Полный текст (2 236 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْأَدَاءِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَإِذَا ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ فَعَلَيْهِ الدَّمُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً كَامِلَةً] ١
ً مَنْ نَسِيَ جَمْرَةً كَامِلَةً فَذَكَرَهَا فِي يَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ رَمَى غَيْرَهَا فَإِنَّهُ يَرْمِيهَا وَيُعِيدُ مَا بَعْدَهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ يَرْمِيهَا وَيَرْمِي مَا بَعْدَهَا مِمَّا يُدْرِكُ وَقْتَ أَدَائِهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ فَلَا رَمْيَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الدَّمُ ذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ أَدَاءِ الْجَمْرَةِ الْمَنْسِيَّةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ فَوَاتِ الْقَضَاءِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الدَّمَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي وَقْتِ قَضَائِهَا فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ رِوَايَتَانِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَنْ نَسِيَ رَمْيَ جِمَارِ يَوْمٍ] ١
ٍ مَنْ نَسِيَ رَمْيَ يَوْمٍ كَامِلٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَذَكَرَهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يَرْمِيهِ عَلَى رُتْبَتِهِ وَسُنَّتِهِ فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ رَمَاهُ عَلَى رُتْبَتِهِ ثُمَّ أَعَادَ رَمْيَ مَا كَانَ رَمَى قَبْلَهُ فِي الْأَيَّامِ وَبَعْدَهُ مِمَّا أَدْرَكَ وَقْتَ أَدَائِهِ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَيْهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مَنْ نَسِيَ الْجِمَارَ كُلَّهَا]
وَأَمَّا مَنْ نَسِيَ الْجِمَارَ كُلَّهَا فِي أَيَّامِ مِنًى فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ عَلَى سُنَّتِهِ ثُمَّ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى السُّنَّةِ ثُمَّ يَرْمِي لِلْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى سُنَّتِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرْتِيبِ فِي حَالِ الْأَدَاءِ فَكَذَلِكَ فِي حَالِ الْقَضَاءِ كَالصَّلَاةِ مَا لَزِمَ فِيهَا مِنْ التَّرْتِيبِ فِي حَالِ الْأَدَاءِ لَزِمَ مِثْلُهُ فِي حَالِ الْقَضَاءِ وَسَوَاءٌ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ نَفَرَ مِنْ مِنًى أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا ذَكَرَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِنْ ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَيَّامِ مِنًى بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِهَا فَقَدْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَهَلْ عَلَيْهِ الدَّمُ إنْ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي آخِرِ أَيَّامِ مِنًى وَرَمَى فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَمَرَّةً قَالَ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَمَرَّةً قَالَ: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ رَمَى قَبْلَ الصَّدْرِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ النَّفْرِ فَعَادَ فَرَمَى فِي وَقْتِ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ الدَّمُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ تَعَمَّدَ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ نَسِيَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَفُوتَهُ الرَّمْيُ وَوَجْهُ قَوْلِنَا بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إدْخَالِهِ النَّقْصَ عَلَى الرَّمْيِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِ الْأَدَاءِ إلَى وَقْتِ الْقَضَاءِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِنَفْيِ ذَلِكَ جُمْلَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ قَدْ رَمَى فِي وَقْتِ الرَّمْيِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ دَمٌ كَمَا لَوْ رَمَى فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ وَوَجْهُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَا قَبْلَ النَّفْرِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ مَنْ نَفَرَ عَنْ مِنًى فَقَدْ نَوَى اطِّرَاحَ الرَّمْيِ وَجَمِيعَ مَنَاسِكِ مِنًى إمَّا مُتَعَمِّدًا وَإِمَّا نَاسِيًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمِنًى لَمْ يَنْفِرْ بَعْدُ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ أَدَائِهَا أَوْ قَضَائِهَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَمٌ إذَا اسْتَدْرَكَ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْهَا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمُتَعَمِّدَ آثِمٌ بِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ نُسُكٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالنَّاسِي مَعْذُورٌ وَالْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ لِمَالِكٍ أَجْرَى عَلَى طَرِيقِ النَّظَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي صِفَةِ الرَّمْيِ] ١
ِ أَمَّا الرَّمْيُ فَصِفَتُهُ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَعْلَاهُمَا وَيَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ أَسْفَلِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَلَا يَرْمِيهَا مُجْتَمِعَةً بَلْ يَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ مُتَفَرِّقَةً فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَجْزِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْمِيَ بِسِتِّ حَصَيَاتٍ وَيَعْتَدُّ مِمَّا رَمَى مِنْ السَّبْعِ الْأُوَلِ بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِعَدَدِ الرَّمْيِ وَبِعَدَدِ الْحَصَى فَإِذَا أَخَلَّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ لَمْ يَعْتَدَّ مِنْ الْحَصَى إلَّا بِقَدْرِ عَدَدِ الرَّمْيِ.
(مَسْأَلَةٌ)
وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ
стр. 737
الْإِفَاضَةُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: إذَا جِئْتُمْ مِنًى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ لَا يَمَسُّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلَا طِيبًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ)
ــ
[المنتقى]
يَضَعَ الْحَصَى وَضْعًا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَذَلِكَ لَا يَطْرَحُهُ طَرْحًا فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَكِنْ يَرْمِيهِ رَمْيًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ بِالرَّمْيِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَفْعَالُهُ عَلَى الْوُجُوبِ.
(مَسْأَلَةٌ)
فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يَرْمِيهَا فِي سَبْعِ مَرَّاتٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَ ذَلِكَ وَلَا يَنْتَظِرُ بَيْنَ كُلِّ حَصَاتَيْنِ لِأَنَّ الْمُوَالَاةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهَا.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ لِيَرْمِ أَيَّ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ رَمْيَهَا عَنْ وَقْتِ ذِكْرِهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ فَإِذَا فَاتَ وَقْتُ أَدَائِهَا لَزِمَ تَعْجِيلُ قَضَائِهِ كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَلِذَلِكَ احْتَجَّ مَالِكٌ عَلَى تَعْجِيلِ قَضَائِهَا أَيَّ وَقْتٍ ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ بِمَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ مَتَى ذَكَرَهَا مَنْ نَسِيَهَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ.
(فَصْلٌ)
وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ بَعْدَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ يُرِيدُ بَعْدَ مَا صَدَرَ مِنْ مِنًى وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَفُوتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْهَدْيُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ الرَّمْيِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ وَقْتُ الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ فَيَرْمِي مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّمْيِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ عَلَيْهِ الدَّمَ لِأَنَّهُ رَمَى بَعْدَ النَّفْرِ وَقَوْلُ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بَيَانَ وُجُوبِ الْهَدْيِ عَلَى مَنْ نَفَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ سَوَاءٌ رَجَعَ لَهُ فِيمَا تَرَكَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ وَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْفَوَاتَ وَلَا الرُّجُوعَ وَالْإِدْرَاكَ وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَدَرَ وَفَاتَهُ الرَّمْيُ لِفَوَاتِ وَقْتِ الْقَضَاءِ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَفُتْهُ ذَلِكَ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأُحْكَمُ.
[الْإِفَاضَةُ]
(ش) : قَوْلُهُ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ يُرِيدُ يَوْمَ عَرَفَةَ وَخُطْبَتُهُ لَيْسَتْ لِلصَّلَاةِ وَإِنَّمَا هِيَ لِتَعْلِيمِ الْحَاجِّ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ الْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَجَمْعِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِهَا وَالْوُقُوفِ بِهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعِ مِنْهَا إلَى مِنًى وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ ثُمَّ الْحِلَاقِ ثُمَّ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ أَرَادَ تَعْجِيلَهُ أَوْ تَأْخِيرَهُ ثُمَّ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَرَمْيِ الْجِمَارِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ وَحُكْمِ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ وَالنَّفْرِ وَالتَّحْصِيبِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﵁: إذَا جِئْتُمْ مِنًى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ يُرِيدُ أَنَّ أَوَّلَ التَّحَلُّلِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَمَنْ رَمَاهَا اسْتَحَلَّ بِهَا إلْقَاءَ التَّفَثِ وَلُبْسَ الثِّيَابِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا خِلَافَ فِي بَقَاءِ تَحْرِيمِهِنَّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الطِّيبُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَجَازَهُ غَيْرُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِذَا ثَبَتَ مَنْعُهُ فَمَنْ تَطَيَّبَ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ بَعْضُ التَّحَلُّلِ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَلِأَنَّهُ مِمَّا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي إبَاحَتِهِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ إصَابَةَ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنًى تَحْرِيمَ الصَّيْدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُقِيمَ بِهَا مُقِيمٌ بِالْحَرَمِ وَالصَّيْدُ مَمْنُوعٌ فِيهِ لِلْحَلَالِ فَلَا يَسْتَبِيحُهُ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ
стр. 738
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) ..
دُخُولُ الْحَائِضِ مَكَّةَ ص (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَتْ: فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ قَالَتْ: فَفَعَلْت فَلَمَّا قَضَيْنَا الْحَجَّ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْت فَقَالَ: هَذَا مَكَانَ عُمْرَتِك فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَقُوا مِنْهَا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ دَفَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ)
ــ
[المنتقى]
عَلَى مَا يُسْتَبَاحُ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَيَمْنَعُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ خَاصَّةً دُونَ حُرْمَةِ الْحَرَمِ وَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الصَّيْدَ مَمْنُوعٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فِي الْحِلِّ وَلَوْ أَصَابَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَكَانَ عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَدْ قَالَ بِهِ ابْنُ الْقَاسِمِ.
ص (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) .
(ش) : قَوْلُهُ مَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ يُرِيدُ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ حَلَقَ رَأْسَهُ وَقَصَّرَ وَنَحَرَ هَدْيًا إنْ كَانَ مَعَهُ قَدَّمَ الْحِلَاقَ فِي اللَّفْظِ عَلَى النَّحْرِ وَالنَّحْرُ مُقَدَّمٌ فِي الرُّتْبَةِ غَيْرَ أَنَّ الْوَاوَ لَا تَقْتَضِي رُتْبَةً فَأَعْلَمَنَا أَنَّ إضَافَةَ النَّحْرِ وَالْحِلَاقِ إلَى الرَّمْيِ لَا يُبِيحُ النِّسَاءَ وَلَا الطِّيبَ وَإِنَّمَا يُبِيحُ ذَلِكَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ نِهَايَةُ التَّحَلُّلِ مِنْ الْإِحْرَامِ.
[دُخُولُ الْحَائِضِ مَكَّةَ]
(ش) : قَوْلُهَا فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ مَنْ كَانَ مَعَهَا أَوْ طَائِفَةً أَشَارَتْ إلَيْهِمْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُرِيدَ جَمَاعَةَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهَا قَدْ ذَكَرَتْ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ ﷺ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ بِالْإِحْرَامِ وَالدُّخُولِ فِيهِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْرُنَ إنْ شَاءَ ذَلِكَ لِيُبَيِّنَ جَوَازَ الْقِرَانِ وَيَكُونُ مَعْنَى مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَحَدَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَنْ كَانَ مَعَهُ الْآنَ هُوَ يُرِيدُ أَنْ يُقَلِّدَهُ وَيُشْعِرَهُ فَلْيُقَلِّدْهُ وَيُشْعِرْهُ إذَا أَحْرَمَ بِحَجَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ الْوَجْهُ الثَّانِي مَنْ وَجَدَ ثَمَنَهُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُهْدِيَهُ وَيَكُونَ فَائِدَةُ ذَلِكَ الْحَضَّ عَلَى الْحَجِّ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ وَلَعَلَّهُ عَلَّمَ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ أَوْ مِنْ بَعْضِهِمْ الْعَزْمَ عَلَى تَرْكِ الْحَجِّ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى فِعْلِ الْعُمْرَةِ لِأَجْلِ الْهَدْيِ فَخَصَّ مَنْ نَحَرَ الْهَدْيَ عَلَى أَنْ يَقْرُنَ فَيَحُجَّ فِي عَامِهِ ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ جَوَازِ الْقِرَانِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَبَعْدَ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَإِشْعَارِهِ عَلَى أَنْ يَنْحَرَ بِمِنًى فِي حَجَّتِهِمْ وَأَنْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ عِنْدَ وُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ يَبْقَى حَلَالًا وَهَدْيُهُ مُقَلَّدًا مُشْعَرًا حَتَّى يُحْرِمَ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ يَنْحَرَ.
стр. 739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
هَدْيَهُ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُرْدِفُوا الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَعُودُوا قَارِنِينَ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْمَنْعُ لَهُمْ مِنْ التَّحَلُّلِ مَعَ بَقَاءِ الْهَدْيِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ الْمُتَقَدِّمِ «إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُ فِيهِ إرْدَافُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُبِيحُ التَّحَلُّلَ مِنْ الْعُمْرَةِ مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى حُكْمِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَمَنَعَ مِنْ الْحِلَاقِ لِلْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ عِنْدَ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ التَّحَلُّلِ لِيُسْتَفَادَ بِذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ التَّحَلُّلِ مَعَ بَقَاءِ الْهَدْيِ عَلَى تَقْلِيدِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِيُعَلِّمَهُمْ مَعْنَى الْقِرَانِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ الْعُمْرَةِ وَإِنْ أَتَى الْقَارِنُ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَخُصُّهَا وَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْعُمْرَةِ إلَّا مَا يَخُصُّ الْحَجَّ فَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْقِرَانِ وَإِنَّ مَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْرَامِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْعُمْرَةِ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْحَجِّ حَتَّى يَكْمُلَ الْحَجُّ فَيَكُونَ التَّحَلُّلُ مِنْهُمَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «فَقَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ» وَذَلِكَ أَنَّ الطَّوَافَ مَمْنُوعٌ فِي حَقِّ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةَ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَيْتِ كَالصَّلَاةِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُرَتَّبٌ عَلَى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَهُ فَمَنْ لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ السَّعْيُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ طَاهِرًا فَطَافَتْ بِالْبَيْتِ وَصَلَّتْ الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ حَاضَتْ لَجَازَ لَهَا أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ السَّعْيَ بَيْنَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا إعَادَةَ عَلَى مَنْ سَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ سَاقَتْ هَدْيًا وَلَا كَانَتْ مِمَّنْ أَمِنَ أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا كَانَتْ مِمَّنْ يُسَوَّغُ لَهُ التَّمَادِي عَلَى التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَكَانَ مِنْ حُكْمِهَا إذَا دَخَلَتْ مَكَّةَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَتَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهَا ثُمَّ تَسْتَأْنِفَ بِالْحَجِّ فَلَمْ يُمْكِنْهَا إتْمَامُ عُمْرَتِهَا لِتَعَذُّرِ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ حَيْضَتِهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اُنْقُضِي شَعْرَك وَامْتَشِطِي» يَحْتَمِلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهَا فِي ذَلِكَ لِأَذًى أَدْرَكَهَا مِنْ طُولِ إحْرَامِهَا وَتَمَادِي الشُّعْثِ عَلَيْهَا وَكَثْرَةِ هَوَامِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَبَاحَ لَهَا بِهِ الِامْتِشَاطَ وَنَقْضَ رَأْسِهَا لَمَّا كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ إزَالَةِ الْأَذَى عَنْهَا لِأَنَّ الْحِلَاقَ مُمْتَنِعٌ عَلَيْهَا وَهَذَا كَمَا أَمَرَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ بِالْحِلَاقِ إذَا أَذَاهُ هَوَامُّهُ لِأَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ مِمَّنْ حُكْمُهُ الْحِلَاقُ وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالتَّقْصِيرِ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ لَيْسَ فِيهِ إمَاطَةُ أَذًى وَالْحِلَاقُ فِيهِ إمَاطَةُ أَذًى وَإِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِامْتِشَاطِ وَنَقْضِ شَعْرِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ يُرِيدُ ﷺ أَنْ تُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى عُمْرَتِهَا الَّتِي قَدْ أَحْرَمَتْ بِهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ وَدَعِي الْعُمْرَةَ دَعِي الْعَمَلَ بِهَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إحْرَامُهَا بِهَا مِنْ إفْرَادِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ دَعِي الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ وَلِلْعُمْرَةِ إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِالْحَيْضِ حَتَّى تَطُوفَ وَتَسْعَى لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَوَافًا وَاحِدًا أَوْ سَعْيًا وَاحِدًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَلَمَّا قَضَيْت الْحَجَّ ذَكَرْت قَضَاءَ الْحَجِّ لِأَنَّهُ أَتَمُّ مَا يُفْعَلُ مِنْ النُّسُكَيْنِ نُسُكِ الْحَجِّ لِأَنَّ
стр. 740
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا «قَالَتْ: قَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
ــ
[المنتقى]
الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ يَشْتَرِك فِيهِمَا النُّسُكَانِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى وَهُوَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ مَا يُفْعَلُ مِنْ النُّسُكِ لِمَنْ عَجَّلَ الْإِفَاضَةَ فَلِذَلِكَ نَصَّتْ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا «أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْت» يَقْتَضِي أَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّ النُّسُكَ يَقْتَضِي الْجَمْعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَعَمَلُ الْعُمْرَةِ كُلُّهُ فِي الْحَرَمِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِحْرَامِ مِنْ الْحِلِّ وَالتَّنْعِيمُ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ مَكَانُ عُمْرَتِك يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهَا عُمْرَةٌ مُفْرِدَةٌ بِالْعَمَلِ مَكَانَ عُمْرَتِك الْأُولَى الَّتِي أَرَادَتْ أَنْ تُفْرِدَهَا بِالْعَمَلِ فَلَمْ تُكْمِلْهَا عَلَى ذَلِكَ وَدَخَلَتْ فِي عَمَلِ حَجٍّ لِلْعُذْرِ الْمَانِعِ مِنْ إتْمَامِهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَحْرَمَتْ بِهَا عَلَيْهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا تُرِيدُ أَنَّهُمْ طَافُوا عِنْدَ وُرُودِهِمْ لِلْعُمْرَةِ وَسَعَوْا لَهَا ثُمَّ حَلُّوا لَمَّا كَمُلَ عَلَى عُمْرَتِهِمْ ثُمَّ قَالَتْ: ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ دَفَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجِّهِمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَتَأَخَّرَ طَوَافُهُمْ وَسَعْيُهُمْ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ طَوَافُهُ وَسَعْيُهُ لِحَجِّهِ حَتَّى يَعُودَ مِنْ مِنًى لِأَنَّ الطَّوَافَ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَأَمَّا طَوَافُ الْوُرُودِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وُرُودٌ سَقَطَ وَبَقِيَ الطَّوَافُ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَهُوَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا وَأَمَّا الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدَ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَطُوفُوا غَيْرَ طَوَافٍ وَاحِدٍ لِلْوُرُودِ وَطَوَافٍ وَاحِدٍ لِلْإِفَاضَةِ إنْ كَانُوا قَرَنُوا قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ كَانُوا أَرْدَفُوا فَلَمْ يَطُوفُوا غَيْرَ طَوَافٍ وَاحِدٍ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ سَعَوْا لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا وَالسَّعْيُ يُسَمَّى طَوَافًا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ طَوَافَهُمْ كَانَ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَزِدْ الْقَارِنُ فِيهِ عَلَى طَوَافِ الْمُفْرِدِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَارِنَ لَمْ يُفْرِدْ الْعُمْرَةَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ بَلْ طَافَ لَهُمَا كَمَا طَافَ الْمُفْرِدُ لِلْحَجِّ وَهَذَا نَصٌّ فِي صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ حُكْمَ الْقَارِنِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُفْرِدِ وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فِعْلُ جَمَاعَةِ أَصْحَابِهِ وَقَدْ عَلِمَتْهُ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّفِقَ جَمِيعُهُمْ وَتَعْلِيمَهُ وَتَبْيِينَهُ فِي أَنْ لَا يَعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي إنَّمَا خَرَجَ إلَيْهِ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَتَبْيِينِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ : «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
(فَصْلٌ) :
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا أَهَلُّوا بِهِمَا جَمِيعًا أَوْ أَرْدَفُوا الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ إذْ أَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ أَهَلَّ بِهِمَا فَقَدْ طَافُوا لَهُمَا طَوَافَ الْوُرُودِ وَسَعَوْا بِأَثَرِهِ ثُمَّ طَافُوا لَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَلَمْ يَسْعَوْا بَعْدَهُ وَأَمَّا مَنْ أَرْدَفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنْ كَانَ أَرْدَفَهُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أَهَلَّ بِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ وَأَمَّا مَنْ أَرْدَفَ بَعْدَ الْوُصُولِ إلَى مَكَّةَ وَقَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالطَّوَافِ فَإِنَّهُ لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ طَوَافُ وُرُودٍ فَهَذَا الْمُرْدِفُ لَمَّا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لَا تَأْثِيرَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي الْوُرُودِ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ غَيْرَ وُجُوبِ الدَّمِ لِلْقِرَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 741
فَقَالَ: افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى تَطْهُرِي» ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تُهِلُّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ تَدْخُلُ مَكَّةَ مُوَافِيَةً لِلْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ لَا تَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ أَنَّهَا إذَا خَشِيَتْ الْفَوَاتَ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَأَهْدَتْ وَكَانَتْ مِثْلَ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَأَجْزَأَ عَنْهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ إذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَصَلَّتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَإِنَّهَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَتَقِفُ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ وَتَرْمِي الْجِمَارَ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُفِيضُ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : قَوْلُهَا قَدِمْت مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ فَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تُرِيدُ أَنَّ طَوَافَ الْعُمْرَةِ مَنَعَ مِنْهُ حَيْضَتُهَا فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرْدِفَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَتَفْعَلَ أَفْعَالَ الْحَاجِّ كُلَّهَا مِنْ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَالْوُقُوفِ بِهَا وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالنَّحْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا يَصِحُّ لَهَا السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَهُ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَذَكَرَ أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ مِنْ الطَّوَافِ وَلَمْ يَذْكُرْ امْتِنَاعَهَا مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ حَالِهَا أَنَّهَا عَلِمَتْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَعْلَمَهَا مِنْ حُكْمِ الطَّوَافِ بِمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا عِلْمُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي الَّتِي تَدْخُلُ مَكَّةَ مُعْتَمِرَةً وَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَطُوفَ مِنْ أَجْلِ حَيْضَتِهَا أَنَّهَا إذَا خَشِيَتْ الْفَوَاتَ يُرِيدُ فَوَاتَ الْحَجِّ وَذَلِكَ أَنَّهَا تُرِيدُ الْحَجَّ فَإِذَا جَاءَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَرَأَتْ حَيْضَهَا تَدُومُ إمَّا لِأَنَّهَا فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي وَقْتٍ مِنْهُ تَعْلَمُ مِنْ عَادَتِهَا تَمَادِي حَيْضَتِهَا الَّتِي تَخَافُ فَوَاتَ الْحَجِّ إنْ تَمَادَتْ عَلَى أَفْرَادِ عُمْرَتِهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَادَى حَيْضُهَا حَتَّى يَفُوتَهَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ تُحْرِمْ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهَا فَاتَهَا الْحَجُّ فَهَذِهِ الَّتِي تُؤْمَرُ أَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ فَتُرْدِفَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ فَتَصِيرَ قَارِنَةً فَتُدْرِكَ بِذَلِكَ مَا تُرِيدُهُ مِنْ الْحَجِّ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّهَا إذَا خَشِيَتْ الْفَوَاتَ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وَأَهْدَتْ يُرِيدُ لِقِرَانِهَا قَالَ: وَكَانَتْ مِثْلَ مَنْ قَرَنَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ تُرِيدُ أَنَّهَا فِي أَحْكَامِهَا مِثْلُ الَّتِي قَرَنَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إلَّا أَنَّ الَّتِي أَحْرَمَتْ بِهِمَا مِنْ مِيقَاتِهِمَا يَلْزَمُهَا طَوَافُ الْوُرُودِ وَهَذِهِ الَّتِي أَرْدَفَتْ الْحَجَّ بِمَكَّةَ لَا يَلْزَمُهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ مِنْ الْحَرَمِ وَلَا يَلْزَمُهَا لِلْحَجِّ طَوَافُ الْوُرُودِ وَالْمُعْتَمِرُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنَّمَا يَطُوفُ عِنْدَ وُرُودِ طَوَافِ عُمْرَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
قَوْلُهُ وَأَجْزَأَ عَنْهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يُجْزِئُهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ لِحَجِّهَا وَعُمْرَتِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ يُجْزِئُهَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَلَا يَلْزَمُهَا طَوَافُ وُرُودٍ وَإِنْ كَانَتْ وَرَدَتْ مُحْرِمَةً إلَّا أَنَّهَا دَخَلَتْ مُحْرِمَةً بِعُمْرَةٍ فَلَا يَلْزَمُهَا طَوَافُ وُرُودٍ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهَا طَوَافُ الْعُمْرَةِ وَلَوْ دَخَلَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ مُفْرَدٍ أَوْ قَارِنَةً لَلَزِمَهَا طَوَافَانِ طَوَافٌ لِلْوُرُودِ وَطَوَافٌ لِلْإِفَاضَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ إذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَصَلَّتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَإِنَّهَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ هُوَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَالرُّكُوعُ فَإِذَا أَتَتْ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ كَانَ لَهَا أَنْ تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الطَّهَارَةُ فَتَتَمَادَى عَلَى عُمْرَتِهَا وَتَحِلُّ مِنْهَا ثُمَّ تُحْرِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَجِّهَا إنْ فَاتَهَا ذَلِكَ فَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِمَّا أَرَادَتْهُ مِنْ إفْرَادِ الْعُمْرَةِ عَنْ الْحَجِّ لِحَيْضَتِهَا بَعْدَ الطَّوَافِ وَالرُّكُوعِ وَإِنْ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَسْعَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ: وَتَقِفُ بِعَرَفَةَ وَتَرْمِي الْجِمَارَ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَا يَمْنَعُ مِنْهُ حَدَثُ الْحَيْضِ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهِ عَلَى طَهَارَةٍ فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ لِحَدَثِ الْحَيْضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَلَا إزَالَتُهُ صَحَّ الْإِتْيَانُ بِهِ غَيْرَ أَنَّهَا لَا تُفِيضُ يُرِيدُ أَنَّهَا لَا تَأْتِي بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ حَتَّى تَطْهُرَ.
