Полный текст (2 236 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ يُعْتَقُ فِي الْمَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ عَنْهُ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ إذَا لَمْ يُدْرِكْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَتَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَقْضِيهَا) .
ــ
[المنتقى]
النَّهَارِ أَجْزَأَهُ وَمَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَيَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إنَّ مَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَمَنْ وَقَفَ جُزْءًا مِنْ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حِينَ غَابَ الْقُرْصُ» وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا فِي الْحَجِّ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَنْ يَصِحُّ صَوْمُهُ فَلَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِفَرْضِ الْوُقُوفِ أَصْلُ ذَلِكَ أَوَّلُ النَّهَارِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْمُسْتَحَبُّ مِنْ الْوُقُوفِ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَثَرِ الزَّوَالِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ثُمَّ يَتَّصِلَ بِذَلِكَ الرَّوَاحُ إلَى الْمَوْقِفِ فَيَتَّصِلُ وُقُوفُهُ بِهِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ دَفَعَ وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ فَإِنَّ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ عَرَفَةَ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ خَرَجَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ وَالْهَدْيُ وَمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا وَتَرَكَ الْوُقُوفَ نَهَارًا مُخْتَارًا فَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِم عَلَيْهِ الدَّمُ وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ بِانْفِرَادِهِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّ حَجَّهُ قَدْ وَقَعَ نَفْلًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَصِحُّ مِنْهُ حَجُّ الْفَرْضِ فِي حَالِ رِقِّهِ فَإِنَّمَا يَتِمُّ حَجُّهُ عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفْلِ فَإِنْ أُعْتِقَ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ أَوْ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا فَإِنَّ حَجَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ فَرْضِهِ لِأَنَّ حَجَّهُ انْعَقَدَ نَفْلًا فَلَا يَنْقَلِبُ إلَى الْفَرْضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ انْعَقَدَتْ نَفْلًا فَإِنَّهَا لَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَمْ يُحْرِمْ فَيُحْرِمُ بَعْدَ أَنْ يُعْتَقَ ثُمَّ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَبَقِيَ حَلَالًا حَتَّى أُعْتِقَ فَأَدْرَكَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَيَقِفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَإِنَّ حَجَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ لِأَنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَهُوَ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْفَرْضُ وَيَلْزَمُهُ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ فَإِنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ نَفْلًا فَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ إذَا لَزِمَهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ أَحْرَمَ الْمُعْتَقُ بِعَرَفَةَ فَمَتَى يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ قَالَ مَالِكٌ: يُلَبِّي حِينَ إحْرَامِهِ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُحْرِمْ بَعْدَ عِتْقِهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَلَا يَخْلُو أَنْ لَا يُحْرِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يُحْرِمُ فَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ هَذَا بِقَوْلِهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ وَهُوَ الصَّوَابُ إلَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهِ إذَا طَلَعَ لَهُ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَكَانَ فِي وَقْتٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ أَحْرَمَ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى عَرَفَةَ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَجٍّ مُتَيَقَّنٍ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَتَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَقْضِيهَا يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ أَوْ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ قَبْلَ الْعِتْقِ أَوْ أَحْرَمَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَإِنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لَا يَقْضِيهَا عَنْهُ وَلَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
стр. 702
تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِمِنًى وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ) .
ــ
[المنتقى]
[تَقْدِيمُ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى السُّنَّةُ الْمَبِيتُ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفُ بِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ وَتَفْسِيرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْفَرْضُ مِنْ الْمَبِيتِ بِمِنًى النُّزُولُ فِيهَا وَالْمَقَامُ مِقْدَارَ مَا يَرَى أَنَّهُ مَقَامٌ فَمَنْ مَنَعَهُ مِنْ النُّزُولِ بِهَا مَانِعٌ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَهُوَ بَدَنَةٌ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ وَإِنْ نَزَلَ بِهَا ثُمَّ ارْتَحَلَ عَنْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَوَّلًا عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُجْزِئُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَهَذَا لِمَنْ جَاءَهَا لَيْلًا فَأَمَّا مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ الْفَجْرِ فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ كَانَ مِنْ ضَعَفَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَاءَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَنَزَلَ بِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَجَعَلَ مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقْتًا لِلنُّزُولِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ كَانَ النُّزُولُ عَرَى عَنْ الْمَبِيتِ بِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ:.
وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْوُقُوفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَلَمْ يَجِبْ بِتَرْكِهِ إلَّا الدَّمُ لَمْ يَقْوَ قُوَّةَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَيَجِبُ بِتَرْكِ تَوَابِعِهِ الدَّمُ وَمَنْ أَتَى بَعْدَ الْفَجْرِ فَنَزَلَ أَجْزَأَهُ عَنْ الْمَبِيتِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ وَتَرَكَ الْأَفْضَلَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ أَهْلَهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ بِمِنًى يَقْتَضِي أَنَّ التَّقَدُّمَ كَانَ قَبْلَ الصُّبْحِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِمِقْدَارِ مَا يَأْتُونَ مِنًى لِصَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ فَتَجِبُ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَهُمْ بِهَا وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ لِلضَّعْفِ عَنْ زَحْمَةِ النَّاسِ فَأَرَادَ بِذَلِكَ الرِّفْقَ بِهِمْ عَلَى حَسَبِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَمَّا كَانَ التَّعْرِيسُ الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ قَدْ وُجِدَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا فَضِيلَةُ الْوُقُوفِ مَعَ الْإِمَامِ فَرَخَّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِضَعْفِهِمْ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَيَرْمُوا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ النَّاسُ.
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ «عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّ مَوْلَاةً لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ قَالَتْ: فَقُلْت لَهَا: لَقَدْ جِئْت مِنًى بِغَلَسٍ فَقَالَتْ: قَدْ كُنَّا نَصْنَعُ ذَلِكَ مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك» ) .
(ش) : قَوْلُهَا جِئْتُ مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِنًى بِغَلَسٍ يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَلِذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ» وَإِنْكَارُ الْأَمَةِ عَلَيْهَا إتْيَانَهَا مِنًى بِغَلَسٍ لِمَا عَلِمْت أَنَّ السُّنَّةَ الْوُقُوفُ بِالْمُزْدَلِفَةِ إلَى الْأَسْفَارِ فَأَنْكَرَتْ عَلَيْهَا مُخَالَفَتَهَا جَمَاعَةَ الْحَاجِّ فِي ذَلِكَ فَأَعْلَمَتْهَا أَسْمَاءُ مَا عِنْدَهَا فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ النِّسَاءَ وَالضَّعَفَةَ قَدْ أُرْخِصَ لَهُمْ فِي التَّقَدُّمِ رِفْقًا بِهِنَّ فَقَالَتْ: كُنَّا نَصْنَعُ هَذَا مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ مَنْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْخُلَفَاءِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بِذَلِكَ الزُّبَيْرَ ﵁.
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى) ش قَوْلُهُ كَانَ يُقَدِّمُ نِسَاءَهُ وَصِبْيَانَهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ لَمْ يُبَيِّنْ وَقْتَ التَّقْدِيمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُمْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَيُصَلُّوا بِمِنًى عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَدَّمَهُمْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ إلَّا أَنَّ الرِّفْقَ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي تَقْدِيمِهِمْ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ أَخْلَى لَهُمْ وَأَمْكَنُ مِنْ أَنْ يُصَلُّوا مِنًى وَيَرْمُوا وَيَنْزِلُوا قَبْلَ تَضَايُقِ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ سَمِعَ
стр. 703
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْمُنْذِرِ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ بِالْمُزْدَلِفَةِ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا وَلِأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُصَلِّي لَهُمْ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ثُمَّ تَرْكَبُ فَتَسِيرُ إلَى مِنًى وَتَقِفُ) .
السَّيْرُ فِي الدَّفْعَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِسٌ مَعَهُ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ) .
ــ
[المنتقى]
بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَكْرَهُ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ هَذِهِ كَرَاهَةٌ عَلَى وَجْهِ الْمَنْعِ وَنَفْيِ الْإِجْزَاءِ وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ النَّهَارُ دُونَ اللَّيْلِ وَلِذَلِكَ وُصِفَتْ الْأَيَّامُ بِالرَّمْيِ دُونَ اللَّيَالِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَوُصِفَتْ الْأَيَّامُ بِأَنَّهَا مَعْدُودَاتٌ لِلْجِمَارِ الْمَعْدُودَاتِ فِيهَا فَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ بِاللَّيْلِ فَمَنْ رَمَى لَيْلًا أَعَادَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ مَنْ رَمَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَجْزَأَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ «عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَهُوَ يَرْمِيهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ وَيَقُولُ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَالنِّصْفِ الْأَوَّلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَعْدَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا وَقْتٌ يَجُوزُ فِيهِ الذَّبْحُ فَجَازَ فِيهِ الرَّمْيُ كَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ وَمَنْ رَمَى فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الرَّمْيِ عَلَى النَّحْرِ وَأَنَّ النَّحْرَ إنَّمَا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَوْلُهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ النَّحْرُ يَقْتَضِي مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْحُلُولَ فَيَكُونُ مَعْنَى ذَلِكَ قَدْ حَلَّ وَقْتُ ذَبْحِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ إبَاحَةً عَارِيَّةً مِنْ الْكَرَاهِيَةِ سَالِمَةً مِنْ التَّقْدِيمِ عَلَى مَا هُوَ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّمْيَ مُقَدَّمٌ عَلَى الذَّبْحِ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا» .
(ش) : قَوْلُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهَا وَلِأَصْحَابِهَا الصُّبْحَ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ اتَّخَذَتْ إمَامًا يُصَلِّي بِهَا إذْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ مِنْ أَحَدٍ رِجَالًا وَلَا نِسَاءً وَكَانَ يَشُقُّ عَلَيْهَا النُّهُوضُ إلَى الْمَوْقِفِ إمَّا لِضَعْفِهَا أَوْ لِمَا كَانَ أَصَابَهَا مِنْ الْعَمَى فَاِتَّخَذَتْ مِمَّنْ كَانَ يَكُونُ مَعَهَا مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ فَتُدْرِكُ بِذَلِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ الَّذِي يُصَلِّي لَهُمْ الصُّبْحَ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ تُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تُقَدِّمُ صَلَاةَ الصُّبْحِ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَهَذِهِ السُّنَّةُ لِمَنْ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْوُقُوفِ وَالدُّعَاءِ وَلَا يَضِيقُ وَقْتُ الْوُقُوفِ عَمَّا يُرِيدُونَهُ مِنْ طُولِ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تُقَدِّمُ الصَّلَاةَ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ أَنْ يُمْكِنَهَا التَّقَدُّمُ إلَى مِنًى وَيُمْكِنُهَا الرَّمْيُ فِي خَلْوَةٍ قَبْلَ التَّضَايُقِ وَالتَّزَاحُمِ الَّذِي تَكْرَهُهُ وَلِمَا كَانَ يَمْنَعُ مَا تُرِيدُ مِنْ التَّسَتُّرِ فَكَانَتْ تُقَدِّمُ بِذَلِكَ الدَّفْعَ إلَى مِنًى وَتَرْكَ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ إذَا كَانَ قَدْ بَاتَ بِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[السَّيْرُ فِي الدَّفْعَةِ]
(ش) : سُؤَالُ السَّائِلِ عَنْ سَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَفَعَ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الدَّفْعَ مِنْ عَرَفَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الدَّفْعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَّا أَنَّ اخْتِصَاصَ أُسَامَةَ بِوَقْتِ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ هُوَ الْمَشْهُورُ لِأَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ.
стр. 704
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ) .
ــ
[المنتقى]
دَفَعَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ أَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ شَاهَدَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ عَنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ الْإِخْبَارُ عَنْ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ خَاصَّةً وَأَخْبَرَ فِي غَيْرِهِ عَنْ الْأَمْرَيْنِ وَسُؤَالُ السَّائِلِ وَحِفْظُ أُسَامَةَ لَهَا دَلِيلٌ عَلَى اهْتِبَالِ النَّاسِ بِأَمْرِ الْحَجِّ وَحِفْظِ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَلَغُوا إلَى حِفْظِ صِفَةِ مَشْيِهِ وَإِسْرَاعِهِ حَيْثُ أَسْرَعَ وَأَيْضًا عَنْهُ حَيْثُ أَوْضَعَ وَمَنَازِلَهُ وَمَنَاقِلَ أَحْوَالِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ» يُرِيدُ ضَرْبًا مِنْ السَّيْرِ لَيْسَ بِالشَّدِيدِ رِفْقًا بِالنَّاسِ وَتَحَرُّزًا مِنْ أَذَاهُمْ وَلِيَقْتَدُوا بِهِ فِي رِفْقِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَحْتَرِزُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَذَى بَعْضٍ وَهَذَا مَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ وَزِحَامِهِمْ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً وَهِيَ الْفُرْجَةُ مِنْ الْأَرْضِ يُرِيدُ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ نَصَّ يُرِيدُ أَنَّهُ أَسْرَعَ فِي السَّيْرِ لِأَنَّ النَّصَّ أَرْفَعُ مِنْ السَّيْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ سُنَّةَ الْمَشْيِ فِي الدَّفْعِ الْإِسْرَاعُ وَإِنَّمَا يَمْسِكُ عَنْ بَعْضِهِ لِمَانِعٍ مِنْ زِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ» رَوَى ذَلِكَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةَ جَمَعَ النَّاسَ حِينَ دَفَعُوا: عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ وَهُوَ كَافٍ نَاقَتَهُ» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُجُوا مِنْ حَدِّ الْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ بِالزَّجْرِ وَالْإِيضَاعِ فَأَمَّا الْإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ الَّذِي لَا يُخْرِجُ عَنْ حَدِّ الْوَقَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ غَيْرُ مَمْنُوعٍ وَفِي هَذَا بَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: فِي تَبْيِينِ وَقْتِ الْوُقُوفِ.
وَالثَّانِي:
فِي بَيَانِ وَقْتِ الدَّفْعِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ وَقْتِ الْوُقُوفِ] ١
فَأَمَّا بَيَانُ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَإِنَّ الْبَائِتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ يُصَلِّي الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: هُمَا صَلَاتَانِ يُحَوِّلَانِ عَنْ وَقْتَيْهِمَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النَّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يُعَجِّلُ صَلَاةَ الْفَجْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ بِهَا فِي الْقَوَاعِدِ الَّتِي يَحُولُ الْبِنَاءُ بَيْنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الْمُرْتَقِبِ لَهُ حَتَّى يَرْتَفِعَ وَالثَّانِي لِمَا يُرَادُ مِنْ تَعْجِيلِ الْوُقُوفِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَآخِرُ وَقْتِ الْوُقُوفِ إذَا أَسْفَرَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدْت عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أَشْرَفَ ثَبِيرُ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ» .
[الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ وَقْتِ الدَّفْعِ] ١
وَأَمَّا وَقْتُ الدَّفْعِ فَهُوَ عِنْدَ الْإِسْفَارِ الْمَذْكُورِ مُتَّصِلًا بِالْوُقُوفِ وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَإِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ دَفَعَ قَبْلَهُ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَأَخَّرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْوُقُوفَ بِجَمْعٍ حَتَّى كَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنِّي لَأُرَاهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَدَفَعَ ابْنُ عُمَرَ وَدَفَعَ النَّاسُ مَعَهُ.
(فَصْلٌ)
وَلَا يَدْفَعُ أَحَدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْوُقُوفَ بَعْدَ النَّحْرِ مَسْنُونٌ فَلَا يَدْفَعُ قَبْلَ وَقْتِهِ وَالْإِمَامُ مُقْتَدَى بِهِ فَلَا يَدْفَعُ قَبْلَهُ وَهَذَا مَعَ سَلَامَةِ الْحَالِ فَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةٌ تَدْعُو إلَى تَرْكِ الْوُقُوفِ دَفَعَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يُحَرِّكُ رَاحِلَتَهُ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ هُوَ بَطْنُ وَادٍ قُرْبَ الْمُزْدَلِفَةِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَرِّكُ نَاقَتَهُ فِيهِ قَدْرَ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ وَهُوَ قَدْرُ بَطْنِ الْوَادِي.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَرْكُضُ
стр. 705
مَا جَاءَ فِي النَّحْرِ فِي الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بِمِنًى: هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ هَذَا الْمَنْحَرُ يَعْنِي الْمَرْوَةَ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» ) .
ــ
[المنتقى]
الْحَاجُّ فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَيَسْعَى الْمَاشِي فِي بَطْنِ مُحَسِّرٍ كَنَحْوِ مَا يُحَرِّكُ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ.
[مَا جَاءَ فِي النَّحْرِ فِي الْحَجِّ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «بِمِنًى هَذَا الْمَنْحَرُ وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مَنْحَرٌ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى مَوْضِعِ نَحْرِهِ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ مَنْحَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ فَضِيلَةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَنْحَرُ فِيهِ وَيَقْصِدُهُ وَيُسَابِقُ إلَيْهِ وَمَنْحَرُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ» يُرِيدُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَخْصُوصًا بِالْفَضِيلَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَحْرِهِ ﷺ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا فَإِنَّ جَمِيعَ مِنًى مَنْحَرٌ أَيْضًا لِيُجْزِئَ النَّحْرُ بِهِ وَقَوْلُهُ ﷺ هَذَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ النَّحْرِ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ بِمِنًى مُخْتَصٌّ بِالنَّحْرِ عَلَى ثَلَاثِ صِفَاتٍ إنْ عُدِمَتْ مِنْهَا صِفَةٌ لَمْ يَجُزْ النَّحْرُ بِمِنًى إحْدَاهُمَا أَنْ يُوقَفَ بِالْهَدْيِ بِعَرَفَةَ وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ النَّحْرُ فِي حَجٍّ فَمَتَى اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَمْ يَجُزْ النَّحْرُ بِغَيْرِهَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: لَوْ نَحَرَ الْهَدْيَ فِي أَيَّامِ مِنًى بِمَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ وُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ لِلْهَدْيِ مَحِلًّا وَقَدْ «نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ فِي الْحَجِّ بِمِنًى وَلَمْ يَنْحَرْ بِغَيْرِهَا» فَثَبَتَ أَنَّهَا الْمَنْحَرُ فِي الْحَجِّ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّ مَكَّةَ الْأَصْلُ فِي النَّحْرِ غَيْرَ أَنَّ السُّنَّةَ فِي هَدْيِ الْحَاجِّ أَنْ يَكُونَ بِمِنًى لِأَنَّهُ إذَا نَحَرَهُ حَلَقَ رَأْسَهُ فَكَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ بِمَكَّةَ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ إلَّا مَا خَلْفَ الْعَقَبَةِ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مِنًى إنَّمَا هُوَ مَا دُونَ الْعَقَبَةِ الَّذِي هُوَ مُنْتَهَى مِنًى وَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَبِيتُ بِمِنًى دُونَ الْعَقَبَةِ لَيَالِي التَّشْرِيقِ فَكُلُّ حُكْمٍ يَخْتَصُّ بِمِنًى لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمَا دُونَ الْعَقَبَةِ كَالْمَبِيتِ وَالنَّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَقَالَ فِي الْعُمْرَةِ: هَذَا الْمَنْحَرُ يَعْنِي الْمَرْوَةَ» خَصَّ الْمَرْوَةَ بِهَذَا الْقَوْلِ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا وَلَا لِهَدْيِهَا بِمِنًى فَأَشَارَ إلَى الْمَرْوَةِ.
وَقَالَ: «هَذَا الْمَنْحَرُ» عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ قَالَ: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» يَعْنِي أَنَّ الْعُمْرَةَ وَإِنْ اخْتَصَّتْ بِفَضِيلَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ سَائِرَ طُرُقِهَا وَمَوَاضِعِهَا يَجْزِي النَّحْرُ فِيهَا فَكُلُّ مَا لَا يَصِحُّ نَحْرُهُ بِمِنًى لِعَدَمِ صِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَإِنَّهُ لَا يَنْحَرُ إلَّا بِمَكَّةَ لِأَنَّهُ لَا مَنْحَرَ لِلْهَدْيِ غَيْرَ مِنًى وَمَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «الْمَنْحَرُ بِمَكَّةَ» مَكَّةُ نَفْسُهَا وَمَا يَلِي بُيُوتَهَا مِنْ مَنَازِلِ النَّاسِ قَالَهُ مَالِكٌ وَسُئِلَ مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ الْمَنْحَرِ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى فَقَالَ: مَنْ نَحَرَ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ أَجْزَأَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْهُ: وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَنْحَرَهُ عِنْدَ ثَنِيَّةِ الْمَدَنِيِّينَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُهُ بِذِي طُوًى وَلَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَكَّةَ وَلَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀:.
وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ مَا لَهُ حُكْمُ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ مَنْحَرٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَدِينَةِ فَلَيْسَ بِمَنْحَرٍ وَحَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ ﷺ «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ» عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْفِجَاجِ مَا دَاخِلَ الْقَرْيَةِ وَأَنَّ اسْمَ مَكَّةَ دَاخِلٌ مُخْتَصٌّ بِهَا لِأَنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِذِي طُوًى حُكْمُهَا مَعَ كَوْنِهَا رَبَضًا مُتَّصِلًا بِالْمَدِينَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ بِهَا مِنْ
стр. 706
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا سَمِعَتْ «عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا نُرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْت: مَا هَذَا فَقَالُوا: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ» قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَتَتْك وَاَللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ) .
