← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْزِئُهُمَا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ فَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَبْحِهِ إلَى نِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِمَنْ قَلَّدَهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ ضَلَّ الْهَدْيُ فَوَجَدَهُ رَجُلٌ فَنَحَرَهُ عَمَّنْ قَلَّدَهُ لَأَجْزَأَ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ صَاحِبٌ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمْ تُجْزِ صَاحِبَهَا وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ أَنَّ الْهَدْيَ وَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ فَإِنَّ الْفَسَادَ وَعَدَمَ الْإِجْزَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ إذَا ذَبَحَ ذَبْحًا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَهُوَ أَنْ يَذْبَحَ عَنْ غَيْرِ مَنْ قَلَّدَهُ. ١ - (فَرْعٌ) وَهَلْ يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الذَّابِحُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا رَضِيَهَا أَوْ لَمْ يَرْضَهَا فَإِنْ رَضِيَهَا لَمْ يَضْمَنْ الذَّابِحُ قِيمَتَهَا فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُجْزِئُ الذَّابِحَ لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَإِنْ ضَمَّنَهُ إيَّاهَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُجْزِئُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَقَالَ أَشْهَبُ: تُجْزِئُ الذَّابِحَ كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الذَّبْحِ وَكَذَلِكَ أَمَةٌ أَوْلَدَهَا رَجُلٌ ثُمَّ جَاءَ بِهَا فَأَخَذَ قِيمَتَهَا فَإِنَّهَا بِذَلِكَ أُمُّ وَلَدٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ عُرِفَ ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ اللَّحْمِ أَجْزَأَتْ عَنْ ذَابِحِهَا غَلَطًا وَأَدَّى الْقِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَفُتْ اللَّحْمُ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فَإِنْ أَخَذَ اللَّحْمَ فَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ أَخَذَ قِيمَةَ الشَّاةِ لَمْ تُجْزِ عَنْ ذَابِحِهَا وَلَا لَهُ بَيْعُ لَحْمِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَرَفَ ذَلِكَ بَعْدَ فَوَاتِ اللَّحْمِ فَقَدْ عَيَّنَ مِلْكَهُ لِلشَّاةِ وَلَا خِيَارَ لِصَاحِبِهَا فِيهَا فَلِذَلِكَ أَجْزَأَتْهُ وَإِنْ عَرَفَ ذَلِكَ قَبْلَ فَوَاتِ اللَّحْمِ فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَخْذِهَا أَوْ أَخْذِ قِيمَتِهَا وَهَذَا يُنَافِي مِلْكَ الذَّابِحِ لَهَا وَيَمْنَعُ إجْزَاءَهَا عَنْهُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَإِنَّمَا أَمَرَ ابْنُ عُمَرَ نَافِعًا بِذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى لِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِأَنْ يَذْبَحَهَا فِي مُصَلَّى النَّاسِ لِأَنَّ الْأُضْحِيَّةَ مِنْ الْقُرَبِ الْعَامَّةِ الْمَسْنُونَةِ فَالْأَفْضَلُ إظْهَارُهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إحْيَاءَ سُنَّتِهَا. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِهِ: يُسْتَحَبُّ الْإِعْلَانُ بِالْأُضْحِيَّةِ لِكَيْ تَعْرِفَ وَيَعْرِفَ الْجَاهِلُ سُنَّتَهَا وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْهَا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا ابْتَاعَ أُضْحِيَّتَهُ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِحَمْلِهَا فِي السُّوقِ وَيَقُولُ: هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عُمَرَ إرَادَةَ أَنْ يُعْلِنَ بِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ نَافِعٍ فَفَعَلْتُهَا يَعْنِي اشْتَرَى لَهُ الْكَبْشَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَمَرَهُ بِهَا ثُمَّ ذَبَحَهُ يَوْمَ الْأَضْحَى بِالْمُصَلَّى وَلَيْسَ شِرَاءُ الْأُضْحِيَّةِ لِيُضَحِّيَ بِهَا مُوجِبًا لِكَوْنِهَا أُضْحِيَّةً وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ بِابْتِدَاءِ الذَّبْحِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: وَقَبْلَ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ النِّيَّةُ وَالْفِعْلُ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا: تَتَعَيَّنُ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ بِاللِّسَانِ وَتَجِبُ بِذَلِكَ كَمَا تَجِبُ بِالذَّبْحِ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِيهَا كَالْإِشْعَارِ وَالتَّقْلِيدِ فِي الْهَدْيِ. ١ - (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ حُمِلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ وَكَانَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ يُرِيد أَنَّ الْكَبْشَ حُمِلَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَحَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَهُ حِينَ ذُبِحَ الْكَبْشُ وَلَعَلَّهُ كَانَ امْتَنَعَ مِنْ حَلْقِ رَأْسِهِ وَشَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ مِنْ أَوَّلِ الْعَشَرَةِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى مَا ذُكِرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ إذَا رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ أَنْ لَا يَقُصَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ حَتَّى يُضَحِّيَ قَالَا: وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ اسْتِحْبَابٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَلْخِيّ ثِقَةٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْحَضَارِيُّ لَيْسَ بِثِقَةٍ حِمْصِيٌّ أَخْبَرَنَا الْبَصْرِيُّ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ فَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ حَتَّى يُضَحِّيَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عُمَرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ أُكَيْمَةَ: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ عُمَرُ وَهُوَ مَدَنِيٌّ فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ إنَّ هَذَا نَهْيٌ

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَالنَّهْيُ إذَا لَمْ يَقْتَضِ التَّحْرِيمَ حُمِلَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَدَلِيلُنَا عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ «أَنَا فَتَلْت قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ بَعَثَ بِهِ مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ» وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى فِي ذَلِكَ الْعَامِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَرِيضًا لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ مَعَ النَّاسِ يَقْتَضِي أَنَّ مَرَضَهُ مَنَعَهُ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ النَّاسِ وَالْبُرُوزَ لَهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِمَّا شُرِعَ مِنْ ذَبْحِ الضَّحِيَّةِ وَإِظْهَارِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ مِنْ إنْفَاذِ الضَّحِيَّةِ فِي مَالِهِ وَهِيَ قُرْبَةٌ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ لَمَّا كَانَ مَالُهُ يَتَّسِعُ لِذَلِكَ وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْأُضْحِيَّةِ قَبْلَ ذَبْحِهَا حُكْمُ مَالِهِ تُورَثُ عَنْهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْمَوَّازِيَّةِ وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَلِغُرَمَائِهِ أَخْذُهَا إنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ مَالِهِ تُورَثُ عَنْهُ وَتُبَاعُ لِغُرَمَائِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُسْتَحَبُّ لِوَرَثَتِهِ ذَبْحُهَا وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يُضَحَّى بِهَا عَنْهُ وَهِيَ مِيرَاثٌ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَالٌ أَخْرَجَهُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَاسْتُحِبَّ لِوَرَثَتِهِ إنْفَاذُ ذَلِكَ كَمَا اُسْتُحِبَّ لَهُ إخْرَاجُهَا بِعَيْنِهَا وَكُرِهَ لَهُ بَدَلُهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْهَا وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِخْرَاجِهَا عَنْهُ وَإِنَّمَا أَعَدَّهَا لِيُوجِبَهَا فِي وَقْتٍ وَهُوَ لَمْ يَأْنِ فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِهِ. (فَرْعٌ) وَلَوْ مَاتَ عَنْ هَدْيِهِ بَعْدَ أَنْ قَلَّدَهُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لِلْغُرَمَاءِ بَيْعُهُ كَمَا لَهُمْ بَيْعُ مَا أَعْتَقَ وَرَدُّ عِتْقِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ الْإِيجَابِ بِالْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ رَأَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ: هِيَ لِوَرَثَتِهِ وَلَا تُبَاعُ فِي دَيْنِهِ وَرَوَاهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا فَاتَتْ بِالذَّبْحِ وَصَارَتْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ كَمَا لَوْ أَكَلَهَا. (فَرْعٌ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ ذَبْحِهَا وَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ أَنَّ التَّقْلِيدَ لَا يُضْمَنُ لَهُ الْهَدْيُ وَالذَّبْحُ تُضْمَنُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ فَكَانَ ذَلِكَ فَوْتًا فِيهَا. ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا: إنَّ الْأُضْحِيَّةَ تُورَثُ عَنْهُ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنَّ لِوَرَثَتِهِ أَكْلَهَا وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: يُنْهَوْنَ عَنْ بَيْعِ لَحْمِهَا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا نَعْلَمُهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ إنَّمَا انْتَقَلَ إلَيْهِمْ مِلْكًا عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ لِلْمُضَحِّي وَإِمَّا قِسْمَتُهَا فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْهُ وَابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ وَمُنِعَ مِنْهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافَ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي الْقِسْمَةِ هَلْ هِيَ تَمْيِيزُ حَقٍّ أَوْ بَيْعٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ بَيْعًا فَلَمْ تُجْزِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهٍ كَانَتْ تَمَيُّزَ حَقٍّ فَجَازَ ذَلِكَ فِيهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا حُكْمُ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ بِالْمِيرَاثِ فَأَمَّا مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِهِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ عَنْ أَصْبَغَ لِلْمُعْطَى بَيْعُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ وَحَكَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ لَهُ بَيْعُهُ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ نِهَايَةَ الْقُرْبَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ الصَّدَقَةُ بِهَا فَإِذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا كَانَ لِمَنْ صَارَتْ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ إيجَابَ النُّسُكِ عَلَى وَجْهِ الْأُضْحِيَّةِ يَمْنَعُ الْبَيْعَ كَمَا لَوْ انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَأَمَّا مَا أُخْرِجَ فِي الزَّكَاةِ فَقَدْ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ إلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ مِلْكِهِ بِالْإِخْرَاجِ فَلِذَلِكَ كَانَ لِمَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ لَيْسَ لَهُ بَيْعُ أُضْحِيَّتِهِ وَلَا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْهَا كَالْهَدْيِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَخْبَرَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهَا كُلَّهَا لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجَلَالَهَا فِي الْمَسَاكِينِ وَلَا يُعْطِ فِي جِزَارَتِهَا مِنْهَا شَيْئًا» زَادَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ مُجَاهِدٍ «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا» قَالَ

стр. 773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَالِكٌ وَلَا يُبَاعُ جِلْدُ أُضْحِيَّةٍ بِجِلْدٍ وَلَا غَيْرِهِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ بَاعَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ شَيْئًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ جَهْلًا فَلَا يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّ مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ شَيْئًا مِنْ لَحْمِهَا إنْ أُدْرِكَ فُسِخَ وَإِلَّا جُعِلَ ثَمَنُ الْجِلْدِ فِي مَاعُونٍ أَوْ طَعَامٍ وَيُجْعَلُ ثَمَنُ اللَّحْمِ فِي طَعَامٍ يَأْكُلُهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَّتِهِ فَلْيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا شَاءَ مِنْ إمْسَاكٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي حُكْمِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ بَعْدَ فَوَاتِهِ وَأَمَّا بَيْعُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَى مَنْعِهِ فَمَنَعَ ابْنُ حَبِيبٍ الِانْتِفَاعَ بِالثَّمَنِ وَجَوَّزَ سَحْنُونٌ تَصْرِيفَ ثَمَنِهِ فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ دُونَ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُصْرَفُ فِي التِّجَارَاتِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالْأَثْمَانِ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ بَيْعَ جِلْدِ الْأُضْحِيَّةِ بِمَا سِوَى الدِّرْهَمِ مِمَّا يُعَانُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مَنَعَ الْبَيْعَ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ هَذَا حُكْمَ الثَّمَنِ عِنْدَهُ إذَا فَاتَ الْبَيْعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ جِلْدَ الْأُضْحِيَّةِ وَجِلْدَ الْمَيْتَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يُرِيدُ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا مُنِعَ بَيْعُهُ لَمْ تُمْنَعْ إجَارَتُهُ لِمَنْفَعَتِهِ الْمُبَاحَةِ كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ مُنِعَ بَيْعُهُ وَلَمْ تُمْنَعْ إجَارَتُهُ لِمَنْفَعَتِهِ الْمُبَاحَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَلِفَ لَهُ شَيْءٌ عِنْدَ صَانِعٍ يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ أَوْ غَاصِبٍ أَوْ مُتَعَدٍّ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ سُرِقَتْ رُءُوسُ أُضْحِيَّتِهِ فِي الْفُرْنِ اُسْتُحِبَّ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ شَيْئًا وَكَأَنَّهُ رَآهُ بَيْعًا وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: لَهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَيَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ وَكَذَلِكَ قِيمَةُ الْجِلْدِ يَضِيعُ أَوْ يُسْتَهْلَكُ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ خَلِقَ ثَوْبُهُ فَغَصَبَهُ غَاصِبٌ أَنَّ لَهُ أَخْذَ قِيمَتِهِ وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اللَّحْمِ الْمُسْتَهْلَكِ مَا شَاءَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ. فَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ أَخْذَ الْقِيمَةِ نَوْعٌ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صُوفُ الْأُضْحِيَّةِ فَإِنْ جُزَّ قَبْلَ ذَبْحِهَا فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجُزَّهَا قَبْلَ الذَّبْحِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ لَا تُجَزُّ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ تَعْيِينَهَا لِلْأُضْحِيَّةِ قَدْ أَثَّرَ الْمَنْعُ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا كَاللَّحْمِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ مَعْنًى تَجُوزُ إزَالَتُهُ مِنْهَا قَبْلَ الذَّبْحِ دُونَ مَضَرَّةٍ فَجَازَ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ مِنْهَا قَبْلَ إيجَابِهَا. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنْ جَزَّهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَدْ أَسَاءَ وَتُجْزِيهِ أُضْحِيَّتُهُ وَيَنْتَفِعُ بِالصُّوفِ وَلَا يَبِيعُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا أَرَى بِبَيْعِهِ بَأْسًا وَيَأْكُلُ ثَمَنَهُ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَهُ بَيْعُهُ وَيَصْنَعُ بِثَمَنِهِ مَا شَاءَ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ قَبْلَ الذَّبْحِ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جَزِّهِ حَتَّى يَتَقَرَّبَ بِذَبْحِهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَبِيعُهُ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَنْعِ مُتَعَلِّقٌ بِبَيْعِهِ كَسَائِرِ أَجْزَائِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ جَزُّهُ وَإِنْ كَانَ تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ إلَّا أَنَّ جَزَّهُ فِي حُكْمِ تَفْرِيقِ أَبْعَاضِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْعٌ كَالْوِلَادَةِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلذَّكَاةِ تَأْثِيرٌ فِي الصُّوفِ جَازَ التَّفْرِيقُ لَا أَنَّهُ لَا يُبَاعُ كَمَا لَا يُبَاعُ الْوَلَدُ، وَوَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ الصُّوفَ لَمَّا كَانَ لَا يُؤْكَلُ جَازَ بَيْعُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ يُتَوَصَّلُ إلَى أَكْلِ أَجْزَاءِ الْأُضْحِيَّةِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. (فَرْعٌ) فَأَمَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَلَهُ جَزُّ صُوفِهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَنْتَجَتْ الْأُضْحِيَّةُ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَجُوزُ ذَبْحُ وَلَدِهَا وَقَالَ مَالِكٌ إنْ ذَبَحَهُ مَعَ أُمِّهِ فَحَسَنٌ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ سِنَّ الْأُضْحِيَّةِ مُعْتَبَرٌ وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي السَّخْلَةِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَعٌ لِأُمِّهِ فَلَا يُعْتَبَرُ إلَّا بِصِفَتِهَا دُونَ صِفَتِهِ كَالصُّوفِ وَاللَّبَنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا لَبَنُ الْأُضْحِيَّةِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَهُ شُرْبُ لَبَنِ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ شُرْبُ لَبَنِ الْهَدْيِ وَلَا مَا فَضَلَ عَنْ فَصِيلِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ لَمْ تَجِبْ بَعْدُ وَالْبَدَنَةُ قَدْ وَجَبَتْ بِالتَّقْلِيدِ مَعَ بَقَاءِ حَيَاتِهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ نَافِعٍ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَيْسَ حِلَاقُ الرَّأْسِ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى. وَقَدْ فَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَنْ ضَحَّى أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ. وَقَدْ فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ

стр. 774

ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» ) . ــ [المنتقى] قَدْ فَعَلَهُ لِحَاجَتِهِ أَوْ فَعَلَهُ اسْتِحْبَابًا. [ادِّخَارُ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ يُرِيدُ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا ذَابِحُهَا وَالْمُضَحِّي بِهَا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهِيَ أَيَّامُ الذَّبْحِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَبَاحَ الذَّبْحَ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَبَاحَ الْأَكْلَ فِيهَا مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَقَصَرَ إبَاحَةَ الْأَكْلِ عَلَيْهَا لِيَتَمَكَّنَ الْمُضَحِّي بِأَنْ يُؤَخِّرَ الذَّبْحَ إلَى آخِرِهَا وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إبَاحَةَ الْأَكْلِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ ذَبْحِ أُضْحِيَّتِهِ وَإِنْ ضَحَّى فِي آخِرِ أَيَّامِ الذَّبْحِ فَأُبِيحَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ مِقْدَارَ مَا يَأْكُلُ فِيهِ مِنْهَا لِأَنَّ فِي مَنْعِهِ مِنْهَا بَعْدَ الْيَوْمِ أَوْ الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ تَضْيِيقًا عَلَيْهِ وَفِي أَكْلِهِ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُنْتَفَعٌ وَسَعَةٌ وَنَهَى عَنْ أَكْلِهَا بَعْدُ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِ وَتَزَوُّدِهِ وَادِّخَارِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَهَذَا مِنْ نَسْخِ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ. (ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَتْ: صَدَقَ، سَمِعْت عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ حَضْرَةَ الْأَضْحَى فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا بَقِيَ قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ كَانَ النَّاسُ يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَمَا ذَاكَ أَوْ كَمَا قَالَ قَالُوا: نَهَيْت عَنْ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» يَعْنِي بِالدَّافَّةِ قَوْمًا مَسَاكِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ) . (ش) : قَوْلُهُ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ بِدَلِيلِ إنْ وُجِدَ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ فَتَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَإِنَّ النَّسْخَ بِإِبَاحَتِهِ طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْكَرَاهِيَةُ مَنْسُوخَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَنْعِ ثَبَتَ لِعِلَّةٍ وَارْتَفَعَ لِعَدَمِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَنْعَ وَإِنْ وَرَدَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ مَحْمُولًا عَلَى الْخُصُوصِ بِدَلِيلِ فَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا» وَإِذَا وَرَدَتْ الْإِبَاحَةُ بَعْدَ الْحَظْرِ فَهُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا «قَالَتْ: الضَّحِيَّةُ كُنَّا نَصْلُحُ مِنْهُ فَنَقْدُمُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَقَالَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ إلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَطْعَمَ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِدَامَةِ حُكْمِ الْمَنْعِ وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ: شَهِدْت الْعِيدَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَاكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا لُحُومَ نُسُكِكُمْ فَوْقَ ثَلَاثٍ» فَذَكَرَ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْأَضْحَى لِيَعْلَمُوا بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ عِنْدَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الِامْتِنَاعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ﷺ إنَّمَا مَنَعَ

стр. 775

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَقَدَّمَ إلَيْهِ أَهْلُهُ لَحْمًا فَقَالَ: اُنْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ ــ [المنتقى] لِأَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ وَأَنَّ عِلَّةَ الْحَاجَةِ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ وَأَنَّ الْحَاجَةَ لَوْ نَزَلَتْ الْيَوْمَ لِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْمَسْكَنَةِ لَلَزِمَ النَّاسَ مُوَاسَاتُهُمْ إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا لَك أَنَّهُ حُكْمٌ مَنْسُوخٌ وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ خَاصَّةً وَمَا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ بِالْمَجَاعَةِ لَمَا اخْتَصَّ ذَلِكَ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَلْ كَانَ يَلْزَمُ النَّاسَ مُوَاسَاتُهُمْ بِهَا وَبِغَيْرِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ «دَفَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ» رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ فَقَالَ: الدَّافَّةُ الْقَوْمُ الْقَادِمُونَ عَلَيْهِمْ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدَّخِرُوا لُحُومَ الْأَضَاحِيّ فَيَمْنَعُوهَا الَّذِينَ قَدِمُوا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَّخِرُوا وَسَعَوْا بِذَلِكَ عَلَى إخْوَانِهِمْ الْقَادِمِينَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ: وَالدَّافَّةُ الْجَمَاعَةُ تَسِيرُ سَيْرًا لَيْسَ بِالشَّدِيدِ يُقَالُ هُمْ يَدِفُّونَ دَفِيفًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «ادَّخِرُوا لِثَلَاثٍ وَتَصَدَّقُوا بِمَا يَقْضِي» أَنْ يُمْسِكَ مِنْهُ يَوْمَ الْأَضْحَى مَا يَكْفِي لِثَلَاثٍ ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِمَا بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الِانْتِفَاعُ لِلدَّافَّةِ فِي يَوْمِ الْأَضْحَى وَفِيمَا بَعْدَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِضَحَايَاهُمْ وَيَحْمِلُونَ مِنْهَا الْوَدَكَ وَيَتَّخِذُونَ مِنْهَا الْأَسْقِيَةَ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنْ اتِّخَاذِ الْأَسْقِيَةِ مِنْ جُلُودِهَا لِأَجْلِ الْمَنْعِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ بِأَعَمَّ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْمُتَقَدِّمِ لِأَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا تَنَاوَلَ أَكْلَ اللَّحْمِ. وَقَدْ رُوِيَ لَفْظٌ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأُضْحِيَّةِ وَهُوَ مَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ شَيْءٌ مِنْهُ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِأَجْلِ الدَّافَّةِ الَّتِي دَفَّتْ عَلَيْكُمْ فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» لَفْظَةُ كُلُوا قَدْ رُوِيَ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَاهَا الْإِبَاحَةُ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا بَأْسَ عَلَى الرَّجُلِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ مِنْ بَدَنَتِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنْ تَصَدَّقَ بِلَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ كُلِّهِ فَهُوَ أَعْظَمُ لِأَجْرِهِ. وَرُوِيَ مَا يَدُلُّ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لِلنَّدَبِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِلَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ كُلِّهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ مُخْطِئًا وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يُخْرَجُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يُؤْمَرْ بِالْأَكْلِ مِنْهُ، أَصْلُ ذَلِكَ مَا نَذَرَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ حَيَوَانٌ يُذْبَحُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ الْمَشْرُوعَةِ فَكَانَ الْأَكْلُ مِنْهُ مَشْرُوعًا مَنْدُوبًا إلَيْهِ كَالْهَدْيِ. وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: الْأَكْلُ مِنْهَا وَاجِبٌ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ بَعِيدٌ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا قَوْلُهُ «فَتَصَدَّقُوا» فَعَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ الْيَوْمَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَتَصَدَّقُوا وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ فَإِذَا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِأُضْحِيَّتِهِ كُلِّهَا لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهَا وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا شَيْئًا لَكَانَ مُخْطِئًا كَمَا لَوْ أَكَلَهَا وَلَمْ يَطْعَمْ مِنْهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِبَعْضِ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ وَلَوْ لَمْ يَتَصَدَّقْ بِشَيْءٍ مِنْهُ مَا جَازَ لَهُ. ١ - (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِطْعَامَ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ مَشْرُوعٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ لَمْ يَجِدْ مَا يَطْعَمُ مِنْهَا وَلَا مَا يَأْكُلُ وَمَا فَعَلَ مِمَّا قَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ فَهُوَ يُجْزِئُ زَادَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَأْكُلَ الْأَقَلَّ وَيَقْسِمَ مَا بَقِيَ وَلَوْ قِيلَ: يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَقْسِمُ الثُّلُثَيْنِ كَانَ حَسَنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 776