стр. 742
إفَاضَةُ الْحَائِضِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيِّ حَاضَتْ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ فَقِيلَ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَقَالَ: فَلَا إذًا» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا «قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ قَدْ حَاضَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا إنْ لَمْ يَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ بِالْبَيْتِ قُلْنَ: بَلَى قَالَ: فَاخْرُجْنَ» مَالِكٌ عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَتْ إذَا حَجَّتْ وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ أَنْ يَحِضْنَ قَدَّمَتْهُنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَفَضْنَ فَإِنْ حِضْنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُهُنَّ تَنْفِرُ بِهِنَّ وَهُنَّ حُيَّضٌ إذَا كُنَّ قَدْ أَفَضْنَ) .
ــ
[المنتقى]
[إفَاضَةُ الْحَائِضِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ وَهِيَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ حَاضَتْ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ بِالْحَجِّ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا اعْتَقَدَتْ أَوْ تَخَوَّفَتْ أَنْ تَكُونَ حَيْضَتُهَا تَمْنَعُهَا بَعْضَ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ جَمِيعَهَا فَأَرَادَتْ أَنْ تَعْلَمَ عِلْمَ ذَلِكَ وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَمَّا لَا تَعْلَمُهُ وَلَعَلَّهُ أَجْرَى ذِكْرَ صَفِيَّةَ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ أَوْ لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِحَيْضَتِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَحَابِسَتُنَا هِيَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ بَعْضَ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَيُوجِبُ الْبَقَاءَ عَلَيْهِ إلَى أَنْ تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا فَيُمْكِنُهَا فِعْلُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ فِي الْوَقْتِ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنَّهُ قَدْ عَيَّنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَعَلِمَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مِنْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنَّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنْهُ الْحَيْضُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ الطَّوَافَ خَاصَّةً وَلِذَلِكَ قَالَتْ لَهُ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَقَالَ: فَلَا إذًا يُرِيدُ ﷺ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى وَلَا تَحْبِسُ مَنْ يَكُونُ مَعَهَا فَاقْتَضَى أَنَّ الْحَيْضَ يَحْبِسُ الْمَرْأَةَ إذَا لَمْ تَكُنْ أَفَاضَتْ وَيُحْبَسُ مَنْ مَعَهَا مِمَّنْ يَلْزَمُهُ أَمْرُهَا وَلِذَلِكَ يُحْبَسُ الْكَرِيُّ مَعَهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَاَلَّذِي يُحْبَسُ عَلَيْهَا الْكَرِيُّ وَذُو الْمَحْرَمِ وَالرُّفْقَةِ فَأَمَّا الْكَرِيُّ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مَا يَحْبِسُ النِّسَاءَ الدَّمُ عَلَى مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا ذُو الْمَحْرَمِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَلَيْهَا حَتَّى يُمْكِنَهَا السَّفَرُ وَأَمَّا الرُّفْقَةُ وَالْأَصْحَابُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مَقَامُهَا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيُحْبَسُ كَرِيُّهَا وَمَنْ مَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُحْبَسْ إلَّا كَرِيُّهَا وَحْدَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّفْقَةَ تَلْحَقُهُمْ الْمَشَقَّةُ بِطُولِ الْحَبْسِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا عَقْدٌ وَلَا لَهَا عَلَيْهِمْ حَقٌّ يُحْبَسُونَ بِهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا لَا تَلْحَقُهُمْ بِهِ مَضَرَّةٌ لِمَعْنَى الْمُرَافَقَةِ وَالِاصْطِحَابِ فِي الطَّرِيقِ وَهِيَ تَجِدُ الْعِوَضَ مِنْهُمْ بَعْدَ مُدَّةٍ فَإِنَّ الطَّرِيقَ الْمَأْمُونَةَ لَا تَنْقَطِعُ وَأَمَّا الْكَرِيُّ فَلَهَا عَلَيْهِ حَقٌّ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِعَقْدٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا وَيَذْهَبَ بِحَقِّهَا وَهُوَ حَقٌّ مُعْتَادٌ قَدْ عَرَفَهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ مِنْ الْمَقَامِ مَا لَا يَلْزَمُ الرُّفْقَةَ وَأَيْضًا فَإِنَّ حَقَّهَا قَدْ تَعَيَّنَ عِنْدَهُ وَتَعَلَّقَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ أَرَادَتْ الْمَقَامَ لَكَانَ لِلْكَرِيِّ أَنْ يَطْلُبَهَا بِحَقِّهِ عِنْدَهَا مِنْ السَّيْرِ مَعَهُ وَهُوَ الْكِرَاءُ وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ لَمْ يَكُنْ لِلرُّفْقَةِ قِبَلَهَا فِي ذَلِكَ حَقٌّ بِوَجْهٍ.
(ش) : وَقَوْلُهَا أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ إذَا حَجَّتْ وَمَعَهَا نِسَاءٌ تَخَافُ أَنْ يَحِضْنَ الْخَوْفُ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحِضْنَ فَإِنْ كُنَّ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ الْمَحِيضَ أَوْ مِنْ اللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ فَلَا يُخَافُ عَلَيْهِنَّ الْحَيْضُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَرُبَ وَقْتُ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضَتِهَا وَعَادَتُهَا تَمَادِي طُهْرِهَا مُدَّةً يَنْقَضِي إحْرَامُهَا
стр. 743
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ صَفِيَّةَ ابْنَةَ حُيَيِّ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهَا قَدْ حَاضَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ طَافَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا إذًا» قَالَ مَالِكٌ: قَالَ هِشَامٌ: قَالَ عُرْوَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَنَحْنُ نَذْكُرُ ذَلِكَ فَلَمْ يُقَدِّمْ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُنَّ وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَ لَأَصْبَحَ بِمِنًى أَكْثَرُ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ امْرَأَةٍ حَائِضٍ كُلِّهِنَّ قَدْ أَفَضْنَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ «أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ ابْنَةَ مِلْحَانَ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَاضَتْ أَوْ وَلَدَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَتْ» ) .
ــ
[المنتقى]
قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَأَمَّا مَنْ لَا يَبْقَى عَلَيْهَا الْحَيْضُ جُمْلَةً فَلَا تُقَدِّمُ الطَّوَافَ مَخَافَةَ الْحَيْضِ وَإِنَّمَا تُقَدِّمُهُ إنْ قَدَّمَتْهُ لِفَضِيلَةِ الْمُبَادَرَةِ بِتَسْلِيمِ الْإِحْرَامِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْ نَقْصٍ وَإِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ فَسَادٌ وَأَمَّا مَنْ تَحِيضُ وَعَادَتُهَا أَنَّ زَمَانَ طُهْرِهَا مُدَّةً تَنْقَضِي أَيَّامُ الْإِحْرَامِ قَبْلَهَا فَالْأَحْوَطُ تَقْدِيمُ الطَّوَافِ لِجَوَازِ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ حَيْضَتِهَا مَا يُخَالِفُ عَادَتَهَا وَإِنْ كَانَتْ لَا تَأْمَنُ تُقَدِّمُ حَيْضَتَهَا وَهِيَ تَرْتَقِبُ وُرُودَهُ أَوْ كَانَ أَمَدُ طُهْرِهَا لَا يَلْزَمُ الْعَادَةَ فَهَذِهِ الَّتِي لَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا مِمَّنْ كَانَتْ تُقَدِّمُهَا عَائِشَةُ لِلطَّوَافِ يَوْمَ النَّحْرِ مَخَافَةَ الْحَيْضِ عَلَيْهَا فَكَانَتْ تُقَدِّمُهَا لِلطَّوَافِ لِيَكْمُلَ إحْرَامُهَا وَلَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ مَا يَمْنَعُ الْحَيْضَ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهَا الْمَبِيتُ بِمِنًى وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْحَيْضَ وَهَلْ لِلْكَرِيِّ أَنْ يَأْخُذَهَا بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فَإِنْ حِضْنَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُهُنَّ تَنْفِرُ بِهِنَّ وَهُنَّ حُيَّضٌ يُرِيدُ كَانَ جَمِيعُ مَا يَبْقَى مِنْ الْحَجِّ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ يَفْعَلْنَهُ فِي حَالِ حَيْضِهِنَّ فَإِذَا أَكْمَلْنَ ذَلِكَ نَفَرَتْ بِهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
(ش) : قَوْلُهَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا أَنْ يُخْبَرَ بِأَنَّهَا حَاضَتْ وَلَعَلَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا إذْ خَفَى عَنْهُ أَمْرُهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فَلَمْ يُقَدِّمْ النَّاسُ نِسَاءَهُمْ إنْ كَانَ لَا يَنْفَعُهُنَّ إنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ تَقَدُّمَ الْإِفَاضَةِ لَا يَنْفَعُهُنَّ فَإِنَّهُنَّ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَيْنَ عَلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ فَقَالَتْ: وَلَوْ لَمْ يُسْتَحَبَّ الرُّجُوعُ إلَى بِلَادِهِنَّ بِتَقْدِيمِ الطَّوَافِ لَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَقْدِيمِ النِّسَاءِ مِنْ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَكَانُوا يَقْتَصِرُونَ عَلَى تَأْخِيرِ الطَّوَافِ لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ طَوَافِهِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ تَكَلُّفًا وَمَشَقَّةً مَعَ مَا يَلْزَمُ مِنْ سَتْرِهِنَّ وَيَثْقُلُ مِنْ حَمْلِهِنَّ لَكِنْ لَمَّا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ مَنْ حَاضَتْ مِنْهُنَّ كَانَ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَى بَلَدِهَا وَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى طَوَافِ الصَّدْرِ لِأَجْلِ الْحَيْضِ تَكَلَّفُوا تِلْكَ الْمَشَقَّةَ وَكَانَتْ أَخَفَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْبَقَاءِ مَعَهُنَّ إذَا حِضْنَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَ لَأَصْبَحَ بِمِنًى أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ امْرَأَةٍ حَائِضٍ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا يَكْثُرُ عَلَى النِّسَاءِ فَلَوْ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ تَقْدِيمُ الْإِفَاضَةِ لَكَثُرَ مَنْ يُقِيمُ مِنْ النِّسَاءِ بِمَكَّةَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ عَلَى طَوَافِ الصَّدْرِ وَلَوْ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ مَا قَدَّمْنَ مِنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَمَا عُدِمَ ذَلِكَ مَعَ اهْتِبَالِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَمْرِ الدِّينِ وَكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ اتِّفَاقٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهَا مَقَامٌ عَلَى طَوَافِ الصَّدْرِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْمَقَامُ عَلَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِأَنَّهُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَفِي ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ جَوَّزَتْ الْكَلَامَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ وَإِظْهَارَ وَجْهِ الصَّوَابِ فِيهَا بِالرَّأْيِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَفِظَتْ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَبَرِ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ أَنَّ الْإِفَاضَةَ قَبْلَ الْحَيْضِ تُبِيحُ الِانْصِرَافَ لَكِنَّهَا مَعَ ذَلِكَ أَضَافَتْ إلَى ذَلِكَ بَيَانَ الْمَعْنَى بَعْدَ الْأَثَرِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ قَدْ حَاضَتْ أَوْ نَفِسَتْ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ
стр. 744
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَالْمَرْأَةُ تَحِيضُ بِمِنًى تُقِيمُ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ فَحَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَلْتَنْصَرِفْ إلَى بَلَدِهَا فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْحَائِضِ قَالَ: «وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ فَإِنَّ كَرِيَّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَحْبِسُ النِّسَاءَ الدَّمُ» ) .
فِدْيَةُ مَا أُصِيبَ مِنْ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ)
ــ
[المنتقى]
فَاسْتَفْتَتْهُ فِيمَا يَجُوزُ لَهَا مِنْ الْخُرُوجِ أَوْ يَلْزَمُهَا مِنْ الْمَقَامِ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَتْ لَمَّا كَانَتْ قَدْ أَفَاضَتْ.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ صَفِيَّةَ وَمَا أَذِنَ بِهِ لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَسُمِّيَ ذَلِكَ رُخْصَةً عَلَى عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا أُبِيحَ لِضَرُورَةٍ مِنْ جُمْلَةٍ مَمْنُوعَةٍ فَلَمَّا وَرَدَ الْأَمْرُ فِي الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْحَائِضَ سُمِّيَ رُخْصَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ فَإِنَّ كَرِيَّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا بِقَدْرِ مَا يُحْكَمُ لِلْمَرْأَةِ بِأَنَّهَا حَائِضٌ فَإِذَا حُكِمَ لَهَا بِالِاسْتِحَاضَةِ اغْتَسَلَتْ وَطَافَتْ وَرَجَعَتْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: تُقِيمُ الْحَائِضُ أَكْثَرَ مَا يَحْبِسُ النِّسَاءَ الْحَيْضُ وَتُقِيمُ النُّفَسَاءُ أَكْثَرَ مَا يَحْبِسُ النِّسَاءَ دَمُهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنَّ كَرِيَّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِحَمْلِهَا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُخَيِّرَهُ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْكَرِيَّ يُحْبَسُ عَلَيْهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلَا أَدْرَى هَلْ تُعِينُهُ النُّفَسَاءُ فِي الْعَلَفِ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ مُحَمَّدٍ: وَقَدْ قِيلَ أَنَّهَا إنَّمَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا كَرِيُّهَا إذَا كَانَ الْأَمْنُ وَأَمَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ حَيْثُ لَا يَأْمَنُ فِي طَرِيقِهِ فَهِيَ ضَرُورَةٌ وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ وَقْتَ الْأَمْنِ يَجِدُ الرِّفَاقَ وَيُمْكِنُهُ إذَا طَهُرَتْ أَنْ يَدْخُلَ الطَّرِيقَ وَيُسَافِرَ وَإِذَا كَانَ الْخَوْفُ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْتَظِرَ الْقَوَافِلَ وَالصُّحْبَةَ فَتَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَمِثْلُ هَذَا عِنْدِي فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا مَحْرَمَ لَهَا وَإِنَّمَا يَخْرُجُ فِي الرُّفْقَةِ الْعَظِيمَةِ الْمَأْمُونَةِ وَالرُّفْقَةِ الَّتِي فِيهَا النِّسَاءُ فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَلِكَ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَتَحْتَاجُ إلَى الِانْتِظَارِ وَأَمَّا ذَاتُ الْمَحْرَمِ مَعَ الطَّرِيقِ الْمَأْمُونِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَحْبِسُهَا شَيْءٌ غَيْرُ حَيْضَتِهَا.
[فِدْيَةُ مَا أُصِيبَ مِنْ الطَّيْرِ وَالْوَحْشِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عَدْلٌ لَهُ مِنْ النَّعَمِ وَأَشْبَهَ النَّعَمِ بِهِ قَدْرًا أَوْ قَضَى فِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى أَيْضًا لِأَنَّ الْعَنْزَ أَشْبَهُ النَّعَمِ بِالْغَزَالِ وَأَقْرَبُهَا قَدْرًا إلَيْهِ وَالْكَبْشُ وَالْعَنْزُ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُهْدَى فَجَازَ أَنْ يَكُونَا عِوَضًا عَنْ الضَّبُعِ وَالْغَزَالِ يُهْدِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَزَاءً عَنْ إصَابَةِ نَظِيرِهِ مِنْ الصَّيْدِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ الْعَنَاقُ الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ إذَا رَعَى وَقَوِيَ وَالْجَفْرَةُ الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِهَا إذَا بَلَغَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفُصِلَ عَنْ أُمِّهِ وَفَرَّقَ عُمَرُ بَيْنَ الْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ فَجَعَلَ فِي الْأَرْنَبِ عَنَاقًا وَفِي الْيَرْبُوعِ جَفْرَةً وَهِيَ دُونَ الْعَنَاقِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَفْتَى فِي الضَّبِّ بِهَدْيٍ وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ أَنَّ كُلَّ مَا صَغُرَ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَظِيرٌ مِنْ النَّعَمِ يُهْدَى فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا.
стр. 745
ص.
(مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِقُ إلَى ثُغْرَةِ ثَنِيَّةٍ فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ: تَعَالَ حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ قَالَ: فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْيٍ حَتَّى دَعَا رَجُلًا يَحْكُمُ مَعَهُ فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ الرَّجُلِ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَكَمَ مَعِي؟ فَقَالَ: لَا: فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّك تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) .
ــ
[المنتقى]
صِيَامٌ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُحْكَمُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ بِجَفْرَةٍ وَلَا عَنَاقٍ وَلَا يُحْكَمُ بِدُونِ الْمُسِنِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَقُيِّدَ ذَلِكَ بِالْهَدْيِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَخْرُجَ فِي ذَلِكَ مَا لَيْسَ بِهَدْيٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْجَزَاءِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ لَا يَكُونُ بَدَلُهُ هَدْيًا فَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ مِنْ النَّعَمِ أَصْلُ ذَلِكَ صِغَارُ الطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْأَرْنَبِ وَفِي الْيَرْبُوعِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْزٌ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الظَّبْيِ إلَّا الطَّعَامُ أَوْ الصِّيَامُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَاعَى الْمِثْلُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ وَالصُّورَةِ وَقَدْ وُجِدَ فِي الْيَرْبُوعِ الْمِثْلُ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ فَوَجَبَ أَنْ يُطْلَبَ أَقْرَبُ الْمِثْلِ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي صِغَارِ الْوَحْشِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ مِثْلٌ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ لَمْ يُرَاعَ الْقَدْرُ فَحَكَمْنَا فِي صَغِيرِ النَّعَامِ بِمَا يُحْكَمُ فِيهِ بِكَبِيرِهِ وَهِيَ الْبَدَنَةُ مَعَ تَفَاوُتِ مَا بَيْنَهُمَا فِي الْقَدْرِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الصِّفَةَ وَالْقَدْرَ يَجِبُ أَنْ يُرَاعَا فِي الْجِنْسِ فَإِذَا كَانَ الشَّبَهُ يَقْرُبُ مِنْ جِهَةِ الصُّورَةِ وَالشَّبَهُ يَقْرُبُ مِنْ جِهَةِ الْقَدْرِ فِي الْجِنْسِ حَكَمْنَا فِيهِ بِالْمِثْلِ وَإِذَا تَفَاوَتَ فِي الْقَدْرِ فِي جُمْلَةِ الْجِنْسِ وَجَبَ أَنْ لَا يُحْكَمَ فِيهِ بِمِثْلٍ كَمَا لَا يُحْكَمُ فِي صِغَارِ الطَّيْرِ وَالْحَشَرَاتِ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا صِغَارُ مَا لَهُ مِثْلٌ لِأَنَّ الشَّبَهَ مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ وَالْقَدْرِ قَدْ وُجِدَ فِي الْجِنْسِ ص.
(مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إنِّي أَجْرَيْتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لِي فَرَسَيْنِ نَسْتَبِقُ إلَى ثُغْرَةِ ثَنِيَّةٍ فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ: تَعَالَ حَتَّى أَحْكُمَ أَنَا وَأَنْتَ قَالَ: فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ فَوَلَّى الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْكُمَ فِي ظَبْيٍ حَتَّى دَعَا رَجُلًا يَحْكُمُ مَعَهُ فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ الرَّجُلِ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي حَكَمَ مَعِي؟ فَقَالَ: لَا: فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّك تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا ثُمَّ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ) .
(ش) : قَوْلُهُ أَجْرَيْنَا فَأَصَبْنَا ظَبْيًا وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ فَمَاذَا تَرَى؟ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفْتِيًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ طَلَبَ الْحُكْمَ عَلَيْهِ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْوَاحِدَ يَصِحُّ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَاسْتِدْعَاءُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الرَّجُلَ الَّذِي إلَى جَنْبِهِ أَنْ يَحْكُمَ مَعَهُ امْتِثَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَحَدَهُمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَحَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ يُرِيدُ أَنَّهُ اخْتَارَ الْمِثْلَ وَلِذَلِكَ حَكَمَا عَلَيْهِ بِعَنْزٍ يُهْدِيهَا لِأَنَّهَا أَقْرَبُ الْأَنْعَامِ شَبَهًا وَقَدْرًا بِالظِّبَاءِ فَظَنَّ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدْعَى مَنْ يَحْكُمُ مَعَهُ لِعَجْزِهِ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّتِهِ مُفْرِدًا حَتَّى يُعِينَهُ عَلَيْهَا الرَّجُلُ الَّذِي اسْتَدْعَاهُ لِلْحُكْمِ مَعَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ لَهُ هَلْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ خَصَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا لِمَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ السُّوَرِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] وَسَأَلَهُ هَلْ تَعْرِفُ الرَّجُلَ الَّذِي مَعَهُ لِمَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ وَالْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ وَإِنَّ كُلَّ مَنْ عُرِفَ عَيْنُهُ عُرِفَ عَدَالَتُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عُمَرَ ﵁ لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّك تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا إعْلَامًا لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ لَمَّا لَمْ يَقْرَأْ السُّورَةَ الَّتِي فِيهَا شَأْنُ هَذِهِ الْحُكُومَةِ.