ــ
[المنتقى]
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا نُرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ حِينَ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِهْلَالِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ إحْرَامَ مَنْ أَحْرَمَ مِنْهُمْ بِالْعُمْرَةِ لَا يَحِلُّ مِنْهُ حَتَّى يُرْدِفَ الْحَجَّ فَيَكُونُ الْعَمَلُ لَهُمَا جَمِيعًا وَالْإِحْلَالُ مِنْهُمَا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْرَمَ جَمِيعُهُمْ بِالْحَجِّ فَقَدْ رَوَى عَنْهَا عُرْوَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَجَّةٍ» فَذَكَرْت أَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ خَاصَّةٍ ثُمَّ قَالَتْ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ وَهَذَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحِلَّ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إذَا طَافَ وَسَعَى أَنْ يَحِلَّ» مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ سَيُؤْمَرُ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ مِنْ النَّاسِ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا وَإِنَّمَا خَصَّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَدْ قَلَّدَهُ أَوْ أَشْعَرَهُ لِيَنْحَرَهُ فِي حَجِّهِ بِمِنًى فَحُكْمُهُ أَنْ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ وَأَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى عُمْرَتِهِ لِئَلَّا يَحْلِقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْإِحْلَالَ لِحَجِّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ أَتَمُّ لِعُمْرَتِهِ وَأَتَمُّ لِحَجِّهِ لِأَنَّهُ يُفْرِدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النُّسُكَيْنِ بِعَمَلِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ هُوَ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَلِذَلِكَ أَمَرَ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَلِذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ مِنْ حَجِّهِ حَتَّى أَتَمَّهُ يُؤَيِّدُ هَذَا حَدِيثُ عُرْوَةَ الْمُتَقَدِّمُ وَهُوَ قَوْلُهَا «فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» .
١ -
(فَصْلٌ)
قَوْلُهُ «قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْت مَا هَذَا فَقَالُوا: نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ» يَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَنْحَرُ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي يَقْتَضِي أَنْ يَنْحَرَ الرَّجُلُ عَنْ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَجْرِي مَجْرَى الْأُضْحِيَّةَ لَمْ يُوقَفْ وَلَمْ يُقَلِّدْ وَإِنَّمَا وَجَبَتْ بِالنَّحْرِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَهَذَا يَرُدُّهُ أَنَّ أَهْلَ مِنًى لَا أَضَاحِي عَلَيْهِمْ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرُهُ عَنْهُمْ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يَنْحَرَهُ عَنْهُمْ وَيَجْرِي إيجَابُهُ بِالتَّقْلِيدِ مَجْرَى تَعْيِينِ الْأُضْحِيَّةَ قَبْلَ الْإِيجَابِ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الْإِيجَابِ إلَّا أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي التَّعْيِينِ فَهَذَا يَكُونُ فِي التَّطَوُّعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ الْبَقَرَ» وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا نَحَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَالْأَظْهَرُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الِاشْتِرَاكُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ مُفَسَّرًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 707
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك فَقَالَ: إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ) .
الْعَمَلُ فِي النَّحْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ» ) .
ــ
[المنتقى]
عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إلَّا بَقَرَةً وَاحِدَةً» .
وَأَمَّا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ الِاشْتِرَاكُ فَفِيمَنْ مَلَكَ الْهَدْيَ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا السَّبِيلِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهَا «نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ الْبَقَرَ» وَلَمْ يُعَيِّنْ مَا نَحَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِنَّ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَسَأَلَتْ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّحْمَ الَّذِي دُخِلَ بِهِ عَلَيْهِنَّ مِنْ لَحْمِ مَا نَحَرَ عَنْهُنَّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَيْضًا النَّحْرَ لِلْبَقَرِ.
وَقَدْ اخْتَارَ مَالِكٌ فِيهَا الذَّبْحَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا النَّحْرُ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ بِلَفْظِ النَّحْرِ وَوَرَدَ بِلَفْظِ الذَّبْحِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى ذَلِكَ عِنْدَ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ عَبَّرَ عَنْ الذَّكَاةِ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ أَمْكَنَهُ فَعَبَّرَ عَنْهَا مَرَّةً بِالذَّبْحِ وَمَرَّةً بِالنَّحْرِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ الْقَاسِمِ أَتَتْك وَاَللَّهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ تَصْدِيقًا لِعَمْرَةَ وَإِخْبَارًا عَنْ حِفْظِهِمَا لِلْحَدِيثِ وَضَبْطِهَا لَهُ وَأَنَّهَا لَمْ تُغَيِّرْ شَيْئًا مِنْهُ بِتَأْوِيلٍ وَلَا تَجَوُّزٍ وَلَا غَيْرِهِ.
(ش) : «قَوْلُ حَفْصَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك» يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِهِ الْحَجَّ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا جَمِيعًا الْقَصْدُ يُقَالُ: حَجَّ الرَّجُلُ الْبَيْتَ إذَا قَصَدَهُ وَاعْتَمَرَهُ إذَا قَصَدَهُ فَلَمَّا كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا عَبَّرَتْ عَنْ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاقِعًا فِي الشَّرْعِ عَلَى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ الْقَصْدِ وَالنُّسُكِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ حَفْصَةَ اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا اعْتَقَدَتْ فَأَعْلَمَهَا بِقَوْلِهِ «إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» أَنَّهُ مُحْرِمٌ إحْرَامًا لَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ عَارِيًّا مِنْ حَجٍّ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي» مَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ الْمُفْرَدَةِ لِأَنَّ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَقَلَّدَ هَدْيَهُ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ عِنْدَ إكْمَالِهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَجْلِ التَّلْبِيدِ وَالتَّقْلِيدِ أَنْ يُرْدِفَ عَلَيْهَا حَجَّةً وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا وَذَلِكَ أَنْ يُعْلِمَهَا أَنَّهُ لَبَّدَ رَأْسَهُ وَقَلَّدَ هَدْيَهُ لِلْحَجِّ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَلُّلُ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وَيَنْحَرَهُ بِمِنًى بَعْدَ كَمَالِ حَجَّتِهِ.
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَتِهِ وَأَكْمَلَ عَمَلَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَيْهَا وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَحْلِقَ وَيَتَحَلَّلَ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إنْ شَاءَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي إرْدَافِهِ الْحَجَّ عَلَى عُمْرَةٍ قَدْ كَمُلَ عَمَلُهَا غَيْرُ تَأْخِيرِ الْحِلَاقِ وَذَلِكَ نَقْصٌ فِي النُّسُكِ يَجِبُ جُبْرَانُهُ بِالدَّمِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: كُرِهَ الْحِلَاقُ لِقُرْبِ الْحَجِّ عَلَى مَا كَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ يَحْلِقَ إذَا قَرُبَ الْمَوْسِمُ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ الْحِلَاقُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّهُ يُقَصِّرُ بَدَلًا مِنْ الْحِلَاقِ وَيُوَفِّرُ شَعْرَهُ لِحِلَاقِ الْحَجِّ فَيَجْمَعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَحَفْصَةُ لَمْ تَسْأَلْهُ ﷺ عَنْ تَرْكِ الْحِلَاقِ وَإِنَّمَا سَأَلَتْهُ عَنْ تَرْكِ التَّحَلُّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْعَمَلُ فِي النَّحْرِ]
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ» يَقْتَضِي مُبَاشَرَتَهُ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُقَالُ نَحَرَ بُدْنَهُ إذَا أَمَرَ مَنْ يَنْحَرُهَا إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ اللَّفْظِ مُبَاشَرَةُ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِمَا أَضَافَ إلَيْهِ نَحَرَهُ الْمُبَاشَرَةَ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُبَاشِرْهُ بِاللَّفْظِ وَلَوْ أَرَادَ أَنَّ غَيْرَهُ نَحَرَ مَا أَضَافَهُ إلَيْهِ لَجَمَعَ الْكُلَّ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَفْضَلَ مُبَاشَرَةُ مَنْ أَهْدَى نَحَرَ هَدْيَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالْإِتْيَانِ بِتَمَامِ النُّسُكِ وَلِأَنَّهُ.
стр. 708
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَإِنَّهُ يُقَلِّدُهَا نَعْلَيْنِ وَيُشْعِرُهَا ثُمَّ يَنْحَرُهَا عِنْدَ الْبَيْتِ أَوْ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ لَيْسَ لَهَا مَحِلٌّ دُونَ ذَلِكَ وَمَنْ نَذَرَ جَزُورًا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ فَلْيَنْحَرْهَا حَيْثُ شَاءَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَنْحَرُ بَدَنَةً قِيَامًا) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ الْقُرَبِ الَّتِي لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْمَالِ وَبِالْبُدْنِ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ مَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنَّ الِاسْتِنَابَةَ فِيهِ مَمْنُوعَةٌ كَالْحَجِّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «وَنَحَرَ غَيْرُهُ بَعْضَهُ» يَصِحُّ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَبْيِينَ جَوَازِ اسْتِنَابَةِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ فَأَعْلَمَنَا بِفَضِيلَةِ الْمُبَاشَرَةِ بِمُبَاشَرَتِهِ وَأَعْلَمَنَا بِجَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ بِمَا وَلَّى مِنْ ذَلِكَ غَيْرَهُ.
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَإِنَّهُ يُقَلِّدُهَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَ الْبَدَنَةِ لَا يَنْطَلِقُ إلَّا عَلَى الْهَدْيِ وَفِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ مَا أُهْدَى وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّ مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَحُكْمُهُ أَنْ يُقَلِّدَهَا وَمَنْ نَذَرَ جَزُورًا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ لِمَا افْتَرَقَا فِي الْمَعْنَى وَصَارَ عِنْدَهُ اسْمُ الْبَدَنَةِ مُخْتَصًّا بِالْهَدْيِ وَاسْمُ الْجَزُورِ مُخْتَصًّا بِمَا لَيْسَ بِهَدْيٍ وَالنَّذْرُ لِلْإِبِلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْذُرَهَا بِاسْمِ الْبَدَنَةِ أَوْ يَنْذُرَهَا بِاسْمِ الْجَزُورِ فَإِنْ نَذَرَهَا بِاسْمِ الْبَدَنَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَنْوِي هَدْيًا وَلَا غَيْرَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ الْهَدْيَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ غَيْرَ الْهَدْيِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ لَهَا حُكْمَ الْهَدْيِ.
وَهُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْبَدَنَةِ نِيَّةً وَلَا غَيْرَهَا وَلِأَنَّ لَفْظَ الْبَدَنَةِ مُخْتَصٌّ بِالْهَدْيِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ نَوَى الْهَدْيَ فَهُوَ أَبْيَنُ فِي وُجُوبِ حُكْمِ الْهَدْيِ فَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى إلَّا أَنَّهُ إنْ نَذَرَ ذَلِكَ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ غَيْرِ مَكَّةَ وَكَانَ بِمَوْضِعِ نَذْرٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْحَرَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَتَكَلَّفُ إلَيْهِ سَوْقُ الْبَدَنَةِ نَحَرَهَا بِمَوْضِعِهِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُسَاقَ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي فِي الْمُعَيَّنَةِ وَأَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ فَيَجُوزُ عِنْدِي أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِمَوْضِعِ نَذْرِ نَحْرِهَا وَيَنْحَرُهَا هُنَاكَ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ اخْتِصَاصِ صَدَقَتِهِ بِمَوْضِعٍ يَخُصُّهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ سِوَى الْبُدْنِ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَمَنْ نَذَرَ جَزُورًا مِنْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ فَلْيَنْحَرْهَا حَيْثُ شَاءَ يُرِيدُ أَنَّ مَنْ نَذَرَهُ بِاسْمِ الْجَزُورِ وَهُوَ لَفْظٌ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الْهَدْيِ وَلَا يَنْطَلِقُ مِنْ جِهَةِ عُرْفِ الشَّرْعِ عَلَى الْهَدْيِ فَمَنْ نَذَرَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَهُوَ عَمَلٌ يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي أَنَّ النَّذْرَ إنَّمَا هُوَ فِي إطْعَامِ الْمَسَاكِينِ لَحْمَهَا أَمَّا إرَاقَةُ الدَّمِ فَيَجِبُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ غَيْرَ مُتَعَلِّقٍ بِهِ لِأَنَّ إرَاقَةَ الدِّمَاءِ لَا تَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ لِفِدْيَةِ الْأَذَى فَلَا يُسَاقُ إلَى غَيْرِ مَكَّةَ لِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ الْمَكَانِ وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةَ وَلَوْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ نَحْرَ الْجَزُورِ بِغَيْرِ مَكَّةَ يَشْتَرِيهَا مَنْحُورَةً فَتَصَدَّقَ بِهَا لَأَجْزَأَ عِنْدِي لِأَنَّ إرَاقَةَ دَمِهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّذْرُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقُرَبِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلِذَلِكَ ذَكَرَهَا ابْنُ عُمَرَ بِاسْمِ الْجَزُورِ وَلَمْ يَقُلْ هَدْيًا وَلَا دَمًا.
(فَصْلٌ)
وَلَمْ يَقْصِدْ بِذِكْرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ دُونَ الْغَنَمِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى أَنَّ الْبَقَرَةَ تَنُوبُ عَنْ الْبَدَنَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ نَذَرَ بَدَنَةً فَلَمْ يَجِدْهَا: فَلْيَنْحَرْ بَقَرَةً وَأَنَّ الشَّاةَ لَا تُجْزِي عَنْ الْبَدَنَةِ وَيَجِبُ أَنْ لَا تَجْزِي عَلَى ذَلِكَ عَنْ الْبَقَرَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَلْيَنْحَرْهَا حَيْثُ شَاءَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ نَذَرَ جَزُورًا فَإِنَّ إطْلَاقَ هَذَا النَّذْرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ وَنَذْرُ الْهَدْيِ يَتَعَلَّقُ بِمَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ نَذَرَ سَوْقَ جَزُورٍ مُعَيَّنٍ إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَإِنَّ نَذْرَ سَوْقِهِ بَاطِلٌ وَيَنْحَرُهُ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَتَكَلَّفُ سَوْقُهُ إلَيْهَا لِقُرْبِهَا.
(ش) : قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَنَّ السُّنَّةَ نَحْرُهَا قِيَامًا مَصْفُوفَةَ الْأَيْدِي إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْهَا نِفَارًا فَتُنْحَرُ.
стр. 709
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْحَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَإِنَّمَا الْعَمَلُ كُلُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ الذَّبْحُ وَلِبْسُ الثِّيَابِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ وَ الْحِلَاقُ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) .
الْحِلَاقُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ اللَّهُمَّ: ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ» )
ــ
[المنتقى]
عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمَكِّنُ ذَلِكَ مِنْهَا مَعْقُولَةً أَوْ كَيْفَ أَمْكَنَ بِمَا يُغْنِي النَّاظِرَ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ.
(ش) : قَوْلُهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَذَلِكَ أَنَّ سُنَّةَ الذَّبْحِ أَنْ يُفْعَلَ قَبْلَ الْحِلَاقِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَكَذَلِكَ فَعَلَ «رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ فِي نَحْرِ هَدْيِهِ ثُمَّ حَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ» فَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدَّمَ الْحِلَاقَ قَبْلَ النَّحْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَدِّمَ الْحِلَاقَ خَطَأً وَجَهْلًا وَعَمْدًا أَوْ قَصْدًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَطَأً وَجَهْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَقَالَ ﷺ : انْحَرْ وَلَا حَرَجَ» .
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْمَ الْحَرَجِ يُطْلَقُ عَلَى الْإِثْمِ دُونَ الْهَدْيِ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ يَقُولَ أَنَّ هَذَا مَوْضِعُ تَعْلِيمٍ لِمَا يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ فَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ لَأَمَرَهُ بِهِ وَلَنُقِلَ إلَيْنَا وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ وَلَمْ يُرْوَ شَيْءٌ مِنْهَا هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَمَلِ فَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْحَلْقِ عَلَى النَّحْرِ قَالَ: وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ وَالتَّرْتِيبُ مَشْرُوعٌ مُسْتَحَبٌّ وَأَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَجِّهِ الِاسْتِحْبَابُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْحَرَ قَبْلَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ نُسُكٍ وَنَحْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ بِاللَّيْلِ وَإِنَّمَا هُوَ كُلُّهُ بِالنَّهَارِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ لَا يُجْزِي النَّحْرُ بِاللَّيْلِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَإِذَا قُلْنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ الْفَجْرِ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنَّمَا الْعَمَلُ كُلُّهُ يَوْمَ النَّحْرِ الذَّبْحُ وَلِبْسُ الثِّيَابِ وَإِلْقَاءُ التَّفَثِ وَالْحِلَاقُ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّهُ نُسُكٌ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ الرَّمْيُ فَلَا يَتَكَرَّرُ مِثْلُهُ قَبْلَهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ فِعْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ أَصْلُ ذَلِكَ إلْقَاءُ التَّفَثِ وَالْحِلَاقُ وَأَمَّا طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَإِنَّ مِثْلَهُ يَتَكَرَّرُ وَهُوَ طَوَافُ الْوُرُودِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَالْحَجُّ الْأَكْبَرُ يَوْمَ النَّحْرِ.
[الْحِلَاقُ]
[الْبَابُ الْأَوَّلُ مَنْ حُكْمُهُ الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ]
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ» وَتَخْصِيصُهُ لَهُمْ بِالدُّعَاءِ تَفْضِيلٌ لِلْحِلَاقِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّحَلُّلَ بِهَذَا الْبَابِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
حِلَاقٌ وَتَقْصِيرٌ وَفِي ذَلِكَ سِتَّةُ أَبْوَابٍ أَوَّلُهَا فِيمَنْ حُكْمُهُ الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ.
وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَوْضِعِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ.
وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي وَقْتِهِمَا.
وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ.
وَالْبَابُ السَّادِسُ هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ تَحَلُّلٌ
стр. 710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
(الْبَابُ الْأَوَّلُ مَنْ حُكْمُهُ الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ)
الْأَفْضَلُ لِلرِّجَالِ الْحِلَاقُ وَذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَلَا يَخْلُو فِعْلُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَدَلِيلٌ آخَرُ مِنْ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ خَصَّ الْمُحَلِّقِينَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ وَكَرَّرَ ذَلِكَ إظْهَارًا لِفَضِيلَةِ الْحِلَاقِ فَمَنْ قَصَّرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحِلَاقِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْهُ أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] .
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَالْحِلَاقُ لَهُ أَفْضَلُ إلَّا أَنْ تَفُوتَ أَيَّامُ الْحَجِّ وَيُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ فَلْيُقَصِّرْ لِمَكَانِ حِلَاقِهِ فِي الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ:.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يُرِيدُ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ النُّسُكَيْنِ بِالْحِلَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ عَلَى مَنْ حَجَّ مِنْ النِّسَاءِ حِلَاقٌ وَقَدْ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ الْمَرْأَةَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَقَالَ: هِيَ مُثْلَةٌ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْ لَهُ إسْنَادًا صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ حِلَاقَ الْمَرْأَةِ مُثْلَةٌ لِأَنَّهُ حِلَاقٌ غَيْرُ مُعْتَادٍ كَحِلَاقِ الرَّجُلِ لِحْيَتَهُ وَشَارِبَهُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ] ١
أَمَّا صِفَةُ الْحِلَاقِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَاجِّ أَنَّ مِنْ الشَّأْنِ أَنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَالْغَاسُولِ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِقَ قَالَ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَنَوَّرَ وَيَقُصَّ شَارِبَهُ وَلِحْيَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُعْتَمِرِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَهُ أَوْ يَقْتُلَ شَيْئًا مِنْ الدَّوَابِّ أَوْ يَلْبَسَ قَمِيصًا بَعْدَ تَمَامِ السَّعْيِ قَالَ: أَكْرَهُ ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ عَلَى مَعْنَى الْحِلَاقِ بَيْنَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ مَالِكًا تَكَلَّمَ فِي حُكْمِ الْحَجِّ وَابْنَ الْقَاسِمِ تَكَلَّمَ فِي حُكْمِ الْعُمْرَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَاجَّ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ قَبْلَ الْحِلَاقِ تَحَلَّلَ وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْمُعْتَمِرُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافِ تَحَلُّلٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَيَبْدَأُ بِالْحِلَاقِ مِنْ الشِّقِّ الْأَيْمَنِ وَيَبْلُغُ بِهِ إلَى الْعَظْمَيْنِ اللَّذَيْنِ فِي الصُّدْغَيْنِ عِنْدَ مُنْتَهَى اللِّحْيَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يُجْزِئُ حَلْقُ الرَّأْسِ دُونَ اسْتِيعَابِهِ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَأَمَّا التَّقْصِيرُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُقَصِّرُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ تَقْصِيرُ الرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ وَلَكِنْ يَجُزُّ ذَلِكَ جَزًّا وَلَيْسَ مِثْلَ الْمَرْأَةِ فَإِنْ لَمْ يَجُزَّهُ وَأَخَذَ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَيُجْزِئُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَنْ يَأْخُذَ الْيَسِيرَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ ذَلِكَ مَا تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ وَاَلَّذِي تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّقْصِيرِ لَمْ يُجِزْهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ: يُجْزِئُهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَأَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْحَدَّ الَّذِي يَقْرَبُ مِنْ أُصُولِ الشَّعْرِ وَهَذَا الَّذِي يُوصَفُ بِالْجَزِّ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنَّهَا إذَا أَرَادَتْ الْإِحْرَامَ أَخَذَتْ مِنْ قُرُونِهَا لِتُقَصِّرَ فَإِذَا حَلَّتْ قَصَّرَتْ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمَعْنَى ذَلِكَ إنْ تَيَسَّرَ فِي مَوَاضِعِ التَّقْصِيرِ لِيَتَمَكَّنَ الْأَخْذُ مِنْ جَمِيعِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَكَمْ مِقْدَارُ مَا تُقَصِّرُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مِقْدَارُ أُنْمُلَةٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ أَوْ دُونَهُ بِقَلِيلٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ يَجُزُّهَا قَدْرَ التَّطْرِيفِ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ مَعْلُومٌ وَمَا أَخَذَتْ مِنْهُ أَجْزَأَهَا وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَعُمَّ بِالتَّقْصِيرِ الشَّعْرَ كُلَّهُ طَوِيلَهُ وَقَصِيرَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ فَكَانَ حُكْمُهَا فِيهِ الِاسْتِيعَابَ كَالْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَوْضِعِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ] ١
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَوْضِعِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ.