فَقَالُوا: هُوَ مِنْهَا فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فَقَالُوا: إنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهَا بَعْدَك أَمْرٌ فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَأُخْبِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا أَوْ تَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا» ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا قُدِّمَ إلَيْهِ اللَّحْمُ اُنْظُرُوا أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ عَلَى وَجْهِ التَّحَرُّزِ وَالِاحْتِيَاطِ لِدِينِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ فِي انْصِرَافِهِ مِنْ مِنًى إلَّا الزَّيْتَ خَوْفًا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ الَّتِي كَانَ يَعْتَقِدُ اسْتِدَامَةَ الْمَنْعِ فِيهَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ لِلْمُتَحَفِّظِ بِدِينِهِ أَنْ يَسْأَلَ وَيَبْحَثَ إنْ كَثُرَ الْمَحْظُورُ فَإِذَا كَانَ شَاذًّا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَغْلَبِ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ لَمَّا ذُكِرَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا إنْكَارٌ لِتَقْدِيمِهَا إلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ مِمَّا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِوَجْهِ الْأَمْرِ وَهُوَ مَا حَدَثَ مِنْ نَسْخِ مَا عَلِمَ مِنْ الْحَظْرِ بِالْإِبَاحَةِ وَقَوْلُهُمْ أَمْرٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا فَسَّرُوا لَهُ مَعْنَى الْأَمْرِ فَأَرَادَ أَنْ يَحْتَاطَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بِقَوْلِ مَنْ هُوَ أَفْقَهُ وَأَفْهَمُ وَأَعْلَمُ بِتَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَيَحْتَمِلُ قِيلَ لَهُ قَدْ حَدَثَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ وَلَمْ يُفَسَّرْ لَهُ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَإِنْ كَانَ أُخْبِرَ بِأَنَّهُ مَعْنًى يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ فَخَرَجَ يَسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَتَفْسِيرِهِ فَأُخْبِرَ بِهِ وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكُلُوا وَادَّخِرُوا» يُرِيدُ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَهُمْ الْأَكْلَ بَعْدَ الثَّلَاثِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فَانْتَبِذُوا وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» يَأْتِي فِي كِتَابِ الْأَشْرِبَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ ﷺ «وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا» يَعْنِي لَا تَقُولُوا سُوءًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيُّ: الْهُجْرُ الْفُحْشُ وَالْهَجْرُ بِفَتْحِ الْهَاءِ الْهَذَيَانُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ لَا تَقُولُوا هُجْرًا لَا تَدْعُوا بِالْوَيْلِ وَالْحَرْبِ وَالْعَوِيلِ أَوْ تَقُولُوا مَا يُسْخِطُ اللَّهَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي رِوَايَةِ عَلِيٍّ: لَا تَقُولُوا هُجْرًا لَا تَقُولُوا سُوءًا قَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُنَا يَقْرَؤُهَا لَا تُعْرُوا هُجْرًا. [الشَّرِكَةُ فِي الضَّحَايَا وَعَنْ كَمْ تُذْبَحُ الْبَقَرَةُ وَالْبَدَنَةُ] ١ ُ قَوْلُهُ وَعَنْ كَمْ تُذْبَحُ الْبَقَرَةُ وَالْبَدَنَةُ يُرِيدُ وَتُنْحَرُ الْبَدَنَةُ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ وَلَكِنَّهُ عَطَفَ تَذْكِيَةَ الْبَدَنَةِ عَلَى تَذْكِيَةِ الْبَقَرَةِ بِلَفْظِ الذَّبْحِ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا فِي التَّذْكِيَةِ. ص (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَالَ «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» ) . (ش) : قَوْلُهُ نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْبُدْنَ وَالْبَقَرَ تُنْحَرُ وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا مُفَسَّرًا فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ ذَبْحِ الْوَاحِدَةِ مِنْ ذَلِكَ عَنْ سَبْعَةٍ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا الْوَاجِبَةِ وَلَا فِي الضَّحَايَا أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ فِي ثَمَنِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ الْبَدَنَةِ فَيَشْتَرُونَهَا بِالثَّمَنِ الْمُشْتَرَكِ ثُمَّ يَذْبَحُونَهَا أَوْ يَنْحَرُونَهَا فَأَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَكُونَ الْأُضْحِيَّةُ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَذْبَحَهَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَنْ فِي عِيَالِهِ وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ سَبْعَةٌ فِي ثَمَنِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ

стр. 777

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ثُمَّ يَذْبَحُونَهَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَصَدَ الْقُرْبَةَ فِي ذَبْحِهِ وَإِنْ كَانَتْ وُجُوهُهَا مُخْتَلِفَةً مِثْلُ أَنْ يَلْزَمَ أَحَدَهُمْ جَزَاءُ صَيْدٍ وَيَلْزَمُ الْآخَرَ فِدْيَةُ أَذًى وَيُرِيدُ هَدْيَ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَقْصِدُ الْقُرْبَةَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ اللَّحْمَ لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ وَقَالَ زُفَرُ: لَا يُجْزِئُ حَتَّى تَكُونَ وُجُوهُ الْقُرْبَةِ وَاحِدَةً. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ فَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الرَّقَبَةِ عِنْدَنَا وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَنَا أَنْ تُنْحَرَ الْبَدَنَةُ الْوَاحِدَةُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ إخْرَاجَ مِثْلِهِ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ وَمَنْ أَخْرَجَ سُبْعَ بَدَنَةٍ فَلَمْ يُخْرِجْ مِثْلَ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا هَدْيٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرِكًا أَصْلُهُ الشَّاةُ أَمَّا هُمْ فَاحْتَجَّ مَنْ نَصَرَ قَوْلَهُ بِالْحَدِيثِ الْمَنْصُوصِ «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الْحَسَنِ قَدْ أَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي الزُّبَيْرِ وَهْمٌ لِذِكْرِهِ الْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَجَوَابُهُ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ بِجَوَابٍ ثَانٍ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هُوَ الَّذِي نَحَرَ عَنْهُمْ وَكَانَ الْهَدْيُ جَمِيعُهُ لَهُ وَنَحْنُ إنَّمَا نَمْنَعُ الِاشْتِرَاكَ فِي رَقَبَةِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ قَالَا: وَهَذَا كَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَحَّى وَقَالَ: هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي» قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: فَكَانَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا يَذْبَحُ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ أَهْلُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ أَبٌ لَهُمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ قَالَ: وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي رَوَى مِنْ اشْتِرَاكِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي الْبُدْنِ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَهَا وَأَشْرَكَ بَيْنَهُمْ فِيهَا وَلَمْ يُخْرِجْ كُلُّ وَاحِدٍ جُزْءًا مِنْ ثَمَنِهَا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدْخِلَ غَيْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِهِ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِجَوَابٍ آخَرَ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا يَتَمَنَّعُ أَنْ يَكُونُوا قَدْ سَاقُوا ذَلِكَ وَقَلَّدُوهُ تَطَوُّعًا وَاَلَّذِي أَدَّى الثَّمَنَ وَاحِدٌ وَقَدْ أَشْرَكَ مَعَهُ قَوْمًا وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ ثَمَنًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ الْمَحْضِ جَائِزٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَأَمَّا أَنْ يَزِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جُزْءًا مِنْ ثَمَنِهِ أَوْ يَجُوزَ ذَلِكَ فِيمَا يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ أَوْ أُضْحِيَّةٍ تَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالسُّنَّةِ فَلَا وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَجَوَابُ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لِيَشْتَرِكَ النَّفَرُ مِنْكُمْ فِي الْهَدْيِ يُوشِكُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِأُمَّتِهِ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عِيَالُهُ فَيُخْرِجُ عَنْهُمْ أَوْ يَدْفَعُ إلَى كُلِّ نَفَرٍ مِنْهُمْ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ بِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَإِنْ قِيلَ: فَأَنْتُمْ لَا تُجِيزُونَ أَنْ تُذْبَحَ الْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ عَنْ عَدَدٍ مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ وَاَلَّذِي ذُبِحَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعُونَ بَدَنَةً وَلَا يَتَّفِقُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ سَبْعَةٍ مِنْهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ، فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ إمَّا عَلَى تَجْوِيزِ الِاشْتِرَاكِ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ فَلَا يُرَاعَى ذَلِكَ وَيَسْقُطُ هَذَا السُّؤَالُ جُمْلَةً وَأَمَّا عَلَى مَنْعِنَا ذَلِكَ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَغَيْرِهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْحَرَ عَنْ سَبْعَةٍ مِنْهُمْ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ذَبَحَ عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِهِ فَشَرَّكَ بَيْنَهُمْ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُشْرِكَ بَعْضًا وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ «أَنَّهُ ذَبَحَ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ بَقَرَةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ آلِ مُحَمَّدٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً» . وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَهْلُ بَيْتٍ مِنْ

стр. 778

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عِمَارَةَ بْنِ صَيَّادٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ قَالَ: كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ فَقَدْ صَارَتْ مُبَاهَاةً) . [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ عَدَدِ الضَّحَايَا] ــ [المنتقى] سَبْعَةٍ وَقَوْمٌ لَيْسُوا أَهْلَ بَيْتٍ فَنَحَرَ الْهَدْيَ عَنْ سَبْعَةٍ وَعَنْ خَمْسَةٍ وَعَنْ وَاحِدٍ وَقَصَدَ الرَّاوِي إلَى الْأَخْبَارِ عَنْ أَكْثَرِ عَدَدٍ نُحِرَتْ عَنْهُمْ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدْ الْإِخْبَارَ عَنْ آحَادِ النَّاسِ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ عَنْ نَفْسِهِ بَدَنَةً وَلَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ وَهَذَا كَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ» وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمْ يَنْحَرْ بَقَرَةً عَنْ أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ فَيَصِحُّ لَكُمْ هَذَا التَّعَلُّقُ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْقَوْلُ عِنْدَكُمْ أَنْ لَا تُنْحَرَ بَدَنَةٌ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ عَنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلَا عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُنْحَرَ عَنْ سَبْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ؟ فَالْجَوَابُ عِنْدِي إنَّمَا لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي هَدْيٍ قُلِّدَ وَأُشْعِرَ عَنْ وَاحِدٍ أَوْ قُلِّدَ وَأُشْعِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي اشْتِرَاكَهُمْ فِي رَقَبَتِهِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَسْبِقْ بِهِ إيجَابٌ بِتَقْلِيدٍ وَلَا إشْعَارٍ وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالنَّحْرِ أَوْ الذَّبْحِ فَإِنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْأُضْحِيَّةِ أَوْ يَكُونُ مُضَافًا مِلْكُهُ لِوَاحِدٍ وَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى جَمِيعِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَجْرِ وَرَقَبَةُ الْهَدْيِ بَاقِيَةٌ عَلَى صَاحِبِهِ الْمُقَلِّدِ لَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأُضْحِيَّةَ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةٍ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى السَّبْعَةِ مِنْ عِيَالِهِ أَوْ مِمَّنْ يَصِحُّ أَوْ يُرِيدُهُ بِأُضْحِيَّتِهِ فَجَائِزٌ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ سَبْعَةٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الشَّاةَ وَالْبَقَرَةَ وَالْبَدَنَةَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ السَّبْعَةِ وَأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ فِي الْأُضْحِيَّةِ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَذْبَحَهَا عَنْ جَمِيعِهِمْ فَيَسْقُطَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ وَلَكِنَّ لَحْمَ الشَّاةِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ حَتَّى يُعْطِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ مَا يُرِيدُ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ يَجُوزُ فِي هَدْيِ التَّطَوُّعِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأُضْحِيَّةِ فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ مَالِكٍ الْآخَرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهَدْيَ يَجِبُ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَارِ فَثَبَتَ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ قَبْلَ إنْفَاذِ ذَبْحِهِ فَلِذَلِكَ مُنِعَ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُوجِبُهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَنْ اشْتَرَى أُضْحِيَّةً لِنَفْسِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَهَا أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا أَهْلَ بَيْتِهِ جَازَ ذَلِكَ لَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهَذَا مَا لَمْ يُجِبْ الْأُضْحِيَّةَ بِالْقَوْلِ فَإِنْ أَوْجَبَهَا بِالْقَوْلِ فَحُكْمُهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمَ الْهَدْيِ الَّذِي قَدْ وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يُرِيدُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَتَنَاوَلُ إخْرَاجَهَا مِنْ مَالِهِ وَلِذَلِكَ أَضَافَ ذَبْحَهَا إلَيْهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ يُشْرِكُ أَهْلَ بَيْتِهِ فِي ثَوَابِهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ بِذَلِكَ مَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَفِي هَذَا حُجَّةٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ لِأَنَّ قَوْلَ أَبِي أَيُّوبَ كُنَّا نَفْعَلُ إنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَتَى بِلَفْظٍ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ وَمِثْلُ هَذَا مَعَ تَكْرَارِهِ لَا يَخْفَى فِي الْأَغْلَبِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِهِ وَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا مَا يُسْتَحَبُّ مِنْ عَدَدِ الضَّحَايَا وَالثَّانِي فِيمَنْ يَجُوزُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْإِنْسَانُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَالثَّالِثُ فِيمَنْ يَلْزَمُ الْإِنْسَانَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُسْتَحَبُّ مِنْ عَدَدِ الضَّحَايَا) لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ يُجْزِي الْإِنْسَانَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَكِنْ قَالَ مَالِكٌ: أَسْتَحِبُّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ بِشَاةٍ لِمَنْ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَكْثَرُ ثَوَابًا وَأَبْعَدُ مِنْ الِاشْتِرَاكِ الَّذِي هُنَا فِي الضَّحَايَا. [الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ] ١

стр. 779

(ص) : (قَالَ مَالِكٌ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْحَرُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الْبَدَنَةَ وَيَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ الْوَاحِدَةَ وَهُوَ يَمْلِكُهَا وَيَذْبَحُهَا عَنْهُمْ وَيُشْرِكُهُمْ فِيهَا فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ النَّفَرُ الْبَدَنَةَ أَوْ الْبَقَرَةَ أَوْ الشَّاةَ يَشْتَرِكُونَ فِيهَا فِي النُّسُكِ وَالضَّحَايَا فَيُخْرِجُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ حِصَّةً مِنْ ثَمَنِهَا وَتَكُونُ لَهُ حِصَّةٌ مِنْ لَحْمِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ وَإِنَّمَا سَمِعْت الْحَدِيثَ أَنَّهُ «لَا يُشْتَرَكُ فِي النُّسُكِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ» ) . ــ [المنتقى] (الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِكَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ) يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَعْنِي بِأَهْلِ بَيْتِهِ أَهْلَ نَفَقَتِهِ قَلِيلًا كَانُوا أَوْ كَثِيرًا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ كُنَّا نُضَحِّي بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ يَذْبَحُهَا الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ زَادَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَلَدَيْهِ الْفَقِيرَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ فِي أُضْحِيَّتِهِ مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا إذَا كَانَ فِي نَفَقَتِهِ وَبَيْتِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ ضُمَّ إلَى نَفَقَتِهِ مِنْ أَخٍ أَوْ ابْنِ أَخٍ قَرِيبٍ فَأَبَاحَ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ وَالثَّانِي الْمُسَاكَنَةُ لَهُ وَالثَّالِثُ الْقَرَابَةُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَهُ أَنْ يُدْخِلَ زَوْجَتَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ لِأَنَّ الْمُسَاكَنَةَ وَالْإِنْفَاقَ مَوْجُودَانِ وَالزَّوْجِيَّةَ آكَدُ مِنْ الْقَرَابَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: إنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ فِي أُضْحِيَّتِهِ أُمَّ وَلَدِهِ وَمَنْ لَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ أَجْزَأَ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَسَبَبُهُ مَوْجُودٌ فِيمَنْ لَهُ عَلَيْهِ رِقٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُدْخِلُ يَتِيمَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَلَا يُشْرِكُ بَيْنَ يَتِيمَيْنِ فِي أُضْحِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَا أَخَوَيْنِ وَالْجَدُّ وَالْجَدَّةُ كَالْأَجَانِبِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا شَرِيكَ وَلَا رَفِيقَ مِنْ الْأَجَانِبِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا عُدِمَ مِنْ بَعْضِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ يُرِيدَانِ الْجَدَّ وَالْجَدَّةَ لَيْسَا فِي نَفَقَتِهِ وَلَوْ كَانَا عَلَى ذَلِكَ لَجَازَ عِنْدِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَقَارِبِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ] (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ مَنْ يَلْزَمُهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ) رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ يَلْزَمُ الرَّجُلَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَوْلَادِهِ مَا لَزِمَهُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْ زَوْجَتِهِ وَلَا رَقِيقِ أُمِّهِ وَلَا مَنْ لَهُ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَبَاهَى النَّاسُ فَصَارَتْ مُبَاهَاةً قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْمُبَاهَاةُ بِمَا كَانَ لِلَّهِ أَفْضَلُ يُرِيدُ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي ذَلِكَ إذَا خَلَصَتْ لِلَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ مِنْ التَّقَلُّلِ وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ أَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَكْثَرَ ثَمَنًا مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْمُتَعَارَفِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ أَشْهَبُ: كَرِهَ مَالِكٌ تَغَالِي النَّاسِ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَيَشْتَرِي كَشِرَاءِ النَّاسِ فَأَمَّا أَنْ يَجِدَهُ بِعَشَرَةٍ وَيَشْتَرِيَهُ بِمِائَةٍ فَإِنِّي أَكْرَهُهُ وَيَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مَشَقَّةٌ وَمَعْنَى ذَلِكَ الْخُرُوجُ عَنْ الْمُتَعَارَفِ مِنْ قَصْدِ الْمُبَاهَاةِ وَيَشُقُّ عَلَى مَنْ أَرَادَ مُنَافَسَتَهُ قَاصِدًا لِلْخَيْرِ فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكَرَاهِيَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَصْدُ الْمُبَاهَاةِ وَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْخُرُوجُ عَنْ الْعَادَةِ وَالشُّذُوذِ فِي الْمُغَالَاةِ وَكَذَلِكَ فِي الْعَدَدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْكَرَاهِيَةُ مِنْ وَجْهِ الْمُبَاهَاةِ وَهُوَ فِي الْمُعْتَادِ مِنْ إخْرَاجِ ضَحِيَّةٍ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ وَتَقَيُّدُهُ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَالْمُقَارَنَةُ لَهُ وَالثَّانِي الشُّذُوذُ وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعَادَةِ فَإِذَا سَلِمَ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ مَذْمُومٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَاهَاةِ إذَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا ذَمَّ أَبُو أَيُّوبَ ﵁ مِنْ ذَلِكَ التَّفَاخُرَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمُبَاهَاةِ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمُفَاخَرَةِ وَمَنْ يَقْصِدُ هَذَا. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ النَّاسَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الِاشْتِرَاكِ فِي الْبَدَنَةِ أَوْ الْبَقَرَةِ فِي الضَّحَايَا وَالنُّسُكِ وَأَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِلْكُهَا لِوَاحِدٍ بَدَنَةً كَانَتْ أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً فَيَذْبَحُهَا عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.

стр. 780

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً» قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي أَيَّتَهُمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) . الضَّحِيَّةُ عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَذِكْرِ أَيَّامِ الْأَضْحَى (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِثْلُ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] أُضْحِيَّةً قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَصِحُّ ذَلِكَ بِنِيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ بَيْتِهِ بِذَلِكَ وَلِذَلِكَ يُدْخِلُ فِيهَا مِنْ صِغَارِ وَلَدِهِ مَنْ لَا تَصِحُّ نِيَّتُهُ وَأَمَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مِلْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِجُزْءٍ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا أَدَّى مِنْ ثَمَنِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَهُ وَوَجْهُهُ أَنَّ النُّسُكَ لَا يَتَبَعَّضُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ بَدَلَهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يَتَبَعَّضَ فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ فِي مُبَدِّلِهِ الَّذِي لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَبَعَّضَ أَوْلَى. (ش) : قَوْلُهُ «مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً» يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَجَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدَةٍ لِلرَّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي عَامٍ مَا لِعَدَمِ الضَّحَايَا أَوْ الْهَدَايَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَتِهَا لِيُبَيِّنَ جَوَازَ ذَلِكَ. [الضَّحِيَّةُ عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ وَذِكْرِ أَيَّامِ الْأَضْحَى] (ش) : قَوْلُهُ الْأَضْحَى يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الْأَضْحَى يُرِيدُ أَنَّ يَوْمَ الْأَضْحَى أَوَّلًا يَوْمُ الذَّبْحِ ثُمَّ الْيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَإِنَّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ لَيْسَ مِنْ أَيَّامِ الذَّبْحِ بِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَيَّامُ الذَّبْحِ أَرْبَعَةٌ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَهُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] قَالَ: وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَالْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَوْمُ النَّحْرِ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَعْدُودٍ وَالْيَوْمَانِ بَعْدَهُ مَعْلُومَانِ مَعْدُودَانِ وَالرَّابِعُ مَعْدُودٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَفَائِدَةُ وَصْفِنَا لَهُ بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ الذَّبْحِ وَفَائِدَةُ وَصْفِنَا لَهُ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ أَنَّهُ مِنْ أَيَّامِ الرَّمْيِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ أَبَاحَ الْأَكْلَ مِنْهَا فِي أَيَّامِ الذَّبْحِ فَلَوْ كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْهَا لَكَانَ قَدْ حَرُمَ عَلَى مَنْ ذَبَحَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ يَوْمٌ مَشْرُوعٌ النَّفْرُ قَبْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَيَّامِ الذَّبْحِ كَالْخَامِسِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ أَيَّامَ الذَّبْحِ ثَلَاثَةٌ فَإِنَّ أَفْضَلَهَا أَوَّلُهَا وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وَمَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - الْمُسَارَعَةُ إلَى الطَّاعَةِ وَأَدَاءِ الْعِبَادَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَيْسَ اللَّيْلُ مِنْ زَمَنِ الذَّبْحِ فِي أُضْحِيَّةٍ وَلَا هَدْيٍ وَلَا عَقِيقَةٍ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: تُذْبَحُ الْأُضْحِيَّةُ لَيْلًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: أَرَادَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ وَخَصَّ بِذَلِكَ الْأَيَّامَ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا دُونَ اللَّيَالِي عَلَى مَا نَعْتَقِدُهُ مِنْ الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ التَّعَلُّقَ بِهَذِهِ الْآيَةِ لَيْسَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالذَّبْحِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ وَطَرِيقُ تَعَلُّقِ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ بِالْأَوْقَاتِ الشَّرْعُ لَا طَرِيقَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِذَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعَلُّقِهِ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] «وَبِنَحْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَذَبْحِهِ أُضْحِيَّتَهُ نَهَارًا» عَلِمْنَا جَوَازَ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ نُعَدِّيَهُ إلَى اللَّيْلِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَقَدْ طَلَبْنَا.