وَقَالَ لَهُ: لَوْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّك تَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يُوجِعُهُ ضَرْبًا لِمَا أَظْهَرَ مِنْ مُخَالَفَتِهِ التَّنْزِيلَ إنْ كَانَ فَهِمَ
стр. 746
ص.
(مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْبَقَرَةِ مِنْ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الشَّاةِ مِنْ الظِّبَاءِ شَاةٌ) ..
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ إذَا قُتِلَ شَاةٌ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ وَفِي بَيْتِهِ فِرَاخٌ مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ فَيُغْلِقُ عَلَيْهَا فَتَمُوتَ فَقَالَ: أَرَى بِأَنْ يَفْدِيَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ فَرْخٍ بِشَاةٍ) .
ش وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْفِرَاخُ فِي بَيْتِ الرَّجُلِ فَإِذَا أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ أَوْ حَجَّةٍ اقْتَضَى ذَلِكَ غَلْقَ بَابِ بَيْتِهِ وَالتَّغَيُّبَ مِنْهُ مُدَّةً تَهْلَكُ الْفِرَاخُ فِي مِثْلِهَا لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْأَبَوَيْنِ بِالشِّبَعِ إلَيْهَا فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ كُلِّ فَرْخٍ مِنْهَا شَاةٌ لِأَنَّ فِي صِغَارِ كُلِّ حَيَوَانٍ مِنْ الْجَزَاءِ مِثْلَ مَا فِي كَفَّارَتِهِ وَهَذَا حُكْمُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَمَامِ فِي الْحَرَمِ مِمَّا يَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ وَإِنَّمَا خُصَّ الْمُحْرِمُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ لِأَنَّ إحْرَامَهُ كَانَ سَبَبَ مَغِيبِهِ وَلَوْ سَافَرَ عَنْ بَيْتِهِ فِي غَيْرِ إحْرَامٍ وَأَغْلَقَ عَلَيْهَا بَابَهُ فَهَلَكَتْ لَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ فِي النَّعَامَةِ إذَا قَتَلَهَا الْمُحْرِمُ بَدَنَةً قَالَ مَالِكٌ: أَرَى فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرَ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ كَمَا يَكُونُ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ قَالَ مَالِكٌ: وَقِيمَةُ الْغُرَّةِ خَمْسُونَ دِينَارًا وَذَلِكَ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ) .
ــ
[المنتقى]
الْحُكْمَ أَوْ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ تَفَهُّمِ الْقُرْآنِ إنْ كَانَ أَعْرَضَ عَنْ النَّظَرِ فِي الْآيَةِ وَالتَّفَهُّمِ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَعْنَاهَا مَعَ الِاهْتِبَالِ بِهِ وَقَدْ يُعْذَرُ الْجَاهِلُ عِنْدَ مُوَاقَعَةِ مِثْلِ هَذَا مِمَّا لَمْ يَسْتَبِنْ حُكْمُهُ وَلَا يَتَكَرَّرُ تَكَرُّرَ الصَّلَوَاتِ وَالطِّهَارَاتِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ إعْلَامًا لَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ مُشَارَكَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ أَمْرُهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْكُمَ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ ثُمَّ أَعْلَمَهُ أَنَّ الَّذِي حَكَمَ مَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَإِنْ كَانَ السَّائِلُ قَدْ سَمِعَ بِذِكْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَفَ عَدَالَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ بِذِكْرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي أَيْسَرِ وَقْتٍ يَسْأَلُ فَيُخْبَرُ بِعَدَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَارِ عِلْمِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ: وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَنَصَّ عَلَى اسْمِهِ الَّذِي يُمْكِنُ السَّائِلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَمِعَ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَعُلُوِّ ذِكْرِهِ أَوْ يَسْأَلُ عَنْهُ وَلَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ عَدَالَتِهِ فَقَطْ لَقَالَ: وَهَذَا عَدْلٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَوْجَبَ عُمَرُ عَلَيْهِمَا الْجَزَاءَ وَإِنْ كَانَا لَمْ يُبَاشِرَا قَتْلَ الصَّيْدِ وَإِنَّمَا قَتَلَتْهُ خَيْلُهُمَا لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ خَيْلُهُمَا مَحْمُولَةً بِاخْتِيَارِهِمَا كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ رَمَيَا سَهْمًا أَوْ حَجَرًا فَقَتَلَاهُ بِهِ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ قَادَ دَابَّةً أَوْ سَاقَهَا أَوْ رَكِبَهَا أَنَّهَا مَا أَصَابَتْ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَهَا فَضَرَبَتْ صَيْدًا فَقَتَلَتْهُ وَمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا مِنْ غَيْرِ قِيَادٍ وَلَا سِيَاقٍ وَلَا رُكُوبٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ص.
(مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْبَقَرَةِ مِنْ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الشَّاةِ مِنْ الظِّبَاءِ شَاةٌ) .
(ش) : قَوْلُهُ فِي الْبَقَرَةِ مِنْ الْوَحْشِ بَقَرَةٌ وَفِي الشَّاةِ مِنْ الظِّبَاءِ شَاةٌ يُرِيدُ بَقَرَةً وَشَاةً مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَأَخْبَرَا أَنَّ الْبَقَرَةَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِثْلُ الْبَقَرِ الْوَحْشِيِّ وَإِنَّ الشَّاةَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِثْلُ الشَّاةِ مِنْ الظِّبَاءِ وَهُوَ تَمْثِيلٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمَا أَشْبَهُ الْأَنْعَامِ بِهِمَا صُورَةً وَقَدْرًا وَلَكِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ إعَادَةِ الْحُكْمِ فِيهِمَا إذَا أَصَابَ أَحَدَهُمَا مُحْرِمٌ.
(ش) : قَوْلُهُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ إذَا قُتِلَ شَاةٌ يُرِيدُ أَنَّ حَمَامَ مَكَّةَ مَخْصُوصٌ بِذَلِكَ لِتَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ وَهَذَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَرْبُوعِ شَاةٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ حَمَامَةٍ شَاةٌ إذَا اُعْتُبِرَ الْقَدْرُ لِأَنَّ الْحَمَامَ أَكْبَرُ مِنْ الْيَرْبُوعِ وَأَعْظَمُ خِلْقَةً وَأَكْثَرُ لَحْمًا وَإِذَا وَدَى فِي الْيَرْبُوعِ شَاةً فَبِأَنْ يَجِبَ ذَلِكَ فِي كُلِّ حَمَامٍ أَوْلَى وَلَا يَجِبُ فِي سَائِرِ الْحَمَامِ غَيْرِ حَمَامِ مَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ غَيْرُ الْإِطْعَام أَوْ الصِّيَامِ وَلَمْ يَجِبْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ فَبِأَنْ لَا يَجِبَ فِي الْيَرْبُوعِ أَوْلَى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي حَمَامِ مَكَّةَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةً يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ شَائِعٌ قَدِيمٌ تَكَرَّرَ حُكْمُ الْأَئِمَّةِ وَفَتْوَى الْعُلَمَاءِ بِهِ وَقَوْلِهِمْ لِذَلِكَ
стр. 747
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ النُّسُورِ أَوْ الْعُقْبَانِ أَوْ الْبُزَاةِ أَوْ الرُّخْمِ فَإِنَّهُ صَيْدٌ يُودَى كَمَا يُودَى الصَّيْدُ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ شَيْءٍ فُدِيَ فَفِي صِغَارِهِ مِثْلُ مَا يَكُونُ فِي كِبَارِهِ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ دِيَةِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فَهُمَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ) .
فِدْيَةُ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْجَرَادِ وَهُوَ مُحْرِمٌ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي أَصَبْت جَرَادَاتٍ بِسَوْطِي وَأَنَا مُحْرِمٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَطْعِمْ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَأَلَهُ عَنْ جَرَادَةٍ قَتَلَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: تَعَالَ حَتَّى نَحْكُمَ فَقَالَ كَعْبٌ: دِرْهَمٌ فَقَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ: إنَّك لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ) .
ــ
[المنتقى]
تَكَرُّرَ إشَاعَةٍ وَإِذَاعَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا وَتَكْرِيرِ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ إنَّ فِي بَيْضَةِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ فِيهَا جَزَاءٌ مِنْ النَّعَمِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ عُشْرِ الْبَدَنَةِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ عَنْزٍ لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لَهَا فِي النَّعَمِ وَإِنَّمَا جَزَاؤُهَا عُشْرُ قِيمَةِ الْبَدَنَةِ الَّتِي هِيَ جَزَاءُ النَّعَامَةِ وَبَيَّنَ مَالِكٌ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا قَالَهُ قِيَاسًا عَلَى دِيَةِ الْجَنِينِ غُرَّةٌ قِيمَتُهَا خَمْسُونَ دِينَارًا أَوْ هِيَ عُشْرُ دِيَةِ الْحُرَّةِ لِأَنَّ دِيَتَهَا خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ النُّسُورِ أَوْ الْعُقْبَانِ أَوْ الرُّخْمِ أَوْ الْبُزَاةِ فَإِنَّهُ صَيْدٌ يُرِيدُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَأْكُلُ الْجِيَفَ فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْحِدَأَةِ وَالْغِرْبَانِ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحْرِمِ قَتْلَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْهُ مَا يَتَأَنَّسُ وَيُصَادُ فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْسِيِّ وَلَا يَجْرِي إلَّا مَجْرَى الْوَحْشِيِّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ بِقَتْلِهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ لَهُ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ خُيِّرَ بَيْنَ مِثْلِهِ أَوْ الْإِطْعَامِ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ أَوْ الصِّيَامِ.
(ش) : قَوْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ فُدِيَ فَفِي صِغَارِهِ مِثْلُ مَا فِي كِبَارِهِ تَقْرِيرٌ لِهَذَا الْحُكْمِ وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ كُلَّ مَا يَفْدِيهِ الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي صِغَارِهِ مِثْلُ مَا يَجِبُ فِي كِبَارِهِ لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ كَقَتْلِ الْخَطَأِ يَجِبُ مِنْ الْكَفَّارَةِ بِقَتْلِ الصَّغِيرِ مِثْلُ مَا يَجِبُ بِقَتْلِ الْكَبِيرِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ سَوَاءٌ فَمَثَّلَ ذَلِكَ بِالْفِدْيَةِ وَتَمْثِيلُهُ بِالْكَفَّارَةِ أَوْلَى لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَبِهِ قَالَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّمَا يُخْرِجُ فِي فَرْخِ النَّعَامَةِ فَصِيلًا وَفِي صَغِيرِ وَلَدِ الضَّبُعِ صَغِيرًا مِنْ وَلَدِ النَّعَمِ وَفِي جَحْشِ حِمَارِ الْوَحْشِ عِجْلًا وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقِيمَةَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِمَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ هَدْيًا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِنَا بِأَنَّهُ إنَّمَا يُخْرِجُ عَلَى وَجْهِ الْكَفَّارَةِ فَنَقُولُ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ فَخَرَجَ بِاسْمِ التَّكْفِيرِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ الْمُتْلَفِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ كَالْعِتْقِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ.
[فِدْيَةُ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ الْجَرَادِ وَهُوَ مُحْرِمٌ]
(ش) : قَوْلُ عُمَرَ أَطْعِمْ قَبْضَةً مِنْ طَعَامٍ يُرِيدُ أَنَّهَا أَخَفُّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ وَهِيَ تُجْزِئُ عَنْ الْجَرَادِ وَكَذَلِكَ يَقُولُ مَالِكٌ مَنْ أَصَابَ جَرَادَةً فَعَلَيْهِ قَبْضَةُ طَعَامٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الصِّيَامَ لَحَكَمَ بِصِيَامِ يَوْمٍ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ إجْمَاعٌ وَإِنَّمَا سَارَعَ الْفُقَهَاءُ إلَى إيجَابِ قَبْضَةٍ مِنْ الطَّعَامِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَى مَنْ أَصَابَ الْجَرَادَةَ مِنْ صِيَامِ يَوْمٍ فَاسْتَغْنَى فِي ذَلِكَ عَنْ الْإِعْلَانِ بِالتَّخْيِيرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ الذُّبَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحَشَرَاتِ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَدَاهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْخَنَافِسِ وَالْجُعْلَانِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْعَصَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ قَتْلُهُ مُبَاحٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ قَتَلَهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا حُكْمُ مَنْ تَعَمَّدَ قَتْلَهَا وَأَصَابَهَا خَطَأً وَهُوَ بِمَكَّةَ لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْهُ عُمَرُ هَلْ أَصَابَ الْجَرَادَةَ خَطَأً أَوْ عَمْدًا
стр. 748
فِدْيَةُ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَالِكٍ الْجَزَرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ «كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا فَأَذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَقَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إنْسَانٍ أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ أَيُّ ذَلِكَ فَعَلْت أَجْزَأَ عَنْكَ» )
ــ
[المنتقى]
وَلَا كَانَ فِي سُؤَالِهِ بَيَانُ ذَلِكَ فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِي الْحُكْمِ عِنْدَ عُمَرَ وَأَمَّا الْمُحْرِمُ يَطَأُ بِبَعِيرِهِ الْجَرَادَ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ عَلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَعَمَّدُوا.
وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الذُّبَابِ لَا يُسْتَطَاعُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ لِكَثْرَتِهِ فِيهَا الْمُحْرِمُ يَمْشِي عَلَى بَعْضِهِ فَيَقْتُلَهُ يُطْعِمُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّ الضَّرُورَةَ إذَا كَانَتْ عَامَّةً وَلَمْ يُمْكِنْ احْتِرَازٌ مِنْهَا لِغَلَبَتِهَا وَكَثْرَتِهَا فَإِنَّهُ يَسْقُطُ حُكْمُ الْمَنْعِ بِهَا وَيُبِيحُ الْقَتْلَ وَإِذَا كَانَ الْقَتْلُ مُبَاحًا عَلَى الْعُمُومِ سَقَطَ الْفِدَاءُ بِهِ كَقَتْلِ عَادِيَةِ السِّبَاعِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا أَصَابَ الصَّيْدَ لَزِمَهُ الْجَزَاءُ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْهُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ خَطَأً.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَتَى وَجَبَ بِذَلِكَ الْإِطْعَامُ فَهَلْ يَجُوزُ دُونَ حُكُومَةٍ قَالَ مُحَمَّدٌ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لِكَعْبٍ تَعَالَ حَتَّى نَحْكُمَ فَإِنْ أَخْرَجَ ذَلِكَ دُونَ حُكْمٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ بِهِ الْجَزَاءُ فَلَمْ يَصِحَّ إخْرَاجُهُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَكَمَيْنِ أَصْلُ ذَلِكَ جَزَاءُ الصَّيْدِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لِكَعْبٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ فِي الْجَرَادَةِ بِدِرْهَمٍ إنَّك لَتَجِدُ الدَّرَاهِمَ إنْكَارًا عَلَيْهِ لِتَسَامُحِهِ بِالدَّرَاهِمِ وَإِيجَابِهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا فِعْلُ مَنْ كَثُرَتْ دَرَاهِمُهُ وَهَانَتْ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَيْضًا يَجِبُ أَنْ يَتَحَرَّى وَيَجْتَهِدَ فِيمَا يَحْكُمُ بِهِ وَيَتْرُكَ التَّسَامُحَ وَالْحُكْمَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ كَمَا يَتْرُكَ الْحُكْمَ بِأَقَلَّ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: لَتَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ يُرِيدُ أَنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهَا لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهَا وَأَنْفَعُ لِآكِلِهَا مِنْ الْجَرَادَةِ وَأَكْثَرُ ثَمَنًا لِمَنْ أَرَادَ بَيْعَهَا وَفِي هَذَا أَنَّ الْحَكَمَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا لَمْ يَلْزَمْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيَجِبُ أَنْ يُسْتَأْنَفَ الْحُكْمُ وَلَعَلَّ كَعْبًا قَدْ رَجَعَ إلَى مُوَافَقَةِ عُمَرَ ﵁ فِي قَوْلِهِ إنَّ التَّمْرَةَ خَيْرٌ مِنْ الْجَرَادَةِ ثُمَّ حَكَمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ عُمَرَ إنَّهَا خَيْرٌ مِنْهَا لَيْسَ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ بِالتَّمْرَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةٌ لِكَعْبِ أَوْ لَعَلَّ عُمَرَ قَدْ اسْتَدْعَى غَيْرَ كَعْبٍ لِلْحُكْمِ مَعَهُ وَاسْتِدْعَاءُ عُمَرَ ﵁ كَعْبًا لِلْحُكْمِ مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَالَتِهِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عَدْلًا لَمَا جَازَ أَنْ يُحَكِّمَهُ فِي مِثْلِ هَذَا وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] .
[فِدْيَةُ مَنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَرَ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحْرِمًا يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ مُحْرِمًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَالْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ وَلَا تَكُونُ الْإِبَاحَةُ أَمْرًا فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ نَدَبَهُ إلَى ذَلِكَ وَرَآهُ الْأَفْضَلَ لَهُ فَقَدْ نُهِيَ الْإِنْسَانُ عَنْ أَذَى نَفْسِهِ وَتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْعَادَةِ الْمُؤْذِيَةِ الَّتِي لَا يُطِيقُهَا الْإِنْسَانُ غَالِبًا فِي الْعِبَادَاتِ وَلِذَلِكَ كُرِهَ مِنْ الْحَوْلَاءِ بِنْتِ تُوَيْتٍ أَنْ لَا تَنَامَ اللَّيْلَ وَقَدْ قَالَ ﷺ «اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ» عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ لَهُ فِي أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَيَّ ذَلِكَ شِئْت فَعَلْت» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالنُّسُكُ هَاهُنَا
стр. 749
ص.
(مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ «كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّكَ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَك وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ» ) .
ــ
[المنتقى]
مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ أَنْ يَنْسُكَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً وَقَدْ نَصَّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الشَّاةِ لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْنَى مَا يُجْزِئُ وَلَا يُقَلَّدُ النُّسُكُ وَلَا يُشْعَرُ وَلَا يُسَاقُ مِنْ حِلٍّ إلَى حَرَمٍ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَجْعَلَهُ هَدْيًا فَإِنَّ لَهُ ذَلِكَ وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْهَدْيِ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْإِطْعَامُ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَقْصُرُ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّمَا عَلَيْهِ مُدَّانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنْ عَيْشِ الْبَلَدِ شَعِيرٍ أَوْ بُرٍّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُجْزِئُهُ الشَّعِيرُ إنْ كَانَ طَعَامُهُ حِينَئِذٍ وَإِنْ كَانَ طَعَامُهُ ذُرَةً نَظَرَ إلَى مَا يُجْزِئُهُ مِنْ الْقَمْحِ فَزِيدَ فِي الذُّرَةِ حَتَّى يَبْلُغَ بِذَلِكَ إجْزَاءَ الْحِنْطَةِ فِي الشِّبَعِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّعِيرَ عِنْدَهُ مِنْ جِنْسِ الْقَمْحِ فَمَا كَانَ قُوتُهُ أَخْرَجَ مِنْهُ كَمَا يُخْرِجُ عَنْ الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ الْأَغْلَبَ مِنْهَا لَمَّا كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَلَا يُخْرِجُ عَنْ أَحَدِهِمَا بَقَرًا وَلَا غَيْرَهَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْجِنْسِ ص.
(مَالِكٌ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ قَيْسٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ «كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّكَ فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : احْلِقْ رَأْسَك وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ أَوْ اُنْسُكْ بِشَاةٍ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ «لَعَلَّكَ أَذَاكَ هَوَامُّكَ» يُرِيدُ الْقَمْلَ فَهُوَ هَوَامُّ الْإِنْسَانِ الْمُخْتَصُّ بِجَسَدِهِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثْرَتَهَا سَأَلَهُ عَنْ تَأَذِّيهِ بِهَا فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: احْلِقْ رَأْسَك يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ بِمَا يَلْزَمُهُ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ وَهِيَ الْفِدْيَةُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ الْقَمْلِ عَنْ رَأْسِ الْإِنْسَانِ مَمْنُوعٌ وَمِمَّا يَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ يَأْمُرُهُ بِمَشْطِ رَأْسِهِ وَاسْتِعْمَالِ مَا يَقْتُلُهَا وَيُزِيلُهَا مَعَ بَقَاءِ شَعْرِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْأَمْرَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَجِبُ بِإِزَالَتِهَا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَقْرَبُ تَنَاوُلًا فِيمَا يُرِيدُ وَأَعَمُّ مَنْفَعَةً وَرَاحَةً أَمَرَهُ بِالْحِلَاقِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ إزَالَةِ الْقَمْلِ عَنْ الْجَسَدِ فِي الْمَنْعِ مِنْهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ أَخْذَ الْقَمْلَةِ مِنْ الْجَسَدِ مُبَاحٌ وَلَا شَيْءَ فِيهِ وَفِي أَخْذِهَا مِنْ الرَّأْسِ الْفِدْيَةُ بِشَيْءٍ لَا لِأَجْلِ الْقَمْلَةِ وَلَكِنْ لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِأَخْذِ الْهَوَامِّ مِنْ رَأْسِهِ وَأَزَالَ الْأَذَى وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا أَزَالَ قَمْلَةً مِنْ حَبْسِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ بِهِ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أَخَذَهَا مِنْ رَأْسِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا لِمَنْ قَصَدَ إزَالَةَ الشَّعْرِ فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقْصِدْ إزَالَتَهُ وَإِنَّمَا قَصَدَ إلَى فِعْلٍ آخَرَ فَكَانَ سَبَبُهَا تَسَاقُطَ شَعْرٍ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ رَأْسِهِ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ فِيمَنْ سَقَطَ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ شَيْءٌ لِحَمْلِ مَتَاعِهِ أَوْ جَرِّ يَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ فَتَسَاقَطَ مِنْهَا الشَّعْرَةُ أَوْ الشَّعْرَتَانِ أَوْ اغْتَسَلَ تَبَرُّدًا فَتَسَاقَطَ مِنْهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إزَالَتَهُ وَلَوْ امْتَنَعَ مِنْ كُلِّ مَا يَجُرُّ ذَلِكَ وَيُسَبِّبُهُ لَامْتَنَعَ مِنْ أَكْثَرِ التَّصَرُّفِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالرُّكُوبِ وَمَسْحِ الْوَجْهِ فَإِذَا كَانَتْ مُبَاحَةً لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا وَكَانَ الْمُعْتَادُ تَسَاقُطَ الشَّعْرِ بِهَا اسْتَحَالَ أَنْ يَجِبَ شَيْءٌ بِذَلِكَ ص.
(مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ بِسُوقِ الْبُرَمِ بِالْكُوفَةِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْفُخُ تَحْتَ قِدْرٍ لِأَصْحَابِي وَقَدْ امْتَلَأَ رَأْسِي وَلِحْيَتِي قَمْلًا فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي ثُمَّ قَالَ احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ وَصُمْ ثَلَاثَةً أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ جَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرَّ بِهِ فِي طَرِيقِهِ لِأَمْرٍ مَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَهُ عَلَى مَا يَفْعَلُ الْمُتَوَاضِعُ مِنْ زِيَارَةِ أَصْحَابِهِ وَتَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ وَلَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَهُ مَا بَلَغَ بِهِ مِنْ الْهَوَامِّ فَقَصَدَهُ لِذَلِكَ لِيُحَقِّقَ حَالَ ضَرُورَتِهِ وَيَأْمُرَهُ بِمَا يَجِبُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَتَنَاوَلَ كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ النَّفْخَ تَحْتَ الْقِدْرِ لِأَصْحَابِهِ مُسَارَعَةً إلَى خِدْمَتِهِمْ فَإِنَّ الْأَجْرَ فِي خِدْمَةِ الرُّفَقَاءِ جَزِيلٌ وَلَا يَمْتَنِعُ الْمُحْرِمُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ خَافَ أَنْ يَلْحَقَ لَهَبُ النَّارِ شَعْرَهُ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ مَالِكٌ
стр. 750
ص.
(قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُمَا شَاءَ نُسُكٌ أَوْ صِيَامٌ أَوْ صَدَقَةٌ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ لَا يَصْلُحُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا وَلَا يَحْلِقَهُ وَلَا يُقَصِّرَهُ حَتَّى يَحِلَّ إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ وَلَا يَقْتُلَ قَمْلَةً وَلَا يَطْرَحَهَا مِنْ رَأْسِهِ إلَى الْأَرْضِ وَلَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ ثَوْبِهِ فَإِنْ طَرَحَهَا الْمُحْرِمُ مِنْ جِلْدِهِ أَوْ مِنْ ثَوْبِهِ فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ) .
ــ
[المنتقى]
فِي الْمَبْسُوطِ فِيمَنْ نَفَخَ تَحْتَ قِدْرٍ أَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّنُّورِ فَأَحْرَقَ شَعْرَهُ لَهَبُ النَّارِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَخَذَ بِجَبْهَتِي وَقَالَ: احْلِقْ هَذَا الشَّعْرَ يُرِيدُ مَا عَلَى جَبْهَتِهِ مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ وَأَخْذُهُ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْنِيسِ لَهُ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ رَفْعَ الْإِشْكَالِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: احْلِقْ شَعْرَ رَأْسِكَ لَجَوَّزَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ غَيْرُ شَعْرِ الرَّأْسِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: احْلِقْ شَعْرَ رَأْسِكَ لَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ الرَّأْسِ مَقْصُورًا عَلَى جَارِحَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الرَّأْسِ عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ كَالْوَجْهِ وَغَيْرِهِ فَأَزَالَ الْإِشْكَالَ بِأَنْ أَشَارَ لَهُ إلَى مَا يُبَاحُ لَهُ حَلْقُهُ وَهُوَ شَعْرُ رَأْسِهِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ النُّسُكَ قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ يُرِيدُ أَنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالنُّسُكِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَالِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى النُّسُكِ بِالشَّاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَإِنَّ عَبْدَ الْكَرِيمِ وَمُجَاهِدًا رَوَيَا حُكْمَ مَنْ حَلَقَ فِي الْجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينِ أَحَدٍ وَحَكَى عَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَا أَمَرَ بِهِ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كَعْبٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ لِي حُكْمَ النُّسُكِ لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ حُكْمَ مَنْ هُوَ عِنْدَهُ ص.
(قَالَ مَالِكٌ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْتَدِي حَتَّى يَفْعَلَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَأَنَّهُ يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيْثُمَا شَاءَ نُسُكٌ أَوْ صِيَامٌ أَوْ صَدَقَةٌ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ) .
(ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْفِدْيَةَ إنَّمَا هِيَ عَنْ إمَاطَةِ الْأَذَى فَلَمَّا لَمْ يُمِطْهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَلَا وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَلَا يُجْزِئُ عَنْهُ كَمَا لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْهَدْيِ قَبْلَ تَجَاوُزِ الْمِيقَاتِ بِالْإِحْرَامِ وَلَا بِالْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْفَوَاتِ وَلَا قَبْلَ الْإِفْسَادِ وَلَا الْكَفَّارَةِ فِي الصَّوْمِ قَبْلَ إفْسَادِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ وُجُوبِهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُرِيدَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَقَاسَ فِدْيَةَ الْأَذَى عَلَيْهَا فِي الْمَنْعِ وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ أَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى كَفَّارَةٌ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمُ جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ وَأَنَّ الْفِدْيَةَ مِنْ جُمْلَةِ الْكَفَّارَاتِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا حَتَّى تَجِبَ فَهَذَا مُطَّرِدٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ إخْرَاجِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَبْلَ الْحِنْثِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ إجَازَةِ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كَفَّارَةَ الْفِدْيَةِ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُهَا وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ قَدْ وُجِدَ سَبَبُهَا وَهُوَ الْيَمِينُ وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْكَفَّارَةُ لِحِلِّ الْيَمِينِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَوَازَنَ فِدْيَةَ الْأَذَى مِنْ الْيَمِينِ أَنْ يُكَفِّرَ قَبْلَ يَمِينِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَيَجْعَلُ فِدْيَتَهُ حَيْثُمَا شَاءَ النُّسُكُ أَوْ صِيَامٌ أَوْ صَدَقَةٌ بِمَكَّةَ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ إخْرَاجَ أَيِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْبِلَادِ فَأَمَّا النُّسُكُ فَإِنَّ الْغَرَضَ فِيهِ إرَاقَةُ دَمِهِ وَإِيصَالُ لَحْمِهِ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَقْتٍ وَلَا مَكَان وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَذْبَحَ لَيْلًا وَنَهَارًا كَشَاةِ الزَّكَاةِ لَا يَتَعَلَّقُ إخْرَاجُهَا بِوَقْتٍ وَلَا مَكَان وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْأُضْحِيَّةَ وَالْعَقِيقَةَ فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوَقْتٍ وَالْهَدْيُ مُعَلَّقٌ بِوَقْتٍ وَمَكَانٍ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْتِفَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا وَلَا يُقَصِّرَ لِأَنَّهُ إزَالَةٌ لِأَذَى الشَّعْرِ وَإِمَاطَةٌ لَهُ وَذَلِكَ مِمَّا يُمْنَعُ مِنْهُ الْحَرَامُ كَالْحِلَاقِ.
وَقَدْ قَالَ
стр. 751
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ نَتَفَ شَعْرًا مِنْ أَنْفِهِ أَوْ مِنْ إبِطِهِ أَوْ طَلَى جَسَدَهُ بِنَوْرَةٍ أَوْ يَحْلِقُ عَنْ شَجَّةٍ فِي رَأْسِهِ لِضَرُورَةٍ أَوْ يَحْلِقُ قَفَاهُ لِمَوْضِعِ الْمَحَاجِمِ وَهُوَ مُحْرِمٌ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْفِدْيَةُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ) .
ــ
[المنتقى]
تَعَالَى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يُصِيبَهُ أَذًى فِي رَأْسِهِ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُرِيدُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذِهِ حَالُهُ فِي جَمِيعِ الْإِحْرَامِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ فَإِذَا حَلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ أَوْ حَجِّهِ حَلَّ لَهُ الْحِلَاقُ وَنَتْفُ الشَّعْرِ وَقَصُّهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ يُرِيدُ أَنَّ تَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ إلْقَاءِ التَّفَثِ وَإِزَالَةِ مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّنْظِيفِ بِإِزَالَتِهِ كَحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَصِّهِ مِنْ الرَّأْسِ وَالشَّارِبِ فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ لِحُرْمَةِ الْإِحْرَامِ بِالنُّسُكِ كَحَلْقِ الشَّعْرِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَلَا يَقْتُلُ قَمْلَةً وَلَا يَطْرَحُهَا مِنْ رَأْسِهِ إلَى الْأَرْضِ وَلَا مِنْ جِلْدِهِ وَلَا مِنْ ثَوْبِهِ فَإِنْ طَرَحَهَا فَلْيُطْعِمْ حَفْنَةً مِنْ طَعَامٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ قَتْلِ شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَمْنُوعٌ مِنْ طَرْحِ الْقَمْلِ عَنْ جَسَدِهِ لِأَنَّهَا مِنْ دَوَابِّ الْجَسَدِ فَلَا يَطْرَحُهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ رَأْسٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَا عَنْ ثَوْبٍ يَكُونُ عَلَى جَسَدِهِ مِمَّا يَلْبَسُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ قَتْلِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُنَا عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إجَازَةِ طَرْحِهَا عَنْ جَسَدِهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هُنَا فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ دَوَابِّ جَسَدِهِ كَالنَّمْلِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ لَهُ طَرْحَهُ عَنْ جَسَدِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ لِقِلَّةِ مَا طَرَحَ مِنْهَا وَأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ إمَاطَةِ الْأَذَى وَلَوْ جَهِلَ فَنَقَّى رَأْسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِذَلِكَ لَكَانَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَأَمَّا إذَا قَتَلَ قَمْلَةً أَوْ قَمَلَاتٍ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ حَفْنَةً أَوْ حَفَنَاتٍ مِنْ طَعَامٍ وَمَا أَطْعَمَ أَجْزَأَهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ الْقَمْلَ الْكَثِيرَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِإِزَالَتِهِ وَيُنَقِّي جِسْمَهُ مِنْهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي قِصَّةِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ لَمَّا رَأَى عَلَيْهِ الْهَوَامَّ فَقَالَ: أَتُؤْذِيك هَوَامُّك فَأَبَاحَ لَهُ الْحِلَاقَ وَأَمَرَهُ بِالْفِدْيَةِ لِأَنَّهُ أَزَالَ عَنْ نَفْسِهِ أَذَى الْهَوَامِّ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَزُلْ مِنْهُ إلَّا الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ لِعِلَّةٍ وَلَا يَنْتَفِعُ بِإِزَالَتِهِ لِكَثْرَةِ مَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا إطْعَامُ شَيْءٍ عَلَى مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ أَذَاهُ.
(ش) : قَوْلُهُ وَمَنْ نَتَفَ شَعْرًا مِنْ أَنْفِهِ أَوْ مِنْ إبِطِهِ يُرِيدُ أَنَّ يَسِيرَ ذَلِكَ وَكَثِيرَهُ إذَا قَصَدَ إلَيْهِ سَوَاءٌ تَجِبُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ مِنْ إمَاطَةِ الْأَذَى وَمِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالتَّنْظِيفِ بِإِزَالَتِهِ وَإِزَالَةِ مِثْلِهِ وَأَمَّا مَا لَا يُقْصَدُ إلَى نَتْفِهِ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ نَزْعَ مُخَاطٍ يَابِسٍ مِنْ أَنْفِهِ فَتَنْقَلِعُ مَعَهُ شَعَرَاتٌ فَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَوْ طَلَى جَسَدَهُ بِالنُّورَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ إزَالَتِهِ الشَّعْرَ عَنْ جَسَدِهِ بِنَتْفٍ أَوْ حَلْقٍ أَوْ طِلَاءِ نَوْرَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إذَا كَانَ قَاصِدًا إلَى إزَالَتِهِ وَمَنْ طَلَى جَسَدَهُ بِنَوْرَةٍ فَقَدْ قَصَدَ إزَالَةَ الشَّعْرِ فَكَانَتْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَوْ حَلَقَ مَوَاضِعَ مَحَاجِمِهِ يُرِيدُ أَنَّ عَلَيْهِ الْفِدْيَةَ إنْ حَلَقَ لَهَا شَعْرًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِأَنَّ إمَاطَةَ الْأَذَى لَا تَخْتَلِفُ بِالضَّرُورَةِ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْحِجَامَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا وَإِنْ كَانَ يَكْرَهُهَا مَا لَمْ يَحْلِقْ شَعْرًا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا بَأْسَ بِهَا مَا لَمْ يَحْلِقْ شَعْرًا لَهَا، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الْمَحَاجِمَ إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ شَعْرٍ فَإِنَّهُ بِالْحَجْمِ يَنْقَطِعُ كَثِيرٌ مِنْهُ وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ إلَى قَطْعِهِ وَقَدْ أَمِنَ مِنْ قَتْلِ الْهَوَامِّ فَلَوْ كَانَتْ الْمَحَاجِمُ فِي الرَّأْسِ وَلَمْ يَحْلِقْ لَهَا شَعْرًا فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحِجَامَةِ فِي غَيْرِ الرَّأْسِ لِمَا يُخَافُ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ الدَّوَابِّ.
١ -
стр. 752
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَمَنْ جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ افْتَدَى) .
مَا يَفْعَلُ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَقَالَ: تَرَكَ أَوْ نَسِيَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا فَلَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ) .
ــ
[المنتقى]
فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ فِيمَا يَعُودُ إلَى إمَاطَةِ الْأَذَى وَإِلَى مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ كُلِّهَا سَوَاءٌ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْلِقَ مَوْضِعَ الْمَحَاجِمِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِقَ ذَلِكَ لِلِاحْتِجَامِ إلَّا لِلضَّرُورَةِ لِأَنَّ إمَاطَةَ الْأَذَى لَا تُفْعَلُ وَإِنْ فَدَى إلَّا لِضَرُورَةٍ وَالثَّانِي أَنَّ حَلْقَ الشَّعْرِ فِي الْجُمْلَةِ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَإِنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ سَائِرِ شَعْرِ الْجَسَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ جَهِلَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِأَنَّهُ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْ شَيْءٍ مِنْ إحْرَامِهِ وَأَوَّلُ التَّحَلُّلِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَإِذَا رَمَاهَا فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ تَحَلُّلٌ مِنْ إحْرَامِهِ وَإِذَا لَمْ يَرْمِ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَحَلُّلٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْحَلْقُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ نَحَرَ هَدْيَهُ ثُمَّ حَلَقَ» وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
[مَا يَفْعَلُ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا]
(ش) : قَوْلُهُ ﵁ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا يُرِيدُ مِمَّا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي نُسُكِهِ وَذَلِكَ أَنَّ النُّسُكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فِي الْعُمْرَةِ، وَفِي الْحَجِّ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَزَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهَذَا مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ نُسُكُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَضَرْبٌ ثَانٍ وَهُوَ مُوجِبَاتُ الْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ مَرَّ بِهِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَطَوَافِ الْوُرُودِ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلْحَاجِّ وَرَمْيِ الْجِمَارِ كُلِّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى فَهَذِهِ الَّتِي أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
وَقَدْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ لَيْسَتْ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ كَالْخُرُوجِ إلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِهَا وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْمَبِيتِ بِهَا ثُمَّ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْمُقَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى يُصْبِحَ وَتَقْدِيمِ الرَّمْيِ عَلَى الذَّبْحِ وَتَقْدِيمِ الذَّبْحِ عَلَى الْحِلَاقِ وَرَمْيِ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَعْلَاهُمَا وَالْوُقُوفِ عِنْدَهُمَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَشْرُوعٌ الْإِتْيَانُ بِهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا فَمَنْ تَرَكَهَا أَوْ نَسِيَهَا فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ.
(ش) : قَوْلُهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا يُرِيدُ أَنَّ مَا يَلْزَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْهَدْيِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا فَلَا يَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ لِأَنَّ الْهَدَايَا لَا تَكُونُ إلَّا بِمَكَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا إلَّا بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
١ -
وَقَوْلُهُ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ هَاهُنَا النُّسُكُ فِدْيَةُ الْأَذَى
стр. 753
جَامِعُ الْفِدْيَةِ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْبَسَ شَيْئًا مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْبَسَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ يُقَصِّرَ شَعْرَهُ أَوْ يَمَسَّ طِيبًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِيَسَارَةِ مُؤْنَةِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرَخِّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْفِدْيَةِ مِنْ الصِّيَامِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَوْ النُّسُكِ أَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ وَمَا النُّسُكُ وَكَمْ الطَّعَامُ وَبِأَيِّ مُدٍّ هُوَ وَكَمْ الصِّيَامُ وَهَلْ يُؤَخِّرُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَمْ يَفْعَلُهُ فِي فَوْرِهِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكَفَّارَاتِ كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ أَيُّ شَيْءٍ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فَعَلَ قَالَ: وَأَمَّا النُّسُكُ فَشَاةٌ وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّانِ بِالْمُدِّ الْأَوَّلِ وَمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ ) .
ــ
[المنتقى]
لِأَنَّهُ الَّذِي لِصَاحِبِهِ أَنْ يَذْبَحَهُ حَيْثُ شَاءَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْهَدْيِ.
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَاسْمُ النُّسُكِ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى وَعَلَى الْهَدْيِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيَقَعُ عَلَى جُمْلَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إرَاقَةُ الدَّمِ عَلَى وَجْهِ الْفِدْيَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ النُّسُكِ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ النُّسُكِ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَمَا يُهْدِي اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ الْهَدْيُ وَلِمَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْفِدْيَةِ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ وَلِسَائِرِ الْأَفْعَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ رَمْيِ جِمَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنُّسُكِ هَاهُنَا دَمَ الْفِدْيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ شَاءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَرَادَ بِهِ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ تَرْكَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ الِامْتِنَاعُ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْفِدْيَةُ وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ فَأَخَلَّ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ إحْرَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[جَامِعُ الْفِدْيَةِ]
(ش) : وَهَذَا عَلَى مَا قَالَ: إنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَيَفْتَدِي وَاسْتَسْهَلَ الْفِدْيَةَ لِقِلَّتِهَا أَوْ لِكَثْرَةِ مَالِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ آثِمٌ حَرِجٌ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ وَالْأَذَى الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] فَاشْتَرَطَ فِي اسْتِبَاحَةِ ذَلِكَ الضَّرُورَةَ وَالْأَذَى وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا أُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَكَذَلِكَ «قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ. وَقَدْ رَأَى كَثْرَةَ مَا بِهِ مِنْ الْقَمْلِ وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ فَسَأَلَهُ أَيُؤْذِيك هَوَامُّك؟ فَلَمَّا قَالَ: نَعَمْ قَالَ لَهُ: احْلِقْ رَأْسَك وَأَمَرَهُ بِالْفِدْيَةِ» فَعَلَّقَ إبَاحَةَ ذَلِكَ بِالتَّأَذِّي بِالْهَوَامِّ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ عِلَّةَ الْإِبَاحَةِ مِنْ الْحَظْرِ وَالْأَذَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ مَالِكٍ ﵀ وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِدْيَةُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْحَلْقُ وَاللِّبَاسُ وَالتَّطَيُّبُ مِنْ الْمَعَانِي الْمَحْظُورَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَا يَخْرُجُ بِالْحَظْرِ وَالْإِثْمِ عَنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ بِيَمِينِ الْغَمُوسِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَكَذَلِكَ قَاتِلُ الْعَمْدِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْفِدْيَةَ لِيَظْهَرَ تَغْلِيظُ الْمَنْعِ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْفِدْيَةَ فَكَيْفَ بِمَنْ فَعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ.
(ش) : قَوْلُهُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ فِدْيَةِ الْأَذَى أَصَاحِبُهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْإِطْعَامِ وَالدَّمِ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكَفَّارَاتِ كَذَا أَوْ كَذَا فَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ
стр. 754
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: إذَا رَمَى الْمُحْرِمُ شَيْئًا فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ الصَّيْدِ وَلَمْ يُرِدْهُ فَقَتَلَهُ إنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ وَكَذَلِكَ الْحَلَالُ يَرْمِي فِي الْحَرَمِ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا لَمْ يُرِدْهُ فَيَقْتُلَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٌ) .
ــ
[المنتقى]
ذَلِكَ جَوَابٌ لِلسَّائِلِ عَنْ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ لِأَنَّ السَّائِلَ إنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ فِدْيَةِ الْأَذَى فَقَطْ فَأَجَابَ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا مِنْ الْكَفَّارَاتِ وَذَلِكَ سَائِغٌ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَخُصَّ مَسْأَلَةَ السَّائِلِ بِالْجَوَابِ أَوْ يَزِيدَ عَلَيْهَا وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ فَهْمِ الْمَسَائِلِ وَحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ السَّائِلُ مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ وَمِمَّنْ يَحْرِصُ عَلَى الْعِلْمِ أُجِيبَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَ إنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَوْنٌ لَهُ عَلَى مَا يَطْلُبُهُ مِنْ الْعِلْمِ وَإِرْشَادٌ لَهُ إلَى مَا لَا يَهْتَدِي إلَى السُّؤَالِ عَنْهُ وَجَمْعٌ لَهُ لِكَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ وَلَعَلَّ فِيهِ تَقْرِيبًا لِمَا تَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الَّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ فَقَدْ زَادَهُ عِلْمًا مَعَ جَوَابِهِ وَعَمَّا سَأَلَ عَنْهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْكَفَّارَاتِ بِأَوَانِهِ عَلَى التَّخْيِيرِ احْتِرَازًا مِمَّا وَرَدَ لِغَيْرِ التَّخْيِيرِ فِي غَيْرِ الْكَفَّارَاتِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] فَإِنَّ أَوْ هَاهُنَا لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمُسَاوَاةِ وَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] لَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ أَيْضًا وَإِنَّمَا هِيَ لِلْإِبْهَامِ وَأَمَّا فِي الْكَفَّارَاتِ حَيْثُ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّخْيِيرِ وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ فِي كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةِ الْأَذَى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَأَمَّا النُّسُكُ فَشَاةٌ يُرِيدُ أَنَّهَا الَّذِي لَا يَجُوزُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً أَجْزَأَهُ وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الصِّيَامُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَيُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ .
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مُدَّانِ بِالْمُدِّ الْأَوَّلِ مُدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَلِأَنَّهُ الْمُدُّ الشَّرْعِيُّ وَمَتَى أُطْلِقَ الْمُدُّ فِي الشَّرْعِ اقْتَضَى ذَلِكَ مُدَّ النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ مُدُّ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَمُدُّ وَقْتِ إثْبَاتِ الشَّرِيعَةِ وَقَوْلُ مَالِكٍ إنَّهُ الْمُدُّ الْأَوَّلُ يُرِيدُ أَنَّهُ مُدُّ الْمَدِينَةِ قَبْلَ مُدِّ هِشَامٍ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَجْرِي فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ .
(ش) : قَوْلُهُ فَمَنْ أَصَابَ صَيْدًا لَمْ يُرِدْهُ فَقَتَلَهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْخَطَأَ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٌ حُكْمٌ صَحِيحٌ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ أَصَابَ صَيْدًا خَطَأً وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَا تَسَبَّبَ مِنْ فِعْلِ الْمُحْرِمِ مِمَّا لَا تَدْعُوا الْمُحْرِمَ الضَّرُورَةُ الْعَامَّةُ إلَيْهِ فَهَلَكَ فِيهِ صَيْدٌ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مِثْلُ أَنْ يَنْصِبَ شِرْكًا لِلصَّيْدِ أَوْ يَحْفِرَ بِئْرًا لِيَقَعَ فِيهِ سَبُعٌ فَوَقَعَ فِي ذَلِكَ صَيْدٌ فَعَطِبَ فَعَلَيْهِ جَزَاءُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ نَصَبَهُ لِلصَّيْدِ فَكَانَ ضَامِنًا لِمَا وَقَعَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ حَفَرَ فِي مَنْزِلِهِ بِئْرًا لِلسَّارِقِ فَوَقَعَ فِيهِ غَيْرُ السَّارِقِ فَإِنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ وَلَوْ حَفَرَ لِلْمَاءِ فَوَقَعَ فِيهِ صَيْدٌ أَوْ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ حَفَرَ مُحْرِمًا بِئْرًا فَعَطِبَ فِيهِ الصَّيْدُ: إنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ كَذَلِكَ الْحَلَالُ يَرْمِي فِي الْحَرَمِ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا لَمْ يُرِدْهُ فَيَقْتُلُهُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ الْمُحْرِمِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْإِحْرَامِ وَإِنَّ عَمْدَهُ وَخَطَأَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَعَلَى ذَلِكَ يَتَفَرَّعُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِمَّا يَتَسَبَّبُ مِنْ فِعْلِ الْمُحْرِمِ إذَا تَسَبَّبَ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْحَلَالِ فِي الْحَرَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَفِي الْمَبْسُوطِ.
