Полный текст (2 236 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي عُمْرَةٍ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَلْقَاهُ الرَّجُلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَيَقِفُ مَعَهُ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
يَقْطَعْهَا كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَإِذَا كَانَ فِي حُكْمِ التَّارِكِ لَهَا لِطُولِ جُلُوسِهِ فَقَدْ عَدِمَ مَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِنْ الِاتِّصَالِ فَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا.
(فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْنِفْ وَأَتَمَّ سَعْيَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْهُ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ،.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اتِّصَالَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَفَضَائِلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُرْوَةَ لَقَدْ خَابَ هَؤُلَاءِ وَخَسِرُوا يُرِيدُ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمَشْرُوعَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَفَعَلُوا الْمَكْرُوهَ مَعَ تَعَبِهِمْ وَتَكَلُّفِهِمْ قَطْعَ الْمَسَافَةِ الطَّوِيلَةِ وَالْمَشَقَّةَ الْبَعِيدَةِ وَتَمَوُّنَ النَّفَقَةِ الْكَثِيرَةِ فَقَدْ خَابُوا مِنْ أَجْرِ مَنْ أَتَى بِالْعِبَادَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَخَسِرُوا مَا غَنِمَ مَنْ أَتَى بِهَا عَلَى وَجْهِهَا.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ نَسِيَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا مِنْ أَرْكَانِ نُسُكِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ فَالْمُكَلَّفُ مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ بَاقٍ عَلَى إحْرَامِهِ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِتَحَلُّلِهِ كَمَا لَوْ تَرَكَ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ بَعْدُ نُسُكَهُ حِينَ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ النُّسُكَ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالتَّحَلُّلِ دُونَ التَّمَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
فَإِذَا كَانَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ إلَّا بِهِ فَلَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا قَبْلَ الْإِتْيَانِ بِهِ فَيَرْجِعُ مِنْ حَيْثُ ذَكَرَهُ بَاقِيًا عَلَى إحْرَامِهِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى إحْرَامِهِ فَسَادًا رَجَعَ فَأَتَمَّ نُسُكَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدْخَلَ عَلَيْهِ فَسَادًا رَجَعَ فَأَتَمَّ عُمْرَتَهُ الَّتِي أَفْسَدَ، ثُمَّ قَضَاهَا وَأَهْدَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَلَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَسْتَبْعِدَ مِنْ مَكَّةَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَسْعَى مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْعَى بَعْدَ أَنْ يَقْدُمَ مِنْ الطَّوَافِ مَا يَلْزَمُ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ السَّعْيُ.
وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مِنْ سُنَّةِ السَّعْيِ اتِّصَالَهُ بِالطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَقَّبَ مَالَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَإِذَا كَانَ مِنْ سُنَّتِهِ اتِّصَالُهُ بِالطَّوَافِ لَزِمَ إعَادَةُ الطَّوَافِ لِيَتَعَقَّبَهُ السَّعْيُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَخَّرَ سَعْيَهُ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ عَنْهَا أَهْدَى.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَعَقُّبَهُ لِلطَّوَافِ وَاتِّصَالَهُ بِهِ مِنْ سُنَّتِهِ وَوَاجِبَاتِ أَحْكَامِهِ فَيَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ مَا لَمْ تَلْحَقْهُ الْمَشَقَّةُ بِالْبُعْدِ عَنْ مَكَّةَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْبُرَ ذَلِكَ بِالدَّمِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي الَّذِي ذَكَرَ السَّعْيَ بَعْدَ أَنْ أَصَابَ النِّسَاءَ يَرْجِعُ فَيَتِمُّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ يَعْنِي أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ إذَا أَصَابَ النِّسَاءَ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا عَلَى مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ، ثُمَّ يَقْضِيَهَا وَيُهْدِيَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ لِإِفْسَادِهِ الْعُمْرَةَ وَلِلتَّفْرِقَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا قَالَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ حَمْلَانِ مَا لَا يُطِيقُ حَمْلَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِذَلِكَ هَدْيٌ، ثُمَّ يَعْجِزُ فَيَرْكَبُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ لِلْأَمْرَيْنِ إلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: نَرَى عَلَيْهِ هَدْيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلتَّفْرِقَةِ.
وَالثَّانِي: لِلْإِفْسَادِ وَلَيْسَ هَدْيُ التَّفْرِقَةِ عِنْدَهُ بِوَاجِبٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ إنَّ مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ اتِّصَالَهَا وَيَلْزَمُ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالِاشْتِغَالُ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْوُقُوفِ فَإِذَا اشْتَغَلَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ وَأَخَذَ فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الْقَطْعِ لَهَا مِنْ الْوُقُوفِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا عَلَى الْمَشْرُوعِ مِنْ أَحْكَامِهَا وَالْمُسْتَحَبِّ مِنْ هَيْئَاتِهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْوُقُوفُ لِلْحَدِيثِ فِي السَّعْيِ أَشَدُّ مِنْهُ بِغَيْرِ وُقُوفٍ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى أَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ وَهُوَ يَسْعَى فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ
стр. 667
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ نَسِيَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئًا أَوْ شَكَّ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ سَعْيَهُ، ثُمَّ يُتِمُّ طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عَلَى مَا يَسْتَيْقِنُ وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ سَعْيَهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) .
ــ
[المنتقى]
خَفِيفًا أَتَمَّ سَعْيَهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا ابْتَدَأَ فَأَمَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْوُقُوفِ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَإِنَّهَا لَا يَلْزَمُ الْخُرُوجُ لَهَا وَغَيْرُهُ يَقُومُ بِفَرْضِهَا فَإِذَا خَرَجَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنَّمَا هُوَ مُخْتَارٌ لِقَطْعِ سَعْيِهِ بِغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا يَخْرُجُ عَنْ سَعْيِهِ مَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْفَرِيضَةِ بِخِلَافِ الطَّائِفِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّمَادِي عَلَى طَوَافِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَالِفِ عَلَى الْإِمَامِ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ الَّتِي أَقَامَهَا وَأَمَّا السَّعْيُ فَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ عَلَى الْإِمَامِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَصَابَهُ حَقْنٌ وَهُوَ يَسْعَى أَوْ أَحْدَثَ فَإِنَّ الْحَاقِنَ يَخْرُجُ فَيَبُولُ وَيَتَوَضَّأُ وَكَذَا الْمُحْدِثُ وَيَبْنِيَانِ عَلَى سَعْيِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَالِاشْتِغَالُ بِالْوُضُوءِ كَانَ لِإِتْمَامِ فَضِيلَةِ السَّعْيِ الْمَشْرُوعَةِ مِنْ الطَّهَارَةِ كَالرَّاعِفِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ نَسِيَ مِنْ طَوَافِهِ شَيْئًا وَلَوْ شَوْطًا وَاحِدًا فَذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ سَعْيِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ طَوَافَهُ ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْعَى وَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ سَعْيَهُ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ تَمَامِ سَعْيِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُتِمُّ طَوَافَهُ، ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْعَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْعَى إلَّا بَعْدَ تَمَامِ طَوَافِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَطَاوَلَ أَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ اسْتَأْنَفَ الطَّوَافَ كُلَّهُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ السَّعْيَ يَتَعَقَّبُ الطَّوَافَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَتَى بِالطَّوَافِ قَبْلَ السَّعْيِ» ، وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ: يَرْجِعُ لِتَمَامِ طَوَافِهِ فَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ شَوْطٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ بَنَى عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ شَوْطٍ فَهَلْ يُتِمُّ ذَلِكَ الشَّوْطَ أَوْ يَبْتَدِئُهُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يَبْتَدِئُ الشَّوْطَ مِنْ أَوَّلِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ شَكَّ فِي شَوْطٍ مِنْ طَوَافِهِ وَهُوَ يَسْعَى فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فَيُتِمُّ طَوَافَهُ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يُعِيدُ الرَّكْعَتَيْنِ وَالسَّعْيَ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالطَّوَافِ عَلَى يَقِينٍ لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الطَّوَافَ عَلَى الْيَقِينِ ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَهُ بِمَا هُوَ بَعْدَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَأَمَّا إنْ شَكَّ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى فَإِنَّهُ يَعُودُ إلَيْهِ إذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَيَسْعَى بَعْدَهُ رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ وَلَوْ لَمْ يُعِدْهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ مُتَيَقَّنٍ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ إنَّ شَكَّهُ بَعْدَ تَمَامِ عِبَادَتِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ وَهُوَ عَلَى مَا أَتَمَّهَا عَلَيْهِ مِنْ يَقِينِ التَّمَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ شَكَّ فِي طَوَافِهِ فَأَخْبَرَهُ مَنْ يَطُوفُ مَعَهُ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ طَوَافَهُ قَالَ مَالِكٌ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ السَّعَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ هَذَا اسْتِحْسَانٌ مِنْ مَالِكٍ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى يَقِينِهِ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى قَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِيهِ نَظَرٌ وَلِقَوْلِ مَالِكٍ وَجْهٌ صَحِيحٌ مِنْ النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَرْجِعُ فِي الصَّلَاةِ إلَى قَوْلِ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ وَأَمَّا الْعِبَادَةُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهَا مَنْ لَيْسَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ كَالطَّهَارَةِ وَالصَّوْمِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَوَّلُ الشَّوْطِ فِي الطَّوَافِ مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَ يَبْتَدِئُ فَيَسْتَلِمُ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي الطَّوَافِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَآخِرُهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ؛ لِأَنَّ اسْتِيعَابَ الْبَيْتِ بِالطَّوَافِ لَازِمٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِمَا قُلْنَاهُ فَإِنْ بَدَأَ مِنْ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ بَلَغَنِي مَا بَدَأَ بِهِ قَبْلَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا فَرَغَ تَمَادَى إلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَقَدْ تَمَّ طَوَافُهُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَتَمَّ طَوَافَهُ عَلَى ذَلِكَ وَرَكَعَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ قَرِيبًا مَا لَمْ يَتَبَاعَدْ أَوْ يُنْتَقَضْ وُضُوءُهُ أَعَادَ طَوَافَهُ فَإِنْ تَبَاعَدَا وَانْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ
стр. 668
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ جَهِلَ فَبَدَأَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَالَ لِيَرْجِعْ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لِيَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ وَيَسْتَبْعِدَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى وَالْهَدْيُ) .
ــ
[المنتقى]
إعَادَةٌ وَيُهْدِي وَيُجْزِئُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ حَتَّى انْتَقَضَ وُضُوءُهُ ابْتَدَأَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَتَبَاعَدَ فَلْيُهِلَّ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اسْتِفْتَاحَ الطَّوَافِ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّتِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ سُنَنِهِ الْوَاجِبَةِ، وَلِذَلِكَ يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّهُ كَانَ ﷺ إذَا نَزَلَ مِنْ الصَّفَا مَشَى حَتَّى إذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» هَذَا الْمَشْهُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ التَّخْيِيرُ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ إنْ مَشَيْتهَا فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي وَإِنْ سَعَيْت فَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْعَى وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ «طُفْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَانَ فِي النَّاسِ فَلَمْ أَرَهُ فَسَعَوْا فَلَا أَرَاهُمْ سَعَوْا إلَّا بِسَعْيِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالسَّعْيُ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَقَدْ أَعْلَمَتْ الْخَلَفُ ذَيْنَك الْمَوْضِعَيْنِ حَتَّى صَارَ إجْمَاعًا، وَصِفَةُ السَّعْيِ أَنْ يَكُونَ سَعْيُهَا بَيْنَ سَعْيَيْنِ وَهُوَ الْخَبَبُ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ تَرَكَ السَّعْيَ بِبَطْنِ الْمَسِيلِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ قَدْ كَانَ مَرَّةً يَقُولُ: عَلَيْهِ الدَّمُ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ مَنْ جَهِلَ فَبَدَأَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَسْعَ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الطَّوَافِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السَّعْيِ كَالرُّكُوعِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ السُّجُودِ فَمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ لَمْ يُجْزِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِسَعْيٍ آخَرَ يَصِلَهُ بِطَوَافِهِ قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ فِي حَاوِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِيَرْجِعْ فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ لِيَرْجِعْ يُرِيدُ لِيَرْجِعْ مِنْ مَكَانِهِ إلَى الْبَيْتِ فَلْيَطُفْ بِهِ، ثُمَّ لِيَسْعَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ طَوَافِهِ وَبَعْدَ أَنْ طَالَ الْأَمْرُ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِلَ سَعْيُهُ بِهِ فَعَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الطَّوَافِ لِيَتَّصِلَ بِهِ السَّعْيُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ نَحْوَ هَذَا فِي شَرْحِهِ، وَأَمَّا إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِإِثْرِ طَوَافِهِ فَإِنَّهُ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَيُعِيدُ السَّعْيَ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ رَجَعَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى إلَى آخِرِ الْفَصْلِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ لِإِصَابَتِهِ النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى لَهَا؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سَعْيِهِ وَطَوَافِهِ غَيْرُ مُجْزِئٍ فَكَانَ كَمَنْ وَطِئَ فِي عُمْرَتِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ مِنْ حَيْثُ كَانَ، وَيَكُونُ رُجُوعُهُ عَلَى إحْرَامِهِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ الَّتِي أَفْسَدَ ثُمَّ يَحْلِقُ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْإِحْرَامَ لِعُمْرَةٍ ثَانِيَةٍ قَضَاءً لِلْأُولَى الَّتِي أَفْسَدَ فَيَعْتَمِرُ وَيُهْدِي هَدْيًا لِإِفْسَادِ عُمْرَتِهِ الْأُولَى وَلَيْسَ هَاهُنَا تَفْرِيقٌ لِطَوَافٍ وَلَا سَعْيٍ فَيَكُونُ عَلَيْهِ هَدْيٌ آخَرُ عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ.
стр. 669
صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ «أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» ) .
ــ
[المنتقى]
[صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ]
(ش) : تَمَارِيهِمْ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمِ عَرَفَةَ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنَّمَا ظَنَّ أَمْرًا فَنَزَعَ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ صِيَامَ يَوْمِ عَرَفَةَ مُرَغَّبٌ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مَمْنُوعٌ مَا يُخَافُ أَنْ يُضْعِفَهُ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الدُّعَاءِ الْمَخْصُوصِ بِعِبَادَتِهِ وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِعِبَادَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ كُلِّ مَا يُضْعِفُهُ عَنْ عِبَادَتِهِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: فِطْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى لَهُ قَالَ أَشْهَبُ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُرْجَى فِي صِيَامِهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مَا لَا يُرْجَى فِي صِيَامِ غَيْرِهِ، وَفِطْرُهُ لِلْحَاجِّ أَحَبُّ إلَيْنَا؛ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ عَنْ الدُّعَاءِ وَقَدْ أَفْطَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلْت إلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ تُرِيدُ أَنْ تَخْتَبِرَ بِذَلِكَ صَوْمَهُ وَتَعْلَمَ الصَّحِيحَ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَلِفِينَ فِي صَوْمِهِ وَهَذَا وَجْهٌ صَحِيحٌ فِي مَعْرِفَةِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهُ فَيُعْلَمَ بِذَلِكَ فِطْرُهُ لِعِلْمِهَا بِصِحَّتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّوْمِ إلَّا اخْتِيَارُ الْفِطْرِ وَأَمَّا لَوْ امْتَنَعَ مِنْ شُرْبِهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صَوْمِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ لِشِبَعٍ وَرِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَوِّي التَّجْوِيزَيْنِ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ فِي رَدِّهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صَوْمِهِ أَوْ يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى سُؤَالِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ أَمَّا وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ فَالْأَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ صَوْمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقِفُ بِعَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَّا رَيْثَمَا يَدْفَعُ وَأَيْضًا فَإِنَّهَا أَرَادَتْ أُمُّ الْفَضْلِ أَنْ تَعْلَمَ بِذَلِكَ أَمُفْطِرٌ هُوَ أَمْ صَائِمٌ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إلَّا فِي وَقْتِ صَوْمٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ الْأَفْضَلُ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلْحَجِّ تَعَلُّقًا بِالْمَالِ، وَالْإِنْفَاقُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمْسَاكِ وَفِي الْحَجِّ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَوْنٌ عَلَى مُوَاصَلَةِ الدُّعَاءِ فَإِنَّ الْوَاقِفَ عَلَى قَدَمَيْهِ يَضْعُفُ عَنْ مُوَاصَلَةِ ذَلِكَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا وَلِهَذَا الْمَعْنَى اُسْتُحِبَّ الْفِطْرُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ وَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ لِيُبَيِّنَّ لِلنَّاسِ فِطْرَهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ عَلِمَ بِتَمَارِي أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَأَرَادَ تَبْيِينَ الشَّرْعِ وَإِيضَاحَ الْحَقِّ وَرَفْعَ اللَّبْسِ ﷺ .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ قَالَ الْقَاسِمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَدْفَعُ الْإِمَامُ، ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ) ش قَوْلُهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَرَفَةَ يَقْتَضِي صِيَامَهَا إيَّاهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ غَيْرَ أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصِدِ أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ صِيَامِهَا إيَّاهُ فِي الْحَجِّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا بَعْدَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَلَعَلَّ عَائِشَةَ ﵂ قَدْ حَمَلَتْ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ عَلَى الْجَوَازِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى النَّاسِ وَأَنَّ الْفَضِيلَةَ فِي صِيَامِهِ فِي الْحَجِّ لِمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إدَامَةِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فَأَخَذَتْ فِي ذَلِكَ بِمَا رَأَتْهُ الْأَفْضَلَ مَعَ مَا عَلِمَتْ مِنْ قُوَّتِهَا مَعَهُ عَلَى إدَامَةِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ يَدْفَعُ الْإِمَامُ، ثُمَّ تَقِفُ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ بَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ صَوْمَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ كَانَ فِي الْحَجِّ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ دَفْعِ الْإِمَامِ وَوَقْتُ الْفِطْرِ وَوُقُوفُهَا هُنَاكَ لِيَخْلُوَ لَهَا الْمَوْضِعُ لِكَشْفِ وَجْهِهَا لِلْفِطْرِ وَتَمَكُّنِهَا مِمَّا تُرِيدُ مِنْهُ دُونَ أَنْ
стр. 670
مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى» ) .
ــ
[المنتقى]
يَلْزَمَهَا حِجَابٌ وَلَا سَتْرٌ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ الْأَرْضِ أَيْ تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ سَوَادِ النَّاسِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، ثُمَّ تَدْعُو بِشَرَابٍ فَتُفْطِرُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ لِصَوْمٍ فَكَوْنُهُ فِطْرًا وَبِعَرَفَةَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ طَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ عَلِمَ بِصَوْمِهَا فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ الطَّعَامِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فِطْرًا.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْتِ أَكْلٍ لِغَيْرِ الصَّائِمِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَصُومُ إنَّمَا يَشْتَغِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالدُّعَاءِ وَبِالنَّفْرِ وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالِاهْتِبَالِ بِذَلِكَ وَالتَّأَهُّبِ لَهُ وَلَا يَشْتَغِلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِتَنَاوُلِ طَعَامٍ إلَّا صَائِمٌ يَقْصِدُ الْبِرَّ بِتَعْجِيلِ فِطْرِهِ أَوْ يَسْتَرْجِعُ بِهِ قُوَّتَهُ لِيَسْتَعِينَ عَلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ.
[مَا جَاءَ فِي صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى]
(ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صِيَامِ أَيَّامِ مِنَى يَقْتَضِي مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ النَّهْيَ الْعَامَّ عَنْ صِيَامِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ غَيْرَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَتَأَوَّلُوا نَهْيَهُ ﷺ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا الْمُتَطَوِّعُ وَمَنْ صَامَ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ مِنَى مُتَطَوِّعًا فَلْيُفْطِرْ مَتَى مَا ذَكَرَ مِنْ نَهَارِهِ قَالَهُ أَشْهَبُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِفِطْرِهِ فَمَتَى مَا ذَكَرَ لَزِمَهُ أَنْ يَفْطُرَ وَيَرْجِعَ إلَى مَا أُمِرَ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صِيَامُهَا عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ وَلَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي صِيَامِهِمَا عَنْ صَوْمٍ وَاجِبٍ مُتَتَابِعٍ فِي كَفَّارَةٍ.
وَأَمَّا الْيَوْمُ الرَّابِعُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَعْيِينَهُ بِالنَّذْرِ، وَاتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ أَنْ يُصَامَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ الْمُتَتَابِعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا صِيَامُ الْمُتَمَتِّعِ أَيَّامَ مِنًى فَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا لَمْ يَصُمْ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ فَعَلَى هَذَا لَا يَصُومُ الْمُتَمَتِّعُ أَيَّامَ مِنًى، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَيْسَ هَاهُنَا أَيَّامٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا غَيْرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَلَوْ شَارَكَهَا غَيْرُهَا مِنْ الْأَيَّامِ فِي هَذَا الصَّوْمِ لَوَجَبَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ فَعَلَى هَذَا حَمَلَ مَالِكٌ الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا وَصَفَ هَذِهِ الْأَيَّامَ بِأَنَّهَا أَيَّامُ مِنًى؛ لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْمَقَامِ بِمِنًى عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُطْلَبُ صِيَامُهَا لِغَيْرِ الْمُتَمَتِّعِ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا تُصَامَ أَيَّامُ مِنًى فِي الْفِدْيَةِ وَمَا سَمِعْت ذَلِكَ إلَّا فِي الْمُتَمَتِّعِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ الْحَصْرِ ظَاهِرٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» ) .
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّهُ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَيَّامَ مِنًى يَطُوفُ يَقُولُ: إنَّمَا هِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ» الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِهِ إلَى الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ وَاهْتِبَالِهِ بِتَعْلِيمِ النَّاسِ هَذَا مِنْ حُكْمِ هَذِهِ الْأَيَّامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الصَّوْمَ مَشْرُوعٌ فِيهَا مُسْتَحَبٌّ تَخْصِيصُهَا بِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَيَّامِ الْعِبَادَاتِ كَمَا شُرِعَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ الْمُرَغَّبِ فِيهَا كَصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِيُخْبِرَ أَنَّ صَوْمَهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَأَنَّهَا
стр. 671
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى» ) .
مَا يَجُوزُ مِنْ الْهَدْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى جَمَلًا» نَصٌّ فِي أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ يَكُونُ فِي ذُكُورِ الْإِبِلِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُهْدِي إلَّا الْإِنَاثَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثُ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْهَدْيَ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْقُرُبِ فَلَمْ تَخْتَصَّ بِإِنَاثِ الْحَيَوَانِ دُونَ ذُكُورِهِ كَالضَّحَايَا وَالزَّكَاةِ وَالْعِتْقِ فِي الْكَفَّارَاتِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: ارْكَبْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهَا بَدَنَةٌ فَقَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَك فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ» ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ جُمْلَةِ أَيَّامِ الْعِيدِ الَّتِي شُرِعَ الْفِطْرُ فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَنْعُ مِنْ الصَّوْمِ فِيهَا مَنْعَهُ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلصَّوْمِ بِوَجْهٍ.
(ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى نَهْيُ تَحْرِيمٍ وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ جَمَّةٍ صَحِيحَةٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ وَأَيَّامُ الْعِيدِ مَخْصُوصَةٌ بِالْفِطْرِ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الصَّوْمِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ قَالَ فَدَعَانِي قَالَ فَقُلْت لَهُ: إنِّي صَائِمٌ فَقَالَ هَذِهِ الْأَيَّامُ الَّتِي نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِنَّ وَأَمَرَنَا بِفِطْرِهِنَّ قَالَ مَالِكٌ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو فَوَجَدَهُ يَأْكُلُ فَدَعَاهُ» يُرِيدُ أَنَّهُ دَعَاهُ عَلَى مَعْنَى اسْتِعْمَالِ حُسْنِ الْأَدَبِ مَعَ الْوَلَدِ وَبَذْلِ الطَّعَامِ وَالسَّخَاوَةِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا كَانَتْ الْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِهِ وَتَفْخَرُ بِالْإِيثَارِ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ الشَّرْعُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ آثَرَ ضَيْفَهُ بِطَعَامِهِ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ أَنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ وَتَقْرَأَ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْت وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنِّي صَائِمٌ عَلَى إظْهَارِ عُذْرِهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَبِمَا دَعَاهُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ إجَابَتَهُ بِمَا دَعَاهُ إلَيْهِ لَيْسَتْ بِمَعْصِيَةٍ بَلْ هِيَ مَشْرُوعَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا وَظَنَّ عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ لَمْ يَدْعُهُ إلَى طَعَامِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِصَوْمِهِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْأَيَّامَ الَّتِي كَانَ فِيهَا هِيَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا وَأَمَرَ بِفِطْرِهَا وَأَنَّ مَا ابْتَدَاهُ عَبْدُ اللَّهِ فِيهَا مِنْ الصَّوْمِ مَمْنُوعٌ يَلْزَمُهُ قَطْعُهُ قَالَ مَالِكٌ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ يُرِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الَّتِي أَخْبَرَ عَنْهَا هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُهَا وَلَا تَعْيِينُهَا غَيْرَ أَنْ لَيْسَ فِي الْأَيَّامِ أَيَّامٌ يُمْكِنُ أَنْ يُشَارَ إلَيْهَا بِالْمَنْعِ مِنْ الصَّوْمِ فِيهَا غَيْرُهَا؛ لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ إنَّمَا هُوَ يَوْمٌ وَكَذَلِكَ يَوْمُ النَّحْرِ لِانْفِرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ جِنْسِهِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا مُتَّصِلَةٌ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ اعْتَقَدَ أَنَّهَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اعْتَقَدَ ذَلِكَ لِخَبَرٍ بَلَغَهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
[مَا يَجُوزُ مِنْ الْهَدْيِ]
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ ارْكَبْهَا» لَيْسَ
стр. 672
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يُهْدِي فِي الْحَجِّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ وَفِي الْعُمْرَةِ بَدَنَةً بَدَنَةً قَالَ رَأَيْتُهُ فِي الْعُمْرَةِ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي دَارِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَكَانَ فِيهَا مَنْزِلُهُ قَالَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ طَعَنَ فِي لَبَّةِ بَدَنَةٍ حَتَّى خَرَجَتْ الْحَرْبَةُ مِنْ تَحْتِ كَتِفِهَا) .
ــ
[المنتقى]
فِيهِ ذِكْرٌ لِحَالِ الرَّجُلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ اُضْطُرَّ إلَى رُكُوبِهَا وَكَانَ مَعَ كَثْرَةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَثْرَةِ هَدْيِهِمْ أَنَّهُ ﷺ قَدْ رَأَى جَمَاعَةً يَسُوقُونَ مِثْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ أَحَدًا بِمِثْلِ ذَلِكَ وَلَوْ أَمَرَ جَمِيعَهُمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ لَكَانَ رُكُوبُ الْبُدْنِ مَشْرُوعًا كَثِيرًا مَشْهُورًا وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِي بُطْلَانِهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا الْأَحْمَالَ وَتَصَرَّفَ فِي الْعَمَلِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهَا وَالْكِرَاءِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بِاتِّفَاقٍ؛ لِأَنَّ الْبُدْنَ مَا أُخْرِجَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا وَإِنَّمَا تُرْكَبُ الْبُدْنُ لِلْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ الرُّكُوبِ الْخَفِيفِ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَرْكَبَ الرَّجُلُ بَدَنَتَهُ رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ وَلَا يَرْكَبُهَا بِالْحَمْلِ وَلَا يَحْمِلُ عَلَيْهَا زَادَهُ وَلَا شَيْءَ يُتْعِبُهَا بِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ رَكِبَهَا مُحْتَاجًا إلَى رُكُوبِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِلَ إذَا اسْتَرَاحَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَبَاحَ رُكُوبَهَا بِمَا حَدَثَ مِنْ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَكَانَ لَهُ رُكُوبُهَا بَعْدَ دَفْعِ تِلْكَ الْحَاجَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَالْمُضْطَرِّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ لَا يَأْكُلُهَا حَتَّى يُضْطَرَّ إلَيْهَا وَيَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْهَلَاكَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهَا، ثُمَّ تَدُومُ تِلْكَ الضَّرُورَةُ بِالشِّبَعِ مِنْهَا فَيَسْتَدِيمُ اسْتِبَاحَةَ أَكْلِهَا حَتَّى يَجِدَ مَا يُغْنِيَهُ عَنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ الرَّجُلِ: إنَّهَا بَدَنَةٌ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا أَبَاحَ لَهُ رُكُوبَهَا لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا غَيْرُ بَدَنَةٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْبُدْنِ إنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى مَا قَدْ وَجَبَ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ هَدْيُهُ لِبَدَنَةٍ مُقَلَّدَةٍ مُشْعِرَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ مُقَلَّدَةً مُشْعِرَةً فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا بَدَنَةٌ وَقَوْلُ الرَّجُلِ: إنَّهَا بَدَنَةٌ مَعَ ذَلِكَ نِهَايَةُ التَّحَرُّزِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ وَالْإِعْلَامِ لَهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ رُكُوبَهَا لِكَوْنِهَا بَدَنَةٌ وَإِنْ كَانَ فِي ظَاهِرِ حَالِهَا مَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ عَارِيَّةً مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ إيجَابِهَا أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ إيجَابِهَا فَقَدْ أَغْفَلَ الْإِشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ فَلَا عَلَامَةَ بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ، وَجْهٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ غَيْرَ أَنَّ رُكُوبَهَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أَبَاحَ لَهُ رُكُوبَهَا أَوْ أَمَرَهُ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا بَدَنَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُهَا وَإِنَّمَا امْتَنَعَ مِنْ رُكُوبِهَا؛ لِأَنَّهُ نَوَى إيجَابَهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ.
فَوَجْهُ رُكُوبِهَا أَبْيَنُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ تَعْيِينِهَا بِالنِّيَّةِ وَقَبْلَ الْإِيجَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ ارْكَبْهَا وَيْلَك فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فِي الثَّانِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ ارْكَبْهَا ابْتِدَاءً فَيَقُولُ لَهُ ذَلِكَ زَجْرًا عَنْ مُرَاجَعَتِهِ عَنْ أَمْرٍ قَدْ كَانَ لَهُ فِي التَّعَلُّقِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَحَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْأَحْوَالِ سِعَةٌ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الثَّانِيَةَ مِنْ جَوَابِهِ لَهُ عَنْ قَوْلِهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ عَنْ تَكْرِيرِ سُؤَالِهِ عَنْ أَمْرٍ قَدْ بَيَّنَهُ لَهُ وَلَمْ يُقَيِّدْ أَمْرَهُ بِرُكُوبِهَا بِحَالِ الْكَلَالِ دُونَ حَالِ الْإِرَاحَةِ وَلَا قَالَ لَهُ فَإِذَا أَسْقَطْت الْمَشْيَ فَانْزِلْ فَاقْتَضَى ذَلِكَ اسْتِدَامَتَهُ رُكُوبَهَا وَإِنْ زَالَ تَعَبُ مَشْيِهِ بِرُكُوبِهَا.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ يَرَى عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ يُهْدِي فِي الْحَجِّ بَدَنَتَيْنِ بَدَنَتَيْنِ وَفِي الْعُمْرَةِ بَدَنَةً بَدَنَةً عَلَى مَعْنَى تَعْظِيمِ الْحَجِّ وَالتَّقَرُّبِ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَتَقَرَّبُ فِي الْعُمْرَةِ؛ وَلِأَنَّهُ كَمَا كَانَ الْحَجُّ أَكْثَرَ عَمَلًا كَانَ يَخُصُّهُ بِزِيَادَةٍ فِي إخْرَاجِ الْمَالِ لَمَّا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْعَمَلِ وَالْمَالِ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَكَرُّرَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يَتَكَرَّرُ فِعْلُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَرَأَيْتُهُ فِي الْعُمْرَةِ يَنْحَرُ بَدَنَةً وَهِيَ قَائِمَةٌ يَقْتَضِي مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ
стр. 673
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْدَى جَمَلًا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَهْدَى بَدَنَتَيْنِ إحْدَاهُمَا بُخْتِيَّةٌ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إذَا نَتَجَتْ النَّاقَةُ: فَلْيُحْمَلْ وَلَدُهَا حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَحْمَلٌ حُمِلَ عَلَى أُمِّهِ حَتَّى يُنْحَرَ مَعَهَا) .
ــ
[المنتقى]
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَنْحَرَ الْبُدْنَ قِيَامًا.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ «وَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ سَبْعِينَ بَدَنَةً قِيَامًا» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي نَحْرِهَا قِيَامًا فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ غَيْرِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تُنْحَرُ بَارِكَةً، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ نَحَرَ سَبْعِينَ بَدَنَةً قِيَامًا» قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِمَنْ يَنْحَرُهَا؛ لِأَنَّهُ يَطْعَنُ فِي لَبَتِّهَا وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ الَّتِي سُنَّتُهَا الذَّبْحُ فَإِنَّ إضْجَاعَهَا أَمْكَنُ لِتَنَاوُلِ ذَبْحِهَا فَالسُّنَّةُ إضْجَاعُهَا.
(فَرْعٌ) وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الشَّأْنَ أَنْ تُنْحَرَ الْبُدْنُ قَائِمَةً قَدْ صُفَّتْ يَدَاهَا بِالْقَيْدِ.
وَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا لَا يَعْقِلُهَا إلَّا مَنْ خَافَ أَنْ يَضْعُفَ عَنْهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فِي دَارِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَكَانَ فِيهَا مَنْزِلُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَلَا يُخْرِجُ هَدْيَهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ فِيهِ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ حَتَّى يَدْخُلَ بِهِ مَنْحَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمْ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْحَرَ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَطْعَنُ فِي لَبَّةِ بَدَنَتِهِ حَتَّى خَرَجَتْ الْحَرْبَةُ مِنْ تَحْتِ كَتِفِهَا إخْبَارٌ مِنْهُ بِمَا شَاهَدَ مِنْ فِعْلِهِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا تَعَمُّدٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ النَّحْرِ عَلَى وَجْهِ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ فَإِنْ كَانَتْ الْمُبَالَغَةُ بِالطَّعْنِ فِي لَبَّةِ الْبَدَنَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْإِبِلِ مَأْمُورًا بِهَا لِيُتِمَّ الذَّكَاةَ وَلَا يُقَصِّرَ بِذَلِكَ تَقْصِيرًا لَمْ تَتِمَّ بِذَلِكَ الذَّكَاةُ كَإِمْرَارِ الشَّفْرَةِ عَلَى الْحَلْقِ فِي الذَّبْحِ فَإِنَّ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ مَشْرُوعَةٌ لِتَيَقُّنِ تَمَامِ الذَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَطْعُ الرَّأْسِ مَشْرُوعًا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْبُدْنَ تَكُونُ مِنْ ذُكُورِ الْإِبِلِ وَإِنَاثِهَا وَإِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ مَعَ الِاخْتِيَارِ دُونَ الضَّرُورَةِ وَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ حَالِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَوْنُهَا مِنْ إنَاثِ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ مَعَ أَنَّ أَثْمَانَهَا إنَّمَا كَانَتْ فِي الْأَغْلَبِ أَقَلَّ مِنْ أَثْمَانِ الذُّكُورِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قَصْدِهِ لِذَلِكَ وَاخْتِيَارِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ أَفْضَلُ أَوْ لِيُحْيِيَ سُنَّةَ الْجَوَازِ.
(ش) : هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ نَجَابِيَّةٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ أَنْوَاعَ الْإِبِلِ كُلَّهَا تُجْزِئُ فِي الْهَدَايَا الْبُخْتُ، وَالنَّجْبُ وَالْعِرَابُ وَسَائِرُ أَنْوَاعِ الْإِبِلِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْبَقَرِ مِنْ الْجَوَامِيسِ وَالْبَقَرِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْغَنَمِ مِنْ الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ فِي الْأَسْنَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : حَمْلُ مَا تُنْتِجُهُ النَّاقَةُ يَكُونُ إنْ كَانَتْ فِيهِ قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ فِي قُرْبِ الْمَكَانِ لِسَوْقِهِ مَعَهَا وَمُرَاعَاتِهِ لَهُ بِمَا يُرَاعِيهَا بِهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ، وَخِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ فَلْيَحْمِلْهُ عَلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الظَّهْرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَحْمَلًا حَمَلَهُ عَلَى أُمِّهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حَمْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ حَمَلَهُ عَلَى أُمِّهِ كَمَا لَوْ اُضْطُرَّ هُوَ إلَى رُكُوبِهَا وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ أُمُّهُ عَلَى حَمْلِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُكَلَّفُ هُوَ حَمْلُهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ حَمْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ وَهَلَكَ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَا تَخْلُو الْبَدَنَةُ أَنْ تُنْتِجَ قَبْلَ إيجَابِهَا أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ نَتَجَتْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ نَوَى بِهَا الْهَدْيَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَنْحَرَ وَلَدَهَا مَعَهَا إنْ كَانَ قَدْ نَوَى بِهَا الْهَدْيَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَدْ نَوَى بِهَا
стр. 674
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ إذَا اُضْطُرِرْت إلَى بَدَنَتِك فَارْكَبْهَا رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ وَإِذَا اُضْطُرِرْت إلَى لَبَنِهَا فَاشْرَبْ بَعْدَ مَا يُرْوَى فَصِيلُهَا فَإِذَا نَحَرْتهَا فَانْحَرْ فَصِيلَهَا مَعَهَا) .
الْعَمَلُ فِي الْهَدْيِ حِينَ يُسَاقُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنْ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهُ مِنْ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقَفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إذَا دَفَعُوا فَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا وَيُوَجِّهُهُنَّ إلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ
ــ
[المنتقى]
الْهَدْيَ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَرْجِعَ فِيهِ عَنْ نِيَّتِهِ كَمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ فِي أُمِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَتَجَتْ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَجَبَ إهْدَاؤُهُ مَعَ أُمِّهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا قَدْ لَزِمَ إخْرَاجُهُ عَلَى وَجْهِ الْهَدْيِ كَسَائِرِ أَعْضَاءِ الْبَدَنَةِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ عَجَزَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يُوَصِّلَهُ لِأَقْرَبِ مَحَلٍّ لَهُ دُونَ الْبَيْتِ فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ ذَبَحَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُبَدِّلَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا تُجْزِئُهُ بَقَرَةٌ إذَا لَمْ يَجِدْ بَدَنَةً.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ هَدْيُ فِدْيَةٍ فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَنَى عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِمَّا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا أَنَّ الْإِيجَابَ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْأُمَّ وَهَذَا مِنْ أَبْعَاضِهَا وَإِنَّمَا صَارَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا الَّذِي لَا يُهْدَى مُنْفَرِدًا وَيُهْدَى مَعَ الْجُمْلَةِ.
(ش) : قَوْلُهُ إذَا اُضْطُرِرْت إلَى بَدَنَتِك فَارْكَبْهَا رُكُوبًا غَيْرَ فَادِحٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُضْطَرَّ إلَى بَدَنَتِهِ لَهُ رُكُوبُهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَفْدَحُهَا وَلَا يُضَيِّعُهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إذَا اُضْطُرِرْت إلَى لَبَنِهَا فَاشْرَبْ بَعْدَمَا يُرْوَى فَصِيلُهَا إبَاحَةٌ لِلشُّرْبِ إلَى لَبَنِهَا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا) وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ وَيُدْخِلَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ لَبَنِهِ مَا يُضْعِفُهُ بِشُرْبِ ذَلِكَ وَمَعْنَى بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا عِنْدِي بَعْدَ أَنْ يَتْرُكَ لِلْفَصِيلِ مَا لَا يَشُكُّ أَنْ يَكْفِيَهُ؛ لِأَنَّ الْفَصِيلَ إذَا رُوِيَ الْآنَ احْتَاجَ بَعْدَ سَاعَةٍ إلَى الشُّرْبِ وَالْمُعَاوَدَةِ فَلَا يَكُونُ مَعْنَى بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا أَنْ يَشْرَبَ بِإِثْرِ رِيِّ الْفَصِيلِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَتْرُكَ لَهُ مِقْدَارَ رِيِّهِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الرُّكُوبِ مَخَافَةَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَى الْفَصِيلِ أَوْ عَلَى أُمِّهِ ضَرَرًا لِشُرْبِهِ فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا بَعْدَ رِيِّ فَصِيلِهَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا تَكُونَ ضَرُورَةٌ فَيَعُودَ إلَى أَصْلِهِ فِي الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا مَنَافِعُ لَا تُنْقِصُ الْخِلْقَةَ كَالرُّكُوبِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ شُرْبُهُ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِذَا نَحَرْتَهَا فَانْحَرْ فَصِيلَهَا مَعَهَا يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهَا لَا سِيَّمَا إذَا وَلَدَتْهُ بَعْدَ إيجَابِهَا كَوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ تَلِدُهُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ فَإِنَّ حُكْمَهَا حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَمَلُ فِي الْهَدْيِ حِينَ يُسَاقُ]
(ش) : قَوْلُهُ إذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنْ الْمَدِينَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ يُسَاقُ مِنْ بَعِيدِ الشُّقَّةِ وَطُولِ الْمَسَافَةِ إذَا كَانَ يُؤْمَنُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ، وَالْإِبِلُ وَالْبَقَرُ أَضْعَفُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا تُهْدَى إلَّا مِنْ الْمَسَافَةِ الَّتِي يَسْلَمُ فِيهَا مِثْلُهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيُّ عَنْ مَالِكٍ لَا تُسَاقُ الْغَنَمُ إلَّا مِنْ عَرَفَةَ وَمَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا تَضْعُفُ عَنْ قَطْعِ طَوِيلِ الْمَسَافَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَصْحِبُهُ فِي الْمَدِينَةِ فَإِذَا كَانَ بِ ذِي الْحُلَيْفَةِ مَوْضِعِ إحْرَامِهِ أَوْجَبَهُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يَكُونَ إيجَابُهُ لِمَنْ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ إلَّا عِنْدَ إحْرَامِهِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّامِيِّ وَالْمِصْرِيِّ أَنْ يُقَلِّدَ هَدْيَهُ بِ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُؤَخِّرَ
стр. 675
) .
ــ
[المنتقى]
إحْرَامَهُ إلَى الْجُحْفَةِ وَفِي الْمُزَنِيَّة مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَفِعْلُ ذَلِكَ فِي مَكَان وَاحِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقَلِّدُ هَدْيَهُ ثُمَّ يُشْعِرُهُ، ثُمَّ يُجَلِّلُهُ إنْ شَاءَ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يُحْرِمُ فَالسُّنَّةُ اتِّصَالُ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْهَدْيِ مِنْ أَحْكَامِ النُّسُكِ فَمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَكُونَ إيجَابُهُ نُسُكَهُ فِي الْهَدْيِ عِنْدَ الْتِزَامِ نُسُكِهِ بِالْإِحْرَامِ، وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى إذَا كَانُوا بِ ذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ يَقْتَضِي مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ الْأَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِنَابَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاشَرَةٌ لِتَقْرِيبِ الْهَدْيِ كَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَهَذَا فِي الرَّجُلِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقَلِّدَ الْمَرْأَةُ بَدَنَتَهَا وَلَا تُشْعِرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ وَلَا يُشْعِرُ إلَّا مَنْ يَنْحَرُ إلَّا أَنْ لَا تَجِدَ مَنْ يَلِي ذَلِكَ لَهَا كَالذَّبْحِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ يَلِي ذَلِكَ إلَّا جَارِيَتُهَا فَلْتَفْعَلْ وَهَذَا الْقَوْلُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِنَقْصِ الْأُنُوثَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جُوِّزَ لَهَا أَنْ تَسْتَنِيبَ مَنْ هِيَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَتِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ ابْتِذَالِهَا وَإِظْهَارِ مَا يَلْزَمُهَا سَتْرَهُ مِنْ جَسَدِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يُقَلِّدُهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَبْدَأَ بِالتَّقْلِيدِ، ثُمَّ يَلِيَهُ الْإِشْعَارُ بِغَيْرِ فَصْلٍ وَاخْتَارَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيدَ أَخَفُّ وَفِيهِ بَعْضُ التَّدْلِيلِ وَلِذَلِكَ بَدَأَ بِهِ، وَالتَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ إيجَابٌ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ يُرِيدُ أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مُوَجَّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ يُرِيدُ أَنَّ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يَكُونَ وَالْهَدْيُ مُوَجَّهٌ إلَى الْقِبْلَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَكَذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُبَاشِرِ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَعَانٍ مِنْ النُّسُكِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ فَشُرِعَ فِيهَا اسْتِقْبَالُهُ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَلِّدَهُ بِنَعْلَيْنِ فِي رَقَبَتِهِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ وَإِنْ قَلَّدَهَا نَعْلًا وَاحِدَةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ تُجْزِئُهُ النَّعْلُ الْوَاحِدَةُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَاجْعَلْ حَبْلَ الْقَلَائِدِ مِمَّا شِئْت وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْعِهْنِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُقَلِّدُهُ بِالْأَوْتَارِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَكُونَ الْأَوْتَارُ مِمَّا أَنْبَتَتْ الْأَرْضُ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الْأَوْتَارِ الَّتِي هِيَ مِنْ الْقَعْبِ أَوْ الْجِلْدِ وَإِنْ كَانَ الْعِهْنُ أَحَبَّ إلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ نَبَاتَ الْأَرْضِ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَحَمَلَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْجَوَازِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَفْتِلَ فَتْلًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «فَتَلْت قَلَائِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ ذَلِكَ أَبْقَى لَهَا عَلَى طُولِ السَّفَرِ وَالْمُدَّةِ مَعَ تَصَرُّفِ الْهَدَايَا فِي الرَّعْيِ وَغَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتُقَلَّدُ الْإِبِلُ كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ قَالَهُ مَالِكٌ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّقْلِيدَ شِعَارُ الْهَدْيِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَأَمَّا الْغَنَمُ فَقَالَ مَالِكٌ لَا تُقَلَّدُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ تُقَلَّدُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْغَنَمَ تَضْعُفُ عَنْ التَّقْلِيدِ وَيَشُقُّ عَلَيْهَا الْمَشْيُ إذَا كَانَتْ مُقَلَّدَةً.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهْدَى غَنَمًا مُقَلَّدَةً» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيُشْعِرُهُ مِنْ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، الْإِشْعَارُ مِنْ سُنَّةِ الْهَدْيِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَلَّدَ هَدْيَهُ
стр. 676
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ وَهُوَ يُشْعِرُهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) .
ــ
[المنتقى]
وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا إشْعَارُهُ مِنْ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ فَهُوَ مِنْ سُنَّتِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَكُونَ مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ وَأَنْ يَكُونَ مُبَاشِرُ ذَلِكَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ وَلَا يَتَأَتَّى مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَلِيَهُ مِنْهُ إلَّا الشِّقَّ الْأَيْسَرَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْعَرَ بَدَنَتَهُ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ» وَلَعَلَّهُ كَانَ ذَلِكَ لِصُعُوبَتِهَا أَوْ لِيُرِيَ الْجَوَازَ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا كَانَتْ بَدَنُهُ ذَلُولًا أَشْعَرَهَا مِنْ قِبَلِ شِقِّهَا الْأَيْسَرِ وَإِنْ كَانَتْ صَعُوبَا فَرَّقَ بَدَنَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ بَيْنَهُمَا فَأَشْعَرَ إحْدَاهُمَا مِنْ الْأَيْمَنِ وَالْأُخْرَى مِنْ الْأَيْسَرِ قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَمْ يُشْعِرْهُمَا ابْنُ عُمَرَ فِي الشِّقَّيْنِ أَنَّهُمَا سُنَّةٌ لَكِنْ لِيُذَلِّلَهَا وَإِنَّمَا السُّنَّةُ فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ فِي الصِّعَابِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ قَوْلُهُ يُشْعِرُهَا مِنْ الشِّقَّيْنِ أَيِّ الشِّقِّ أَمْكَنَهُ.
(فَرْعٌ) وَالْإِشْعَارُ طُولًا فِي شِقِّ الْبَعِيرِ وَهُوَ فِي عَرْضِ السَّنَامِ بِطُولِ الْبَعِيرِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِذَلِكَ الْإِعْلَانُ بِأَمْرِ الْهَدْيِ وَإِذَا كَانَ الْإِشْعَارُ بِالطُّولِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ كَانَ مَجْرَى الدَّمِ عَرِيضًا فَيَتَبَيَّنُ الْإِشْعَارُ وَإِذَا كَانَ بِطُولِ السَّنَامِ مَعَ عَرْضِ ظَهْرِ الْبَعِيرِ كَانَ مَجْرَى الدَّمِ يَسِيرًا فَلَا يَقَعُ بِهِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ لِلْبَقَرِ أَوْ الْإِبِلِ أَسْنِمَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَإِنَّهَا تُقَلَّدُ وَلَا تُشْعَرُ رَوَاهُ الْعُتْبِيُّ وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ تُشْعَرَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَسْنِمَةٌ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْإِشْعَارَ مُخْتَصٌّ بِالسَّنَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُفْعَلُ فِي غَيْرِهِ مَعَ وُجُودِهِ فَإِذَا عَدِمَ فَقَدْ عَدِمَ مَحَلُّ الْإِشْعَارِ كَالْغَنَمِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ هَذَا هَدْيٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ يُشْعَرَ كَاَلَّتِي لَهَا أَسْنِمَةٌ وَأَمَّا الْغَنَمُ فَإِنَّهَا لَا تُشْعَرُ جُمْلَةً؛ لِأَنَّ الْإِشْعَارَ مُضِرٌّ بِهَا لِصِغَرِ أَجْسَامِهَا وَضَعْفِهَا عَنْهُ فَفِي إشْعَارِهَا تَعْرِيضًا لِلْهَلَاكِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقَفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَسْتَصْحِبُ هَدْيَهُ وَيَحْضُرُ مَعَهُ وُصُولَهُ إلَى مَكَّةَ وَخُرُوجَهُ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ حَتَّى يُوقَفَ بِهِ بِعَرَفَةَ حِينَ وُقُوفِ النَّاسِ فَأَمَّا الْوُقُوفُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَيَّامِ فَغَيْرُ مَشْرُوعٍ ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إذَا دَفَعُوا يُرِيدُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ يُرِيدُ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَذَلِكَ مَحَلُّ النَّحْرِ وَلَا يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ لَيْلًا وَعَلَى هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ إلَّا أَشْهَبَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ حَارِثٍ أَنَّهُ يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ أَوْ ذَبْحُهُ لَيْلًا، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُبَاشِرُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَهِيَ السُّنَّةُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا وَيُوَجِّهُهُنَّ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ نَحْرَهُنَّ قِيَامًا مَصْفُوفَةً أَيْدِيَهُنَّ هُوَ الشَّأْنُ وَالسُّنَّةُ وَيُوَجِّهُهُنَّ إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ نُسُكٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَيْتِ يُمْكِنُ التَّوَجُّهُ فِيهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ مَحَلَّهُ وَيُطْعِمُ مَنْ شَاءَ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - عِنْدَ ذِكْرِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ مِنْ الْهَدَايَا وَيُمَيِّزُهُ مِنْ غَيْرِهِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا طَعَنَ فِي سَنَامِ هَدْيِهِ يُرِيدُ أَنَّ شُرُوعَهُ فِي الْإِشْعَارِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بَعْضُ الطَّعْنِ فِي سَنَامِ الْبَعِيرِ يَشُقُّ الْجِلْدَ ثُمَّ يُمِرُّ السِّكِّينَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَكَانَ يَقُولُ إذَا شَرَعَ فِي ذَلِكَ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى مَعْنَى التَّسْمِيَةِ عَلَى ابْتِدَاءِ النُّسُكِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ لِلْإِيجَابِ كَمَا يُسَمِّي لِلذَّبْحِ وَهَذَا مِمَّا رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّ مَنْ تَوَلَّى إشْعَارَ هَدْيِهِ قَالَ بِسْمِ
стр. 677
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُجَلِّلُ بَدَنَهُ الْقَبَاطِيَّ وَالْأَنْمَاطَ وَالْحُلَلَ، ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إيَّاهَا) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَشُقُّ جَلَالَ بَدَنِهِ وَلَا يُجَلِّلُهَا حَتَّى يَغْدُو مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ) .
ــ
[المنتقى]
اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ.
(ش) : قَوْلُهُ الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ يُرِيدُ أَنَّ مِنْ حُكْمِهِ وَسُنَّتِهِ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ وَإِنَّ مِنْ حُكْمِ مَا يُنْحَرُ مِنْهُ بِمِنًى أَنْ يُوقَفَ بِعَرَفَةَ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَدْيَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَلَا يُجْزِئُ مَنْ اشْتَرَاهُ بِالْحَرَمِ أَنْ يَنْحَرَهُ بِالْحَرَمِ دُونَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ إنْ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ وَنَحَرَهُ فِيهِ أَجْزَأَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ فِي هَدْيِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ» ؛ لِأَنَّهُ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَسَاقَهُ إلَى الْبَيْتِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَالْعُمْرَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ كَانَ مَعَهُ وَسَاقَهُ مِنْ الْحِلِّ أَنْ يَنْهَضَ بِهِ مَعَهُ وَيَقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ مَعَ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا سَاقَ مَعَهُ مِنْ الْهَدْيِ فِي حَجِّهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ ابْنُ عُمَرَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ قَالَ هَاهُنَا الْهَدْيُ مَا قُلِّدَ وَأُشْعِرَ وَوُقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْهَدْيَ الْكَامِلَ الصِّفَاتِ وَالْفَضَائِلِ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُجَلِّلُ بَدَنَهُ الْقَبَاطِيَّ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَكْسُوهَا إيَّاهَا إذَا أَهْدَاهَا وَالْقَبَاطِيُّ ثِيَابٌ بِيضٌ وَالْأَنْمَاطَ ثِيَابُ دِيبَاجٍ وَالْحُلَلَ ثِيَابٌ مُزْدَوِجَةٌ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ تُجَلَّلَ الْأَبْيَضَ وَالْمُلَوَّنَ وَالْخَزَّ وَالْكَتَّانَ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا تُجَلَّلُ بِالْمُخَلَّقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْوَانِ خَفِيفٌ وَالْبَيَاضُ أَحَبُّ إلَيْنَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْخَلُوقَ طِيبٌ فَكَرِهَ الْمُخَلَّقَ لِمَا فِيهِ مِنْ الطِّيبِ وَأَبَاحَ سَائِرَ الْأَلْوَانِ وَإِنْ كَانَ الْبَيَاضُ أَحَبَّ ذَلِكَ إلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا إلَى الْكَعْبَةِ فَيَكْسُوهَا إيَّاهَا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ هَذَا أَحَقُّ مَا صُرِفَتْ إلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْبُدْنُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ وَكَانَتْ تُجَلَّلُ وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ مِمَّا يَشْرَعُ كِسْوَتُهَا فَكَانَ مَا يَلِيقُ بِهَا مَصْرُوفًا إلَيْهَا.
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ بِجَلَالِ بَدَنِهِ حِينَ كُسِيَتْ الْكَعْبَةُ هَذِهِ الْكِسْوَةُ فَقَالَ كَانَ يَتَصَدَّقُ بِهَا) .
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الْبُدْنِ كَانَتْ كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ وَكَانَتْ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَمَّا كُسِيَتْ الْكَعْبَةُ رَأَى أَنَّ الصَّدَقَةَ بِهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ فَإِنَّ مَصْرِفَهُ إلَى الْمَسَاكِينِ وَمُسْتَحِقِّي الصَّدَقَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَ يَكْسُو جَلَالَ بَدَنِهِ الْكَعْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ جَلَالَ بَدَنِهِ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَخَذَ بِهِ.
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جَلَالَ الْبُدْنِ تُشَقُّ عَلَى أَسْنِمَتِهَا لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدِهِمَا: أَنْ يَبْدُوَ الْإِشْعَارُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ أَثْبَتُ لَهَا عَلَى ظُهُورِ الْبُدْنِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَمَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا تَرَكَ ذَلِكَ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُجَلِّلُ الْحُلَلَ وَالْأَنْمَاطَ الْمُرْتَفِعَةَ فَكَانَ يَتْرُكُ ذَلِكَ اسْتِبْقَاءً لِلثِّيَابِ وَلَمْ يَكُنْ يُجَلِّلُ إلَّا حِينَ يَغْدُو مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ لِتَبْقَى الثِّيَابُ بِحَالِهَا وَلَا تَتَغَيَّرُ بِطُولِ اللُّبْسِ لَهَا.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُجَلِّلُهَا بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِذَا مَشَى لَيْلَهُ نَزَعَ الْجَلَالَ فَإِذَا قَرُبَ مِنْ الْحَرَمِ جَلَّلَهَا وَإِذَا خَرَجَ إلَى مِنًى جَلَّلَهَا فَإِذَا كَانَ حِينَ النَّحْرِ نَزَعَهَا فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مُخَالِفَةً رِوَايَةَ مَالِكٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إنَّمَا قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ آخِرِ عَمَلِهِ فِيهَا وَاسْتَوْفَى ابْنُ الْمُبَارَكِ الْإِخْبَارَ عَنْ جَمِيعِ أَحْوَالِهَا.
وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَعْقِدُ أَطْرَافَ الْجَلَالِ عَلَى أَذْنَابِهَا مِنْ الْبَوْلِ، ثُمَّ يَنْزِعُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الدَّمُ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا قَالَ
стр. 678
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ لَا يَهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مِنْ الْبُدْنِ شَيْئًا يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنْ اُخْتِيرَ لَهُ) .
الْعَمَلُ فِي الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ أوضل (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ صَاحِبَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنْ الْهَدْيِ فَانْحَرْهَا، ثُمَّ أَلْقِ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا» ) .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَتْ الْجَلَالُ مُرْتَفِعَةً أَنْ يَتْرُكَ شَقَّهَا وَلَا يُجَلِّلَهَا حَتَّى يَغْدُوَ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ وَإِنْ كَانَتْ بِالثَّمَنِ الْيَسِيرِ عَلَى الدِّرْهَمَيْنِ وَنَحْوِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُشَقَّ وَيُجَلِّلَهَا مِنْ حِينِ يُحْرِمُ فَتَأَوَّلَ قَوْلَهُ لَا يَشُقُّ جَلَالَ بَدَنِهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً وَأَنَّ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِغُدُوِّهِ مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ هُوَ التَّجْلِيلُ خَاصَّةً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا فِي الْإِبِلِ وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ فَلَا تُجَلَّلُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّجْلِيلَ زِيَادَةٌ عَلَى الْهَدْيِ بَعْدَ كَمَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَحْسِينِهِ وَتَمَامِهِ، وَالْهَدْيُ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ نَاقِصٌ فِي بَابِ الْهَدْيِ إنَّمَا يَخْرُجُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَجْزَاءِ وَالضَّرُورَةِ إلَيْهِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ فَلَا مَعْنَى لِتَجْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَدْوَنِ مِنْهُ يُنَافِي التَّجْلِيلَ الَّذِي هُوَ زِيَادَةٌ عَلَى الْأَفْضَلِ وَلَأَنْ يَجْعَلَ ثَمَنَ الْجَلَالِ فِي فَضْلِ جِنْسِ الْهَدْيِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَجْعَلَهُ فِيمَا تَبِعَ الْهَدْيَ.
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ الْوَعْظُ لَهُمْ وَالنَّهْيُ عَنْ أَنْ يُهْدِيَ أَحَدُهُمْ مِنْ الْهَدْيِ مَا يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِمَنْ يُكْرَمُ عَلَيْهِ وَذَكَّرَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنْ اُسْتُحْيِيَ مِنْهُ أَنْ يُهْدِيَ لَهُ الْحَقِيرَ وَأَوْلَى مَنْ اُخْتِيرَ لَهُ الرَّفِيعُ، وَالتَّوَقِّي فِي ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: التَّوَقِّي مِمَّا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَالْآخَرِ مِمَّا يَمْنَعُ الْفَضِيلَةَ فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَالْفَضَائِلَ فَهُوَ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الضَّحَايَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَدْ يَخْتَصُّ بِالْهَدْيِ مَعَانٍ نَذْكُرُهَا، وَذَلِكَ أَنَّ أَفْضَلَ الْهَدْيِ الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الضَّأْنُ، ثُمَّ الْمَعْزُ بِخِلَافِ الضَّحَايَا؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ فِي الْهَدْيِ كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَالْقَصْدَ فِي الْأُضْحِيَّةِ طِيبُ اللَّحْمِ، وَلَحْمُ الضَّأْنِ أَفْضَلُ اللُّحُومِ الَّتِي تُجْزَى فِي الضَّحَايَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَتُرَاعَى صِحَّتُهَا عَلَى الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ حِينَ تَقْلِيدِهَا وَإِشْعَارِهَا فَإِذَا كَانَتْ مَعِيبَةً عِنْدَ التَّقْلِيدِ بِعَيْبٍ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ الْعَيْبُ عَنْهَا قَبْلَ النَّحْرِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُجْزِئَةٍ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا مَعِيبَةً نَاقِصَةً عَنْ الْإِجْزَاءِ كَمَا لَوْ قَلَّدَهَا قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ سِنَّ الْإِجْزَاءِ، ثُمَّ بَلَغَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَتْ سَلِيمَةً حِينَ التَّقْلِيدِ ثُمَّ أَصَابَهَا قَبْلَ النَّحْرِ مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: فِي هَذَا شَيْءٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تُجْزِئَ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لَمْ يَتَنَاهَ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ مُرَاعًى، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ عَطِبَتْ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَهَا لَمْ تُجْزِهِ وَعَلَيْهِ بَدَلُهَا فَكَذَلِكَ يَجِبُ إذَا حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ أَنْ لَا تُجْزِئَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ إيجَابَهَا بِالتَّقْلِيدِ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ضَمَانَ جُمْلَتِهَا لَمْ يَمْنَعْ ضَمَانَ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَمَلُ فِي الْهَدْيِ إذَا عَطِبَ أوضل]
(ش) : صَاحِبُ الْهَدْيِ هُوَ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبَ الْأَسْلَمِيُّ وَقَالَ ابْنُ عُفَيْرٍ اسْمُهُ ذَكْوَانُ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ نَاجِيَةً إذْ نَجَا مِنْ قُرَيْشٍ وَقَوْلُهُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا عَنْ جَمِيعِ جِنْسِ الْهَدْيِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالًا عَنْ هَدْيٍ مَعْهُودٍ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْهَدْيُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ ﷺ مَعَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ فَسُؤَالُهُ عَمَّا يَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنْهُ، وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ:
أَحَدُهُمَا: الْعَطَبُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْتِ وَالْفَوَاتِ غَيْرَ أَنَّ جَوَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَمْنَعُ هَذَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَطِبَتْ بِمَعْنَى بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يُمْكِنُ تَوْصِيلُهَا مَعَهُ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنَعَ إيصَالَهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ فِي الْوَقْتِ مِنْ إعْيَاءٍ غَلَبَ عَلَيْهَا وَيُمْكِنُ إيصَالُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ
стр. 679
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَاقَ بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَعَطِبَتْ فَنَحَرَهَا ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا غَرِمَهَا مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنْ الْهَدْيِ» يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَالْعَهْدِ وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْأُولَى بِمَعْنَى الْعَهْدِ، وَالثَّانِيَةُ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ حُكْمِ ذَلِكَ الْهَدْيِ فَيُخْبِرُهُ عَنْ حُكْمِ سَائِرِ الْهَدَايَا لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ وَلِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَ جَمِيعِ الْهَدْيِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَانْحَرْهَا، ثُمَّ أَلْقِ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا» يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ تَفُتْ الذَّكَاةُ وَإِنَّمَا مَنَعَ بُلُوغَهَا مَحَلَّهَا فَأَمَرَهُ بِنَحْرِهَا وَهَذَا حُكْمُ مَا عَطِبَ مِنْ الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَهُ غَيْرَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ مِنْ التَّعَدِّي فِيهِ، وَأَمَرَهُ بِأَنْ يُلْقِيَ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا، وَالْقَلَائِدُ هِيَ الَّتِي يُقَلَّدُ بِهَا عِنْدَ الْإِشْعَارِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ لَا يَسْتَبْقِيَ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا يَتَشَبَّثَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا وَلَا الْقَلَائِدِ عَلَى بِزَازَتِهَا وَقِلَّتِهَا وَأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَيْهَا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَبْقِي الْمُتَوَلِّي لِأَمْرِهَا مِنْهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا مَا يَنْتَفِعُ هُوَ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ الْقَلَائِدُ لَا يَبْقَى فِيهَا كَبِيرُ مَنْفَعَةٍ وَلَا هِيَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَسْتَأْنِفَ تَقْلِيدَهَا لِهَدْيٍ آخَرَ؛ فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِإِلْقَائِهَا فِي دَمِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْهَدْيِ يَعْطَبُ قَبْلَ مَحِلِّهِ وَهُوَ تَطَوُّعٌ فَقَالَ: لِيَنْحَرْهُ مَكَانَهُ وَيُلْقِي قَلَائِدَهَا فِي دَمِهِ مِنْ سُنَّتِهِ وَحُكْمِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ قَالَ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْإِذْنِ لِلنَّاسِ فِي أَكْلِهَا، وَلِذَلِكَ كُلُّهُ وَجْهٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ إبْقَاءَ عَلَامَةِ الْهَدْيِ فِيهَا لِئَلَّا يَتَعَدَّى أَحَدٌ فَيَصْرِفَهَا عَنْ وَجْهِهَا بِبَيْعٍ أَوْ مَنْعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَخَلِّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا» يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ آخِرَ عَمَلِهِ فِيهَا نَحْرُهَا وَإِلْقَاءُ قَلَائِدِهَا فِي دَمِهَا وَأَنَّهُ لَا يَلِي تَفْرِيقَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَإِنَّمَا يُخَلِّي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ لَا يَأْخُذَ الْمُتَوَلِّي مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَالَ يَأْكُلُونَهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ جَمِيعِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أُرْسِلَ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَمَرَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ، ثُمَّ يُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ فَتَصَدَّقَ هَذَا بِهِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَرَاهُ قَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِهِ وَلَا تَصَدَّقَ بِهِ أَحَدٌ عَنْ إذْنِهِ وَإِنَّمَا تَصَدَّقَ بِهِ غَيْرُهُ كَرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ قَسَمَهُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا شَيْءَ بِذَلِكَ عَلَى صَاحِبِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْهَدْيِ أَمَرَهُ حِينَ أَرْسَلَهُ مَعَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ أَوْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ النَّاسِ لَمْ يَجُزْ.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ سَاقَ بَدَنَةً تَطَوُّعًا فَعَطِبَتْ يُرِيدُ امْتَنَعَتْ مِنْ الْوُصُولِ إلَى مَحِلِّهَا وَمَحِلُّهَا مَوْضِعٌ يَجُوزُ فِيهَا نَحْرُهَا، وَذَلِكَ مَكَّةُ أَوْ مِنًى عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَنْ بَلَغَ بِهَدْيِهِ مَكَّةَ فَعَطِبَ بِهَا وَهُوَ يُرِيدُ عَرَفَةَ قَالَ يُجْزِئُهُ قِيلَ: فَمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ كُلُّ هَدْيٍ بَلَغَ بِهِ مَكَّةَ فَعَطِبَ أَوْ نُحِرَ بِهَا مِمَّا جَاءَ مِنْ الْحِلِّ فَهُوَ مُجْزِئٌ إلَّا هَدْيَ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ؛ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهِ مِنْ مَكَّةَ فَإِذَا عَطِبَ بِهَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ الْحِلُّ وَالْحَرَمُ.
وَوَجْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ قَوْلُهُ حَتَّى بَلَغَ مَحِلَّهُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَكَّةَ مَحِلٌّ لِنَحْرِ الْهَدْيِ وَأَمَّا هَدْيُ التَّمَتُّعِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَبْدَأُ أَمْرُهُ لِلْمُتَمَتِّعِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَإِنْ كَانَ ابْتَدَأَ تَقْلِيدَهُ مِنْ مَكَّةَ فَلَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِهِ إلَى الْحِلِّ مُقَلِّدًا وَإِنْ كَانَ قَلَّدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَشْعَرَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ لَا يُجْزِئُهُ قَالَ وَسَهَّلَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَلَوْ عَطِبَ الْهَدْيُ بِمِنًى وَقَدْ مَرَّ بِمَكَّةَ أَوْ عَطِبَ بِعَرَفَةَ أَوْ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُجْزِئُ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مِنًى؛ لِأَنَّ مِنًى فِي غَيْرِ أَيَّامِ النَّحْرِ كَغَيْرِهَا لَا يُجْزِئُ
стр. 680
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً جَزَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ فَأُصِيبَ فِي الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً، ثُمَّ ضَلَّتْ أَوْ مَاتَتْ فَإِنَّهَا إنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا) .
ــ
[المنتقى]
النَّحْرُ فِيهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَطِبَ بِمَوْضِعٍ يَجُوزُ فِيهِ نَحْرُهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ وَإِذَا عَطِبَ بِمَحِلٍّ لَا يَجُوزُ فِيهِ نَحْرُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا عَطِبَ قَبْلَ الْوُصُولِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّاسِ يَأْكُلُونَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إنَّمَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ حَقُّ الْهَدْيِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ لِتَطَوُّعِهِ وَتَعْيِينِهِ لَهَا فَإِذَا عَطِبَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَوْ أَمَرَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ صَاحِبَ هَدْيِهِ لَمَّا عَطِبَ مِنْهُ أَنْ يَنْحَرَهَا وَيُلْقِيَ قَلَائِدَهَا فِي دَمِهَا وَيُخَلِّيَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّمَا مُنِعَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يُسْرِعَ إلَى إعْطَائِهَا لِيَأْكُلَ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا وَإِنْ أَكَلَ مِنْهَا أَبْدَلَهَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ غَيْرَ أَنَّ التَّعْلِيلَ فِيهِ تِلْكَ الْقُوَّةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمَّا قَلَّدَهُ هَدْيًا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُبَلِّغَهُ مَحِلَّهُ فَقَدْ يَضْمَنُ ذَلِكَ الِامْتِنَاعَ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ عَلَى وَجْهِ إتْلَافِ عَيْنِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ كَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَقَدْ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الرَّأْيُ أَنْ يَغْرَمَ مَا أَكَلَ وَلَكِنَّ السُّنَّةَ مَضَتْ بِتَضْمِينِهِ كُلِّهِ وَمَا قَالَهُ سُفْيَانُ يَطَّرِدُ عَلَى مَا عَلَّلْنَا بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ إنَّمَا لَزِمَهُ بَدَلُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَغْرَمُ مَا أَكَلَ هَدْيًا، وَالْهَدْيُ لَا يَتَبَعَّضُ فَمَنْ لَزِمَهُ بَعْضُهُ لَزِمَهُ جَمِيعُهُ لِيَصِحَّ كَوْنُهُ هَدْيًا.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً جَزَاءً أَوْ نَذْرًا أَوْ هَدْيَ تَمَتُّعٍ فَأُصِيبَتْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ يَقْتَضِي أَنَّ الْبَدَنَةَ قَدْ تُهْدَى عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ التَّطَوُّعُ، فَأَمَّا مَا أُهْدِيَ مِنْهُ عَنْ وَاجِبٍ ابْتَدَأَ بِنَذْرِهِ أَوْ عَنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَصَابَهُ أَوْ لِجَبْرِ عِبَادَةٍ كَالْمُتَمَتِّعِ فَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ وَمَعْنَى هَذَا النَّذْرِ أَنْ يَنْذِرَ بَدَنَةً فِي ذِمَّتِهِ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ بَدَلُهَا؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا بِالنَّذْرِ كَإِيجَابِهَا بِالتَّقْلِيدِ، وَأَمَّا مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ هَدْيٍ مُتَعَلِّقٍ بِذِمَّتِهِ بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ اتِّصَالُهُ إلَى مَحِلِّهِ عَلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَإِنْ أُصِيبَ فِي الطَّرِيقِ فَعَلَيْهِ بَدَلُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً، ثُمَّ ضَلَّتْ فَإِنْ كَانَتْ نَذْرًا يُرِيدُ نَذْرًا مُتَعَلِّقًا بِالذِّمَّةِ وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ هَدْيٍ مُتَعَلِّقٍ بِالذِّمَّةِ مِنْ جَزَاءِ صَيْدٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَنْ يُبَدَّلَ إنْ ضَلَّ فَإِنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ضَلَّ قَبْلَ الْإِيجَابِ فَأَبْدَلَهُ فَلَا يَلْزَمُ نَحْرُهُ إذَا وَجَدَهُ وَلْيَتَصَرَّفْ فِيهِ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ ضَلَّ بَعْدَ الْإِيجَابِ وَوَجَدَهُ بَعْدَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهِ وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ إنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنْ الْحِلِّ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى الْحَرَمِ فَنَحَرَهُ بِمَكَّةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَشْهَبَ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ هَدْيٌ أَوْجَبَهُ لِقِرَانِهِ وَقَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ دُونَ نَقْصٍ فَوَجَبَ أَنْ يُجْزِئَهُ أَصْلُهُ إذَا وَجَدَهُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَهُ عَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالنَّحْرِ لَزِمَهُ هَذَا الْحُكْمُ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ضَلَّ هَدْيُ النَّذْرِ فَأَبْدَلَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْأَوَّلَ لَزِمَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ ضَلَّ هَدْيُهُ الْوَاجِبُ اشْتَرَى غَيْرَهُ فَقَلَّدَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْأَوَّلَ فَهُمَا هَدْيَانِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْأَوَّلِ يُرِيدُ أَنَّ الْأَوَّلَ
стр. 681
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مِنْ الْجَزَاءِ وَالنُّسُكِ) .
ــ
[المنتقى]
كَانَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ مِنْهُ فَلِذَلِكَ أَقَرَّهُ عَلَى أَصْلِهِ لَمَّا كَانَ نَذْرًا وَأَبَاحَ لَهُ الْأَكْلَ مِنْ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَدَ الْأَوَّلَ تَحَقَّقَ لِلثَّانِي حُكْمُ التَّطَوُّعِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهُ مِنْهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ تَقْلِيدَهُ تِلْكَ الْعَيْنَ فَإِذَا ضَلَّتْ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِذِمَّتِهِ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ أَبْدَلَهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْأَوَّلَ نَحَرَهُمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَطَوَّعَ بِإِيجَابِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَزِمَهُ أَنْ يُبَدِّلَ الْأَوَّلَ فَلَمَّا أَبْدَلَهُ كَانَ تَطَوُّعُهُ بِالثَّانِي كَتَطَوُّعِهِ بِالْأَوَّلِ فَكَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِهِ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ ضَلَّتْ بَدَنَتُهُ بَعْدَمَا أَوْقَفَهَا بِعَرَفَةَ فَوَجَدَهَا رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ فَعَرَفَ أَنَّهَا بَدَنَةٌ فَنَحَرَهَا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي أَنْحَرُهَا عَنْ صَاحِبِهَا، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا فَعَرَفَهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة تُجْزِئُهُ وَلَا أَرَى عَلَى الَّذِي نَحَرَهَا ضَمَانًا.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَجَدَ بِمِنًى بَدَنَةً يُرِيدُ مُقَلَّدَةً يُعَرِّفُهَا إلَى يَوْمِ ثَالِثِ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَنْحَرُهَا وَتُجْزِئُ عَنْ صَاحِبِهَا وَإِنَّمَا أَخَّرَهَا إلَى آخِرِ أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتٌ لِلنَّحْرِ بِمِنًى وَهُوَ أَفْضَلُ النَّحْرِ وَلَوْ عَرَّفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَحْرُهَا إلَّا بِمَكَّةَ فَتَفُوتُهُ فَضِيلَةُ النَّحْرِ بِمِنًى، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ بَدَنَتَهُ أَوْ بَدَنَةَ غَيْرِهِ إلَّا بَعْدَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْحَرُهُ إلَّا بِمَكَّةَ لِفَوَاتِ وَقْتِ النَّحْرِ بِمِنًى.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْهَدْيِ مِنْ الْجَزَاءِ وَالنُّسُكِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَيُرِيدُ بِالْجَزَاءِ جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَالنُّسُكُ فِدْيَةُ الْأَذَى وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّهُ يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ هَدْيٍ بَلَغَ مَحِلَّهُ إلَّا ثَلَاثَةً جَزَاءَ الصَّيْدِ وَفِدْيَةَ الْأَذَى وَمَا نُذِرَ لِلْمَسَاكِينِ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَفِي الْمُزَنِيَّة وَمِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْكُلُ مِنْ الْفِدْيَةِ أَوْ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَهُوَ جَاهِلٌ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَقَدْ كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: يُؤْكَلُ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُؤْكَلُ مِنْ هَدْيِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَمَنَعَ الْأَكْلَ مِمَّا وَجَبَ بِحُكْمِ الْإِحْرَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ: أَنَّ هَذَا هَدْيٌ وَجَبَ لِحَقِّ الْإِحْرَامِ فَلَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّعَامِ فَجَازَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ أَصْلُ ذَلِكَ هَدْيُ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ مِنْ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى وَمَا نَذَرَهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَأَمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْإِطْعَامِ لِلْمَسَاكِينِ قَالَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٩٥] .
وَقَالَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٩٦] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَنَّهُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَقَالَ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَك» فَلَمَّا كَانَ بَدَلُهُ الَّذِي هُوَ الْإِطْعَامُ مُنْصَرِفًا إلَى الْمَسَاكِينِ فَكَذَلِكَ الْهَدْيُ مِنْهُ وَأَمَّا نَذْرُهُ لِلْمَسَاكِينِ فَقَدْ تَعَيَّنَ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ نَذَرَ بَدَنَةً وَلَمْ يُعَلِّقْهَا بِالْمَسَاكِينِ وَإِنَّمَا نَذَرَهَا بَدَنَةً فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ؛ لِأَنَّ إيجَابَهَا بِالنَّذْرِ كَإِيجَابِهَا بِالتَّقْلِيدِ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ فِي التَّعْيِينِ إنْ كَانَتْ بَدَنَةُ النَّذْرِ غَيْرَ مُعَيَّنَةً، وَذَلِكَ يُوجِبُ اخْتِصَاصَهَا بِالْمَسَاكِينِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَكَلَ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى بَعْدَ أَنْ بَلَغَا مَحِلَّهُمَا فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَ الْهَدْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا قَدْرُ مَا أَكَلَ مِنْهُ.
وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْ هَدْيٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُ هَدْيِ التَّطَوُّعِ يَأْكُلُ مِنْهُ.
وَوَجْهُ
стр. 682
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْهَدْيَ قَدْ بَلَغَهُ وَاسْتَوْفَى مَعْنَى الْهَدْيِ فِيهِ وَإِنَّمَا اسْتَهْلَكَ مِنْهُ جَزَاءً يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ قَدْرُ مَا اسْتَهْلَكَ كَمَا لَوْ اسْتَهْلَكَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَأَمَّا نَذْرُ الْمَسَاكِينِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ أَكَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِ قَدْرُ مَا أَكَلَ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: لَا يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ نَذَرَ هَدْيًا لِلْمَسَاكِينِ فَقَدْ نَذَرَ عِبَادَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: لِلْهَدْيِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِلْمَسَاكِينِ.
فَإِذَا أَهْدَى الْهَدْيَ فَقَدْ أَكْمَلَ إحْدَى الْعِبَادَتَيْنِ فَلَا يُفْسِدُهَا مَا أَدْخَلَ النَّقْصَ فِي عِبَادَةٍ أُخْرَى وَهَذَا قَدْ سَلِمَ لَهُ الْهَدْيُ، وَإِنَّمَا دَخَلَ النَّقْصُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ الْهَدْيُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَدْرُ مَا أَكَلَ؛ لِأَنَّ إطْعَامَ الْمَسَاكِينِ يَتَبَعَّضُ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى، فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَصِحُّ وُجُودُ بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ فَلَا تَفْرِيعَ فِيهِ وَإِذَا قُلْنَا عَلَيْهِ قَدْرُ مَا أَكَلَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ ذَلِكَ رَأَيْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُرِيدُ لَحْمًا، وَاَلَّذِي قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ حَبِيبٍ عَلَيْهِ ثَمَنُ مَا أَكَلَ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ.
стр. 683
هَدْيُ الْمُحْرِمِ إذَا أَصَابَ أَهْلَهُ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ سَأَلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ فَقَالُوا: يَنْفُذَانِ لِوَجْهِهِمَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ قَالَ: وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا)
ــ
[المنتقى]
[هَدْيُ الْمُحْرِمِ إذَا أَصَابَ أَهْلَهُ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي أَصَابَ أَهْلَهُ يُرِيدُ جَامَعَهَا فِي حَالِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ يَنْفُذَانِ يُرِيدُونَ أَنَّ عَلَيْهِمَا الْمُضِيَّ فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ حَتَّى يُتِمَّا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَا يُتِمَّانِ الْحَجَّ الصَّحِيحَ وَلِذَلِكَ قَالُوا ﵃ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا وَإِنَّمَا أَشَارُوا إلَى الْحَجِّ الْمَعْهُودِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ ثُمَّ عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ يُرِيدُونَ قَضَاءَ الْحَجِّ الَّذِي أَفْسَدَاهُ وَمِنْ أَيْنَ يُحْرِمُ بِالْقَضَاءِ قَالَ مَالِكٌ يُحْرِمُ بِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَ أَحْرَمَ بِالْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْأَوَّلِ مِنْ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ إلَّا مِنْ الْمِيقَاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ أَبْعَدَ مِنْ مِيقَاتِهِ فَيَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا أَحَدُ الْمِيقَاتَيْنِ فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ مَا كَانَ الْتَزَمَ مِنْهُ فِي الْأَدَاءِ زَائِدًا عَلَى مِيقَاتِهِ أَصْلُ ذَلِكَ مِيقَاتُ الزَّمَانِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ وَالْأَظْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْأَهْلِ الزَّوْجَةُ فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ طَاوَعَتْهُ أَوْ أَكْرَهَهَا فَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ وَهَدْيَ لِأَنَّ حَالَهُمَا فِي ذَلِكَ كَحَالِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
стр. 684
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْقَوْمُ شَيْئًا فَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَبَعَثَ إلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إلَى عَامٍ قَابِلٍ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لِيَنْفُذَا لِوَجْهِهِمَا فَلْيُتِمَّا حَجَّهُمَا الَّذِي أَفْسَدَا فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا حَجٌّ قَابِلٌ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ وَيُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا لِحَجِّهِمَا الَّذِي أَفْسَدَا وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا قَالَ مَالِكٌ: يُهْدِيَانِ جَمِيعًا بَدَنَةً بَدَنَةً)
ــ
[المنتقى]
فَإِنْ كَانَ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُحِجَّهَا مِنْ مَالِهِ وَيَهْدِي عَنْهَا لِأَنَّ مَا يَلْزَمُهَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْهَدْيِ مِمَّا أَتْلَفَهُ عَلَيْهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ حَمْلُهُ عَنْهَا وَأَمَّا مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا فَإِنَّهَا مِنْ أَحْكَامِ الْأَبَدَانِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا وَتَلْزَمُهَا فَلَا يَتَحَمَّلُهُ عَنْهَا كَمَا لَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهَا لَكَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً لَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّهَا وَيَهْدِي عَنْهَا سَوَاءٌ أَكْرَهَهَا أَمْ لَا وَوَطْؤُهُ لَهَا إذْنٌ فِي حَجِّهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَا يَصُومُ عَنْهَا.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَالِكٌ لَهَا لَا تَسْتَطِيعُ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ وَهُوَ يَمْلِكُ تَصَرُّفَهَا فَإِذَا رَضِيَ بِوَطْئِهَا فَقَدْ رَضِيَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ سَعْيِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَصَرُّفَهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُمْ وَالْهَدْيُ الْهَدْيُ يَحْتَاجُ إلَى صِفَةٍ قَالَ مَالِكٌ: هُوَ بَدَنَةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُهُ شَاةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ وَطِئَ عَمْدًا فِي إحْرَامٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَدْيُهُ بَدَنَةً أَصْلُ ذَلِكَ إذَا وُطِئَتْ بَعْدَ الْوُقُوفِ فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَلَا يَفْسُدُ عَلَيْهِ حَجُّهُ.
(فَرْعٌ)
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: هَذَا عِنْدِي يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ هَذَا عَنْ أَصْلِهِ قَالَ: وَهَذَا لَنَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ شَاةً مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَنَةِ أَجْزَأَهُ عَلَى تَكَرُّهٍ مِنْهُ فَهَذَا مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِحْبَابِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَفَرَّقَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُمَا مِنْ التَّسَرُّعِ إلَى الْفَسَادِ فِي الْعِبَادَةِ بِالْوَطْءِ مَا يُخَافُ عَلَيْهِمَا مِثْلُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ تَسْلِيمُهُ مِنْ الْوَطْءِ فَيَلْزَمُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ يَفْتَرِقَانِ فِي حَجِّ الْقَضَاءِ مِنْ يَوْمِ يُحْرِمَانِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا حَجَّهُمَا الْأَوَّلَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مَرَّةٌ مِنْ الْإِحْرَامِ تَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ فَيَلْزَمُهُمَا أَنْ يَفْتَرِقَا فِيهَا أَصْلُ ذَلِكَ مَا بَعْدَ مَوْضِعِ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ الْأَوَّلِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: جَاوَبَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى عُمُومِهَا وَإِطْلَاقِهَا وَلَمْ يَسْأَلُوا السَّائِلَ هَلْ كَانَ الْوَطْءُ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فِي الْفَسَادِ وَالْهَدْيِ وَهَذَا مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: الْوَطْءُ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدَ كَالْعَمْدِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ مَا تَرَوْنَ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْقَوْمُ شَيْئًا فَقَالَ سَعِيدٌ: إنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَبَعَثَ إلَى الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إلَى عَامٍ قَابِلٍ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لِيَنْفُذَا لِوَجْهِهِمَا فَلْيُتِمَّا حَجَّهُمَا الَّذِي أَفْسَدَا فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا حَجٌّ قَابِلٌ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ وَيُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا لِحَجِّهِمَا الَّذِي أَفْسَدَا وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا قَالَ مَالِكٌ: يُهْدِيَانِ جَمِيعًا بَدَنَةً بَدَنَةً) .
(ش) : سُؤَالُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ لِأَصْحَابِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُ يَقْصِدُ بِذَلِكَ اخْتِبَارَ أَصْحَابِهِ وَتَدْرِيبَهُمْ وَتَنْبِيهَهُمْ عَلَى الْمَسَائِلِ، وَسُكُوتُ الْقَوْمِ عَنْهُ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ بِذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُمْ آثَرُوا تَعْظِيمَهُ وَالْمُبَالَغَةَ فِي بِرِّهِ وَصَرْفِ الْأَمْرِ إلَيْهِ
стр. 685
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَرْمِي الْجَمْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ إصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَهْدِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا إلَى عَامٍ قَابِلٍ حَكَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ لَهُ وَلِذَلِكَ بَيَّنَ أَنَّ افْتِرَاقَهُمَا إنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ وَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَحِلَّا مِنْ الْحَجَّةِ الَّتِي أَفْسَدَا لِأَنَّ وَطْأَهُمَا فِي هَذَا الْعَامِ لَا يُفْسِدُ عَلَيْهِمَا حَجًّا وَلَا يُوجِبُ عَلَيْهِمَا هَدْيًا وَلَا فَائِدَةَ فِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ مِنْهُ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِحَجِّ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَكُونَانِ حَلَالَيْنِ فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِذَا فَرَغَا رَجَعَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْإِبَاحَةَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا إلَى مَنَازِلِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الْوُجُوبَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَا إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ عَلَيْهِمَا فِيهِ الْإِحْرَامُ مِنْهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ أَدْرَكَهُمَا عَامٌ قَابِلٌ فَعَلَيْهِمَا الْحَجُّ وَالْهَدْيُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمَا يَسْتَأْنِفَانِ الْإِحْرَامَ وَلَا يَجُوزُ لَهُمَا الْبَقَاءُ عَلَى الْإِحْرَامِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ الْأَوَّلِ وَيُتِمَّ حَجَّهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ صَحِيحٌ وَاَلَّذِي أَفْسَدَ حَجَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ قَضَاءً عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إحْرَامٌ فَاسِدٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَفَاتَهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقِيمَ إلَى قَابِلٍ عَلَى إحْرَامٍ فَاسِدٍ وَيَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ قَابِلًا وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْإِحْرَامَ الْفَاسِدَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُتِمَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَدْرَكَهُمَا عَامٌ قَابِلٌ فَعَلَيْهِمَا الْهَدْيُ يَقْتَضِي أَنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَكَذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ عَجَّلَهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ عَجَّلَ هَدْيَ الْفَسَادِ قَبْلَ الْقَضَاءِ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَإِنْ كَانَ أَحَبُّ إلَيْنَا أَنْ يَكُونَ مَعَ حَجِّهِ الْقَضَاءُ وَيُحْتَمَلُ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فِي هَدْيِ الْفَوَاتِ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ يُهِلَّانِ مِنْ حَيْثُ أَهَلَّا بِحَجِّهِمَا الَّذِي أَفْسَدَا وَيَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَتَسَايَرَانِ وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي مَنْزِلٍ وَلَا بِجُحْفَةٍ وَلَا بِمَكَّةَ وَلَا بِمِنًى وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّوَقِّي الْوَاجِبِ الْقَضَاءِ لِمَا عُلِمَ مِنْ تَيَسُّرِ عَمَلِهِمَا إلَى مَا أَفْسَدَا بِهِ حَجَّهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَيُهْدِيَانِ جَمِيعًا بَدَنَةً وَذَلِكَ أَنَّ هَدْيَ فَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ بَدَنَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَمَّا أَفْسَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحَجَّ وَلَزِمَهُ بِذَلِكَ الْقَضَاءُ لَزِمَهُ الْهَدْيُ الَّذِي هُوَ الْبَدَنَةُ.
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فِي الْحَجِّ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَرْمِي الْجَمْرَةَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ، قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ إصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَهْدِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ) .
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمُصِيبَ لِأَهْلِهِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ أَصَابَهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَا خِلَافَ فِي فَسَادِ حَجِّهِمَا وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ عَلَى مَا قَالَ: قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ، وَقَوْلُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَرْمِيَ الْجَمْرَةَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ نَصَّ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَنَصَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَقَبْلَ الرَّمْيِ.
وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ وَبِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَبِهَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدَهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَلَا يَلْزَمُنَا عَلَى هَذَا إذَا وَطِئَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ عِنْدَنَا يَقَعُ بِالرَّمْيِ فِي وَقْتِهِ أَوْ بِانْقِضَاءِ وَقْتِهِ وَفَوَاتِهِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي
стр. 686
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ حَتَّى يَجِبُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْهَدْيُ مَعَ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ دَافِقٌ قَالَ وَيُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا الْمَاءُ الدَّافِقُ إذَا كَانَ مِنْ مُبَاشَرَةٍ فَأَمَّا رَجُلٌ ذَكَرَ شَيْئًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا) .
ــ
[المنتقى]
أَنَّهُ مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَوَجَبَ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَالْفَوَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا إذَا كَانَ وَطْؤُهُ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ رَوَى أَصْحَابُنَا عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ وَطِئَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ وَيُفِيضَ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ لِوَطْئِهِ وَهَدْيٌ آخَرُ لِمَا أَخَّرَ مِنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ قَدْ حَصَلَ بِانْقِضَاءِ وَقْتِ الرَّمْيِ وَخُرُوجِهِ.
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَتْ إصَابَتُهُ أَهْلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيُهْدِيَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْوَطْءُ بَعْدَ الرَّمْيِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ أَوْ بَعْدَهَا فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَدْ قَالَ أَيْضًا: يَفْسُدُ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ وَطِئَ بَعْدَ أَنْ حَلَّ لَهُ اللِّبَاسُ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ فَلَمْ يَفْسُدْ بِذَلِكَ حَجُّهُ كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ فِي حَالِ الْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ لِأَجْلِ الْحَجِّ فَوَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ حَجُّهُ كَمَا لَوْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ عُمْرَةٌ وَهَدْيٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا نَقُولُهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ فِي نُسُكٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ نَقْصُ الْوَطْءِ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعُمْرَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ إلَّا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَقَدْ قُلْنَا أَنَّهُ لَا حَجَّ عَلَيْهِ فَلَزِمَتْهُ الْعُمْرَةُ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ وَقَبْلَ الرَّمْيِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَةَ وَأَصْبَغُ: لَا يَفْسُدُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْهَدْيُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ وَهْبٍ: يَفْسُدُ حَجُّهُ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ أَحَدُ التَّحَلُّلَيْنِ فَلَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الرَّمْيُ وَوَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ وَطِئَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الرَّمْيِ فَفَسَدَ حَجُّهُ كَمَا لَوْ وَطِئَ قَبْلَ الطَّوَافِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ الْهَدْيِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنَّ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ مِنْ عَمْدٍ أَوْ نِسْيَانٍ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ عَلَى وَجْهِ النِّسْيَانِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَوْلُهُ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ حَتَّى يَجِبُ بِذَلِكَ الْهَدْيُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَنَّ الْإِفْسَادَ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ بِذَلِكَ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ فَاجْتَزَأَ بِذِكْرِ الْإِفْسَادِ عَنْ ذِكْرِ الْقَضَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْهَدْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الَّذِي هُوَ الْقَضَاءُ عَمَّا أَفْسَدَهُ مِنْهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً التَّمَادِي فِيمَا أَفْسَدَ مِنْهُمَا حَتَّى يُتَمِّمُهُ عَلَى مَا كَانَ الْتَزَمَهُ وَدَخَلَ فِيهِ ثُمَّ يَقْضِيهِ وَيُهْدِي فِي الْقَضَاءِ.
وَقَالَ دَاوُد: يَخْرُجُ عَنْ الْحَجِّ بِالْفَسَادِ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَعْنًى يَجِبُ بِهِ الْقَضَاءُ فَلَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ الْإِحْرَامِ كَالْفَوَاتِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ الْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاءٌ دَافِقٌ يُرِيدُ أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إنْزَالٌ لِأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ إفْسَادِ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ وَالْمَهْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ
стр. 687
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ مَاءٌ دَافِقٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِي الْقُبْلَةِ إلَّا الْهَدْيُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي يُصِيبُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِرَارًا فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَهِيَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُطَاوِعَةٌ إلَّا الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ إنْ أَصَابَهَا فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فِي الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أُفْسِدَتْ وَالْهَدْيُ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَيُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا الْمَاءُ الدَّافِقُ إذَا كَانَ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ يُرِيدُ أَنَّ الْحَجَّ يَفْسُدُ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الدَّافِقِ مِنْ الْمُبَاشَرَةِ وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ دُونَ الْفَرْجِ.
(وَقَالَ) أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَفْسُدُ الْحَجَّ شَيْءٌ مِنْهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَالرَّفَثُ إتْيَانُ النِّسَاءِ وَمُبَاشَرَتُهُنَّ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَنَهَى عَنْ الْمُبَاشَرَةِ لِمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ فِعْلٌ مَحْظُورٌ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ يُفْضِي إلَى الْإِنْزَالِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدَ الْحَجَّ أَصْلُ ذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ.
١ -
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ وَأَمَّا رَجُلٌ ذَكَرَ شَيْئًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ مَاءٌ دَافِقٌ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا فَإِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ اسْتِدَامَةُ التَّذَكُّرِ وَتَرْدِيدُهُ عَلَى قَلْبِهِ حَتَّى يُنْزِلَ لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظِ الْغَايَةِ فَقَالَ: إنَّهُ إنْ ذَكَرَ شَيْئًا حَتَّى أَنْزَلَ وَذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُسْتَدَامُ وَيُكَرَّرُ وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ كَرَّرَ التَّذَكُّرَ حَتَّى أَنْزَلَ رِوَايَتَيْنِ وَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَفْسَدَ الْحَجَّ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْهَدْيُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَصَدَ مَعْنًى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْإِنْزَالِ فَوَجَبَ أَنْ يُفْسِدَ حَجَّهُ إذَا أَنْزَلَ بِهِ أَصْلُ ذَلِكَ الْمُبَاشَرَةُ.
وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَعْنَى لَوْ أَنْزَلَ بِهِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَصَدَهُ كَالِاحْتِلَامِ لِمَنْ نَامَ فَقَصَدَ الِاحْتِلَامَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَذَكَّرَ شَيْئًا فَأَنْزَلَ فَلَا يَفْسُدُ حَجُّهُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَيْسَرَةَ: وَيُهْدِي وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَجْرَى عَلَى قَلْبِهِ ذِكْرًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ مَمْنُوعَةٌ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ فَإِذَا لَمْ تُفْضِ إلَى الْإِنْزَالِ لَمْ يَجِبْ بِهَا إلَّا الْهَدْيُ وَإِنَّمَا وَجَبَ بِهَا الْهَدْيُ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَى نُسُكِهِ نَقْصًا بِمَا أَتَاهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فَلَزِمَهُ الْهَدْيُ لِيُجْبَرَ بِذَلِكَ مَا أَدْخَلَ عَلَى نُسُكِهِ مِنْ النَّقْصِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ هَدْيَهُ بَدَنَةٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ هَدْيٌ يَجِبُ بِالِاسْتِمْتَاعِ فَكَانَ بَدَنَةً كَهَدْيِ الْوَطْءِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَكُلُّ مَا فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِالْتِذَاذِ بِالنِّسَاءِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ فَمَا كَانَ لَا يُفْعَلُ إلَّا لِلَّذَّةِ كَالْقُبْلَةِ فَفِيهِ الْهَدْيُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَا كَانَ يُفْعَلُ لِلَّذَّةِ وَلِغَيْرِ لَذَّةٍ مِثْلُ لَمْسِ كَفِّهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهَا فَمَا أَتَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ عَلَى وَجْهِ اللَّذَّةِ فَمَمْنُوعٌ وَمَا كَانَ لِغَيْرِ لَذَّةٍ فَمُبَاحٌ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي يُصِيبُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ مِرَارًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِأَوَّلِ وَطْءٍ.
وَأَمَّا الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ هَدْيٌ وَلَا حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنْ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الْوَطْءِ الثَّانِي أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى وَطِئَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَفَّرَ عَنْ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ عَنْ الْوَطْءِ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّرَ عَنْ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ لِلْوَطْءِ الثَّانِي وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مِثْلُ قَوْلِنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ عَنْ كُلِّ وَطْءٍ كَفَّارَةٌ سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنْ الْأَوَّلِ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ الْوَطْءَ الثَّانِي وَطْءٌ قَبْلَ التَّحَلُّلِ لَمْ يُفْسِدْ نُسُكًا فَلَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً أَصْلُهُ إذَا وَطِئَ ثَانِيَةً قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ الْأُولَى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَهِيَ لَهُ فِي ذَلِكَ مُطَاوِعَةٌ لِمَا بَيَّنَّاهُ قَبْلَ هَذَا مِنْ أَنَّ الْمُكْرَهَةَ لَا هَدْيَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَزِمَهَا الْقَضَاءُ غَيْرَ أَنَّ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهَا الْإِنْفَاقَ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ يَتَحَمَّلُ عَنْهَا مَا يَلْزَمُهَا مِنْ حُقُوقِ الْمَالِ وَأَمَّا حُقُوقُ
стр. 688
هَدْيُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ خَرَجَ حَاجًّا حَتَّى إذَا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْت فَإِذَا أَدْرَكَك الْحَجُّ قَابِلًا فَاحْجُجْ وَاهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ)
ــ
[المنتقى]
الْأَجْسَامِ فَإِنَّهُ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَلَا التَّجَمُّلُ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إذَا طَاوَعَتْهُ إلَّا الْهَدْيُ وَحَجٌّ قَابِلٌ يُرِيدُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ يَلْزَمُهُمَا وَإِنَّمَا خُصَّ بِذَلِكَ حَجٌّ قَابِلٌ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ وَقْتٍ يُمْكِنُهَا فِيهِ جَبْرُ مَا أَفْسَدَا مِنْ حَجِّهِمَا وَلَا يَخْتَصُّ الْقَضَاءُ بِالْعَامِ الْمُقْبِلِ اخْتِصَاصًا يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْوَامِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى مَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْجِيلِ الْقَضَاءِ وَلِذَلِكَ لَا نَقُولُ فِي الْعُمْرَةِ يُفْسِدُهَا الْوَطْءُ يَقْضِيهَا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَلْ يَحِلُّ مِنْ الْعُمْرَةِ الَّتِي أَفْسَدَ وَيَشْرَعُ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا فِي الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا عَلَيْهَا قَضَاءُ الْعُمْرَةِ الَّتِي أُفْسِدَتْ وَالْهَدْيُ ذَكَرَ حُكْمَ الْعُمْرَةِ فِي هَذَا بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حُكْمَ الْحَجِّ وَإِنَّمَا يَكُونُ فَسَادُهَا لِلْعُمْرَةِ إذَا كَانَ الْوَطْءُ قَبْلَ إكْمَالِ السَّعْيِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ التَّمَادِي فِيهَا ثُمَّ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَطْءُ فِي الْعُمْرَةِ بَعْدَ إكْمَالِ السَّعْيِ فَإِنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَفْسُدُ.
[هَدْيُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمَّا كَانَ بِالنَّازِيَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ يَقْتَضِي مَا بَعْدَهُ مِنْ ذِكْرِ فَوَاتِ الْحَجِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَبَ فَوَاتِ الْحَجِّ إمَّا لِأَنَّهُ شُغِلَ بِطَلَبِهَا وَهُوَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْرِكَ الْحَجَّ فَتَتَابَعَ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ مَا قُدِّرَ فِيهِ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْحَجَّ فِيهِ فَأَخْلَفَهُ تَقْدِيرُهُ وَلَمْ تُدْرِكْهُ وَأَمَّا لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْوُصُولِ إلَى الْحَجِّ بِعَدَمِ رَوَاحِلِهِ الَّتِي كَانَ يَتَوَصَّلُ بِهَا فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُصُولُ إلَّا بَعْدَ الْفَوَاتِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَوْمَ النَّحْرِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ بِمِنًى وَلَمْ يَصِلْ إلَى عَرَفَةَ فِي وَقْتٍ يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ فَذِكْرُ ذَلِكَ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ إضْلَالِ رَوَاحِلِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ فَوَاتِ حَجِّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ خَاصَّةً لِأَنَّ حُكْمَهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ دُونَ سَبَبِهِ لِأَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِخَطَأِ عَدَدٍ أَوْ بِمَرَضٍ أَوْ بِخَفَاءِ هِلَالٍ أَوْ لِشُغْلٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ غَيْرَ الْعَدُوِّ الْمَانِعِ فَحُكْمُهُ وَاحِدٌ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ وَيَحُجُّ قَابِلًا وَيُهْدِي أَهْلُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِذَا فَاتَهُ الْحَجُّ بِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ دُونَ الْبَيْتِ وَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّ عَمَلَهُ عُمْرَةً يَتَحَلَّلُ بِهَا وَيُهْدِي وَبَيْنَ أَنْ يَبْقَى عَلَى إحْرَامِهِ إلَى قَابِلٍ وَالتَّحَلُّلُ أَفْضَلُ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قَدْ حَلَلْت يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَأْتِي بِعُمْرَةٍ كَامِلَةٍ بِطَوَافِهَا وَسَعْيًا بِنِيَّتِهَا يَتَحَلَّلُ بِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ﵀: إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ يَسْتَأْنِفُ لَهَا طَوَافًا وَسَعْيًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَنْقَلِبُ إحْرَامُهُ فَيَصِيرُ عُمْرَةً وَيَكُونُ بِطَوَافِهِ وَسَعْيِهِ وَحِلَاقِهِ مُتَحَلِّلًا مِنْ الْعُمْرَةِ لَا مِنْ الْحَجِّ الْفَائِتِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ لَوْ يَنْقَلِبُ عُمْرَةً لَكَانَ قَدْ انْفَسَخَ عَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِ وَالْفَسْخُ مَفْسُوخٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ مَنْ انْعَقَدَ إحْرَامُهُ بِنُسُكٍ لَمْ يَنْقَلِبْ إلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ.
(فَصْلٌ)
فَإِنْ أَدْرَكَك الْحَجُّ قَابِلًا فَاحْجُجْ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَاهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ
стр. 689
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك وَانْحَرْ وَاهْدِيَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَاهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) .
ــ
[المنتقى]
الْهَدْيِ يَقْتَضِي أَنَّ الْهَدْيَ إنَّمَا يَنْحَرُهُ فِي عَامٍ قَابِلٍ وَلَا يَنْحَرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْدُمَ حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا فَيُهْدِيهِ وَلَا يُقَدِّمُهُ قَبْلَ حَجَّةِ الْقَضَاءِ وَإِنْ خَافَ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَحَرَهُ فِي عُمْرَتِهِ رَجَوْت أَنْ يَجْزِيَهُ كَمَا يَجْزِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقَضَاءَ بَدَلٌ مِنْ الْحَجِّ الْأَوَّلِ وَالْهَدْيَ جَبْرٌ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَضَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ وَبِمَعْنَى الْقَضَاءِ لِبَعْضِهِ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَنْحَرُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَفَعَلَ فَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ: إنْ فَعَلَ لَمْ يَجْزِهِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يَجْزِيهِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَقَالَ عُمَرُ: اذْهَبْ إلَى مَكَّةَ فَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك وَانْحَرْ وَاهْدِيَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَارْجِعُوا فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا وَاهْدُوا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ هَبَّارَ بْنَ الْأَسْوَدِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ يُرِيدُ جَاءَ مِنًى وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَا يَنْحَرُ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ إلَّا بِمِنًى فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ كُنَّا نَرَى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا الْعِدَّةَ فَظَنُّوا أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ يَوْمُ عَرَفَةَ فَفَاتَهُمْ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِفَوَاتِ يَوْمِهِ لِأَنَّهُمْ وَرَدُوا مِنًى مُتَوَجِّهِينَ إلَى عَرَفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَلَمَّا وَجَدُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَجَمِيعَ الْحَاجِّ بِمِنًى عَلِمُوا أَنَّهُمْ أَخْطَئُوا الْعِدَّةَ وَفَاتَهُمْ الْوُقُوفُ وَلَوْ أَخْطَأَ أَهْلُ الْمَوْسِمِ فَكَانَ وُقُوفُهُمْ بِعَرَفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمْ يَمْضُونَ عَلَى عَمَلِهِمْ وَيَنْحَرُونَ هَدْيَهُمْ مِنْ الْغَدِ وَيَتَأَخَّرُ عَمَلُ الْحَجِّ كُلُّهُ يَوْمًا وَيَجْزِيهِمْ وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ أَتَى عَرَفَةَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقِفَ بِعَرَفَةَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ وُقُوفَهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ وَلَوْ أَخْطَأَ أَهْلُ الْمَوْسِمِ فَوَقَفُوا بِعَرَفَةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يُعِيدُونَ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ اللَّبَّادِ أَنَّهُ اخْتَلَفَ قَوْلُ سَحْنُونٍ فِيهِ.
وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ الْوُقُوفُ وَلَا زَمَنُهُ فَكَانَ عَلَيْهِمْ إعَادَتُهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ اذْهَبْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك إلَى مَكَّةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ كَانَ مِنْ الْحِلِّ وَلَا يَخْلُو الَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَكُونَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحِلِّ فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَفَاتَهُ الْحَجُّ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ ثُمَّ يَدْخُلُ إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى لِعُمْرَتِهِ وَيَحِلُّ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ.
وَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فِي النُّسُكِ فَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ وَلَمْ يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ لَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ لِيَتِمَّ حُكْمُ نُسُكِهِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنْ الْحِلِّ لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهِ بَعْدَ الْفَوَاتِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعِيدَهُمَا لِعُمْرَةِ التَّحَلُّلِ مَنْ قَدْ فَاتَهُمَا لِلْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْحِلِّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ: وَطُفْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَك أَمَرَهُمْ ﵁ بِالطَّوَافِ وَلَا بُدَّ مِنْ السَّعْيِ مَعَهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهِ ثُمَّ قَالَ: وَانْحَرْ وَاهْدِيَا إنْ كَانَ مَعَكُمْ يُرِيدُ إنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلْيَنْحَرْهُ عَلَى مَا سَاقَهُ عَلَيْهِ مِنْ تَطَوُّعٍ أَوْ وَاجِبٍ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَدْيِ الْفَوَاتِ بِسَبِيلٍ إنَّمَا هُوَ هَدْيٌ قَلَّدُوهُ وَأَشْعَرُوهُ حِينَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﵁ ثُمَّ احْلِقُوا أَوْ قَصِّرُوا وَرَاجِعُوا يُرِيدُ أَنَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَحَلَّلُوا وَلَا يَكُونُ إلَّا
стр. 690
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ثُمَّ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا وَيَقْرِنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيُهْدِيَ هَدْيَيْنِ هَدْيًا لِقِرَانِهِ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ وَهَدْيًا لِمَا فَاتَهُ مِنْ الْحَجِّ) .
هَدْيُ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَقَعَ بِأَهْلِهِ وَهُوَ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْحَرَ بَدَنَةً) .
ــ
[المنتقى]
بِحَلَاقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ لِمَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمْ وَاخْتَارَهُ وَإِنْ كَانَ الْحِلَاقُ أَفْضَلَ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ ارْجِعُوا لَمْ يَكُنْ عَلَى جِهَةِ الْإِلْزَامِ وَالْوُجُوبِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ إبَاحَةِ الرُّجُوعِ وَالْأَمْرِ بِالْفَضْلِ أَوْ عَلَى مَا عَلِمَهُ ﵁ مِنْ حَالِهِمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا الرُّجُوعُ إلَى أَهَالِيِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَوْ أُمِرُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ مَا عَلِمَهُ مِنْ الْأَمْرِ الْمُبَاحِ لَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: وَإِذَا كَانَ عَامًا قَابِلًا فَحُجُّوا وَاهْدُوا يُرِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ لِلْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُمْ سَوَاءٌ كَانَ فَرْضًا أَوْ نَافِلَةً وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْهَدْيُ لِأَجْلِ الْفَوَاتِ وَالتَّحَلُّلِ بِغَيْرِ مَا أَحْرَمُوا بِهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ وَهَذَا حُكْمُ كُلِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ هَدْيٌ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَأَمَّا هَدْيُ الْجَزَاءِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى فَلَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَفَاتَهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا قَضَاءً عَنْ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَهُ وَعَلَى صِفَتِهِ مِنْ الْقِرَانِ وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ الْعُمْرَةُ مَعَ الْحَجِّ فِي الْقَضَاءِ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي تَحَلَّلَ بِهَا لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِالْعُمْرَةِ الَّتِي قَرَنَهَا مَعَ حَجِّهِ لِأَنَّ تِلْكَ لَا يَصِحُّ التَّحَلُّلُ مِنْهَا وَلَا الْإِتْمَامُ لَهَا إلَّا مَعَ تَمَامِ الْحَجِّ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهُ عَلَى حَسَبِ مَا قَرَنَهَا بِهِ وَهَذِهِ الْعُمْرَةُ إنَّمَا هِيَ عُمْرَةُ التَّحَلُّلِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ ثُمَّ فَاتَهُ تَحَلَّلَ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ فَثَبَتَ أَنَّ عُمْرَةَ التَّحَلُّلِ غَيْرُ الْعُمْرَةِ الَّتِي قَرَنَهَا بِحَجِّهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﵁ وَيُهْدِي هَدْيَيْنِ لِقِرَانِهِ وَهَدْيًا لِفَوَاتِ الْحَجِّ يُرِيدُ أَنَّهُ يُهْدِي فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ هَدْيَيْنِ هَدْيًا لِلْقِرَانِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَهَدْيًا لِلْفَوَاتِ فِي الْعَامِ الْحَالِي وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَهُ فِي هَدْيِ الْقِرَانِ عَنْ الْعَامِ الْمَاضِي الَّذِي فَاتَهُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ إنْ كَانَ يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ فِيهِ أَوْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْفَوَاتِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَمَ الْقِرَانِ يَسْقُطُ بِالْفَوَاتِ وَالتَّحَلُّلُ بِالْعُمْرَةِ وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمُ الْقِرَانِ كَاَلَّذِي أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ أَحْرَمَ قَارِنًا فَلَزِمَهُ حُكْمُ الْقِرَانِ فِي الدَّمِ كَمَا لَوْ أَتَمَّ قِرَانَهُ.
[هَدْيُ مَنْ أَصَابَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ]
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّذِي وَقَعَ بِأَهْلِهِ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَنْحَرُ بَدَنَةً يَقْتَضِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الرَّمْيِ بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ أَوْ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ وَأَمَّا إنْ أَصَابَهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ حَجَّهُ يَفْسُدُ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ مَعَ الْعُمْرَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ يَنْحَرُ بَدَنَةً الْبَدَنَةُ أَرْفَعُ الْهَدْيِ لِأَنَّ الْهَدْيَ قَدْ يَكُونُ بَقَرَةً وَيَكُونُ شَاةً وَأَرْفَعُ ذَلِكَ الْبَدَنَةُ وَخَصَّهُ هَاهُنَا بِالْبَدَنَةِ لِعِظَمِ مَا أَتَى بِهِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَظُنُّهُ إلَّا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ) .
(ش) : قَوْلُهُ الَّذِي يُصِيبُ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ يَحْتَمِلُ مَا قُلْنَاهُ قَبْلَ هَذَا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الرَّمْيِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى التَّفْسِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَوْلُهُ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ
стр. 691
(ص) : (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ الْإِفَاضَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَرَجَعَ إلَى بِلَادِهِ فَقَالَ: أَرَى إنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَلْيَرْجِعْ فَلْيُفِضْ ثُمَّ لِيَعْتَمِرْ وَلْيُهْدِ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيَهُ مِنْ مَكَّةَ وَيَنْحَرَهُ بِهَا وَلَكِنْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ اعْتَمَرَ فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ لِيُخْرِجْهُ إلَى الْحِلِّ فَلْيَسُقْهُ مِنْهُ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَنْحَرهُ بِهَا) .
مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ. مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ
ــ
[المنتقى]
﵀ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵁ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى طَوَافِهِ لِلْإِفَاضَةِ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الْوَطْءِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ بِطَوَافٍ سَالِمٍ إحْرَامُهُ مِنْ ذَلِكَ النَّقْصِ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ فِي إحْرَامٍ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَ النِّسَاءَ أَوْ بَعْدَمَا أَصَابَ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُصِبْ النِّسَاءَ فَلَا بُدَّ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ لِتَمَامِ الْحَجِّ بِالطَّوَافِ وَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ الدَّمُ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ قَدْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ التَّحَلُّلُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ بِلِبَاسٍ وَلَا تَطَيُّبٍ وَإِنْ كَانَ أَصَابَ صَيْدًا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ كَانَ قَدْ أَصَابَ النِّسَاءَ فَهَذَا وَطِئَ قَبْلَ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَبَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْدُمَ مَكَّةَ فَيَطُوفُ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ ثُمَّ يَقْضِيه فِي عُمْرَةٍ لِمَا أَدْخَلَ عَلَى إحْرَامِهِ مِنْ النَّقْصِ بِالْوَطْءِ وَيُهْدِي وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَعَادَ الطَّوَافَ وَرَكَعَ ثُمَّ يَعْتَمِرُ وَيُهْدِي وَإِنْ كَانَ خَرَجَ إلَى بَلَدِهِ فَلْيَرْكَعْ الرَّكْعَتَيْنِ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ يُهْدِي وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيَهُ بِمَكَّةَ وَيَنْحَرَهُ بِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْهَدْيُ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ فِي الْحِلِّ فَيُسَاقُ إلَى الْحَرَمِ أَوْ يَشْتَرِي فِي الْحَرَمِ فَيَخْرُجُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يَعُودُ إلَى مَوْضِعِ النَّحْرِ فِي الْحَرَمِ فَيَنْحَرُ فِيهِ وَكَذَلِكَ هَذَا لَوْ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ رَدَّهُ إلَى مَكَّةَ فَنَحَرَهُ بِهَا أَجْزَأَهُ وَإِنَّمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمَكَّةَ ثُمَّ يَنْحَرَهُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحِلِّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَهُ مَعَهُ مِنْ حَيْثُ اعْتَمَرَ يُرِيدُ أَنَّ عُمْرَتَهُ كَانَتْ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ الْحِلِّ عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِحْرَامُ بِهَا مِنْ الْحِلِّ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي النُّسُكِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَلَمَّا كَانَ عَمَلُ الْعُمْرَةِ جَمِيعُهُ فِي الْحَرَمِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْإِهْلَالُ بِهَا مِنْ الْحِلِّ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّ مُعْظَمَهُ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فِي الْحِلِّ فَجَازَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِ مِنْ الْحَرَمِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ لِيُخْرِجْهُ إلَى الْحِلِّ فَلْيَسُقْهُ إلَى مَكَّةَ فَيَنْحَرهُ بِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ سَاقَهُ مِنْ الْحِلِّ فَلْيَشْتَرِهِ بِمَكَّةَ أَوْ حَيْثُ أَمْكَنَهُ مِنْ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ شِرَائِهِ الِاخْتِصَاصُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا فَلْيُخْرِجْهُ إلَى الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِأَنَّ الْمَنْحَرَ فِي الْحَرَمِ فَإِذَا اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ ثُمَّ يُرَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْمَنْحَرِ فِي الْحَرَمِ وَلَوْ اشْتَرَى فِي الْحِلِّ لَأَجْزَأَ إدْخَالُهُ إلَى الْمَنْحَرِ فِي الْحَرَمِ وَخَصَّ مَكَّةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَا أُهْدِيَ فِي الْعُمْرَةِ لَا يُنْحَرُ بِمِنًى وَلَا يُنْحَرُ إلَّا بِمَكَّةَ.
стр. 692
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فِيمَا يُحْكَمُ بِهِ فِي الْهَدْيِ شَاةٌ وَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ هَدْيًا وَذَلِكَ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَكَيْفَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِبَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ بِشَاةٍ وَمَا لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِشَاةٍ فَهُوَ كَفَّارَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ إطْعَامُ مَسَاكِينَ)
ــ
[المنتقى]
[مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ]
(ش) : قَوْلُهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ شَاةٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْسِيرُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَمَعْنَاهُ وَمُقْتَضَاهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فَعُلِمَ ذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ أَوْ بِالدَّلِيلِ دُونَ أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا الِاسْمُ بِالشَّاةِ فِي مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَمُسْتَعْمَلِ الْخِطَابِ.
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ بِعُرْفِ التَّخَاطُبِ جَازَ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ وَاقِعٌ عَلَى الشَّاةِ وَأَنَّهَا أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ هَدْيٍ وَإِنْ عَلِمْنَا ذَلِكَ بِدَلَالَةٍ مِنْ جِهَةِ التَّوْقِيفِ أَوْ الدَّلِيلِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَا تَخْتَصُّ فِي اللُّغَةِ بِالشَّاةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] لِأَنَّ اسْمَ الْمُسْتَيْسَرِ مِنْ الْهَدْيِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ لَا يُطْلِقُ عَلَى الشَّاةِ اسْمَ الْهَدْيِ وَيَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا فَلَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَفْظُ الْبُدْنِ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَتَنَاوَلهُ مِنْ بُدْنٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ وَقَدْ رَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ كُلٌّ بِقَدْرِ يَسَارَتِهِ فَاقْتَضَى بِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي حَقِّ الْغِنَى الْبَدَنَةُ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ الْبَقَرَةُ وَفِي حَقِّ الْفَقِيرِ الشَّاةُ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُشِيرَ بِهِ إلَى أَقَلِّ أَجْنَاسِ الْهَدْيِ وَالثَّانِي إلَى أَقَلِّ صِفَاتِهِ فَأَمَّا أَقَلُّ أَجْنَاسِ الْهَدْيِ فَهُوَ الشَّاةُ وَأَمَّا أَقَلُّ صِفَاتِ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا فَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْبَدَنَةُ دُونَ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةُ دُونَ الْبَقَرَةِ فَهَذَا عِنْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الشَّاةِ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا مَكَانُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْنَعُ الْوَاجِدَ لِلْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَنْ يُهْدِيَ الشَّاةَ إمَّا مَنْعُ تَحْرِيمٍ أَوْ مَنْعُ كَرَاهِيَةٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يُخَالِفُهُ يُطْلِقُ لِلْوَاجِدِ أَنْ يُهْدِيَ الشَّاةَ مَعَ وُجُودِ الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَلَفْظُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ يَقْتَضِي الْمُسْتَيْسَرَ مِنْهُ عَلَى الْمُخْرِجِ لَهُ لِأَنَّ الْمُسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ إنَّمَا يَعُودُ إلَى حَالِ الْمُخْرِجِ إنْ تَيَسَّرَ لَهُ إخْرَاجُهُ.
وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى الْغِنَى وَيَنْصَرِفُ إلَى التَّمَكُّنِ وَسُهُولَةِ التَّنَاوُلِ وَأَمَّا الْأَدْوَنُ وَالْأَقَلُّ فَلَفْظُ الْمُسْتَيْسَرِ فِيهِ أَظْهَرُ وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ فِيهِ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الشَّاةَ يَتَنَاوَلُهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ اسْمُ الْهَدْيِ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَتَنَاوَلُ الشَّاةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْهَدْيِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُ الشَّاةِ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهَا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَقْتَضِي مَا تَيَسَّرَ عَلَى الْمُخْرِجِ وَسَهُلَ عَلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّخْفِيفِ وَالتَّجَوُّزِ عَنْ الْيَسِيرِ وَلَوْ قُلْت لِإِنْسَانٍ: افْعَلْ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْك لَفَهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُجَوِّزُ عَنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفِعْلِ وَتَعْلِيقُ هَذَا بِاخْتِيَارِهِ وَمَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَقَالَ فَمَا وُجِدَ مِنْ الْهَدْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵁ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الشَّاةَ هَدْيًا وَكَيْفَ يَشُكُّ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَبْلُغُ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِبَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَالْحُكْمُ فِيهِ بِشَاةٍ وَمَا لَا يَبْلُغُ الشَّاةَ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِهَدْيٍ يَقْتَضِي الدَّلَالَةَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَقَعُ عَلَى الشَّاةِ لِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ أَنْ يُحْكَمَ فِي الصَّيْدِ بِشَاةٍ جَازَ إخْرَاجُهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَتَنَاوَلُهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الصَّيْدَ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِشَاةٍ لَمْ يُحْكَمْ فِيهِ بِهَدْيٍ وَهَذَا
стр. 693
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) .
جَامِعُ الْهَدْيِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ جُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَدْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنِّي قَدِمْت بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْت مَعَك أَوْ سَأَلْتَنِي لَأَمَرْتُك أَنْ تَقْرُنَ فَقَالَ الْيَمَانِيُّ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: خُذْ مَا تَطَايَرَ مِنْ رَأْسِك وَاهْدِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ: مَا هَدْيُهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: هَدْيُهُ قَالَتْ: مَا هَدْيُهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَوْ لَمْ أَجِدْ إلَّا أَنْ أَذْبَحَ شَاةً لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ) .
ــ
[المنتقى]
يَقْتَضِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ لَا يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ دُونَهَا فَاقْتَضَى ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ مُخْتَصٌّ بِالْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَإِنَّ الشَّاةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ بِالْآيَةِ إمَّا مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ عِنْدَهُ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ وَاقِعٌ عَلَى الشَّاةِ وَجَبَ أَنْ يَتَنَاوَلَهَا الْوَصْفُ وَأَنْ تَسْتَحِقَّهُ وَأَنْ تَتَنَاوَلَهَا الْآيَةُ بِحَقِّ الْعُمُومِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ مَوْلَاةً لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقَالُ لَهَا رُقَيَّةُ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَى مَكَّةَ قَالَتْ: فَدَخَلَتْ عَمْرَةُ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَأَنَا مَعَهَا فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ دَخَلَتْ صُفَّةَ الْمَسْجِدِ فَقَالَتْ: أَمَعَك مِقَصَّانِ؟ فَقُلْت: لَا فَقَالَتْ: فَالْتَمِسِيهِ لِي فَالْتَمَسْتُهُ حَتَّى جِئْت بِهِ فَأَخَذَتْ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ ذَبَحَتْ شَاةً) .
(ش) : قَوْلُهَا أَنَّهَا دَخَلَتْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَطَافَتْ وَسَعَتْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ فَطَافَتْ لِلْوُرُودِ وَسَعَتْ لِلْحَجِّ عَلَى مَا يَفْعَلُ غَيْرُ الْمُرَاهِقِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مُتَمَتِّعَةً أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ وَطَافَتْ وَسَعَتْ لِعُمْرَتِهَا ثُمَّ قَصَّرَتْ لِتَحَلُّلِهَا ثُمَّ أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَخَرَجَتْ إلَى مِنًى وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِتَقْصِيرِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَذَبْحِهَا يَوْمَ النَّحْرِ شَاةً عَنْ مُتْعَتِهَا وَإِدْخَالُ مَالِكٍ ﵀ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً فَاحْتَجَّ بِاجْتِزَائِهَا بِالشَّاةِ عَنْ تَمَتُّعِهَا عَلَى أَنَّ الشَّاةَ مُرَادَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ فِدْيَةٌ لِإِمَاطَتِهَا الْأَذَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ حَاجَةً إلَى ذَلِكَ وَلَا مَرَضًا يَقْتَضِي إمَاطَةَ أَذًى وَلَا يُوصَفُ ذَلِكَ بِالْأَخْذِ مِنْ الْقُرُونِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[جَامِعُ الْهَدْيِ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ السَّائِلَ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ وَقَدْ ضَفَّرَ رَأْسَهُ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ التَّلْبِيدِ فَقَالَ: إنِّي قَدِمْت بِعُمْرَةٍ فَكَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَحْلِقَ وَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ الْحِلَاقُ فِي الْحَجِّ، فَقَالَ: لَوْ كُنْت مَعَك لَأَمَرْتُك أَنْ تَقْرُنَ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَيَحْلِقُ لَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَانَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي الْعُمْرَةِ وَلَا يَجِدُ شَعْرًا يَحْلِقُهُ فِي حَجِّهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ فِيمَنْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لَا يَحْلِقُ وَيُقَصِّرُ وَلْيُرْدِفْ الْحَجَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَبْقَى لَهُ مِنْ الشَّعْرِ مَا يَحْلِقُهُ يَوْمَ النَّحْرِ فَلِذَلِكَ رَأَى التَّقْصِيرَ أَفْضَلَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ الْيَمَانِيِّ قَدْ كَانَ ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ فَاتَ أَمْرُ الْقِرَانِ بِفَوَاتِ مَحِلِّ الْإِرْدَافِ لِتَمَامِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِشَيْءٍ غَيْرِ التَّقْصِيرِ وَلَمْ يَذْكُرْ طَوَافًا وَلَا سَعْيًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ فَهِمَ مِنْ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَكْمَلَ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُشِيرَ عَلَيْهِ بِأَفْضَلَ مَا يَرَاهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ الَّتِي قَدْ فَاتَ فِيهَا الْقِرَانُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: احْلِقْ مَا تَطَايَرَ مِنْ رَأْسِك يُرِيدُ مَا عَلَا مِنْ الشَّعْرِ عَنْ التَّضْفِيرِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ عِنْدَ مَالِكٍ فِي التَّقْصِيرِ وَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا الْأَخْذُ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ بَلْ لَا يُجْزِئُ مِنْ ضَفْرٍ التَّقْصِيرُ وَلَا
стр. 694
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ إذَا حَلَّتْ لَمْ تَمْتَشِطْ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا هَدْيٌ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْحَرَ هَدْيَهَا) .
ــ
[المنتقى]
يُجْزِئُهُ إلَّا الْحِلَاقُ وَلَكِنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ أَمَرَهُ بِنَقْصِ مَا ضَفَّرَ مِنْهُ ثُمَّ حِينَئِذٍ يَأْخُذُ مَا زَادَ مِنْ شَعْرِهِ عَلَى الْمِشْطِ أَوْ عَلَى مَا يُبْقِيهِ التَّقْصِيرُ وَأَمَّا إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَعِنْدَهُ يَجُوزُ التَّقْصِيرُ بِأَخْذِ بَعْضِ الشَّعْرِ وَعِنْدَ مَالِكٍ غَيْرُ مُجْزِئٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَبَيَانُ حُكْمِهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ: وَاهْدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامِهِ فَلَزِمَهُ هَدْيُ الْمُتْعَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ بِأَكْثَرَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْزِئًا عَنْهُ ثُمَّ أَمَرَهُ مَعَ ذَلِكَ بِالْهَدْيِ لِمَا أَخَّرَهُ مِنْ الْحِلَاقِ أَوْ التَّقْصِيرِ الْمُجْزِئِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَنْ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِذَلِكَ مَعَ هَدْيِ التَّمَتُّعِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ عِرَاقِيَّةٌ: مَا هَدْيُهُ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهَا أَحَدَ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ هَدْيِ مَنْ أَتَى بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْ هَدْيِ ذَلِكَ الرَّجُلِ خَاصَّةً فِي مِثْلِ يَسَارِهِ وَحَالِهِ فَتَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ لِاخْتِيَارِهِ لِذِي الْيَسَارِ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ.
وَلَعَلَّهُ قَدْ رَأَى مِنْ حَالِ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنَّ يَدَهُ لَا تَتَّسِعُ لِذَلِكَ فَكَرِهَ أَنْ يُفْتِيَ بِالشَّاةِ فَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فَلَمَّا كَرَّرَتْ عَلَيْهِ السُّؤَالَ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ إمَّا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمَرْأَةَ مِمَّنْ يَجِبُ تَعْلِيمُهَا مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ أَوْ لَعَلَّهَا قَدْ لَزِمَهَا مِثْلُ ذَلِكَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهَا أَوْ لِأَنَّهُ خَافَ فَوَاتَ الْيَمَانِيِّ وَمَغِيبَهُ عَنْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْلَمَ مَا حُكْمُهُ.
فَقَالَ: لَوْ لَمْ أَجِدْ إلَّا أَنْ أَذْبَحَ شَاةً لَكَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَصُومَ فَصَرَّحَ بِجَوَازِ ذَبْحِ الشَّاةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ الصَّوْمِ وَأَحَبُّ هَاهُنَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الِاسْتِحْبَابِ فَظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِقَالُ إلَى الصَّوْمِ إلَّا عِنْدَ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْهَدْيِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ التَّشَدُّدَ فِي الْفَضِيلَةِ وَالْمَنْعَ مِمَّا هُوَ عِنْدَهُ أَقَلُّ الْهَدْيِ لِذِي الْيَسَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحِلَاقِ وَلَا التَّقْصِيرِ مِنْ وَجَعٍ بِهِ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَدَنَةَ أَفْضَلُ الْهَدْيِ وَأَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَأْتِيَ بِالْبَدَنَةِ إذَا وُجِدَ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبَقَرَةٌ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ وَذَلِكَ أَدْنَى الْهَدْيِ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الِاسْتِحْبَابُ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا تُجْزِئُ الشَّاةُ عَنْ الْبَدَنَةِ وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ إذَا حَلَّتْ لَمْ تَمْتَشِطْ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إذَا حَلَّتْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إذَا بَلَغَتْ مِنْ نُسُكِهَا مَوْضِعَ الْإِحْلَالِ لِلتَّقْصِيرِ وَهَذَا يَكُونُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَالثَّانِي: إذَا حَلَّتْ بِرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْإِحْلَالِ وَهَذَا إحْلَالٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَجِّ فَنَهَاهَا عَنْ أَنْ تَمْتَشِطَ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا وَمَعْنَاهُ أَنْ تُقَصِّرَ فَتَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ شَعْرِ رَأْسِهَا.