مَوْضِعُ الْحِلَاقِ فِي الْحَجِّ مِنًى وَفِي الْعُمْرَةِ مَكَّةُ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ بِهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَذْكُرُ الْحِلَاقَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْإِفَاضَةِ: لَا يَطُوفُ وَلْيَرْجِعْ إلَى مِنًى فَيَحْلِقُ ثُمَّ يُفِيضُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَحَلَقَ بِمَكَّةَ أَجْزَأَ عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَلَقَ فِي الْحِلِّ أَيَّامَ مِنًى لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا إذَا حَلَقَ فِي أَيَّامِ مِنًى.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي وَقْتِ الْحِلَاقِ وَالتَّقْصِيرِ]
أَمَّا الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ فَلَهُ وَقْتَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوَقَّتَ بِالزَّمَانِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوَقَّتَ بِفِعْلِ مَا هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الرُّتْبَةِ.
فَأَمَّا تَوْقِيتُهُ بِالزَّمَانِ فَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَأَمَّا آخِرُهُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ إنْ ذَكَرَ فِي أَيَّامِ مِنًى فَحَلَقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَهَا حَلَقَ وَأَهْدَى.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا تَبَاعَدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ أَهْدَى وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ وَإِنْ ذَكَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ فَلْيَرْجِعْ حَتَّى يَحْلِقَ ثُمَّ يُفِيضَ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا تَوْقِيتُهُ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ حَالَ الرَّمْيِ فَإِذَا رَمَى نَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ ثُمَّ يَحْلِقُ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ لَهُ أَنْ يَطُوفَ لِلْإِفَاضَةِ وَمَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مَنْ جَهِلَ مَحْلِقَ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةُ الْأَذَى.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ تَحَلُّلٌ وَالْحَلْقُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَحْظُورٌ لِحَقِّ إحْرَامٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ تَحَلُّلٌ فَلَزِمَهُ لِذَلِكَ فِدْيَةُ الْأَذَى وَهَذَا فِيمَنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَسَوَاءٌ كَانَ قَدَّمَ السَّعْيَ أَوْ أَخَّرَهُ كَالْمُرَافِقِ الْوَارِدِ أَوْ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَأَمَّا الْقَارِنُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ حُكْمَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُفْرِدِ وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْجَهْمِ إلَى أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَحْلِقُ بَعْدَ الرَّمْيِ حَتَّى يَطُوفَ وَيَسْعَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ أَفَاضَ قَبْلَ الْحِلَاقِ فَفِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: يَرْجِعُ فَيَحْلِفُ ثُمَّ يُفِيضُ فَإِنْ لَمْ يُفِضْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يَنْحَرُهُ ثُمَّ يَحْلِقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ] ١
أَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْمُحْرِمُ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَإِنْ كَانَ حَاجًّا فَإِذَا حَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ إلْقَاءِ التَّفَثِ وَجَازَ لَهُ أَنْ يَدْهُنُ وَيَقُصُّ شَارِبَهُ وَيَلْبَسُ الْمِخْيَطَ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَدْ حَلَّ لَهُ بِالرَّمْيِ قَبْلَ الْحِلَاقِ وَأَنَّهُ إذَا حَلَقَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ حَتَّى يُفِيضَ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَفِي الطِّيبِ اخْتِلَافٌ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ فَقَدْ لَزِمَهُ الْهَدْيُ كَانَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ رَمَى وَطَافَ لِلْإِفَاضَةِ ثُمَّ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَزِمَهُ الْهَدْيُ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ التَّحَلُّلِ وَهُوَ الْحِلَاقُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ التَّقْصِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ مَسَّ الطِّيبَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فِي الْحَجِّ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَحَلُّلٌ وَهَذِهِ حَالَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فِي إبَاحَتِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا الْمُعْتَمِرُ فَإِذَا كَمَّلَ طَوَافَهُ وَسَعْيَهُ فَلَا يَلْبَسُ ثِيَابًا وَلَا يَمَسُّ طِيبًا حَتَّى يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ.
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ عُمْرَتَهُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ التَّحَلُّلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ قَالَ مَرَّةً: عَلَيْهِ عُمْرَةٌ أُخْرَى.
وَقَالَ مَرَّةً: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْهَدْيُ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَحَلُّلٌ فِي هَذَا النُّسُكِ فَإِذَا وَطِئَ فِيهِ وَجَبَ أَنْ يَفْسُدَ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا وَطِئَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الرَّمْيِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ وَقْتٌ لَوْ مَسَّ فِيهِ الطِّيبَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ فَإِذَا وَطِئَ لَمْ تَفْسُدْ عُمْرَتُهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ لِمَا وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ وَبَعْدَ تَمَامِ فِعْلِ الْعُمْرَةِ.
وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ.
стр. 712
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَمِرٌ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيُؤَخِّرُ الْحِلَاقَ حَتَّى يُصْبِحَ قَالَ: وَلَكِنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفُ بِهِ حَتَّى يَحْلِقَ رَأْسَهُ قَالَ: وَرُبَّمَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَوْتَرَ فِيهِ وَلَا يَقْرَبُ الْبَيْتَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: إلْقَاءُ التَّفَثِ حِلَاقُ الشَّعْرِ وَلُبْسُ الثِّيَابِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ الْحِلَاقَ بِمِنًى فِي الْحَجِّ: هَلْ لَهُ رُخْصَةٌ فِي أَنْ يَحْلِقَ بِمَكَّةَ قَالَ: ذَلِكَ وَاسِعٌ وَالْحِلَاقُ بِمِنًى أَحَبُّ إلَيَّ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ وَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
ــ
[المنتقى]
أَنَّهُ وَقْتٌ لَوْ مَسَّ فِيهِ الطِّيبَ وَلَبِسَ الْمِخْيَطَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ فَإِذَا وَطِئَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْعُمْرَةِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا بَعْدَ الْحِلَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ السَّادِسُ الْحِلَاقُ وَالتَّقْصِيرُ هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ تَحَلُّلٌ] ١
(الْبَابُ السَّادِسُ هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ تَحَلُّلٌ)
لَنَا أَنَّهُ نُسُكٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَلَهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ مُبَاحٌ بَعْدَ الْحَظْرِ يَمْنَعُ الْإِحْرَامَ فَإِذَا زَالَ الْإِحْرَامُ زَالَ تَحْرِيمُهُ لِلْحِلَاقِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَلُبْسِ الثِّيَابِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ نُسُكٌ يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَى فِعْلِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢٧] الْآيَةُ فَوَصَفَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِيمَا وَعَدَهُمْ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا مَقْصُودًا لَمَا وَصَفَ دُخُولَهُمْ بِهِ كَمَا لَمْ يَصِفْ دُخُولَهُمْ بِلِبْسِهِمْ الثِّيَابَ وَالتَّطَيُّبَ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ النُّسُكِ لَمَا كَنَّى بِهِ عَنْهُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ» فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلًا يُثَابُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ لَمَا دَعَا لَهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ أَظْهَرَ تَفْضِيلَ الْحِلَاقِ عَلَى التَّقْصِيرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا لَهُ فَضِيلَةٌ مَنْ عَلَيْهِ ثَوَابٌ لَمَا كَانَ أَفْضَلَ مِنْ التَّقْصِيرِ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لُبْسُ نَوْعٍ مِنْ الثِّيَابِ أَفْضَلَ مِنْ لُبْسِ غَيْر ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أَوْ طَافَ وَسَعَى لَيْلًا أَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى يُصْبِحَ وَوَصَفَ ذَلِكَ بِالتَّأْخِيرِ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَعْجِيلُهُ وَاتِّصَالُهُ بِالْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ سَلَامَةِ النُّسُكِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مِنْ نَقْصِ وَطْءٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَازَ التَّأْخِيرُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ مِنْ تَعَذُّرِ الْحِلَاقِ فِي الْأَغْلَبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْحِلَاقَ إلَى الصُّبْحِ قَالَ: وَتَعْجِيلُ ذَلِكَ أَفْضَلُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَكِنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ بِالْحِلَاقِ لِأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُعْتَمِرِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ مُتَنَفِّلًا حَتَّى يُكْمِلَ عُمْرَتَهُ وَيَتَحَلَّلَ مِنْهَا بِالْحِلَاقِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ طَافَ وَسَعَى لِعُمْرَتِهِ لَيْلًا فَأَخَّرَ الْحِلَاقَ حَتَّى يُصْبِحَ: لَا يَتَنَفَّلُ بِطَوَافٍ وَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ وَلَا يَقْرَبُهُ حَتَّى يَحْلِقَ قَالَ أَصْبَغُ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: فَإِنْ فَعَلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ حَتَّى يَحْلِقَ فَإِنْ فَعَلَ فَذَلِكَ وَاسِعٌ.
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِلَاقَ بِمِنًى عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ النَّحْرَ بِهَا وَالْحِلَاقَ مُتَّصِلٌ وَقَدْ شُرِعَ تَعْجِيلُهُ وَكَذَلِكَ فَعَلَ «النَّبِيُّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِمِنًى» بِأَثَرِ نَحْرِ هَدْيِهِ وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ فَمَنْ نَسِيَ حَلْقَ رَأْسِهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ بِمِنًى أَيَّامَ مِنًى حَلَقَ بِهَا.
(ش) : وَهَذَا عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِقُ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ حَتَّى يَنْحَرَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْحِلَاقَ بَعْدَ النَّحْرِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْبَلَاغِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ النَّحْرُ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَمَعْنَاهُ مَنْحُورٌ بِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ بِهَا قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ لَمَا أَجْزَأَ عَنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ.
стр. 713
التَّقْصِيرُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا أَفْطَرَ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ رَأْسِهِ وَلَا مِنْ لِحْيَتِهِ شَيْئًا حَتَّى يَحُجَّ قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إنِّي أَفَضْت وَأَفَضْت مَعِي بِأَهْلِي ثُمَّ عَدَلْت إلَى شِعْبٍ فَدَنَوْت لِأَدْنُوَ مِنْ أَهْلِي فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُقَصِّرْ مِنْ شَعْرِي بَعْدُ فَأَخَذْت مِنْ شَعْرِهَا بِأَسْنَانِي ثُمَّ وَقَعْت بِهَا فَضَحِكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا بِالْجَلَمَيْنِ. قَالَ مَالِكٌ: أَسْتَحِبُّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُهْرِقَ دَمًا وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ دَمًا) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحِلَّ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ تَحَلَّلَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ لَا يَرْمِي الْجَمْرَةَ وَلَا يَحْلِقُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُفِيضُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ نَحْوُ ذَلِكَ.
[التَّقْصِيرُ]
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ لَا يَأْخُذُ مِنْ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ شَيْئًا إذَا نَوَى الْحَجَّ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ تَوْفِيرَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَجِّهِ عِنْدَ الْحِلَاقِ وَإِنَّمَا ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ لِلْمُعْتَمِرِ أَنْ لَا يَحْلِقَ إذَا كَانَ بِقُرْبِ الْحَجِّ لِيُوَفِّرَ شَعْرَهُ لِلْحِلَاقِ فِي الْحَجِّ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتْرُكُ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُ عِنْدَ الْفِطْرِ لِلتَّجَمُّلِ لِلْعِيدِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُوَقِّتْ تَرْكَ الْأَخْذِ مِنْهُ بِمَا قَبْلَ الْعِيدِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ الْتِزَامُ مِثْلِ هَذَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَا يُؤَيِّدُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَلِمَا فِيهِ مِنْ طُولِ التَّشَعُّثِ وَتَقْدِيمِ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَخْذِ مِنْ الشَّعْرِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا حَلَقَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ) .
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ إذَا حَلَقَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَقُصُّ مِنْهُمَا مَعَ حَلْقِ رَأْسِهِ وَقَدْ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ مَالِكٌ ﵀ لِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُغَيِّرُ الْخِلْقَةَ مِنْ الْجَمَالِ وَالِاسْتِئْصَالُ لَهُمَا مُثْلَةٌ كَحَلْقِ رَأْسِ الْمَرْأَةِ فَمَنَعَ مِنْ اسْتِئْصَالِهَا أَوْ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمَا مَا يُغَيِّرُ الْخِلْقَةَ وَيُؤَدِّي إلَى الْمُثْلَةِ وَأَمَّا مَا تَزَايَدَ مِنْهَا وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَمَالِ إلَى حَدِّ التَّشَعُّثِ وَبَقَاؤُهُ مُثْلَةٌ فَإِنَّ أَخْذَهُ مَشْرُوعٌ فَلَمَّا كَانَتْ مِنْ الشُّعُورِ الَّتِي يَجُوزُ الْأَخْذُ مِنْهَا تَعَلَّقَ بِهَا حُكْمُ النُّسُكِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنِّي أَفَضْت وَأَفَضْت مَعِي بِأَهْلِي يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَوَجَّهَ لِلْإِفَاضَةِ وَعَدَلَ إلَى الشُّعَبِ فِي تَوَجُّهِهِ إلَى الْإِفَاضَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ " أَفَضْت " طُفْت طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ عَدَلَ إلَى الشُّعَبِ لِانْصِرَافِهِ مِنْ الْإِفَاضَةِ إلَى مِنًى وَهُوَ ظَاهِرُ اللَّفْظِ لِقَوْلِهِ أَفَضْت وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْإِفَاضَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَهِيَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَذَهَبْت لِأَدْنُوَ مِنْ أَهْلِي فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُقَصِّرْ بَعْدُ مَنَعَتْهُ الدُّنُوَّ مِنْهَا وَمَعْنَاهُ الْجِمَاعُ لِمَا لَمْ تَكُنْ قَصَّرَتْ بَعْدُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَلَمْ يَحْلِقْ فَإِنَّهُ لَا يُجَامِعُ أَهْلَهُ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التَّحَلُّلِ لِأَنَّ الْحِلَاقَ مِنْ التَّحَلُّلِ فِي الْحَجِّ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَأَخَذْت مِنْ شَعْرِهَا بِأَسْنَانِي ثُمَّ وَقَعْت بِهَا يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ تَقْصِيرًا يُبِيحُ مِنْهَا مَا يَمْنَعُهُ عَدَمُ التَّقْصِيرِ وَضَحِكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﵁ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ الْحِرْصِ عَلَى الْجِمَاعِ وَالتَّسَبُّبِ لَهُ وَإِقَامَتِهِ الْقَصَّ بِأَسْنَانِهِ لِشَيْءٍ مِنْ شَعْرِهَا مَقَامَ التَّقْصِيرِ اللَّازِمِ لَهَا حِرْصًا عَلَى بُلُوغِ مَا أَرَادَهُ مِنْهَا
стр. 714
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ يُقَالُ لَهُ الْمُجَبَّرُ قَدْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ جَهِلَ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضَ) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ دَعَا بِالْجَلَمَيْنِ فَقَصَّ شَارِبَهُ وَأَخَذَ مِنْ
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: مُرْهَا فَلْتَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهَا بِالْجَلَمَيْنِ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَخْذَهُ مِنْ شَعْرِهَا بِأَسْنَانِهِ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيعَابُ جَمِيعِ شَعْرِهَا بِالتَّقْصِيرِ وَكَانَ يَرَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إلَّا الِاسْتِيعَابُ فَأَمَرَهُ بِأَنْ يُقَصِّرَ بِالْجَلَمَيْنِ لِأَنَّهُمَا مِمَّا يُمْكِنُ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْأَخْذُ مِنْ الشَّعْرِ بِالْأَسْنَانِ وَلَا بِغَيْرِهَا إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْحَدِيدِ الَّذِي اُعْتِيدَ التَّقْصِيرُ بِهِ وَأَمَّا التَّقْصِيرُ بِالْأَضْرَاسِ فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَصِّ بِالْجَلَمَيْنِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ أَسْتَحِبُّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُهْرِقَ دَمًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا أَصَابَ النِّسَاءَ قَبْلَ تَمَامِ تَحَلُّلِهِ بِالْحِلَاقِ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ وَأَيْضًا فَإِنَّ طَوَافَهُ لِلْإِفَاضَةِ قَبْلَ الْحِلَاقِ مِمَّا قَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي إعَادَتِهِ فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ بِهِ فَكَيْفَ إذَا تَحَلَّلَهَا الْوَطْءُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا فَلْيُهْرِقْ دَمًا احْتِجَاجُهُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ قَوْلٌ قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ النِّسْيَانَ وَالْعَمْدَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ أَوْ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا فِي نِسْيَانِهِ مَعَ عُذْرِ النِّسْيَانِ فَبِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ أَوْلَى وَلَمَّا احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْحِلَاقُ عِنْدَهُ نُسُكًا وَإِلَّا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الدَّلِيلُ وَفِي ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ وَذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْهَدْيِ لِأَنَّ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا كَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْهَدْيُ لَكِنْ لَمَّا احْتَمَلَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوُجُوبَ وَالنَّدْبَ وَاشْتَمَلَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ تَعَلَّقَ بِهِ النَّدْبُ لِأَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ ﵀ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ أَسْتَحِبُّ لَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِبُّ إيجَابَهُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ قَوْلِ مَنْ لَمْ يُوجِبْهُ فَيَكُونُ الْهَدْيُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَاجِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : الرَّجُلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمُجَبَّرُ هُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَكَانَ الْمُجَبَّرُ قَدْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ جَهِلَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَلْزَمُهُ فَأَمَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَوْضِعِ الْحِلَاقِ بِمِنًى وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ إلَى مِنًى لَقَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ ثُمَّ يُفِيضَ وَلَمَّا قَالَ: أَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَحْلِقَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْبَيْتِ فَيُفِيضَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَقِيَهُ بِغَيْرِ مِنًى وَلَعَلَّهُ لَقِيَهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مُنْصَرِفًا إلَى مِنًى فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَمَادَى إلَى مِنًى فَيَحْلِقَ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى الْبَيْتِ فَيُعِيدَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَفِي الْمُخْتَصَرِ يَرْجِعُ فَيَحْلِقُ ثُمَّ يُفِيضُ وَقِيلَ: يَنْحَرُ وَيَحْلِقُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ.
فَوَجْهُهُ أَنَّهُمَا تَحَلُّلَانِ مُرَتَّبَانِ فَإِذَا قَدَّمَ الْآخَرَ مِنْهُمَا وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ كَالْحِلَاقِ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ سُنَّا بَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ وَقَبْلَ رَمْيِ الْجِمَارِ فَتَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يُوجِبُ الْإِعَادَةَ كَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ قُلْنَا: يُعِيدُ الْإِفَاضَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إنْ ذَكَرَ فِي أَيَّامِ مِنًى حَلَقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ مِنًى حَلَقَ وَأَهْدَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَبَاعَدَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ أَهْدَى وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ، هَذَا الْجَوَابُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِتَأْخِيرِ الْحِلَاقِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا فِي الْأَمْرِ بِإِعَادَةِ الْإِفَاضَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
стр. 715
لِحْيَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ وَقَبْلَ أَنْ يُهِلَّ مُحْرِمًا) .
التَّلْبِيدُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ عَقَصَ رَأْسَهُ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ لَبَّدَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِلَاقُ) .
الصَّلَاةُ فِي الْبَيْتِ وَقَصْرُ الصَّلَاةِ وَتَعْجِيلُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَسَأَلْت بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى» ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُوَفِّرُ شَعْرَ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَأَى فِي ذَلِكَ خِلَافَ رَأْيِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ إنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَحُكْمُهُمَا عِنْدَهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَمَّا قَصُّ الشَّارِبِ فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِيهِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُصَّ شَارِبَهُ وَيُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَيَتَنَوَّرَ عِنْدَمَا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ وَأَمَّا شَعْرُ رَأْسِهِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعْفَى وَيُوَفَّرَ لِلشَّعَثِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْفَرْقُ عِنْدِي بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ أَنَّ الشَّارِبَ يَلْحَقُهُ الْأَذَى بِطُولِهِ وَلَا يَلْحَقُ ذَلِكَ بِطُولِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَالثَّانِي أَنَّ تَوْفِيرَ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ تَشْعِيثٌ لَهُمَا وَلَا يَتَشَعَّثُ الشَّارِبُ بِأَنْ لَا يُقَصِّرَ شَعْرَهُ فَلَا يُفِيدُ تَوْفِيرُهُ شَعَثًا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ: إنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ وَقَبْلَ أَنْ يُهِلَّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ جُمْلَةِ التَّنْظِيفِ وَتَوَابِعِ الْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ فَيَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِأَثَرِ الْغُسْلِ فَإِذَا أَكْمَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ رَكِبَ فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَحْرَمَ.
[التَّلْبِيدُ]
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ ضَفَّرَ التَّضْفِيرُ أَنْ يُضَفِّرَ شَعْرَ رَأْسِهِ إذَا كَانَ ذَا جَمَّةٍ لِيَمْنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَثِ وَالْعَقَصُ أَنْ يَعْقِصَ شَعْرَهُ فِي قَفَاهُ إذَا كَانَ ذَا جَمَّةٍ لِئَلَّا يَتَشَعَّثَ وَالْعَقَدُ كَذَلِكَ وَالتَّلْبِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الصَّمْغَ فِي الْغَاسُولِ ثُمَّ يُلَطِّخُ بِهِ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِيَمْنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَثِ قَالَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَأَمَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الَّتِي تَمْنَعُ الشَّعَثَ أَنْ يَحْلِقَ وَلَمْ يُبِحْ لَهُ التَّقْصِيرَ وَذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ بَدَلُ مَا تَمَتَّعُوا بِهِ مِنْ مُبَاعَدَةِ الشَّعَثِ وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يَكَادُ مَعَ التَّلْبِيدِ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى التَّقْصِيرِ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ لَبَّدَ أَوْ عَقَّصَ أَوْ ضَفَّرَ أَوْ رَبَطَ شَعْرَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الرِّجَالِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَلْقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ لَبَّدَتْ الْمَرْأَةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا التَّقْصِيرُ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْ الْحِلَاقِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحِلَاقَ لِلْمُلَبِّدِ إنَّمَا هُوَ بَدَلُ مَا فَاتَهُ مِنْ الشَّعَثِ وَمَا مَنَعَ مِنْهُ التَّلْبِيدُ وَلَوْ كَانَ امْتِنَاعُ التَّقْصِيرِ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ لَكَانَ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهَا فِي التَّقْصِيرِ مِنْ جَمْعِ شَعْرِهَا وَلَا تَتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ عِنْدِي إلَّا بَعْدَ أَنْ تَمْتَشِطَ وَيَذْهَبَ التَّلْبِيدُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ أَيْ لَا تَشَبَّهُوا بِهِ فَإِنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا وَجَبَ عَلَى الْمُلَبِّدِ مِنْ الْحِلَاقِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ.