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْحَرَمِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْحَرَمِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الصَّيْدِ إلَّا مِنْ جِهَةِ التَّغْرِيرِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ فَهُوَ مُبَاحٌ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي مَا احْتَجَّ بِهِ إنَّ هَذَا مَوْضِعٌ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَرَمِ لِأَنَّ مَا فِيهِ يَسْكُنُ بِسُكُونِ مَا فِي الْحَرَمِ وَيَنْفِرُ بِحَرَكَتِهِ.
стр. 755
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الْقَوْمِ يُصِيبُونَ الصَّيْدَ جَمِيعًا وَهُمْ مُحْرِمُونَ أَوْ فِي الْحَرَمِ قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ جَزَاءَهُ إنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَدْيِ فَعَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ الصِّيَامُ وَمِثْلُ ذَلِكَ الْقَوْمُ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ خَطَأً فَتَكُونُ كَفَّارَةُ ذَلِكَ عِتْقَ رَقَبَةٍ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ أَوْ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ رَمَى صَيْدًا أَوْ صَادَهُ بَعْدَ رَمْيِهِ الْجَمْرَةَ وَحِلَاقِ
ــ
[المنتقى]
مَسْأَلَةٌ) وَمَنْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ قَرِيبًا مِنْ الْحَرَمِ فَأَصَابَهُ فِي الْحِلِّ فَتَحَامَلَ الصَّيْدُ فَدَخَلَ الْحَرَمَ فَمَاتَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ السَّهْمُ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ أُكِلَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَوَجْهُ سُقُوطِ الْفِدْيَةِ عَنْهُ أَنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنْ إصَابَةِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ فَإِنْ كَانَتْ ذَكَاتُهُ قَدْ كَمُلَتْ فِي الْحِلِّ بِإِنْفَاذِهِ مَقَاتِلَهُ أُكِلَ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ فِي الْحِلِّ لَمْ يُؤْكَلْ وَيَجِيءُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ لَا يُؤْكَلُ لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْحَرَمِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَرَمِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ رَمَى مِنْ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَأَصَابَهُ أَوْ رَمَى مِنْ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ إلَّا أَنَّ سَهْمَهُ فَأَنْفَذَ إلَى الْحَرَمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: لَا يَأْكُلُهُ وَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَقَالَ أَشْهَبُ: يَأْكُلُهُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ هَذَا صَيْدٌ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ فَوَجَبَ بِهِ الْجَزَاءُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّيْدُ فِي الْحَرَمِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ فِي الْحِلِّ فَكَانَ اصْطِيَادُهُ مُبَاحًا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الصَّائِدُ فِي الْحِلِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ بَازَهُ فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَاتَّبَعَهُ فَأَدْرَكَهُ فِي الْحَرَمِ فَقَتَلَهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ كَانَ أَرْسَلَهُ بِقُرْبِ الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَلَا يُؤْكَلُ الصَّيْدُ وَإِنْ كَانَ أَرْسَلَهُ بِبُعْدٍ مِنْ الْحَرَمِ بِحَيْثُ لَا يَظُنُّ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْحَرَمَ فَلَمْ يُدْرِكْهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى غَرَّرَ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُغَرِّرْ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ أُصِيبَ الصَّيْدُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْحَرَمِ فَلَا يُؤْكَلُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ وَأَدْخَلَهُ الْكَلْبُ الْحَرَمَ ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَقَتَلَهُ فِي الْحِلِّ فَالصَّيْدُ لَا يُؤْكَلُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَيُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قُرْبِ الْحَرَمِ وَبُعْدِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُهُ: مَا تَقَدَّمَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: عَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَلَا يُؤْكَلُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ أَنْ يُرْسِلَ كَلْبَهُ مِنْ الْحَرَمِ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ إذَا كَانَ الصَّيْدُ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ مِنْ الْحَرَمِ لَا يَسْكُنُ لِسُكُونِهِ لِأَنَّ الْحَرَمَ لَا يُحَرِّمُ الصَّائِدَ وَإِنَّمَا يُحَرِّمُ الصَّيْدَ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَرَمَ يَمْنَعُ الصَّائِدَ كَمَا يَمْنَعُ الْإِحْرَامُ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْقَوْمَ إذَا أَصَابُوا الصَّيْدَ جَمِيعًا وَهُمْ مُحْرِمُونَ أَوْ فِي الْحَرَمِ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ يَجِبُ الْجَزَاءُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ جَزَاءً كَامِلًا كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ لِأَنَّ حُكْمَ ذَلِكَ كَالْكَفَّارَةِ وَالْكَفَّارَةُ لَا تَتَبَعَّضُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا لِذَلِكَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْهَدْيِ فَعَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مِثْلٌ مِنْ النَّعَمِ وَاخْتَارُوا الْحُكْمَ عَلَيْهِمْ بِالْمِثْلِ فَعَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ أَنْ يُهْدِيَ ذَلِكَ فِي الْمِثْلِ وَلَوْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْهَدْيَ وَبَعْضُهُمْ الْإِطْعَامَ وَبَعْضُهُمْ الصِّيَامَ يُحْكَمُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ بِمَا اخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَإِنْ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالصِّيَامِ كَانَ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ صِيَامٌ يُرِيدُ إنْ اخْتَارُوا أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ الصِّيَامَ أَيْضًا لَا يَتَبَعَّضُ فِي حَقِّهِمْ وَيُحْكَمُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ مِنْ الصِّيَامِ بِمَا كَانَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ.
وَقَدْ فُسِّرَ ذَلِكَ وَاحْتَجَّ لَهُ بِالْقَوْمِ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ خَطَأً أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ.
стр. 756
رَأْسِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُفِضْ إنَّ عَلَيْهِ جَزَاءَ ذَلِكَ الصَّيْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَمَنْ لَمْ يُفِضْ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ مَسُّ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنْ الشَّجَرِ فِي الْحَرَمِ شَيْءٌ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا حَكَمَ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَيْءٍ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ) .
(ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَجْهَلُ أَوْ يَنْسَى صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ أَوْ يَمْرَضُ فِيهَا فَلَا يَصُومُهَا حَتَّى يَقْدُمَ بَلَدَهُ قَالَ: لِيُهْدِ إنْ وَجَدَ هَدْيًا وَإِلَّا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي أَهْلِهِ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ) .
ــ
[المنتقى]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ لَمْ يُفِضْ فَلَمْ يَكْمُلْ تَحَلُّلُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالطِّيبِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاصْطِيَادُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الِاصْطِيَادُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] وَهَذَا لَمْ يَكْمُلْ تَحَلُّلُهُ بَعْدُ فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاصْطِيَادُ لِحُرْمَةِ إحْرَامِهِ وَإِنَّمَا يُسْتَبَاحُ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مَا تَجِبُ بِهِ الْفِدْيَةُ مِمَّا لَيْسَ مِنْ دَوَاعِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ وَإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَاللِّبَاسِ الَّذِي لَا يَجِبُ بِهِ هَدْيٌ وَإِنَّمَا خَصَّ مِنْ ذَلِكَ الطِّيبَ لِأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي النِّكَاحِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بَعْدُ فِي حَقِّهِ.
(ش) : قَوْلُهُ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ ذَكَرَ فِيهِ مَسْأَلَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيمَا قَطَعَ مِنْ الشَّجَرِ فِي الْحَرَمِ شَيْءٌ وَالثَّانِيَةُ قَوْلُهُ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ فَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَتَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ تَبْيِينُ الشَّجَرِ الْمَمْنُوعِ قَطْعُهُ وَتَمْيِيزُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: يَجِبُ عَلَيْهِ بِهِ الْجَزَاءُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مَعْنَى لَوْ أَتْلَفَهُ الْمُحْرِمُ فِي الْحِلِّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ فَإِذَا أَتْلَفَهُ الْحَلَالُ فِي الْحَرَمِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ أَصْلُهُ ذَبْحُ الدَّوَابِّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَنْعِ مَنْ قَطَعَ شَجَرَ الْحَرَمِ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» .
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا تَبْيِينُ مَا يُسْتَبَاحُ قَطْعُهُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ وَتَمْيِيزُهُ مِمَّا هُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ شَجَرِ الْبَادِيَةِ مِمَّا لَا يُمْلَكُ غَالِبًا وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يَنْبُتَ مِنْ غَيْرِ عَمَلِ آدَمِيٍّ كَالطَّلْحِ وَالسَّمُرِ وَالسَّعْدَانِ وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَنْوَاعِ الْحَشِيشِ إلَّا الْإِذْخِرَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ ﷺ : إلَّا الْإِذْخِرَ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁ وَالسَّنَا عِنْدِي مِثْلُهُ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهِ عَامَّةٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُؤْخَذُ وَيُنْقَلُ إلَى الْبِلَادِ عَلَى سَبِيلِ التَّدَاوِي وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَصَحَّ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَهَذَا فِيمَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ فَكَانَ عَلَى حُكْمِ أَصْلِهِ وَأَمَّا مَا غُرِسَ مِنْهُ وَاُتُّخِذَ بِالْعَمَلِ وَمَلَكَهُ الْعَامِلُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: فَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَوَجْهُ إبَاحَةِ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا يَأْنَسُ مِنْ الْوَحْشِ فَإِنَّ الْحَرَمَ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ.
(فَرْعٌ) وَأَمَّا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّهُ يُمْلَكُ وَيُغْرَسُ وَيُعْمَلُ كَالنَّخْلِ وَالرُّمَّانِ وَالْجَوْزِ وَالْخَوْخِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ قَطْعُهُ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ يُتَّخَذُ مِنْ الْبُقُولِ وَسَوَاءٌ نَبَتَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِصُنْعِ آدَمِيٍّ لِأَنَّهُ عَلَى أَصْلِهِ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْحَيَوَانِ مَا كَانَ أَصْلُهُ التَّأْنِيسَ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِنْ اصْطِيَادِهِ فِي الْحَرَمِ وَإِنْ تَوَحَّشَ.
(ش) : نَصَّ مَالِكٌ ﵀ عَلَى حُكْمِ مَنْ جَهِلَ أَوْ نَسِيَ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أَوْ جَهِلَ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ جَهِلَ الْحُكْمَ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنَى جَهِلَ فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ مَعْنَى جَهِلَ هُنَا تَعَمَّدَ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ مَعْنَى جَهِلَ تَعَمَّدَ فَقَدْ اسْتَوْعَبَ حُكْمَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي وَإِنْ قُلْنَا: مَعْنَى جَهِلَ لَمْ يَعْلَمْ الْحُكْمَ فَإِنَّهُ تَرَكَ ذِكْرَ الْعَامِدِ وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ إعْظَامًا لِفِعْلِهِ وَتَغْلِيظًا لِحُكْمِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُجْعَلَ لَفْظَةُ جَهِلَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِاحْتِمَالِهَا لَهُمَا
стр. 757
جَامِعُ الْحَجِّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ بِمِنًى وَالنَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْحَرْ وَلَا حَرَجَ ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُشْعِرْ فَنَحَرْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ارْمِ وَلَا حَرَجَ قَالَ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» ) .
ــ
[المنتقى]
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَمْرَضُ فِيهِمَا نَصَّ عَلَى الْمَرَضِ لِيَسْتَوْعِبَ أَقْسَامَ التَّارِكِينَ بِذِكْرِ النِّسْيَانِ وَالْعَمْدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَالْعَمْدُ لِلْعُذْرِ الْغَالِبِ فَإِنَّهُ إذَا قَدِمَ بَلَدَهُ بِهَدْيٍ إنْ وَجَدَ هَدْيًا وَإِنْ عَدِمَهُ صَامَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِ الْأَدَاءِ فَإِذَا كَانَ حَالُ الْأَدَاءِ وَاجِدًا لِلْهَدْيِ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ وَإِنْ كَانَ حِينَ الْوُجُوبِ مُعْسِرًا وَإِنْ كَانَ حِينَ الْأَدَاءِ عَادِمًا لِلْهَدْيِ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ صِيَامَ الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ إنَّمَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ بِهِ إلَيْهِ فِي الْحَجِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً بَعْدَ الرُّجُوعِ فَمَنْ لَمْ يَصُمْ حَتَّى يَقْدُمَ بَلَدَهُ عَادِمًا لِلْهَدْيِ فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْفَصْلُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَالتَّقْدِيمُ لَهَا عَلَيْهَا فِي الرُّتْبَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَذَّلِ إنَّ اللَّيْلَ فَاصِلٌ فَلَمْ تَبْقَ إلَّا الرُّتْبَةُ فِي النِّيَّةِ وَتَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ قَدْ سَقَطَ وُجُوبُهُ وَقَوْلُهُ هَاهُنَا وَسَبْعَةً بَعْدَ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَبَقِيَ هَاهُنَا مَسْأَلَةٌ فَإِنَّ كُلَّ مَا يُرَاعَى فِيهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ وَالتَّرْتِيبِ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صِيَامُهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَمَا لَا يُرَاعَى فِيهِ الْفَصْلُ أَوْ التَّرْتِيبُ فِي الْوَقْتِ إنَّمَا يَجِبُ صِيَامُ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يُصَامُ فِي التَّشْرِيقِ وَالْعَاشِرُ عَنْ الْمَشْيِ وَصِيَامُ فِدْيَةِ الْأَذَى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ صَوْمُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
[جَامِعُ الْحَجِّ]
(ش) : قَوْلُهُ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ بِمِنًى يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَفَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ وَيُجِيبَهُمْ عَنْ مَسَائِلِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ وَقْتُ سُؤَالٍ يَسْأَلُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ السَّائِلُ عَمَّا فَاتَهُ مِنْ حَجِّهِ وَعَمَّا أَدْرَكَ وَعَمَّا قَدَّمَ وَأَخَّرَ وَيَسْأَلُهُ قَوْمٌ عَنْ الْمُسْتَقْبِلِ بِمِنًى وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أُشْعِرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَسِيتُ فَقَدَّمْتُ الْحِلَاقَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ وَحَدَّثَهُ «أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي كُنْت أَحْسَبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا إثْمَ عَلَيْك لِأَنَّ الْحَرَجَ الْإِثْمُ وَمُعْظَمُ سُؤَالِ السَّائِلِ إنَّمَا كَانَ عَنْ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَثِمَ فَأَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُخَالَفَةَ وَإِنَّمَا أَتَى ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَلَا قَصْدٍ مَعَ خِفَّةِ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا هُوَ تَرْتِيبٌ مُسْتَحَبٌّ لَا تَبْطُلُ الْعِبَادَةُ بِمُخَالِفَتِهِ وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا نَقْصًا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: افْعَلْ وَلَا حَرَجَ لَا يَقْتَضِي إبَاحَةَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَهْلًا وَقَدْ بَيَّنَ التَّرْتِيبَ فِي الْحَجِّ فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ
стр. 758
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ) .
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا قَفَلَ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ أَوْ عُمْرَةٍ يُرِيدُ يَرْجِعُ إلَى الْمَدِينَةِ مَوْضِعَ اسْتِيطَانِهِ وَمَقَامِهِ وَالْقُفُولُ هُوَ الْإِيَابُ وَلَا يُسَمَّى الْمُتَوَجِّهُ مِنْ بَلَدِهِ قَافِلًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى بِذَلِكَ الرَّاجِعُ إلَيْهِ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَفَرٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ السِّفَارَةُ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَكَانَ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَمُوَاظَبَةً عَلَى ذِكْرِهِ وَإِظْهَارًا لِكَلِمَتِهِ وَإِنَّمَا كَانَ يَخُصُّ بِذَلِكَ الشَّرَفَ لِأَنَّ مِنْهُ يَرَى مِنْ الْأَرْضِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ بَصَرُهُ فَكَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَرَى مِنْ الْأَرْضِ مِمَّا فَتَحَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَقْبِلُهُ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّعْظِيمِ وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ فِيهِ الْإِعْلَانُ مِنْ الذِّكْرِ فَالْأَحَقُّ بِهِ مَا عَلَا مِنْ الْأَرْضِ كَالْآذَانِ وَالتَّلْبِيَةِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إظْهَارًا لِلذِّكْرِ وَفِي تَخْصِيصِ الْمُطْمَئِنِّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ ضَرْبٌ مِنْ التَّسَتُّرِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» إظْهَارٌ لِلتَّوْحِيدِ وَإِعْلَامٌ بِهِ وَاسْتِدَامَةٌ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَقَوْلُهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ تَخْصِيصٌ لَهُ بِالْمُلْكِ وَالْحَمْدِ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْجِنْسِ فَجُعِلَ جِنْسُ الْمُلْكِ وَهُوَ جَمِيعُهُ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا مُلْكَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا لَهُ وَجَعَلَ جَمِيعَ الْحَمْدِ لِلَّهِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَى الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ وَإِنَّمَا يُحْمَدُ غَيْرُهُ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُحْمَدَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» إعْلَامٌ أَنَّهُ هُوَ الْقَدِيرُ عَلَى مَا كَانَ يَعِدُهُمْ بِهِ مِنْ نَصْرِ عَبْدِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَإِذْكَارٍ لَهُمْ بِمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَإِنَّهُ لَا يُغْلَبُ مَنْ نَصَرَهُ وَلَا يُنْصَرُ مَنْ حَارَبَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «آيِبُونَ تَائِبُونَ يُرِيدُ» ﷺ أَنَّهُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ آيِبُونَ مِنْ سَفَرِهِمْ تَائِبُونَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كُلِّ مَا نَهَى عَنْهُ عَابِدُونَ لَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ سَاجِدُونَ لَهُ حَامِدُونَ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْحِفْظِ فِي السَّفَرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ وَالتَّوْفِيقِ لِلصَّوَابِ فِي جَمِيعِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ» يُرِيدُ اللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِنَصْرِهِ وَتَأْيِيدِهِ وَعِصْمَتِهِ مِنْ النَّاسِ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُ تَعَالَى الْمُنْفَرِدُ بِإِعْزَازِ دِينِهِ وَإِهْلَاكِ عَدُوِّهِ وَغَلَبَةِ الْأَحْزَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَتْ بِضَبْعَيْ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ» )
ــ
[المنتقى]
الْمَشْرُوعُ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ رَفْعَ الْحَرَجِ فِي تَقْدِيمِ شَيْءٍ وَلَا تَأْخِيرِهِ عَنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّنَا لَا نَدْرِي عَنْ أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِهِمَا سُئِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَجَوَابُهُ إنَّمَا كَانَ عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُ كَمَا لَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ انْحَرْ وَلَا حَرَجَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِيَ فِي مِحَفَّتِهَا ذَكَرَ إنَّ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » فَقَدْ كَانَتْ فِيمَنْ آمَنَ بِهِ وَلَمْ تَرَهُ وَلَمْ تَعْرِفْ عَيْنَهُ
стр. 759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
فَلِذَلِكَ أُخْبِرَتْ بِهِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا فِي الصَّبِيِّ أَلِهَذَا حَجٌّ سُؤَالٌ عَنْ حُكْمِ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ مِمَّنْ تَصِحُّ مِنْهُ هَذِهِ الْعِبَادَةُ وَإِنَّمَا أَرَادَتْ بِهِ الْحَجَّ الْمَشْرُوعَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهَا: نَعَمْ وَلَك أَجْرٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي عَوْنِهِ عَلَى ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالصِّبْيَانُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَفْهَمُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَضَرْبٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَفْهَمُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يَنْتَهِي عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يَحُجُّ بِالرَّضِيعِ وَأَمَّا ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَخَمْسٍ فَنَعَمْ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ وَأَلْزَمَ الْإِحْرَامُ لَزِمَهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا جِدًّا لَا يَفْهَمُ فَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ صِغَرِهِ لَمْ يُلَبَّ عَنْهُ وَلَكِنْ يُجَرَّدُ فَإِذَا جُرِّدَ وَنُودِيَ بِتَجْرِيدِهِ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الرَّضِيعَ لَا يَفْهَمُ وَلَا يَمْتَثِلُ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَا يُزْدَجَرُ عَمَّا نُهِيَ عَنْهُ فَكَانَ كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مَعَ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِالْإِحْرَامِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَسْتَطِيعُ الطَّوَافَ وَالسَّعْيَ بَاشَرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ لِضَعْفِهِ أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُهُ طَافَ بِهِ مَنْ حَجَّ بِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّا إذَا جَوَّزْنَا إحْرَامَهُ وَأَلْزَمْنَاهُ إيَّاهُ كَانَ مِنْ مُقْتَضَاهُ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَكَانَ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ أَنْ يَطُوفَ بِهِ غَيْرُهُ وَفِي ذَلِكَ مَسَائِلُ وَذَلِكَ أَنَّ مَنَاسِكَ الْحَجِّ أَفْعَالٌ وَسَعْيٌ فَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَتَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ كَمَا يَنْقَسِمُ السَّعْيُ إلَى قِسْمَيْنِ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْأَفْعَالِ فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ وَيَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةٍ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ وَلَا يَفْعَلُهُ أَحَدٌ مِنْ كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ وَلَا يَفْعَلُهُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْمُسْتَأْجَرِ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّنَا إذَا قُلْنَا: إنَّ الْحَجَّ إنَّمَا هُوَ حَجُّ الْمُبَاشَرَةِ لَهُ فَإِنَّمَا لِلْمُسْتَأْجَرِ عَنْهُ نَفَقَتُهُ فَإِنَّ الْمُصَلِّيَ إنَّمَا يَرْكَعُ عَنْ نَفْسِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ نِيَابَةً عَنْ أَحَدٍ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَجَّ عَنْ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ فَلَا يَلْزَمُنَا أَيْضًا لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِلْحَجِّ لَمَّا دَخَلَ فِيهِ لَزِمَهُ جَمِيعُ أَفْعَالِهِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ بِهَا وَلِذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَيَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الصَّيْدِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا كَلَامُنَا فِي مَنْسَكٍ وَاحِدٍ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ يَفْعَلُهُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ الْمُفْرَدَةِ يَفْعَلُهَا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مَنْ هُوَ مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ مَنْ هُوَ مُحْرِمٌ عَنْ نَفْسِهِ بِالْحَجِّ فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْأَفْعَالِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةٍ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ كَرَمْيِ الْجِمَارِ فَهَذَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ لِلضَّرُورَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنْ الْأَفْعَالِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَفْعَلَهُ النَّائِبُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمُسْتَنِيبِ فِعْلًا وَاحِدًا وَلَكِنْ يَفْعَلُهُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ يَفْعَلُهُ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ ثَانِيَةً وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَنُوبُ فِيهِ فِعْلٌ وَاحِدٌ عَنْ عِبَادَةِ رَجُلَيْنِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ فِعْلُ النَّائِبِ عَنْ نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنُوبُ فِعْلٌ وَاحِدٌ عَنْ نُسُكِ رَجُلَيْنِ أَنَّ النَّائِبَ قَدْ لَزِمَهُ هَذَا الْفِعْلُ عَنْ نَفْسِهِ كَامِلًا عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَنُوبَ عَنْ فِعْلِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ حِينَئِذٍ عَنْ نَفْسِهِ عَلَى مَا قَدْ لَزِمَهُ وَوَجْهٌ ثَانٍ إنَّ فِعْلَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَرْضٌ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ بِإِحْرَامِهِ وَفِعْلَهُ عَنْ غَيْرِهِ تَطَوُّعٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِعْلٌ وَاحِدٌ يَقْضِي بِهِ الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّعْيُ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ وَلَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَيْتِ كَالطَّوَافِ فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْإِنْسَانُ عَمَّنْ عَجَزَ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُ فِيهِ جُمْلَةً لِأَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِالْبَيْتِ وَيَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ كَالصَّلَاةِ وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ لَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْإِنْسَانُ رَاكِبًا لِلْعُذْرِ فَالْحَمْلُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ فِي طَوَافٍ وَاحِدٍ لِتَعَلُّقِهِ بِالْبَيْتِ وَافْتِقَارِهِ إلَى الطَّهَارَةِ وَلِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ فَرْضُهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ فَرْضًا وَيَتَطَوَّعُ بِهِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ السَّعْيِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْبَيْتِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى طَهَارَةٍ
стр. 760
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إلَّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ: وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زِيَادٍ بْن أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كُرَيْزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اُقْتُلُوهُ» قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) .