стр. 781

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ قَوِيَ عَلَى ثَمَنِهَا أَنْ يَتْرُكَهَا) . ــ [المنتقى] فِي الشَّرْعِ فَلَمْ تَجِدْ دَلِيلًا وَلَوْ كَانَ لَوَجَدْنَاهُ مَعَ الْبَحْثِ وَالطَّلَبِ فَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ. ١ - (فَرْعٌ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ أُضْحِيَّتَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَحِلُّ السُّبْحَةُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ قَدْرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ اللَّيْلِ فَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ وَإِذَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَخَّرَ إلَى تَمَكُّنِ طُلُوعِهَا لِئَلَّا يَكُونَ الذَّبْحُ عِنْدَ طُلُوعِهَا كَالْقَصْدِ لَهَا بِذَلِكَ. (ش) : قَوْلُهُ لَمْ يَكُنْ يُضَحِّي عَمَّا فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْحَيِّ حَتَّى يَسْتَهِلَّ صَارِخًا بَعْدَ الْوِلَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَالْأُضْحِيَّةُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَيِّ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُضَحِّيَ الرَّجُلُ عَنْ أَبَوَيْهِ الْمَيِّتَيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ أُضْحِيَّةٌ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِمْ لَا أُمِّ وَلَدٍ وَلَا غَيْرِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُمْ أَوْ يُدْخِلَهُمْ فِي أُضْحِيَّتِهِ أَوْ يَأْمُرُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَمْوَالِهِمْ فَحَسَنٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّقَّ يُنَافِي الْقُرْبَةَ وَالْمَالَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْقُرْبَةُ عَائِدَةً إلَى مَنْفَعَةِ الْمُتَقَرِّبِ بِهَا صَحَّتْ مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ وَقَدْ ضَحَّى أَوْ لَمْ يُضَحِّ فَعَلَيْهِ أَنْ يُضَحِّيَ عَنْهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ لُزُومِ الْأُضْحِيَّةِ هُوَ وَقْتُ أَدَائِهَا وَهُوَ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَمَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فِي ذَلِكَ أَوْ أَسْلَمَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ حُكْمُ الْأُضْحِيَّةِ. (ش) : وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ يَسْتَعْمِلُهَا أَصْحَابُنَا فِيمَا تَأَكَّدَ اسْتِحْبَابُهُ وَبَلَغَ صِفَةً مَا مِنْ تَأْكِيدِهِ الِاسْتِحْبَابَ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ فِعْلُهُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ تَرَكَهَا أَثِمَ وَهَذَا مَعْنَى الْوُجُوبِ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ: هِيَ سُنَّةٌ مُوجَبَةٌ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ مِنْ وَاجِبَاتِ السُّنَنِ وَتَرْكُهَا خَطِيئَةٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَطْلَقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَيْهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ مِنْ الْأَقْوَالِ غَيْرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ حَبِيبٍ اللَّذَيْنِ يُؤَثِّمَانِ تَارِكَهَا فَإِنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ إلَّا الْوُجُوبَ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ أَهْلِ الْإِقَامَةِ دُونَ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ النِّصَابَ وَذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَمٍ بَعْدَ الْمَنْزِلِ وَالْخَادِمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ» . فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ عَلَّقَ ذَلِكَ بِإِرَادَةِ الْمُكَلَّفِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى إرَادَتِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذِهِ ذَبِيحَةٌ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ فَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْمُقِيمِ كَالْعَقِيقَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ أَنَّ الْمُسَافِرَ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ صَلَاةُ عِيدٍ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْأُضْحِيَّةَ عَلَى أَهْلِ الْآفَاقِ وَجَمِيعِ النَّاسِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْأَحْرَارُ مِنْ أَهْلِ مِنًى وَغَيْرِهَا وَالْمُقِيمُ وَالْمُسَافِرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ إلَّا الْحَاجَّ خَاصَّةً فِي ذَلِكَ بِمِنًى فَإِنَّهُمْ لَا أُضْحِيَّةَ عَلَيْهِمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي الْمَالِ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ فَكَانَتْ عَامَّةً عَلَى مَنْ وَجَدَهَا كَزَكَاةِ الْفِطْرِ وَأَمَّا الْحَاجُّ بِمِنًى فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَضَاحٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَذَبِيحَةُ الْحَاجِّ هَدْيٌ وَلَيْسَتْ بِأُضْحِيَّةٍ وَلَيْسَ وُجُوبُهُ كَوُجُوبِ الضَّحَايَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاجَّ لَمَّا كَانَ نُسُكُهُ شِعَارًا وَهُوَ التَّلْبِيَةُ كَانَ نُسُكُهُ بِالذَّبْحِ شِعَارًا وَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَلَّدَ وَأَشْعَرَ مَا سَاقَهُ فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَجَعَلَهُ هَدْيًا وَلَمْ يُضَحِّ بِشَيْءٍ مِنْهُ» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَيَلْزَمُ وَصِيُّ الْيَتِيمِ أَنْ

стр. 782

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كِتَابُ الْعَقِيقَةِ (ص) : (مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ) (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنَى ضَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ» ) . ــ [المنتقى] يُضَحِّيَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ثَلَاثِينَ دِينَارًا بِشَاةٍ بِنِصْفِ دِينَارٍ رَوَاهُ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ مَنْ مَالُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْمِقْدَارُ مِنْ الْمَالِ يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَابُ الْعَقِيقَةِ] [مَا جَاءَ فِي الْعَقِيقَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﷺ لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ ظَاهِرُهُ كَرَاهِيَةُ الِاسْمِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ لَفْظِ الْعُقُوقِ وَآثَرَ أَنْ يُسَمَّى نُسُكًا كَمَا قَالَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ وَرَدَ عَلَيْهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو «وَسَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ» وَكَرِهَ لِحَزَنٍ أَنْ يُسَمَّى حَزَنًا قَالَ مَالِكٌ أَنَّهُ لِيَقَعَ فِي قَلْبِي مِنْ شَأْنِ الْعَقِيقَةِ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يَعْمِدُونَ مَاءً يَجْعَلُونَهُمْ فِيهِ وَيَقُولُونَ قَدْ أَدْخَلْنَاهُمْ فِي الدِّينِ بِمَا يَعْمَلُونَهُ بِصِبْيَانِهِمْ وَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُسْلِمِينَ الذَّبْحَ فِي الْعَقِيقَةِ وَقَدْ عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحَسَنِ فَيَقَعُ فِي قَلْبِي فِي الذَّبْحِ عَنْ الصَّبِيِّ أَنَّهَا شَرِيعَةٌ لِلْإِسْلَامِ قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ سَمِعْت غَيْرِي يَذْكُرُ ذَلِكَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَمَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَفْعَلْ يَقْتَضِي أَنَّ الْعَقِيقَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ لِأَنَّهُ عَلَّقَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ أَبِي الْمَوْلُودِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: مَنْ لَمْ يَذْبَحْ وَلَمْ يُطْعِمْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ وَدَاوُد أَنَّهُمَا قَالَا: هِيَ وَاجِبَةٌ وَدَلِيلُنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَإِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ سَمَّاهُ نُسُكًا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَتُهُ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا» وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ أَوْ النَّدْبَ فَإِذَا اجْتَمَعْنَا أَجْمَعْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ النَّدْبُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ» يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ فِي مَالِ الْأَبِ عَنْ ابْنِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ: فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ وَلَوْ كَانَ لِلْمَوْلُودِ مَالٌ لَكَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الْعَقِيقَةُ فِي مَالِ الْأَبِ عَنْ ابْنِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ ابْنِهِ» فَأَثْبَتَ ذَلِكَ فِي جِهَةِ الْآبَاءِ عَنْ الِابْنِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: يُعَقُّ عَنْ الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَحَدًا مِنْ الْأَقَارِبِ غَيْرَ الْأَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ وَقْتَ ذَبْحِ الْعَقِيقَةِ ضُحًى سَاعَةَ تُذْبَحُ الْأُضْحِيَّةُ رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تُذْبَحُ الْعَقِيقَةُ لَيْلًا وَلَا بِالسَّحَرِ وَلَا بِالْعَشِيِّ إلَّا مِنْ الضُّحَى إلَى الزَّوَالِ زَادَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: وَمَنْ ذَبَحَهَا قَبْلَ الْأَوَانِ الَّذِي تُذْبَحُ الضَّحِيَّةُ فِيهِ لَمْ أَرَهَا مُجْزِيَةً وَلْيَذْبَحْ عَقِيقَةً أُخْرَى ضُحًى يَتَحَرَّى ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ نُسُكٌ يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ فَكَانَتْ سُنَّةً ذَبْحُهُ ضُحًى كَالْأُضْحِيَّةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ وَذَلِكَ أَنْ يَمْضِيَ لِلْمَوْلُودِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَسَبْعُ لَيَالٍ رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ غُلَامٍ رَهْنٌ بِعَقِيقَتِهِ يُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى» فَإِنْ لَمْ يُعَقَّ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ فَهَلْ يُعَقُّ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ تَرَكَ أَنْ يَعُقَّ عَنْ ابْنِهِ فِي يَوْمِ سَابِعِهِ فَإِنَّهُ يُعَقُّ عَنْهُ فِي السَّابِعِ الثَّانِي فَإِنْ تَرَكَ

стр. 783

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﵂ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَزَيْنَبَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَةِ ذَلِكَ فِضَّةً وَحَدَّثَنِي عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ: وَزَنَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﵂ شَعْرَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ فَتَصَدَّقَتْ بِزِنَتِهِ فِضَّةً) . الْعَمَلُ فِي الْعَقِيقَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهَا وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ) ــ [المنتقى] ذَلِكَ فَفِي الثَّالِثِ فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَ وَقْتُ الْعَقِيقَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجَاوِزُ بِالْعَقِيقَةِ الْيَوْمَ السَّابِعَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَقْيَسُ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ هَذَا نُسُكٌ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتُ ذَبْحِهِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَالْأُضْحِيَّةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ أَقْرَبَ إلَى السَّابِعِ مِمَّا بَعْدَهُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ لَا يُذْبَحُ فِيهِ فَبِأَنْ لَا يُذْبَحُ فِيمَا بَعْدَهُ أَوْلَى. (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْعَقِيقَةِ قَبْلَ السَّابِعِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: إنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ السَّابِعِ فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَذْبَحُوا عَنْهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ وَقْتَ ثُبُوتِ حُكْمِهَا هُوَ الْوَقْتُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْيَوْمِ السَّابِعِ فَإِنْ أَدْرَكَ الصَّبِيُّ ذَلِكَ الْوَقْتَ ثَبَتَ حُكْمُهَا وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ حُكْمُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (ش) : فِعْلُ فَاطِمَةَ ﵂ هَذَا حَسَنٌ لِمَنْ فَعَلَهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ: لَيْسَ عَلَى النَّاسِ التَّصَدُّقُ بِوَزْنِ شَعْرِ الْمَوْلُودِ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا مَنْ فَعَلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَا ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ وَمَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَا بِأَمْرٍ مَشْرُوعٍ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى ذَلِكَ لَازِمًا فَلَا نَكِيرَ فِيهِ بَلْ هُوَ فِعْلُ بِرٍّ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْلَقَ شَعْرُ الصَّبِيِّ يَوْمَ سَابِعِهِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَأَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى» . [الْعَمَلُ فِي الْعَقِيقَةِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ عَقِيقَةً إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِأَنَّ الْعَقِيقَةَ مَشْرُوعَةٌ وَهِيَ مِنْ عَمَلِ الْبِرِّ وَكَانَ لَا يَسْأَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ الْمَعُونَةَ عَلَى الْبِرِّ إلَّا أَعَانَهُ عَلَيْهِ وَأَجَابَهُ إلَيْهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعَقُّ عَنْ الْغُلَامِ بِشَاتَيْنِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ شَاتَانِ عَنْ الْغُلَامِ وَشَاةٌ عَنْ الْجَارِيَةِ وَذَلِكَ حَسَنٌ لِمَنْ أَحْدَثَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا» وَلَا يَفْعَلُ ﷺ إلَّا الْأَفْضَلَ وَلَمَّا وَاظَبَ عَلَى هَذَا ثَبَتَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَفْضَلُ وَعِنْدَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ لَيْسَتْ بِمُجْزِيَةٍ عَنْ الْغُلَامِ وَدَلِيلُنَا عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ هَذَا ذَبْحٌ مُتَقَرَّبٌ بِهِ فَاسْتَوَى فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ ص. (مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت أَبِي يَسْتَحِبُّ الْعَقِيقَةَ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ) . (ش) : قَوْلُهُ يُسْتَحَبُّ الْعَقِيقَةُ وَلَوْ بِعُصْفُورٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَيْسَ يُرِيدُ أَنْ يُجْزِيَ الْعُصْفُورُ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ اسْتِحْبَابِ الْعَقِيقَةِ وَأَنْ لَا تُتْرَكَ وَإِنْ لَمْ تَعْظُمْ فِيهَا النَّفَقَةُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يَعُقُّ بِشَيْءٍ مِنْ الطَّيْرِ وَلَا الْوَحْشِ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعَقِيقَةَ نُسُكٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا يُعَقُّ إلَّا بِالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالضَّأْنُ أَفْضَلُهَا.

стр. 784

(ص) :. (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّهُ عَقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَعُقُّ عَنْ بَنِيهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِشَاةٍ شَاةٍ) . (ص) : (وَقَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي الْعَقِيقَةِ أَنَّهُ مَنْ عَقَّ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ عَنْ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَلَيْسَتْ الْعَقِيقَةُ بِوَاجِبَةٍ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْعَمَلُ بِهَا وَهِيَ مِنْ الْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَنَا فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ وَالضَّحَايَا لَا يَجُوزُ فِيهَا عَوْرَاءُ وَلَا عَجْفَاءُ وَلَا مَكْسُورَةُ الْقَرْنِ وَلَا مَرِيضَةٌ وَلَا يُبَاعُ مِنْ لَحْمِهَا شَيْءٌ وَلَا جِلْدِهَا وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا) . ــ [المنتقى] قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ ثُمَّ الْمَعْزُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يُعَقُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْإِبِلِ وَلَا الْبَقَرِ وَإِنَّمَا الْعَقِيقَةُ بِالضَّأْنِ وَالْمَاعِزِ وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا نُسُكٌ فَكَانَ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِيهِ مَدْخَلٌ كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِشَاةٍ شَاةٍ» وَأَفْعَالُهُ ﷺ عَلَى الْوُجُوبِ إمَّا فِي وُجُوبِ الْفِعْلِ وَإِمَّا فِي تَعَلُّقِهِ بِجِنْسِ الْعَيْنِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَالْمُسِنُّ الَّذِي يُجْزِي فِي الْعَقِيقَةِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْ أَجْنَاسِ الْأَنْعَامِ هُوَ الْمُسِنُّ الَّذِي يُجْزِي فِي الضَّحَايَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا فِي شَاةِ النُّسُكِ وَأَمَّا مَا يَكْثُرُ بِهِ الطَّعَامُ فَلَا يُرَاعَى فِيهِ جِنْسٌ وَلَا سِنٌّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: ذَبَحْت عَنْ وَلَدِي عَقِيقَةً فَذَبَحْت مِنْ اللَّيْلِ مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ إلَيْهِ إخْوَانِي وَغَيْرَهُمْ فَلَمَّا كَانَ ضُحًى ذَبَحْت شَاةَ الْعَقِيقَةِ فَأَهْدَيْت مِنْهَا لِلْجِيرَانِ وَأَكَلَ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ (ص) :. (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّهُ عَقَّ عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ» ) . (ش) : قَوْلُهُ عَقَّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ السُّنَّةُ الَّتِي يَلْزَمُ الْمَصِيرُ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ ﷺ مِنْ حَالِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ فَإِذَا أَقَرَّ عَلَيْهِ ثَبَتَ جَوَازُهُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَعُقُّ عَنْ بَنِيهِ الذُّكُورِ بِشَاةٍ شَاةٍ يَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي ذَلِكَ وَيَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِيهَا وَلَا يُضَحِّي عَنْ ابْنَيْنِ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا بِشَاتَيْنِ يُشْرِكُ بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ وَقَدْ رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ نُسُكٌ فَلَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ كَالْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ تَوْأَمَيْنِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَاةٍ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا يَعُقُّ عَنْهُمْ بِشَاةٍ شَاةٍ لِأَنَّهُ سُنَّةُ الْعَقِيقَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَوْلُهُ فَمَنْ عَقَّ عَنْ وَلَدِهِ فَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ النُّسُكِ مِنْ الضَّحَايَا لَا تُجْزِي فِيهَا عَوْرَاءُ وَلَا عَجْفَاءُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَهَا فِي سَلَامَتِهَا مِنْ الْعُيُوبِ حُكْمُ الضَّحَايَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ نُسُكٌ مُتَقَرَّبٌ بِهِ فَشُرِعَتْ فِيهِ السَّلَامَةُ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ كَالضَّحَايَا. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ وَجَدَهَا بَعْدَ أَنْ ذَبَحَهَا مَعِيبَةً عَيْبًا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: فَعِنْدِي أَنَّهُ يَلْزَمُ بَدَلُهَا مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهَا وَإِنْ فَاتَ وَقْتُهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُكْرَهُ وَحُكْمُ لَحْمِهَا حُكْمُ لَحْمِ أُضْحِيَّةٍ ذَبَحَهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا مَا يَمْنَعُ إجْزَاءَهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْ لَحْمِهَا وَلَا جِلْدِهَا لِأَنَّهُ بَعْدَ الذَّبْحِ لَا يَبْقَى فِيهَا مِنْ مَعْنَى الْمِلْكِ أَكْثَرُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَالتَّصَدُّقِ فَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ لَهُ بَعْدَ أَنْ نَسَكَ بِهَا أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْهَا فَلَا وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي تَفْرِيعِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَتُكْسَرُ عِظَامُهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّمَا قَالَهُ مَالِكٌ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا إذَا عَقُّوا عَنْ الْمَوْلُودِ لَمْ يَكْسِرُوا الْعِظَامَ وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَقِيقَةُ تُفْصَلُ مِنْ مَفْصِلٍ إلَى مَفْصِلٍ فَأَتَى الْإِسْلَامُ بِالرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ إنْ أَحَبَّ أَهْلُهَا يَصْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا وَافَقَهُمْ وَفِي الْجُمْلَةِ أَنَّ كَسْرَ عِظَامِهَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ تَحَرِّي الِامْتِنَاعِ مِنْهُ وَالْعَقِيقَةُ فِي ذَلِكَ كَسَائِرِ الذَّبَائِحِ وَرُبَّمَا كَانَ لَهَا مَزِيَّةُ الْمُخَالَفَةِ لِفِعْلِ.

стр. 785

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كِتَابُ الذَّبَائِحِ مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوْا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : سَمُّوا اللَّهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوا» قَالَ مَالِكٌ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ) . ــ [المنتقى] أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَيَأْكُلُ أَهْلُهَا مِنْ لَحْمِهَا وَيَتَصَدَّقُونَ مِنْهَا أَمَّا أَكْلُ النَّاسِكِ بِهَا مِنْ لَحْمِهَا فَلِأَنَّهَا ذَبِيحَةٌ مَشْرُوعَةٌ كَمُشْتَرَكِ الْأُضْحِيَّةِ وَكَذَلِكَ وَجْهُ التَّصَدُّقِ مِنْهَا. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ مِنْهَا وَالْإِطْعَامِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَصِفَةُ الْإِطْعَامِ مِنْهَا فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ الشَّأْنُ عِنْدَنَا دُعَاءَ النَّاسِ إلَى طَعَامِهَا وَلَكِنْ يَأْكُلُ أَهْلُ الْبَيْتِ وَالْجِيرَانُ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَغْرِفُ مِنْهُ الْجِيرَانُ قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ الرِّجَالَ فَإِنِّي أَكْرَهُ الْفَخْرَ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: عَقَقْت عَنْ وَلَدِي وَذَبَحْت مَا أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ إلَيْهِ إخْوَانِي وَغَيْرَهُمْ وَهَيَّأْت طَعَامَهُمْ ثُمَّ ذَبَحْت ضُحًى شَاةَ الْعَقِيقَةِ فَأَهْدَيْت مِنْهَا لِلْجِيرَانِ وَأَكَلَ مِنْهَا أَهْلُ الْبَيْتِ وَكَسَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ عِظَامِهَا فَطَبَخْت فَدَعَوْنَا إلَيْهَا الْجِيرَانَ فَأَكَلُوا وَأَكَلْنَا قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَذْبَحْ عَقِيقَةً ثُمَّ لِيَأْكُلَ وَلِيُطْعِمَ مِنْهَا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا عَلَّلَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِلْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ بِالْفَخْرِ وَمَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَنَّ سُنَّةَ الْعَقِيقَةِ أَنْ يُطْعِمَ مِنْهُ النَّاسَ فِي مَوَاضِعِهِمْ لِأَنَّهَا نُسُكٌ كَالْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْهَا شَيْءٌ وَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ مَنْ يَخُصُّهُ مِنْ جَارٍ أَوْ صَدِيقٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَالْأُضْحِيَّةِ وَأَمَّا طَعَامُ الصَّنِيعِ وَهُوَ الْأَعْذَارُ فَلَيْسَ مِنْ سُنَّةِ الضَّحَايَا وَلَا الْعَقِيقَةِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ أَدَاءِ سُنَّةِ الْعَقِيقَةِ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَقِيقَةِ فَلْيُجْرِهَا عَلَى سُنَّتِهَا قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ صَاحِبَ الْعَقِيقَةِ أَكَلَهَا لَمْ أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِسُنَّةِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] الْآيَةُ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَلَا يُمَسُّ الصَّبِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ دَمِهَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْضِبُونَ بَطْنَهُ يَوْمَ الْعَقِيقَةِ فَإِذَا حَلَقُوا الصَّبِيَّ وَضَعُوهَا عَلَى رَأْسِهِ فَوَرَدَ الشَّرْعُ أَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَ الدَّمِ خَلُوقًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلَّقَ بِالْخَلُوقِ رَأْسُ الصَّبِيِّ بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا بَأْسَ بِالْخَلُوقِ بَدَلًا مِنْ الدَّمِ الَّذِي كَانَتْ تَفْعَلُهُ الْجَاهِلِيَّةُ وَذَلِكَ مُبَاحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. [كِتَابُ الذَّبَائِحِ] [مَا جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نَاسًا يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوْا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا» وَإِقْرَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ هَذَا السُّؤَالَ وَمُجَاوَبَتُهُ إيَّاهُمْ بِمَا جَاوَبَهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّبْحِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلتَّسْمِيَةِ فِي ذَلِكَ حُكْمٌ لَقَالَ لَهُمْ وَمَا عَلَيْكُمْ مِنْ التَّسْمِيَةِ سَمَّوْا أَوْ لَمْ يُسَمَّوْا سَوَاءٌ كَمَا أَنَّ الْعَجْنَ وَالطَّبْخَ وَالزِّرَاعَةَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّسْمِيَةِ تَأْثِيرٌ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّؤَالِ عَمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ تَرَكَهُ وَجْهٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْثِيرِ التَّسْمِيَةِ فِي الذَّبِيحَةِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ التَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ لِمَنْ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ فَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا أُكِلَتْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ أَشْهَبُ: تُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ مُسْتَخِفًّا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْجَهْمِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ

стр. 786

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ أَمَرَ غُلَامًا لَهُ أَنْ يَذْبَحَ ذَبِيحَةً فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهَا قَالَ لَهُ: سَمِّ اللَّهَ فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ سَمَّيْت فَقَالَ لَهُ: سَمِّ اللَّهَ وَيْحَك فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَمَّيْت اللَّهَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ: وَاَللَّهُ لَا أَطْعَمُهَا أَبَدًا) . ــ [المنتقى] إنْ تَرَكَهَا عَامِدًا كُرِهَ أَكْلُ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ وَلَا تَحْرُمُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا لَمْ تُؤْكَلْ وَدَلِيلُنَا عَلَى وُجُوبِ التَّسْمِيَةِ وَأَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الذَّبِيحَةِ مَعَ الذِّكْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ مَعْنًى وَرَدَ الشَّرْعُ بِأَنَّهُ فِسْقٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ الْفُسُوقِ مِنْ قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَاَلَّذِي يُسْتَعْمَلُ مِنْ التَّسْمِيَةِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَطْ أَوْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ أَجْزَأَهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ تَسْمِيَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ مَا مَضَى عَلَيْهِ النَّاسُ أَفْضَلُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَإِنْ زَادَ ذَابِحُ أُضْحِيَّتِهِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّك السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَكُرِهَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ مِنْك وَإِلَيْك وَعَابَهُ وَشَدَّدَ الْكَرَاهِيَةَ فِيهِ وَقَالَ: لَا يُقَالُ ذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «سَمُّوا اللَّهَ تَعَالَى ثُمَّ كُلُوا» يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَ بِالتَّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ عَلَى ذَبْحٍ تَوَلَّاهُ غَيْرُهُمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِمْ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ فِيهِ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ سَمُّوا اللَّهَ أَنْتُمْ الْآنَ فَتَسْتَبِيحُونَ بِهِ أَكْلَ مَا لَمْ تَعْرِفُوا أَذُكِرَ اسْمِي عَلَيْهِ أَمْ لَا إذَا كَانَ الذَّابِحُ مِمَّنْ تَصِحُّ ذَبِيحَتُهُ إنْ سَمَّى اللَّهَ . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الذَّابِحِينَ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ مَا يَصِحُّ أَنْ لَا يَعْلَمُوا مِثْلَ هَذَا وَلَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إلَيْهِمْ شَرْعُ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ مِمَّنْ يَكْثُرُ مِنْهُمْ النِّسْيَانُ لِمِثْلِ هَذَا أَوْ الْغَفْلَةُ عَنْهُ لَمَّا لَمْ تَجْرِ لَهُمْ بِهِ عَادَةٌ وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ حَتَّى لَا يَكَادُ ذَابِحٌ يَتْرُكُ ذَلِكَ وَلَا نَجِدُ أَحَدًا إلَّا يَعْلَمْ أَنَّ التَّسْمِيَةَ مَشْرُوعَةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ. (ش) : قَوْلُهُ لِلْغُلَامِ سَمِّ اللَّهَ إذَا كَانَ لَمَّا خَافَ أَنْ يَغْفُلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَنْسَاهُ وَلَمْ يَقْنَعْ بِإِخْبَارِ الْغُلَامِ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ أَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمَّا لَمْ يُسْمِعْهُ الْغُلَامُ التَّسْمِيَةَ وَاقْتَصَرَ عَلَى إخْبَارِهِ بِذَلِكَ وَفَاتَ مَوْضِعُ التَّسْمِيَةِ بِإِكْمَالِ الذَّبْحِ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ الذَّبِيحَةَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ: لَا أَرَى ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ إذَا أُخْبِرَ الذَّابِحُ أَنَّهُ قَدْ سَمَّى وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُ ابْنِ عَيَّاشٍ عَلَى وَجْهِ التَّنَاهِي فِي الْوَرَعِ وَالْأَخْذِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِالْأَحْوَطِ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَبَاحَ لِغَيْرِهِ أَكْلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ أَعْطَاهَا مُحْتَاجًا إلَيْهَا وَأَمَّا أَنْ يَحْرُمَ أَكْلُهَا فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ إطْرَاحُهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إضَاعَةً لِلْمَالِ وَإِفْسَادًا لِلطَّعَامِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ فِي كِتَابِهِ قَالَ مَالِكٌ: وَحَسِبْت أَنَّهُ اتَّهَمَ الْغُلَامَ حِينَ لَمْ يُسْمِعْهُ التَّسْمِيَةَ قَالَ مَالِكٌ: فَمَنْ وَرَعَ كَمَا وَرَعَ ابْنُ عَيَّاشٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِنَّمَا الرُّخْصَةُ فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ مِثْلُ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ: إنَّ نَاسًا يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوْا اللَّهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا» وَهَذَا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ خِلَافٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَوْ لَا لِأَنَّ مَنْ اتَّهَمَ غَيْرَهُ بِتَعَمُّدِ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ وَكَانَ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَرْضَى بِذَلِكَ وَيَقْصِدُهُ مَعَ الْأَذْكَارِ لَهُ بِهِ فَإِنَّ الْأَحْوَطَ إطْرَاحُ ذَبِيحَتِهِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ أَكْلِهَا وَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 787