وَأَمَّا مَنْعُهَا مِنْ الِامْتِشَاطِ قَبْلَ أَنْ تُقَصِّرَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِرَةً أَوْ حَاجَّةً فَإِنْ كَانَتْ مُعْتَمِرَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ الْمُعْتَمِرِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَهُ أَوْ يَقْتُلَ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ أَوْ يَلْبَسَ قَمِيصًا بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ. وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَمِنْ الشَّأْنِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالْغَاسُولِ وَالْخِطْمِيِّ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِقَ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَوَّرَ وَيَقُصَّ أَظْفَارَهُ وَيَأْخُذَ مِنْ شَارِبِهِ وَلِحْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلْمُعْتَمِرِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ أَوْ الْحِلَاقَ بِهِمَا يَتَحَلَّلُ لِإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَبِهِ يُبْتَدَأُ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّقْصِيرِ مِنْ بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَهُوَ الْوَاجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
стр. 695
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: لَا يَشْتَرِكُ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فِي بَدَنَةٍ وَاحِدَةٍ لِيَهْدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةً بَدَنَةً) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْيٌ يَنْحَرُهُ فِي حَجٍّ وَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ هَلْ يَنْحَرُهُ إذَا حَلَّ أَمْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ وَيَحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ فَقَالَ: بَلْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ وَيَحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ) .
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: وَاَلَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْهَدْيِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَدْيَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَمَّا مَا عَدَلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ أَنْ يَفْعَلَهُ فَعَلَهُ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ لَهَا هَدْيٌ لَمْ تَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا حَتَّى تَنْحَرَ هَدْيَهَا يُرِيدُ أَنَّ النَّحْرَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحِلَاقِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَشْتَرِكُ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ فِي بَدَنَةٍ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ غَيْرُ مُجْزِئٍ وَلَا مَشْرُوعٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُنَا فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا خُصَّ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ امْرَأَتَهُ فِي الْأُضْحِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُشْرِكَ أَجْنَبِيَّةً فَلَمَّا نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُشْرِكَ امْرَأَتَهُ فِي الْهَدْيِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ أَوْلَى مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لِيَهْدِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةً بَدَنَةً يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهُمَا فِي ذَلِكَ حُكْمُهُ وَأَنَّ هَدْيَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ كَامِلَةٌ سَالِمَةً مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِيهَا وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذَا أَقَلُّ مَا يَجِبُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جِنْسِ الْهَدْيِ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ الِاشْتِرَاكَ ثُمَّ أَبَاحَ لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدَةً كَامِلَةً اقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَقَلُّ الْهَدْيِ وَبَيَّنَ أَيْضًا أَنَّ الِانْفِرَادَ بِالْهَدْيِ حُكْمُ الْبُدْنِ وَغَيْرِهَا لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْبُدْنِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْغَنَمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ عَمَّنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْيٌ لِيَنْحَرَهُ فِي حَجٍّ يَقْتَضِي أَنَّ لِبَعْثِهِ فِي الْحَجِّ تَأْثِيرًا يَمْنَعُ مِنْ نَحْرِهِ فِي غَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَبْعَثُ الرَّجُلُ بِهَدْيِهِ مَعَ حَاجٍّ أَوْ مُعْتَمِرٍ فَإِنْ بَعَثَ بِهِ مَعَ غَيْرِ مُعْتَمِرٍ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا وَأَجْزَأَ عَنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْهَدْيِ بِنُسُكِ الْحَامِلِ لَهُ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يَذْبَحَهُ عَلَيْهِ فَمَنْ بُعِثَ مَعَهُ هَدْيٌ لِيَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ فَإِنَّمَا بُعِثَ بِهِ مَعَهُ لِئَلَّا يَنْحَرَهُ قَبْلَ أَيَّامِ مِنًى فَإِذَا أَخَذَهُ عَلَى ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهِ وَالْتَزَمَ فِعْلَهُ وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِحَجِّ الَّذِي أُرْسِلَ مَعَهُ أَوْ بِحَجِّ النَّاسِ؟ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا وَعِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِحَجِّ النَّاسِ فَعَلَى الْحَامِلِ لِلْهَدْيِ أَنْ يَقِفَ بِهِ بِعَرَفَةَ وَيَنْحَرَهُ مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى حَجَّ هُوَ أَوْ لَمْ يَحُجَّ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: لَا يَنْحَرُهُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَلَمْ يُعَلِّقْ ذَلِكَ بِحَجِّهِ قَالَ: وَيَحِلُّ هُوَ مِنْ عُمْرَتِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ دَخَلَ بِعُمْرَةٍ لَكِنَّ الْهَدْيَ الَّذِي أُرْسِلَ مَعَهُ إنَّمَا أُرْسِلَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ أَنَّ بَاعِثَ الْهَدْيِ لِيَنْحَرَ لَهُ فِي حَجٍّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَأَدْرَكَهُ أَخَّرَ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ وَرَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَلَّدُوا وَجَبَ عَلَى النَّحْرِ فِي الْحَجِّ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا غَيْرُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي أَوْجَبَهُ فِيهِ إدْرَاكُهُ لَهُ كَمَا لَوْ قَلَّدَهُ عَلَى أَنْ يَنْحَرَهُ فِي الْحَجِّ وَدَخَلَ مُتَمَتِّعًا لَكَانَ حُكْمُهُ أَنْ لَا يَنْحَرَ فِي عُمْرَتِهِ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَنْحَرَهُ فِي حَجِّهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ بَدَلَ الصَّيْدِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ هَدْيٌ أَوْ إطْعَامٌ أَوْ صِيَامٌ فَأَمَّا الْهَدْيُ فَإِنَّهُ لَا يُنْحَرُ إلَّا بِمَكَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَلْ يُجْزِئُهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِمِنًى أَمْ لَا؟ ظَاهِرُ قَوْلِهِ هَاهُنَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي اخْتِصَاصَهُ بِمَكَّةَ وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ اسْتِدْلَالُهُ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] غَيْرَ أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْهَدْيِ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْهَدَايَا إنْ سَاقَهُ وَهُوَ مُعْتَمِرٌ أَوْ حَلَالٌ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ وَلَوْ سَاقَهُ فِي حَجٍّ فَوَقَفَ بِهِ فِي عَرَفَةَ لَمْ يَجْزِهِ أَنْ يَنْحَرَهُ إلَّا بِمِنًى فِي أَيَّامِ مِنًى قَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ هَدْيٌ
стр. 696
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَخَرَجَ مَعَهُ إلَى الْمَدِينَةِ فَمَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا فَأَقَامَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ حَتَّى إذَا خَافَ الْفَوْتَ خَرَجَ وَبَعَثَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فَقَدِمَا عَلَيْهِ ثُمَّ إنْ حُسَيْنًا أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيٌّ ﵁ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَ ثُمَّ نَسَكَ عَنْهُ بِالسُّقْيَا فَنَحَرَ عَنْهُ بَعِيرًا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ حُسَيْنٌ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ إلَى مَكَّةَ) .
ــ
[المنتقى]
وَقَفَ بِهِ فِي عَرَفَةَ فَوَجَبَ أَنْ يَنْحَرَ فِي أَيَّامِ مِنًى كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ نَحَرَهُ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ فَأَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ مَسَاكِينَ الْحِلِّ بِأَنْ يَنْقُلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ جَازَ ذَلِكَ فِيمَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا هَدْيُ جَزَاءِ الصَّيْدِ فَجَازَ أَنْ يُصْرَفَ إلَى فُقَرَاءِ الْحِلِّ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا دَفَعَ إلَيْهِمْ فِي الْحَرَمِ وَأَيْضًا فَقَدْ صَارَ بِالنَّحْرِ طَعَامًا فَبَطَلَ اخْتِصَاصُهُ بِأَهْلِ الْحَرَمِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا مَا عَدَلَ بِهِ الْهَدْيُ مِنْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّدَقَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُهُ يَقْتَضِي هَذَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ مَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا فَأَمَّا الصِّيَامُ فَلَا تَأْثِيرَ لِلْبِلَادِ وَالْمَوَاضِعِ وَالْأَزْمَانِ فِيهِ وَلِذَلِكَ مَنْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ وَفِي الصَّيْفِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي الشِّتَاءِ وَفِي كُلِّ بَلَدٍ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ نَعْرِفُهُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِ مَكَّةَ حَيْثُ شَاءَ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ صِفَةَ الْإِخْرَاجِ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى جَوَازِ الْإِخْرَاجِ بِغَيْرِ مَكَّةَ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْإِخْرَاجِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ الطَّعَامَ إلَّا فِي الْحَرَمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا الطَّعَامَ بَدَلٌ عَنْ نُسُكٍ فَجَازَ إخْرَاجُهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ كَفِدْيَةِ الْأَذَى.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُطْعِمُ الطَّعَامَ إلَّا بِمَوْضِعٍ أَصَابَ الصَّيْدَ فِيهِ وَمَا قَارَبَهُ حَيْثُ يَجِدُ الْمَسَاكِينَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يُقَوِّمَ بِسِعْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ فِيهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ بِبَلَدٍ بِسِعْرِ بَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَوْ أَرْخَصَ اشْتَرَى بِثَمَنِ الطَّعَامِ حَيْثُ يُصَابُ الصَّيْدُ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَإِنْ كَانَ بِبَلَدِ الْإِخْرَاجِ أَغْلَى أَخْرَجَ تِلْكَ الْمَكِيلَةَ وَنَحْوَهُ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يُخْرِجُ قِيمَةَ الطَّعَامِ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ حَيْثُ أَصَابَ الصَّيْدَ فَلْيَشْتَرِ بِهِ طَعَامًا كَانَ السِّعْرُ بِبَلَدِ الشِّرَاءِ أَرْخَصَ أَوْ أَغْلَى وَنَحْوُهُ رُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ مَرِيضٌ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَمَقَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَقْوَى عَلَى التَّوَجُّهِ مَعَهُ وَلِذَلِكَ لَمَّا أَيِس أَنْ يُدْرِكَ مَعَهُ الْحَجَّ وَخَافَ الْفَوَاتَ أَرْسَلَ إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ يُعْلِمُهُمَا بِحَالِهِ وَلَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمَا قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا رَجَا مِنْ صِحَّتِهِ وَقُوَّتِهِ عَلَى إكْمَالِ نُسُكِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُسَيْنٌ ﵁ تَوَقَّفَ عَلَى أَنْ يَحِلَّ لِمَا اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتَ أَوْ لِأَنَّهُ رَجَا الْقُوَّةَ عَلَى الْوُصُولِ قَبْلَ فَوَاتِ الْحَجِّ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّ الْمُحْصَرَ بِمَرَضٍ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ يَتَحَلَّلُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا عَامٌّ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا تَحَلُّلٌ لَا يُسْتَفَادُ بِهِ التَّخَلُّصُ مِنْ أَذًى فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَصْلُهُ إذَا ضَلَّ فِي طَرِيقِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَسَوَاءٌ شَرَطَ فِي إحْرَامِهِ أَنْ يَحِلَّهُ حَيْثُ حَبَسَهُ الْمَرَضُ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ شُرِطَ ذَلِكَ حَلَّ بِالْمَرَضِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَةِ بِغَيْرِ.
стр. 697
الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» )
ــ
[المنتقى]
شَرْطٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهِ بِالشَّرْطِ أَصْلُ ذَلِكَ الْكَسَلُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ فَفَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَحْلِلْ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَنْحَرُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ فِي حِلٍّ كَانَ أَوْ حَرَمٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا يَقْتَضِي بُلُوغَهُ إلَى مَكَّةَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] .
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ثُمَّ إنَّ حُسَيْنًا أَشَارَ إلَى رَأْسِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ تَأَذَّى بِشَعْرِهِ أَوْ بِهَوَامٍّ فِي رَأْسِهِ فَأَمَرَ عَلِيٌّ ﵁ بِرَأْسِهِ فَحَلَقَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لِكُلِّ مَنْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ أَنْ يَحْلِقَ وَيَفْتَدِيَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِتَفْسِيرِ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ نُسُكٌ عَنْهُ بِالسُّقْيَا وَهُوَ مَوْضِعٌ غَلَبَ عَلَيْهِ بِهِ وَأَقَامَ فِيهِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى جَائِزٌ أَنْ يَنْحَرَهَا بِكُلِّ مَوْضِعٍ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَدْيٍ فَيَكُونُ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ وَإِنَّمَا هُوَ نُسُكٌ لَا يُقَلِّدُ وَلَا يُشْعِرُ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ فَلَهُ نَحْرُهُ حَيْثُ شَاءَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا دَمٌ وَرَدَ الشَّرْعُ فِيهِ بِلَفْظِ النُّسُكِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْحَرَمِ كَالْعَقِيقَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدَّعِي أَنَّ الْبَعِيرَ الَّذِي نَحَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِلتَّحَلُّلِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ الَّذِي يُبِيحُ التَّحَلُّلَ فِي مَوْضِعِ الْمَرَضِ لَا يَرَى أَنْ يُنْحَرَ الْهَدْيُ إلَّا بِمَكَّةَ وَالشَّافِعِيُّ الَّذِي يُجِيزُ التَّحَلُّلَ بِالشَّرْطِ وَيَرَى أَنَّ مَنْ نَحَرَ الْهَدْيَ حَيْثُ يَحِلُّ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ اشْتَرَطَ التَّحَلُّلَ وَلَا عَلِمْنَا أَحَدًا عَمِلَ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالشَّرْطِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَلِمَ لَهُ هَذَا فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ اشْتَرَى مَا نَحَرَ عَنْهُ حَيْثُ نَحَرَهُ رَوَى ذَلِكَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَلَمْ يُقَلِّدْهُ وَلَا أَشْعَرَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَدْيًا سَاقَهُ وَإِنَّمَا كَانَ دَمَ فِدْيَةِ الْأَذَى وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ إخْرَاجَ الْأَفْضَلِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ الشَّاةُ وَمَنْ أَخْرَجَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَجْزَأَتْهُ بَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَكَانَ حُسَيْنٌ قَدْ خَرَجَ مَعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ خَرَجَ مَعَهُ فِي تَوَجُّهِهِ لِلْحَجِّ.
وَقَدْ رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَرِضَ حُسَيْنٌ بِالْعَرَجِ فَتَحَامَلَ فَلَمَّا بَلَغَ السُّقْيَا اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ فَمَضَى عُثْمَانُ وَبَقِيَ هُوَ بِالسُّقْيَا.
[الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» يُرِيدُ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بَعْضُهَا بِهَذَا الْحُكْمِ دُونَ بَعْضٍ وَأَنَّ مَنْ وَقَفَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهَا فَقَدْ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِئَلَّا يَتَضَايَقَ النَّاسُ بِمَوْضِعِ وُقُوفِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تُهْلِكُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى هَذَا الْمَكَانِ فَإِنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ فَهَذَا فِي الْجَوَازِ وَإِنْ كُنَّا نَسْتَحِبُّ الْوُقُوفَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَمَا يَقْرَبُ مِنْهُ تَبَرُّكًا بِالنَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَحَيْثُ يَقِفُ الْإِمَامُ أَفْضَلُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَيْسَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ ذَلِكَ فَضْلٌ إذَا وَقَفَ مَعَ النَّاسِ وَمَنْ تَأَخَّرَ عَنْ النَّاسِ فَوَقَفَ دُونَهُمْ أَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا ارْتَفَعَ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ.
стр. 698
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قَالَ: فَالرَّفَثُ إصَابَةُ النِّسَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] قَالَ: وَالْفُسُوقُ الذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللَّهُ ﵎ أَوْ ﴿فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] قَالَ: وَالْجِدَالُ فِي الْحَجِّ أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَقِفُ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِقُزَحٍ وَكَانَتْ الْعَرَبُ وَغَيْرُهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ فَكَانُوا يَتَجَادَلُونَ يَقُولُ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَصْوَبُ وَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: نَحْنُ أَصْوَبُ فَقَالَ اللَّهُ ﵎ ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلا يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧] فَهَذَا الْجِدَالُ فِي الْحَجِّ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﷺ «ارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ عُرَنَةُ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ عَرَفَةَ فَيَكُونُ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً مِمَّا عَمَّمَهُ بِقَوْلِهِ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» فَكَأَنَّهُ قَالَ ﷺ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ هَذَا وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ لَمْ يَمُدَّ عَرَفَةَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ عُرَنَةَ وَاقْتَصَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَوْقِفُ يَخْتَصُّ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ احْتَاجَ إلَى اسْتِثْنَائِهَا كَمَا لَمْ يَسْتَثْنِ مَا لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عُرَنَةَ لَيْسَتْ مِنْ عَرَفَةَ وَلَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُهَا فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» عَلَى مَعْنَى قَصْرِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى عَرَفَةَ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا وَلِذَلِكَ قَالَ ارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ عَرَفَةَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: بَطْنُ عُرَنَةَ هُوَ وَادٍ فِي عَرَفَةَ يُقَالُ إنَّ حَائِطَ مَسْجِدِ عَرَفَةَ الْقِبْلِيَّ عَلَى حَدِّهِ لَوْ سَقَطَ مَا سَقَطَ إلَّا فِيهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ عَرَفَةَ فِي الْحِلِّ وَعُرَنَةُ فِي الْحَرَمِ وَبَطْنُ عُرَنَةَ الَّذِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالِارْتِفَاعِ عَنْهُ هُوَ بَطْنُ الْوَادِي الَّذِي فِيهِ مَسْجِدُ عَرَفَةَ قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ وَقَفَ بِالْمَسْجِدِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ وَلَكِنَّ الْفَضْلَ بِقُرْبِ الْإِمَامِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ الْوُقُوفُ لَهُ بِحَسَنٍ وَقَدْ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الْجَلَّابِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْوُقُوفُ بِبَطْنِ عُرَنَةَ قِيلَ: فَإِنْ فَعَلَ حَتَّى دَفَعَ قَالَ: لَا أَدْرَى وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ أَصْبَغُ: لَا حَجَّ لَهُ وَرَآهُ مِنْ بَطْنِ عُرَنَةَ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَقِفَ عَلَى جِبَالِ عَرَفَةَ وَلَكِنْ مَعَ النَّاسِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ» عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ مِنْ التَّأْوِيلِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» .
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: كَانَ النَّاسُ يَسْتَحِبُّونَ الْوُقُوفَ عَلَى الْجَبَلِ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَيَقِفُ الْإِمَامُ حَيْثُ الْمَنَارَةُ الَّتِي عَلَى قُزَحٍ وَالْمَشْعَرِ مَا بَيْنَ جَبَلَيْ الْمُزْدَلِفَةِ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا جَمْعٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ مَوْقِفٌ قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: مَا صُبَّ مِنْ مُحَسِّرٍ فِي الْمُزْدَلِفَةِ فَهُوَ مِنْهَا وَمَا صُبَّ مِنْهُ فِي مِنًى فَهُوَ مِنْهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: يُسْتَحَبُّ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ مَعَ الْإِمَامِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا لَا يَقِفُ بِالْمَشْعَرِ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ مَنْ بَاتَ بِهَا أَوْ وَقَفَ مَعَهُ وَأَمَّا مَنْ أَتَى بَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيَقِفْ مَا لَمْ يُسْفِرْ جِدًّا وَإِنْ دَفَعَ الْإِمَامَ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ وَالْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ مُحَسِّرٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ اعْلَمُوا أَنَّ عَرَفَةَ كُلَّهَا مَوْقِفٌ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ فِي تَعْلِيمِ هَذَا الْحُكْمِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي تَبْيِينِهِ وَقَوْلُهُ إلَّا بَطْنَ عُرَنَةَ أَظْهَرُ فِي أَحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ عُرَنَةُ مِنْ عَرَفَةَ وَمُحَسِّرٌ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَاهُمَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَبَاحَ بِهِ الْوُقُوفَ لَهُ مِنْ عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَتَكُونُ عُرَنَةُ مِنْ غَيْرِ عَرَفَةَ وَمُحَسِّرٌ لَيْسَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّ بَطْنَ عُرَنَةَ عَلَى قُرْبِهِ مِنْ عَرَفَةَ لَا يَجُوزُ الْوُقُوفُ بِهِ تَحْدِيدًا لِمَكَانِ الْوُقُوفِ وَتَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يَجْرِيَ أَحَدٌ مَا قَرُبَ مِنْ عَرَفَةَ مَجْرَى عَرَفَةَ.
стр. 699
سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) .
وُقُوفُ الرَّجُلِ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَوُقُوفُهُ عَلَى دَابَّتِهِ (ص) : (قَالَ يَحْيَى سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَقِفُ أَحَدٌ بِعَرَفَةَ أَوْ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ فَقَالَ: كُلُّ أَمْرٍ تَصْنَعُهُ الْحَائِضُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَالرَّجُلُ يَصْنَعُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ ثُمَّ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ وَلَكِنَّ الْفَضْلَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ طَاهِرًا وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَأَمَّا الرَّفَثُ فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إصَابَةُ النِّسَاءِ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْجِمَاعَ.
وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ بِآيَةِ الصَّوْمِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الرَّفَثَ فِي آيَةِ الصَّوْمِ إصَابَةُ النِّسَاءِ وَأَمَّا فِي آيَةِ الْحَجِّ فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ الْجِمَاعُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ هُوَ الْجِمَاعُ وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ وَرَوَى طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الرَّفَثَ فِي آيَةِ الْحَجِّ الْإِغْرَاءُ بِهِ وَهُوَ التَّعْرِيضُ لِلنِّسَاءِ بِالْجِمَاعِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْفُسُوقُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ الذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: الْفُسُوقُ السِّبَابُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْفُسُوقُ الْمَعَاصِي وَقَدْ قَالَ رَبِيعَةُ: الْفُسُوقُ قَوْلُ الزُّورِ وَإِنَّمَا قَصَدَ مَالِكٌ ﵀ إلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ لَفْظُ الْفُسُوقِ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ وَالْحَجُّ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ الذَّبْحُ وَإِرَاقَةُ الدِّمَاء فَخُصَّ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ نَهَى عَنْ الْمَعَاصِي جُمْلَةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَلَا يَمْتَنِعُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْفُسُوقُ فِي الْآيَةِ كُلَّ مَا يَفْسُقُ بِهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالذَّبْحُ لِلْأَنْصَابِ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا الْجِدَالُ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ الْجِدَالُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ: الْجِدَالُ الْمِرَاءُ زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ تُمَارِي صَاحِبَك حَتَّى تُغْضِبَهُ.
وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْحَجُّ الْيَوْمَ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: الْحَجُّ غَدًا وَإِنَّمَا ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى تَخْصِيصِ الِاخْتِلَافِ بِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ غَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْجِدَالِ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْجِدَالِ فِي أَمْرِ الْحَجِّ خَاصَّةً وَلَا يَمْتَنِعُ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ الرَّفَثُ الْجِمَاعَ وَكُلَّ قَبِيحٍ مِنْ الْكَلَامِ وَالْفُسُوقُ كُلَّ مَعْصِيَةٍ وَالْجِدَالُ كُلَّ مِرَاءٍ مَمْنُوعٍ مِنْهُ فَهَذَا كُلُّهُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا فِي غَيْرِ الْحَجِّ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَمْرُهُ فِي الْحَجِّ.
[وُقُوفُ الرَّجُلِ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَوُقُوفُهُ عَلَى دَابَّتِهِ]
(ش) : قَوْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ تَفْعَلُهُ الْحَائِضُ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ فَالرَّجُلُ يَفْعَلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ كَلَامٌ بَيِّنٌ لِأَنَّ الْحَائِضَ مُحْدِثَةٌ حَدَثًا أَكْبَرَ فَإِذَا جَازَ لَهَا أَنْ تَفْعَلَ سَائِرَ الْمَنَاسِكِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ وَالْجُنُبَ يَفْعَلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّ مَا يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ فِي صِحَّتِهِ لَا تَفْعَلُهُ الْحَائِضُ مِنْ الطَّوَافِ وَأَمَّا مَا لَا يُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ فِي صِحَّتِهِ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ أَوْ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَفِعْلُ الْحَائِضِ لَهُ وَإِجْزَاؤُهُ عَنْهَا مَعَ حَدَثِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْدِثَ وَالْجُنُبَ يَصِحُّ مِنْهُمَا فِعْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَالرَّجُلُ يَفْعَلُهُ وَهُوَ غَيْرُ طَاهِرٍ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقَعُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَيَقَعُ عَلَى الْجُنُبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَهُمَا أَوْ يُرِيدَ أَحَدَهُمَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ لَا قَضَاءَ وَلَا جُبْرَانَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ مِنْ حَفَزَهُ غَائِطٌ أَوْ بَوْلٌ فِي السَّعْيِ فَلْيَقْضِ حَاجَتَهُ وَيَتَوَضَّأ ثُمَّ يُتِمَّ سَعْيَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ أَحْدَثَ فِي سَعْيِهِ فَتَمَادَى فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ لَوْ تَوَضَّأَ وَتَمَّمَ سَعْيَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إنْ حَاضَتْ امْرَأَةٌ بَعْدَ الرُّكُوعِ سَعَتْ وَأَجْزَأَهَا وَبِالْجُمْلَةِ أَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْحَجِّ يَفْعَلُهَا غَيْرُ الطَّاهِرِ مَا خَلَا الطَّوَافَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ قَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى الرَّسُولِ
стр. 700
(ص) : (قَالَ يَحْيَى: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِلرَّاكِبِ أَيَنْزِلُ أَمْ يَقِفُ رَاكِبًا؟ فَقَالَ: بَلْ يَقِفُ رَاكِبًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ عِلَّةٌ فَاَللَّهُ أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ) .
وُقُوفُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِعَرَفَةَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ) .
ــ
[المنتقى]
ﷺ فَقَالَ: افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْفَضْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ طَاهِرًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يُرِيدُ أَنَّهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ مِمَّا شُرِّعَتْ فِيهِ الطَّهَارَةُ اسْتِحْبَابًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاسْتَحَبَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّطْهِيرَ لِلسَّعْيِ وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ وَلِوُقُوفِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْغُسْلُ إنَّمَا هُوَ غُسْلٌ لِلتَّنْظِيفِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَغُسْلِ دُخُولِ مَكَّةَ وَلَكِنَّهُ يَقْوَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مَشْرُوعَةٌ لِهَذِهِ الْمَنَاسِكِ مَعَ نَظَافَةِ الْأَعْضَاءِ فَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ ذَلِكَ أَيْ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الْوُقُوفَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
(ش) : قَوْلُهُ بَلْ يَقِفُ رَاكِبًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ لِلْوُقُوفِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا «رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى بَعِيرِهِ» وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: طَلَبُ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِظْهَارِ عَلَى الدُّعَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْإِنْفَاقَ مَشْرُوعٌ فِي الْحَجِّ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ وَقَطْعُ السَّفَرِ كَالْجِهَادِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ عِلَّةٌ فَاَللَّهُ أَعْذَرُ بِالْعُذْرِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ لِصَاحِبِ الرَّاحِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوُقُوفِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ عَاقَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ كَانَ الْعُذْرُ بِهِ أَوْ بِدَابَّتِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي تَرْكِهِ الْمُسْتَحَبِّ وَاقْتِصَارِهِ عَلَى الْأَدْوَنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ وَقَفَ غَيْرَ رَاكِبٍ فَلْيَكُنْ وُقُوفُهُ لِلدُّعَاءِ قَائِمًا فَإِذَا عَيِيَ فَلْيَجْلِسْ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَاشِي يَقِفُ قَائِمًا أَوْ جَالِسًا كُلٌّ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ وَالرَّغْبَةِ وَالْخُضُوعِ وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَتِلْكَ الْحَالُ أَبْلَغُ حَالَاتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِذَا ذَهَبْت دَعَوْت فَاسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ بِالْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ وَالتَّذَلُّلِ وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّعْظِيمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ لِنَفْسِك وَلِوَالِدَيْك وَالِاسْتِغْفَارِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَرَاهُ ذَهَبَ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» .
[وُقُوفُ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِعَرَفَةَ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا يُدْرِكُ بِهِ الْوُقُوفَ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ الْوُقُوفُ قَبْلَهُ وَيُجْتَزَأُ بِهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقْصِدَ تَبْيِينَ زَمَانِ الْوُقُوفِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنْ لَمْ يَقِفْ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ بِعَرَفَةَ فَلَا وُقُوفَ لَهُ وَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِزَمَانٍ لِفَرْضِ الْوُقُوفِ وَإِنْ كَانَ زَمَانًا لِنَافِلَتِهِ وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْأَظْهَرُ فِي اللَّفْظِ لِتَعْلِيقِهِ الْحُكْمَ عَلَى اللَّيْلَةِ.
وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْوُقُوفَ لَا يُجْزِئُ بِالنَّهَارِ وَلَا بُدَّ مِنْ الْوُقُوفِ بِاللَّيْلِ وَالْأَفْضَلُ عِنْدَهُ أَنْ يَقِفَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْوُقُوفِ بِالنَّهَارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ وَقْتِ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى الْغُرُوبِ وَالْوُقُوفُ بِاللَّيْلِ تَبَعٌ فَمَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ.
стр. 701
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُعْتَقُ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَتَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَقْضِيهَا) .
ــ
[المنتقى]
النَّهَارِ أَجْزَأَهُ وَمَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ مَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَمَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ» وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا فِي الْحَجِّ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَنْ يَصِحُّ صَوْمُهُ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْوُقُوفِ أَصْلُ ذَلِكَ أَوَّلُ النَّهَارِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَحَبُّ مِنْ الْوُقُوفِ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَثَرِ الزَّوَالِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ يَتَّصِلَ بِذَلِكَ الرَّوَاحُ إلَى الْمَوْقِفِ فَيَتَّصِلُ وُقُوفُهُ بِهِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ فَإِنَّ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَتَرَكَ الْوُقُوفَ نَهَارًا مُخْتَارًا فَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِم عَلَيْهِ الدَّمُ وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِانْفِرَادِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّ حَجَّهُ قَدْ وَقَعَ نَفْلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ مِنْهُ حَجُّ الْفَرْضِ فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ حَجُّهُ عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفْلِ فَإِنْ أُعْتِقَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا فَإِنَّ حَجَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ فَرْضِهِ لِأَنَّ حَجَّهُ انْعَقَدَ نَفْلًا فَلَا يَنْقَلِبُ إلَى الْفَرْضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ انْعَقَدَتْ نَفْلًا فَإِنَّهَا لَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَبَقِيَ حَلَالًا حَتَّى أُعْتِقَ فَأَدْرَكَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَإِنَّ حَجَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَهُوَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْفَرْضُ وَيَلْزَمُهُ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَإِنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ نَفْلًا فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ إذَا لَزِمَهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ أَحْرَمَ الْمُعْتَقُ بِعَرَفَةَ فَمَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَالَ مَالِكٌ: يُلَبِّي حِينَ إحْرَامِهِ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُحْرِمْ بَعْدَ عِتْقِهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَا يَخْلُو أَنْ لَا يُحْرِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يُحْرِمُ فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا بِقَوْلِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ وَهُوَ الصَّوَابُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهِ إذَا طَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَكَانَ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى عَرَفَةَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَجٍّ مُتَيَقَّنٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَتَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَقْضِيهَا يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ أَوْ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لَا يَقْضِيهَا عَنْهُ وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 702
تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ) .
ــ
[المنتقى]
[تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى السُّنَّةُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ وَتَفْسِيرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْفَرْضُ مِنْ الْمَبِيتِ بِمِنًى النُّزُولُ فِيهَا وَالْمَقَامُ مِقْدَارَ مَا يَرَى أَنَّهُ مَقَامٌ فَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ النُّزُولِ بِهَا مَانِعٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَهُوَ بَدَنَةٌ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوَّلًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا لِمَنْ جَاءَهَا لَيْلًا فَأَمَّا مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَعَفَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَنَزَلَ بِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقْتًا لِلنُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ كَانَ النُّزُولُ عَرَى عَنْ الْمَبِيتِ بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ:.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ إلَّا الدَّمُ لَمْ يَقْوَ قُوَّةَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيَجِبُ بِتَرْكِ تَوَابِعِهِ الدَّمُ وَمَنْ أَتَى بَعْدَ الْفَجْرِ فَنَزَلَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَبِيتِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ وَتَرَكَ الْأَفْضَلَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِمِنًى يَقْتَضِي أَنَّ التَّقَدُّمَ كَانَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمِقْدَارِ مَا يَأْتُونَ مِنًى لِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَجِبُ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَهُمْ بِهَا وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ لِلضَّعْفِ عَنْ زَحْمَةِ النَّاسِ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الرِّفْقَ بِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَمَّا كَانَ التَّعْرِيسُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا فَضِيلَةُ الْوُقُوفِ مَعَ الْإِمَامِ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِضَعْفِهِمْ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ.
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ مَوْلَاةً لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ قَالَتْ: فَقُلْت لَهَا: لَقَدْ جِئْت مِنًى بِغَلَسٍ فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك» ) .
(ش) : قَوْلُهَا جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ» وَإِنْكَارُ الْأَمَةِ عَلَيْهَا إتْيَانَهَا مِنًى بِغَلَسٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّ السُّنَّةَ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ إلَى الْأَسْفَارِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا مُخَالَفَتَهَا جَمَاعَةَ الْحَاجِّ فِي ذَلِكَ فَأَعْلَمَتْهَا أَسْمَاءُ مَا عِنْدَهَا فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ وَالضَّعَفَةَ قَدْ أُرْخِصَ لَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ رِفْقًا بِهِنَّ فَقَالَتْ: كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ الزُّبَيْرَ ﵁.
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى) ش قَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَ التَّقْدِيمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَيُصَلُّوا بِمِنًى عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُمْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ إلَّا أَنَّ الرِّفْقَ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي تَقْدِيمِهِمْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ أَخْلَى لَهُمْ وَأَمْكَنُ مِنْ أَنْ يُصَلُّوا مِنًى وَيَرْمُوا وَيَنْزِلُوا قَبْلَ تَضَايُقِ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ سَمِعَ
стр. 703
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا وَلِأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُصَلِّي لَهُمْ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إلَى مِنًى وَتَقِفُ) .
السَّيْرُ فِي الدَّفْعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ) .
ــ
[المنتقى]
بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ هَذِهِ كَرَاهَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ وَنَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ وَلِذَلِكَ وُصِفَتْ الْأَيَّامُ بِالرَّمْيِ دُونَ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَوُصِفَتْ الْأَيَّامُ بِأَنَّهَا مَعْدُودَاتٌ لِلْجِمَارِ الْمَعْدُودَاتِ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ بِاللَّيْلِ فَمَنْ رَمَى لَيْلًا أَعَادَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ مَنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ «عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَرْمِيهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَيَقُولُ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَالنِّصْفِ الْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الذَّبْحُ فَجَازَ فِيهِ الرَّمْيُ كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ وَأَنَّ النَّحْرَ إنَّمَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحُلُولَ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ قَدْ حَلَّ وَقْتُ ذَبْحِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ إبَاحَةً عَارِيَّةً مِنْ الْكَرَاهِيَةِ سَالِمَةً مِنْ التَّقْدِيمِ عَلَى مَا هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّمْيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الذَّبْحِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا» .
(ش) : قَوْلُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا وَلِأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ اتَّخَذَتْ إمَامًا يُصَلِّي بِهَا إذْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ مِنْ أَحَدٍ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا النُّهُوضُ إلَى الْمَوْقِفِ إمَّا لِضَعْفِهَا أَوْ لِمَا كَانَ أَصَابَهَا مِنْ الْعَمَى فَاِتَّخَذَتْ مِمَّنْ كَانَ يَكُونُ مَعَهَا مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فَتُدْرِكُ بِذَلِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهُمْ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَدِّمُ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ لِمَنْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ وَلَا يَضِيقُ وَقْتُ الْوُقُوفِ عَمَّا يُرِيدُونَهُ مِنْ طُولِ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تُقَدِّمُ الصَّلَاةَ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُمْكِنَهَا التَّقَدُّمُ إلَى مِنًى وَيُمْكِنُهَا الرَّمْيُ فِي خَلْوَةٍ قَبْلَ التَّضَايُقِ وَالتَّزَاحُمِ الَّذِي تَكْرَهُهُ وَلِمَا كَانَ يَمْنَعُ مَا تُرِيدُ مِنْ التَّسَتُّرِ فَكَانَتْ تُقَدِّمُ بِذَلِكَ الدَّفْعَ إلَى مِنًى وَتَرْكَ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا كَانَ قَدْ بَاتَ بِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[السَّيْرُ فِي الدَّفْعَةِ]
(ش) : سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ سَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَفَعَ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الدَّفْعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَّا أَنَّ اخْتِصَاصَ أُسَامَةَ بِوَقْتِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ.
стр. 704
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ) .
ــ
[المنتقى]
دَفَعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ شَاهَدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ عَنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ الْإِخْبَارُ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ خَاصَّةً وَأَخْبَرَ فِي غَيْرِهِ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَسُؤَالُ السَّائِلِ وَحِفْظُ أُسَامَةَ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى اهْتِبَالِ النَّاسِ بِأَمْرِ الْحَجِّ وَحِفْظِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَلَغُوا إلَى حِفْظِ صِفَةِ مَشْيِهِ وَإِسْرَاعِهِ حَيْثُ أَسْرَعَ وَأَيْضًا عَنْهُ حَيْثُ أَوْضَعَ وَمَنَازِلَهُ وَمَنَاقِلَ أَحْوَالِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ» يُرِيدُ ضَرْبًا مِنْ السَّيْرِ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَحَرُّزًا مِنْ أَذَاهُمْ وَلِيَقْتَدُوا بِهِ فِي رِفْقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَحْتَرِزُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَذَى بَعْضٍ وَهَذَا مَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ وَزِحَامِهِمْ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً وَهِيَ الْفُرْجَةُ مِنْ الْأَرْضِ يُرِيدُ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ نَصَّ يُرِيدُ أَنَّهُ أَسْرَعَ فِي السَّيْرِ لِأَنَّ النَّصَّ أَرْفَعُ مِنْ السَّيْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ سُنَّةَ الْمَشْيِ فِي الدَّفْعِ الْإِسْرَاعُ وَإِنَّمَا يَمْسِكُ عَنْ بَعْضِهِ لِمَانِعٍ مِنْ زِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ» رَوَى ذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةَ جَمَعَ النَّاسَ حِينَ دَفَعُوا: عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ كَافٍ نَاقَتَهُ» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ بِالزَّجْرِ وَالْإِيضَاعِ فَأَمَّا الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وَفِي هَذَا بَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي تَبْيِينِ وَقْتِ الْوُقُوفِ.
وَالثَّانِي:
فِي بَيَانِ وَقْتِ الدَّفْعِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ وَقْتِ الْوُقُوفِ] ١
فَأَمَّا بَيَانُ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَإِنَّ الْبَائِتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمَا صَلَاتَانِ يُحَوِّلَانِ عَنْ وَقْتَيْهِمَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُعَجِّلُ صَلَاةَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِهَا فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَحُولُ الْبِنَاءُ بَيْنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الْمُرْتَقِبِ لَهُ حَتَّى يَرْتَفِعَ وَالثَّانِي لِمَا يُرَادُ مِنْ تَعْجِيلِ الْوُقُوفِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَآخِرُ وَقْتِ الْوُقُوفِ إذَا أَسْفَرَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرَفَ ثَبِيرُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ وَقْتِ الدَّفْعِ] ١
وَأَمَّا وَقْتُ الدَّفْعِ فَهُوَ عِنْدَ الْإِسْفَارِ الْمَذْكُورِ مُتَّصِلًا بِالْوُقُوفِ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ دَفَعَ قَبْلَهُ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَأَخَّرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْوُقُوفَ بِجَمْعٍ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنِّي لَأُرَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَدَفَعَ ابْنُ عُمَرَ وَدَفَعَ النَّاسُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ)
وَلَا يَدْفَعُ أَحَدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ النَّحْرِ مَسْنُونٌ فَلَا يَدْفَعُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَالْإِمَامُ مُقْتَدَى بِهِ فَلَا يَدْفَعُ قَبْلَهُ وَهَذَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَالِ فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ تَدْعُو إلَى تَرْكِ الْوُقُوفِ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ هُوَ بَطْنُ وَادٍ قُرْبَ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ نَاقَتَهُ فِيهِ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ وَهُوَ قَدْرُ بَطْنِ الْوَادِي.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْكُضُ
стр. 705
مَا جَاءَ فِي النَّحْرِ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِمِنًى: هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ يَعْنِي الْمَرْوَةَ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
الْحَاجُّ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَسْعَى الْمَاشِي فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ كَنَحْوِ مَا يُحَرِّكُ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ.
[مَا جَاءَ فِي النَّحْرِ فِي الْحَجِّ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مَنْحَرٌ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى مَوْضِعِ نَحْرِهِ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ فَضِيلَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْحَرُ فِيهِ وَيَقْصِدُهُ وَيُسَابِقُ إلَيْهِ وَمَنْحَرُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ» يُرِيدُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَخْصُوصًا بِالْفَضِيلَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَحْرِهِ ﷺ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا فَإِنَّ جَمِيعَ مِنًى مَنْحَرٌ أَيْضًا لِيُجْزِئَ النَّحْرُ بِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ هَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ النَّحْرِ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ بِمِنًى مُخْتَصٌّ بِالنَّحْرِ عَلَى ثَلَاثِ صِفَاتٍ إنْ عُدِمَتْ مِنْهَا صِفَةٌ لَمْ يَجُزْ النَّحْرُ بِمِنًى إحْدَاهُمَا أَنْ يُوقَفَ بِالْهَدْيِ بِعَرَفَةَ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي حَجٍّ فَمَتَى اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَمْ يَجُزْ النَّحْرُ بِغَيْرِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَوْ نَحَرَ الْهَدْيَ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلًّا وَقَدْ «نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ فِي الْحَجِّ بِمِنًى وَلَمْ يَنْحَرْ بِغَيْرِهَا» فَثَبَتَ أَنَّهَا الْمَنْحَرُ فِي الْحَجِّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ مَكَّةَ الْأَصْلُ فِي النَّحْرِ غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَدْيِ الْحَاجِّ أَنْ يَكُونَ بِمِنًى لِأَنَّهُ إذَا نَحَرَهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ بِمَكَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ إلَّا مَا خَلْفَ الْعَقَبَةِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مِنًى إنَّمَا هُوَ مَا دُونَ الْعَقَبَةِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى مِنًى وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَبِيتُ بِمِنًى دُونَ الْعَقَبَةِ لَيَالِي التَّشْرِيقِ فَكُلُّ حُكْمٍ يَخْتَصُّ بِمِنًى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا دُونَ الْعَقَبَةِ كَالْمَبِيتِ وَالنَّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ: هَذَا الْمَنْحَرُ يَعْنِي الْمَرْوَةَ» خَصَّ الْمَرْوَةَ بِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا وَلَا لِهَدْيِهَا بِمِنًى فَأَشَارَ إلَى الْمَرْوَةِ.
وَقَالَ: «هَذَا الْمَنْحَرُ» عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» يَعْنِي أَنَّ الْعُمْرَةَ وَإِنْ اخْتَصَّتْ بِفَضِيلَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ سَائِرَ طُرُقِهَا وَمَوَاضِعِهَا يَجْزِي النَّحْرُ فِيهَا فَكُلُّ مَا لَا يَصِحُّ نَحْرُهُ بِمِنًى لِعَدَمِ صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنَّهُ لَا يَنْحَرُ إلَّا بِمَكَّةَ لِأَنَّهُ لَا مَنْحَرَ لِلْهَدْيِ غَيْرَ مِنًى وَمَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «الْمَنْحَرُ بِمَكَّةَ» مَكَّةُ نَفْسُهَا وَمَا يَلِي بُيُوتَهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ قَالَهُ مَالِكٌ وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْمَنْحَرِ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى فَقَالَ: مَنْ نَحَرَ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ: وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَنْحَرَهُ عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْمَدَنِيِّينَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُهُ بِذِي طُوًى وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَكَّةَ وَلَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀:.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا لَهُ حُكْمُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ مَنْحَرٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ بِمَنْحَرٍ وَحَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ ﷺ «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْفِجَاجِ مَا دَاخِلَ الْقَرْيَةِ وَأَنَّ اسْمَ مَكَّةَ دَاخِلٌ مُخْتَصٌّ بِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِذِي طُوًى حُكْمُهَا مَعَ كَوْنِهَا رَبَضًا مُتَّصِلًا بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ بِهَا مِنْ
следующие страницы →