ــ
[المنتقى]
كَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الطَّهَارَةِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ كَالْحَمْلِ إلَى مِنًى وَعَرَفَةَ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الصَّغَارَ وَالْخِزْيَ وَالذُّلَّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَضَاؤُلَهُ وَصِغَرَ جِسْمِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُصِيبُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ وَإِغْضَابِ نُزُولِهَا لَهُ وَقَوْلُهُ وَلَا أَحْقَرُ يَحْتَمِلُ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فِي أَصْغَرُ وَقَوْلُهُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْ الْغَيْظِ الَّذِي يُصِيبُهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَمَا ذَاكَ إلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلُ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَرَاهَا أَنَّهُ يَرَى الْمَلَائِكَةَ يَنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ عَرَفَةَ قَدْ عَرَفَ الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ لَا يَنْزِلُونَ إلَّا عِنْدَ الرَّحْمَةِ لِمَنْ يَنْزِلُونَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ الْمَلَائِكَةَ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ أَمَّا عَلَى وَجْهِ الذِّكْرِ بَيْنَهُمْ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْإِغَاظَةِ لِلشَّيْطَانِ لَعَنَهُ اللَّهُ وَيَخْلُقُ اللَّهُ لِلشَّيْطَانِ إدْرَاكًا يُدْرِكُ بِهِ نُزُولَهُمْ وَيُدْرِكُ بِهِ ذِكْرَهُمْ لِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ يَسْمَعُ مِنْهُمْ إخْبَارَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ تَجَاوَزَ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ عَنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ وَعَمَّا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَنُصَّ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُخْبَرَ بِهِ عَنْهُ بِخَبَرٍ يَفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى نَفْسِ الْمَعْصِيَةِ سَتْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ الْمَغْفُورِ لَهُمْ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إلَّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى الشَّيْطَانُ جِبْرِيلَ ﵇ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَمْنَعُهَا مِمَّا أَمَرَ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ مَلَائِكَةٌ نَزَلَتْ بِالرَّحْمَةِ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ مَعَ النَّصْرِ الَّذِي نَصَرَهُمْ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَكَانَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكَهُ الصَّغَارُ وَالْغَيْظُ يَوْمَ بَدْرٍ لِمَا رَأَى مِنْ الرَّحْمَةِ مَعَ النَّصْرِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَصَابَهُ لِمَا رَأَى مِنْ النَّصْرِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ مَعْنَى الرَّحْمَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ فَأَدْرَكَهُ الصَّغَارُ وَالْغَيْظُ لِمَا رَأَى مِنْ ظُهُورِ الْإِيمَانِ وَغَلَبَةِ الْحَقِّ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُرِيدُ ﷺ أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِلدَّاعِي وَأَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ فَإِنَّ الْفَضْلَ لِلدَّاعِي إنَّمَا هُوَ فِي كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَكَثْرَةِ الْإِجَابَةِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ أَفْضَلُ مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مَا دَعَا إلَيْهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ ذَلِكَ فِي تَفْضِيلِ الْأَذْكَارِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخُصَّ هَذَا الدُّعَاءَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مَا دَعَا بِهِ هُوَ وَالنَّبِيُّونَ قَبْلَهُ يَعْنِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - يَدْعُونَ بِأَفْضَلِ الدُّعَاءِ وَيَهْدُونَ إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ أَفْضَلُ دُعَائِهِمْ فَهُوَ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ.
(ش) : قَوْلُهُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 761
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إذَا كَانَ بِقَدِيدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ فَرَجَعَ فَدَخَلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذَلِكَ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيلِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «عَدَلَ إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ السَّرْحَةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ ظِلَّهَا فَقَالَ: هَلْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لَا مَا أَنْزَلَنِي إلَّا ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » إذَا كُنْتَ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ السِّرَرُ بِهِ سَرْحَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا) .
ــ
[المنتقى]
دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» يَقْتَضِي أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَلِذَلِكَ غَطَّى رَأْسَهُ بِالْمِغْفَرِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ أَنَّهُ تَحَلَّلَ مِنْ إحْرَامٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةٌ مِنْ نَهَارٍ» فَعَلَى أَنَّ دُخُولَ مَكَّةَ عَلَى غَيْرِ إحْرَامٍ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمئِذٍ مُحْرِمًا وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَطَّى رَأْسَهُ لِأَذًى اضْطَرَّهُ إلَى ذَلِكَ وَافْتَدَى لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا وَدُخُولُ مَكَّةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَنْ يُرِيدَ دُخُولَهَا لِلنُّسُكِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا مُحْرِمًا فَإِنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ أَحْرَمَ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَالضَّرْبُ الثَّانِي أَنْ يَدْخُلَهَا غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا لِحَاجَةٍ تَتَكَرَّرُ كَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابِ الْفَوَاكِهِ فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ لَهُمْ دُخُولُهَا غَيْرَ مُحْرِمِينَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ كَانَتْ تَلْحَقُهُمْ بِالْإِحْرَامِ مَتَى احْتَاجُوا إلَى دُخُولِهَا لِتَكَرُّرِ ذَلِكَ وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ أَنْ يَدْخُلَهَا لِحَاجَتِهِ وَهِيَ مِمَّا لَا تَتَكَرَّرُ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا إلَّا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي إحْرَامِهِ وَإِنْ دَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ فَهَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَوْ لَا؟ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَسَاءَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «فَلَمَّا نَزَعَ الْمِغْفَرَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ» ابْنُ خَطَلٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهُ حِينَئِذٍ لَمَّا أَزَالَ الْمِغْفَرَ عَنْ رَأْسِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَافَقَ نَزْعُهُ الْمِغْفَرَ مَجِيءَ الرَّجُلِ وَإِخْبَارَهُ وَكَانَ تَعَلُّقُ ابْنِ خَطَلٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ اسْتِجَارَةً بِهَا فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَّنَ كُلَّ مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ وَدَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «اُقْتُلُوهُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَنْفَعْهُ اسْتِجَارَتُهُ بِالْبَيْتِ وَالْحَرَمِ لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ سَفْكِ دَمِهِ وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ سَفْكُ دَمِهِ لِقِصَاصٍ أَوْ غَيْرِهِ يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ لِأَنَّ قَدِيدًا مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ بِقَدِيدٍ خَبَرٌ مِنْ الْمَدِينَةِ وَذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اقْتَضَى رُجُوعَهُ إلَى مَكَّةَ لِامْتِنَاعِ وُصُولِهِ إلَى الْمَدِينَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اقْتَضَى رُجُوعَهُ إلَى مَكَّةَ لِيَخْرُجَ إلَى الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ خَرَجَ عَلَيْهَا أَوْ لِيَسْتَصْحِبَ مَا لَمْ يَكُنْ اسْتَصْحَبَهُ أَوْ لِيُقَدِّمَ مَا لَمْ يَكُنْ يُقَدِّمُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَدَخَلَ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الدَّاخِلِ إلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ابْتِدَاءً وَمَا يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ الْإِحْرَامِ وَمَا يَجُوزُ مِنْهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الرَّاجِعِ إلَى مَكَّةَ لِحَاجَةٍ نَسِيَهَا أَوْ لِقِصَّةٍ ذَكَرَهَا وَهُوَ لَا يُرِيدُ نُسُكًا وَلَا مَقَامًا بِهَا وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَخْذَ مَا نَسِيَهُ ثُمَّ يَخْرُجُ عَنْهَا فَإِنَّ هَذَا عِنْدِي مِثْلُ مَنْ طَافَ طَوَافَ الْوَدَاعِ ثُمَّ رَجَعَ.
(ش) : قَوْلُهُ غَدَا إلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ السَّرْحَةُ الشَّجَرَةُ الْعَظِيمَةُ وَإِنَّمَا عَدَلَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ لِيَخْتَبِرَ إنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْزَلَهُ أَوْ أَنْزَلَهُ الظِّلُّ فَيُعْلِمُهُ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ اغْتِنَامًا لِلْأَجْرِ وَحِرْصًا عَلَى تَعْلِيمِ
стр. 762
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ لَا تُؤْذِي النَّاسَ لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ فَجَلَسَتْ فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهَا: إنَّ الَّذِي كَانَ نَهَاك قَدْ مَاتَ فَاخْرُجِي فَقَالَتْ: مَا كُنْت لَأُطِيعُهُ حَيًّا وَأَعْصِيهِ مَيِّتًا) .
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ الْمُلْتَزَمُ) .
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَأَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ فَقَالَ: أَرَدْت الْحَجَّ فَقَالَ: هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ فَقَالَ: لَا قَالَ: فَائْتَنِفْ الْعَمَلَ قَالَ الرَّجُلُ: فَخَرَجْتُ فَقَدِمْتُ مَكَّةَ فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ فَضَاغَطَتْ عَلَيْهِ النَّاسُ فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُ بِالرَّبَذَةِ يَعْنِي أَبَا ذَرٍّ قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَنِي فَقَالَ: هُوَ الَّذِي حَدَّثْتُك) .
ــ
[المنتقى]
الْعِلْمِ وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ التَّبَرُّكَ بِالْوُصُولِ إلَيْهَا وَذِكْرَ اللَّهِ عِنْدَهَا لَمَّا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ فَضْلِهَا إنْ كَانَتْ السَّرْحَةُ مُعَيَّنَةً عِنْدَهُ أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّهَا تِلْكَ لِعَدَمِ مِثْلِهَا فِي تِلْكَ الْجِهَةِ أَوْ لَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ عِلْمٌ بِعَيْنِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هَذِهِ السَّرْحَةِ؟ اخْتِبَارًا لِمَا عِنْدَ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيِّ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا قَالَ: أَرَدْتُ ظِلَّهَا اسْتَفْهَمَهُ إنْ كَانَ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ غَرَضٌ آخَرُ مِنْ تَبَرُّكٍ بِهَا أَوْ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِمَّا يُرْجَى عِنْدَهَا فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْأَمْرَانِ لِمَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَنَوَاهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ إذَا كُنْت بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ مِنْ مِنًى الْأَخْشَبَانِ الْجَبَلَانِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ طَرِيقَ عِمْرَانَ إلَى مَكَّةَ أَوْ مِنْ مَكَّةَ كَانَ عَلَى مِنًى إمَّا لِأَنَّهُ كَانَ وَارِدًا مِنْ الْيَمَنِ أَوْ السَّرَاةِ أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ طَرِيقَهُ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَنَفَخَ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَشَارَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْبُعْدَ عَنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ بِهِ حِينَ أَشَارَ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: السِّرَرُ بِهِ سَرْحَةٌ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَادِي يُسَمَّى السِّرَرَ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَعْلَمَ بِذَلِكَ ﷺ فِيمَا يَظْهَرُ إلَيَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِفَضْلِ الذِّكْرِ عِنْدَهَا لِمَنْ مَرَّ بِهَا وَرَجَاءِ إجَابَةِ الدُّعَاءِ وَتَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ عِنْدَهَا.
(ش) : قَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الْمَجْذُومَةِ الطَّائِفَةِ بِالْبَيْتِ: يَا أَمَةَ اللَّهِ لَا تُؤْذِي النَّاسَ عَلَى سَبِيلِ الرِّفْقِ بِهَا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ عَرَضَ عَلَيْهَا بِالرِّفْقِ مَا هُوَ أَرْفَقُ بِهَا فَأَطَاعَتْهُ وَقَوْلُهَا: مَا كُنْت لَأُطِيعُهُ حَيًّا وَأَعْصِيهِ مَيِّتًا تُرِيدُ أَنَّهَا أَطَاعَتْهُ لِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْحَقِّ وَذَلِكَ يُوجِبُ عَلَيْهَا امْتِثَالَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ.
(ش) : قَوْلُهُ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ يُرِيدُ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَفِيهِ الْحَجَرُ وَبَيْنَ الْبَابِ يُرِيدُ بَابَ الْمُلْتَزَمِ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْتِزَامُ الْبَيْتِ وَالتَّعَوُّذُ بِهِ وَمَوْضِعُ الدُّعَاءِ وَالْوُقُوفِ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ لِأَنَّهُ كَانَ نَزَلَهَا زَمَنَ عُثْمَانَ ﵁ فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِلرَّجُلِ: أَيْنَ تُرِيدُ فَقَالَ: أَرَدْتُ الْحَجَّ فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: هَلْ نَزَعَك غَيْرُهُ أَيْ هَلْ حَمَلَك عَلَى سَفَرِك هَذَا غَيْرُهُ مِنْ قَصْدِ حَاجَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَغْرَاضِ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لَا قَالَ: فَائْتَنِفْ الْعَمَلَ وَلِذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْعَمَلِ قَدْ كَفَّرَ سَائِرَ ذُنُوبِهِ فَصَارَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ قَالَ ثُمَّ إذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ يُرِيدُ مُتَزَاحِمِينَ عَلَيْهِ يَقْصِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنْ شِدَّةِ تَزَاحُمِهِمْ فَضَاغَطَتْ عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنَّهُ ضَايَقَ النَّاسُ حَتَّى وَصَلَ إلَى النَّظَرِ إلَيْهِ فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُهُ بِالرَّبَذَةِ يُرِيدُ أَبَا ذَرٍّ إذْ قَالَ لَهُ: ائْتَنِفْ الْعَمَلَ
стр. 763
(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْحَجِّ فَقَالَ: أَوَيَصْنَعُ ذَلِكَ أَحَدٌ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ) .
(ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَحْتَشُّ الرَّجُلُ لِدَابَّتِهِ مِنْ الْحَرَمِ شَيْئًا فَقَالَ: لَا) .
حَجُّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ (ص) : (قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّرُورَةِ مِنْ النِّسَاءِ الَّتِي لَمْ تَحُجَّ قَطُّ: إنَّهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَمٍ يَخْرُجُ مَعَهَا أَوْ كَانَ لَهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ وَلْتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ) .
ــ
[المنتقى]
فَلَمَّا رَآهُ أَبُو ذَرٍّ عَرَفَهُ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا كَانَ أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَأْتَنِفُ الْعَمَلَ مَنْ خَرَجَ إلَى الْحَجِّ لَا يُخْرِجُهُ غَيْرُهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي ذَرٍّ هُوَ الَّذِي حَدَّثْتُك تَذْكِيرٌ لَهُ بِمَا جَرَى وَثَبَاتٌ عَلَى قَوْلِهِ وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ عِنْدَهُ وَتَغْبِيطٌ لَهُ بِتَكَرُّرِهِ عَلَى ذَلِكَ الْحَجِّ إنْ كَانَ ذَاكَ بِمَكَّةَ.
(ش) : قَوْلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْحَجِّ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَتَحَلَّلَ حَيْثُ أَصَابَهُ مَانِعٌ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ أَنْ لَا يَحْتَشَّ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ لِدَابَّتِهِ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ إلَّا الْإِذْخِرَ الَّذِي أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالِاحْتِشَاشُ جَمْعُ الْحَشِيشِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي مَكَّةَ: «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَالْخَلَى مَا يَبِسَ مِنْ النَّبْتِ وَالْحَشِيشِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» وَقَدْ قِيسَ عَلَيْهِ السَّنَا لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ كَالْإِذْخِرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ احْتَشَّ فِي الْحَرَمِ فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَيْهِ الْقِيمَةُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْعَى الْإِبِلَ فِي الْحَرَمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاحْتِشَاشِ أَنَّ الِاحْتِشَاشَ تَنَاوُلُ قِطَعِ الْحَشِيشِ وَإِرْسَالِ الْبَهَائِمِ لِلرَّعْيِ لَيْسَ بِتَنَاوُلٍ لِذَلِكَ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَلَوْ مُنِعَ مِنْهُ لَامْتَنَعَ السَّفَرُ فِي الْحَرَمِ وَالْمَقَامُ فِيهِ لِتَعَذُّرِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالتَّحَرُّزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.
[حَجُّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ]
(ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَسْقُطُ عَنْهَا فَرْضُ الْحَجِّ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهَا إذَا اجْتَمَعَتْ شُرُوطُ الْوُجُوبِ وَالْأَدَاءِ بِعَدَمِ ذِي مَحْرَمٍ يَخْرُج مَعَهَا وَإِذَا وَجَدَتْ جَمَاعَةَ نِسَاءٍ يَخْرُجْنَ خَرَجَتْ مَعَهُنَّ وَلَزِمَهَا ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَخْرُجُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَهَذَا عَامٌّ فِي الَّتِي تَجِدُ ذَا مَحْرَمٍ وَفِي الَّتِي تَعْدَمُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ مَسَافَةٌ يَجِبُ قَطْعُهَا فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ قَطْعِهَا وُجُودُ ذِي رَحِمٍ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَأَمَّا حَجَّةُ التَّطَوُّعِ مِنْهُ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَخْرُجُ فِيهِ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ خِلَافُ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ وَالْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» وَهَذَا سَفَرٌ غَيْرُ وَاجِبٍ فَلَمْ تَخْرُجْ إلَيْهِ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْأَسْفَارِ الَّتِي لَا تَجِبُ وَلَا تُؤْمَنُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا ابْنُ زَوْجِهَا وَإِنْ كَانَ ذَا مَحْرَمٍ مِنْهَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي مَا ثَبَتَ لِلرَّبَائِبِ مِنْ الْعَدَاوَاتِ وَقِلَّةِ الْمُرَاعَاةِ فِي الْأَغْلَبِ فَلَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْهُ الْإِشْفَاقُ وَالسَّتْرُ وَالْحِرْصُ عَلَى طِيبِ الذِّكْرِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَعَلَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ وَالْعَدَدِ الْيَسِيرِ فَأَمَّا الْقَوَافِلُ الْعَظِيمَةُ وَالطُّرُقُ الْمُشْتَرَكَةُ الْعَامِرَةُ الْمَأْمُونَةُ فَإِنَّهَا عِنْدِي مِثْلُ الْبِلَادِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الْأَسْوَاقُ وَالتُّجَّارُ فَإِنَّ الْأَمْنَ يَحْصُلُ لَهَا دُونَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ.
стр. 764
صِيَامُ الْمُتَمَتِّعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -) .
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كِتَابُ الضَّحَايَا مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ الضَّحَايَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ فَيْرُوزَ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ مَاذَا يُتَّقَى مِنْ الضَّحَايَا فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ: أَرْبَعًا وَكَانَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» )
ــ
[المنتقى]
إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ:
أَحَدُهَا: فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْرُجَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحِلَّهَا وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَحِلَّهَا وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَلْزَمُهَا إذَا حَلَّلَهَا.
[صِيَامُ الْمُتَمَتِّعِ]
(ش) : قَوْلُهَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ لِمَنْ يَجِدْ هَدْيًا مَا بَيْنَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ تُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَقَدْ لَزِمَهُ الْهَدْيُ فَإِنْ عَدِمَهُ جَازَ لَهُ الصِّيَامُ وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ هَدْيٌ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصُومَ قَبْلَ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ حِينَئِذٍ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهَا ﵂ فَإِنْ لَمْ يَصُمْ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ صَامَ أَيَّامَ مِنًى وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ وَهَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي صِحَّةَ الصَّوْمِ مِنْ وَقْتِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ الْمُتَمَتِّعُ إلَى يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ إمَّا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِ مِنًى وَقْتَ الْقَضَاءِ وَإِمَّا لِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ الصِّيَامِ قَبْلَ النَّحْرِ إبْرَاءً لِلذِّمَّةِ وَذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ وَإِمَّا أَنَّ صِيَامَ مَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ مُبَاحٌ لِمَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَصِيَامُ أَيَّامِ مِنًى مَمْنُوعٌ فَإِنَّمَا يُبَاحُ الصَّوْمُ فِيهَا لِلضَّرُورَةِ مَنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ صَوْمُهُ فِي حَجِّهِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَمَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى فَلَيْسَ مَحَلًّا لِهَذَا الصَّوْمِ عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ أَيَّامِ مِنًى لَا يَكُونُ الصَّوْمُ فِيهَا فِي الْحَجِّ.
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إنَّ صِيَامَ أَيَّامِ مِنًى إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ قَبْلَهَا أَفْضَلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ الَّذِي فِيهِ سَعَةٌ لِلْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ أَوَّلُهُ أَفْضَلَ مِنْ آخِرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَصُومُ الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا الْمُتَمَتِّعُ الَّذِي لَا يَجِدُ الْهَدْيَ لِضَرُورَةِ أَنْ يَقَعَ صَوْمُهُ فِي الْحَجِّ وَأَمَّا الْيَوْمُ الثَّالِثُ فَإِنَّهُ يَصُومُهُ مَنْ نَذَرَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْيَوْمَ الثَّالِثَ لَا يَتَحَقَّقُ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْحَاجُّ الْمَقَامَ فِيهِ بِمِنًى وَيَتْرُكُ الرَّمْيَ وَالْمَبِيتَ وَأَمَّا الْيَوْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَتَحَقَّقَانِ بِالْحَجِّ لَا يَجُوزُ لِمَنْ حَجَّ أَنْ يَتْرُكَ لَهُمَا الْمَبِيتَ وَلَا أَنْ يَتْرُكَ الرَّمْيَ وَالْمَقَامَ فِيهِمَا بِمِنًى فَلِذَلِكَ افْتَرَقَ حُكْمُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ تَمَّ كِتَابُ الْحَجِّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ.
[كِتَابُ الضَّحَايَا]
[مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ الضَّحَايَا]
(ش) : قَوْلُهُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاذَا يُتَّقَى مِنْ
стр. 765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الضَّحَايَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلضَّحَايَا عِنْدَهُ صِفَاتٍ يُتَّقَى بَعْضُهَا وَلَا يُتَّقَى بَعْضُهَا وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ يُتَّقَى مِنْهَا شَيْءٌ لَسَأَلَهُ هَلْ يُتَّقَى مِنْ الضَّحَايَا شَيْءٌ أَمْ لَا وَاَلَّذِي يُتَّقَى مِنْ الضَّحَايَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ وَضَرْبٌ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهَةُ.
وَقَدْ ذَكَرَ ﷺ صِفَاتٍ جَامِعَةً لِلْمَعَانِي الَّتِي تُتَّقَى مِنْ جِهَةِ النَّصِّ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ وَجَمَعَ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ صِفَاتٍ لِيَسْهُلَ عَلَى السَّائِلِ حِفْظُ جَوَابِ مَا سَأَلَ عَنْهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ وَمَنْعٌ مِنْ النِّسْيَانِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَجَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَضَرْبٌ لَا يَمْنَعُهُ فَأَمَّا مَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَعْرِيفِهِ الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا: هِيَ الشَّدِيدَةُ الْعَرَجِ الَّتِي لَا تَلْحَقُ الْغَنَمَ فَهَذِهِ الَّتِي لَا تُجْزِئُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُجْزِئُ وَدَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ قَوْلُهُ ﷺ «الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا» وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَرْجَاءَ تَمْشِي وَأَمَّا الَّتِي لَا تَمْشِي فَلَا يُقَالُ فِيهَا عَرْجَاءَ لِأَنَّ الْعَرَجَ مِنْ صِفَاتِ الْمَشْيِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُجْزِئَ أَصْلُهُ الْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا وَأَمَّا الْعَرَجُ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ فَهُوَ الْعَرَجُ الْخَفِيفُ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَخَفَّهَا إذَا لَمْ يَمْنَعْهَا أَنْ تَسِيرَ سَيْرَ الْغَنَمِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّ عَرَجَ هَذِهِ لَيْسَ يَبِينُ وَإِنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ عَرَجًا خَفِيفًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الَّتِي ذَهَبَ بَصَرُ إحْدَى عَيْنَيْهَا يُقَالُ: عَارَتْ الْعَيْنُ تَعَارُّ وَعَوِرَتْ إذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا وَيُقَالُ: عَيْنٌ عَوْرَاءُ وَلَا يُقَالُ عَمْيَاءُ وَالشَّاةُ إذَا عَوِرَتْ إحْدَى عَيْنَيْهَا مَعَ بَقَائِهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ لَحْمِهَا وَإِنَّمَا نَقَصَ بَعْضُ خَلْقِهَا عَنْ حِلِّ السَّلَامَةِ وَالتَّمَامِ بِمَعْنَى طَارِئٍ عَلَيْهَا فِي الْغَالِبِ لَا يَعُودُ ذَلِكَ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَّقَى فِي الضَّحَايَا مَا كَانَ بِمَعْنَى ذَلِكَ وَنُقْصَانُ الْخِلْقَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يُنْقِصُ مَنَافِعَهَا وَجِسْمَهَا فَإِذَا لَمْ يَعُدْ بِمَنْفَعَةٍ فِي لَحْمِهَا مَنَعَ الْإِجْزَاءَ كَعَدَمِ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ، وَضَرْبٌ يُنْقِصُ الْمَنَافِعَ دُونَ الْجِسْمِ كَذَهَابِ بَصَرِ الْعَيْنِ أَوْ الْعَيْنَيْنِ أَوْ ذَهَابِ الْمَيْزِ فَمَا كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ بَيِّنٌ كَالْعَوَرِ وَالْعَمَى وَالْجُنُونِ فَهُوَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَلَمْ أَجِدْ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا فِي الْجُنُونِ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَهُوَ نُقْصَانُ الْجِسْمِ دُونَ الْمَنَافِعِ كَذَهَابِ الْقَرْنِ وَالصُّوفِ وَطَرَفِ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ فَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْمَرَضِ أَوْ مِمَّا يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ أَوْ يُنْقِصُ جُزْءًا مِنْ لَحْمِهَا وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْإِجْزَاءَ.
(فَرْعٌ) وَإِذَا كَانَ بِعَيْنِ الْأُضْحِيَّةِ بَيَاضٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى النَّاظِرِ وَكَانَ يَسِيرًا لَا يَمْنَعُهَا أَنْ تُبْصِرَ أَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ النَّاظِرِ لَمْ يَمْنَعْ الْإِجْزَاءَ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا إنْ مَنَعَهَا الرُّؤْيَةَ لِكَوْنِهِ كَثِيرًا عَلَى النَّاظِرِ فَهِيَ الْعَوْرَاءُ وَكَذَلِكَ عِنْدِي لَوْ ذَهَبَ أَكْثَرُ بَصَرِ عَيْنِهَا.
١ -
(فَرْعٌ) وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ أَنَّ الْجَدْعَ يَمْنَعُ وَأَمَّا الْعَصْبُ فِي الْأُذُنِ أَوْ الْأُذُنَيْنِ فَإِنْ اسْتَوْعَبَ الْأُذُنَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَأَمَّا الشَّرْقَاءُ وَالْخَرْقَاءُ وَالْمُقَابَلَةُ وَالْمُدَابَرَةُ وَالشَّرْقَاءُ هِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ وَالْخَرْقَاءُ هِيَ الَّتِي يُخْرَقُ أُذُنُهَا لِلسُّمْنَةِ وَالْمُقَابَلَةُ هِيَ الَّتِي يُقْطَعُ طَرَفُ أُذُنِهَا وَالْمُدَابَرَةُ هِيَ الَّتِي يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن: وَهَذِهِ الصِّفَاتُ كُلُّهَا عِنْدِي لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَإِنَّمَا تَمْنَعُ الِاسْتِحْبَابَ وَهَذَا قَدْ قَالَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ غَيْرَ أَنَّ الْمَذْهَبَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ الْقَطْعِ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَالْيَسِيرُ لَا يَمْنَعُهُ وَأَمَّا شَقُّ الْأُذُنِ فَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُوَسِّعُ فِي الْيَسِيرِ مِنْهُ كَالسَّمِنَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ الشَّقَّ لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مِنْ الْأُذُنِ الْمَبْلَغَ الَّذِي يُشَوِّهُ الْخِلْقَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ حَدًّا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِهِ: وَالنِّصْفُ عِنْدِي كَثِيرٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ طَرِيقَهُ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ وَالْأَلْيَةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ
стр. 766
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَّقِي مِنْ الضَّحَايَا وَالْبُدْنِ الَّتِي لَمْ تَسُنَّ وَاَلَّتِي نَقَصَ مِنْ خَلْقِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ أَحَبُّ مَا سَمِعْت إلَيَّ) .
ــ
[المنتقى]
أَنَّ الثُّلُثَ عِنْدَهُ كَثِيرٌ وَهُوَ نَحْوُ مِمَّا أَوْرَدَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الثُّلُثَ عِنْدَهُ فِي حَيِّزِ الْقَلِيلِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِي الْأُذُنِ إلَّا أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الذَّنَبِ وَالْأُذُنِ وَالْأَلْيَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَالْأَظْهَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنَّ ذَهَابَ ثُلُثِ الْأُذُنِ فِي حَيِّزِ الْيَسِيرِ وَذَهَابَ ثُلُثِ الذَّنَبِ فِي حَيِّزِ الْكَثِيرِ لِأَنَّ الذَّنَبَ ذُو لَحْمٍ وَعَظْمٍ وَعَصَبٍ وَالْأُذُنَ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُ طَرَفِ جِلْدٍ لَا يَكَادُ يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِ وَلَا يَسْتَضِرُّ بِهِ لَكِنَّهُ يَنْقُصُ الْجِمَالَ كَثِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا السَّكَّاءُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهَا الصَّغِيرَةُ الْأُذُنَيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهِيَ: الصَّمْعَاءُ فَهِيَ تُجْزِئُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَمَّا الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنَيْنِ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: لَا يُضَحَّى بِالسَّكَّاءِ وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ بِغَيْرِ أُذُنَيْنِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَاَلَّذِي عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْأُذُنُ مِنْ الصِّغَرِ بِحَيْثُ تَقْبُحُ الْخِلْقَةُ مَعَهُ وَيَقَعُ بِهِ التَّشْوِيهُ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الثَّرْمَاءُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهِيَ الَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا مِنْ كِبَرٍ أَوْ كُسِرَ فَلَا تُجْزِئُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا مِنْ إثْغَارٍ أَوْ هَرَمٍ أَوْ حَفِيَتْ فَلَا بَأْسَ بِهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُضَحَّى بِهَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: لِأَنَّهُ نَقْصٌ مِنْ خَلْقِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْفَتِيَّةَ إنَّمَا تَسْقُطُ أَسْنَانُهَا مِنْ دَاءٍ نَزَلَ بِهَا فَصَارَ عَيْبًا بِهَا وَالْهَرِمَةَ سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا مِنْ كِبَرٍ وَهُوَ أَمْرٌ مُعْتَادٌ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْهَرَمَ مَعْنًى يُضْعِفُ الْحَيَوَانَ فَإِذَا أَسْقَطَ الْأَسْنَانَ مَنَعَ الْأُضْحِيَّةَ كَالْمَرَضِ.
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ ذَهَابَ الْأَسْنَانِ يَمْنَعُ الْأُضْحِيَّةَ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ ذَهَابَ السِّنِّ الْوَاحِدَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ إذَا سَقَطَ لَهَا سِنٌّ أَوْ أَسْنَانٌ فَهُوَ عَيْبٌ وَلَا يُضَحَّى بِهَا فَإِنَّهُ نُقْصَانٌ مِنْ خَلْقِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا» قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: ذَلِكَ لَمَعَانٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْمَرَضَ نَهَكَ بَدَنَهَا فَيَنْقُصُ لَحْمُهَا وَالثَّانِي أَنَّهُ يُفْسِدُهُ حَتَّى تَعَافُهُ النَّفْسُ وَالثَّالِثُ أَنَّهُ يَنْقُصُ ثَمَنُهَا وَهَذِهِ الْمَعَانِي عَلَى مَا ذُكِرَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى كُلِّ غَرَضٍ يَحْدُثُ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ يَمْنَعُ أَنْ يُضَحِّيَ بِهَا وَالْخَمِرَةُ وَهِيَ الْبَشِمَةُ لَا تُجْزِئُ وَكَذَلِكَ الْجَرْبَاءُ فَمَا بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ حَدَّ الْمَرَضِ الْبَيِّنِ وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ الْإِجْزَاءَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ الدَّبْرُ مِنْ الْإِبِلِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الدَّبْرَةِ الْكَبِيرَةِ فَأَرَى الْمَجْرُوحَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ إنْ كَانَ جُرْمًا كَبِيرًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ الْمَرَضِ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَالْمَكْسُورَةِ الْقَرْنِ تُدْمِي وَإِذَا كَانَ الْجُرْحُ صَغِيرًا لَا يَضُرُّ بِالْأُضْحِيَّةِ أَوْ بِالْهَدْيِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْمَرَضِ فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْإِجْزَاءَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي النَّقْيُ الشَّحْمُ» يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِيهَا شَحْمٌ فَإِذَا بَلَغَتْ هَذَا الْحَدَّ مِنْ الْهُزَالِ فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الْحَدِّ الْمُعْتَادِ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي لَحْمِهَا وَلَا طَيِّبَ كَالْمَرِيضَةِ.
(ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَتَّقِي مِنْ الْبُدْنِ وَالضَّحَايَا الْبُدْنُ مَا أُهْدِيَ مِنْ الْإِبِلِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَاهَا فِي الْحَجِّ وَاتِّقَاؤُهُ فِيهَا مَا لَمْ تَسُنَّ يُرِيدُ مَا لَمْ تَبْلُغْ سِنَّ الْإِجْزَاءِ وَهَذَا لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي الْهَرَمِ وَمَا قَارَبَهُ فَيُقَالُ: أَسَنَّ فُلَانٌ إذَا بَلَغَ سِنَّ الشَّيْخِ وَلَمْ يَرِدْ ذَلِكَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الثَّنِيَّةَ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّحَايَا تُجْزِئُ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ تَمَامِ السِّنِّ وَإِنَّمَا هُوَ أَوَّلُ الْإِثْغَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ أَوْ تَكُونَ مُسِنَّةً مِنْ الْبَقَرِ وَأَكْثَرُ مَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالسِّنِينَ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَتَقَدَّمَ يَسِيرًا أَوْ يَتَأَخَّرَ يَسِيرًا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْخِلْقَةِ وَلَكِنَّ الْمُعْتَادَ مُتَقَارِبٌ فَالْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ قَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْجَذَعُ مِنْ
стр. 767
النَّهْيُ عَنْ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ قَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: لَا أَجِدُ إلَّا جَذَعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إلَّا جَذَعًا فَاذْبَحْ» ) .
ــ
[المنتقى]
الضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ ابْنُ سَنَةٍ وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: فِي الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ هُوَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ جَذَعٌ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ ابْنُ عَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ هُوَ مَا اسْتَكْمَلَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَقَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ: وَقِيلَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ وَأَمَّا الثَّنِيُّ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ وَالْأُنْثَى ثَنِيَّةٌ وَأَمَّا الْإِبِلُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْجَذَعُ مِنْ الْإِبِلِ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَالثَّنِيُّ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إذَا أَتَتْ عَلَيْهِ الْخَامِسَةُ فَهُوَ جَذَعٌ فَإِذَا أَلْقَى ثَنِيَّتَهُ فِي السَّادِسَةِ فَهُوَ ثَنِيٌّ وَأَمَّا الْبَقَرُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْجَذَعُ مِنْ الْبَقَرِ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ وَالثَّنِيُّ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هُوَ أَوَّلُ سَنَةٍ تَبِيعٌ وَالْأُنْثَى تَبِيعَةٌ ثُمَّ جَذَعٌ ثُمَّ ثَنِيٌّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّنِيُّ مِنْ الْبَقَرِ مَا لَهُ سَنَتَانِ وَقَدْ دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ وَهُوَ أَشْبَهَ بِقَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[النَّهْيُ عَنْ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ قَبْلَ انْصِرَافِ الْإِمَامِ]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ أَبَا بُرْدَةَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَبْحُهُ الَّذِي يُجْزِيهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَيَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَ وَقْتَ ذَبْحِ الْإِمَامِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ ذَبْحُ النَّاسِ فَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ يَوْمَ الْأَضْحَى فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا ذَهَبَ مِنْ الْوَقْتِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَتِهِمَا وَتَمَامِهَا لِلْعِيدِ فَقَدْ جَازَ الذَّبْحُ فَمَنْ ذَبَحَ حِينَئِذٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ: ذَبَحْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ فَقَالَ: اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تُجْزِئَ أَوْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» وَهَذَا بَيِّنٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ الْوَقْتِ بِقَدْرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لَا بِمِقْدَارِ فِعْلِهَا أَصْلُ ذَلِكَ السَّعْيُ لِمَا رَتَّبْنَاهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا بِمِقْدَارِ فِعْلِهَا مِنْ الْوَقْتِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
إذَا ثَبَتَ أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَذْبَحُ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْبَحُ النَّاسُ بَعْدَهُ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ «أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعِيدَ بِأُضْحِيَّةٍ أُخْرَى» وَدَلِيلُنَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ فَسَبَقَهُمْ رِجَالٌ فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَحَرَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ وَلَا يَنْحَرُ حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ ﷺ » .
١ -
(فَرْعٌ) الْمُضَحُّونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ فَلَا يَخْلُو إمَامُهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ نَحْرَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ لَا يُظْهِرُ ذَلِكَ فَإِنْ أَظْهَرَ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ بِإِثْرِ الصَّلَاةِ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ.
стр. 768
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ أَنَّ «عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الْأَضْحَى وَأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى» ) .
ــ
[المنتقى]
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُظْهِرْ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنْ ذَبَحَ رَجُلٌ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ لَوْ ذَبَحَ الْإِمَامُ بِالْمُصَلَّى لَكَانَ هَذَا قَدْ ذَبَحَ بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: إذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الذَّبْحَ بِالْمُصَلَّى فَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ إمَامٌ مِثْلُ أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ عِيدٍ بِخُطْبَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَتَحَرَّوْنَ صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ فَمَنْ تَحَرَّى ذَلِكَ فَأَخْطَأَ فَذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِيهِ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: قَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافَهُ وَنَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ فَقَالَ: وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْزِيهِمْ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَقَدْ قِيلَ: إنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا هِيَ فِيمَنْ ذَبَحَ عَلَى عِلْمِ أَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ الْإِمَامُ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَحَرَّى أَنْ يَذْبَحَ بَعْدَهُ فَأَخْطَأَ فَذَبَحَ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فَرْضَهُمْ الِاجْتِهَادُ وَالتَّحَرِّي فِي أَمْرٍ غَائِبٍ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ تَيَقُّنُهُ فَكَانَ الْخَطَأُ مَوْضُوعًا عَنْهُمْ كَالْخَطَأِ فِي الْقِبْلَةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ فِي إعْلَامِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْذُورِينَ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى التَّأْخِيرِ الَّذِي لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ إلَيْهِ لَجَازَ لِأَهْلِ بَلَدِهِ الذَّبْحُ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ التَّحَرِّي كَالْوَقْتِ فِي الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي بُرْدَةَ لَا أَجِدُ إلَّا جَذَعًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْجَذَعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ إمَّا لِأَنَّ غَيْرَهُ يُجْزِي دُونَهُ أَوْ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّهَا كَانَتْ جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ» وَلِلْإِنْسَانِ تَعَلُّقٌ بِالْإِجْزَاءِ وَتَأْثِيرٌ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ السَّخْلَةُ وَلَا الْفَصِيلُ وَاَلَّذِي يُجْزِي عَنْ الْإِنْسَانِ فِي الضَّحَايَا مِنْ الضَّأْنِ الْجَذَعُ فَمَا فَوْقَهُ وَمِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الْمَعْزِ لَا يُجْزِي مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ «قَالَ: إنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَنْ تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الضَّأْنِ وَغَيْرِهَا قِيلَ لَهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا نَصُّ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَلَا فَرْقَ أَصَحُّ مِنْهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ «قَالَ: إنَّ الْمَعْزَ وَالْبَقَرَ وَالْإِبِلَ لَا تُضْرَبُ فُحُولَتُهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ تُثْنِيَ وَالضَّأْنُ تُضْرَبُ فُحُولَتُهَا إذَا أَجْذَعَتْ» .
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالثَّنِيُّ مِنْ الضَّأْنِ أَحَبُّ إلَى مَالِكٍ مِنْ الْجَذَعِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَذْبَحُوا الْمُسِنَّةَ إلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ» وَمِنْ وُجْهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ الْمَرْوِيِّ وَفِي الثَّنِيِّ أَيْضًا مِنْ تَمَامِ الْجِسْمِ وَكَمَالِهِ مَا يُفَضَّلُ بِهِ الْجَذَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُوَيْمِرًا ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْدُوَ يَوْمَ الْأَضْحَى يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ تَغْدُوَ إلَى الْمُصَلَّى لِأَنَّهُ هُوَ الْغُدُوُّ الْمُعْتَادُ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى فَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ غَيْرَهُ مِنْ الْغُدُوِّ لَبَيَّنَهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ غُدُوًّا وَهُوَ بَعُدَ فِي وَقْتٍ يُمْكِنُهُ الْغُدُوُّ فَلَمَّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ أَخْبَرَهُ لَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الذَّبْحِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَا تَقَدَّمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعِيدَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى بِمَعْنَى أَنَّ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ ضَحِيَّةً مُجْزِيَةً.
стр. 769
مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الضَّحَايَا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ضَحَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ قَالَ نَافِعٌ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيَلًا أَقْرَنَ ثُمَّ أَذْبَحُهُ يَوْمَ الْأَضْحَى فِي مُصَلَّى النَّاسِ قَالَ نَافِعٌ: فَفَعَلْت ثُمَّ حُمِلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلَاقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ)
ــ
[المنتقى]
[مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ الضَّحَايَا]
(ش) : قَوْلُهُ إنَّهُ ضَحَّى مَرَّةً بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَقَعَ مِنْهُ بِالْمَدِينَةِ لِأَنَّ كَثِيرًا مِمَّا حَكَاهُ لَا يَتَأَتَّى فِي غَيْرِ الْأَمْصَارِ مِنْ الذَّبْحِ بِالْمُصَلَّى وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ يُضَحِّي بِالْمَدِينَةِ وَفِي أَسْفَارِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَى فِي سُفْرَةٍ شَاةً مِنْ رَاعٍ وَأَمَرَهُ بِذَبْحِهَا عَنْهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَازِمَةٌ لِلْمُسَافِرِ كَلُزُومِهَا لِلْمُقِيمِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا شِرَاءَ الضَّحَايَا مِمَّا يَجِبُ أَنْ يَتَوَقَّى فِيهِ لِأَنَّهَا قُرْبَانٌ فَمَنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ أَسْوَاقٌ لَهَا فَلَا يَشْتَرِي مِنْهَا مَا يُجْلَبُ إلَى الْأَسْوَاقِ حَتَّى يَرِدَ السُّوقَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّلَقِّي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَيَجِبُ أَنْ يُنَزَّهَ عَنْهُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ مِنْ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ.
(فَرْعٌ) فَإِنْ ضَحَّى بِمَا اشْتَرَى فِي التَّلَقِّي قَالَ عِيسَى: عَلَيْهِ الْبَدَلُ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَلَا يُبَاعُ لَحْمُ الْأُولَى وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ أُضْحِيَّتَهُ قَدْ وَجَبَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَمْ تُجْزِهِ أَوْ لَمْ تَتِمَّ فَضِيلَتُهَا لِفَسَادِ مِلْكِهِ لَهَا فَكَانَ عَلَيْهِ بَدَلُهَا لِيُدْرِكَ الْأُضْحِيَّةَ أَوْ لِيُدْرِكَ تَمَامَ فَضِيلَتِهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعُ لَحْمِهَا لِأَنَّهُ قَدْ قَصَدَ بِذَبْحِهَا الْقُرْبَةَ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ فَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ كَبْشًا فَحِيَلًا أَقْرَنَ فِيهِ خَمْسُ مَسَائِلَ: إحْدَاهَا أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَكُونُ مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الضَّأْنَ أَفْضَلُ أَجْنَاسِ الضَّحَايَا وَالثَّالِثَةُ أَنَّ ذُكُورَهَا أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهَا وَالرَّابِعَةُ أَنَّ الْفَحْلَ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الْخَصِيِّ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ الْأَقْرَنَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَجَمِّ فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَلَوْ ضَرَبَتْ فُحُولُ الْبَقَرِ الْإِنْسِيَّةِ إنَاثَ الْبَقَرِ الْوَحْشِيَّةِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُضَحِّي بِهَا وَاخْتَلَفُوا إذَا ضَرَبَتْ فُحُولُ الْوَحْشِيَّةِ إنَاثَ الْإِنْسِيَّةِ وَاَلَّذِي أَقُولُ بِهِ إجَازَةُ ذَلِكَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ نَتَجَ لِأُمِّهِ فِي الْجِنْسِ وَالْحُكْمِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ فِي وَلَدِ آدَمَ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ بِالْمَنْعِ مِنْ أَصْحَابِنَا إذَا كَانَتْ الْفُحُولُ وَحْشِيَّةً لِيَغْلِبَ الْحَظْرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَضَاحِيّ الضَّأْنُ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّ الضَّأْنَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَعْزِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ فَرَوَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْأَفْضَلَ الْإِبِلُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَعُونَتِهِ أَنَّ الْبَقَرَ أَفْضَلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الْإِبِلُ أَفْضَلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَفْضِيلِ الضَّأْنِ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ» وَمِثْلُ هَذَا اللَّفْظِ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِيمَا يُوَاظَبُ عَلَيْهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُوَاظِبُ فِي خَاصَّتِهِ إلَّا عَلَى الْأَفْضَلِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُضَحَّى بِجَذَعٍ إلَّا مِنْ الضَّأْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ لَهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهَا فِي الْأُضْحِيَّةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ أَنَّ ذَكَرَ كُلِّ جِنْسٍ أَفْضَلُ مِنْ إنَاثِهِ فَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ طَيِّبُ اللَّحْمِ وَلَا خِلَافَ أَنَّ لَحْمَ الْكَبْشِ أَفْضَلُ مِنْ لَحْمِ النَّعْجَةِ فَكَانَ إخْرَاجُهُ أَفْضَلَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي ذُكُورِ الْجِنْسِ وَإِنَاثِهِ وَأَمَّا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ فَإِنَّ إنَاثَ الضَّأْنِ أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ الْمَعْزِ وَإِنَاثَ
стр. 770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
الْمَعْزِ أَفْضَلُ مِنْ ذُكُورِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَضَاحِيّ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فَإِنَّ الْفَحْلَ مِنْ الضَّحَايَا أَفْضَلُ مِنْ الْخَصِيِّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ» .