مَا يَجُوزُ مِنْ الذَّكَاةِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً لَهُ بِأُحُدٍ فَأَصَابَهَا الْمَوْتُ فَذَكَّاهَا بِشَظَاظٍ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ فَكُلُوهَا» ) ــ [المنتقى] [مَا يَجُوزُ مِنْ الذَّكَاةِ عَلَى حَالِ الضَّرُورَةِ] [وَفِي الذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي صِفَةِ الْمُذَكِّي] (ش) : قَوْلُهُ فَأَصَابَ الْمَوْتُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَصَابَهَا مِنْ الْمَرَضِ مَا تَيَقَّنَ أَنَّ الْمَوْتَ مُتَّصِلٌ بِهِ فَذَكَّاهَا بِشَظَاظٍ وَهِيَ فِلْقَةُ عُودٍ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُحَدَّدًا عَلَى صِفَةِ سِنَانِ الرُّمْحِ أَوْ السِّكِّينِ الَّذِي يُمْكِنُ الطَّعْنُ بِمِثْلِهِ فَيَفْرِي بِحِدَّتِهِ وَفِي الذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا فِي صِفَةِ الْمُذَكِّي وَالثَّانِي فِي صِفَةِ مَا يُذَكَّى بِهِ وَالثَّالِثُ فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ وَالرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ. (فَأَمَّا الْبَابُ الْأَوَّلُ) فِي صِفَةِ الْمُذَكِّي فَسَيَرِدُ بَعْدَ هَذَا مُسْتَوْعَبًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَيَّاشٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ مَا يُذَكَّى بِهِ) أَمَّا مَا يُذَكَّى بِهِ فَإِنَّهُ كُلُّ مُحَدَّدٍ يُمْكِنُ بِهِ إنْفَاذُ الْمَقَاتِلِ وَإِنْهَارُ الدَّمِ بِالطَّعْنِ فِي لَبَّةِ مَا يُنْحَرُ وَالْفَرْيُ فِي أَوْدَاجِ مَا يُذْبَحُ مِمَّا لَا يَخْتَصُّ بِطَائِفَةٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي قَتْلِ الْحَيَوَانِ بِهِ لِأَكْلٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: وَقَدْ أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الذَّكَاةَ بِالْحِجَارَةِ وَالشَّظَاظِ وَقَالَ: يُرِيدُ الْمَرْوَةَ وَشُقَّةَ الْعَصَا وَالْقَصَبَ وَكُلَّ مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ إلَّا السِّنَّ وَالظُّفْرَ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مِمَّا يُذَكَّى بِهِ الضِّرَارُ جَمْعُ ضَرَرٍ وَهِيَ فِلْقَةُ الْحَجَرِ وَاللِّيطَةُ وَهِيَ فِلْقَةُ الْقَصَبِ وَالشَّطِيرُ فِلْقَةُ الْعَصَا وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ إنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ فَخَّارٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ قَرْنٍ أَوْ شَيْءٍ يَفْرِي فَإِنَّهُ جَائِزٌ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ بِفِلْقَةِ الْعَظْمِ ذَكِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَكِيٍّ إذَا بَضَعَ اللَّحْمَ وَأَنْهَرَ الدَّمَ فَحَصَلَ الْخِلَافُ بَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَبَيْنَ مَا أَوْرَدْنَاهُ بَعْدَ هَذَا فِي الذَّكَاةِ بِالْعَظْمِ وَالظُّفْرِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: إنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الذَّكَاةُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ وَرَأَيْت لِبَعْضِ شُيُوخِنَا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَمُبَاحٌ بِالْعَظْمِ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّ السِّنَّ إذَا كَانَ عَرِيضًا مُحَدَّدًا وَالظُّفْرَ كَذَلِكَ حَتَّى يُمْكِنَ قَطْعُ الْحُلْقُومِ بِهِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ تَصِحُّ الذَّكَاةُ بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِظَامِ مُتَّصِلَةً أَوْ مُنْفَصِلَةً سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِذَلِكَ مِثْلُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ لَمْ تَصِحَّ الذَّكَاةُ بِهِمَا وَإِنْ كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ صَحَّتْ الذَّكَاةُ بِهِمَا وَالرِّوَايَةُ الَّتِي نَسَبَهَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ لِابْنِ حَبِيبٍ فِي وَاضِحَتِهِ قَالَ: وَإِذَا كَانَ السِّنُّ وَالظُّفْرُ مَنْزُوعَيْنِ وَعَظُمَا حَتَّى يُمْكِنَ الذَّبْحُ بِهِمَا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. فَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ وَسَأُخْبِرُك عَنْهُ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ وَرَدَ بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الذَّابِحِ وَاعْتِبَارِ صِفَةِ الْآلَةِ ثُمَّ ثَبَتَ وَتَقَرَّرَ أَنَّ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ صِفَةِ الذَّابِحِ يَمْنَعُ صِحَّةَ الذَّبْحِ فَكَذَلِكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ صِفَةِ الْآلَةِ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ هَذَا مَعْنًى وَرَدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِ صِفَتِهِ فِي الذَّبْحِ فَلَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَصْلُهُ الذَّابِحُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْإِبَاحَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَالذَّكَاةُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ هَذَا الَّذِي ذَبَحَ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ فَوَجَبَ أَنْ تُؤْكَلَ ذَبِيحَتُهُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إنَّ هَذَا مَعْنًى يَفْرِي الْأَوْدَاجَ فَجَازَ الذَّبْحُ بِهِ كَالْحَدِيدِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ الْمُتَّصِلَيْنِ وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَالثَّانِي أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الظُّفْرِ وَالسِّنِّ

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] الصَّغِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَصِحُّ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ بِهِمَا فَعَلَى هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِسِنٍّ وَلَا ظُفْرٍ مُتَّصِلٍ وَلَا مُنْفَصِلٍ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي حَكَاهَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّهُ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِمَا مُنْفَصِلَيْنِ وَمُتَّصِلَيْنِ وَهَذَا الظَّاهِرُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ وَالرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِمَا مُنْفَصِلَيْنِ وَلَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِمَا مُتَّصِلَيْنِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّهَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَرَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا الْحَسَنِ قَدْ شَرَطَ فِي صِفَةِ مَا يُذَكَّى بِهِ أَنْ يَفْرِيَ الْأَوْدَاجَ وَالْحُلْقُومَ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ لَا يَفْرِي الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَ إلَّا فِي دَفَعَاتٍ فَلَا تَجُوزُ الذَّكَاةُ بِهِ قَالَ: وَلَوْ وُجِدَ هَذَا مِنْ السِّكِّينِ لَمَنَعْنَا مِنْهُ وَرَأَيْت ابْنَ حَبِيبٍ قَدْ قَالَ فِي الْمِنْجَلِ الْمُضَرَّسِ: لَا خَيْرَ فِي الذَّكَاةِ بِهِ لِأَنَّهُ يَبْرُدُ وَلَا أَخَالُهُ يَقْطَعُ كَمَا تَقْطَعُ الشَّفْرَةُ إذَا رَعَدَتْ بِهِ الْيَدُ لِلْإِجْهَازِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَوْلُهُ وَلَا مُرَدَّدٍ يَعْنِي أَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ ثُمَّ يَرُدَّهَا وَلَكِنْ يُجْهِزُ أَوَّلَ مَا يَضَعُ يَدَهُ وَلَعَلَّ الْقَاضِيَ أَبَا الْحَسَنِ قَدْ أَرَادَ هَذَا فَأَمَّا تَرْدِيدُ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ فَلَا بُدَّ لِلذَّابِحِ مِنْهُ فِي الْأَغْلَبِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ) قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِهِ: السُّنَّةُ أَخْذُ الشَّاةِ بِرِفْقٍ وَتُضْجَعُ عَلَى شِقِّهَا الْأَيْسَرِ وَرَأْسُهَا مُشَرِّقٌ وَتَأْخُذُ بِيَدِك الْيُسْرَى جِلْدَةَ حَلْقِهَا مِنْ اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ بِالصُّوفِ فَتَمُدُّهُ حَتَّى تَتَبَيَّنَ الْبَشَرَةُ وَمَوْضِعُ السِّكِّينِ فِي الْمَذْبَحِ حَيْثُ تَكُونَ الْجَوْزَةُ ثُمَّ تُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَتَمُدُّ السِّكِّينَ مَدًّا مُجْهِزًا مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ ثُمَّ تَرْفَعُ وَلَا تَنْخَعُ وَلَا تُرَدِّدْ وَقَدْ حَدَدْت شَفْرَتَك قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا تَضْرِبْ بِهَا الْأَرْضَ وَلَا تَجْعَلْ رِجْلَك عَلَى عُنُقِهَا وَلَا تَجُرَّهَا بِرِجْلِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الرِّفْقَ بِهَا مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ لِمَا رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» . (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ تَرَكَ التَّوْجِيهَ إلَى الْقِبْلَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَأْكُلُ مِنْهَا وَبِئْسَ مَا صَنَعَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ تَرَكَ ذَلِكَ عَامِدًا لَمْ تُؤْكَلْ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ تَرَكَ صِفَةً مَنْدُوبًا إلَيْهَا مِنْ صِفَةِ الذَّبْحِ وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَ الذَّبِيحَةِ كَمَا لَوْ ذَبَحَهَا بِيُسْرَاهُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ قَدْ تَرَكَ مَا سُنَّ فِي الذَّكَاةِ مِنْ الْقُرْبَةِ عَامِدًا فَأَشْبَهَ تَرْكَ تَعَمُّدِ التَّسْمِيَةِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ يَقْتَضِي الْعَمْدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَفَعَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُجْهِزَ عَلَى ذَبِيحَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَأَجْهَزَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ رَجَعَ فِي فَوْرِ الذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ يَذْهَبَ وَيَذْبَحَ الذَّبِيحَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ تَبَاعَدَ وَلَمْ تُؤْكَلْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ رَجَعَ مَكَانَهُ وَتَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ سَحْنُونٍ إنْ رَفَعَ يَدَهُ كَالْمُخْتَبِرِ أَوْ لِيَرْجِعَ فَيُتِمَّ الذَّكَاةَ ثُمَّ رَجَعَ فِي فَوْرِهِ فَأَتَمَّهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ رَفَعَ يَدَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ الذَّكَاةَ ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَمَّهَا لَمْ تُؤْكَلْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقُلْت لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَإِذَا رَفَعَ يَدَهُ لِيَخْتَبِرَ لَمْ تُؤْكَلْ وَإِذَا رَفَعَ يَدَهُ عَلَى أَنَّهُ أَتَمَّ الذَّكَاةَ أُكِلَتْ وَصَوَّبَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ] ١ (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ) الْحَيَوَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِالنَّحْرِ وَضَرْبٌ يَخْتَصُّ بِالذَّبْحِ وَضَرْبٌ يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ، فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالنَّحْرِ فَالْإِبِلُ خَاصَّةً عَلَى أَنْوَاعِهَا بُخْتُهَا وَعِرَابُهَا وَنُجُبُهَا وَمَحِلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ذِكْرَ مُرَاعَاةِ مَعْنًى فِي النَّحْرِ أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالذَّبْحِ فَهُوَ جَمِيعُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى غَيْرَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ فَهُوَ الْبَقَرُ عَلَى أَنْوَاعِهَا مِنْ الْجَوَامِيسِ وَحُكْمُ الْخَيْلِ حُكْمُ الْبَقَرِ فِي الذَّكَاةِ لِمَنْ اسْتَبَاحَ أَكْلَهَا. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ: وَقَدْ

стр. 789

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] قِيلَ إنَّ عُنُقَ الْبَقَرَةِ لَمَّا كَانَ فَوْقَ عُنُقِ الشَّاةِ وَدُونَ عُنُقِ الْبَعِيرِ جَازَ فِيهَا الْأَمْرَانِ جَمِيعًا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ لِقُرْبِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْرُ فِيهِ أَخَفُّ وَلَمْ يَجُزْ الذَّبْحُ فِي الْبَعِيرِ لِبُعْدِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ زَادَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ تَعْذِيبُهُ وَزِيَادَةٌ فِي أَلَمِهِ وَالنَّحْرُ فِيهِ أَخَفُّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْفِيلِ إذَا نُحِرَ: لَا بَأْسَ بِالِانْتِفَاعِ بِعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ فَخَصَّهُ بِالنَّحْرِ مَعَ قِصَرِ عُنُقِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ لَا عُنُقَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ لِغِلَظِ مَوْضِعِ حَلْقِهِ وَاتِّصَالِهِ بِجِسْمِهِ أَنْ يُذْبَحَ وَكَانَ لَهُ مَنْحَرٌ فَكَانَتْ ذَكَاتُهُ فِيهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَكَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ النَّحْرُ فِي الشَّاةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ النَّحْرِ فِيهَا إذْ لَا لَبَّةَ لَهَا زَادَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَلِقُرْبِ مَوْضِعِ النَّحْرِ مِنْ خَاصِرَتِهَا فَلَا يُمْكِنُ مِنْ نَحْرِهَا إلَّا بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهَا فَيَكُونُ كَالطَّعْنِ فِي جَوْفِهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالذَّبْحُ عِنْدَ مَالِكٍ أَفْضَلُ فِي الْبَقَرِ وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ: مَنْ نَحَرَ الْبَقَرَ فَبِئْسَ مَا صَنَعَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَأَمَرَ بِالذَّبْحِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ بِالذَّبْحِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ النَّدْبُ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ شَرِيعَةَ مَنْ قَبْلَنَا شَرِيعَةٌ لَنَا إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ النَّسْخُ فِي الْقَضِيَّةِ نَفْسِهَا وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نُحِرَتْ تُؤْكَلُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَيْنِ يَتَهَيَّآنِ فِيهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الذَّبْحَ فِي الْحَلْقِ وَهُوَ مَا دُونَ الْجَوْزَةِ تَكُونُ الْجَوْزَةُ إلَى الرَّأْسِ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ: إنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُ الْحُلْقُومَ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ الْجِلْدَةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِلَحْيِ الذَّبِيحَةِ. (فَرْعٌ) فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَ الْجَوْزَةَ إلَى الْجَسَدِ فَاَلَّذِي حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَكَذَلِكَ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَالْعُتْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا ابْنُ وَهْبٍ فَرَوَى عَنْهُ الْعُتْبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبِي مُصْعَبٍ وَمُوسَى بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: لَمْ يُحْفَظْ لِمَالِكٍ فِيهَا شَيْءٌ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا إلَّا فِي أَيَّامِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَنَزَلَتْ بِهِ، وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مَا احْتَجَّ بِهِ شُيُوخُنَا وَابْنُ حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الذَّابِحَ فَوْقَ الْجَوْزَةِ لَا يَذْبَحُ فِي الْحُلْقُومِ وَهُوَ مَحَلٌّ لِلذَّكَاةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ هَذَا ذَبْحٌ مِنْ الْحَلْقِ فِي مَوْضِعٍ تَتَعَجَّلُ بِهِ الذَّكَاةُ وَيَسْهُلُ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَصَحَّتْ فِيهِ الذَّكَاةُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْجَوْزَةُ فِي حَيِّزِ الرَّأْسِ. (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِرِوَايَةِ الْمَنْعِ فَإِنْ صَارَ بَعْضُ الْجَوْزَةِ وَهِيَ الْغَلْصَمَةُ فِي الْجَسَدِ وَبَعْضُهَا فِي الرَّأْسِ فَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنَّ قِيَاسَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ إنْ بَقِيَ فِي الرَّأْسِ مِنْهَا قَدْرُ حَلْقَةِ الْخَاتَمِ أَنَّهَا تُؤْكَلُ إلَّا أَنْ يَبْقَى فِي الرَّأْسِ مِنْهَا مَا لَا يَسْتَدِيرُ فَلَا تُؤْكَلُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الذَّكَاةَ عَلَى حَالَيْنِ: حَالِ اخْتِيَارٍ وَحَالِ ضَرُورَةٍ، فَأَمَّا حَالُ الِاخْتِيَارِ فَمَحِلُّ النَّحْرِ اللَّبَّةُ وَمَحِلُّ الذَّبْحِ الْوَدَجَانِ وَالْحُلْقُومُ فَمَنْ نَقَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ مَحَلِّهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا هُوَ مَحَلٌّ لِلذَّكَاةِ فِي غَيْرِهِ مِثْلَ أَنْ يَنْحَرَ مَا يَجِبُ ذَبْحُهُ أَوْ يَذْبَحَ مَا يَجِبُ نَحْرُهُ أَوْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا لَيْسَ بِمَحِلٍّ لِلذَّكَاةِ فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى مَا هُوَ مَحَلٌّ لِلذَّكَاةِ فِي غَيْرِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا تُؤْكَلُ سَاهِيًا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ عَامِدًا وَقَالَ أَشْهَبُ: تُؤْكَلُ، وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِالذَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ، أَصْلُ ذَلِكَ إذَا طَعَنَ فِي خَاصِرَتِهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ إذَا ذَبَحَ الْبَعِيرَ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَقَدْ صَارَتْ ذَبِيحَتُهُ لَهُ ضَرُورَةً وَذَهَبَ مَوْضِعُ الْحَرَجِ فَيَجُوزُ أَكْلُهُ وَلَا يُطْرَحُ وَكَذَلِكَ الشَّاةُ إذَا نُحِرَتْ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: إنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ الْمَنْعِ عَلَى وَجْهَيْنِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ كَرَاهِيَةً وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ تَحَرِّيًا وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَزَادَ فِي ذَلِكَ ابْنُ بُكَيْر وَجْهًا ثَالِثًا وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: يُؤْكَلُ

стр. 790

[الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ مَا يُذَكَّى بِهِ] ــ [المنتقى] الْبَعِيرُ إذَا ذُبِحَ وَلَا تُؤْكَلُ الشَّاةُ إذَا نُحِرَتْ قَالَ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَعِيرَ لَهُ مَوْضِعُ ذَبْحٍ وَمَوْضِعُ نَحْرٍ وَإِنَّمَا عُدِلَ إلَى النَّحْرِ لَمَّا كَانَ أَقَلَّ لِتَعْذِيبِهِ لِأَنَّ مَوْضِعَ لَبَّتِهَا يَقْرَبُ مِنْ خَاصِرَتِهَا فَيَكُونُ كَالطَّاعِنِ لَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ نَقَلَ الذَّكَاةَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّ الذَّكَاةِ بِوَجْهٍ مِثْلُ أَنْ يَذْبَحَ فِي الْعُنُقِ وَالْقَفَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ ذَبَحَ فِي الْقَفَا أَوْ فِي الصَّفْحَةِ الْوَاحِدَةِ لَا أَرَى أَنْ تُؤْكَلَ لِأَنَّهُ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ ذَبَحَ فِي الْقَفَا وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُؤْكَلُ مَا ذُبِحَ فِي الْقَفَا وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَ فِي الْحُلْقُومِ فَأَخْطَأَ فَانْحَرَفَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَجْهُ الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِ مَا ذُبِحَ فِي الْقَفَا أَنَّ الذَّكَاةَ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَا يُنْفَذُ مِنْ مَقَاتِلِهَا قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ وَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ مَوْتِ الذَّبِيحَةِ وَمَنْ ذَبَحَ فِي الْقَفَا فَقَدْ بَدَأَ بِقَطْعِ الْعُنُقِ وَفِيهِ النُّخَاعُ وَهُوَ مِنْ الْمَقَاتِلِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مَوْتِ الذَّبِيحَةِ دُونَ فَرْيِ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَشْهَبَ فِي أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ فَانْحَرَفَ فَإِنَّ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ فَإِنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى تَفْصِيلٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ اسْتَوْعَبَ قَطْعَ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومِ قَبْلَ قَطْعِ النُّخَاعِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُبِيحٌ لِلذَّبِيحَةِ لِأَنَّهُ أَتَى بِشُرُوطِ الذَّكَاةِ فَلَا يَضُرُّهُ مَا زَادَ مِنْ شَقِّ الْجِلْدِ بِانْحِرَافِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَوْعِبْ ذَلِكَ جُمْلَةً أَوْ اسْتَوْعَبَهُ بَعْدَ قَطْعِ النُّخَاعِ بِقَطْعِ الْعُنُقِ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ عِنْدِي لَا تَصِحُّ وَهُوَ عِنْدِي مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ ذَبَحَ فِي الصَّفْحَةِ الْوَاحِدَةِ لَمْ تُؤْكَلْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا حَالَ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرُورَةٌ تَمْنَعُ مِنْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ كَالْبَعِيرِ يَشْرُدُ فَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلَّا بِرَمْيِهِ أَوْ طَعْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا قُتِلَ بِذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ: إنَّ هَذِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَا تُؤْكَلُ إلَّا بِالذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ كَالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا حُكْمُ الْغَنَمِ وَالدَّجَاجِ إذْ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي التَّوَحُّشِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ وَأَمَّا الْبَقَرُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: عِنْدِي أَنَّ لَهَا أَصْلًا مِنْ بَقَرِ الْوَحْشِ فَإِذَا اسْتَوْحَشَتْ حَلَّتْ عِنْدِي بِالصَّيْدِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ بَقَرَ الْوَحْشِ لَيْسَتْ بِأَصْلِ الْبَقَرِ الْإِنْسِيَّةِ وَلَا تُشْبِهُهَا فِي خَلْقٍ وَلَا صُورَةٍ وَإِنَّمَا يَتَّفِقَانِ فِي الِاسْمِ كَمَا أَنَّ حُمُرَ الْوَحْشِ لَيْسَتْ بِأَصْلٍ لِلْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَلَا الْمَاعِزَ الْبَرِّيَّ أَصْلًا لِلْغَنَمِ الْإِنْسِيَّةِ وَلِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمِ الْمُحَرَّمِ، وَمَا أَصْلُهُ التَّوَحُّشُ مِنْ الظِّبَاءِ وَالْأَرَانِبِ وَالْأَيَايِيلِ وَحُمُرِ الْوَحْشِ تَتَأَنَّسُ ثُمَّ تَسْتَوْحِشُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ بِالصَّيْدِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْهَوَامِّ وَالْيَعَاقِيبِ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَكَذَلِكَ حَمَامُ الْبُيُوتِ وَالْبِرَكِ وَالْإِوَزُّ الْإِنْسِيَّةُ إذَا اسْتَوْحَشَتْ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُذْبَحَ الْحَمَامُ الرُّومِيُّ الْمُتَّخَذُ لِلْفِرَاخِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُذْبَحَ الْإِوَزُّ وَالدَّجَاجُ: قَالَ: وَلَيْسَ أَصْلُ الْإِوَزِّ وَالدَّجَاجِ مِمَّا يَطِيرُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْإِوَزِّ لَهُ أَصْلٌ وَحْشِيٌّ كَالْحَمَامِ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي بَلَدِهِ أَصْلٌ مُسْتَوْحِشٌ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِذَلِكَ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَا كَانَ أَصْلُهُ التَّأْنِيسَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَخْذَهُ إلَّا بِالْعَقْرِ فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَخْذَهَا إلَّا بِالْعَقْرِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ الْعَقْرُ مِنْهَا الْمَقَاتِلَ مِثْلُ الْعَرْقَبَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَهِيَ مَأْمُونَةٌ ثُمَّ تُذْبَحُ قَالَ: فَهَذَا الَّذِي أَخَذَ بِهِ وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَطْلُبُ الْبَقَرَةَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَّا بِأَنْ يُعَرْقِبَهَا ثُمَّ يَذْبَحَهَا فَقَالَ: لَا آكُلُهَا وَلَا أُحَرِّمُهَا وَفِي سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهَا وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْخِلَافَ بَيْنَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَالِكٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ الْعَقْرِ لَا يَجُوزُ إلَّا فِيمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْمُحَاوَلَةِ لِذَلِكَ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَالْغَازِي فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ رُبَّمَا سَارَعَ إلَى ذَلِكَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ أَوْ قَبْلَ الْمُحَاوَلَةِ لَهُ وَقَدْ يَبْلُغُ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ غَالِبًا كَقَطْعِ الْفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الصَّيْدِ يُرْمَى بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ ثُمَّ يُذْبَحُ فَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: لَا يَأْكُلُهُ لَعَلَّ السَّهْمَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَخَافُ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ فَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ

стр. 791

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعِيدٍ أَوْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ «أَنَّ جَارِيَةً ــ [المنتقى] الْمُؤَوَّلِ فِي مَسْأَلَتِنَا لَا نَدْرِي لَعَلَّ عَرْقَبَتَهُ أَثَّرَتْ فِي قَتْلِهِ قَبْلَ فَرْيِ أَوْدَاجِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الصَّيْدُ لِأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي الصَّيْدِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّرْدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْإِنْسَانِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِعْلُ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِمَّا يَحْسِبُهُ وَلَا يَسْرُعُ بِإِفَاضَةِ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي رَمَى بَعِيرًا نَدَّ فَحَبَسَهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَقَالَ ﷺ : إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا نَدَّ مِنْهَا فَافْعَلُوا بِهِ كَذَا» . وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا تَوَحَّشَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَلَا يُدْرَكُ إلَّا بِالنَّبْلِ أَوْ الْمَزَارِيقِ وَالرِّمَاحِ لَا يُؤْكَلُ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: فَإِنْ كَانَ الرَّمْيُ بِالنَّبْلِ وَالطَّعْنِ بِالرِّمَاحِ أَثَّرَ فِيهَا مِثْلَ الْعَرْقَبَةِ فَهُوَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ لَا تُؤْكَلُ بِمَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ وَإِنْ كَانَ بَلَغَ بِذَلِكَ إنْفَاذَ مَقَاتِلِهَا فَقَوْلُهُ لَا تُؤْكَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الضَّرُورَةُ الَّتِي تَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَى مَوْضِعِ الذَّكَاةِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَمْنَعَ الْوُصُولَ إلَى مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا وَلَا تَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَى مَوْضِعِ نَحْرِهَا وَالْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ تَمْنَعَ الْوُصُولَ إلَى مَوْضِعِ ذَكَاةٍ جُمْلَةً فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَمِثْلُ أَنْ تَمْنَعَ الْوُصُولَ إلَى مَنْحَرِ الْبَعِيرِ وَلَا تَمْنَعُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى مَذْبَحِهِ أَوْ تَمْنَعَ الْوُصُولَ إلَى مَذْبَحِ الشَّاةِ وَلَا تَمْنَعُ الْوُصُولَ إلَى مَنْحَرِهَا فَهَذَا قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: إنَّ الشَّاةَ تُؤْكَلُ حِينَئِذٍ بِالنَّحْرِ وَالْبَعِيرُ يُؤْكَلُ بِالذَّبْحِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ ذَكَاةٌ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصِلَ إلَى مَوْضِعِ ذَكَاةٍ بِجُمْلَةٍ وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى طَعْنٍ فِي جَنْبِهَا أَوْ فَخِذِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْحَرٍ وَلَا مَذْبَحٍ فَإِنَّهَا لَا تُؤْكَلُ قَالَهُ مَالِكٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَمْ يَسْتَبِحْ أَكْلَهُ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ كَالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ. (فَرْعٌ) وَكُلُّ دَابَّةٍ إمَّا لَحْمٌ وَدَمٌ سَائِلٌ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحِرْبَاءِ وَالْعَظَاءَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَإِنَّ مَنْ احْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا لِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَذَكَاتُهَا فِي الْحَلْقِ كَسَائِرِ الذَّبَائِحِ وَكَالصَّيْدِ بِالرَّمْيِ وَالسَّهْمِ وَالطَّعْنِ بِالرُّمْحِ وَشِبْهِ ذَلِكَ إنْ صِيدَتْ مَعَ التَّسْمِيَةِ فِي التَّذْكِيَةِ وَالتَّصَيُّدِ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَإِنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ إلَّا بِالذَّبْحِ أَوْ بِالنَّحْرِ كَالْأَنْعَامِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالْجَرَادِ وَالْحَلَزُونِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْقَرْنَبَا وَالزُّنْبُورِ وَالْيَعْسُوبِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالسُّوسِ وَالْحِلْمِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالتَّدَاوِي بِهِ لِمَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِذَكَاةٍ وَاَلَّذِي يُجْزِي مِنْ الذَّكَاةِ فِي الْجَرَادِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا مَا لَا تَعِيشُ مَعَهُ وَيَتَعَجَّلُ مَوْتَهَا بِهِ كَقَطْعِ رُءُوسِهَا وَأَرْجُلِهَا مِنْ أَفْخَاذِهَا أَوْ إلْقَائِهَا فِي مَاءٍ حَارٍّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي الْجَرَادِ وَالْحَلَزُونِ أَوْ تُبْقَرُ بِالشَّوْكِ وَالْإِبَرِ حَتَّى تَمُوتَ أَوْ يُلْقَى الْجَرَادُ أَوْ يُشْوَى فَأَمَّا قَطْعُ أَجْنِحَتِهَا أَوْ أَرْجُلِهَا فَقَطْ فَقَالَ مَالِكٌ: تُؤْكَلُ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ أُلْقِيَتْ فِي مَاءٍ بَارِدٍ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: لَا تُؤْكَلُ وَإِنْ أُلْقِيَتْ فِي مَاءٍ حَارٍّ أُكِلَتْ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تُؤْكَلُ فِي الْوَجْهَيْنِ فَقَوْلُ مَالِكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا صُنِعَ مِمَّا لَا تَعِيشُ مَعَهُ أَنَّهُ ذَكَاةٌ فِيهَا وَقَوْلُ أَشْهَبَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ بِمَا يُتَعَجَّلُ بِهِ مَوْتُهَا وَمَا يُتَأَخَّرُ بِهِ مَوْتُهَا وَتُعَذَّبُ بِهِ فَلَيْسَ بِذَكَاةٍ لَهَا وَأَمَّا أَخْذُهُ فَهَلْ يَكُونُ ذَكَاةً أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ ذَكَاةً لَهُ خِلَافًا لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ فَلَمْ يَكُنْ مُجَرَّدُ أَخْذِهِ ذَكَاةً أَصْلُهُ الطَّيْرُ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَحُكْمُ الْحَلَزُونِ حُكْمُ الْجَرَادِ قَالَ مَالِكٌ: ذَكَاتُهُ بِالسَّلْقِ أَوْ يُغْرَزُ بِالشَّوْكِ وَالْإِبَرِ حَتَّى يَمُوتَ مِنْ ذَلِكَ وَيُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ كَمَا يُسَمَّى عِنْدَ قَطْفِ رُءُوسِ الْجَرَادِ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: الْعَقْرَبُ وَالْخُنْفُسَاءُ مَنْ احْتَاجَ إلَى التَّدَاوِي بِشَيْءٍ مِنْهَا فَلْيَقْطِفْ رُءُوسِهَا ثُمَّ يَتَدَاوَى بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 792

لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا فَكُلُوهَا» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُ الْعَرَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي الْمَمْلُوكَةِ وَلِذَلِكَ أَضَافَهَا إلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ إضَافَةً ظَاهِرُهَا الْمِلْكُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ تَرْعَى غَنَمًا لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ بِسَلْعِ جَبَلٍ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ بِهَا ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَّتْهَا الْجَارِيَةُ بِحَجَرٍ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ: أَحَدُهُمَا: صِفَةُ مَا يُذَكَّى بِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الذَّابِحِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الذَّكَاةِ وَهُوَ الدِّينُ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الرِّقُّ فَلَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ فِي الذَّكَاةِ فَتَجُوزُ ذَكَاةُ الْعَبْدِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَأَمَّا الصَّغِيرُ وَالْأُنْثَى فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: تُكْرَهُ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تَجُوزُ ذَكَاةُ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا بَأْسَ بِذَكَاةِ الصَّبِيِّ إذَا أَطَاقَ الذَّبْحَ وَرُوِيَ أَكْثَرُهُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَخْتُونًا كَانَ الصَّبِيُّ أَوْ غَيْرَ مَخْتُونٍ وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُعْتَبَرُ فِيهِ الدِّينُ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْأُنُوثَةُ وَالذُّكُورَةُ وَالْبُلُوغُ وَالْأَمَانَةُ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مَعْنًى لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّقُّ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْأُنُوثَةُ كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالطَّبْخِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِكَرَاهِيَةِ ذَبِيحَةِ الْمَرْأَةِ فَهَلْ تُكْرَهُ ذَبِيحَةُ الْخَصِيِّ؟ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهِيَتَهُ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ: لَا أُحِبُّ ذَبِيحَةَ الْخَصِيِّ فَإِنْ فَعَلَ أُكِلَتْ وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ نَحْوُ الْأُنُوثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَلَا تَجُوزُ ذَبِيحَةُ السَّكْرَانِ وَلَا الْمَجْنُونِ إذَا لَمْ يَعْقِلَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ زَادَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ: وَلَا ذَبِيحَةَ أَعْجَمِيٍّ لَا يَعْرِفُ الصَّلَاةَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ النِّيَابَةُ فِي الذَّكَاةِ وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي صِحَّتِهَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. (فَرْعٌ) وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمُرْتَدِّ وَإِنْ ارْتَدَّ إلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ: وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ مَنْ يَدَّعِ الصَّلَاةَ وَلَا ذَبِيحَةُ مَنْ يُضَيِّعُهَا وَيُعْرَفُ بِالتَّهَاوُنِ بِهَا وَنَحَا بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ ارْتِدَادٌ قَالَ: وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَنْ كَاشَفْتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عَنْهُ فِي جَمِيعِهِ. (ش) : قَوْلُهُ فِي ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ لَا بَأْسَ بِهَا أَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ مَجْرَى نَصَارَى الْعَجَمِ فَإِنَّ ذَبَائِحَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مُبَاحَةٌ لَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فَاعْلَمْ أَنَّ ذَبَائِحَ نَصَارَى الْعَرَبِ مُبَاحَةٌ أَيْضًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ ﷺ بِقَوْلِهِ ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] إمَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ أَوْ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً فِي الْعَجَمِ وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ عُمُومَهَا فَأَظْهَرَ التَّعَلُّقَ بِمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْعَرَبِ أَوْ فِيمَنْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَكَانُوا عَرَبًا وَمُقْتَضَى الْآيَةِ أَنَّهُ مَنْ يَتَوَلَّى أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ مِنْ الْعَجَمِ فَحَكَمَ تَعَالَى بِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَتْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَجَمِ مُبَاحَةً فَكَذَلِكَ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْأَنْسَابَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْأَدْيَانُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ دِينُهُ النَّصْرَانِيَّةُ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ الْمَيْتَةَ فَلَا تَأْكُلُ مِنْ ذَبِيحَتِهِ إلَّا مَا شَاهَدْت ذَبْحَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَبَاحُ مِنْ ذَبِيحَتِهِ مَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْمُسْلِمُ أَصَحُّ ذَبِيحَةً وَهَذَا حُكْمُهُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ رُبَّمَا قَتَلَ الْحَيَوَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُبِيحُ أَكْلَهُ وَجَبَ الِامْتِنَاعُ

стр. 793

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مِنْ أَكْلِ مَا مَاتَ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَكَاتَهُ وُجِدَتْ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لِمَا يَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ حُلُولُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْقَتْلِ الْمُنَافِي لِلْإِبَاحَةِ قَالَ مَالِكٌ: سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا. (فَرْعٌ) قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوا لِلْكِتَابِيِّينَ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ الصَّلِيبِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ فَيَحْرُمُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ قَالَ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ فَيُبَاعُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ شِرَاؤُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَرَائِعِهِمْ وَمُشْتَرِيهِ بِهِ مُسْلِمُ سُوءٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِمَّا لَا يَسْتَبِيحُونَ أَكْلَهُ مِمَّا ذُكِرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هَلْ الْإِبِلُ وَحُمُرُ الْوَحْشِ وَالنَّعَمُ وَالْإِوَزُّ وَمَا لَيْسَ مَشْقُوقَ الْخُفِّ وَلَا مُنْفَرِجَ الْقَائِمَةِ فَهَذَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِذَبْحِهِمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاةَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ وَهُمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يُسْتَبَاحُ بِالذَّكَاةِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ شُحُومِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَسْتَبِيحُونَهُ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هِيَ الشُّحُومُ الْمُجْمَلَةُ الْخَالِصَةُ مِثْلُ الثُّرُوبِ وَالْكَشَاءِ وَهُوَ شَحْمُ الْكُلَى وَمَا لَصِقَ بِالْغِطْنَةِ وَشَبَهِهَا مِنْ الشُّحُومِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِطْ بِعَظْمٍ وَلَا لَحْمٍ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا مَا يَغْشَى اللَّحْمَ مِنْ الشَّحْمِ عَلَى الظَّهْرِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ وَمَا اخْتَلَطَ مِنْهُ بِلَحْمٍ أَوْ عَظْمٍ وَأَمَّا الْحَوَايَا فَهِيَ الْمَبَاعِرُ وَيُقَالُ لَهَا بَنَاتُ اللَّبَنِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهَا الْمَرَائِمَ فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الشَّحْمِ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَا كَانَ مِنْ هَذَا مُحَرَّمًا بِنَصِّ التَّنْزِيلِ فَلَا يَحِلُّ لَنَا أَكْلُهُ بِعَيْنِهِ وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فِي التَّنْزِيلِ مِثْلُ الطَّرِيفِ وَشَبَهِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ أَكْلُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ شُحُومَ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُحَرَّمَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ مُبَاحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ، وَجْهُ رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ أَنَّ هَذِهِ ذَكَاةٌ يَعْتَقِدُ مُبَاشِرُهَا تَحْرِيمَ بَعْضِهَا وَتَحْلِيلَ بَعْضِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِهَا مَا يَعْتَقِدُ تَحْلِيلَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ كَالْمُسْلِمِ يَعْتَقِدُ اسْتِبَاحَةَ اللَّحْمِ دُونَ الدَّمِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ مَنْعِ التَّحْرِيمِ أَنَّ هَذَا مُذَكًّى يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِ مَا ذُكِّيَ فَجَازَ أَكْلُ لَحْمِهِ كَالْمُسْلِمِ وَأَمَّا الطَّرِيفُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ أَكْلَهُ ثُمَّ كَرِهَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ فَظَاهِرُ لَفْظِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ جُمْلَةً وَلَوْ حُمِلَ عَلَى التَّحْرِيمِ لَمَا بَعْدُ وَوَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ إلَى اسْتِبَاحَةِ أَكْلِهِ لِأَنَّ مَا نَجِدُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ أَكْلِهِ لَا يَظْهَرُ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَصَحَّ قَصْدُهُ إلَى إبَاحَتِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ هَذِهِ ذَبِيحَةٌ مُنِعَ مِنْهَا الذَّابِحُ بِالشَّرْعِ فَمُنِعَ مِنْهَا غَيْرُهُ كَالْمُحَرَّمِ قَالَ مَالِكٌ: وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّامِرِيَّةِ صِنْفٌ مِنْ الْيَهُودِ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ. (فَرْعٌ) وَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْ جَزَّارِي الْيَهُودِ وَنُهِيَ الْيَهُودُ عَنْ الْبَيْعِ مِنْهُمْ فَمَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ وَلَا يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْيَهُودِ مِثْلَ الطَّرِيفِ وَشَبَهِهِ مِمَّا لَا يَأْكُلُونَهُ فَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ وَقَدْ حَرَّمَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ذَبَائِحَهُمْ وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ وَقِيلَ: إنَّهُمْ بَيْنَ الْمَجُوسِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة. (مَسْأَلَةٌ) : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الْمَجُوسِ وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَلَوْ وَلَّى مُسْلِمًا ذَبِيحَتَهُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَأَجَازَهَا ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّمَا يُكْرَهُ أَكْلُهَا إذَا قَالَ لِلْمُسْلِمِ: اذْبَحْهَا لِنَارِنَا أَوْ لِصَنَمِنَا فَأَمَّا لَوْ تَضَيَّفَ بِهِ مُسْلِمٌ فَأَمَرَهُ بِذَبْحِهَا لِيَأْكُلَ مِنْهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ أَعَدَّهَا لِغَيْرِهِ.

стр. 794

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ فَكُلُوهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا صِفَةُ الْآلَةِ الَّتِي يُذْبَحُ بِهَا فَيَقُولُ: إنَّ مَا كَانَ مِنْ الْآلَاتِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَبَ أَنْ تُسْتَبَاحَ بِهِ الذَّكَاةُ وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا بَلَغَ مِنْ ذَكَاتِهِ إلَى فَرْيِ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ قَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ وَحَصَلَتْ إبَاحَتُهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْحُلْقُومِ لَمَّا كَانَ الْمَعْلُومُ فِي الْأَغْلَبِ لَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ إلَّا بَعْدَ فَرْيِ الْحُلْقُومِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الذَّكَاةَ تَفْرِي الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ فَإِنْ قَطَعَ الْوَدَجَيْنِ دُونَ الْحُلْقُومِ أَوْ الْحُلْقُومَ دُونَ الْوَدَجَيْنِ لَمْ تَتِمَّ الذَّكَاةُ هَذَا حَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الذَّكَاةِ تَقْطَعُ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَهُوَ الْبُلْعُومُ وَالِاعْتِبَارُ بِالْوَدَجَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ» وَإِنْهَارُ الدَّمِ إجْرَاؤُهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهَا مَجْرَى الدَّمِ وَأَمَّا الْمَرِيءُ فَلَيْسَ بِمَجْرَى الدَّمِ وَإِنَّمَا هُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الدَّمِ إلَّا الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْهَارُ وَدَلِيلُنَا أَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْوَدَجَيْنِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْمَرِيءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الذَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى فَرْيِ مَا كَانَ فَرْيُهُ أَسْرَعَ مَوْتًا لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالْوَدَجَانِ أَسْرَعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيءِ لِأَنَّ الْمَرِيءَ مَدْخَلُ الطَّعَامِ وَيُفْضِي إلَى الْفَمِ بِقَطْعِهِ إحْدَاثُ مَدْخَلٍ آخَرَ لَهُ بِقُرْبِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا الْوَدَجَانِ فَإِنَّ نِهَايَتَهُمَا مُتَّصِلَةٌ بِالْجِسْمِ وَهُمَا مَجْرَى الدَّمِ لَا يَتَّصِلُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا فَقَطْعُهُمَا مَقْتَلٌ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي الذَّبِيحَةِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهَا دَمًا وَلَا ذِكْرَ لِلْمَرِيءِ فِي ذَلِكَ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى اتِّبَاعًا وَنَظَرًا. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الْحُلْقُومُ فَمَجْرَى النَّفَسِ وَهُوَ مِنْ الْمَذْبَحِ فَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَهُ مَعَ الْوَدَجَيْنِ تَمَّتْ الذَّكَاةُ فِيهِ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهُ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ إذَا أُجْهِزَ عَلَى أَوْدَاجِهِ وَحَلْقِهِ أَوْ ثُلُثَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَزَادَ: وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ إلَّا الْيَسِيرُ فَلَا يَجُوزُ وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُجْهَزَ عَلَى جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا مَعْنًى تَتَعَلَّقُ بِهِ الذَّكَاةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ الِاسْتِيعَابَ كَالْوَدَجَيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الذَّكَاةَ مَحَلُّهَا الْوَدَجَانِ وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْحُلْقُومِ عَلَى مَعْنَى التَّبَعِ فَإِذَا قُطِعَ أَكْثَرُهُ مَعَ اسْتِيعَابِ الْوَدَجَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ الذَّكَاةُ. (فَرْعٌ) وَلَوْ قُطِعَ الْحُلْقُومُ وَأَحَدُ الْوَدَجَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تُؤْكَلُ وَظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّهُ قَالَ: لَا تُؤْكَلُ حَتَّى يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْوَدَجَيْنِ لَمْ تُؤْكَلْ وَوَجْهُ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الذَّكَاةِ بِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اسْتِيعَابِهِمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَكُلُوهُ تَبْيِينٌ أَنَّ قَوْلَهُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْفِعْلَ دُونَ الْآلَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: كُلُّ ذَبْحٍ أَوْ ذَكَاةٍ تَبْلُغُ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ قَدْ أَبَاحَ أَكْلَ مَا ذُكِّيَ بِهِ وَفِي الْكَلَامِ تَجَوُّزٌ لِرُجُوعِ ضَمِيرِ الْمَأْكُولِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَرْعٌ) وَمَنْ نَخَعَ الذَّبِيحَةَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ نُخَاعَهَا عِنْدَ ذَبْحِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ فَعَلَ أَيْ أَكْمَلَ ذَبْحَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ ذَبَحَهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَهِيَ تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ نَخَعَهَا فِي ذَبْحِهِ يُرِيدُ لِمَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَدٍ سَبَقَتْ فَهِيَ تُؤْكَلُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا تُؤْكَلُ وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْقَاسِمِ: تُؤْكَلُ فِي الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمَا، وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةَ الذَّبْحِ فَهُوَ كَالْعَابِثِ بِذَبِيحَتِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا زَادَ مِنْ النَّخْعِ إنَّمَا وُجِدَ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ سَلْخَهَا وَقَطْعَ أَعْضَائِهَا بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ ذَكَاتَهَا وَقَبْلَ أَنْ يُزْهِقَ نَفْسَهَا.