[الصَّلَاةُ فِي الْبَيْتِ وَقَصْرُ الصَّلَاةِ وَتَعْجِيلُ الْخُطْبَةِ بِعَرَفَةَ]
ش قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 716
ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ إلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ أَنْ لَا يُخَالِفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَجِّ قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَأَنَا مَعَهُ فَصَاحَ بِهِ عِنْدَ سُرَادِقِهِ أَيْنَ هَذَا فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ فَقَالَ مَالَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ الرَّوَاحُ إنْ كُنْت تُرِيدُ السُّنَّةَ فَقَالَ أَهَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً ثُمَّ أَخْرُجُ فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حَتَّى خَرَجَ الْحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْت لَهُ: إنْ كُنْت تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ الْيَوْمَ فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الصَّلَاةَ فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كَيْ مَا يَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: صَدَقَ سَالِمٌ)
ــ
[المنتقى]
ﷺ دَخَلَ هُوَ وَأُسَامَةُ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَيْتَ» سُنَّةٌ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ وَإِغْلَاقُهُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ الِانْفِرَادُ فِيهِ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ وَلِمَنْ حَضَرَتْهُ نِيَّةٌ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْبَيْتِ بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ فَقَفَلَ عَلَيْهِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ الطَّوَافُ بِهِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي خَارِجِهِ وَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الصَّلَاةُ فِيهَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِذَلِكَ فِيهَا فِي وَقْتِ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ «عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلْت بِلَالًا حِينَ خَرَجَ» دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى الْعِلْمِ وَاقْتِفَائِهِ لِآثَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَحَفُّظِهِ عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْهَا وَسُؤَالِهِ عَمَّا غَابَ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ بِلَالٌ: «جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى» وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ اقْتَضَى الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ دُونَ الدُّعَاءِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ الصَّلَاةِ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ جَرَى فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ وَرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ فَقَالَ: «أَتَى ابْنُ عُمَرَ فَقِيلَ لَهُ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْت وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ النَّاسِ فَسَأَلْته فَقُلْت صَلَّى ﷺ فِي الْكَعْبَةِ قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِك إذَا دَخَلْت ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْقِبْلَةِ رَكْعَتَيْنِ» .
ش قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلْحَجَّاجِ لَا تُخَالِفْ ابْنَ عُمَرَ فِي أَمْرِ الْحَجِّ إقْرَارٌ بِدِينِهِ وَعِلْمِهِ وَأَنَّهُ الْقُدْوَةُ فِي زَمَانِهِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ أَهْلُ وَقْتِهِ وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ إلَى الْحَجَّاجِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ مُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ وَمَعُونَةً عَلَيْهِ وَحِرْصًا عَلَى إثْبَاتِ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ وَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِ وَتَوَجُّهُهُ إلَيْهِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ هُوَ السُّنَّةُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ تَعْجِيلِ الصَّلَاةِ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَقَدْ ذَكَرَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ «حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ حَتَّى إذَا زَاغَتْ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقُصْوَى فَرَحَلَتْ لَهُ فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَالسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَتَعَجَّلَ الْوُقُوفَ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَبْدَأُ بِالْخُطْبَةِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ بِيَسِيرِ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ مِنْ الْخُطْبَةِ وَقَدْ زَالَتْ الشَّمْسُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَفِي قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا نَظَرٌ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِهِ: إذَا خَطَبَ قَبْلَ الزَّوَالِ لَمْ يُجْزِهِ وَلْيُعِدْ بِالْخُطْبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى الظُّهْرَ يُرِيدُ بَعْدَ الزَّوَالِ فَتُجْزِئُهُ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مِنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ عَادَ فِيهِ إلَى مَا أَنْكَرَهُ عَلَى ابْنِ حَبِيبٍ وَقَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى الظُّهْرَ إنَّمَا يُرِيدُ أَشْهَبُ أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الْخُطْبَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ وَقْتُهَا وَهِيَ نَافِلَةٌ وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِيهَا وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ ابْنِ حَبِيبٍ وَأَشْهَبَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ يَرَى أَنْ يُؤْتَى بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَأَشْهَبَ.
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيَرَى إعَادَتَهَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَفُوتَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ تَعْلِيمٌ لِلْحَاجِّ وَلِذَلِكَ لَمْ يُغَيَّرْ حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الْجَهْرِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ الْأَذَانُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ وَقْتُهَا وَقْتَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا مِنْ حُكْمِهَا ذَلِكَ لِمَا شُرِعَ مِنْ اتِّصَالِهَا بِالصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إنَّمَا صَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِهِ لِيَكُونَ أَسْرَعَ لِخُرُوجِهِ مِنْ إدْخَالِ الْإِذْنِ عَلَيْهِ وَهَذَا كُلُّهُ لِمَا أَرَادَ مِنْ الْإِسْرَاعِ وَتَعْجِيلِ الْوُقُوفِ وَخُرُوجُ الْحَجَّاجِ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُفَدَّمَةٍ وَإِنْ كَانَ الْمَصْبُوغُ كُلُّهُ مَكْرُوهًا لِلْأَئِمَّةِ لَكِنْ لَيْسَ الْحَجَّاجُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ فَيَغْتَرُّ بِذَلِكَ مَنْ رَآهُ يَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ الرَّوَاحُ إنْ كُنْت تُرِيدُ السُّنَّةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَ الزَّوَالِ إلَّا أَنَّهُ أَعْلَمَهُ أَنَّ السُّنَّةَ التَّعْجِيلُ وَقَوْلُ الْحَجَّاجِ أَهَذِهِ السَّاعَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ وَالْوُقُوفِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ حَتَّى أَعْلَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ السُّنَّةَ التَّعْجِيلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: اُنْظُرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَيَّ مَاءً وَكَانَ الْغُسْلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَشْرُوعًا لَا سِيَّمَا لِمَنْ يَؤُمُّ بِالنَّاسِ انْتَظَرَهُ رِفْقًا بِهِ وَعَوْنًا عَلَى الطَّاعَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ سَالِمٍ وَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى رَوَاحِلِهِمْ لِأَنَّ السُّنَّةَ الرُّكُوبُ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ لِمَنْ كَانَتْ لَهُ رَاحِلَةٌ وَحَجَّ رَاكِبًا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَوْلُ سَالِمٍ لَهُ إنْ كُنْت تُرِيدُ السُّنَّةَ الْيَوْمَ الظَّاهِرُ أَنَّهَا سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَبِتَصْدِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَهُ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: فَاقْصُرْ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ يُطْلِقُونَ أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ تَعَلُّقٌ بِالصَّلَاةِ كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَلَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الصَّلَاةِ فَيَنْقُلُهَا إلَى الْقَصْرِ وَالْجَهْرِ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَخْطُبُ الْإِمَامُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَكَذَلِكَ يَقُولُ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا الْمَغَارِبَةِ وَالْمَدَنِيُّونَ يَقُولُونَ: يَخْطُبُ الْإِمَامُ إلَّا أَنَّهُمْ لَا يَجْعَلُونَ لِلْخُطْبَةِ حُكْمَ الْخُطْبَةِ لِلصَّلَاةِ فِيمَا نَذْكُرُهُ وَإِنَّمَا يَجْعَلُونَ لَهَا حُكْمَ التَّعْلِيمِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّمَا قَالَ: يَخْطُبُ بِعَرَفَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَتْ لِلصَّلَاةِ لَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي الْوَقْتِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ كُلُّ صَلَاةٍ يُخْطَبُ لَهَا فَإِنَّهُ يَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقِيلَ لَهُ: فَعَرَفَةُ يُخْطَبُ فِيهَا وَلَا يُجْهَرُ لَهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: إنَّمَا تِلْكَ لِلتَّعْلِيمِ وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَا يُؤَذِّنُ إلَّا بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَلَوْ كَانَتْ الْخُطْبَةُ لِلصَّلَاةِ لَوَجَبَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ كَالْجُمُعَةِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمِنْ حُكْمِ هَذِهِ السُّنَّةِ أَنْ يَخْطُبَ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَخُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثٌ أَوَّلُهُنَّ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقِيلَ: قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْأَوَّلُ قَوْلُنَا وَهِيَ لَا يَجْلِسُ فِي وَسَطِهَا يُعَلِّمُ النَّاسَ مَنَاسِكَهُمْ وَخُرُوجَهُمْ إلَى مِنًى وَصَلَاتَهُمْ بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَغُدُوَّهُمْ مِنْهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ وَالْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ بِعَرَفَةَ يَجْلِسُ بَيْنَهَا وَهِيَ تَعْلِيمُ النَّاسِ مَا بَقِيَ مِنْ مَنَاسِكِهِمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ بِعَرَفَةَ وَوُقُوفِهِمْ بِهَا وَدَفْعِهِمْ وَمَبِيتِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ وَصَلَاتِهِمْ بِهَا وَوُقُوفِهِمْ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَالدَّفْعِ مِنْهُ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَالنَّحْرِ وَالْإِفَاضَةِ وَالْخُطْبَةُ الثَّالِثَةُ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ بِيَوْمٍ وَهُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَهِيَ خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَجْلِسُ فِيهَا وَهِيَ بَعْدَ الظُّهْرِ يُعَلِّمُ النَّاسَ الرَّمْيَ وَأَوْقَاتَهُ وَكَيْفَ هُوَ وَيَوْمَ نَفْرِهِمْ وَمَا لَهُمْ مِنْ التَّعْجِيلِ فِي يَوْمَيْنِ وَتَعْجِيلَ الْإِفَاضَةِ وَالسَّعْيَ فِي تَأْخِيرِهَا وَالْبَيْتُوتَةَ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى وَلَا يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخُطَبِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَتُفْتَحُ هَذِهِ الْخُطَبُ الثَّلَاثُ بِالتَّكْبِيرِ كَالْأَعْيَادِ وَيُكَبِّرُ فِي خِلَالِ
стр. 718
الصَّلَاةُ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْجُمُعَةُ بِمِنًى وَعَرَفَةَ ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِمِنًى ثُمَّ يَغْدُو إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إلَى عَرَفَةَ) .
ص (قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِي الظُّهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنَّهُ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ وَأَنَّ الصَّلَاةَ يَوْمَ عَرَفَةَ إنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ وَإِنْ وَافَقَتْ الْجُمُعَةَ فَإِنَّمَا هِيَ ظُهْرٌ وَلَكِنَّهَا قُصِرَتْ مِنْ أَجْلِ السَّفَرِ قَالَ مَالِكٌ فِي إمَامِ الْحَاجِّ إذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ) .
ــ
[المنتقى]
كُلِّ خُطْبَةٍ وَيَجْلِسُ فِي وَسَطِهَا بَيْنَ كُلِّ خُطْبَتَيْنِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَتَى يُؤَذَّنُ لِلظُّهْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُؤَذَّنُ لِلظُّهْرِ إذَا جَلَسَ الْإِمَامُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُؤَذَّنُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قَامَ فَنَزَلَ الْإِمَامُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ.
(فَرْعٌ)
وَيُؤَذَّنُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ وَيُقَامُ لَهَا وَأَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُؤَذَّنُ لَهَا وَيُقَامُ لَهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُؤَذَّنُ لِلْعَصْرِ وَيُقَامُ لَهَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا صَلَاتَا فَرْضٍ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَذَانٌ وَإِقَامَةٌ كَالصَّلَاتَيْنِ يُجْمَعَانِ فِي السَّفَرِ أَوْ الْمَطَرِ.
[الصَّلَاةُ بِمِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالْجُمُعَةُ بِمِنًى وَعَرَفَةَ]
ش قَوْلُهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ بِمِنًى يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ يَوْمُ مِنًى وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ الْعَشْرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ فَطُفْ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَارْكَعْ وَاخْرُجْ إلَى مِنًى فَإِنْ خَرَجْت قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَدْرَ مَا يُصَلُّونَ بِهَا الظُّهْرَ فَإِذَا وَصَلَ إلَى مِنًى صَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ يَبِيتُ بِهَا إلَى أَنْ يُصْبِحَ فَيُصَلِّي الصُّبْحَ وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَفْعَالُهُ فِي الْقُرْبِ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ فَهِيَ عَلَى النَّدْبِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَكَرِهَ مَالِكٌ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حَتَّى يُمْسِيَ إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بِمَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ مَكِّيٍّ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ فِي بَابٍ آخَرَ: فَمَنْ أَقَامَ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ إتْمَامُ الصَّلَاةِ قَالَ أَصْبَغُ: فَأَمَّا الْمُسَافِرُ فَإِنْ شَاءَ خَرَجَ وَإِنْ شَاءَ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَأَخَّرَ إلَى أَنْ يُصَلِّي لِفَضِيلَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحَبُّ إلَيَّ خُرُوجُهُ إلَى مِنًى لِيُدْرِكَ بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ مَالِكٌ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَخَذَهُ الْوَقْتُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَغْدُو إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إلَى عَرَفَةَ هُوَ السُّنَّةُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ يَغْدُو الْإِمَامُ وَالنَّاسُ إذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ إلَى عَرَفَةَ إلَّا مَنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ بِدَابَّتِهِ عِلَّةٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْدُوَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ غَدَا مِنْ مِنًى إلَى عَرَفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَا يُجَاوِزُ بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبْلَ بَطْنِ مُحَسِّرٍ فِي حُكْمِ مِنًى فَلَا يَكُونُ غَادِيًا إلَى عَرَفَةَ إلَّا بِخُرُوجِهِ مِنْ مِنًى إلَى بَطْنِ مُحَسِّرٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
ش قَوْلُهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجْهَرُ بِالْقُرْآنِ فِي الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لِأَنَّهَا ظُهْرٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِيهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِذَا وَافَقَ فَإِنَّهَا ظُهْرٌ أَيْضًا وَإِنَّمَا تُقْصَرُ لِلسَّفَرِ وَلَيْسَتْ بِصَلَاةِ جُمُعَةٍ لِأَنَّ عَرَفَةَ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ تَجْمِيعٍ لِأَنَّ التَّجْمِيعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَوْضِعِ اسْتِيطَانٍ وَإِقَامَةٍ وَعَرَفَةُ لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ وَلَا بِدَارِ اسْتِيطَانٍ وَلَا إقَامَةٍ فَلَا تُجْمَعُ فِيهَا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَرْيَةٌ وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ.
١ -
стр. 719
صَلَاةُ الْمُزْدَلِفَةِ ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا» )
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) وَإِذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ النَّحْرِ أَوْ بَعْضَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَمْ يَجْمَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَمَّا فِي عَرَفَةَ فَلِمَا قَدَّمْنَاهُ وَأَمَّا مِنًى فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً مَبْنِيَّةً فَلَيْسَتْ بِدَارِ اسْتِيطَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَلَا لَهَا أَهْلٌ يَسْتَوْطِنُونَهَا وَإِنَّمَا يَسْكُنُهَا النَّاسُ أَيَّامَ مِنًى خَاصَّةً وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ فِيهَا وَلَوْ سُكِنَتْ وَاسْتُوْطِنَتْ لَكَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ سَائِرِ الْبِلَادِ فِي التَّجْمِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[صَلَاةُ الْمُزْدَلِفَةِ]
ش قَوْلُهُ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا» يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنَّهُ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَإِنْ كَانَ صَلَّى كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى سُنَّةِ الْجَمْعِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ فَتَوَضَّأَ فَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ فَقُلْت لَهُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَك فَرَكِبَ فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا» ) ش قَوْلُهُ «دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ» قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ دَفْعَهُ كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِذَا دَفَعَ الْإِمَامُ مِنْ عَرَفَةَ فَارْفَعْ يَدَيْك إلَى اللَّهِ وَادْفَعْ وَعَلَيْك السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَإِنْ كُنْت رَاجِلًا فَامْشِ الْهُوَيْنَا وَلَا تَنْسَلَّ وَإِنْ كُنْت رَاكِبًا فَاعْنَقْ وَلَا تُهَرْوِلْ وَلَا بَأْسَ إذَا وَجَدْت فَجْوَةَ أَنْ تُحَرِّكَ شَيْئًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» .
(مَسْأَلَةٌ)
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ فِي طَرِيقِهِ مِنْ عَرَفَةَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ بَيْنَ الْمَأْزِمَيْنِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ: فَإِنْ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إخْلَالُ النُّسُكِ.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «حَتَّى إذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ» لَيْسَ النُّزُولُ بِالشِّعْبِ بِسُنَّةٍ وَلَا مَشْرُوعٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَنْزِلْ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ عَرَفَاتٍ وَجَمَعَ إلَّا لِيُهْرِيقَ الْمَاءَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: الشِّعْبُ الَّتِي كَانَتْ الْأُمَرَاءُ تَنْزِلُهُ اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَبَالًا وَاِتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلَّى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَتَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ تَوَضَّأَ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْبَوْلِ وَيُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ لَمْ يَتَوَضَّأْ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَلِذَلِكَ «قَالَ أُسَامَةُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ» تَذْكِرَةً لَهَا لِمَا رَأَى مِنْ تَرْكِهِ الِاسْتِعْدَادَ لَهَا بِالْوُضُوءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الْحَدَثِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُسْبِغْ الْوُضُوءَ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ مُبَالَغَتَهُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْحَدِيثِ فَيَكُونُ وُضُوءُ ذَلِكَ وُضُوءًا آخَرَ لِيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «الصَّلَاةُ أَمَامَك» يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصَّلَاةِ أَوْ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا قَدْ اتَّفَقَا هُنَالِكَ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ لَا يَخْلُو أَنْ يَقِفَ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ أَوْ بِأَثَرِ دَفْعِ الْإِمَامِ فَمَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ وَدَفَعَ بِدَفْعِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُصَلِّي حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ فَيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «الصَّلَاةُ أَمَامَك» .
١ -
стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
فَمَنْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ دُونَ عُذْرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُعِيدُ مَتَى عَلِمَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ صَلَّى قَبْلَ الزَّوَالِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «الصَّلَاةُ أَمَامَك» وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بِئْسَ مَا صَنَعَ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهُمَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَيُعِيدُ الْعِشَاءَ وَحْدَهَا أَبَدًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّ هَاتَيْنِ صَلَاتَانِ سُنَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِمَا وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَسْرَعَ فَأَتَى الْمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ عَجَّلَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَا لِإِمَامٍ وَلَا غَيْرِهِ حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «الصَّلَاةُ أَمَامَك» ثُمَّ صَلَّاهَا بِالْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ وَقْتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى بِهَا قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّفَقِ لَمَا أُخِّرَتْ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا مَنْ أَتَى عَرَفَةَ بَعْدَ دَفْعِ الْإِمَامِ وَكَانَ لَهُ عُذْرٌ مِمَّنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ وَقَفَ بَعْدَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُصَلِّي إذَا غَابَ الشَّفَقُ الصَّلَاتَيْنِ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَهَذَا يَقْتَضِي مُرَاعَاتَهُ لِلْوَقْتِ دُونَ الْمَكَانِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ بَعْدَ الْإِمَامِ: إنْ رَجَا أَنْ يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ ثُلُثَ اللَّيْلِ فَلْيُؤَخِّرْ الصَّلَاتَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الْمُزْدَلِفَةَ وَإِلَّا صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ لِوَقْتِهَا فَجَعَلَ ابْنُ الْمَوَّازِ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ لِمَنْ وَقَفَ مَعَ الْإِمَامِ دُونَ غَيْرِهِ وَاعْتَبَرَ مَالِكٌ بِالْوَقْتِ دُونَ الْمَكَانِ وَاعْتَبَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِالْوَقْتِ الْمُخْتَارِ لِلصَّلَاةِ وَالْمَكَانِ فَإِنْ خَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ بَطَلَ اعْتِبَارُ الْمَكَانِ وَكَانَ مُرَاعَاةُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَوْلَى.
١ -
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ تَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ» إنْ كَانَ وُضُوءُهُ الْأَوَّلُ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ فَإِنَّهُ يُرِيدُ الْوُضُوءَ هَاهُنَا وُضُوءَ الْحَدَثِ وَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ بِالشِّعْبِ وُضُوءَ الْحَدَثِ غَيْرَ أَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى أَقَلِّ الْوَاجِبِ فَإِنَّ إسْبَاغَهُ هَاهُنَا الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى أَتَمِّ أَحْوَالِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى يُرِيدُ أَنَّهُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا لِأَنَّ حُلُولَهَا إنَّمَا هُوَ مَغِيبُ الشَّفَقِ وَمَغِيبُ الشَّفَقِ مَعَ الْوُصُولِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ وَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُمَا.