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي أَنَّ الْأَقْرَنَ أَفْضَلُ مِنْ الْأَجَمِّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ أَتَمُّ خِلْقَةً.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ثُمَّ اذْبَحْهُ يَوْمَ الْأَضْحَى فِي مُصَلَّى النَّاسِ أَمَرَ نَافِعًا مَوْلَاهُ بِذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِنَابَةِ وَذَلِكَ جَائِزٌ لِلضَّرُورَةِ وَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْهَدَايَا لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ شُرِعَ ذَبْحُهُ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ فَصَحَّتْ الِاسْتِنَابَةُ فِيهِ كَالْهَدَايَا وَإِنَّمَا اسْتَنَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لِمَرَضِهِ وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَهَا بِنَفْسِهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أَقَرْنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ» .
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: يَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِنَابَةُ فَإِنْ اسْتَنَابَ مُسْلِمًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ اسْتَنَابَ كِتَابِيًّا فَهَلْ يُجْزِئُهُ أَمْ لَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يُعِيدُهَا وَلَوْ أَمَرَ بِذَلِكَ مُسْلِمًا أَجْزَأَهُ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِئُهُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا تَصِحُّ مِنْهُ نِيَّةُ الْقُرْبَةِ وَإِنْ صَحَّتْ مِنْهُ نِيَّةُ الِاسْتِنَابَةِ وَالْأُضْحِيَّةُ قُرْبَةٌ فَإِذَا ذَبَحَهَا الْكِتَابِيُّ لَمْ تَكُنْ أُضْحِيَّةً وَكَانَتْ ذَبِيحَةً مُبَاحَةً وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ إنْ صَحَّ ذَبْحُهُ لِغَيْرِ الْأُضْحِيَّةِ صَحَّ ذَبْحُهُ لِلْأُضْحِيَّةِ كَالْمُسْلِمِ.
١ -
(فَرْعٌ) وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهَا بِالتَّصْرِيحِ أَوْ الْعَادَةِ بِأَنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِهَا عَنْهُ أُضْحِيَّةً فَيَنْوِيَ النَّائِبُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ مَا كَانَ يَنْوِيهِ الْمُضَحِّي لَوْ بَاشَرَ ذَبْحَهَا وَأَمَّا الْعَادَةُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّتِي بِغَيْرِ إذْنِي إنْ كَانَ مِثْلَ الْوَلِيِّ فِي عِيَالِهِ فَذَبَحَهَا لِيَكْفِيَهُ أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَوْ بَعْضُ مَنْ فِي عِيَالِهِ مِمَّنْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَنْهُ زَادَ أَبُو زَيْدٍ أَوْ لِصَدَاقَةٍ بَيْنَهُمَا إنْ وَثِقَ بِهِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ أَنَّهُ ذَبَحَهَا عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ وَلَدُهُ فِي عِيَالِهِ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ أَوْ بَعْضُ عِيَالِهِ مِمَّنْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ يُدْخِلُهُ رَبُّ الدَّارِ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ مِمَّنْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْوَلَدَ الَّذِي قَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ الْقِيَامُ فَأَمْرُهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْوَلَدُ فِي عِيَالِهِ فَيَذْبَحُهَا لِيَكْفِيَهُ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ صَدِيقِهِ إنْ وَثِقَ بِهِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ أَنَّهُ ذَبَحَهَا عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ صَدِيقَهُ الَّذِي يَقُومُ بِأُمُورِهِ وَقَدْ فُوِّضَ إلَيْهِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ أَنَّهُ لَمْ يَذْبَحْهَا عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا ذَبَحَهَا عَنْ غَيْرِهِ فَلِهَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ غَيْرُ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ وَإِنَّمَا ذَبَحَهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الصَّدَاقَةِ فَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ لَوْ شَاءَ أَنْ يُضَمِّنَهُ ضَمَّنَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا رِوَايَةً فِي الْمُتَعَدِّي بِذَبْحِهَا عَنْ صَاحِبِهَا إنْ لَمْ يُرِدْ صَاحِبُهَا تَضْمِينَهُ تُجْزِئُهُ فَلَهُ وَجْهٌ عَلَى ضَعْفِهِ.
وَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: لَا تُجْزِئُهُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ فِي عِيَالِهِ وَهُوَ ضَامِنٌ مَنْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا قَائِمٍ بِجَمِيعِ أُمُورِهِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ.
(فَرْعٌ) وَمَنْ ذَبَحَ أُضْحِيَّةَ صَاحِبِهِ غَلَطًا لَمْ يَجُزْ الْمَذْبُوحُ عَنْهُ وَإِنْ فَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأُضْحِيَّةِ صَاحِبِهِ ضَمِنَهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدٍّ عَلَى أُضْحِيَّةِ الْآخَرِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا لِأَنَّ الْخَطَأَ وَالْعَمْدَ فِي الْمَالِ سَوَاءٌ وَإِذَا ضَمِنَهَا الذَّابِحُ لَمْ تُجْزِ الْمُتَعَدِّي لِأَنَّهَا تَكُونُ لِمَنْ ضَمِنَهَا إنْ ضَمِنَهَا لَهُ وَإِنْ لَمْ يُضَمِّنْهُ إيَّاهَا وَرَضِيَ بِهَا مَذْبُوحَةً لَمْ تُجْزِ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ مِلْكُهُ لَهَا لَمَّا كَانَ لَهُ مِنْ تَضْمِينِ الْمُتَعَدِّي عَلَيْهَا وَإِنَّمَا عَادَتْ إلَى حَالِهَا مِنْ الْمِلْكِ الصَّحِيحِ التَّامِّ لِيَرَى التَّضْمِينَ وَذَلِكَ بَعْدَ الذَّبْحِ وَلَوْ كَانَ هَدْيًا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُجْزِي مَنْ قَلَّدَهُ لَا مَنْ نَحَرَهُ
стр. 771
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْزِئُهُمَا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَبْحِهِ إلَى نِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِمَنْ قَلَّدَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ضَلَّ الْهَدْيُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ عَمَّنْ قَلَّدَهُ لَأَجْزَأَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ صَاحِبٌ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمْ تُجْزِ صَاحِبَهَا وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْهَدْيَ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ فَإِنَّ الْفَسَادَ وَعَدَمَ الْإِجْزَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ إذَا ذَبَحَ ذَبْحًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ عَنْ غَيْرِ مَنْ قَلَّدَهُ.
١ -
(فَرْعٌ) وَهَلْ يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الذَّابِحُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا رَضِيَهَا أَوْ لَمْ يَرْضَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا لَمْ يَضْمَنْ الذَّابِحُ قِيمَتَهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الذَّابِحَ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَإِنْ ضَمَّنَهُ إيَّاهَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْزِئُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَقَالَ أَشْهَبُ: تُجْزِئُ الذَّابِحَ كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَكَذَلِكَ أَمَةٌ أَوْلَدَهَا رَجُلٌ ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَخَذَ قِيمَتَهَا فَإِنَّهَا بِذَلِكَ أُمُّ وَلَدٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ عُرِفَ ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ اللَّحْمِ أَجْزَأَتْ عَنْ ذَابِحِهَا غَلَطًا وَأَدَّى الْقِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَفُتْ اللَّحْمُ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فَإِنْ أَخَذَ اللَّحْمَ فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ أَخَذَ قِيمَةَ الشَّاةِ لَمْ تُجْزِ عَنْ ذَابِحِهَا وَلَا لَهُ بَيْعُ لَحْمِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ اللَّحْمِ فَقَدْ عَيَّنَ مِلْكَهُ لِلشَّاةِ وَلَا خِيَارَ لِصَاحِبِهَا فِيهَا فَلِذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ قَبْلَ فَوَاتِ اللَّحْمِ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهَا أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهَا وَهَذَا يُنَافِي مِلْكَ الذَّابِحِ لَهَا وَيَمْنَعُ إجْزَاءَهَا عَنْهُ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَإِنَّمَا أَمَرَ ابْنُ عُمَرَ نَافِعًا بِذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِأَنْ يَذْبَحَهَا فِي مُصَلَّى النَّاسِ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ الْقُرَبِ الْعَامَّةِ الْمَسْنُونَةِ فَالْأَفْضَلُ إظْهَارُهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إحْيَاءَ سُنَّتِهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِهِ: يُسْتَحَبُّ الْإِعْلَانُ بِالْأُضْحِيَّةِ لِكَيْ تَعْرِفَ وَيَعْرِفَ الْجَاهِلُ سُنَّتَهَا وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا ابْتَاعَ أُضْحِيَّتَهُ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِحَمْلِهَا فِي السُّوقِ وَيَقُولُ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عُمَرَ إرَادَةَ أَنْ يُعْلِنَ بِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ نَافِعٍ فَفَعَلْتُهَا يَعْنِي اشْتَرَى لَهُ الْكَبْشَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا ثُمَّ ذَبَحَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى بِالْمُصَلَّى وَلَيْسَ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِيُضَحِّيَ بِهَا مُوجِبًا لِكَوْنِهَا أُضْحِيَّةً وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بِابْتِدَاءِ الذَّبْحِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: وَقَبْلَ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ النِّيَّةُ وَالْفِعْلُ.
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا: تَتَعَيَّنُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَتَجِبُ بِذَلِكَ كَمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِيهَا كَالْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فِي الْهَدْيِ.
١ -
(فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ حُمِلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ يُرِيد أَنَّ الْكَبْشَ حُمِلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَحَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ وَلَعَلَّهُ كَانَ امْتَنَعَ مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ وَشَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ.
وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ إذَا رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ لَا يَقُصَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ قَالَا: وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَلْخِيّ ثِقَةٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَضَارِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ حِمْصِيٌّ أَخْبَرَنَا الْبَصْرِيُّ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ عُمَرُ وَهُوَ مَدَنِيٌّ فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ إنَّ هَذَا نَهْيٌ
стр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
وَالنَّهْيُ إذَا لَمْ يَقْتَضِ التَّحْرِيمَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَدَلِيلُنَا عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ «أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ بَعَثَ بِهِ مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ» وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى فِي ذَلِكَ الْعَامِ.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ يَقْتَضِي أَنَّ مَرَضَهُ مَنَعَهُ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ النَّاسِ وَالْبُرُوزَ لَهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِمَّا شُرِعَ مِنْ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ وَإِظْهَارِهَا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ مِنْ إنْفَاذِ الضَّحِيَّةِ فِي مَالِهِ وَهِيَ قُرْبَةٌ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ لَمَّا كَانَ مَالُهُ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ ذَبْحِهَا حُكْمُ مَالِهِ تُورَثُ عَنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلِغُرَمَائِهِ أَخْذُهَا إنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَالِهِ تُورَثُ عَنْهُ وَتُبَاعُ لِغُرَمَائِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَحَبُّ لِوَرَثَتِهِ ذَبْحُهَا وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يُضَحَّى بِهَا عَنْهُ وَهِيَ مِيرَاثٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَالٌ أَخْرَجَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَاسْتُحِبَّ لِوَرَثَتِهِ إنْفَاذُ ذَلِكَ كَمَا اُسْتُحِبَّ لَهُ إخْرَاجُهَا بِعَيْنِهَا وَكُرِهَ لَهُ بَدَلُهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ وَإِنَّمَا أَعَدَّهَا لِيُوجِبَهَا فِي وَقْتٍ وَهُوَ لَمْ يَأْنِ فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِهِ.
(فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ عَنْ هَدْيِهِ بَعْدَ أَنْ قَلَّدَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلْغُرَمَاءِ بَيْعُهُ كَمَا لَهُمْ بَيْعُ مَا أَعْتَقَ وَرَدُّ عِتْقِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الْإِيجَابِ بِالْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: هِيَ لِوَرَثَتِهِ وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ وَرَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا فَاتَتْ بِالذَّبْحِ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ كَمَا لَوْ أَكَلَهَا.
(فَرْعٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُضْمَنُ لَهُ الْهَدْيُ وَالذَّبْحُ تُضْمَنُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ فَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا فِيهَا.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ تُورَثُ عَنْهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنَّ لِوَرَثَتِهِ أَكْلَهَا وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: يُنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ لَحْمِهَا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا نَعْلَمُهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِلْكًا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ لِلْمُضَحِّي وَإِمَّا قِسْمَتُهَا فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْقِسْمَةِ هَلْ هِيَ تَمْيِيزُ حَقٍّ أَوْ بَيْعٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ بَيْعًا فَلَمْ تُجْزِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ تَمَيُّزَ حَقٍّ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهَا.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا حُكْمُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ بِالْمِيرَاثِ فَأَمَّا مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ عَنْ أَصْبَغَ لِلْمُعْطَى بَيْعُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ نِهَايَةَ الْقُرْبَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ الصَّدَقَةُ بِهَا فَإِذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا كَانَ لِمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ إيجَابَ النُّسُكِ عَلَى وَجْهِ الْأُضْحِيَّةِ يَمْنَعُ الْبَيْعَ كَمَا لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَأَمَّا مَا أُخْرِجَ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ إلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِخْرَاجِ فَلِذَلِكَ كَانَ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ أُضْحِيَّتِهِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا كَالْهَدْيِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَخْبَرَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهَا كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجَلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» زَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» قَالَ
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المنتقى]
مَالِكٌ وَلَا يُبَاعُ جِلْدُ أُضْحِيَّةٍ بِجِلْدٍ وَلَا غَيْرِهِ.
١ -
(فَرْعٌ) فَإِنْ بَاعَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ شَيْئًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ جَهْلًا فَلَا يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا إنْ أُدْرِكَ فُسِخَ وَإِلَّا جُعِلَ ثَمَنُ الْجِلْدِ فِي مَاعُونٍ أَوْ طَعَامٍ وَيُجْعَلُ ثَمَنُ اللَّحْمِ فِي طَعَامٍ يَأْكُلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلْيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا شَاءَ مِنْ إمْسَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ فَوَاتِهِ وَأَمَّا بَيْعُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِهِ فَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ الِانْتِفَاعَ بِالثَّمَنِ وَجَوَّزَ سَحْنُونٌ تَصْرِيفَ ثَمَنِهِ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ دُونَ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُصْرَفُ فِي التِّجَارَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَثْمَانِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ بَيْعَ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ بِمَا سِوَى الدِّرْهَمِ مِمَّا يُعَانُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنَعَ الْبَيْعَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ هَذَا حُكْمَ الثَّمَنِ عِنْدَهُ إذَا فَاتَ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا مُنِعَ بَيْعُهُ لَمْ تُمْنَعْ إجَارَتُهُ لِمَنْفَعَتِهِ الْمُبَاحَةِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ مُنِعَ بَيْعُهُ وَلَمْ تُمْنَعْ إجَارَتُهُ لِمَنْفَعَتِهِ الْمُبَاحَةِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَمَنْ تَلِفَ لَهُ شَيْءٌ عِنْدَ صَانِعٍ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ أَوْ غَاصِبٍ أَوْ مُتَعَدٍّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سُرِقَتْ رُءُوسُ أُضْحِيَّتِهِ فِي الْفُرْنِ اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ شَيْئًا وَكَأَنَّهُ رَآهُ بَيْعًا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَيَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ وَكَذَلِكَ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَضِيعُ أَوْ يُسْتَهْلَكُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ خَلِقَ ثَوْبُهُ فَغَصَبَهُ غَاصِبٌ أَنَّ لَهُ أَخْذَ قِيمَتِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ الْمُسْتَهْلَكِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ.
فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا صُوفُ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنْ جُزَّ قَبْلَ ذَبْحِهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجُزَّهَا قَبْلَ الذَّبْحِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ لَا تُجَزُّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ تَعْيِينَهَا لِلْأُضْحِيَّةِ قَدْ أَثَّرَ الْمَنْعُ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا كَاللَّحْمِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَعْنًى تَجُوزُ إزَالَتُهُ مِنْهَا قَبْلَ الذَّبْحِ دُونَ مَضَرَّةٍ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهَا قَبْلَ إيجَابِهَا.
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ جَزَّهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَدْ أَسَاءَ وَتُجْزِيهِ أُضْحِيَّتُهُ وَيَنْتَفِعُ بِالصُّوفِ وَلَا يَبِيعُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى بِبَيْعِهِ بَأْسًا وَيَأْكُلُ ثَمَنَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ بَيْعُهُ وَيَصْنَعُ بِثَمَنِهِ مَا شَاءَ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جَزِّهِ حَتَّى يَتَقَرَّبَ بِذَبْحِهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُهُ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَنْعِ مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ جَزُّهُ وَإِنْ كَانَ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا أَنَّ جَزَّهُ فِي حُكْمِ تَفْرِيقِ أَبْعَاضِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْعٌ كَالْوِلَادَةِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلذَّكَاةِ تَأْثِيرٌ فِي الصُّوفِ جَازَ التَّفْرِيقُ لَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ كَمَا لَا يُبَاعُ الْوَلَدُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الصُّوفَ لَمَّا كَانَ لَا يُؤْكَلُ جَازَ بَيْعُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُتَوَصَّلُ إلَى أَكْلِ أَجْزَاءِ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا.
(فَرْعٌ) فَأَمَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَهُ جَزُّ صُوفِهِ.
١ -
(مَسْأَلَةٌ) :
وَإِذَا أَنْتَجَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ وَلَدِهَا وَقَالَ مَالِكٌ إنْ ذَبَحَهُ مَعَ أُمِّهِ فَحَسَنٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ سِنَّ الْأُضْحِيَّةِ مُعْتَبَرٌ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي السَّخْلَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِصِفَتِهَا دُونَ صِفَتِهِ كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ.
(مَسْأَلَةٌ) :
وَأَمَّا لَبَنُ الْأُضْحِيَّةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَهُ شُرْبُ لَبَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ وَلَا مَا فَضَلَ عَنْ فَصِيلِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ وَالْبَدَنَةُ قَدْ وَجَبَتْ بِالتَّقْلِيدِ مَعَ بَقَاءِ حَيَاتِهَا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ نَافِعٍ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلَاقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى.
وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ.
وَقَدْ فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
стр. 774
ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» ) .
ــ
[المنتقى]
قَدْ فَعَلَهُ لِحَاجَتِهِ أَوْ فَعَلَهُ اسْتِحْبَابًا.
[ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ]
(ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ يُرِيدُ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ذَابِحُهَا وَالْمُضَحِّي بِهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهِيَ أَيَّامُ الذَّبْحِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ الذَّبْحَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَبَاحَ الْأَكْلَ فِيهَا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَقَصَرَ إبَاحَةَ الْأَكْلِ عَلَيْهَا لِيَتَمَكَّنَ الْمُضَحِّي بِأَنْ يُؤَخِّرَ الذَّبْحَ إلَى آخِرِهَا وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إبَاحَةَ الْأَكْلِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ وَإِنْ ضَحَّى فِي آخِرِ أَيَّامِ الذَّبْحِ فَأُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِقْدَارَ مَا يَأْكُلُ فِيهِ مِنْهَا لِأَنَّ فِي مَنْعِهِ مِنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ أَوْ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ تَضْيِيقًا عَلَيْهِ وَفِي أَكْلِهِ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُنْتَفَعٌ وَسَعَةٌ وَنَهَى عَنْ أَكْلِهَا بَعْدُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِ وَتَزَوُّدِهِ وَادِّخَارِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَذَا مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ.
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالُوا: نَهَيْت عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» يَعْنِي بِالدَّافَّةِ قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) .
(ش) : قَوْلُهُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ بِدَلِيلِ إنْ وُجِدَ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ فَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَإِنَّ النَّسْخَ بِإِبَاحَتِهِ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهِيَةُ مَنْسُوخَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَنْعِ ثَبَتَ لِعِلَّةٍ وَارْتَفَعَ لِعَدَمِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَنْعَ وَإِنْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ مَحْمُولًا عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلِ فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» وَإِذَا وَرَدَتْ الْإِبَاحَةُ بَعْدَ الْحَظْرِ فَهُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا «قَالَتْ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نَصْلُحُ مِنْهُ فَنَقْدُمُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِدَامَةِ حُكْمِ الْمَنْعِ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْأَضْحَى لِيَعْلَمُوا بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ عِنْدَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الِامْتِنَاعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إنَّمَا مَنَعَ
стр. 775
(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا فَقَالَ: اُنْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ
ــ
[المنتقى]
لِأَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ وَأَنَّ عِلَّةَ الْحَاجَةِ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ وَأَنَّ الْحَاجَةَ لَوْ نَزَلَتْ الْيَوْمَ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ لَلَزِمَ النَّاسَ مُوَاسَاتُهُمْ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا لَك أَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ خَاصَّةً وَمَا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ بِالْمَجَاعَةِ لَمَا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَلْ كَانَ يَلْزَمُ النَّاسَ مُوَاسَاتُهُمْ بِهَا وَبِغَيْرِهَا.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ» رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ: الدَّافَّةُ الْقَوْمُ الْقَادِمُونَ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدَّخِرُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيّ فَيَمْنَعُوهَا الَّذِينَ قَدِمُوا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَّخِرُوا وَسَعَوْا بِذَلِكَ عَلَى إخْوَانِهِمْ الْقَادِمِينَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ: وَالدَّافَّةُ الْجَمَاعَةُ تَسِيرُ سَيْرًا لَيْسَ بِالشَّدِيدِ يُقَالُ هُمْ يَدِفُّونَ دَفِيفًا.
١ -
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ «ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا يَقْضِي» أَنْ يُمْسِكَ مِنْهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مَا يَكْفِي لِثَلَاثٍ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِلدَّافَّةِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى وَفِيمَا بَعْدَهُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ اتِّخَاذِ الْأَسْقِيَةِ مِنْ جُلُودِهَا لِأَجْلِ الْمَنْعِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا تَنَاوَلَ أَكْلَ اللَّحْمِ.
وَقَدْ رُوِيَ لَفْظٌ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ مَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ شَيْءٌ مِنْهُ» .
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» لَفْظَةُ كُلُوا قَدْ رُوِيَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَاهَا الْإِبَاحَةُ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ عَلَى الرَّجُلِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ بَدَنَتِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ تَصَدَّقَ بِلَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ كُلِّهِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ.
وَرُوِيَ مَا يَدُلُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلنَّدَبِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ كُلِّهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ مُخْطِئًا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يُخْرَجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْأَكْلِ مِنْهُ، أَصْلُ ذَلِكَ مَا نَذَرَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يُذْبَحُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَكَانَ الْأَكْلُ مِنْهُ مَشْرُوعًا مَنْدُوبًا إلَيْهِ كَالْهَدْيِ.
وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَكْلُ مِنْهَا وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ بَعِيدٌ.
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا قَوْلُهُ «فَتَصَدَّقُوا» فَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ الْيَوْمَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَتَصَدَّقُوا وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ فَإِذَا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِأُضْحِيَّتِهِ كُلِّهَا لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا لَكَانَ مُخْطِئًا كَمَا لَوْ أَكَلَهَا وَلَمْ يَطْعَمْ مِنْهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِبَعْضِ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهُ مَا جَازَ لَهُ.
١ -
(فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِطْعَامَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ مَشْرُوعٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَمْ يَجِدْ مَا يَطْعَمُ مِنْهَا وَلَا مَا يَأْكُلُ وَمَا فَعَلَ مِمَّا قَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ فَهُوَ يُجْزِئُ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَأْكُلَ الْأَقَلَّ وَيَقْسِمَ مَا بَقِيَ وَلَوْ قِيلَ: يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَقْسِمُ الثُّلُثَيْنِ كَانَ حَسَنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →