْرَى. ١ - (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ «ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَدْعُو» عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يُكَرِّرُ مَا تَكَلَّمَ وَكَانَ إذَا سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا» ؛ لِأَنَّ أَقْوَالَهُ قُرْبٌ وَرَحْمَةٌ فَكَانَ يُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا تَارَةً لِلْإِفْهَامِ وَالتَّعْلِيمِ وَتَارَةً

стр. 663

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَإِنِّي أَسْأَلُك كَمَا هَدَيْتنِي لِلْإِسْلَامِ أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي وَأَنَا مُسْلِمٌ) . ــ [المنتقى] لِلِاسْتِكْثَارِ مِنْ الذِّكْرِ، وَهَذَا أَقَلُّ مَا تُكَرَّرُ بِهِ الْأَذْكَارُ مَعَ اسْتِحْبَابِ الْوِتْرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحَدٍّ فِي تَكْرَارِ هَذَا الذِّكْرِ وَلَا غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ تَكْرَارِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَكَانَ ﷺ يَأْخُذُ فِيمَا يَشْرَعُهُ مُعْلِنًا بِحَظٍّ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ وَحَظٍّ مِنْ التَّخْفِيفِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا لِقُوَّةٍ أَوْ رَغْبَةٍ فِي الْخَيْرِ فَحَسَنٌ وَمَنْ قَصَرَ عَنْ هَذَا الْعَدَدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَهَذَا الذِّكْرُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَذْكَارِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَفْضَلُ مَا قَالَهُ هُوَ وَالنَّبِيُّونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَصِفَةُ الْإِتْيَانِ بِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، ثُمَّ يَدْعُو بِمَا اسْتَطَاعَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُكَبِّرُ ثَلَاثًا وَيُهَلِّلُ مَرَّةً كَمَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ يَدْعُو ثُمَّ يُعِيدُ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَيَكُونُ إحْدَى وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً وَسَبْعَ تَهْلِيلَاتٍ وَالدُّعَاءُ بَيْنَ ذَلِكَ وَلَا يَدَعُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ أَوْ دَعَا بِمَا أَمْكَنَهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ يَقْتَضِي غَيْرَ الصِّفَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ابْنُ حَبِيبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ إنَّمَا يَقْتَضِي تَكْبِيرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَهْلِيلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ تَكْبِيرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَهْلِيلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ تَكْبِيرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تَهْلِيلَ مَرَّةٍ ثُمَّ الدُّعَاءَ بَعْدُ، وَكَيْفَمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يَدْعُو قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَيْسَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُصَّ جَابِرٌ عَلَى دُعَاءٍ بِعَيْنِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأَى مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَوَاقِفِهِ أَدْعِيَةً مُخْتَلِفَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُؤَقِّتْ فِي ذَلِكَ دُعَاءً فَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ دُعَاءٌ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى الدُّعَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ ضَعِيفًا عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ. وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الدُّعَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مَعَ اسْتِقْصَائِهِ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فِي الْحَجِّ حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا نَقَلَ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ مَوْضِعُ دُعَاءٍ وَتَضَرُّعٍ وَسُؤَالٍ وَرَغْبَةٍ، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي مِثْلِ هَذَا مَشْرُوعٌ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فَكَيْفَ صِفَةُ رَفْعِهِمَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَرْفَعُهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَبُطُونُهُمَا إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيَدْعُو قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَعِنْدِي أَنَّ دُعَاءَ التَّضَرُّعِ وَالطَّلَبِ إنَّمَا هُوَ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَبُطُونُهُمَا إلَى السَّمَاءِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالتَّعْظِيمِ وَلَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي ضَعَّفَ مَالِكٌ ﵀. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ «وَيَصْنَعُ عَلَى الْمَرْوَةِ مِثْلَ ذَلِكَ» يُرِيدُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَفْعَلُهُ عَلَى الصَّفَا وَيَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّمَا وَقَفَ عَلَى الصَّفَا وَكُلَّمَا وَقَفَ عَلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الصَّفَا أَرْبَعًا وَعَلَى الْمَرْوَةِ أَرْبَعًا. (ش) : دُعَاءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِهَذَا الدُّعَاءِ دَلِيلٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ وَإِنَّمَا يَدْعُو كُلُّ إنْسَانٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَعِنُّ لَهُ وَيَبْدُو مِنْ حَاجَتِهِ وَأَوْكَدُ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ وَأَنَّ مِنْ أَوْكَدِ الْأَشْيَاءِ الدُّعَاءُ لِأَمْرِ الْآخِرَةِ وَأَنْ يُتَوَفَّى الْمَرْءُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَا بَدَأَ بِهِ أَوَّلًا مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إنَّك قُلْت اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَإِنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ إعْلَانٌ

стр. 664

جَامِعُ السَّعْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ «قُلْت لِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ: كَلًّا لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَتْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قَدِيدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] » ) . ــ [المنتقى] بِإِيمَانِهِ وَتَيَقُّنِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْعِدَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْلُفُ الْمِيعَادَ وَإِخْبَارُهُ عَنْ امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الدُّعَاءِ وَانْتِظَارِهِ مَا وَعَدَ بِهِ تَعَالَى مِنْ الْإِجَابَةِ. [جَامِعُ السَّعْيِ] (ش) : قَوْلُ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ فَقِهَ وَلَا عَلِمَ مِنْ سُنَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا يَتَأَوَّلُ بِهِ نَصَّ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَمَا عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا فَتَأَوَّلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مَا وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْأَفْعَالِ الْمُبَاحَةِ دُونَ الْوَاجِبَةِ وَلَكِنْ كَانَ لِهَذَا سَبَبٌ، وَذَلِكَ إنَّمَا خَاطَبَ بِهِ مَنْ كَانَ يَرَى الْحَرَجَ فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَمَنْ كَانَ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ فِي حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ فَلِذَلِكَ خُوطِبَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا اعْتَقَدَ أَنَّ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ مَحْظُورٌ بَعْدَ الْعَصْرِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُقَالَ لَهُ لَا إثْمَ عَلَيْك فِي قَضَائِهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ وُجُوبَ قَضَائِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] يَقْتَضِي نَفْيَ الْحَرَجِ عَنْ التَّطَوُّفِ بِهِمَا، وَكَوْنُ ذَلِكَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ غَيْرِ هَذَا وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ إنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ لَهُ كَلًّا لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ لَقَالَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا اسْتَفْتَحَتْ كَلَامَهَا بِكَلَّا عَلَى مَعْنَى التَّحْقِيقِ وَالتَّأْكِيدِ وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ لَقَالَ تَعَالَى فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا فَيَنْفِي الْحَرَجَ عَنْ تَارِكِ الطَّوَافِ بِهِمَا وَهُوَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا فَنَفَى الْحَرَجَ عَنْ الْمُطَّوِّفِ بِهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ أَنْ يَلْحَقَ مَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بِهِمَا وَيُوجِبُ السَّعْيَ قَالَتْ عَائِشَةُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَالُوا: إنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَنُوبُ عَنْهُ دَمٌ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ وَاجِبٌ وَلَكِنَّ الدَّمَ يَنُوبُ عَنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يُحِلُّوا ثُمَّ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا» وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَعْيٌ ذُو عَدَدٍ سَبْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ كَالطَّوَافِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قَدِيدٍ وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَنْ كَانَ يَتَحَرَّجُ عَنْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَصَدَ بِهَا إلَى نَفْيِ مَا اعْتَقَدُوهُ خَاصَّةً وَلَمْ يَكُنْ جَوَابٌ لِسُؤَالِ مَنْ سَأَلَ عَنْ السَّعْيِ أَمَشْرُوعٌ

стр. 665

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَانَتْ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَخَرَجَتْ تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مَاشِيَةً وَكَانَتْ امْرَأَةً ثَقِيلَةً فَجَاءَتْ حِينَ انْصَرَفَ النَّاسُ مِنْ الْعِشَاءِ فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا حَتَّى نُودِيَ بِالْأُولَى مِنْ الصُّبْحِ فَقَضَتْ طَوَافَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَكَانَ عُرْوَةُ إذَا رَآهُمْ يَطُوفُونَ عَلَى الدَّوَابِّ يَنْهَاهُمْ أَشَدَّ النَّهْيِ فَيَعْتَلُّونَ لَهُ بِالْمَرَضِ حَيَاءً مِنْهُ فَيَقُولُ لَنَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ: " لَقَدْ خَابَ هَؤُلَاءِ وَخَسِرُوا ") . ــ [المنتقى] أَوْ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؟ . وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّهُ سَمِعَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا كُنَّا نَطُوفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ لَا نَطُوفَ بِهِمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] الْآيَةَ كُلَّهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَسْمَعُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا فِيمَنْ طَافَ وَفِيمَنْ لَمْ يَطُفْ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِيمَنْ خَافَ أَنْ يَخْرُجَ إذَا طَافَ بَيْنَهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] بَيَّنَ بِذَلِكَ مَا أَنْزَلَ لِلسَّائِلِينَ مِنْ حُكْمِ سُؤَالِهِمْ وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] بَيَانٌ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا الْإِبَاحَةَ وَإِنَّمَا هُوَ إنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إثْمًا وَحَرَجًا وَبِمَنْزِلَةِ أَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ عَنْ صِيَامِ رَمَضَانَ هَلْ فِيهِ إثْمٌ فَيُقَالُ: هُوَ فَرْضٌ فَلَا يَأْثَمُ أَحَدٌ بِهِ وقَوْله تَعَالَى فِي حُكْمِ مَنْ سَأَلَ هَلْ يَأْثَمُ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إخْبَارٌ عَنْ حُكْمِهِمَا أَنَّهُمَا مِمَّا أُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا مِنْ الشَّعَائِرِ الَّتِي شُرِعَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا وَمَنْ كَانَ هَذَا حُكْمُهُ فَلَا جُنَاحَ فِيهِ بَلْ فِيهِ الْأَجْرُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَتْ سَوْدَةُ عِنْدَ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فَخَرَجَتْ تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَتْ امْرَأَةً ثَقِيلَةً لَا تُكْمِلُ طَوَافَهَا لِثِقَلِهَا إلَّا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ وَبَيْنَ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ لِثِقَلِ جِسْمِهَا إلَّا أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ كَانَتْ تَطُوفُ بَيْنَهُمَا مَاشِيَةً وَلَا تَتَرَخَّصُ بِالرُّكُوبِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ أَيْ أُمَّتَاهُ مَا مَنَعَك مِنْ الْعُمْرَةِ عَامَ الْأَوَّلِ فَقَدْ انْتَظَرْنَاكِ فَقَالَتْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةُ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَمْشِيَ بَيْنَهُمَا وَأَكْرَهَ أَنْ أَرْكَبَ بَيْنَهُمَا. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ لَا يُرْكَبُ بَيْنَهُمَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَسْعَى الرَّجُلُ رَاكِبًا مِنْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ يَرْكَبُ بَيْنَهُمَا مَنْ شَاءَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ سَعَى مَاشِيًا» وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ سَعْيٌ ذُو عَدَدٍ سَبْعٍ فَكَانَ حُكْمُهُ الْمَشْيَ مَعَ الْقُوَّةِ، أَصْلُ ذَلِكَ الطَّوَافُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ سَعَى رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُعِيدُ مَا لَمْ يَفُتْ فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِيهَا مِنْ السَّعْيِ مَا لَمْ يَفُتْ ذَلِكَ فَإِذَا فَاتَ بِانْفِصَالِهِ مِنْ الطَّوَافِ لَمْ يَبْقَ إلَّا جَبْرُهُ بِالدَّمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمْ تَقْضِ طَوَافَهَا حَتَّى نُودِيَ بِالْأُولَى مِنْ الصُّبْحِ. وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْتَرِيحُ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْجُلُوسَ فِي أَثْنَاءِ السَّعْيِ لِعُذْرٍ لَيْسَ بِمَمْنُوعٍ مَا لَمْ يَخْرُجْ إلَى حَدِّ الْقَطْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ مَعُونَةً عَلَى الْعِبَادَةِ وَتَسَبُّبًا إلَى إتْمَامِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجُلُوسُ لِغَيْرِ عِلَّةٍ فَمَمْنُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الْعِبَادَةِ الَّتِي حُكْمُهَا الِاتِّصَالُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ إنْ كَانَ شَيْئًا خَفِيفًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَإِنْ طَالَ الْجُلُوسُ حَتَّى يَكُونَ تَارِكًا لِلسَّعْيِ الَّذِي كَانَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَسْتَأْنِفُ وَلَا يَبْنِي. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا عِبَادَةٌ حُكْمُهَا الِاتِّصَالُ فَإِذَا شُغِلَ فِيهَا بِعَمَلٍ يَسِيرٍ لَيْسَ مِنْهَا لَمْ

стр. 666

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي عُمْرَةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَلْقَاهُ الرَّجُلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَيَقِفُ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] يَقْطَعْهَا كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِ التَّارِكِ لَهَا لِطُولِ جُلُوسِهِ فَقَدْ عَدِمَ مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِنْ الِاتِّصَالِ فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ وَأَتَمَّ سَعْيَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ،. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اتِّصَالَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَفَضَائِلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُرْوَةَ لَقَدْ خَابَ هَؤُلَاءِ وَخَسِرُوا يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمَشْرُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفَعَلُوا الْمَكْرُوهَ مَعَ تَعَبِهِمْ وَتَكَلُّفِهِمْ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْمَشَقَّةَ الْبَعِيدَةِ وَتَمَوُّنَ النَّفَقَةِ الْكَثِيرَةِ فَقَدْ خَابُوا مِنْ أَجْرِ مَنْ أَتَى بِالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَخَسِرُوا مَا غَنِمَ مَنْ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَرْكَانِ نُسُكِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فَالْمُكَلَّفُ مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَحَلُّلِهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ بَعْدُ نُسُكَهُ حِينَ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ النُّسُكَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالتَّحَلُّلِ دُونَ التَّمَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. فَإِذَا كَانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِ فَلَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِهِ فَيَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَهُ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى إحْرَامِهِ فَسَادًا رَجَعَ فَأَتَمَّ نُسُكَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ فَسَادًا رَجَعَ فَأَتَمَّ عُمْرَتَهُ الَّتِي أَفْسَدَ، ثُمَّ قَضَاهَا وَأَهْدَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ أَنْ يَقْدُمَ مِنْ الطَّوَافِ مَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ السَّعْيُ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ السَّعْيِ اتِّصَالَهُ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَ مَالَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِذَا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ اتِّصَالُهُ بِالطَّوَافِ لَزِمَ إعَادَةُ الطَّوَافِ لِيَتَعَقَّبَهُ السَّعْيُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَخَّرَ سَعْيَهُ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ عَنْهَا أَهْدَى. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعَقُّبَهُ لِلطَّوَافِ وَاتِّصَالَهُ بِهِ مِنْ سُنَّتِهِ وَوَاجِبَاتِ أَحْكَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْمَشَقَّةُ بِالْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ ذَلِكَ بِالدَّمِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي ذَكَرَ السَّعْيَ بَعْدَ أَنْ أَصَابَ النِّسَاءَ يَرْجِعُ فَيَتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ إذَا أَصَابَ النِّسَاءَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ، ثُمَّ يَقْضِيَهَا وَيُهْدِيَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِإِفْسَادِهِ الْعُمْرَةَ وَلِلتَّفْرِقَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَالَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ حَمْلَانِ مَا لَا يُطِيقُ حَمْلَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ هَدْيٌ، ثُمَّ يَعْجِزُ فَيَرْكَبُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِلْأَمْرَيْنِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: نَرَى عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِلتَّفْرِقَةِ. وَالثَّانِي: لِلْإِفْسَادِ وَلَيْسَ هَدْيُ التَّفْرِقَةِ عِنْدَهُ بِوَاجِبٍ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ إنَّ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ اتِّصَالَهَا وَيَلْزَمُ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْوُقُوفِ فَإِذَا اشْتَغَلَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ وَأَخَذَ فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقَطْعِ لَهَا مِنْ الْوُقُوفِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ مِنْ أَحْكَامِهَا وَالْمُسْتَحَبِّ مِنْ هَيْئَاتِهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْوُقُوفُ لِلْحَدِيثِ فِي السَّعْيِ أَشَدُّ مِنْهُ بِغَيْرِ وُقُوفٍ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ يَسْعَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ

стр. 667

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ نَسِيَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئًا أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ سَعْيَهُ، ثُمَّ يُتِمُّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ سَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) . ــ [المنتقى] خَفِيفًا أَتَمَّ سَعْيَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا ابْتَدَأَ فَأَمَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْوُقُوفِ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا يَلْزَمُ الْخُرُوجُ لَهَا وَغَيْرُهُ يَقُومُ بِفَرْضِهَا فَإِذَا خَرَجَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخْتَارٌ لِقَطْعِ سَعْيِهِ بِغَيْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَخْرُجُ عَنْ سَعْيِهِ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ بِخِلَافِ الطَّائِفِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّمَادِي عَلَى طَوَافِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَالِفِ عَلَى الْإِمَامِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَقَامَهَا وَأَمَّا السَّعْيُ فَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ وَهُوَ يَسْعَى أَوْ أَحْدَثَ فَإِنَّ الْحَاقِنَ يَخْرُجُ فَيَبُولُ وَيَتَوَضَّأُ وَكَذَا الْمُحْدِثُ وَيَبْنِيَانِ عَلَى سَعْيِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَالِاشْتِغَالُ بِالْوُضُوءِ كَانَ لِإِتْمَامِ فَضِيلَةِ السَّعْيِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ كَالرَّاعِفِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ نَسِيَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئًا وَلَوْ شَوْطًا وَاحِدًا فَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ طَوَافَهُ ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْعَى وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ سَعْيَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ تَمَامِ سَعْيِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُتِمُّ طَوَافَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْعَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْعَى إلَّا بَعْدَ تَمَامِ طَوَافِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّوَافَ كُلَّهُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّعْيَ يَتَعَقَّبُ الطَّوَافَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَتَى بِالطَّوَافِ قَبْلَ السَّعْيِ» ، وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ: يَرْجِعُ لِتَمَامِ طَوَافِهِ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ شَوْطٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بَنَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ شَوْطٍ فَهَلْ يُتِمُّ ذَلِكَ الشَّوْطَ أَوْ يَبْتَدِئُهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يَبْتَدِئُ الشَّوْطَ مِنْ أَوَّلِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ شَكَّ فِي شَوْطٍ مِنْ طَوَافِهِ وَهُوَ يَسْعَى فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ طَوَافَهُ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى يَقِينٍ لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الطَّوَافَ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا هُوَ بَعْدَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَأَمَّا إنْ شَكَّ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَيْهِ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَيَسْعَى بَعْدَهُ رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ وَلَوْ لَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ مُتَيَقَّنٍ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ إنَّ شَكَّهُ بَعْدَ تَمَامِ عِبَادَتِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَهُوَ عَلَى مَا أَتَمَّهَا عَلَيْهِ مِنْ يَقِينِ التَّمَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ فَأَخْبَرَهُ مَنْ يَطُوفُ مَعَهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ طَوَافَهُ قَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ السَّعَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا اسْتِحْسَانٌ مِنْ مَالِكٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ نَظَرٌ وَلِقَوْلِ مَالِكٍ وَجْهٌ صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَرْجِعُ فِي الصَّلَاةِ إلَى قَوْلِ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ وَأَمَّا الْعِبَادَةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَوَّلُ الشَّوْطِ فِي الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فَيَسْتَلِمُ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَآخِرُهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ لَازِمٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ فَإِنْ بَدَأَ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي مَا بَدَأَ بِهِ قَبْلَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا فَرَغَ تَمَادَى إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَقَدْ تَمَّ طَوَافُهُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ أَتَمَّ طَوَافَهُ عَلَى ذَلِكَ وَرَكَعَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَرِيبًا مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ أَوْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ أَعَادَ طَوَافَهُ فَإِنْ تَبَاعَدَا وَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ

стр. 668

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ جَهِلَ فَبَدَأَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَالَ لِيَرْجِعْ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لِيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ وَيَسْتَبْعِدَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ) . ــ [المنتقى] إعَادَةٌ وَيُهْدِي وَيُجْزِئُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَتَبَاعَدَ فَلْيُهِلَّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اسْتِفْتَاحَ الطَّوَافِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سُنَنِهِ الْوَاجِبَةِ، وَلِذَلِكَ يُجْبَرُ بِالدَّمِ. (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّهُ كَانَ ﷺ إذَا نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التَّخْيِيرُ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ إنْ مَشَيْتهَا فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَإِنْ سَعَيْت فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «طُفْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَانَ فِي النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُ فَسَعَوْا فَلَا أَرَاهُمْ سَعَوْا إلَّا بِسَعْيِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَالسَّعْيُ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَقَدْ أَعْلَمَتْ الْخَلَفُ ذَيْنَك الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى صَارَ إجْمَاعًا، وَصِفَةُ السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهَا بَيْنَ سَعْيَيْنِ وَهُوَ الْخَبَبُ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. (فَرْعٌ) فَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ قَدْ كَانَ مَرَّةً يَقُولُ: عَلَيْهِ الدَّمُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ جَهِلَ فَبَدَأَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَسْعَ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الطَّوَافِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّعْيِ كَالرُّكُوعِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السُّجُودِ فَمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِسَعْيٍ آخَرَ يَصِلَهُ بِطَوَافِهِ قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لِيَرْجِعْ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لِيَرْجِعْ يُرِيدُ لِيَرْجِعْ مِنْ مَكَانِهِ إلَى الْبَيْتِ فَلْيَطُفْ بِهِ، ثُمَّ لِيَسْعَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَبَعْدَ أَنْ طَالَ الْأَمْرُ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِلَ سَعْيُهُ بِهِ فَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الطَّوَافِ لِيَتَّصِلَ بِهِ السَّعْيُ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ نَحْوَ هَذَا فِي شَرْحِهِ، وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِإِثْرِ طَوَافِهِ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَيُعِيدُ السَّعْيَ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى إلَى آخِرِ الْفَصْلِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ لِإِصَابَتِهِ النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى لَهَا؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَعْيِهِ وَطَوَافِهِ غَيْرُ مُجْزِئٍ فَكَانَ كَمَنْ وَطِئَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ حَيْثُ كَانَ، وَيَكُونُ رُجُوعُهُ عَلَى إحْرَامِهِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ ثُمَّ يَحْلِقُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ لِعُمْرَةٍ ثَانِيَةٍ قَضَاءً لِلْأُولَى الَّتِي أَفْسَدَ فَيَعْتَمِرُ وَيُهْدِي هَدْيًا لِإِفْسَادِ عُمْرَتِهِ الْأُولَى وَلَيْسَ هَاهُنَا تَفْرِيقٌ لِطَوَافٍ وَلَا سَعْيٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ.

стр. 669

صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ «أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» ) . ــ [المنتقى] [صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ] (ش) : تَمَارِيهِمْ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمِ عَرَفَةَ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا ظَنَّ أَمْرًا فَنَزَعَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُرَغَّبٌ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مَمْنُوعٌ مَا يُخَافُ أَنْ يُضْعِفَهُ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَخْصُوصِ بِعِبَادَتِهِ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِعِبَادَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ كُلِّ مَا يُضْعِفُهُ عَنْ عِبَادَتِهِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فِطْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لَهُ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُرْجَى فِي صِيَامِهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مَا لَا يُرْجَى فِي صِيَامِ غَيْرِهِ، وَفِطْرُهُ لِلْحَاجِّ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ عَنْ الدُّعَاءِ وَقَدْ أَفْطَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَجِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلْت إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ تُرِيدُ أَنْ تَخْتَبِرَ بِذَلِكَ صَوْمَهُ وَتَعْلَمَ الصَّحِيحَ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي صَوْمِهِ وَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ فِي مَعْرِفَةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهُ فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ فِطْرُهُ لِعِلْمِهَا بِصِحَّتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّوْمِ إلَّا اخْتِيَارُ الْفِطْرِ وَأَمَّا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ شُرْبِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صَوْمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِشِبَعٍ وَرِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَوِّي التَّجْوِيزَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي رَدِّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صَوْمِهِ أَوْ يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى سُؤَالِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ أَمَّا وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ فَالْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَّا رَيْثَمَا يَدْفَعُ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا أَرَادَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَنْ تَعْلَمَ بِذَلِكَ أَمُفْطِرٌ هُوَ أَمْ صَائِمٌ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا فِي وَقْتِ صَوْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْأَفْضَلُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْحَجِّ تَعَلُّقًا بِالْمَالِ، وَالْإِنْفَاقُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَفِي الْحَجِّ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَوْنٌ عَلَى مُوَاصَلَةِ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْوَاقِفَ عَلَى قَدَمَيْهِ يَضْعُفُ عَنْ مُوَاصَلَةِ ذَلِكَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا وَلِهَذَا الْمَعْنَى اُسْتُحِبَّ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ لِيُبَيِّنَّ لِلنَّاسِ فِطْرَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ عَلِمَ بِتَمَارِي أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَرَادَ تَبْيِينَ الشَّرْعِ وَإِيضَاحَ الْحَقِّ وَرَفْعَ اللَّبْسِ ﷺ . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ قَالَ الْقَاسِمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَدْفَعُ الْإِمَامُ، ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ) ش قَوْلُهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَقْتَضِي صِيَامَهَا إيَّاهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصِدِ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ صِيَامِهَا إيَّاهُ فِي الْحَجِّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَلَعَلَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ حَمَلَتْ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ وَأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي صِيَامِهِ فِي الْحَجِّ لِمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إدَامَةِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَأَخَذَتْ فِي ذَلِكَ بِمَا رَأَتْهُ الْأَفْضَلَ مَعَ مَا عَلِمَتْ مِنْ قُوَّتِهَا مَعَهُ عَلَى إدَامَةِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَدْفَعُ الْإِمَامُ، ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ صَوْمَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ دَفْعِ الْإِمَامِ وَوَقْتُ الْفِطْرِ وَوُقُوفُهَا هُنَاكَ لِيَخْلُوَ لَهَا الْمَوْضِعُ لِكَشْفِ وَجْهِهَا لِلْفِطْرِ وَتَمَكُّنِهَا مِمَّا تُرِيدُ مِنْهُ دُونَ أَنْ

стр. 670

مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى» ) . ــ [المنتقى] يَلْزَمَهَا حِجَابٌ وَلَا سَتْرٌ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ أَيْ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ سَوَادِ النَّاسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ لِصَوْمٍ فَكَوْنُهُ فِطْرًا وَبِعَرَفَةَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِصَوْمِهَا فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ الطَّعَامِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِطْرًا. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْتِ أَكْلٍ لِغَيْرِ الصَّائِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَصُومُ إنَّمَا يَشْتَغِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالدُّعَاءِ وَبِالنَّفْرِ وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالِاهْتِبَالِ بِذَلِكَ وَالتَّأَهُّبِ لَهُ وَلَا يَشْتَغِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِتَنَاوُلِ طَعَامٍ إلَّا صَائِمٌ يَقْصِدُ الْبِرَّ بِتَعْجِيلِ فِطْرِهِ أَوْ يَسْتَرْجِعُ بِهِ قُوَّتَهُ لِيَسْتَعِينَ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ. [مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى يَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ النَّهْيَ الْعَامَّ عَنْ صِيَامِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ غَيْرَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوا نَهْيَهُ ﷺ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا الْمُتَطَوِّعُ وَمَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ مِنَى مُتَطَوِّعًا فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا ذَكَرَ مِنْ نَهَارِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِفِطْرِهِ فَمَتَى مَا ذَكَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَفْطُرَ وَيَرْجِعَ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صِيَامُهَا عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ وَلَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي صِيَامِهِمَا عَنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ مُتَتَابِعٍ فِي كَفَّارَةٍ. وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ بِالنَّذْرِ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يُصَامَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ الْمُتَتَابِعِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا صِيَامُ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ مِنًى فَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا لَا يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ مِنًى، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَيْسَ هَاهُنَا أَيَّامٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا غَيْرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَوْ شَارَكَهَا غَيْرُهَا مِنْ الْأَيَّامِ فِي هَذَا الصَّوْمِ لَوَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَعَلَى هَذَا حَمَلَ مَالِكٌ الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا وَصَفَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِأَنَّهَا أَيَّامُ مِنًى؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْمَقَامِ بِمِنًى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ. (فَرْعٌ) وَهَلْ يُطْلَبُ صِيَامُهَا لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تُصَامَ أَيَّامُ مِنًى فِي الْفِدْيَةِ وَمَا سَمِعْت ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُتَمَتِّعِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ ظَاهِرٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» ) . (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّهُ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِهِ إلَى الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ وَاهْتِبَالِهِ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ هَذَا مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الصَّوْمَ مَشْرُوعٌ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ تَخْصِيصُهَا بِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَيَّامِ الْعِبَادَاتِ كَمَا شُرِعَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا كَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيُخْبِرَ أَنَّ صَوْمَهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَنَّهَا
следующие страницы →