стр. 795

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُبِحَ بِهِ إذَا بَضَعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا اُضْطُرِرْت إلَيْهِ) . مَا يُكْرَهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ فِي الذَّكَاةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَقَالَ: إنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ وَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ مَا ذُبِحَ بِهِ إذَا بَضَعَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْآلَةَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عَلَى صِفَةٍ تُبْضِعُ وَلَا تَكُونُ مِمَّا تَكْسِرُ أَوْ تُهَشِّمُ الْأَوْدَاجَ بِقُوَّةٍ دُونَ حِدَّةٍ وَلَا تَكُونُ مِمَّا يَبْرُدُ كَالْمِنْجَلِ الْمُضَرَّسِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا اُضْطُرِرْت إلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْإِخْبَارَ عَنْ غَيْرِ الْحَدِيدِ وَأَمَّا الْحَدِيدُ الَّذِي عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَهُوَ الَّذِي يُذْبَحُ بِهِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ وَإِنَّمَا شَرْطُ الضَّرُورَةِ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ الْحَدِيدِ لِأَنَّ الْحَدِيدَ الْمُحْكَمَ أَسْرَعُ قَطْعًا وَأَقَلُّ أَلَمًا وَأَيْضًا فَإِنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الْمُعْتَادِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ بِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَدِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُذْبَحُ بِذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ: الشَّفْرَةُ أَحَبُّ إلَيَّ إذَا وُجِدَتْ فَإِذَا ذُبِحَ مَعَ وُجُودِ الشَّفْرِ جَازَ وَرَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. [مَا يُكْرَهُ مِنْ الذَّبِيحَةِ فِي الذَّكَاةِ] (ش) : قَوْلُهُ عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُ بَعْضِهَا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً أَوْ تَكُونَ مَكْسُورَةً أَصَابَهَا ذَلِكَ الْكَسْرُ فَعُوجِلَتْ بِالذَّبْحِ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا، أَوْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ فَخِيفَ عَلَيْهَا الْمَوْتُ فَعُوجِلَتْ فَأَمَّا إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَيْسَ بِهَا شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ الذَّابِحُ قَدْ صَادَفَهَا وَهِيَ مُسْتَجْمِعَةُ الْحَيَاةِ وَهُوَ الَّذِي يُرَاعَى فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ فَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي صِحَّةِ ذَكَاتِهَا وَإِبَاحَةِ أَكْلِهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ أَصَابَهَا كَسْرٌ أَوْ نَحْوُهُ فَانْتَهَتْ مِمَّا أَصَابَهَا إلَى حَدِّ الْمَوْتِ وَشَبَهِهِ مِمَّا يَيْأَسُ فِيهِ مِنْ حَيَاتِهَا فَذَبَحَهَا فَطَرَفَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ بِعَيْنِهَا أَوْ اسْتَفَاضَ نَفَسُهَا أَوْ حَرَّكَتْ ذَنَبَهَا أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ أَنَّهَا تُؤْكَلُ وَهُوَ فِي الْمُخْتَصَرِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا تُؤْكَلُ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهُ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ لِأَنَّ مَا أَكَلَ السَّبُعُ جَمِيعَهُ فَقَدْ فَاتَتْ عَيْنُهُ فَلَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ لِعَدَمِهِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْنَى تَحْرِيمُ مَا أَكَلَ السَّبُعُ لِفَوَاتِ الذَّكَاةِ فِيهِ وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ مِمَّا لَمْ يَأْكُلْهُ السَّبُعُ وَلَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ قَالَ: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] ﴿إِلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] تَقْدِيرُهُ وَلَكِنْ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ أُدْرِكَتْ ذَكَاتُهَا وَبِهَا بَقِيَّةٌ مِنْ حَيَاتِهَا فَجَازَ أَكْلُهَا كَالْمَرِيضَةِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي نُصْرَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ مَعْنَى الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ الَّتِي لَمْ تَمُتْ بَعْدُ وَلَوْ أَرَادَ الَّتِي مَاتَتْ لَأَغْنَى عَنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَّا مَا أَدْرَكْتُمُوهُ بِصِفَةِ مَا يُذَكَّى وَأَمَّا مَا بَلَغَ أَنْ لَا تُرْجَى حَيَاتُهُ فِي الْأَغْلَبِ فَلَا يُذَكَّى وَإِنْ أُدْرِكَ حَيًّا لِأَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِحَيَاةٍ وَلَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَيِّ وَمِنْ

стр. 796

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا لَا تُرْجَى حَيَاتُهُ فَلَمْ تَجُزْ ذَكَاتُهُ أَصْلُ ذَلِكَ مَا أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْمَرِيضَةِ فِيمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ لِنُصْرَةِ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُتَرَدِّيَةَ وَالنَّطِيحَةَ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا الْأَغْلَبُ مِنْهُ الْمَوْتُ فَلَا نَعْلَمُ أَنَّ الذَّكَاةَ أَفَاتَتْ نَفْسَهَا لِأَنَّا نَخَافُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الَّذِي أَفَاتَ نَفْسَهَا مَا نَزَلَ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمَرِيضَةُ فَإِنَّهُ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَيُظَنُّ بِهَا مِنْ أَجْلِهِ الْمَوْتُ فَكَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّ الذَّكَاةَ أَفَاتَتْ نَفْسَهَا كَالصَّحِيحَةِ وَكَذَلِكَ إذَا أُدْرِكَتْ حَيَاتُهَا ظَاهِرَةً فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يُرْجَى بَقَاءُ حَيَاتِهَا أَمْ لَا. (فَصْلٌ) : وَسُؤَالُ السَّائِلِ لِمَالِكٍ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ التَّرَدِّي إذَا كَانَ مِنْهُ كَسْرٌ يُؤَدِّي إلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُنْفَذَ الْمَقَاتِلُ وَهِيَ خَمْسَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا: انْقِطَاعُ النُّخَاعِ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ وَمَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ الشَّحْمُ الْأَبْيَضُ الَّذِي فِي وَسَطِ فَقَارِ الْعُنُقِ وَالظَّهْرِ وَالثَّانِي انْتِثَارُ الدِّمَاغِ وَالثَّالِثُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَالرَّابِعُ انْفِتَاقُ الْمُصْرَانِ وَالْخَامِسُ انْتِثَارُ الْحَشْوَةِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْدِقَاقِ الْعُنُقِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِ نُخَاعِهِ فَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاتِلِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْتَلٍ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ انْقِطَاعُ نُخَاعِهِ فَهَذِهِ الْمَعَانِي مَتَى حَصَلَتْ مِنْ تَرَدٍّ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ فَقَدْ فَاتَتْ الذَّكَاةُ وَإِنْ ظَهَرَتْ حَيَاتُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ لِأَنَّ مَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَقَدْ اسْتَحَالَ دَوَامُ حَيَاتِهِ وَإِنَّمَا حَرَكَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ اضْطِرَابِ الْمَيِّتِ وَتَحَرُّكِهِ عِنْدَ فَوَاتِ نَفْسِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَنْكَسِرَ مِنْهَا عُضْوٌ وَيُرْجَى بَقَاءُ حَيَاتِهَا سَوَاءٌ رَجَى انْجِبَارَ مَا انْكَسَرَ مِنْهَا أَوْ يَئِسَ مِنْهُ فَهَذَا لَا خِلَافَ أَيْضًا فِي جَوَازِ ذَكَاتِهَا لِأَنَّهَا لَا تُرْجَى حَيَاتُهَا كَاَلَّتِي لَمْ تَنْكَسِرْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ يُنْفَذُ مَقَاتِلُهَا إلَّا أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَا يُشَكُّ فِي أَنَّهُ لَا تَبْقَى حَيَاتُهَا أَوْ يُشَكُّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهَا وَأَصْحَابِهِ فِي صِحَّةِ ذَكَاتِهَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلِهَذَا الْمَعْنَى اخْتَلَفَ جَوَابُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلَعَلَّهُمَا إنَّمَا سَهَّلَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ زَيْدٌ: إنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ يُرِيدُ عِنْدَ مَوْتِهَا فَإِذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الذَّكَاةَ صَادَفَتْ حَيَاةً كَامِلَةً لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا عِنْدَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهِ وَسَنُفْرِدُ لَهُ بَابًا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ السَّائِلِ فِي شَاةٍ كُسِرَتْ إنْ ذَبَحَهَا فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَقَالَ مَالِكٌ فِي جَوَابِهِ إنْ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ إذَا أَدْرَكَتْهَا الذَّكَاةُ وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَعَيْنُهَا تَطْرِفُ فَقَدْ أَدْرَكَ الذَّكَاةَ لِإِدْرَاكِهِ حَيَاتَهَا سَوَاءٌ سَالَ الدَّمُ أَوْ لَمْ يَسِلْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَرِيضَةِ إذَا اضْطَرَبَتْ أُكِلَتْ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ دَمُهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَبْنِيًّا عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّتِي سَالَ دَمُهَا إذَا ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا فَجَاوَبَ عَنْ الذَّبِيحَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ فِيهَا الْأَمْرَانِ سَيَلَانُ دَمِهَا دُونَ الْحَرَكَةِ وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْيَأْسُ مِنْ حَيَاتِهَا وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى إدْرَاكِ الْحَيَاةِ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَى الْمَعَانِي الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى إدْرَاكِ الْحَيَاةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا قَالَا: لِلْحَيَاةِ عَلَامَاتٌ يُسْتَدَلُّ بِهَا وَهِيَ خَمْسُ عَلَامَاتٍ: سَيَلَانُ الدَّمِ وَالطَّرْفُ بِالْعَيْنِ وَجَرَيَانُ النَّفَسِ وَتَحْرِيكُ الذَّنَبِ وَالرَّكْضُ بِالرِّجْلِ فَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَذَبَحَهَا فَسَالَ دَمُهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: تُؤْكَلُ وَلَا يُمْكِنُ عِنْدِي فِي الصَّحِيحَةِ أَنْ تَتَحَرَّكَ وَلَا يَسِيلُ دَمُهَا فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَكْسُورَةُ فَإِذَا حَمَلْنَا قَوْلَ مَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الَّتِي سَالَ دَمُهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَعَيْنُهَا تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا فَجَمَعَ بَيْنَ جَرْيِ الدَّمِ وَالْحَرَكَةِ لِأَنَّ جَرَيَانَ النَّفَسِ وَطَرْفَ الْعَيْنِ مِنْ بَابِ الْحَرَكَةِ وَلَوْ

стр. 797

ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إذَا نُحِرَتْ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا ــ [المنتقى] انْفَرَدَ سَيَلَانُ الدَّمِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِأَصْحَابِنَا وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا لِأَنَّ مَالِكًا إنْ كَانَ أَرَادَ بِجَوَابِهِ فِي مَسْأَلَةِ السَّائِلِ إضَافَةَ جَوَابِهِ إلَى سُؤَالِ السَّائِلِ فِي سَيَلَانِ الدَّمِ فَإِنَّهُ لَا يُبِيحُ أَكْلَهَا إلَّا بِأَنْ يَسِيلَ دَمُهَا وَتَقْتَرِنَ بِذَلِكَ حَرَكَتُهَا بِالنَّفَسِ أَوْ طَرْفِ الْعَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ فِي سَيَلَانِ الدَّمِ وَاسْتَأْنَفَ الْجَوَابَ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ بِسَيَلَانِ الدَّمِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ عِنْدَهُ فِيهَا وَرَاعَى الْحَرَكَةَ خَاصَّةً فَلَا تُؤْكَلُ الْمَكْسُورَةُ الَّتِي تَنْفَرِدُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ وَلَوْ انْفَرَدَتْ الْحَرَكَةُ دُونَ سَيَلَانِ الدَّمِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخِلَافَ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيْنَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الَّتِي يَئِسَ مِنْ بَقَاءِ حَيَاتِهَا أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا أُدْرِكَتْ بِالذَّكَاةِ حَيَاتُهَا فَيُقَالُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهَا كَالْمَرِيضَةِ وَيُقَالُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضَةِ بِمَا تَقَدَّمَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا سَالَ دَمُهَا وَتَحَرَّكَتْ بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ تُؤْكَلْ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْهَا الْحَيَاةُ بَيِّنَةً بِالنَّفَسِ الْبَيِّنِ أَوْ الْعَيْنِ تَطْرِفُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ سَيَلَانُ الدَّمِ وَلَا الْحَرَكَةُ وَلَكِنْ وَجْهُ دَلِيلِ الْحَيَاةِ بِالنَّفَسِ الْمُتَرَدِّدِ أَوْ الْعَيْنِ تَطْرِفُ فَهَذَا بَيِّنٌ فِي أَنَّ الْحَرَكَةَ الدَّالَّةَ عَلَى ذَلِكَ تُبِيحُ الْأَكْلَ دُونَ سَيَلَانِ الدَّمِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَةَ: إذَا اضْطَرَبَتْ أُكِلَتْ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ دَمُهَا وَأَمَّا إنْ سَالَ دَمُهَا وَلَمْ تَتَحَرَّكْ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ وَأَمَّا الْمَرِيضَةُ فَإِنْ كَانَ نَفَسُهَا يَجْرِي وَحَرَكَتُهَا تُعْرَفُ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِحَرَكَةِ الرِّجْلِ وَالذَّنَبِ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ مُحَمَّدٌ: وَالْعَيْنُ تَطْرِفُ أَوْ يَسْتَفِيضُ نَفَسُهَا فِي جَوْفِهَا أَوْ مَنْحَرِهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ مَا كَانَ مِنْهَا عِنْدَ مَرِّ الشَّفْرَةِ بِحَلْقِهَا فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ إنَّ الْمَرِيضَةَ مُخَالِفَةً لِلصَّحِيحَةِ وَإِنَّ الصَّحِيحَةَ تُؤْكَلُ بِسَيَلَانِ الدَّمِ خَاصَّةً وَإِنَّ الْمَرِيضَةَ لَا تُؤْكَلُ بِذَلِكَ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا أَحَدُ هَذِهِ الْأَرْبَعِ وَعَطْفُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ لِهَذِهِ الْأَقْوَالِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ عَلَيْهِ فَفِي هَذَا أَنَّ الْحَرَكَةَ عِنْدَهُ أَقْوَى فِي بَقَاءِ الْحَيَاةِ مِنْ سَيَلَانِ الدَّمِ لِأَنَّ الْحَرَكَةَ مِنْ أَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَأَحْكَامِهَا وَأَمَّا سَيَلَانُ الدَّمِ فَإِنَّهُ انْفِصَالُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجِسْمِ مِنْ بَعْضٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ مَالِكٍ إنْ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ مَعْنَى جَرَيَانِ نَفَسِهَا تَرَدُّدُهُ عَلَى حَسَبِ التَّنَفُّسِ فَأَمَّا خُرُوجُ الرِّيحِ مِنْ الْجَسَدِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ مِنْ جَرَيَانِ النَّفَسِ وَسُؤَالُ السَّائِلِ لِمَالِكٍ عَنْ عَدَمِ الْحَرَكَةِ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ مَالِكًا أَجَابَهُ إنَّ عَدَمَ الْحَرَكَةِ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا إذَا صَادَفَتْ نَفَسًا يَجْرِي وَعَيْنًا تَطْرِفُ حِينَ الذَّكَاةِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمُزَنِيَّة عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ نَافِعٍ فَلَوْ أَنَّ سَبُعًا حَمَلَ عَلَى شَاةٍ فَاسْتَنْقَذْتُهَا مِنْهُ فَذَبَحْتُهَا وَهِيَ تَطْرِفُ فَلَمَّا فَرَغْت مِنْ ذَبْحِهَا لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهَا شَيْءٌ فَقَالَ: إذَا ذَبَحْتَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا فَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْحَرَكَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّفَسِ الَّذِي يَجْرِي وَالْعَيْنِ الَّتِي تَطْرِفُ حَالَ الذَّبْحِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ الْحَيَاةَ تُعْرَفُ بِحَرَكَةِ الرِّجْلِ أَوْ الذَّنَبِ أَوْ الْعَيْنِ تَطْرِفُ أَوْ النَّفَسِ تَسْتَفِيضُ فِي جَوْفِهَا أَوْ مَنْحَرِهَا فَإِنَّ هَذِهِ الْحَرَكَاتِ الْأَرْبَعَ كَانَ مِنْهَا عِنْدَ مَرِّ الشَّفْرَةِ عَلَى حَلْقِهَا يُرِيدُ مَعَ سَيَلَانِ الدَّمِ فِي الْمَرِيضَةِ فَإِنَّهَا تُؤْكَلُ.

стр. 798

إذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ذُبِحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ إذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ) . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ــ [المنتقى] [ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِيحَةِ] (ش) : قَوْلُهُ ﵁: إذَا نُحِرَتْ النَّاقَةُ فَذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِهَا ذَكَاتُهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَمَّ خَلْقُ الْجَنِينِ وَنَبَتَ شَعْرُهُ فَإِنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ ذَكَاةٌ لَهُ وَحِينَئِذٍ هُوَ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُؤْكَلَ بِالذَّكَاةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ وَقَدْ تَعَلَّقَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ لَيْسَتْ بِصِحَاحٍ وَلَا تَثْبُتُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ فِي الْأُمِّ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الْجَنِينِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَيٍّ وَلَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا بَعْدَ حَيَاةٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ وَإِنْ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِشْعَارَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَمَا لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ فَلَيْسَ بِحَيٍّ بَعْدُ فَلَا يُسْتَبَاحُ بِذَكَاةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ إنَّ كُلَّ مَا لَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ إلَّا بِالذَّكَاةِ فَإِنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ مَعَ عَدَمِ الْحَيَاةِ أَصْلُهُ الْأُمَّهَاتُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْأُمِّ بَعْدَ ذَكَاتِهَا أَوْ فِي حَالِ حَيَاتِهَا فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَكَاتِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا تُرْجَى لَهُ الْحَيَاةُ لَوْ تَرَكَ أَوْ يَشُكُّ فِي ذَلِكَ أَوْ يَيْأَسُ مِنْهُ فَإِنْ وُجِدَتْ لَهُ حَيَاةٌ بَاقِيَةٌ فَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مَالِكٍ: لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ تَخُصُّهُ وَكَذَلِكَ لَوْ شَكَّ فِي حَيَاتِهِ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْمَوْلُودِ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ تَخُصُّهُ فَإِنْ خَرَجَ وَلَمْ تُرْجَ حَيَاتُهُ إمَّا لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ أَوْ لِأَنَّ حَيَاتَهُ ضَعِيفَةٌ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ ذَبْحُهُ فَإِنْ لَمْ يُذْبَحْ وَغَفَلَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ أُكِلَ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمُزَنِيَّة وَالْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ فِي الْمُزَنِيَّة: أَحَبُّ إلَيَّ فِي الَّتِي ذُكِّيَتْ أَنْ لَا يُؤْكَلَ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْ بَطْنِهَا حَيًّا إلَّا بِذَكَاةٍ وَنَحْوِهِ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ هَذَا قَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ حَيٌّ بِهَا فَكَانَ كَعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا وَلَمَّا كَانَ مِمَّا يَنْفَصِلُ عَنْهَا بِالْوِلَادَةِ وَيَنْفَرِدُ بِالْحَيَاةِ اُسْتُحِبَّ مُبَاشَرَتُهُ بِالذَّكَاةِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مُرَاعَاةُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ: لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ بَعْدَ ذَكَاةِ أُمِّهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ إذَا خَرَجَ يَتَحَرَّكُ اُسْتُحِبَّ ذَبْحُهُ فَإِنْ سَبَقَهُمْ بِنَفَسِهِ فَأَنَا أَكْرَهُ أَكْلَهُ فَنَحَا بِهِ إلَى الْكَرَاهِيَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ خَرَجَ فِي حَالِ حَيَاةِ أُمِّهِ أَزْلَقَتْهُ فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَحْيَا وَيَعِيشُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ إذَا ذُكِّيَ رَوَاهُ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَمُلَ نَبَاتُهُ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبَاحَ مِنْ الذَّكَاةِ بِمَا يُسْتَبَاحُ بِهِ غَيْرُهُ الْكَبِيرُ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَا يَعِيشُ أَوْ يُشَكُّ فِيهِ فَقَدْ رَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يُؤْكَلُ وَإِنْ ذُكِّيَ وَقَالَهُ فِي الْمُزَنِيَّة ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ كِنَانَةَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَوْتَهُ بِالْإِزْلَاقِ وَلَيْسَتْ بِذَكَاةٍ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ إذَا تَمَّ خَلْقُهُ وَنَبَتَ شَعْرُهُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَأَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُذَكَّى لِأَنَّ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ حَيَاةٌ لَا تَأْثِيرَ لِلذَّكَاةِ فِيهِ وَقَوْلُهُ تَمَّ خَلْقُهُ يَعْنِي أَنَّهُ كَمُلَ مِنْهُ مَا ظَهَرَ أَنَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلْقَةِ وَأَمَّا لَوْ خُلِقَ نَاقِصَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ وَتَمَّ خَلْقُهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ مَا نَقَصَ مِنْهُ مِنْ ذَكَاتِهِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ ذُبِحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ وَقَوْلُهُ قَبْلَ هَذَا ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بِذَلِكَ تَتِمُّ ذَكَاتُهُ فَيَحْتَمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِذَبْحِهِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِيَصِيرَ لَهُ حَظٌّ مِنْ مُبَاشَرَةِ الذَّكَاةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ خُرُوجَ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَحْتَقِنُ فِيهِ لِئَلَّا يَمْنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلِهِ وَتَقْطِيعِهِ.

стр. 799

كِتَابُ الصَّيْدِ تَرْكُ أَكْلِ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْحَجَرُ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: رَمَيْت طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ وَأَنَا بِالْجُرْفِ فَأَصَبْتُهُمَا فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضًا) ــ [المنتقى] [كِتَابُ الصَّيْدِ] [تَرْكُ أَكْلِ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْحَجَرُ] (ش) : قَوْلُهُ رَمَيْت طَائِرَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَرَجَ مُتَصَيِّدًا فَرَمَاهُمَا فِي حَالِ تَصَيُّدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَالِسًا فِي مَقْعَدِهِ أَوْ مُتَصَرِّفًا فِي بَعْضِ شَأْنِهِ حَتَّى رَآهُمَا مُمَكَّنَيْنِ فَرَمَاهُمَا فَأَمَّا الْخُرُوجُ لِلتَّصَيُّدِ فَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الِالْتِذَاذِ بِهِ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهُ مَكْسَبًا أَوْ قَرَمَ إلَى اللَّحْمِ غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا فَلَا بَأْسَ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا أَرَى لِأَحَدٍ صَيْدَ الْبَرِّ إلَّا لِأَهْلِ الْحَاجَةِ الَّذِينَ عَيْشُهُمْ ذَلِكَ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا إنَّمَا قَصَدَ اللَّحْمَ وَتَحْصِيلُ الصَّيْدِ وَذَلِكَ مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَعْنَاهُ مِمَّا صِدْنَ لَكُمْ وَأَمَّا الَّذِي يَخْرُجُ إلَى الصَّيْدِ تَلَذُّذًا فَلَيْسَ غَرَضُهُ فِي الصَّيْدِ وَإِنَّمَا غَرَضُهُ فِي الِالْتِذَاذِ بِطَلَبِهِ وَالْأَخْذِ لَهُ خَاصَّةً دُونَ الِانْتِفَاعِ بِلَحْمِهِ فِي أَكْلٍ أَوْ بَيْعِهِ بِثَمَنٍ وَذَلِكَ مَمْنُوعٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ الصَّيْدَ لِمَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ وَيَقُولُ: هُمْ مِنْ أَهْلِهِ وَلَا غِنًى بِهِمْ عَنْهُ وَكَرِهَهُ لِأَهْلِ الْحَوَاضِرِ وَرَأَى خُرُوجَهُمْ إلَيْهِ مِنْ السَّفَهِ وَالْخِفَّةِ وَهَذَا غَيْرُ خَارِجٍ عَمَّا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ مُتَوَجِّهٌ إلَى مَا يَأْخُذُ الْإِنْسَانُ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَالْكَلَامُ الثَّانِي فِي عُذْرِ النَّاسِ لِلتَّصَيُّدِ مَعَ قَوْلِهِ أَنَّهُ خَرَجَ لَمَّا أَرَادَ إحْرَازَ الصَّيْدِ وَلَمْ يَقْصِدْ اللَّذَّةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ مُحْتَاجُونَ إلَى ذَلِكَ وَمُعْتَادُونَ لَهُ فَلَا يُغْنِيهِمْ ذَلِكَ وَأَهْلُ الْحَوَاضِرِ يَنْدُرُ ذَلِكَ فِيهِمْ مَعَ قِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِهِ وَحَاجَتِهِمْ إلَيْهِ بِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ أُدْمِ الْحَوَاضِرِ وَالْمَجَازِرِ فَلَا يُعْذَرُونَ بِمَا يَدَعُونَ مِنْ مَقْصِدِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صَيْدُ الْحِيتَانِ فَفِي الْعُتْبِيَّةُ مِنْ رِوَايَةِ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ وَالْأَنْهَارِ عِنْدِي أَخَفُّ لِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالْمَالُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ وَكَأَنِّي رَأَيْتُهُ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رَمَيْت طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَمَى الطَّائِرَيْنِ بِحَجَرٍ وَاحِدٍ وَقَصَدَ إلَى إصَابَتِهِمَا بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَمَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِحَجَرٍ غَيْرِ الْحَجَرِ الَّذِي رَمَى بِهِ الْآخَرَ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ رَمَيْت طَائِرَيْنِ بِحَجَرٍ أَيْ هَذَا الْجِنْسُ مِمَّا يُرْمَى بِهِ وَيُصَادُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَمَى بِهِ أَحَدَهُمَا فَأَصَابَهُ ثُمَّ أَخَذَ ذَلِكَ الْحَجَرَ فَرَمَى بِهِ الطَّيْرَ الثَّانِي فَأَصَابَهُ وَفِي هَذَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: فِي صِفَةِ السِّلَاحِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ أَوْ يُضْرَبُ بِهِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الرَّمْيِ أَوْ الضَّرْبِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الْمَضْرُوبِ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُنْتَهَى فِعْلِ الرَّمْيَةِ وَالضَّرْبَةِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْآلَةِ) مَا يُصَادُ بِهِ مِنْ السِّلَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا لَهُ حَدٌّ كَالرُّمْحِ وَالسَّهْمِ وَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ مِمَّا لَهُ حَدٌّ تَجُوزُ بِهِ الذَّكَاةُ وَالثَّانِي مَا لَا حَدَّ لَهُ كَالْمِعْرَاضِ وَالْبُنْدُقَةِ وَالْحَجَرِ الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَدَّ لَهُ لَا تَجُوزُ بِهِ الذَّكَاةُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَجَرُ الَّذِي رَمَى بِهِ نَافِعٌ مِمَّا لَهُ حَدٌّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا حَدَّ لَهُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ طَرْحِهِ الطَّائِرَيْنِ حِينَ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُمَا وَلَوْ كَانَ الْحَجَرُ مِمَّا لَهُ

стр. 800

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] حَدٌّ وَأَصَابَ بِحَدِّهِ وَجَرَحَ لَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاةً تُبِيحُ أَكْلَ الطَّائِرِ وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ ذَكَاتَهُمَا. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَامِي الصَّيْدِ بِالْحَجَرِ الَّذِي مِثْلُهُ يُذْبَحُ فَقَطَعَ رَأْسَ الصَّيْدِ وَهُوَ يَنْوِي اصْطِيَادَهُ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي أَكْلُهُ إذْ لَعَلَّ الْحَجَرَ قَطَعَ رَأْسَ الصَّيْدِ بِعَرْضِهِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا شَكَّ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ ذَكَاتَهُ وَلَوْ كَانَ عَلِمَ أَنَّهُ أَصَابَهُ بِحَدِّهِ لَجَازَ لَهُ أَكْلُهُ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الرَّمْيِ أَوْ الضَّرْبِ فِي الصَّيْدِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الرَّمْيِ أَوْ الضَّرْبِ وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ نَوْعٌ مِنْ الذَّكَاةِ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ مِمَّنْ تَجُوزُ ذَكَاتُهُ وَعَلَى صِفَةٍ تَصِحُّ بِهَا الذَّكَاةُ فَيَحْتَاجُ أَنْ يَنْوِيَ الرَّامِي أَوْ الضَّارِبُ الِاصْطِيَادَ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ رَمَى صَيْدًا بِسِكِّينٍ فَقَطَعَ رَأْسَهُ وَقَدْ نَوَى اصْطِيَادَهُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْوِ اصْطِيَادَهُ بِرَمْيَتِهِ فَلَا يَأْكُلُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ صِفَةُ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ نِيَّتُهُ كَالذَّبْحِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَكَذَلِكَ لَوْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُهُ وَلَوْ أَصَابَهُ وَأَصَابَ غَيْرَهُ بَعْدَهُ أَكَلَهُ دُونَ الَّذِي أَصَابَ بَعْدَهُ لِمَعْنَى النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الْمَضْرُوبِ فِي الصَّيْدِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ الْمَرْمِيِّ أَوْ الْمَضْرُوبِ وَهَذَا يُرَاعَى فِيهِ صِفَتَانِ: إحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ التَّوَحُّشُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الِامْتِنَاعِ بِصِفَةٍ مَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَكَاتِهِ فَأَمَّا الصِّفَةُ الْأُولَى فَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] الْآيَةُ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ نَالَتْهُ رِمَاحُنَا يَجِبُ أَنْ يَحِلَّ لَنَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَسَوَاءٌ كَانَ مُتَوَحِّشًا عَلَى أَصْلِهِ أَوْ تَأَنَّسَ ثُمَّ اسْتَوْحَشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ فِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا مُسْتَوْحِشُ الْجِنْسِ مُمْتَنِعٌ فَجَازَ أَنْ يُذَكَّى بِالرَّمْيِ كَاَلَّذِي لَمْ يَتَأَنَّسْ قَطُّ. (مَسْأَلَةٌ) وَأَمَّا الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الذَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ فِيهِ فَهِيَ الْعِلَّةُ فِي إبَاحَةِ مَا ذُكِرَ قَالَ فِي الصَّيْدِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْهُ بِإِثْخَانِ الْجِرَاحِ لَهُ أَوْ بِحِبَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ تَجُزْ ذَكَاتُهُ إلَّا بِمَا يُذَكَّى بِهِ إلَّا نَسِيَ لِأَنَّ عِلَّةَ الِامْتِنَاعِ قَدْ عُدِمَتْ وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مُؤَثِّرَتَانِ فِي الْعَمَلِ لَا فِي النِّيَّةِ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَنْفَرِدُ بِهَا دُونَ النِّيَّةِ) . [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُنْتَهَى فِعْلِ الرَّمْيَةِ وَالضَّرْبَةِ فِي الصَّيْدِ] (الْبَابُ الرَّابِعُ فِي مُنْتَهَى فِعْلِ الرَّمْيَةِ وَالضَّرْبَةِ الرَّمْيَةُ أَوْ الضَّرْبَةُ بِهِ لَا تَخْلُو أَنْ تُنْفِذَ الْمَقَاتِلَ أَوْ لَا تُنْفِذَهَا فَإِنْ أَنْفَذَتْهَا فَقَدْ كَمُلَتْ فِيهَا الذَّكَاةُ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِينَ بِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ جُزْءٌ وَالثَّانِي أَنْ لَا يَبِينَ بِهَا شَيْءٌ فَإِنْ بَانَ بِهَا مِنْهُ جُزْءٌ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَطَعَ الصَّيْدَ بِنِصْفَيْنِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ جَمِيعُهُ زَادَ النِّصْفُ الَّذِي مَعَ الرَّأْسِ أَوْ نَقَصَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ قَطَعَ الثُّلُثَ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَا جَمِيعًا وَإِنْ قَطَعَ الثُّلُثَ مِمَّا يَلِي الْفَخِذَ أُكِلَ الثُّلُثَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الرَّأْسَ وَلَمْ يُؤْكَلْ الثُّلُثُ الْبَاقِي قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْصَلَ فَإِذَا قَطَعَ الرَّأْسَ أُكِلَ الْجَمِيعُ لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ فَإِنْ كَانَ الَّذِي قُطِعَ مِنْهُ سِوَى الرَّأْسِ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ مِنْهُ بَعْدَ قَطْعِهِ فَإِنَّ الَّذِي بَانَ مِنْهُ لَا يُؤْكَلُ وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي مِثْلُ أَنْ تَقْطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَإِنَّ الْيَدَ أَوْ الرِّجْلَ لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ عَيْشُ الْحَيَوَانِ بَعْدَهَا وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي سَوَاءٌ مَاتَ مِنْ الْعَقْرِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ مَاتَتْ مِنْ الْعَقْرِ الْأَوَّلِ أُكِلَ جَمِيعُهُ وَمَا بَانَ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى رَمَاهُ رَمْيَةً أُخْرَى فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ الْحَيَوَانُ كُلُّهُ وَلَا يُؤْكَلُ مَا بَانَ مِنْهُ مِنْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ هَذَا الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْقِيَاسُ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ فِيمَنْ رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ وَرِكَيْهِ مَعَ فَخِذَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مَا بَانَ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ بَاقِيهِ وَهَذَا مِمَّا لَا يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعِيشَ بَعْدَهُ. وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا ضَرَبَهُ فَخَذَلَ وَرِكَيْهِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ جَمِيعُهُ وَلَوْ أَبَانَ فَخِذَيْهِ وَلَمْ تَصِلْ إلَى الْجَوْفِ

стр. 801

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ) . ــ [المنتقى] فَلَا يُؤْكَلُ مَا أَبَانَ مِنْهُ وَيُؤْكَلُ مَا بَقِيَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّك إذَا ضَرَبْتَهُ عَلَى الْعَجُزِ فَصَارَ عَجُزُهُ فِي حَيِّزِ الْأَسْفَلِ وَقَدْ قَطَعْت مِنْ جَوْفِهِ فَكَأَنَّك قَطَعْت وَسَطَهُ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَتَفْسِيرِ ابْنِ حَبِيبٍ إنَّمَا يُرَاعَى أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْقَطْعِ بِنِصْفَيْنِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَصِلَ الْقَطْعُ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْجَوْفِ وَعَلَى جَوَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ يُرَاعَى أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرُ فِي حَيِّزِ الْأَسْفَلِ وَعَلَى تَعْلِيلِ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَنْ يُقْطَعَ مِنْهُ مَا لَا تُتَوَهَّمُ حَيَاتُهُ دُونَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَبِضَرْبَتِهِ تِلْكَ فَكَانَتْ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ الْيَدُ الْبَائِنَةُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ الَّتِي يَصِحُّ بَقَاءُ الْحَيَوَانِ دُونَهَا فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَبِينَ الْمَقْطُوعُ مِنْهُ أَوْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْبَائِنِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِلْدِ أَوْ بِيَسِيرٍ مِنْ اللَّحْمِ فَلَا يُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجْرِي فِيهِ الرُّوحُ عَلَى هَيْئَتِهِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَنَحْوُهُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ يَسِيرَ اللَّحْمِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقًا يَحْيَا بِحَيَاتِهِ وَيَسْرِي إلَيْهِ مِنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْجَسَدِ يُذَكَّى بِذَكَاتِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ إلَّا بِالْجِلْدِ وَالشَّيْءِ الْيَسِيرِ الَّذِي لَا تَسْرِي إلَيْهِ بِهِ الْحَيَاةُ فَإِنَّهُ لَا يُذَكَّى بِذَكَاتِهِ كَالْمُنْفَصِلِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا أَنْفَذَ الْمَقَاتِلَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ جُزْءٌ فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ أَكْلُهُ لِكَمَالِ الذَّكَاةِ فِيهِ بِمَا يُذَكَّى بِهِ مِثْلُهُ مِنْ مُحَدَّدِ السِّلَاحِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ فَطَرَحَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ مَاتَ بِنَفْسِ الضَّرْبَةِ أَوْ قَبْلَ إدْرَاكِهِ فَهَذَا قَدْ فَاتَتْ فِيهِ الذَّكَاةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ أَصَابَهُ بِحَجَرٍ لَا حَدَّ لَهُ أَوْ بِحَجَرٍ لَهُ حَدٌّ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَنَّهُ أَصَابَهُ بِحَدِّهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَصَابَهُ بِحَدِّ الْحَجَرِ فَلَمْ يَجْرَحْهُ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكَّى فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَقَدْ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الَّذِي يَضْرِبُ الصَّيْدَ بِالسَّيْفِ فَيَقْتُلُهُ وَلَا يَجْرَحُهُ وَقَالَ أَشْهَبُ: يُؤْكَلُ وَسَوَاءٌ عَلِمَ عَلَى هَذَا إنَّ هَذَا فَاتَ بِالْمَوْتِ أَوْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ لِأَنَّ الذَّكَاةَ فَاتَتْ فِيهِ. (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الْآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَطَرَحَهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَاتَتْ ذَكَاتُهُ لِتَأْخِيرِ ذَلِكَ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَعْجِيلِهَا أَوْ يَكُونَ فَاتَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَمَكَّنُ مِنْ الذَّكَاةِ فِيهِ لِسُرْعَةِ مَوْتِهِ فَإِنْ فَاتَ لِلتَّأْخِيرِ وَكَانَ ضَرَبَهُ بِعَرْضِ حَجَرٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فَأَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ أَوْ لَمْ يَنْفُذْهَا فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَوْقُوذَةٌ وَلَوْ ضَرَبَهُ بِحَدِّ الْحَجَرِ فَلَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ وَفَاتَ لِلتَّأْخِيرِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَعْجِيلِ الذَّكَاةِ فِيهِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ كَانَ مَقْدُورًا عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاتِهِ كَالْإِنْسِيِّ وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَكَاتِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَأْخِيرٍ لَجَازَ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَلَوْ ضَرَبَهُ فَأَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ لَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُذَكِّيَهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ جَازَ أَكْلُهُ لِكَمَالِ الذَّكَاةِ فِيهِ بِمَا يُذَكَّى بِهِ مِثْلُهُ مِنْ مُحَدَّدِ السِّلَاحِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: فَالظَّاهِرُ عِنْدِي مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مَا تَنَالُهُ أَيْدِينَا هُوَ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُذَكَّى بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ الْمُتَمَكَّنُ مِنْ ذَكَاتِهِ وَاَلَّذِي تَنَالُهُ رِمَاحُنَا هُوَ غَيْرُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ فَذَكَاتُهُ مِنْ السِّلَاحِ بِالرِّمَاحِ وَمَا أَشْبَهَهَا وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا شَيْءٌ مِنْ ذِكْرِ الْآيَةِ فِي بَابِ مَا قُتِلَ بِالْمِعْرَاضِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ فِعْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي أَمْرِ الطَّائِرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَكْرَهُ مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ يُرِيدُ بِعَرْضِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ وَقِيذٌ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَالْمَوْقُوذَةُ هِيَ الْمَضْرُوبَةُ بِمَا لَا حَدَّ لَهُ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ثُمَّ قَالَ: «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ الْوَقِيذُ» فَالْمِعْرَاضُ عَصًا

стр. 802

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ مِنْ الرَّمْيِ وَأَشْبَاهِهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ قَالَ اللَّهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] قَالَ: فَكُلُّ شَيْءٍ نَالَهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ أَوْ بِرُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ فَأَنْفَذَهُ وَبَلَغَ مَقَاتِلَهُ فَهُوَ صَيْدٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﵎ . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إذَا أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ لَمْ يُؤْكَلْ ذَلِكَ الصَّيْدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِي قَدْ قَتَلَهُ أَوْ بَلَغَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ هُوَ قَتَلَهُ وَأَنَّهُ ــ [المنتقى] فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ يَرْمِي الصَّائِدُ بِهَا الصَّيْدَ فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَهُوَ وَجْهُ ذَكَاتِهِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا يُؤْكَلُ إلَّا أَنْ تُدْرَكَ ذَكَاتُهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي صِفَةِ مَا يُرْمَى بِهِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُحَدَّدًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَالْبُنْدُقَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ الْمِعْرَاضُ وَالْبُنْدُقَةُ مِثْلُ أَنْ يُرْمَى بِهِمَا جَمِيعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ الضَّرْبَتَيْنِ مَاتَ أَوْ لَا يُعْلَمُ مِنْ أَيِّهِمَا مَاتَ فَهَذَا لَا يُؤْكَلُ سَوَاءٌ أَصَابَهُ الْمِعْرَاضُ بِعَرْضِهِ أَوْ حَدِّهِ لِأَنَّهُ قَدْ أَعَانَتْ فِي ذَكَاتِهِ آلَةٌ لَا يُذَكَّى بِمِثْلِهَا كَمَا لَوْ اشْتَرَكَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْكَلْبُ وَالْحِبَالَةُ أَوْ كَلْبَانِ أَحَدُهُمَا لَمْ يُرْسَلْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَرِدَ الْمِعْرَاضُ بِالْقَتْلِ أَوْ تَنْفَرِدَ الْبُنْدُقَةُ بِالْقَتْلِ فَعَلَى هَذَا لَا يُؤْكَلُ مَا انْفَرَدَتْ الْبُنْدُقَةُ بِقَتْلِهِ وَيُنْظَرُ إلَى مَا قَتَلَهُ الْمِعْرَاضُ فَمَا قَتَلَهُ بِحَدِّهِ أُكِلَ وَمَا قُتِلَ بِعَرْضِهِ لَمْ يُؤْكَلْ. (ش) : قَوْلُهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الْإِنْسِيَّةُ بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ حَالَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَالَ إمْكَانِهَا وَالثَّانِي حَالَ امْتِنَاعِهَا فَأَمَّا فِي حَالِ إمْكَانِهَا فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا فِي حَالِ امْتِنَاعِهَا بِالتَّوَحُّشِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهَا وَأَنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحْبَسَ بِالرَّمْيِ وَالطَّعْنِ وَالضَّرْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَرْقَبَةِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ تُنْفَذْ بِشَيْءٍ وَمِنْ ذَلِكَ الْمَقَاتِلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ وَحُكْمُهَا حُكْمُ الصَّيْدِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ لِبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِالتَّوَحُّشِ أَصْلُ ذَلِكَ وُجُوبُ الذَّكَاةِ فِيهَا وَإِجْزَاؤُهُ لَهَا فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا يَتَأَنَّسُ مِنْ الْوَحْشِ ثُمَّ اسْتَوْحَشَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى أَصْلِهِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ بِالصَّيْدِ قَالَهُ مَالِكٌ وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْيَمَامِ وَالْيَعَاقِيبِ وَجَمِيعِ الطَّيْرِ الَّذِي أَصْلُهُ التَّوَحُّشُ ص. (قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَرَى بَأْسًا بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ إذَا خَسَقَ وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَنْ يُؤْكَلَ) . (ش) : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِحَدِّهِ وَطَرَفِهِ الْمُحَدَّدِ كَطَرَفِ الْعَصَا وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ رَمَى صَيْدًا بِعُودٍ أَوْ عَصًا فَخَرَقَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِأَنَّهُ نَفَذَ بِطَرَفِهِ كَطَرَفِ الرُّمْحِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ عِنْدِي فِيمَا يَكُونُ مُحَدَّدَ الطَّرَفِ فَأَمَّا لَمْ يَكُنْ مُحَدَّدَ الطَّرَفِ فَإِنَّمَا خَزْقُهُ هَشْمٌ وَرَضٌّ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ رَمَى بِحَجَرٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ فَخَرَقَ أَوْ بَضَعَ وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِخَزْقٍ وَإِنَّمَا هُوَ رَضٌّ. وَقَدْ رَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: «سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْهُ» . (ش) : قَوْلُهُ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] الْآيَةُ يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهَا سِوَاهُمْ وَلَا أُضِيفَ إلَّا إلَى أَيْدِيهِمْ وَرِمَاحِهِمْ. (فَصْلٌ) : قَوْلُهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَإِطْلَاقِهِ وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ يَفْعَلُهُ الْمُتَصَيِّدُ عَلَى وَجْهِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِلتَّكَسُّبِ وَالِاسْتِغْنَاءِ بِهِ وَضَرْبٌ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ الْحَاجَةِ إلَى أَكْلِ لَحْمِهِ مِثْلُ الْغِنَى عَنْهُ وَضَرْبٌ يَفْعَلُهُ عَلَى وَجْهِ اللَّهْوِ وَالرَّاحَةِ فَأَمَّا مَا يُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْحَاجَةِ لِلتَّكَسُّبِ أَوْ لِأَكْلِ لَحْمِهِ فَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَتِهِ دُونَ كَرَاهِيَةٍ فِيهِ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَمَّا الصَّيْدُ لِلَّهْوِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَنَهَى عَنْهُ وَرَآهُ سَفَهًا وَلَمْ يَجُزْ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ.

стр. 803

لَا يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ بَعْدَهُ) . (ص) : (قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ غَابَ عَنْك مَصْرَعُهُ إذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِك أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُك مَا لَمْ يَبِتْ فَإِذَا بَاتَ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ إنَّهُ إذَا أَعَانَ الصَّائِدَ عَلَى صَيْدِهِ غَيْرُهُ مِمَّا لَيْسَ كَآلَةٍ لِلصَّيْدِ فَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلِ الصَّائِدِ أَوْ مِنْ فِعْلِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ نَحْوَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّيْدَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالذَّكَاةِ وَتُرَاعَى فِيهِ صِفَةُ الْفَاعِلِ وَالْآلَةِ كَالذَّكَاةِ فَإِذَا رَمَى الرَّامِي صَيْدًا عَلَى شَاهِقٍ فَتَرَدَّى فَوَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنْ كَانَ سَهْمُهُ قَدْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ قَبْلَ تَرَدِّيهِ فَقَدْ تَمَّتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يُحَرِّمُهُ تَرَدِّيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ بِرَمْيَتِهِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَمِنْ رَمْيَتِهِ مَاتَ أَوْ مِنْ تَرَدِّيه قَالَهُ مَالِكٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَوْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ فَسَقَطَ فِي مَاءٍ فَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ إنْ تَيَقَّنَ إنْفَاذَ السَّهْمِ مَقَاتِلَهُ بِرَمْيَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لَعَلَّ إنَّمَا قَتَلَهُ الْمَاءُ وَلَيْسَ بِآلَةِ الصَّيْدِ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا وَقَعَتْ رَمْيَتُك فِي مَاءٍ فَغَرِقَ فَلَا تَأْكُلْ» مَعْنَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ وَلَمْ تُنْفِذْ الرَّمْيَةُ مَقَاتِلَهَا وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ الْغَرَقُ لِأَنَّ الْغَرَقَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَوْتِ وَلَوْ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ لَمْ يُرَاعَ الْمَوْتُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَكَذَا لَوْ أَعَانَ كَلْبُهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ يُرْسِلْهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ رَمَى صَيْدًا بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ: لَا يُؤْكَلُ لَعَلَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ وَأَخَافُ عَلَى مَنْ أَكَلَهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي إذَا لَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ السَّهْمُ فَإِنْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ فَقَدْ ذَهَبَتْ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ خَوْفُهُ أَنْ يُعِينَ عَلَى قَتْلِهِ السَّهْمُ وَبَقِيَتْ عِلَّةٌ ثَانِيَةٌ وَهِيَ مَخَافَتُهُ عَلَى آكِلِهِ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْكُلَهُ أَنْفَذَ السَّهْمُ مَقَاتِلَهُ أَوْ لَمْ يُنْفِذْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ السَّمُومِ الَّتِي تُؤْمَنُ وَلَا يُتَّقَى عَلَى أَكْلِ الصَّيْدِ مِنْهَا شَيْءٌ كَالْبَقْلَةِ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِلَّتَانِ وَجَازَ أَكْلُهُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَفِيهِ نَظَرٌ عَلَى أَصْلِ ابْنِ نَافِعٍ مُرَاعَاتُهُ أَنْ يُنْفِذَ السَّهْمُ الْمَقَاتِلَ قَبْلَ أَنْ يَسْقُطَ فِي الْمَاءِ وَإِنْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ أُنْفِذَتْ فِيهِ مَقَاتِلُهُ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ أَكْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَتَحَرَّرُ الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. (ش) : قَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ وَإِنْ غَابَ عَنْك مَصْرَعُهُ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْسِيمٍ وَتَفْصِيلٍ وَذَلِكَ إنَّ الْكَلْبَ أَوْ السَّهْمَ إذَا أَنْفَذَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ بِمُشَاهَدَةِ الصَّائِدِ ثُمَّ تَحَامَلَ الصَّيْدُ وَغَابَ عَنْهُ فَقَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ مَغِيبُهُ عَنْهُ وَلَا مَبِيتُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ ﵀. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يُنْفِذْ السَّهْمُ وَلَا الْكَلْبُ مَقَاتِلَهُ حَتَّى غَابَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إذَا كَانَ مُجِدًّا فِي الطَّلَبِ حَتَّى وَجَدَهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ تَشَاغَلَ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَحَكَى نَحْوَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا تَوَارَى الصَّيْدُ مَعَ الْكَلْبِ فَوَجَدَهُ قَدْ قَتَلَهُ إنْ لَمْ يُرَ بِالْقُرْبِ صَيْدًا يُشَكِّكُهُ إنَّ الَّذِي قَتَلَ غَيْرُ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ وَإِنْ شَكَّ فَلَا يُؤْكَلُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ لَا يُمَيِّزَ الصَّيْدَ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ بِالْمَوْضِعِ مِنْ الصَّيْدِ مَا يَشُكُّ بِهِ فِي قَتْلِ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ وَهَذَا شَكٌّ فِي عَيْنِ الصَّيْدِ وَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا شَكَّ فِي صِفَةِ قَتْلِهِ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إذَا زَالَ عَنْ عَيْنِهِ وَهُوَ فِي غَيْرِ حُكْمِ الْمَذْبُوحِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ فَذَكَرْت اللَّهَ وَقَتَلَ فَكُلْ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا وَجَدْت فِيهِ أَثَرًا مِنْ كَلْبِك أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُك يُرِيدُ أَنَّ الظَّاهِرَ إذَا كَانَ بِهِ أَثَرُ كَلْبِهِ أَوْ وَجَدَ فِيهِ سَهْمَهُ أَنَّهُ الصَّيْدُ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ شَكٌّ مِنْ وُجُودِ صَيْدٍ بِقُرْبِهِ يَشُكُّ بِهِ أَنَّ الَّذِي فِيهِ أَثَرُ كَلْبِهِ أَوْ سَهْمِهِ غَيْرُ الَّذِي أُرْسِلَ عَلَيْهِ فَلَا يَأْكُلُهُ حِينَئِذٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ١ -

стр. 804

مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْمُعَلَّمَاتِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ: كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك إنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَإِنْ أَكَلَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ) ــ [المنتقى] فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَا لَمْ يَبِتْ عَنْهُ فَإِذَا بَاتَ عَنْهُ كُرِهَ أَكْلُهُ وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ اصْطَادَهُ بِجَارِحٍ أَوْ سَهْمٍ فَإِنْ كَانَ بِالْجَارِحِ فَبَاتَ الصَّيْدُ عَنْهُ وَقَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ بَعْدَ أَنْ غَابَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الصَّيْدِ بِالْكَلْبِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَإِنْ بَاتَ عَنْهُ سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهُ يَطْلُبُهُ أَوْ لَا يَطْلُبُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ صَاحِبُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ حَلَّ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ تَشَاغَلَ عَنْهُ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ وَجْهُ الِامْتِنَاعِ مِنْ أَكْلِهِ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّ لِلْحَيَوَانِ انْتِشَارًا بِاللَّيْلِ فَإِذَا بَاتَ عَنْهُ جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَا يَنْتَشِرُ مِنْ السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا بِاللَّيْلِ قَتَلَهُ دُونَ كَلْبِهِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا بِالنَّهَارِ إذَا غَابَ عَنْهُ أَكْثَرَ النَّهَارِ إلَّا أَنَّهُ يَنْدُرُ بِالنَّهَارِ وَيَكْثُرُ بِاللَّيْلِ فَالْحُكْمُ لِلْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ إنَّ مَغِيبَ الصَّيْدِ عَنْ الصَّائِدِ لَا يَمْنَعُ إبَاحَتَهُ أَصْلُهُ مَغِيبُهُ بِالنَّهَارِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إنْ صَادَ بِسَهْمِهِ فَبَاتَ عَنْهُ فَاَلَّذِي رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ صَادَ بِكَلْبٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ بَاتَ عَنْهُ فَوَجَدَ فِيهِ أَثَرَ سَهْمِهِ وَقَدْ أُنْفِذَتْ مَقَاتِلُهُ فَلْيَأْكُلْهُ وَأَمَّا أَثَرُ الْبَازِي وَالْكَلْبِ فَلَا يَأْكُلُ وَإِنْ كَانَ مَقْتَلًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ. فَوَجْهُهَا مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَإِنْ رَمَيْت الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَثَرُ سَهْمِك فَكُلْ فَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ أَثَرِ السَّهْمِ وَالْجَارِحِ أَنَّ السَّهْمَ يُوجَدُ فِي مَوْضِعِهِ فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ أَثَرُ غَيْرِهِ عُلِمَ أَنَّهُ مَاتَ مِنْهُ، وَأَمَّا الْجَوَارِحُ فَإِنَّ آثَارَهَا كَآثَارِ غَيْرِهَا مِنْ السِّبَاعِ لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهَا فَصَارَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ رِوَايَةُ الْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ مَا فَاتَ سَوَاءٌ صِيدَ بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يُؤْكَلُ مَا بَاتَ سَوَاءٌ صِيدَ بِسَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ وَقَوْلُ أَصْبَغَ يُؤْكَلُ مَا بَاتَ مِمَّا صِيدَ بِسَهْمٍ وَلَا يُؤْكَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا صِيدَ بِجَارِحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْمُعَلَّمَاتِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْجَارِحِ] (ش) : قَوْلُهُ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ كُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْك يُرِيدُ الْمُعَلَّمَ لِلصَّيْدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] وَمَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إذَا أَرْسَلْت الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْك» وَفِي هَذَا ثَلَاثُ أَبْوَابٍ أَحَدُهَا فِي صِفَةِ الْجَارِحِ الَّذِي يَصِحُّ الِاصْطِيَادُ بِهِ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمُعَلَّمِ مِنْهُ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الْإِمْسَاكِ عَلَى الصَّائِدِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْجَارِحِ) فَأَمَّا صِفَةُ الْجَارِحِ الَّذِي يَصِحُّ أَنْ يُصَادَ بِهِ فَهُوَ كُلُّ جَارِحٍ يُمْكِنُ أَنْ يَفْهَمَ التَّعْلِيمَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَمِنْ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَالْبَاشِقِ وَالشَّاهِينِ وَالشَّذَانِيقِ وَالْعُقَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعَلَى هَذَا عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَحِلُّ إلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ وَأَمَّا صَيْدُ سَائِرِ الْجَوَارِحِ مِنْ الطَّيْرِ وَغَيْرِهَا فَلَا يَحِلُّ صَيْدُهَا وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَجُوزُ صَيْدُ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا صَيْدُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ رَاهْوَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى وَمَا ﴿عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]

стр. 805

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ جَارِحٍ مِنْ الْكِلَابِ وَغَيْرِهَا لِأَنَّ مَعْنَى مُكَلِّبِينَ مُسَلِّطِينَ وَأَضَافَهُ إلَى الصَّائِدِ لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ التَّعْلِيمُ وَالتَّسْلِيطُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ مَسْلَمَةَ: التَّكْلِيبُ تَعْلِيمُ الْكِلَابِ الصَّيْدَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا مِنْ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ فَجَازَ الِاصْطِيَادُ بِهِ كَالْكَلْبِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ] ١ ِ أَمَّا صِفَةُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ فَهُوَ أَنْ يَفْهَمَ الزَّجْرَ وَالْأَشْلَاءَ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ شَرْطٌ فِي تَعَلُّمِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قَالُوا: فَمَا بَقِيَ بَعْدَ الْأَكْلِ فَهُوَ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْنَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ قَتْلَ الْجَارِحِ ذَكَاةٌ يَفْسُدُ الصَّيْدُ بِهَا فَلَا يَفْسُدُ بِأَكْلِهِ مِنْهُ أَصْلُ ذَلِكَ إذَا ذُبِحَ وَتَعَلَّقَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ قَتَلَ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ فَالْأَخْذُ بِهِ وَاجِبٌ غَيْرَ أَنَّهُ عَامٌّ فَتَحْمِلُهُ عَلَى الَّذِي أُدْرِكَ مَيِّتًا مِنْ الْجَرْيِ أَوْ الصَّدْمِ فَأَكَلَ مِنْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِرْسَالُ وَلَا الْإِمْسَاكُ عَلَيْنَا يُبَيِّنُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ قَدْ قَالَ ﷺ : «مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ أَخْذُهُ الْمُعْتَادِ ذَكَاةً وَمَعْنَى الذَّكَاةِ أَنْ تُبِيحَ أَكْلَ الْمُذَكَّى فَلَا يُفْسِدُهُ مَا وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِ كَمَا لَوْ ذَبَحَهُ الصَّائِدُ ثُمَّ أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْبُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﷺ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ غَيْرُ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ دُونَ إرْسَالِ الصَّائِدِ لَهُ وَيَكُونُ قَوْلُهُ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ مَقْطُوعًا مِمَّا قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْحَدِيثَ وَوَجْهُ تَأْوِيلِهِ لِإِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ ابْنَ عُمَرَ فَبَيَّنَّا أَنَّ مَالِكًا مُخَالِفُهُ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَهُ عَلَى وَجْهٍ سَائِغٍ وَقِيَاسٍ جَلِيٍّ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْنَى الْإِمْسَاكِ] ١ ِ أَمَّا مَعْنَى الْإِمْسَاكِ عَلَيْنَا فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يُمْسِكَ بِإِرْسَالِنَا وَهُوَ عَلَى أُصُولِنَا بَيِّنٌ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ مَيْزُ هَذَا وَإِنَّمَا يَتَصَيَّدُ بِالتَّعْلِيمِ وَإِذَا كَانَ الِاعْتِبَارُ عَلَيْنَا بِأَنْ يُمْسِكَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَمَيَّزَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّةٌ وَهُوَ مُرْسِلُهُ فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يُرْسِلْهُ فَلَمْ يُمْسِكْ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] مِمَّا صِدْنَ لَكُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلْبَ إذَا لَمْ يُرْسِلْهُ الصَّائِدُ وَصَادَ بِإِرْسَالِهِ فَلَا يُؤْكَلُ مَا قَتَلَ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ» وَفِيهِ «فَإِنْ وَجَدْت مَعَ كِلَابِك أَوْ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ فَخَشِيت أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا ذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا انْشَلَى الْكَلْبُ بِنَفْسِهِ عَلَى الصَّيْدِ ثُمَّ أَعَانَهُ الصَّائِدُ بِالْإِشْلَاءِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِأَوَّلِ انْبِعَاثِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كَلْبًا عَلَى صَيْدٍ فَانْبَعَثَ بِذَلِكَ فَأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ لَمَا مَنَعَ ذَلِكَ مِنْ أَكْلِهِ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مَجُوسِيٌّ ثُمَّ أَغْرَاهُ مُسْلِمٌ مَا أُكِلَ صَيْدُهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ بِإِشْلَائِهِ تَمَادَى عَلَى الصَّيْدِ فَوَجَبَ أَنْ يُطْرَحَ مَا كَانَ مِنْ جَرْيِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى قَصْدِ قَاصِدٍ أَرْسَلَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فَصَادَ غَيْرَهُ فَقَتَلَهُ لَمْ يُؤْكَلْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ

стр. 806

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فَقَالَ سَعْدٌ: كُلْ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ــ [المنتقى] وَالشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ لَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ أَصْلُهُ إذَا انْبَعَثَ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّيْدَ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ يَرَاهَا الصَّائِدُ أَوْ يَرَى بَعْضَهَا أَوْ لَا يَرَى شَيْئًا مِنْهَا وَتُحْصَرُ بِمَوْضِعٍ لَا تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا فِي الْأَغْلَبِ كَالْغَارِ فِيهِ الصَّيْدُ يُرْسِلُ جَارِحَهُ وَيَنْوِي جَمِيعَ مَا فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَصِحُّ إرْسَالُهُ إلَّا عَلَى مَا يَرَاهُ حِينَ الْإِرْسَالِ وَأَمَّا مَا لَا يَرَاهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّيْدِ إلَيْهِ كَالْغَيْضَةِ وَالْجَوْبَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَقَدْ جَوَّزَ الْإِرْسَالَ عَلَى مَا فِيهَا أَصْبَغُ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلَانِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ وَأَقْوَالُ أَصْحَابِنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ عَلَى مَا لَا يَرَاهُ إذَا أُمِنَ مِنْ امْتِزَاجِ غَيْرِهِ بِهِ كَالْغَارِ وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ كَالْغِيَاضِ وَمَذْهَبُ أَصْبَغَ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ عَلَى مَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهَا صَيْدٌ غَيْرُ مَا فِيهَا كَالْغِيَاضِ أَوْ مِمَّا لَا يَصِلُ إلَيْهِ كَالْغَارِ وَمَذْهَبُ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ إلَّا عَلَى مَا يَرَاهُ وَأَمَّا الْإِرْسَالُ عَلَى غَيْرِ تَعْيِينٍ مِثْلُ أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ وَنَوَى كُلَّ صَيْدٍ فِي الْعَالَمِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ يُرِيدُونَ قَتْلَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَكَاةٌ إذَا أَخَذَهُ الْأَخْذَ الْمُعْتَادَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْ جُرْحِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ بِالصَّدْمِ أَوْ الضَّغْطِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ: يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذِهِ نَطِيحَةٌ لَمْ تُذَكَّ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ آلَةُ الصَّيْدِ فَإِذَا قَتَلَتْ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ لَمْ تُؤْكَلْ أَصْلُ ذَلِكَ السَّهْمُ وَالْمِعْرَاضُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ وَإِنْ قَتَلَ» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُجْرَحَ أَوْ لَا يُجْرَحُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ مَاتَ بِفِعْلِ الْجَارِحِ فَجَازَ أَكْلُهُ أَصْلُ ذَلِكَ جُرْحُهُ فَأَمَّا إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْرِكَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْتُلْ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَذَكَّيْتُهُ لِأَنَّ ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ هِيَ الذَّكَاةُ الْمَعْهُودَةُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ الْكَلْبُ سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ذَكَاتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَكَلَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ هُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ قَتْلِهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ ذَكَاةٌ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَضُرُّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا لَا يَضُرُّ الذَّبِيحَةُ مَا طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ ذَكَاتِهَا (ش) : ظَاهِرُ السُّؤَالِ عَنْ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ هَلْ يُبِيحُ ذَلِكَ أَكْلَهُ أَوْ لَا يُبِيحُهُ فَأَجَابَهُ سَعْدٌ بِقَوْلِ: كُلْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا بَضْعَةٌ وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ ذِكْرُ الْأَكْلِ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَقْتُلَهُ الصَّيْدُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ فَقَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يَضُرُّك بَعْدَ ذَلِكَ مَا حَدَثَ عَلَى الصَّيْدِ فَكُلْ مَا وَجَدْت مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَكْلِ الْكَلْبِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ ذَكَاتَهُ قَدْ كَمُلَتْ.

стр. 807

فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إرْسَالِهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ مِنْ فِي الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كُلٌّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ وَهُوَ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي فِي الْكَلْبِ فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوْ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الَّذِي ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ الْجَوَارِحِ الَّتِي تَفْهَمُ التَّعْلِيمَ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تَعْلِيمُ الْكَلْبِ أَنْ تَدْعُوهُ فَيُجِيبَ وَتُشْلِيَهُ فَيُشْلَى وَتَزْجُرَهُ فَيَزْدَجِرَ وَكَذَلِكَ الْفُهُودُ وَأَمَّا الْبُزَاةُ وَالصَّقْرُ وَالْعِقْبَانُ فَأَنْ تُجِيبَ إذَا دُعِيَتْ وَتُنْشَلِي إذَا أُشْلِيَتْ وَلَا تَزْدَجِرُ إذَا زُجِرَتْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِيهَا قَالَهُ رَبِيعَةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الْبُزَاةِ أَنَّهَا كَالْكِلَابِ تُجِيبُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَتَفْقَهُ الزَّجْرَ وَأَمَّا مَا لَا يَفْقَهُ الزَّجْرَ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ إلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّمِرِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ كَانَ لَا يَفْقَهُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَمَا جَرَى مَجْرَى مَا ذُكِرَ مِمَّا يُصَادُ بِهِ فَهُوَ جَارِحٌ وَإِنْ كَانَ سِنَّوْرًا أَوْ ابْنَ عُرْسٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جِنْسَ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ إذَا كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَ فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ أَكْلُ مَا قَتَلَ النَّمِرُ الَّذِي جِنْسُهُ لَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَرَتْ يُرِيدُ مَا تَنَاوَلَتْهُ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِيَادِ مِمَّنْ يُصَادُ بِهَا إذَا أُشْلِيَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهَا لَوْ أَرْسَلَهَا فَلَمْ يَقْتُلْ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِيَادِ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَتْبَعْ الصَّيْدَ بِالْإِشْلَاءِ بَلْ رَجَعَتْ عَنْهُ وَاشْتَغَلَتْ بِغَيْرِهِ أَوْ قَتَلَتْهُ صَدْمًا أَوْ نَطْحًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَجْهَ الِاصْطِيَادِ الْمُعْتَادِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إرْسَالِهَا ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاصْطِيَادِ كَمَا هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي الصَّيْدِ عَامِدًا لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ وَيَجْرِي فِي التَّسْمِيَةِ فِي الصَّيْدِ مِنْ الْخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الذَّبِيحَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَالِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] فَأَمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّصَيُّدِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إذَا سَمَّيْت فَكُلْ وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْ» وَكَذَلِكَ إرْسَالُ السَّهْمِ وَالرَّمْيُ بِالرُّمْحِ وَالضَّرْبُ بِالسَّيْفِ يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ التَّسْمِيَةِ مَا يَلْزَمُ فِي إرْسَالِ الْجَارِحِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ انْتَقَلَتْ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ تَلْزَمُ حِينَ إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي قَوْلِهِ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إرْسَالِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا قَتَلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَكَاتَهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّيْدِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَزِمَتْهُ ذَكَاتُهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَمِّيَ عِنْدَ ذَكَاتِهِ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا غَيْرَ أَنَّ إرْسَالَ الْكَلْبِ هُوَ ابْتِدَاءُ ذَكَاةِ مَا قُتِلَ لِأَنَّهُ قَدْ تَغَيَّبَ حِينَ الْقَتْلِ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَا تُمْكِنُ التَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ فَشُرِعَتْ التَّسْمِيَةُ حِينَ الْإِرْسَالِ فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ انْتَقَلَتْ ذَكَاتُهُ إلَى الذَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ فَلَزِمَتْ إعَادَةُ التَّسْمِيَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ لَزِمَتْ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَارِحِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّائِدِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْكَلْبِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الصَّائِدَ أَنْ يَنْوِيَ دُونَ وَقْتِ قَتْلِ الْكَلْبِ فَإِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلٌ آخَرُ وَهُوَ الذَّكَاةُ وَنِيَّةٌ أُخْرَى فَلَزِمَتْ إعَادَةُ التَّسْمِيَةِ كَمَا لَزِمَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 808

يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِي فَصَادَ أَوْ قَتَلَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَبْلِهِ فَيَقْتُلُ بِهَا فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِي عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ إلَّا أَنْ يُذَكَّى وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ قَوْسُ الْمُسْلِمِ وَنَبْلُهُ يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَجُوسِيُّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْجَارِحَ إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ سَالِمًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ أَوْ لَا يَقْدِرُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الذَّكَاةِ بِأَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ فَيُذَكِّيَهُ أَوْ يُذَكِّيَهُ فِي أَفْوَاهِهَا أَوْ تَحْتِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَانْتَقَلَتْ الذَّكَاةُ إلَى الصَّائِدِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَتَرَكَهَا حَتَّى قَتَلَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَكَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْكَلَ بِقَتْلِ الْجَارِحِ كَالْمُسْتَأْنِسِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ شُغِلَ عَنْ ذَكَاتِهِ بِإِخْرَاجِ السِّكِّينِ مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ انْتِظَارِهِ غُلَامَهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ الْكِلَابُ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَهَذَا مِمَّا أَمْسَكَتْهُ الْجَوَارِحُ عَلَيْنَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إذَا أَرْسَلْت كِلَابَك الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ قَتَلْنَ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُسْتَوْحِشٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَكَاتُهُ بِعَقْرِ الْجَوَارِحِ أَوْ آلَةِ الصَّيْدِ كَاَلَّذِي لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ صَيْدِ الْجَوَارِحِ فَإِذَا رَمَى الصَّيْدَ بِسَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَلَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ وَصَارَ بِمَا نَالَ مِنْهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَإِنَّ الذَّكَاةَ قَدْ انْتَقَلَتْ إلَى أَصْلِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَإِنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ فَاتَتْ ذَكَاتُهُ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلْبِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ آلَةٌ لِلصَّيْدِ كَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَلَا يُرَاعَى فِيهَا صِفَةُ مَالِكِهِ وَلَا صِفَةُ مُعَلِّمِهِ وَلَا صِفَةُ مُرْسِلِهِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى صِفَةُ الْمُرْسَلِ فِي نَفْسِهِ فَالْكَلْبُ كَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ فَإِذَا أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ وَهُوَ مُعَلَّمٌ فَقَدْ أَرْسَلَ كَلْبًا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهِ وَالْمُرْسِلُ لَمَّا كَانَ مُسْلِمًا جَازَ اصْطِيَادُهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ مِلْكُ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْسَلٍ وَلَا جَارِحٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الصَّيْدِ صِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْجَارِحِ خَاصَّةً وَذَلِكَ كَالذَّابِحِ يُرَاعَى فِيهِ صِفَةُ الذَّبْحِ وَصِفَةُ آلَةِ الذَّبْحِ دُونَ صِفَةِ مَالِكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمَجُوسِيَّ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمُسْلِمِ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا لِأَنَّ الْكَلْبَ وَإِنْ كَمُلَتْ شُرُوطُ الصَّيْدِ فِيهِ فَإِنَّ مُرْسِلَهُ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ فِي الصَّيْدِ وَقَدْ عُدِمَتْ شُرُوطُهُ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُ لَا يَجُوزُ صَيْدُهُ وَلِلصَّائِدِ صِفَاتٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا وَأَنْ يَكُونَ صَاحِيًا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ صَيْدِ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الصَّاحِي فَأَمَّا صَيْدُ الْكِتَابِيِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَإِنْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إبَاحَتَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَذَبَائِحِهِمْ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الصَّيْدِ كَمَا ذَكَرَ إبَاحَةَ طَعَامِهِمْ وَهِيَ ذَبَائِحُهُمْ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْمُضَافَ

стр. 809

مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ قَالَ نَافِعٌ ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَأَ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قَالَ نَافِعٌ: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) . ــ [المنتقى] مِنْ بَابِ الْحَصْرِ فَلَمَّا أَضَافَ الْأَيْدِي وَالرِّمَاحَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَصْرِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا ذَكَاةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الْكِتَابِيِّ كَالذَّبْحِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وَإِذَا تَوَلَّدَ صَبِيٌّ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ فَحُكْمُهُ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُ أَبِيهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَلَا ذَبِيحَتُهُ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَلَا تَصِحُّ النِّيَّةُ مِنْ أَحَدِهِمَا. [مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْ أَكْلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَلْفِظَهُ حَيًّا وَالثَّانِي أَنْ يَلْفِظَهُ مَيِّتًا لِمَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ ثُمَّ ظَهَرَ إلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ أَوْ يَذْكُرَ الْآيَةَ فَأَعَادَ نَظَرَهُ فِيهَا فَقَرَأَ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ فَحَمْلُ الصَّيْدِ عَلَى مَا اُصْطِيدَ مِنْهُ لِامْتِنَاعِهِ وَالطَّعَامِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ دُونَ تَصَيُّدٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الطَّافِي الَّذِي قَدْ مَاتَ وَهُوَ فِي الْغَالِبِ لَا يُعْلَمُ سَبَبُ مَوْتِهِ وَلَا أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ فَلَمَّا اسْتَوَى عِنْدَهُ ذَلِكَ فِي الْإِبَاحَةِ إمَّا لِعُمُومِ الْآيَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ رَجَعَ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ إلَى إبَاحَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ صَيْدِ الْبَحْرِ حَلَالٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَمَّا كَلْبُ الْمَاءِ وَخِنْزِيرُهُ فَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ اُخْتُلِفَ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ فَأَجَازَ أَكْلَهُ رَبِيعَةُ وَكَرِهَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يُبِيحُهُ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ التَّسْمِيَةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيبُنَا فِيهِ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّعْلِيقَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَاعِي فِي الْعُمُومِ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ دُونَ عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِ وَمَنْ رَاعَى عُرْفَ اسْتِعْمَالِهِ دُونَ مَوْضُوعِهِ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ أَوْ حَكَمَ لِمَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْكَرَاهِيَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَلَوْ أَكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخَرْتِيتُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَنَا أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ الْمَمْسُوخِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْفَظَ حَيًّا وَالثَّانِي أَنْ يَلْفِظَهُ مَيِّتًا فَأَمَّا لَفْظُهُ حَيًّا فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ جَوَازُ أَكْلِهِ وَكَذَلِكَ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ إلَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ مِثْلُ أَنْ يُؤْخَذَ فَيَمُوتَ أَوْ يَمُوتَ مِنْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَقْتُلَهُ سَمَكَةٌ أُخْرَى أَوْ يَنْضُبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَيَمُوتَ أَوْ يَلْفِظَهُ الْبَحْرُ حَيًّا فَيَمُوتَ فَأَمَّا إنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا سَمَكٌ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ لَأُكِلَ فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ وَجَبَ أَنْ يُؤْكَلَ أَصْلُهُ إذَا مَاتَ بِسَبَبٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِقَصْدِ قَاصِدٍ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ

стр. 810

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعْدِ الْجَارِي مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ قَالَ سَعْدٌ: ثُمَّ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] فِي الْحُوتِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِيهِ الذَّكَاةُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَ الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ . [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ] ١ (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ الْحِيتَانِ وَدَوَابِّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ لَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ وَضَرْبٌ تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ فَأَمَّا مَا لَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ كَالسَّمَكِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحِيتَانِ وَالدَّوَابِّ الَّتِي إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَاءِ لَمْ تَبْقَ حَيَاتُهَا وَعَاجَلَهَا الْمَوْتُ وَلَا تَصَرُّفَ لَهَا فِي الْبَرِّ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا سَبَبٍ وَأَمَّا مَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ كَالضَّفَادِعِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةُ أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا سَبَبٍ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا كَانَ مَأْوَاهُ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَإِنْ كَانَ يَرْعَى فِي الْبَرِّ وَكَانَ مَأْوَاهُ وَمُسْتَقَرُّهُ فِي الْبَرِّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ فِي الْقِسْمَيْنِ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ كَالْحُوتِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ) . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : دَمُ السَّمَكِ نَجِسٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ طَاهِرٌ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَبِطَهَارَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إنَّ هَذَا دَمٌ سَائِلٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ] (الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ) أَمَّا مَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ فَهُوَ كَالْجَرَادِ وَالْحَلَزُونِ وَمَا يَكُونُ فِي الْبَرِّ مِنْ الْحَشَرَاتِ وَأَنْوَاعِ الْخَشَاشِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهِيَ عِنْدِي مِنْ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِذَكَاةٍ فَإِنْ مَاتَتْ بِغَيْرِ سَبَبٍ بَعْدَ أَنْ اُصْطِيدَتْ حَيَّةً فَقَدْ أَجَازَ أَكْلَهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَالَا: أَخْذُهَا ذَكَاتُهَا وَلَوْ وُجِدَتْ مَيِّتَةً لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا أَكْلُهَا وَأَجَازَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذِهِ مَيْتَةٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ إنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الذَّكَاةُ الْمَخْصُوصَةُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ ذَكَاةٌ أَصْلُهُ الْحُوتُ. (فَرْعٌ) وَحُكْمُ الْحَلَزُونِ حُكْمُ الْجَرَادِ فِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَنْ احْتَاجَ إلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ الْخَشَاشِ لِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا ذُكِّيَ كَمَا يُذَكَّى الْجَرَادُ كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَقْرَبِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْعَقْرَبَانِ وَالْجُنْدُبِ وَالزُّنْبُورِ وَالْيَعْسُوبِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالسُّوسِ وَالْحِلْمِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (ش) : مَا قَتَلَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنْ الْحِيتَانِ أَوْ مَاتَ صَرَدًا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِنْ فِعْلِ الصَّائِدِ بَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَتَى مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ فِعْلِ الصَّائِدِ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَمَا احْتَاجَ إلَى سَبَبٍ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِنْ فِعْلِ قَاصِدٍ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي كُلِّ مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إنَّ ذَكَاتَهُ بِأَنْ يَقْصِدَ إلَى إمَاتَتِهِ بِفِعْلٍ مَا وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ صِفَةِ الْفَاعِلِ
следующие страницы →