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ أَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ أَمْ يُؤَخِّرُ حَتَّى يَحُطَّ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَقَالَ: أَمَّا الرَّحْلُ الْخَفِيفُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَحَامِلُ وَالزَّوَامِلُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلَاتَيْنِ ثُمَّ يَحُطُّ رَاحِلَتَهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ فِي كِتَابِهِ: لَوْ حَطَّ رَحْلَهُ وَحَطَّهُ لَهُ بَعْدَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ أَحَبُّ إلَيَّ مَا لَمْ يَضْطَرَّ إلَى ذَلِكَ لِمَا بِدَابَّتِهِ مِنْ الثِّقَلِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَيْسَ بِفَاصِلٍ بَيْنَ الْوُصُولِ وَالصَّلَاةِ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ لِعُذْرٍ وَقَدْ «تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ» .
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَعْجِيلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عِنْدَ الْوُصُولِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يُعِدَّ كُلُّ إنْسَانٍ مَكَانَ نُزُولِهِ فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ اتَّسَعَ الْوَقْتُ لِلْعِشَاءِ فَذَهَبَ كُلُّ إنْسَانٍ إلَى تَعْيِينِ مَكَانِ نُزُولِهِ وَإِنَاخَةِ بَعِيرِهِ بِهِ وَتَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ لِيُتَمِّمَ كُلُّ إنْسَانٍ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ إنَاخَةِ بَعِيرِهِ وَالتَّخْفِيفِ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ أَشْهَبُ: يَحُطُّ عَنْ رَاحِلَتِهِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إنْ شَاءَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا ثِقَلٌ فَإِنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ مَشْرُوعٍ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَيُعْتَبَرُ وَإِنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ مُوَسَّعٌ فِيهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «ثُمَّ أُقِيمَتْ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا» يُرِيدُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّلْ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ
стр. 721
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا» وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا) .
صَلَاةُ مِنًى ص (قَالَ مَالِكٌ فِي أَهْلِ مَكَّةَ: إنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِمِنًى إذَا حَجُّوا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا إلَى مَكَّةَ مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الصَّلَاةَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ شَطْرَ إمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ» )
ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنِ بِمِنًى.
ــ
[المنتقى]
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ «صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَعَشَّى ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ» وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ: لَا يَتَعَشَّى قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَإِنْ خَفَّفَ وَلْيُصَلِّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَتَعَشَّى قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْعِشَاءَ إنْ كَانَ عِشَاؤُهُ خَفِيفًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ طُولٌ فَلْيُؤَخِّرْهُ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ أَحَبُّ إلَيَّ وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ هُنَاكَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَأْخِيرُ الْمَغْرِبِ إلَى بَعْدِ مَغِيبِ الشَّفَقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَمَلُ الْيَسِيرُ لَيْسَ بِفَاصِلٍ وَلَا مَانِعٍ مِنْ حُكْمِ الْجَمْعِ عَلَى مَا قَالَ أَشْهَبُ وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَجَمَعَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَافِلَةً وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا وَلَا عَلَى أَثَرِ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا» وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَقْصِدَ الْوَقْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخِطْمِيَّ أَخْبَرَهُ «أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا» وَحَدَّثَنِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعًا) ش هَذَا اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَلَّى الصَّلَاتَيْنِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِالْمُزْدَلِفَةِ عَلَى حُكْمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَوْلَى لِاحْتِمَالِهِ لَهُمَا وَلَا تَنَافِي بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْهَى إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[صَلَاةُ مِنًى]
ش قَوْلُهُ فِي أَهْلِ مَكَّةَ إنَّهُمْ يُصَلُّونَ إذَا حَجُّوا رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ إذَا حَجُّوا اقْتَضَى ذَلِكَ بُلُوغًا إلَى عَرَفَةَ وَرُجُوعًا إلَى مَكَّةَ وَلَوْ كَانَ مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ عَرَفَةَ لَمَّا قَصَرُوا الصَّلَاةَ وَاحْتُسِبَ فِي هَذَا السَّفَرِ بِالذَّهَابِ وَالْمَجِيءِ لِأَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ بِحُكْمِ الْإِحْرَامِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُتِمَّ عَمَلَهُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ إلَّا بِالرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ وَأَمَّا سَائِرُ الْأَسْفَارِ فَإِنْ نَوَى فِيهِ الْمَسِيرَ وَالْمَجِيءَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ فِي مُنْتَهَى سَفَرِهِ أَوْ يَمْضِي مِنْهُ إلَى مَوْضِعٍ سِوَاهُ فَأَخْبَرَ مَالِكٌ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ إذَا خَرَجُوا لِلْحَجِّ أَنْ يُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى يَنْصَرِفُوا إلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يُصَلُّوا بِهَا رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَدْأَةِ وَالْعَوْدَةِ وَيُصَلُّونَ كَذَلِكَ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَغَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ» مِمَّا احْتَجَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الْمُصَلِّي بِمِنًى التَّقْصِيرُ وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَعُثْمَانُ بَعْضَ خِلَافَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى إتْمَامِهِ فَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ اتَّخَذَ أَهْلًا بِمَكَّةَ فَرَأَى أَنَّهُ لَا يَقْصُرُ مَكِّيٌّ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي سَفَرِهِ مِنْ مَكَّةَ بِالْخُرُوجِ إلَى عَرَفَةَ دُونَ الْعَوْدَةِ إلَى مَكَّةَ وَهَذَا لَمْ يَثْبُتْ وَهُوَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُهَاجِرَيْنِ اسْتِيطَانُ مَكَّةَ وَقِيلَ: إنَّهُ رَأَى الْإِتْمَامَ أَفْضَلَ وَهُوَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْإِتْمَامَ فَضِيلَةٌ وَالتَّقْصِيرَ رُخْصَةٌ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا قَصَرَ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ وَلِيَتَيَسَّرَ جَوَازُ التَّقْصِيرِ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ التَّقْصِيرَ أَوْلَى.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ» .
ص (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَا قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنِ بِمِنًى.
وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَّى لِلنَّاسِ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنِ بِمِنًى وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا)
стр. 722
وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَّى لِلنَّاسِ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ ثُمَّ صَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَكْعَتَيْنِ بِمِنًى وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا) .
صَلَاةُ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ وَمِنًى ص (قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى فَيَقْصُرُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ عَلَى مَقَامِ أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ لَيَالٍ) .
تَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ص (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ ارْتَفَعَ
ــ
[المنتقى]
ش قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدِمَ أَيَّامَ إمَامَتِهِ فَصَلَّى لَهُمْ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْإِمَامُ إذَا وَرَدَ بَلَدًا مِنْ عَمَلِهِ أَقَامَ بِهِمْ الصَّلَاةَ فَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الْمُقَامِ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ السَّفَرِ قَصَرَهَا وَظَاهِرُ مَسَاقِ الْكَلَامِ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَرَدَ حَاجًّا وَإِنْ كَانَ قَصَرَ الصَّلَاةَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَرَدَ مَكَّةَ بِالْغَدِ مِنْ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ يَوْمٌ يَخْرُجُ فِيهِ إلَى مِنًى مُدَّةً تَتِمُّ لَهَا الصَّلَاةُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ثُمَّ صَلَّى بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا الضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى أَهْلِ مَكَّةَ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ شَيْئًا لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ جَرَى ذِكْرُهُمْ وَأَمَّا أَهْلُ مِنًى فَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْرٌ وَلَا لَهَا أَهْلٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ اسْتِيطَانٍ وَإِقَامَةٍ وَإِنَّ نُسِبَ إلَيْهَا أَحَدٌ فَإِنَّمَا يُنْسَبُ مَنْ يُقِيمُ حَوَالِيهَا مِنْ الْأَعْرَابِ الْمُنْتَقِلِينَ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِتْمَامِ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُمْ التَّقْصِيرَ الَّذِي هُوَ حُكْمُهُ وَأَمَرَهُمْ بِمَكَّةَ بِالْإِتْمَامِ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُ الْإِتْمَامَ الَّذِي يُخَالِفُ حُكْمَهُ فِي الْقَصْرِ فَنَبَّأَهُمْ عَلَى تَرْكِ اتِّبَاعِهِ فِي الْقَصْرِ.
ص (وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ كَيْفَ صَلَاتُهُمْ بِعَرَفَةَ أَرَكْعَتَانِ أَمْ أَرْبَعٌ وَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْحَاجِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَيُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ بِعَرَفَةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ وَكَيْفَ صَلَاةُ أَهْلِ مَكَّةَ بِمِنًى فِي إقَامَتِهِمْ فَقَالَ مَالِكٌ: يُصَلِّي أَهْلُ مَكَّةَ بِعَرَفَةَ وَمِنًى مَا أَقَامُوا بِهِمَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَكَّةَ قَالَ مَالِكٌ: وَأَمِيرُ الْحَاجِّ أَيْضًا إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَصَرَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَةَ وَأَيَّامِ مِنًى قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنًى مُقِيمًا بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِعَرَفَةَ مُقِيمًا بِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِهَا أَيْضًا) ش قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ ذَلِكَ وَمُخَالَفَةَ هَذَا السَّفَرِ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْفَارِ، وَحُكْمُ الْأَمِيرِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ مِنْ التَّمَادِي وَالرُّجُوعِ مَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ سَاكِنًا بِمِنًى مُقِيمًا بِهَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَارَ اسْتِيطَانٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ إلَّا أَنَّهُ إنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُقِيمَ بِهَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ كُلِّ مُسَافِرٍ يُصَلِّي فِي بَلَدِهِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ التَّمَادِي إلَى غَيْرِهِ وَلِذَلِكَ أَتَمَّ أَهْلُ مِنًى بِمِنًى وَأَهْلُ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ.
[صَلَاةُ الْمُقِيمِ بِمَكَّةَ وَمِنًى]
ش وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: مَنْ قَدِمَ مَكَّةَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ فَإِنَّهُ يُقِيمُ بِمَكَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَى مِنًى إنَّمَا هُوَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَهَذِهِ مُدَّةٌ يُتِمُّ الصَّلَاةَ مَنْ نَوَى إقَامَتَهَا فِي مَوْضِعٍ وَكَذَلِكَ لَوْ وَرَدَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ كَانَ حُكْمُهُ إتْمَامَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى مِنًى فَيَقْصُرُ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْحَاجِّ بِمِنًى يَوْمُ النَّحْرِ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَكْمِلُ بِهَا أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ أَوَّلِ سَفَرِهِ وَآخِرِهِ فَلَمْ يَزَلْ الْمُقِيمُ بِهَا أَيَّامَ مِنًى يُتِمُّ صَلَاتَهُ.
стр. 723
النَّهَارُ شَيْئًا فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ ثُمَّ خَرَجَ الثَّانِيَةَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَكَبَّرَ فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثَةَ حِينَ زَاغَتْ الشَّمْسُ فَكَبَّرَ فَكَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ حَتَّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ وَيَبْلُغَ الْبَيْتَ فَيُعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ يَرْمِي) .
ــ
[المنتقى]
[تَكْبِيرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ]
ش خُرُوجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ لِلتَّكْبِيرِ عَلَى مَعْنَى تَذْكِيرِ النَّاسِ وَتَنْبِيهِهِمْ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ تَعَالَى» وَخَافَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى النَّاسِ فِي أَكْثَرِ أَوْقَاتِهِ التَّشَاغُلُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ يَخْرُجُ وَيُعْلِنُ بِالتَّكْبِيرِ مُذَكِّرًا لِلنَّاسِ بِذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَنَّ عُمَرَ كَانَ إذَا كَبَّرَ بِمِنًى بَعْدَ الزَّوَالِ حَسَرَ النَّاسُ الْأَمْتِعَةَ لِرَمْيِ الْجِمَارِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ يَقْصِدُ ذَلِكَ لِيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِرَمْيِ الْجِمَارِ إذْ كَانَ رَمْيُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْأَذَانِ لَهَا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِي الْإِعْلَانِ بِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَتَّصِلَ التَّكْبِيرُ إلَى مَكَّةَ فَيَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ عُمَرَ قَدْ خَرَجَ لِرَمْيِ الْجِمَارِ فَيَتَذَكَّرُونَ حِينَئِذٍ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَغْتَنِمُونَ الدُّعَاءَ حِينَ دَعَا النَّاسُ بِمِنًى رَجَاءَ أَنْ تَنَالَهُمْ بَرَكَتُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي لِأَهْلِ مِنًى وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُكَبِّرُوا أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ إذَا ارْتَفَعَ ثُمَّ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ بِالْعَشِيِّ وَكَذَلِكَ فَعَلَ وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ وَغَيْرُهُمْ فَفِي خُرُوجِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى وَفِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَيُكَبِّرُونَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ وَلَا يَجْهَرُونَ وَالْحُجَّاجُ يَجْهَرُونَ بِهِ فِي كُلِّ السَّاعَاتِ إلَى الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَيَرْمُونَ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ حَتَّى يُصَلُّوا الظُّهْرَ بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ يَنْقَطِعُ التَّكْبِيرُ.
ص (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَأَوَّلَ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ مَعَهُ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرَ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ وَالنَّاسُ مَعَهُ دُبُرَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ثُمَّ يَقْطَعُ التَّكْبِيرَ قَالَ مَالِكٌ: وَالتَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مَنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ وَحْدَهُ بِمِنًى أَوْ بِالْآفَاقِ كُلِّهَا وَاجِبٌ وَإِنَّمَا يَأْتَمُّ النَّاسُ فِي ذَلِكَ بِإِمَامِ الْحَاجِّ وَبِالنَّاسِ بِمِنًى لِأَنَّهُمْ إذَا رَجَعُوا وَانْقَضَى الْإِحْرَامُ ائْتَمُّوا بِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَهُمْ فِي الْحِلِّ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ حَاجًّا فَإِنَّهُ لَا يَأْتَمُّ بِهِمْ إلَّا فِي تَكْبِيرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) ش قَوْلُهُ التَّكْبِيرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يُرِيدُ مُتَّصِلًا بِالسَّلَامِ فَإِنْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَلَا يُكَبِّرُ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ سُجُودِ السَّهْوِ وَمَنْ فَاتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ بَعْدَ السَّلَامِ وَتَمَامِ الْقَضَاءِ قَالَهُ أَشْهَبُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ شُرِعَ بَعْدَ تَمَامِ التَّحَلُّلِ مِنْ الصَّلَاةِ وَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ أَوْ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ وَجُبْرَانِهَا فَلَا يَكُونُ التَّكْبِيرُ إلَّا بَعْدَ السَّلَامِ مِنْهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ يُرِيدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ دُونَ النَّوَافِلِ خِلَافًا لِبَعْضِ التَّابِعِينَ لِأَنَّ فِي تَخْصِيصِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهَا وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَاجِبٌ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْوَاجِبِ مِنْهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَأَوَّلُ ذَلِكَ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ فِي عَقِبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهُ تَكْبِيرُهُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ صَلَاةِ النَّاسِ بِمِنًى لِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إنَّمَا تُصَلَّى بِالْمُزْدَلِفَةِ وَصَلَاةَ الظُّهْرِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا تُصَلَّى بِمِنًى وَإِنَّمَا يَرْمِي الْجِمَارَ الْحَاجُّ ثُمَّ يَنْفِرُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْمُحَصَّبِ أَوْ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ مِنْ طَرِيقِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ مَا قَدَّمْنَاهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً أَوَّلُهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهَا صَلَاةُ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ فِيمَنْ قَضَى صَلَاةً مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهَا فَلَا تَكْبِيرَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لِهَذَا التَّكْبِيرِ
стр. 724
ص (قَالَ مَالِكٌ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) .
صَلَاةُ الْمُعَرَّسِ وَالْمُحَصَّبِ ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا» قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إذَا قَفَلَ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَلْيَقُمْ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ صَلَّى مَا بَدَا لَهُ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِهِ» وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَاخَ بِهِ) .
ــ
[المنتقى]
اخْتِصَاصًا بِهَذِهِ الْأَيَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] .
(مَسْأَلَةٌ)
فَمَنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ بِأَثَرِ الصَّلَاةِ كَبَّرَ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْقُرْبُ لِأَنَّهُ مُضَافٌ إلَى الصَّلَاةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنْ نَسِيَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَ فَإِنْ كَانَ قَرِيبًا قَعَدَ فَكَبَّرَ وَإِنْ تَبَاعَدَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَهَبَ وَلَمْ يُكَبِّرْ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ فَلْيُكَبِّرُوا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مُرَاعَاةُ الْحَالِ الَّتِي يَتَحَلَّلُ عَلَيْهَا مِنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا فَارَقَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ)
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَيُكَبِّرُ النَّاسُ وَالْمُسَافِرُونَ وَمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ وَأَهْلُ الْبَوَادِي وَالْعَبِيدُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: وَلَا يُكَبِّرُ النِّسَاءُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مِمَّنْ يَلْزَمُهَا حُكْمُ الْإِحْرَامِ كَالرَّجُلِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَعْنًى مِنْ حُكْمِهِ الْإِعْلَانُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ ابْتِدَاءً كَالْأَذَانِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفِي الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ سِتُّ كَلِمَاتٍ وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ أَجْزَأَهُ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَنَحْنُ نَسْتَحْسِنُ فِي التَّكْبِيرِ ثَلَاثًا فَمَنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ فَلَا حَرَجَ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِيهِ ثَلَاثًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ش الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ هِيَ أَيَّامُ الرَّمْيِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَّصِلَةٍ تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ قِيلَ: سُمِّيَتْ التَّشْرِيقَ لِأَنَّ لُحُومَ الْأَضَاحِيِّ تَشْرَقُ فِيهَا وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ هِيَ الَّتِي وَصَفْنَاهَا بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا وَمَنْ تَأَخَّرَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَهَا وَالتَّعْجِيلُ فِي يَوْمَيْنِ مِنْهَا أَنْ يُقِيمَ بِمِنًى مِنْهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ أَوَّلُهَا ثُمَّ يَوْمُ النَّفْرِ وَهُوَ الثَّانِي مِنْهَا فَيَأْتِي فِي الْيَوْمَيْنِ بِمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الرَّمْيِ ثُمَّ يَنْفِرُ فِيهِ فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَالتَّأْخِيرُ أَنْ يُقِيمَ إلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ يَوْمُ الصَّدْرِ فَيَأْتِيَ بِمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ الرَّمْيِ ثُمَّ يَصْدُرُ.
[صَلَاةُ الْمُعَرَّسِ وَالْمُحَصَّبِ]
ش الْمُعَرَّسُ هُوَ الْبَطْحَاءُ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَعْنَى الْمُعَرَّسِ مَوْضِعُ النُّزُولِ يُقَالُ عَرَّسَ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ إذَا نَزَلَ بِهِ وَحَطَّ فِيهِ رَحْلَهُ فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الْمُعَرَّسَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ فِيهِ وَلَمَّا صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ اُسْتُحِبَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ تَبَرُّكًا بِمَوْضِعِ صَلَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْهُ « ﷺ أَنَّهُ نُودِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسِ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي قِيلَ لَهُ: إنَّك بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إذَا فَعَلَ حَتَّى يُصَلِّي فِيهِ وَخَصَّ ذَلِكَ بِالْقُفُولِ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَنَاخَ فِي قُفُولِهِ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 725
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ اللَّيْلِ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ) .
ــ
[المنتقى]
ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ فِي طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ لِمَكَّةَ يُصَلِّي بِمَسْجِدِ الشَّجَرَةِ وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي حَتَّى يُصْبِحَ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ فَلْيُقِمْ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ يُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ مِمَّا رُجِيَ بَرَكَتُهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنَّهُ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ فَيَجِبُ أَنْ يَقْصِدَ بِالصَّلَاةِ رَجَاءَ بَرَكَةِ ذَلِكَ فِيهَا وَلَيْسَ لِمَا يُصَلَّى فِيهِ حَدٌّ يُرِيدُ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ مَا شُرِعَ مِنْ النَّافِلَةِ وَهُوَ رَكْعَتَانِ فَهَذَا حَدٌّ فِي الْقِلَّةِ وَأَمَّا الْكَثْرَةُ فَلَا حَدَّ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ قَافِلًا مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَفَلَ فَمَرَّ بِقَرْيَتِهِ جَاهِلًا فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُعَرَّسَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إلَى أَهْلِهِ فِي صَدْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ش الْمُحَصَّبُ مَوْضِعٌ بِأَعْلَى مَكَّةَ خَارِجٌ مِنْهَا مُتَّصِلٌ بِالْجَبَّانَةِ الَّتِي بِطَرِيقِ مِنًى وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَبْطَحُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ بِالْمُحَصَّبِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ عِنْدَهُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالْمُحَصَّبِ وَرَقَدَ رَقْدَةً.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ الْمُحَصَّبُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ «عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ بِالْأَبْطَحِ وَلَكِنِّي أَتَيْتُهَا فَضَرَبْت فِيهَا قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ» .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إنِّي لَأَسْتَحِبُّ النُّزُولَ بِالْمُحَصَّبِ إذَا فَرَغَ الْإِمَامُ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ وَصَدَرَ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا بَأْسَ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ.
وَقَدْ «قَالَ ابْنُ عُمَرَ: النُّزُولُ بِالْمُحَصَّبِ سُنَّةٌ أَنَاخَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْخَلَفُ» وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: أَسْتَحِبُّ لِلْأَئِمَّةِ وَلِمَنْ يَقْتَدِي بِهِ أَنْ لَا يُجَاوِزَهُ حَتَّى يَنْزِلُوا بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ قَدْ فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالْخَلَفُ فَتَعَيَّنَ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَمَنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إحْيَاءُ سُنَّتِهِ وَالْقِيَامُ بِهَا لِئَلَّا يُتْرَكَ هَذَا الْفِعْلُ جُمْلَةً وَيَكُونَ لِلنُّزُولِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ حُكْمُ النُّزُولِ بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ لَا فَضِيلَةَ لِلنُّزُولِ بِهِ بَلْ لَا يَجُوزُ النُّزُولُ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ النُّزُولُ بِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ فَأَمَّا مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا أَعْلَمُ التَّحْصِيبَ يَكُونُ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: لَا حَصْبَةَ لِمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ لِمَنْ اسْتَوْفَى الْعِبَادَةَ وَأَتَى بِهَا عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَتِهَا فَأَمَّا مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَائِزِ مِنْهَا دُونَ الْفَضِيلَةِ وَتَعَجَّلَ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ التَّحْصِيبِ فَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ لَا يَتَلَوَّمَ عَلَى التَّحْصِيبِ الَّذِي لَا يَقْوَى قُوَّةَ التَّأْخِيرِ فِي الْقُرْبِ وَكَذَلِكَ إذَا وَافَقَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمَ النَّفْرِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: أُحِبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُقِيمَ بِالْمُحَصَّبِ لِكَيْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِأَهْلِ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ)
وَمَنْ لَمْ يُقِمْ بِالْمُحَصَّبِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ بِالْمُحَصَّبِ وَيَسْتَحِبُّهُ وَإِنْ شَاءَ مَضَى إذَا صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ حَتَّى يَأْتِيَ مَكَّةَ وَيَدَعَ الْمُقَامَ بِهِ حَتَّى يُمْسِيَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ التَّعْرِيسَ بِهِ وَأَمَّا مَنْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ فَلَمْ يَنْزِلْ بِهِ وَمَضَى كَمَا هُوَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ أَوْ
стр. 726
الْبَيْتُوتَةُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَبْعَثُ رِجَالَهُ يُدْخِلُونَ النَّاسَ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِنْ الْحَاجِّ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ) .
ــ
[المنتقى]
صَلَّاهُمَا بِطَرِيقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ دَمٍ وَلَا غَيْرِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُخْتَلَفٌ فِي اسْتِحْبَابِهِ فَالْأَخْذُ بِهِ أَحْوَطُ وَأَفْضَلُ وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخِلَّ بِوَاجِبٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ أَدْرَكَهُ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْأَبْطَحَ فَإِنَّهُ يُصَلِّي الصَّلَاةَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ فَإِذَا أَتَى الْأَبْطَحَ نَزَلَ بِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا مُتَّفَقٌ عَلَى وُجُوبِهِ وَالنُّزُولَ بِالْأَبْطَحِ مُخْتَلَفٌ فِي اسْتِحْبَابِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنْ اللَّيْلِ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ إنْ كَانَ مِمَّنْ عَلَيْهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَيَدْخُلُ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرِيدُ الرَّحِيلَ وَقَدْ طَافَ لِإِفَاضَتِهِ فَيَدْخُلُ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ فَقَدْ حَلَّ وَإِنْ شَاءَ طَافَ وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ الطَّوَافَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَيْتُوتَةُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى]
ش قَوْلُهُ كَانَ يَبْعَثُ رِجَالًا يُدْخِلُونَ النَّاسَ مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ يُرِيدُ لَيَالِيَ مِنًى لِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى مَشْرُوعٌ كَالْمُقَامِ بِهَا وَكُلُّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِمِنًى فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَ الْعَقَبَةِ إلَيْهَا كَالنَّحْرِ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَكْثَرَ لَيْلَتِهِ ثُمَّ أَتَى إلَى مِنًى فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِيتَ لَيْلَةً كَامِلَةً فَعَلَيْهِ دَمٌ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ مَنْ بَاتَ لَيْلَةً أَوْ جُلَّ لَيْلَةٍ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ فَلْيُهْدِ هَدْيًا وَإِنْ بَاتَ بَعْضَ لَيْلَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاتَ بِمِنًى لَيَالِيَ مِنًى وَرَخَّصَ الْعَبَّاسَ فِي الْمَبِيتِ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَإِلَّا فَكَانَ يَجُوزُ لِلْعَبَّاسِ ذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ دُونَ إرْخَاصٍ وَقَدْ تَأَكَّدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ بِمَنْعِ عُمَرَ الْمَبِيتَ وَرَاءَ الْعَقَبَةِ وَهَذَا إجْمَاعٌ لِعَدَمِ الْخِلَافِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَالْعَقَبَةُ الَّتِي مَنَعَ عُمَرُ أَنْ يَبِيتَ أَحَدٌ وَرَاءَهَا إلَى مَكَّةَ هِيَ الْعَقَبَةُ الَّتِي عِنْدَ الْجَمْرَةِ الَّتِي يَرْمِيهَا النَّاسُ يَوْمَ النَّحْرِ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ وَمَنْ بَاتَ وَرَاءَهَا لَيَالِيَ مِنًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَاتَ بِغَيْرِ مِنًى لَيَالِيَ مِنًى وَهُوَ مَبِيتٌ مَشْرُوعٌ فِي الْحَجِّ فَلَزِمَ الدَّمُ بِتَرْكِهِ كَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَمَعْنَى الْفِدْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْهَدْيُ قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ هَدْيٌ يُسَاقُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِي مَنْ زَارَ الْبَيْتَ فَمَرِضَ بِمَكَّةَ وَبَاتَ بِهَا عَلَيْهِ هَدْيٌ يَسُوقُهُ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ مَعَ الضَّرُورَةِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْتُوتَةِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ إلَّا بِمِنًى) ش قَوْلُهُ فِي الْبَيْتُوتَةِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ إلَّا بِمِنًى إنَّمَا خَصَّ السَّائِلُ مَكَّةَ بِالْمَبِيتِ بِهَا لَمَّا رَأَى أَنَّ الْعَبَّاسَ وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ كَانَا يَبِيتَانِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى أَرْخَصَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إبَاحَةُ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى وَيَظَلَّ بِهَا إذَا رَمَى الْجِمَارَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ سَائِرَ النَّاسِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ مَتَاعٌ بِمَكَّةَ فَخَشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ إنْ بَاتَ بِمِنًى فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَهُ بِمَكَّةَ فَعَلَّقَ إبَاحَةَ ذَلِكَ بِالْعُذْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُبَاحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِأَنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ يَخُصُّهُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ عَلَى حَسَبِ مَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ نَافِعٍ فِيمَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ فَبَاتَ بِمَكَّةَ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ.
стр. 727
رَمْيُ الْجِمَارِ ص (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا حَتَّى يَمَلَّ الْقِيَامَ) .
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: الْحَصَى الَّذِي يَرْمِي بِهِ الْجِمَارَ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَعْجَبُ إلَيَّ) .
ــ
[المنتقى]
[رَمْيُ الْجِمَارِ]
قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ يُرِيدُ الْأُولَتَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا يُرِيد أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عِنْدَهُمَا بَعْدَ الرَّمْيِ لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وُقُوفًا طَوِيلًا حَتَّى يَمَلَّ الْقِيَامَ بِقِيَامِهِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ عِنْدَ تَيْنِكَ الْجَمْرَتَيْنِ بِأَثَرِ رَمْيِهِمَا مَشْرُوعٌ وَيُسْتَحَبُّ طُولُ الْقِيَامِ عِنْدَهُمَا لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا يُكَبِّرُ اللَّهَ وَيُسَبِّحُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُو اللَّهَ وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) قَوْلُهُ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ هُمَا اللَّتَانِ يَلِيَانِ مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتَا الْأُولَتَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَبْدَأُ بِالرَّمْيِ مِنْ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ بِالْوُسْطَى وَهِيَ الَّتِي تَلِيهَا ثُمَّ بِالْقُصْوَى وَهِيَ الَّتِي تَلِي الْعَقَبَةَ فَشُرِعَ الْوُقُوفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالْوُسْطَى وَلَمْ يُشْرَعْ عِنْدَ الْآخِرَةِ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ وَمَوْضِعُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ أَمَامَهَا ثُمَّ يَقِفُ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا كَذَلِكَ يَفْعَلُ أَيَّامَ مِنًى كُلَّهَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَتَقَدَّمُ أَمَامَهَا فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدْعُو وَكَانَ يُطِيلُ الْوُقُوفَ ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمَّا يَلِي الْوَادِي فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَوْضِعَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ فِيهِ سَعَةٌ لِلْقِيَامِ لِلدُّعَاءِ وَلِمَنْ يَرْمِي وَأَمَّا جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فَمَوْضِعُهَا ضَيِّقٌ لِلْوُقُوفِ عِنْدَهَا لِلدُّعَاءِ لَا لِامْتِنَاعِ الرَّمْيِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الرَّمْيَ وَلِذَلِكَ الَّذِي يَرْمِيهَا لَا يَنْصَرِفُ عَلَى طَرِيقِهِ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ مِنْ أَعْلَى الْجَمْرَةِ وَلَوْ انْصَرَفَ مِنْ طَرِيقِهِ ذَلِكَ لَمَنَعَ مَنْ يَأْتِي الرَّمْيَ.
(فَصْلٌ)
وَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ وُقُوفَهُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالدُّعَاءِ وَلِذَلِكَ اُسْتُحِبَّ فِيهِ التَّطْوِيلُ وَذَلِكَ قَدْرُ قُوَّةِ النَّاسِ وَطَاقَتِهِمْ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) ش قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ التَّكْبِيرُ مَشْرُوعًا عِنْدَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ عِنْدَ كُلِّ رَمْيَةٍ وَكَذَلِكَ كُلُّ عِبَادَةٍ شُرِعَ فِيهَا التَّكْبِيرُ فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ مَحِلِّهِ كَالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنٍ إلَى رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ وَشِعَارُ الْحَجِّ مَوَاضِعُ تَعْظِيمٍ لِلَّهِ وَتَكْبِيرٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ» .
(مَسْأَلَةٌ)
وَخَصَّ التَّكْبِيرَ بِهَذَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَلْفَاظِ الذِّكْرِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا خُصَّتْ الصَّلَاةُ فَإِنْ سَبَّحَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ رَمَى وَلَمْ يُكَبِّرْ هُوَ مُجْزِئٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي أَثْنَاءِ الْحَجِّ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ.
ش قَوْلُهُ الْحَصَى الَّذِي يَرْمِي بِهِ الْجِمَارَ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ يُرِيدُ أَنَّ الْحَصَى الْمَشْرُوعَ رَمْيُهُ مِثْلُ حَصَى
стр. 728
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ بِمِنًى فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ الْغَدِ) .
ــ
[المنتقى]
الْخَذْفِ وَالْجَمْرَةُ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الرَّمْيِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ بِاسْمِ مَا يَرْمِي بِهَا فِيهَا وَالْجِمَارُ الْحِجَارَةُ قَدْرُ مَا يُرْمَى بِهِ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ وَهُوَ حَصَى مَائِلٌ إلَى الصِّغَرِ فَتَرْمِي بِهِ الْعَرَبُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ تَجْعَلُهُ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالْإِبْهَامِ مِنْ الْيُسْرَى ثُمَّ تَقْذِفُهُ بِالسَّبَّابَةِ مِنْ الْيُمْنَى.
وَقَدْ «رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيُ عَنْهُ» .
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ قَلِيلًا أَحَبُّ إلَيَّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ وَلِذَلِكَ نُسِبَ الْقَوْلُ إلَى بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ لَمَا نَسَبَهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَاسْتَحَبَّ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ رَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ «جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ» وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَمَى بِذَلِكَ وَالنَّبِيُّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ وَأَخْذًا بِالْأَيْسَرِ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِئَلَّا يُقَصَّرَ عَنْ مِثْلِ مَا رَمَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ رَمَى بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ كُرِهَ أَنْ يُقَصِّرَ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَرْمِي بِمَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ وَمَنْ تَحَرَّى مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ أَخَذَ مَرَّةً أَكْبَرَ مِنْهُ وَمَرَّةً مِثْلَهُ وَمَرَّةً أَصْغَرَ مِنْهُ فَيُخِلُّ بِبَعْضِ التَّقْدِيرِ الَّذِي سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَصَى الْخَذْفِ لِيَتَيَقَّنَ أَنَّهُ رَمَى بِمَا رَمَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي بِأَكْبَرَ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ وَهَذَا أَيْضًا لَيْسَ بِأَيْسَرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْرُ حَصَى الْخَذْفِ عَلَى مَعْنَى التَّحْدِيدِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِشَيْءٍ مِنْهُ لَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَبْيَنُ وَالْأَخْذُ بِمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْلَى وَأَحَقُّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ حَصَى الْجِمَارِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِمِنًى أَوْ حَيْثُ شَاءَ مَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْحَصَى الَّذِي قَدْ رُمِيَ بِهِ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَخْذُهُ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَلَا وَجْهَ لِذَلِكَ عِنْدِي غَيْرَ الِاسْتِعْدَادِ بِالْجِمَارِ لِأَنَّ الدَّاخِلَ إلَى مِنًى يَقْصِدُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا وَلَا يُقَدِّمُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا لِأَنَّ رَمْيَهُ يَتَّصِلُ بِوُصُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُطَّ رَحْلَهُ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جِمَارُهُ مُعَدَّةً لِيُمْكِنَهُ أَنْ يَصِلَ رَمْيُهُ بِالْوُصُولِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُعَدَّةً فَصَلَ بَيْنَ وُصُولِهِ وَرَمْيِهِ بِطَلَبِ الْجِمَارِ وَكَسْرِهَا وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ الْجِمَارِ فَإِنَّمَا يَرْمِيهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَ الزَّوَالِ فَيَتَّسِعُ لَهُ الْوَقْتُ لِطَلَبِ الْجِمَارِ وَإِعْدَادِهَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يَرْمِي مِنْ الْجِمَارِ بِمَا قَدْ رُمِيَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ سَقَطَتْ مِنْهُ حَصَاةٌ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ مَوْضِعِهِ حَصَاةً مَكَانَهَا فَيَرْمِي بِهَا مَكَانَ الَّتِي سَقَطَتْ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ إنْ تَيَقَّنَ أَنَّهَا الْحَصَاةُ الَّتِي سَقَطَتْ مِنْهُ فَلْيَأْخُذْهَا وَأَنَّهُ لَيَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْجِمَارِ الَّتِي قَدْ رُمِيَ بِهَا وَإِنِّي لَأَتَّقِيهِ فَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا حَصَاةً وَهُوَ لَا يَتَيَقَّنُ أَنَّهَا الَّتِي سَقَطَتْ مِنْهُ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ فَقَدَ حَصَاةً مِنْ عِنْدِ الْجَمْرَةِ فَرَمَى بِهَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَنْ رَمَى الْجِمَارَ لَا يُغَيِّرُهَا عَنْ حَالِهَا وَلَا يُحْدِثُ فِيهَا مَعْنًى لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ رَمْيِهَا كَتَقْلِيبِهَا فِي يَدِهِ، وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ أُدِّيَتْ بِهَا الْعِبَادَةُ فَلَا يَجْزِي تَكْرَارُهَا بِهَا كَالْهَدْيِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَبْنَى الْقَوْلِ فِيهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَكْرَارِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ.
ش قَوْلُهُ مَنْ غَرَبَتْ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يُرِيدُ يَوْمَ يَنْفِرُ الْمُتَعَجِّلُ وَهُوَ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ جَلَسَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا لَهُ التَّعْجِيلُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ تَغِيبَ لَهُ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ بِمِنًى فَإِنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ لَزِمَهُ الْمَبِيتُ بِهَا وَالْمُقَامُ مِنْ الْغَدِ إلَى
стр. 729
ص (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إذَا رَمَوْا الْجِمَارَ مَشَوْا ذَاهِبِينَ وَرَاجِعِينَ وَأَوَّلُ مَنْ رَكِبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) .
ــ
[المنتقى]
أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ أَنْ يَتَعَجَّلَ فِي وَقْتِ التَّعْجِيلِ وَهُوَ مَا بَيْنَ أَنْ يَرْمِيَ الْجِمَارَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَبَيْنَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا حُكْمُ التَّعْجِيلِ فَإِنَّ الْحَاجَّ إمَامٌ أَوْ مُؤْتَمٌّ بِهِ فَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَالتَّأْخِيرُ لَهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ إتْمَامٌ لِلْمَنَاسِكِ وَاسْتِيعَابٌ لَهَا وَالْإِتْيَانُ بِالْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَاتِهَا فَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَلَى أَتَمِّ هَيْئَاتِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِإِمَامٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَ مَكِّيٍّ فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ قَرْضٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ كَانَ قَالَ لِي قَبْلَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ كَأَهْلِ الْآفَاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلِهِ إلَيَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَهَذَا عَامٌّ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَا عُذْرَ لِأَهْلِ مَكَّةَ فِي سُرْعَةِ النَّفْرِ وَالتَّعَجُّلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْعُوهُمْ إلَى ذَلِكَ الرُّجُوعُ مَعَ الرُّفْقَةِ وَالْجِيرَانِ لِمَا يَخَافُ مِنْ فَوَاتِ ذَلِكَ لِمَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ وَلَا طُولُ السَّفَرِ وَبُعْدُ الْمَسَافَةِ وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ فَتَدْعُوهُمْ إلَى ذَلِكَ الدَّوَاعِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ فَلَهُمْ التَّعْجِيلُ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامُوا بِمَكَّةَ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ ذَلِكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيتُوا بِمَكَّةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعْمٍ الدِّيلِيِّ «شَهِدْت النَّبِيَّ ﷺ أَيَّامَ مِنًى يَتْلُو ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا فَجَعَلَ يُنَادِي بِهَا فِي النَّاسِ» وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِهِ وَقَدْ انْتَهَى سَفَرُهُ وَغَيْرَ الْمَكِّيِّ مُقَامُهُ بِمِنًى كَمُقَامِهِ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّعَجُّلُ إذَا احْتَاجَ إلَى سُرْعَةِ السَّفَرِ فَلَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ.
(فَرْعٌ)
فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فَمَنْ تَعَجَّلَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ فَبَاتَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى مِنًى فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: عَلَيْهِ الدَّمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَرْمِ وَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ دَمًا لِتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَدَمًا لِتَرْكِ الرَّمْيِ مِنْ الْغَدِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَلَا يَنْفِرَنَّ حَتَّى يَرْمِيَ الْجِمَارَ مِنْ الْغَدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمَّا لَزِمَهُ الْمَبِيتُ لَزِمَهُ رَمْيُ الْجِمَارِ مِنْ الْغَدِ لِأَنَّ الْمَبِيتَ مِنْ أَجْلِهَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمُقَامَ بِالنَّهَارِ بِمِنًى وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ مَشْرُوعٌ لَا يَزُولُ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ إلَّا لِعُذْرٍ وَلَا يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجِبُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِطَوَافٍ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فِي أَيَّامِ مِنًى فَإِنْ فَعَلَ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: يَعْنِي أَنَّهُ إذَا طَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رَجَعَ إلَى مِنًى وَلَا يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ مِنْ طَوَافٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ رُجُوعَهُ إلَى مِنًى أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
ش قَوْلُهُ كَانُوا إذَا رَمَوْا الْجِمَارَ يُرِيدُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَشَوْا ذَاهِبِينَ إلَيْهَا وَرَاجِعِينَ عَنْهَا إلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَأَمَّا رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَأْتِي عَلَى رَاحِلَتِهِ فَيَرْمِيهَا رَاكِبًا.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: الشَّأْنُ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا كَمَا يَأْتِي النَّاسُ عَلَى دَوَابِّهِمْ وَأَمَّا فِي غَيْرِ يَوْمِ النَّحْرِ فَكَانَ يَقُولُ: يَرْمِي مَاشِيًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مُتَّصِلَةً بِوُرُودِهِ وَأَمَّا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَإِنَّ الْمَشْيَ إلَيْهَا تَوَاضُعٌ وَيَحْتَاجُ إلَى الدُّعَاءِ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ فَلَوْ رَكِبَ النَّاسُ لَضَاقَ بِهِمْ الْمَكَانُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَأَوَّلُ مَنْ رَكِبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لَعَلَّهُ يُرِيدُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَمِمَّنْ يُقِيمُ لِلنَّاسِ أَمْرَ
стр. 730
ص (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَيْنَ كَانَ الْقَاسِمُ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَالَ مِنْ حَيْثُ تَيَسَّرَ) .
ص (سُئِلَ مَالِكٌ هَلْ يُرْمَى عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَرِيضِ فَقَالَ: نَعَمْ وَيَتَحَرَّى الْمَرِيضُ حِينَ يُرْمَى عَنْهُ فَيُكَبِّرُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ وَيُهْرِيقُ دَمًا فَإِنْ صَحَّ الْمَرِيضُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رُمِيَ الَّذِي رَمَى عَنْهُ وَأَهْدَى وُجُوبًا) .
ــ
[المنتقى]
الْحَجِّ وَلَعَلَّ مُعَاوِيَةَ أَيْضًا رَكِبَ لِعُذْرٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ رَكِبَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ مَشَى يَوْمَ النَّحْرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ش قَوْلُهُ وَمِنْ حَيْثُ تَيَسَّرَ قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهُ مِنْ أَسْفَلِهَا وَهُوَ الْيُسْرُ فِيهَا لِأَنَّ رَمْيَهَا مِنْ أَعْلَاهَا فِيهِ مَشَقَّةٌ لِحُرُوجَةِ الْمَوْضِعِ وَضِيقِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي فَقُلْت لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا فَقَالَ: وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَهَذَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَلَوْ رَمَاهَا مِنْ أَعْلَاهُ أَجْزَأَهُ اهـ مِنْ الْمَبْسُوطِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَلْيَجْعَلْ مِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَمَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَآهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ.
ش وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ يَلْزَمُهُ الرَّمْيُ كَمَا يَلْزَمُ غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْهُمَا الْمَشْيَ إلَيْهِ أَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَاشِرَ الرَّمْيَ بِنَفْسِهِ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَفْهَمُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَكَانَ مَعَ الْمَرِيضِ ذِهْنُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِهِ إنْ رَجَا الْمَرِيضُ أَنْ يَصِحَّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلْيُؤَخِّرْ الرَّمْيَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ رُمِيَ عَنْهُ وَأَهْدَى وَيَحْتَمِلُ هَذَا عِنْدِي وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَوْلًا وَاحِدًا وَذَلِكَ أَنَّهُ نَصَّ أَوَّلًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَيُطِيقُ ذَلِكَ مَضَى وَعَجَّلَ الرَّمْيَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَرَجَا أَنْ يُطِيقَ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَخَّرَ الرَّمْيَ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ رُمِيَ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا إنْ رَجَا أَنْ يُفِيقَ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ أَخَّرَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْمِ عَنْهُ أَحَدٌ وَإِنْ لَمْ يَرْجُ ذَلِكَ أَمَرَ مَنْ يَرْمِي عَنْهُ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ فِيمَا يَرْجُوهُ مِنْ حَالِهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِيمَا يُطِيقُهُ وَقْتَ الرَّمْيِ وَيَوْمُهُ ذَلِكَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ عَلَى الرَّمْيِ وَإِلَّا رَمَى عَنْهُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَرْمِيَ فِي بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الرَّمْيَ لَهُ وَقْتَانِ وَقْتُ أَدَاءً وَوَقْتُ قَضَاءٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ رَجَا أَنْ يَرْمِيَ فِي الْوَقْتِ فَهُوَ أَوْلَى وَلَا مَعْنَى لِرَمْيِ غَيْرِهِ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَرْجُو أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ هُوَ لِكُلِّ يَوْمٍ فِي نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى مَنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ فَإِذَا يَئِسَ مِنْ أَنْ يَرْمِيَ بِنَفْسِهِ عَنْ يَوْمِهِ اسْتَنَابَ فِي ذَلِكَ لِمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ وَهَذَا كَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ مَنْ يَئِسَ مِنْ إدْرَاكِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ تَيَمَّمَ وَلَمْ يُؤَخِّرْ التَّيَمُّمَ إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ.
(فَرْعٌ)
فَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَظُنُّ بِنَفْسِهِ وَحَالِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: وَهُوَ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ إنَّمَا يَرْجِعُ فِي عَدَمِهِ وَوُجُودِهِ إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ لَمْ يُطِقْ الْمَرِيضُ السَّيْرَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَرَمَى عَنْهُ ثُمَّ صَحَّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهُ يَرْمِي لِمَا مَضَى مِنْ الْأَيَّامِ وَيَهْدِي رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ فِي الْمَرِيضِ يَصِحُّ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَرْمِي مَا رُمِيَ عَنْهُ لَا دَمَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّمْيِ وَهُوَ لَوْ تَحَامَلَ لَاسْتَطَاعَهُ فَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ.
стр. 731
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى عَلَى الَّذِي يَرْمِي الْجِمَارَ أَوْ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ إعَادَةً وَلَكِنْ لَا يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ) .
ــ
[المنتقى]
لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِحَالَةٍ لَا يَشُكُّ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ فِي أَنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ تَيَقَّنَ الْعُذْرَ لِأَنَّهُ مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ لَزِمَهُ الْهَدْيُ سَوَاءٌ تَيَقَّنَ عُذْرَهُ أَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ كَانَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَتَرْكِ الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَهَذَا فِيمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْأَرْكَانِ الَّتِي لَا يَتِمُّ الْحَجُّ إلَّا بِهَا وَأَمَّا مَا لَهُ مِثْلٌ مِنْ الْأَرْكَانِ كَطَوَافِ الْوُرُودِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِلْعُذْرِ وَلَا يَجِبُ بِذَلِكَ دَمٌ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ الرَّمْيَ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ رَمْيُ غَيْرِهِ عَنْهُ وَفِي الْبَدَلِ نَقْصٌ عَنْ الْمُبْدَلِ مِنْهُ يُجْبَرُ بِالدَّمِ فَإِذَا أَدْرَكَ الرَّمْيَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَبَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ جَبَرَ نَقْصَ الرَّمْيِ فَسَقَطَ عَنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَرْمِي عَنْ الصَّبِيِّ وَالْمَرِيضِ إلَّا مَنْ قَدْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَمَى أَوَّلًا عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ أَوَّلًا بِالرَّمْيِ عَنْ نَفْسِهِ بِالْجِمَارِ الثَّلَاثِ ثُمَّ يَبْدَأُ بِالرَّمْيِ عَنْ الْمَرِيضِ مِنْ أَوَّلِ الْجِمَارِ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوَالِيَ مَشْرُوعٌ فِي الرَّمْيِ فَلَزِمَهُ أَنْ يُوَالِيَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يُوَالِيَ عَنْ غَيْرِهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ رَمَى عَنْ غَيْرِهِ فَهَلْ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ؟ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ قَوْلُهُ فَقَالَ: لَا يَقِفُ وَقَالَ: يَقِفُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوُقُوفَ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ لِلدُّعَاءِ وَلَا يُسْتَنَابُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْوُقُوفَ تَبَعٌ لِلرَّمْيِ فَجَازَ أَنْ يُسْتَنَابَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُسْتَنَبْ فِي مِثْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَبَعًا كَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ سَعَى أَوْ رَمَى الْجِمَارَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ هَذِهِ قُرَبٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَيْتِ فَلَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَإِنَّمَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْقُرَبِ الَّتِي لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهَا نَفِسَتْ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» فَأَبَاحَ لَهَا فِعْلَ كُلِّ قُرْبَةٍ مِنْ الْحَجِّ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْبَيْتِ وَفِي ذَلِكَ السَّعْيُ وَالرَّمْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ لِفِعْلِ هَذِهِ الْقُرَبِ كُلِّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَذَلِكَ أَنَّ قُرَبَ الْحَجِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِهَا إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا اسْتِحْبَابًا وَلِذَلِكَ شُرِعَ الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ وَدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبًا بَلْ يَصِحُّ فِعْلُ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَرْكَانِ فَالْغُسْلُ لَهُ مَشْرُوعٌ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَرْكَانِ فَمِنْ حُكْمِهَا أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهَا عَلَى طَهَارَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الطَّهَارَةُ لَهَا.
(ش) : قَوْلُهُ لَا تُرْمَى الْجِمَارُ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ يُرِيدُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.
وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ عَنْهُ: فَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فَلْيُعِدْ الرَّمْيَ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَرْمِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «رَمَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى وَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ» .
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ رَمَى الْجِمَارَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَدْ أَخْطَأَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّمَا مَحِلُّ الرَّمْيِ لِلْجِمَارِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ وَمِنْ جِهَةِ الرُّتْبَةِ أَمَّا مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ فَإِنَّ رَمْيَ الْجِمَارِ يَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ بِأَثَرِ الزَّوَالِ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ فَإِنَّ تَقْدِيمَهَا عَلَى الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَشْرُوعَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَشُرِعَ التَّأْخِيرُ لَهَا وَلِأَجْلِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ مَشْرُوعٌ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ جَمَاعَةٌ فَكَانَتْ الْمُبَادَرَةُ بِهِ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِهِ وَتَقْدِيمُ الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ أَوْقَاتِهَا مَشْرُوعٌ
стр. 732
الرُّخْصَةُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَنْ مِنًى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ» مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ «أَنَّهُ أَرْخَصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ» يَقُولُ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ: تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ الَّذِي «أَرْخَصَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي تَأْخِيرِ رَمْيِ الْجِمَارِ» فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ رَمَوْا مِنْ الْغَدِ وَذَلِكَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ فَيَرْمُونَ الْيَوْمَ الَّذِي مَضَى ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي أَحَدٌ شَيْئًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَمَضَى كَانَ الْقَضَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ بَدَا لَهُمْ النَّفْرُ فَقَدْ فَرَغُوا وَإِنْ أَقَامُوا إلَى الْغَدِ رَمَوْا مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الْآخَرِ وَنَفَرُوا) .
ــ
[المنتقى]
إلَّا أَنْ تُؤَخَّرَ لِمَعْنًى يَقْتَضِي ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَوَّلَ أَدَاءِ الرَّمْيِ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ زَوَالُ الشَّمْسِ مِنْهُ وَآخِرُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ وَوَقْتُ الْقَضَاءِ مِنْ غُرُوبِ شَمْسِهِ إلَى بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ سَوَاءٌ فِي الْقَضَاءِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي رَمْيِ رِعَاءِ الْإِبِلِ الْجِمَارَ أَنَّهُمْ لَا يَرْمُونَ الْيَوْمَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ إلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يُقْضَى شَيْءٌ حَتَّى يَجِبَ فَإِذَا وَجَبَ وَمَضَى كَانَ الْقَضَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الرُّخْصَةُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ]
(ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجِينَ عَنْ مِنًى» يَقْتَضِي أَنَّ هُنَاكَ مَنْعًا خُصَّ هَذَا مِنْهُ لِأَنَّ لَفْظَةَ الرُّخْصَةِ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُخَصُّ مِنْ الْمَحْظُورِ لِلْعُذْرِ وَذَلِكَ أَنَّ لِلرِّعَاءِ عُذْرًا فِي الْكَوْنِ مَعَ الظَّهْرِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهِ وَالرَّعْيُ بِهِ لِلْحَاجَةِ إلَى الظُّهْرِ فِي الِانْصِرَافِ إلَى بَعِيدِ الْبِلَادِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] فَأُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ يُرِيدُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ يَغِيبُونَ عَنْ مِنًى عَلَى مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ أَوَّلَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ فَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَتَعَجَّلُ فِيهِ النَّفْرُ مَنْ يُرِيدُ التَّعْجِيلَ أَوْ مَنْ يَجُوزُ لَهُ التَّعْجِيلُ رَمَوْا عَنْ الْيَوْمَيْنِ بَدَءُوا بِرَمْيِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَضَوْهُ وَإِنَّمَا رَمَوْا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَرْمُوا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَنْهُمَا لِمَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْضِي شَيْئًا قَبْلَ وُجُوبِهِ وَإِنَّمَا يَقْضِي بَعْدَ وُجُوبِهِ وَخُرُوجِ وَقْتِهِ وَلِذَلِكَ لَا يَرْمِي فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْ الثَّالِثِ فَلَوْ رَمَى فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَّا عَنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ خَاصَّةً دُونَ الْيَوْمِ الثَّانِي وَكَانَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَيَرْمِي عَنْهُ فَتَلْحَقُهُ مَشَقَّةُ التَّكَرُّرِ وَيُضَيِّعُ الظُّهْرَ فَأُبِيحَ لَهُ التَّأْخِيرُ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي فَيَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ رَمْيُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ قَضَاءً وَرَمْيُ الْيَوْمِ الثَّانِي أَدَاءً.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ أَخْبَرَ أَنَّ رَمْيَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رُخْصَةٌ وَلَا يُغَيِّرُ عَنْ وَقْتِهِ وَلَا إضَافَةَ إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ يُرِيدُ أَنَّهُ يَرْمِي لِلْيَوْمَيْنِ فَقَالَ: يَرْمُونَ الْغَدَ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ فَذَكَرَ الْأَيَّامَ الَّتِي يُرْمَى لَهَا وَهِيَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَبَعْدَ الْغَدِ وَهُمَا أَوَّلُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَثَانِيهِمَا وَلَمْ يَذْكُرْ وَقْتَ الرَّمْيِ وَإِنَّمَا يَرْمِي لَهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي اللَّفْظِ فَقَالَ: لِيَوْمَيْنِ وَقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ مَالِكٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
стр. 733
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَةَ أَخٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ نَفِسَتْ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَتَخَلَّفَتْ هِيَ وَصْفِيَّةُ حَتَّى أَتَيَا مِنًى بَعْدَ أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَرْمِيَا الْجَمْرَةَ حِينَ أَتَيَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ لِيَوْمَيْنِ يَرْمُونَ لِلْأَوَّلِ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ وَهُوَ يَوْمُ رَمْيِهِمْ لِأَنَّهُ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ تَفْسِيرًا لِأَحَدِ الْيَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ يُرْمَى لَهُمَا وَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ يَرْمُونَ لِيَوْمَيْنِ ثُمَّ بَيَّنَ الْيَوْمَ الثَّانِي مِنْهُمَا فَعُلِمَ بِذَلِكَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمُ النَّفْرِ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَجَّلَ وَيَكُونُ فَائِدَةُ قَوْلِهِ ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِ النَّفْرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ لِلْيَوْمِ الثَّانِي حَتَّى يُكْمِلَ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ يَرْمُونَ الْغَدَ وَبَعْدَ الْغَدِ لِيَوْمَيْنِ أَنْ يُبَيِّنَ بِهَذَا كَلَامَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ التَّعْجِيلَ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ يَوْمَ النَّفْرِ الثَّانِي وَهُوَ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَعَلَى هَذَا فَسَّرَ مَالِكٌ الْحَدِيثَ وَمَنْ أَرَادَ التَّعْجِيلَ فَإِنَّهُ إذَا رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي تَعَجَّلَ وَأَجْزَأَهُ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ «أَرْخَصَ لِلرِّعَاءِ فِي الرَّمْيِ بِاللَّيْلِ» إنَّمَا أُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِمْ وَأَحْوَطُ فِيمَا يُحَاوِلُونَهُ مِنْ رَعْيِ الْإِبِلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ وَقْتٌ لَا تُرْعَى فِيهِ الْإِبِلُ وَلَا تَنْتَشِرُ فَيَرْمُونَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ رَعَوْا بِالنَّهَارِ وَرَمَوْا بِاللَّيْلِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَرْمُوا عَلَى هَذَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لِاسْتِغْنَائِهِمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَنْ حِفْظِ الْإِبِلِ عَلَى وَجْهِ الرَّعْيِ وَيَحْتَمِلُ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةٌ أَنْ يَكُونَ رَمْيُهُمْ بِاللَّيْلِ عَلَى حُكْمِ رَمْيِهِمْ بِالنَّهَارِ مِنْ الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي إطْلَاقُهُ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ أَوَّلُ زَمَانِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَعَلَى هَذَا هُوَ مُرْسَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَوَّلَ زَمَنٍ أَدْرَكَهُ عَطَاءٌ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا مُتَّصِلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ صَفِيَّةَ وَبِنْتَ أَخِيهَا تَخَلَّفَتْ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ نِفَاسِ بِنْتِ أَخِيهَا فَأَتَيَا مِنًى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ بَعْدَ أَنْ فَاتَهُمَا الرَّمْيُ وَفِي هَذَا أَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّ مُقَامَ صَفِيَّةَ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا كَانَ بِعِلْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاَلَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّهُ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَ مَجِيئِهَا وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حُكْمِهِمَا فَلَمْ يُنْكِرْ الْمُقَامَ عَلَى صَفِيَّةَ مَعَ ابْنَةِ أَخِيهَا وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ مُخْتَصًّا بِابْنَةِ أَخِيهَا دُونَهَا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا مُبَاحًا لِمَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الضَّيَاعُ وَالْهَلَاكُ فِي الِانْفِرَادِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُقِيمَ مَعَ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ بِانْفِرَادِهِ وَتُرْجَى نَجَاتُهُ وَصَلَاحُ حَالِهِ بِالْمُقَامِ مَعَهُ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِمَنْ لَا مَاءَ مَعَهُ وَخَافَ عَلَى غَيْرِهِ الْهَلَاكَ مِنْ الْعَطَشِ وَيُعْطِيه إيَّاهُ فَيُحْيِيه بِهِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَرْمِيَا الْجَمْرَةَ حِينَ أَتَيَا يُرِيدُ أَنَّهُمَا قَدْ أَدْرَكَتَا وَقْتَ قَضَاءِ الرَّمْيِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكَا وَقْتَ أَدَاءِ الرَّمْيِ فَأَمَرَهُمَا بِقَضَاءِ الرَّمْيِ وَأَوَّلُ وَقْتِ أَدَاءِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَآخِرُهُ وَقْتُ مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَوَّلُ وَقْتِ الْقَضَاءِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَوْلُهُ أَنْ يَرْمِيَا حِينَ أَتَيَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الرَّمْيِ بِاللَّيْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ سَوَاءٌ فِي قَضَاءِ الرَّمْيِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَجَازَ فِعْلُهُ بِاللَّيْلِ كَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْوُقُوفِ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا شَيْئًا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا دَمًا وَلَا غَيْرَهُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: وَأَمَّا أَنَا فَأَرَى عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِ صَفِيَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَرْمِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ الدَّمَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْأَدَاءُ لَزِمَهُ الرَّمْيُ وَالْهَدْيُ كَاَلَّذِي يَمْرَضُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّمْيِ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ وَيَرْمِي آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ.
(مَسْأَلَةٌ)
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ تَرَكَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَذَكَرَهَا
стр. 734
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ نَسِيَ رَمْيَ جَمْرَةٍ مِنْ الْجِمَارِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ مِنًى حَتَّى يُمْسِيَ قَالَ: لِيَرْمِ أَيَّ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ كَمَا يُصَلِّي الصَّلَاةَ إذَا نَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَاجِبٌ)
ــ
[المنتقى]
وَرَمَاهَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ رَمَاهَا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مَتَى كَانَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ لَيَالِيهِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ قَالَهُ مَالِكٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ وَقْتَ الْأَدَاءِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِذَا فَاتَهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ أَدْرَكَ وَقْتَ الْقَضَاءِ قَضَى وَإِنْ فَاتَهُ لَمْ يَقْضِ وَلَزِمَهُ الدَّمُ فِي الْوَجْهَيْنِ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا لَمْ يَرْمِهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَهَلْ يَفْسُدُ حَجُّهُ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَفْسُدُ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْهَدْيِ وَقَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ: يَبْطُلُ حَجُّهُ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ قَابِلًا وَالْهَدْيُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ فَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ عَرَفَةَ فَلَمْ يَفُتْ الْحَجُّ بِفَوَاتِهِ فِي وَقْتِهِ كَسَائِرِ الرَّمْيِ وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ مَنْ أَمِنَ فَوَاتَ الْحَجِّ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يُفْسِدُهُ أَصْلُ ذَلِكَ مَنْ رَمَى وَوَجْهٌ آخَرُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لَا يَبْطُلُ الْحَجُّ بِتَأْخِيرِهِ كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ مَعْنَى لَوْ جَامَعَ قَبْلَهُ فَسَدَ حَجُّهُ فَإِذَا فَاتَهُ وَجَبَ أَنْ يَفُوتَهُ حَجُّهُ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالتَّحَلُّلُ عِنْدَ ابْن الْمَاجِشُونِ إنَّمَا يَقَعُ بِالْفِعْلِ لَا بِمُضِيِّ الْوَقْتِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ تَرَكَ حَصَاةً مِنْهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ ذَكَرَهَا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ رَمَى تِلْكَ الْحَصَاةَ وَحْدَهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْنِفَ رَمْيَ غَيْرِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَمَى جَمِيعَهَا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْمُوَالَاةُ وَإِنْ كَانَ مَشْرُوعًا فِيهَا وَمُسْتَحَبًّا إلَّا إنْ رَمَى مَا قَدْ رَمَى مِنْهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهِ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي فِيهِ ذَكَرَ الْحَصَاةَ الْمَنْسِيَّةَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ مَعَهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَرَكَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ حَصَاةً أَوْ حَصَاتَيْنِ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ أَنَّهُ يَرْمِي مَا تَرَكَهُ وَلَا يُعِيدُ مَا رَمَى وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ذَكَرَ حَصَاةً مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْغَدِ أَنَّهُ يُعِيدُ الرَّمْيَ ثَانِيَةً وَيُهْرِيقُ دَمًا وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ أَنَّ هَذَا قَدْ ذَكَرَ نَقْصَ الْجَمْرَةِ فِي وَقْتٍ تُرْمَى فِيهِ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ مَا ذَكَرَ دُونَ مَا رَمَى أَصْلُ ذَلِكَ إذَا ذَكَرَهَا فِي يَوْمٍ وَيَحْتَمِلُ هَذَا وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ لَكِنَّهُ لَا يُعِيدُ مَا رَمَى مِنْهُ لِلْمُوَالَاةِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمُوَالَاةِ فِي وَقْتِ أَدَاءِ وَلَا وَقْتِ قَضَاءٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الرَّمْيَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَدَاءٌ وَالرَّمْيَ بَعْدَ ذَلِكَ قَضَاءٌ لَهُ وَلَا تُعْتَبَرُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ وَإِنْ اُعْتُبِرَ بَيْنَ الْأَدَاءِ الْمُفْرَدِ وَالْقَضَاءِ الْمُفْرَدِ بِالْآخَرِ وَإِنْ لَفَّقَ الْأَدَاءَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَالْقَضَاءُ كَذَلِكَ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ نَسِيَ رَمْيَ جَمْرَةٍ مِنْ الْجِمَارِ فِي بَعْضِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حَتَّى يَفُوتَهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهَا مَا دَامَ فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْوَقْتِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي هَذَا خَمْسَةُ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: فِيمَنْ نَسِيَ رَمْيَ حَصَاةٍ مِنْ الْجِمَارِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ نَسِيَ جَمْرَةً كَامِلَةً وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَنْ نَسِيَ رَمْيَ جِمَارِ يَوْمٍ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِيمَنْ نَسِيَ الرَّمْيَ كُلَّهُ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِي صِفَةِ الرَّمْيِ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَنْ نَسِيَ رَمْيَ حَصَاةٍ مِنْ الْجِمَارِ]
وَمَنْ نَسِيَ رَمْيَ حَصَاةٍ مِنْ جِمَارِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَأَخَّرَهَا عَنْ مَوْضِعِهَا وَذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ رَمَى غَيْرَهَا مِنْ الْجِمَارِ وَقَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَرْمِي تِلْكَ الْحَصَاةَ وَحْدَهَا ثُمَّ يَرْمِي مَا رَمَى بَعْدَهَا مِنْ الْجِمَارِ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْجِمَارِ وَاجِبٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَعَ فِي رَمْيِ جَمْرَةٍ حَتَّى يُكْمِلَ رَمْيَ جَمْرَةٍ أُخْرَى كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ لَا يَنْتَقِلُ لِرَكْعَةٍ حَتَّى يُكْمِلَ عَمَلَ
стр. 735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الرَّكْعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْفَصْلُ الثَّانِي أَنَّ الْمُوَالَاةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الرَّمْيِ وَإِذَا كَانَ الرَّمْيُ كُلُّهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ أَجْزَأَ وَيَقْتَضِي قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِي الْمُزَنِيَّة قَوْلًا ثَانِيًا يَسْتَأْنِفُ رَمْيَ الْجَمْرَةِ الَّتِي نَسِيَ الْحَصَاةَ مِنْهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَالْمُوَالَاةَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا فَيَحْصُلُ الْخِلَافُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُوَالَاةِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الرَّمْيِ وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ هُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْغَدِ فَإِنَّهُ يَرْمِيهَا ثُمَّ يُعِيدُ رَمْيَ مَا رَمَى بَعْدَهَا مِنْ يَوْمِهَا ثُمَّ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الَّذِي ذَكَرَهَا فِيهِ إنْ كَانَ قَدْ رَمَاهَا وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِي وَقْتٌ لِقَضَاءِ رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ رَمْيِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَبَيْنَ رَمْيِ الْيَوْمِ الثَّانِي وَاجِبٌ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ الثَّانِي.
(فَرْعٌ) وَهَلْ يَرْمِي الْحَصَاةَ الَّتِي نَسِيَهَا مِنْ الْجَمْرَةِ خَاصَّةً أَوْ يَبْتَدِئُ رَمْيَ تِلْكَ الْجَمْرَةِ بِسَبْعٍ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ يَسْتَأْنِفُ رَمْيَهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَفِي غَيْرِ الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرْمِي الْحَصَاةَ الَّتِي نَسِيَ خَاصَّةً وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ ذَكَرَهَا مِنْ يَوْمِهِ رَمَى تِلْكَ الْحَصَاةَ خَاصَّةً وَمَا بَعْدَهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا مِنْ الْغَدِ اسْتَأْنَفَ رَمْيَ تِلْكَ الْجَمْرَةِ بِسَبْعٍ وَرَمَاهَا بَعْدَهَا وَوَجْهُ قَوْلِهِ بِإِفْرَادِ الْحَصَاةِ أَنَّهُ ذَاكِرٌ لَهَا بَعْدَ أَنْ انْفَصَلَ مِنْ غَيْرِهَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا رَمْيُهَا وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ لِلنِّسْيَانِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا وَلَا فَضِيلَتَهَا وَإِنْ مَنَعَ مِنْ فَضِيلَتِهَا فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا يُسْتَدْرَكُ إلَّا بَعْدَ الِانْفِصَالِ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ لِأَنَّ مَا فَاتَ مِنْ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَعْظَمُ وَوَجْهُ قَوْلِنَا يَرْمِي الْجَمْرَةَ كُلَّهَا أَنَّ هَذَا قَضَاءٌ لِهَذِهِ الْحَصَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْجَمْرَةِ يَشْمَلُهَا ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا ذَكَرَهَا مِنْ يَوْمِهِ فَإِنَّهُ يُفْرِدُهَا بِالرَّمْيِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدَاءٌ لِجَمِيعِهَا وَلَوْ رَمَى الْحَصَاةَ خَاصَّةً مِنْ الْغَدِ لَكَانَ مُؤَدِّيًا لِبَعْضِ الْجَمْرَةِ قَاضِيًا لِبَعْضِهَا وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَلِفَ حُكْمُهَا.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ أَنْ غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يَرْمِي تِلْكَ الْحَصَاةَ أَوْ يَرْمِي الْجَمْرَةَ كُلَّهَا بِسَبْعٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَرْمِي مَا رَمَى بَعْدَهَا مِنْ يَوْمِهَا وَلَا يُعِيدُ رَمْيَ الْجِمَارِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ إنْ كَانَ قَدْ رَمَاهَا وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ قَضَاءَ يَوْمٍ لَا يَتَبَعَّضُ وَأَنَّهُ إذَا وَجَبَ قَضَاءُ بَعْضِهِ وَجَبَ قَضَاءُ جَمِيعِهِ وَالثَّانِي أَنَّ وَقْتَ التَّرْتِيبِ بَيْنَ مَا وَجَبَ قَضَاءً وَبَيْنَ مَا رَمَى بَعْدَهُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ وَقْتِ أَدَاءِ الرَّمْيِ الَّذِي بَعْدَهُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالْيَوْمِ الثَّالِثِ إذَا بَقِيَ وَقْتَ أَدَائِهِ وَإِنْ فَاتَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَالْيَوْمِ الثَّانِي فَحَصَلَ لِلرَّمْيِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ أَحَدُهَا وَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ وَهُوَ مِنْ وَقْتِ رَمْيِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ إلَى انْقِضَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالثَّانِي وَقْتُ قَضَائِهِ وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَى انْقِضَاءِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْوَقْتُ الثَّالِثُ وَقْتُ اسْتِدْرَاكِ فَضِيلَةِ التَّرْتِيبِ وَهُوَ وَقْتُ أَدَاءِ الرَّمْيِ لِلْيَوْمِ الَّذِي يُعَادُ لِلتَّرْتِيبِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَمَنْ ذَكَرَ الْحَصَاةَ بَعْدَ أَنْ غَابَتْ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ لَا لَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ أَوْ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ فِيهِ وَلَكِنَّهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ بَعْدَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَيُعَبِّرُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَذْكُرَ الْحَصَاةَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ أَوْ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَلَمْ أَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا لِهَذَا الْقَوْلِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ هَدْيٌ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْهُ أَنَّهُ إنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ رَمَاهَا بِسَبْعٍ وَلَمْ يَذْكُرْ هَدْيًا وَقَالَ بِأَثَرِ ذَلِكَ إنْ كَانَ أَصَابَ النِّسَاءَ فَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا ثَانِيًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَزِمَهُ الدَّمُ لِنَقْصِ الْقَضَاءِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ قَدْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ كَمَا لَوْ رَمَاهَا فِي وَقْتِ.
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَدَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً كَامِلَةً] ١
ً مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً كَامِلَةً فَذَكَرَهَا فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَرْمِيهَا وَيُعِيدُ مَا بَعْدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَرْمِيهَا وَيَرْمِي مَا بَعْدَهَا مِمَّا يُدْرِكُ وَقْتَ أَدَائِهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ فَلَا رَمْيَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الدَّمُ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ أَدَاءِ الْجَمْرَةِ الْمَنْسِيَّةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ الْقَضَاءِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الدَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ قَضَائِهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَنْ نَسِيَ رَمْيَ جِمَارِ يَوْمٍ] ١
ٍ مَنْ نَسِيَ رَمْيَ يَوْمٍ كَامِلٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَذَكَرَهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يَرْمِيهِ عَلَى رُتْبَتِهِ وَسُنَّتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ رَمَاهُ عَلَى رُتْبَتِهِ ثُمَّ أَعَادَ رَمْيَ مَا كَانَ رَمَى قَبْلَهُ فِي الْأَيَّامِ وَبَعْدَهُ مِمَّا أَدْرَكَ وَقْتَ أَدَائِهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَنْ نَسِيَ الْجِمَارَ كُلَّهَا]
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ الْجِمَارَ كُلَّهَا فِي أَيَّامِ مِنًى فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى سُنَّتِهِ ثُمَّ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى السُّنَّةِ ثُمَّ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى سُنَّتِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي حَالِ الْأَدَاءِ فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْقَضَاءِ كَالصَّلَاةِ مَا لَزِمَ فِيهَا مِنْ التَّرْتِيبِ فِي حَالِ الْأَدَاءِ لَزِمَ مِثْلُهُ فِي حَالِ الْقَضَاءِ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا فَقَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَهَلْ عَلَيْهِ الدَّمُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ مِنًى وَرَمَى فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَمَرَّةً قَالَ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَمَرَّةً قَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ رَمَى قَبْلَ الصَّدْرِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ النَّفْرِ فَعَادَ فَرَمَى فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ تَعَمَّدَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ نَسِيَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَفُوتَهُ الرَّمْيُ وَوَجْهُ قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إدْخَالِهِ النَّقْصَ عَلَى الرَّمْيِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِنَفْيِ ذَلِكَ جُمْلَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ رَمَى فِي وَقْتِ الرَّمْيِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا لَوْ رَمَى فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ النَّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ مَنْ نَفَرَ عَنْ مِنًى فَقَدْ نَوَى اطِّرَاحَ الرَّمْيِ وَجَمِيعَ مَنَاسِكِ مِنًى إمَّا مُتَعَمِّدًا وَإِمَّا نَاسِيًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمِنًى لَمْ يَنْفِرْ بَعْدُ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ أَدَائِهَا أَوْ قَضَائِهَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ إذَا اسْتَدْرَكَ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ آثِمٌ بِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ نُسُكٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالنَّاسِي مَعْذُورٌ وَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ لِمَالِكٍ أَجْرَى عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي صِفَةِ الرَّمْيِ] ١
ِ أَمَّا الرَّمْيُ فَصِفَتُهُ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَعْلَاهُمَا وَيَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَلَا يَرْمِيهَا مُجْتَمِعَةً بَلْ يَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ مُتَفَرِّقَةً فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجْزِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ بِسِتِّ حَصَيَاتٍ وَيَعْتَدُّ مِمَّا رَمَى مِنْ السَّبْعِ الْأُوَلِ بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَدَدِ الرَّمْيِ وَبِعَدَدِ الْحَصَى فَإِذَا أَخَلَّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ لَمْ يَعْتَدَّ مِنْ الْحَصَى إلَّا بِقَدْرِ عَدَدِ الرَّمْيِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ
стр. 737
الْإِفَاضَةُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: إذَا جِئْتُمْ مِنًى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ لَا يَمَسُّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلَا طِيبًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)
ــ
[المنتقى]
يَضَعَ الْحَصَى وَضْعًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ لَا يَطْرَحُهُ طَرْحًا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَكِنْ يَرْمِيهِ رَمْيًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ بِالرَّمْيِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَرْمِيهَا فِي سَبْعِ مَرَّاتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَ ذَلِكَ وَلَا يَنْتَظِرُ بَيْنَ كُلِّ حَصَاتَيْنِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لِيَرْمِ أَيَّ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ رَمْيَهَا عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ فَإِذَا فَاتَ وَقْتُ أَدَائِهَا لَزِمَ تَعْجِيلُ قَضَائِهِ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ احْتَجَّ مَالِكٌ عَلَى تَعْجِيلِ قَضَائِهَا أَيَّ وَقْتٍ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ بِمَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ مَتَى ذَكَرَهَا مَنْ نَسِيَهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ يُرِيدُ بَعْدَ مَا صَدَرَ مِنْ مِنًى وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْمِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ لِأَنَّهُ رَمَى بَعْدَ النَّفْرِ وَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ نَفَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ سَوَاءٌ رَجَعَ لَهُ فِيمَا تَرَكَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْفَوَاتَ وَلَا الرُّجُوعَ وَالْإِدْرَاكَ وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَدَرَ وَفَاتَهُ الرَّمْيُ لِفَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ.
[الْإِفَاضَةُ]
(ش) : قَوْلُهُ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ يُرِيدُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَخُطْبَتُهُ لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ لِتَعْلِيمِ الْحَاجِّ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَجَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِهَا وَالْوُقُوفِ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعِ مِنْهَا إلَى مِنًى وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ الْحِلَاقِ ثُمَّ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ أَرَادَ تَعْجِيلَهُ أَوْ تَأْخِيرَهُ ثُمَّ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَحُكْمِ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَالنَّفْرِ وَالتَّحْصِيبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: إذَا جِئْتُمْ مِنًى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ يُرِيدُ أَنَّ أَوَّلَ التَّحَلُّلِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَمَنْ رَمَاهَا اسْتَحَلَّ بِهَا إلْقَاءَ التَّفَثِ وَلُبْسَ الثِّيَابِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ تَحْرِيمِهِنَّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الطِّيبُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ مَنْعُهُ فَمَنْ تَطَيَّبَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ بَعْضُ التَّحَلُّلِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلِأَنَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ إصَابَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى تَحْرِيمَ الصَّيْدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُقِيمَ بِهَا مُقِيمٌ بِالْحَرَمِ وَالصَّيْدُ مَمْنُوعٌ فِيهِ لِلْحَلَالِ فَلَا يَسْتَبِيحُهُ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ
стр. 738
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) ..
دُخُولُ الْحَائِضِ مَكَّةَ ص (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَتْ: فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ قَالَتْ: فَفَعَلْت فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْت فَقَالَ: هَذَا مَكَانَ عُمْرَتِك فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَقُوا مِنْهَا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ دَفَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
عَلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ خَاصَّةً دُونَ حُرْمَةِ الْحَرَمِ وَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّيْدَ مَمْنُوعٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْحِلِّ وَلَوْ أَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَكَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَدْ قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ يُرِيدُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ وَقَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ قَدَّمَ الْحِلَاقَ فِي اللَّفْظِ عَلَى النَّحْرِ وَالنَّحْرُ مُقَدَّمٌ فِي الرُّتْبَةِ غَيْرَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي رُتْبَةً فَأَعْلَمَنَا أَنَّ إضَافَةَ النَّحْرِ وَالْحِلَاقِ إلَى الرَّمْيِ لَا يُبِيحُ النِّسَاءَ وَلَا الطِّيبَ وَإِنَّمَا يُبِيحُ ذَلِكَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ نِهَايَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ.
[دُخُولُ الْحَائِضِ مَكَّةَ]
(ش) : قَوْلُهَا فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ مَنْ كَانَ مَعَهَا أَوْ طَائِفَةً أَشَارَتْ إلَيْهِمْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُرِيدَ جَمَاعَةَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهَا قَدْ ذَكَرَتْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ بِالْإِحْرَامِ وَالدُّخُولِ فِيهِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَ إنْ شَاءَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ جَوَازَ الْقِرَانِ وَيَكُونُ مَعْنَى مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَحَدَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ مَعَهُ الْآنَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ فَلْيُقَلِّدْهُ وَيُشْعِرْهُ إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّانِي مَنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ وَيَكُونَ فَائِدَةُ ذَلِكَ الْحَضَّ عَلَى الْحَجِّ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ وَلَعَلَّهُ عَلَّمَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى فِعْلِ الْعُمْرَةِ لِأَجْلِ الْهَدْيِ فَخَصَّ مَنْ نَحَرَ الْهَدْيَ عَلَى أَنْ يَقْرُنَ فَيَحُجَّ فِي عَامِهِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ جَوَازِ الْقِرَانِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَبَعْدَ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَإِشْعَارِهِ عَلَى أَنْ يَنْحَرَ بِمِنًى فِي حَجَّتِهِمْ وَأَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَبْقَى حَلَالًا وَهَدْيُهُ مُقَلَّدًا مُشْعَرًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ يَنْحَرَ.
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
هَدْيَهُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْدِفُوا الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَعُودُوا قَارِنِينَ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْمَنْعُ لَهُمْ مِنْ التَّحَلُّلِ مَعَ بَقَاءِ الْهَدْيِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ الْمُتَقَدِّمِ «إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُبِيحُ التَّحَلُّلَ مِنْ الْعُمْرَةِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى حُكْمِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَمَنَعَ مِنْ الْحِلَاقِ لِلْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّحَلُّلِ لِيُسْتَفَادَ بِذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ التَّحَلُّلِ مَعَ بَقَاءِ الْهَدْيِ عَلَى تَقْلِيدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَعْنَى الْقِرَانِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ وَإِنْ أَتَى الْقَارِنُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَخُصُّهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَّا مَا يَخُصُّ الْحَجَّ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْقِرَانِ وَإِنَّ مَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْرَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْعُمْرَةِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْحَجِّ حَتَّى يَكْمُلَ الْحَجُّ فَيَكُونَ التَّحَلُّلُ مِنْهُمَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» وَذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةَ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَهُ فَمَنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ طَاهِرًا فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ وَصَلَّتْ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ حَاضَتْ لَجَازَ لَهَا أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ سَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ سَاقَتْ هَدْيًا وَلَا كَانَتْ مِمَّنْ أَمِنَ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ مِمَّنْ يُسَوَّغُ لَهُ التَّمَادِي عَلَى التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهَا إذَا دَخَلَتْ مَكَّةَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَتَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهَا ثُمَّ تَسْتَأْنِفَ بِالْحَجِّ فَلَمْ يُمْكِنْهَا إتْمَامُ عُمْرَتِهَا لِتَعَذُّرِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حَيْضَتِهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اُنْقُضِي شَعْرَك وَامْتَشِطِي» يَحْتَمِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهَا فِي ذَلِكَ لِأَذًى أَدْرَكَهَا مِنْ طُولِ إحْرَامِهَا وَتَمَادِي الشُّعْثِ عَلَيْهَا وَكَثْرَةِ هَوَامِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبَاحَ لَهَا بِهِ الِامْتِشَاطَ وَنَقْضَ رَأْسِهَا لَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ إزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا لِأَنَّ الْحِلَاقَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهَا وَهَذَا كَمَا أَمَرَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ بِالْحِلَاقِ إذَا أَذَاهُ هَوَامُّهُ لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ مِمَّنْ حُكْمُهُ الْحِلَاقُ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالتَّقْصِيرِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ لَيْسَ فِيهِ إمَاطَةُ أَذًى وَالْحِلَاقُ فِيهِ إمَاطَةُ أَذًى وَإِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِامْتِشَاطِ وَنَقْضِ شَعْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ يُرِيدُ ﷺ أَنْ تُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى عُمْرَتِهَا الَّتِي قَدْ أَحْرَمَتْ بِهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَدَعِي الْعُمْرَةَ دَعِي الْعَمَلَ بِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهَا بِهَا مِنْ إفْرَادِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ دَعِي الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَلِلْعُمْرَةِ إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ حَتَّى تَطُوفَ وَتَسْعَى لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَوَافًا وَاحِدًا أَوْ سَعْيًا وَاحِدًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَلَمَّا قَضَيْت الْحَجَّ ذَكَرْت قَضَاءَ الْحَجِّ لِأَنَّهُ أَتَمُّ مَا يُفْعَلُ مِنْ النُّسُكَيْنِ نُسُكِ الْحَجِّ لِأَنَّ
стр. 740
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا «قَالَتْ: قَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ يَشْتَرِك فِيهِمَا النُّسُكَانِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ مَا يُفْعَلُ مِنْ النُّسُكِ لِمَنْ عَجَّلَ الْإِفَاضَةَ فَلِذَلِكَ نَصَّتْ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْت» يَقْتَضِي أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّ النُّسُكَ يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَعَمَلُ الْعُمْرَةِ كُلُّهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْحِلِّ وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَكَانُ عُمْرَتِك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا عُمْرَةٌ مُفْرِدَةٌ بِالْعَمَلِ مَكَانَ عُمْرَتِك الْأُولَى الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تُفْرِدَهَا بِالْعَمَلِ فَلَمْ تُكْمِلْهَا عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَتْ فِي عَمَلِ حَجٍّ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنْ إتْمَامِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَحْرَمَتْ بِهَا عَلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا تُرِيدُ أَنَّهُمْ طَافُوا عِنْدَ وُرُودِهِمْ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَوْا لَهَا ثُمَّ حَلُّوا لَمَّا كَمُلَ عَلَى عُمْرَتِهِمْ ثُمَّ قَالَتْ: ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ دَفَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَتَأَخَّرَ طَوَافُهُمْ وَسَعْيُهُمْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ لِحَجِّهِ حَتَّى يَعُودَ مِنْ مِنًى لِأَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَأَمَّا طَوَافُ الْوُرُودِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وُرُودٌ سَقَطَ وَبَقِيَ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَطُوفُوا غَيْرَ طَوَافٍ وَاحِدٍ لِلْوُرُودِ وَطَوَافٍ وَاحِدٍ لِلْإِفَاضَةِ إنْ كَانُوا قَرَنُوا قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانُوا أَرْدَفُوا فَلَمْ يَطُوفُوا غَيْرَ طَوَافٍ وَاحِدٍ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ سَعَوْا لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا وَالسَّعْيُ يُسَمَّى طَوَافًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ طَوَافَهُمْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَزِدْ الْقَارِنُ فِيهِ عَلَى طَوَافِ الْمُفْرِدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَارِنَ لَمْ يُفْرِدْ الْعُمْرَةَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ بَلْ طَافَ لَهُمَا كَمَا طَافَ الْمُفْرِدُ لِلْحَجِّ وَهَذَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ حُكْمَ الْقَارِنِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُفْرِدِ وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فِعْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ عَلِمَتْهُ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّفِقَ جَمِيعُهُمْ وَتَعْلِيمَهُ وَتَبْيِينَهُ فِي أَنْ لَا يَعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي إنَّمَا خَرَجَ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَتَبْيِينِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(فَصْلٌ) :
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا أَهَلُّوا بِهِمَا جَمِيعًا أَوْ أَرْدَفُوا الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ إذْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ أَهَلَّ بِهِمَا فَقَدْ طَافُوا لَهُمَا طَوَافَ الْوُرُودِ وَسَعَوْا بِأَثَرِهِ ثُمَّ طَافُوا لَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَلَمْ يَسْعَوْا بَعْدَهُ وَأَمَّا مَنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنْ كَانَ أَرْدَفَهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَهَلَّ بِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَمَّا مَنْ أَرْدَفَ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ وَقَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالطَّوَافِ فَإِنَّهُ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وُرُودٍ فَهَذَا الْمُرْدِفُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لَا تَأْثِيرَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي الْوُرُودِ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ غَيْرَ وُجُوبِ الدَّمِ لِلْقِرَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →