← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6684

المنتقى شرح الموطإ

أبو الوليد الباجي

Полный текст (2 236 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

(ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فَقَالَ سَعْدٌ: كُلْ وَإِنْ لَمْ تَبْقَ إلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ) . (ص) : (مَالِكٌ أَنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ــ [المنتقى] وَالشَّافِعِيُّ: يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ لَمْ يُرْسِلْ عَلَيْهِ فَلَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ أَصْلُهُ إذَا انْبَعَثَ مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّيْدَ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ يَرَاهَا الصَّائِدُ أَوْ يَرَى بَعْضَهَا أَوْ لَا يَرَى شَيْئًا مِنْهَا وَتُحْصَرُ بِمَوْضِعٍ لَا تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا فِي الْأَغْلَبِ كَالْغَارِ فِيهِ الصَّيْدُ يُرْسِلُ جَارِحَهُ وَيَنْوِي جَمِيعَ مَا فِيهِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَصِحُّ إرْسَالُهُ إلَّا عَلَى مَا يَرَاهُ حِينَ الْإِرْسَالِ وَأَمَّا مَا لَا يَرَاهُ إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّيْدِ إلَيْهِ كَالْغَيْضَةِ وَالْجَوْبَةِ مِنْ الْأَرْضِ فَقَدْ جَوَّزَ الْإِرْسَالَ عَلَى مَا فِيهَا أَصْبَغُ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَيَتَخَرَّجُ الْقَوْلَانِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ وَأَقْوَالُ أَصْحَابِنَا فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ فَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ عَلَى مَا لَا يَرَاهُ إذَا أُمِنَ مِنْ امْتِزَاجِ غَيْرِهِ بِهِ كَالْغَارِ وَلَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ ذَلِكَ كَالْغِيَاضِ وَمَذْهَبُ أَصْبَغَ يَجُوزُ الْإِرْسَالُ عَلَى مَا فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا يَصِلُ إلَيْهَا صَيْدٌ غَيْرُ مَا فِيهَا كَالْغِيَاضِ أَوْ مِمَّا لَا يَصِلُ إلَيْهِ كَالْغَارِ وَمَذْهَبُ أَشْهَبَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ إلَّا عَلَى مَا يَرَاهُ وَأَمَّا الْإِرْسَالُ عَلَى غَيْرِ تَعْيِينٍ مِثْلُ أَنْ يُرْسِلَهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ وَنَوَى كُلَّ صَيْدٍ فِي الْعَالَمِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ قَتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ يُرِيدُونَ قَتْلَ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذَكَاةٌ إذَا أَخَذَهُ الْأَخْذَ الْمُعْتَادَ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ مِنْ جُرْحِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ أَنْفَذَ مَقَاتِلَهُ وَأَمَّا إنْ قَتَلَهُ بِالصَّدْمِ أَوْ الضَّغْطِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَشْهَبَ: يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذِهِ نَطِيحَةٌ لَمْ تُذَكَّ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ آلَةُ الصَّيْدِ فَإِذَا قَتَلَتْ مِنْ غَيْرِ جُرْحٍ لَمْ تُؤْكَلْ أَصْلُ ذَلِكَ السَّهْمُ وَالْمِعْرَاضُ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فَكُلْ وَإِنْ قَتَلَ» وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ أَنْ يُجْرَحَ أَوْ لَا يُجْرَحُ وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا صَيْدٌ مَاتَ بِفِعْلِ الْجَارِحِ فَجَازَ أَكْلُهُ أَصْلُ ذَلِكَ جُرْحُهُ فَأَمَّا إذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْرِكَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إنَّ قَوْلَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ. (فَصْلٌ) : وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ مَعْنَى ذَلِكَ إنْ لَمْ يَقْتُلْ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَذَكَّيْتُهُ لِأَنَّ ذَكَاةَ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ هِيَ الذَّكَاةُ الْمَعْهُودَةُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ حَتَّى قَتَلَهُ الْكَلْبُ سَوَاءٌ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّ قَتْلَهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ذَكَاتُهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ أَكَلَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ هُوَ مَذْهَبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَذَلِكَ إنْ أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ قَتْلِهِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ ذَكَاةٌ قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فَلَا يَضُرُّ مَا طَرَأَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِ كَمَا لَا يَضُرُّ الذَّبِيحَةُ مَا طَرَأَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَمَامِ ذَكَاتِهَا (ش) : ظَاهِرُ السُّؤَالِ عَنْ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ هَلْ يُبِيحُ ذَلِكَ أَكْلَهُ أَوْ لَا يُبِيحُهُ فَأَجَابَهُ سَعْدٌ بِقَوْلِ: كُلْ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إلَّا بَضْعَةٌ وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ ذِكْرُ الْأَكْلِ غَيْرَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَقْتُلَهُ الصَّيْدُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ فَقَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ فَلَا يَضُرُّك بَعْدَ ذَلِكَ مَا حَدَثَ عَلَى الصَّيْدِ فَكُلْ مَا وَجَدْت مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إلَّا بَضْعَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَكْلِ الْكَلْبِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّ ذَكَاتَهُ قَدْ كَمُلَتْ.

стр. 807

فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَتْ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَى إرْسَالِهَا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: وَأَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَتَخَلَّصُ الصَّيْدَ مِنْ مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ مِنْ فِي الْكَلْبِ ثُمَّ يَتَرَبَّصُ بِهِ فَيَمُوتُ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ كُلٌّ مَا قُدِرَ عَلَى ذَبْحِهِ وَهُوَ فِي مَخَالِبِ الْبَازِي أَوْ فِي فِي الْكَلْبِ فَيَتْرُكُهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَبْحِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ الْبَازِي أَوْ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الَّذِي ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ فِي الْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصَّقْرِ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ كَمَا تَفْقَهُ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ الْجَوَارِحِ الَّتِي تَفْهَمُ التَّعْلِيمَ يُؤْكَلُ مَا قَتَلَتْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تَعْلِيمُ الْكَلْبِ أَنْ تَدْعُوهُ فَيُجِيبَ وَتُشْلِيَهُ فَيُشْلَى وَتَزْجُرَهُ فَيَزْدَجِرَ وَكَذَلِكَ الْفُهُودُ وَأَمَّا الْبُزَاةُ وَالصَّقْرُ وَالْعِقْبَانُ فَأَنْ تُجِيبَ إذَا دُعِيَتْ وَتُنْشَلِي إذَا أُشْلِيَتْ وَلَا تَزْدَجِرُ إذَا زُجِرَتْ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ فِيهَا قَالَهُ رَبِيعَةُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي الْبُزَاةِ أَنَّهَا كَالْكِلَابِ تُجِيبُ عِنْدَ النِّدَاءِ وَتَفْقَهُ الزَّجْرَ وَأَمَّا مَا لَا يَفْقَهُ الزَّجْرَ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَ مِنْ الصَّيْدِ إلَّا أَنْ تُدْرِكَ ذَكَاتَهُ رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي النَّمِرِ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة إنْ كَانَ لَا يَفْقَهُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَمَا جَرَى مَجْرَى مَا ذُكِرَ مِمَّا يُصَادُ بِهِ فَهُوَ جَارِحٌ وَإِنْ كَانَ سِنَّوْرًا أَوْ ابْنَ عُرْسٍ وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ جِنْسَ مَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ إذَا كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مُعَلَّمٍ لَا يَجُوزُ أَكْلُ مَا قَتَلَ فَبِأَنْ لَا يَجُوزَ أَكْلُ مَا قَتَلَ النَّمِرُ الَّذِي جِنْسُهُ لَا يَفْقَهُ التَّعْلِيمَ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ مَا قَتَلَتْ مِمَّا صَادَرَتْ يُرِيدُ مَا تَنَاوَلَتْهُ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِيَادِ مِمَّنْ يُصَادُ بِهَا إذَا أُشْلِيَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهَا لَوْ أَرْسَلَهَا فَلَمْ يَقْتُلْ عَلَى وَجْهِ الِاصْطِيَادِ وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَتْبَعْ الصَّيْدَ بِالْإِشْلَاءِ بَلْ رَجَعَتْ عَنْهُ وَاشْتَغَلَتْ بِغَيْرِهِ أَوْ قَتَلَتْهُ صَدْمًا أَوْ نَطْحًا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ وَجْهَ الِاصْطِيَادِ الْمُعْتَادِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إرْسَالِهَا ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّسْمِيَةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاصْطِيَادِ كَمَا هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الذَّكَاةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي الصَّيْدِ عَامِدًا لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ وَيَجْرِي فِي التَّسْمِيَةِ فِي الصَّيْدِ مِنْ الْخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الذَّبِيحَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هُنَالِكَ مِنْ الْكَلَامِ مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] فَأَمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّصَيُّدِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَمِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إذَا سَمَّيْت فَكُلْ وَإِلَّا فَلَا تَأْكُلْ» وَكَذَلِكَ إرْسَالُ السَّهْمِ وَالرَّمْيُ بِالرُّمْحِ وَالضَّرْبُ بِالسَّيْفِ يَلْزَمُ فِيهِ مِنْ التَّسْمِيَةِ مَا يَلْزَمُ فِي إرْسَالِ الْجَارِحِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ انْتَقَلَتْ مِنْهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ تَلْزَمُ حِينَ إرْسَالِ الْكَلْبِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي مُوَطَّئِهِ فِي قَوْلِهِ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ إرْسَالِهَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ رُبَّمَا قَتَلَ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَكَاتَهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّيْدِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَزِمَتْهُ ذَكَاتُهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُسَمِّيَ عِنْدَ ذَكَاتِهِ أَيْضًا وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا غَيْرَ أَنَّ إرْسَالَ الْكَلْبِ هُوَ ابْتِدَاءُ ذَكَاةِ مَا قُتِلَ لِأَنَّهُ قَدْ تَغَيَّبَ حِينَ الْقَتْلِ وَلَا يَعْلَمُ بِهِ فَلَا تُمْكِنُ التَّسْمِيَةُ حِينَئِذٍ فَشُرِعَتْ التَّسْمِيَةُ حِينَ الْإِرْسَالِ فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ انْتَقَلَتْ ذَكَاتُهُ إلَى الذَّكَاةِ الْمَعْهُودَةِ فَلَزِمَتْ إعَادَةُ التَّسْمِيَةِ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ لَزِمَتْ عِنْدَ إرْسَالِ الْجَارِحِ لِأَنَّهُ فِعْلُ الصَّائِدِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْكَلْبِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الصَّائِدَ أَنْ يَنْوِيَ دُونَ وَقْتِ قَتْلِ الْكَلْبِ فَإِذَا أَخَذَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فِعْلٌ آخَرُ وَهُوَ الذَّكَاةُ وَنِيَّةٌ أُخْرَى فَلَزِمَتْ إعَادَةُ التَّسْمِيَةِ كَمَا لَزِمَ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 808

يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ الضَّارِي فَصَادَ أَوْ قَتَلَ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَأَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُذَكِّهِ الْمُسْلِمُ وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ مِثْلُ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِشَفْرَةِ الْمَجُوسِيِّ أَوْ يَرْمِي بِقَوْسِهِ أَوْ بِنَبْلِهِ فَيَقْتُلُ بِهَا فَصَيْدُهُ ذَلِكَ وَذَبِيحَتُهُ حَلَالٌ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَجُوسِيُّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ الضَّارِي عَلَى صَيْدٍ فَأَخَذَهُ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ الصَّيْدُ إلَّا أَنْ يُذَكَّى وَإِنَّمَا مِثْلُ ذَلِكَ قَوْسُ الْمُسْلِمِ وَنَبْلُهُ يَأْخُذُهَا الْمَجُوسِيُّ فَيَرْمِي بِهَا الصَّيْدَ فَيَقْتُلُهُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ شَفْرَةِ الْمُسْلِمِ يَذْبَحُ بِهَا الْمَجُوسِيُّ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْجَارِحَ إذَا أَخَذَ الصَّيْدَ فَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهُ سَالِمًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ أَوْ لَا يَقْدِرُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى الذَّكَاةِ بِأَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ فَيُذَكِّيَهُ أَوْ يُذَكِّيَهُ فِي أَفْوَاهِهَا أَوْ تَحْتِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ وَانْتَقَلَتْ الذَّكَاةُ إلَى الصَّائِدِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَتَرَكَهَا حَتَّى قَتَلَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَكَاتِهِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْكَلَ بِقَتْلِ الْجَارِحِ كَالْمُسْتَأْنِسِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ شُغِلَ عَنْ ذَكَاتِهِ بِإِخْرَاجِ السِّكِّينِ مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ انْتِظَارِهِ غُلَامَهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ الْجَوَارِحُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَكَاتِهِ حَتَّى فَاضَتْ نَفْسُهُ أَوْ غَلَبَتْهُ الْكِلَابُ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَهَذَا مِمَّا أَمْسَكَتْهُ الْجَوَارِحُ عَلَيْنَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: إذَا أَرْسَلْت كِلَابَك الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْ قَتَلْنَ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُسْتَوْحِشٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَكَاتُهُ بِعَقْرِ الْجَوَارِحِ أَوْ آلَةِ الصَّيْدِ كَاَلَّذِي لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الَّذِي يَرْمِي الصَّيْدَ فَيَنَالُهُ وَهُوَ حَيٌّ فَيُفَرِّطُ فِي ذَبْحِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ صَيْدِ الْجَوَارِحِ فَإِذَا رَمَى الصَّيْدَ بِسَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ فَلَمْ يُنْفِذْ مَقَاتِلَهُ وَصَارَ بِمَا نَالَ مِنْهُ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَإِنَّ الذَّكَاةَ قَدْ انْتَقَلَتْ إلَى أَصْلِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يُذَكِّيَهُ فَإِنْ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ تَشَاغَلَ بِشَيْءٍ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ فَاتَتْ ذَكَاتُهُ وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ لِأَنَّ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلْبِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ آلَةٌ لِلصَّيْدِ كَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ وَلَا يُرَاعَى فِيهَا صِفَةُ مَالِكِهِ وَلَا صِفَةُ مُعَلِّمِهِ وَلَا صِفَةُ مُرْسِلِهِ وَإِنَّمَا يُرَاعَى صِفَةُ الْمُرْسَلِ فِي نَفْسِهِ فَالْكَلْبُ كَالسَّهْمِ وَالرُّمْحِ فَإِذَا أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبَ الْمَجُوسِيِّ وَهُوَ مُعَلَّمٌ فَقَدْ أَرْسَلَ كَلْبًا يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهِ وَالْمُرْسِلُ لَمَّا كَانَ مُسْلِمًا جَازَ اصْطِيَادُهُ فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِي ذَلِكَ مِلْكُ الْمَجُوسِيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُرْسَلٍ وَلَا جَارِحٍ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الصَّيْدِ صِفَةُ الْمُرْسَلِ وَالْجَارِحِ خَاصَّةً وَذَلِكَ كَالذَّابِحِ يُرَاعَى فِيهِ صِفَةُ الذَّبْحِ وَصِفَةُ آلَةِ الذَّبْحِ دُونَ صِفَةِ مَالِكِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْمَجُوسِيَّ إذَا أَرْسَلَ كَلْبَ الْمُسْلِمِ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا لِأَنَّ الْكَلْبَ وَإِنْ كَمُلَتْ شُرُوطُ الصَّيْدِ فِيهِ فَإِنَّ مُرْسِلَهُ مِمَّنْ تُعْتَبَرُ صِفَاتُهُ فِي الصَّيْدِ وَقَدْ عُدِمَتْ شُرُوطُهُ لِأَنَّ مَنْ لَا تَجُوزُ ذَكَاتُهُ لَا يَجُوزُ صَيْدُهُ وَلِلصَّائِدِ صِفَاتٌ تُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا وَأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا وَأَنْ يَكُونَ صَاحِيًا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ صَيْدِ الْمُسْلِمِ الْعَاقِلِ الصَّاحِي فَأَمَّا صَيْدُ الْكِتَابِيِّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَإِنْ أُكِلَتْ ذَبِيحَتُهُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إبَاحَتَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَنَحْنُ نَكْرَهُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ كَذَبَائِحِهِمْ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] وَلَمْ يَذْكُرْ أَهْلَ الْكِتَابِ فِي الصَّيْدِ كَمَا ذَكَرَ إبَاحَةَ طَعَامِهِمْ وَهِيَ ذَبَائِحُهُمْ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى الْمُضَافَ

стр. 809

مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ قَالَ نَافِعٌ ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ فَقَرَأَ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] قَالَ نَافِعٌ: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ) . ــ [المنتقى] مِنْ بَابِ الْحَصْرِ فَلَمَّا أَضَافَ الْأَيْدِي وَالرِّمَاحَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قَصْرِ هَذَا الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا ذَكَاةٌ فَصَحَّتْ مِنْ الْكِتَابِيِّ كَالذَّبْحِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا طَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وَإِذَا تَوَلَّدَ صَبِيٌّ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَمَجُوسِيٍّ فَحُكْمُهُ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمُ أَبِيهِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَلَا يُؤْكَلُ صَيْدُهُ وَلَا ذَبِيحَتُهُ وَكَذَلِكَ السَّكْرَانُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ لِأَنَّ الصَّيْدَ يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ وَلَا تَصِحُّ النِّيَّةُ مِنْ أَحَدِهِمَا. [مَا جَاءَ فِي صَيْدِ الْبَحْرِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ نَهَى عَنْ أَكْلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَلْفِظَهُ حَيًّا وَالثَّانِي أَنْ يَلْفِظَهُ مَيِّتًا لِمَا اعْتَقَدَ تَحْرِيمَهُ ثُمَّ ظَهَرَ إلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ أَوْ يَذْكُرَ الْآيَةَ فَأَعَادَ نَظَرَهُ فِيهَا فَقَرَأَ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ فَحَمْلُ الصَّيْدِ عَلَى مَا اُصْطِيدَ مِنْهُ لِامْتِنَاعِهِ وَالطَّعَامِ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ دُونَ تَصَيُّدٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الطَّافِي الَّذِي قَدْ مَاتَ وَهُوَ فِي الْغَالِبِ لَا يُعْلَمُ سَبَبُ مَوْتِهِ وَلَا أَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ فَلَمَّا اسْتَوَى عِنْدَهُ ذَلِكَ فِي الْإِبَاحَةِ إمَّا لِعُمُومِ الْآيَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ رَجَعَ عَنْ الْمَنْعِ مِنْهُ إلَى إبَاحَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ صَيْدِ الْبَحْرِ حَلَالٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَمَّا كَلْبُ الْمَاءِ وَخِنْزِيرُهُ فَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ اُخْتُلِفَ فِي خِنْزِيرِ الْمَاءِ فَأَجَازَ أَكْلَهُ رَبِيعَةُ وَكَرِهَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يُبِيحُهُ. فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ التَّسْمِيَةِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُجِيبُنَا فِيهِ بِشَيْءٍ وَيَقُولُ: أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ التَّعْلِيقَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُرَاعِي فِي الْعُمُومِ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ دُونَ عُرْفِ اسْتِعْمَالِهِ وَمَنْ رَاعَى عُرْفَ اسْتِعْمَالِهِ دُونَ مَوْضُوعِهِ تَوَقَّفَ عَنْ الْجَوَابِ أَوْ حَكَمَ لِمَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْكَرَاهِيَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنِّي لَأَتَّقِيهِ وَلَوْ أَكَلَهُ رَجُلٌ لَمْ أَرَهُ حَرَامًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] وَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْخَرْتِيتُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَنَا أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ يُقَالُ: إنَّهُ مِنْ الْمَمْسُوخِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْفَظَ حَيًّا وَالثَّانِي أَنْ يَلْفِظَهُ مَيِّتًا فَأَمَّا لَفْظُهُ حَيًّا فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ جَوَازُ أَكْلِهِ وَكَذَلِكَ مَا لَفَظَهُ مَيِّتًا سَوَاءٌ مَاتَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ إلَّا مَا مَاتَ بِسَبَبٍ مِثْلُ أَنْ يُؤْخَذَ فَيَمُوتَ أَوْ يَمُوتَ مِنْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَقْتُلَهُ سَمَكَةٌ أُخْرَى أَوْ يَنْضُبَ عَنْهُ الْمَاءُ فَيَمُوتَ أَوْ يَلْفِظَهُ الْبَحْرُ حَيًّا فَيَمُوتَ فَأَمَّا إنْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ لَفَظَهُ الْبَحْرُ مَيِّتًا فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَهُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا سَمَكٌ لَوْ مَاتَ فِي الْبَرِّ لَأُكِلَ فَإِذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ وَجَبَ أَنْ يُؤْكَلَ أَصْلُهُ إذَا مَاتَ بِسَبَبٍ وَأَيْضًا فَإِنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا تَكُونُ بِقَصْدِ قَاصِدٍ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَصْدُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ

стр. 810

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعْدِ الْجَارِي مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا أَوْ تَمُوتُ صَرَدًا فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ قَالَ سَعْدٌ: ثُمَّ سَأَلْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ) . ــ [المنتقى] فِي الْحُوتِ فَوَجَبَ أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِيهِ الذَّكَاةُ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا بَابَانِ أَحَدُهُمَا فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَ الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ . [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ] ١ (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي بَيَانِ مَا يَجُوزُ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ الْحِيتَانِ وَدَوَابِّهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ لَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ وَضَرْبٌ تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ فَأَمَّا مَا لَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي غَيْرِ الْمَاءِ كَالسَّمَكِ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْحِيتَانِ وَالدَّوَابِّ الَّتِي إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْمَاءِ لَمْ تَبْقَ حَيَاتُهَا وَعَاجَلَهَا الْمَوْتُ وَلَا تَصَرُّفَ لَهَا فِي الْبَرِّ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا سَبَبٍ وَأَمَّا مَا تَبْقَى حَيَاتُهُ فِي الْبَرِّ كَالضَّفَادِعِ وَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةُ أَكْلِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَا سَبَبٍ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا كَانَ مَأْوَاهُ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَإِنْ كَانَ يَرْعَى فِي الْبَرِّ وَكَانَ مَأْوَاهُ وَمُسْتَقَرُّهُ فِي الْبَرِّ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَإِنْ كَانَ يَعِيشُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْمُزَنِيَّة عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ فِي الْقِسْمَيْنِ لَا يُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ هَذَا مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ كَالْحُوتِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ حَيَوَانٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ كَحَيَوَانِ الْبَرِّ) . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : دَمُ السَّمَكِ نَجِسٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ طَاهِرٌ يَحِلُّ أَكْلُهُ وَبِطَهَارَتِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إنَّ هَذَا دَمٌ سَائِلٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا كَسَائِرِ الدِّمَاءِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ] (الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ إلَّا بِذَكَاةٍ) أَمَّا مَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ فَهُوَ كَالْجَرَادِ وَالْحَلَزُونِ وَمَا يَكُونُ فِي الْبَرِّ مِنْ الْحَشَرَاتِ وَأَنْوَاعِ الْخَشَاشِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهِيَ عِنْدِي مِنْ الَّتِي لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ أَكْلُ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِذَكَاةٍ فَإِنْ مَاتَتْ بِغَيْرِ سَبَبٍ بَعْدَ أَنْ اُصْطِيدَتْ حَيَّةً فَقَدْ أَجَازَ أَكْلَهَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَقَالَا: أَخْذُهَا ذَكَاتُهَا وَلَوْ وُجِدَتْ مَيِّتَةً لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمَا أَكْلُهَا وَأَجَازَ ذَلِكَ مُطَرِّفٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْهُ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذِهِ مَيْتَةٌ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ فَلَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ أَصْلُ ذَلِكَ سَائِرُ حَيَوَانِ الْبَرِّ وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ إنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الذَّكَاةُ الْمَخْصُوصَةُ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ ذَكَاةٌ أَصْلُهُ الْحُوتُ. (فَرْعٌ) وَحُكْمُ الْحَلَزُونِ حُكْمُ الْجَرَادِ فِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ إلَّا بِذَكَاةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَانَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ يَقُولُ: مَنْ احْتَاجَ إلَى أَكْلِ شَيْءٍ مِنْ الْخَشَاشِ لِدَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا ذُكِّيَ كَمَا يُذَكَّى الْجَرَادُ كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَقْرَبِ وَبَنَاتِ وَرْدَانَ وَالْعَقْرَبَانِ وَالْجُنْدُبِ وَالزُّنْبُورِ وَالْيَعْسُوبِ وَالذَّرِّ وَالنَّمْلِ وَالسُّوسِ وَالْحِلْمِ وَالدُّودِ وَالْبَعُوضِ وَالذُّبَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (ش) : مَا قَتَلَ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنْ الْحِيتَانِ أَوْ مَاتَ صَرَدًا يَجُوزُ أَكْلُهُ وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لِأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبٍ وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِنْ فِعْلِ الصَّائِدِ بَلْ يَجُوزُ أَكْلُهُ مَتَى مَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ فِعْلِ الصَّائِدِ أَوْ غَيْرِ فِعْلِهِ وَمَا احْتَاجَ إلَى سَبَبٍ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِنْ فِعْلِ قَاصِدٍ إلَى ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي كُلِّ مَا لَيْسَتْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إنَّ ذَكَاتَهُ بِأَنْ يَقْصِدَ إلَى إمَاتَتِهِ بِفِعْلٍ مَا وَهَلْ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِنْ صِفَةِ الْفَاعِلِ

стр. 811

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَحْرُ بَأْسًا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ قَدِمُوا فَسَأَلُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَقَالَ: اذْهَبُوا إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ؟ فَأَتَوْهُمَا فَسَأَلُوهُمَا فَقَالَا: لَا بَأْسَ بِهِ فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ قُلْت لَكُمْ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحِيتَانِ يَصِيدُهَا الْمَجُوسِيُّ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ « ﷺ قَالَ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أُكِلَ ذَلِكَ مَيِّتًا فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَهُ) . تَحْرِيم أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» مَالِكٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» قَالَ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا) ــ [المنتقى] مَا يُعْتَبَرُ فِي الذَّكَاةِ أَمْ لَا؟ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَا يَجُوزُ صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ لِلْجَرَادِ إنْ قَتَلَهَا بِفِعْلِهِ إلَّا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ حَيَّةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَعَلَى آخِذِهَا التَّسْمِيَةُ عِنْدَ قَطْعِ رُءُوسِهَا أَوْ أَجْنِحَتِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُهَا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا ذَكَاةٌ لَهَا. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ الْجَارِ أَتَوْا مَرْوَانَ فَسَأَلُوهُ عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ وَمَعْنَاهُ مِنْ الْحِيتَانِ وَالدَّوَابِّ وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ حِينَئِذٍ فَأَفْتَاهُمْ بِأَكْلِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَعْلَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَعَلَّ مَنْ كَانَ يُشَارِكُهُمَا فِي الْعِلْمِ غَابَ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَاسْتَظْهَرَ بِمُشَاوَرَتِهِمَا لِمَعْنَيَيْنِ: إمَّا لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مُوَافَقَتَهُمَا لَهُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ قَبْلَ هَذَا وَأَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِ السَّائِلِينَ بِجَوَابِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ قَوْلَهُمَا فِي ذَلِكَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِجَوَابِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَيَعْلَمُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ ظَهَرَ إلَيْهِ مَا أَجَابَ بِهِ فَلَمَّا وَافَقَاهُ عَلَى ذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ وَقَوِيَ فِي نَفْسِهِ مَا أَفْتَاهُمْ بِهِ وَلَمْ يَسْأَلْ مَرْوَانُ وَلَا زَيْدٌ وَلَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَحَدًا مِنْ السَّائِلِينَ عَمَّا رَمَاهُ الْبَحْرُ مِنْ ذَلِكَ هَلْ رَمَاهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِيهِ لَسَأَلُوا عَنْهُ وَكَانَ الْجَوَابُ مِنْ التَّفْصِيلِ عَلَى حَسَبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ] (ش) : نَهْيُهُ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ ظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ بِدَلِيلِ إنْ وُجِدَ فِي الشَّرْعِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ السِّبَاعِ فَرَوَى الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ عَنْهُ أَنَّهَا كُلُّهَا عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ وَلَا تَفْصِيلٍ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا يَفْتَرِسُ مِنْ السِّبَاعِ وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ فَهُوَ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَمَا يَعِيشُ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ نَهْيٌ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَهَذَا فِيمَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ فَأَمَّا الطَّيْرُ فَإِنَّهَا تَفْتَرِسُ وَتَأْكُلُ اللَّحْمَ وَلَيْسَ بِأَكْلِهَا بَأْسٌ وَأَمَّا الْمَدَنِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَدَنِيُّونَ فِي تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْكَلْبِ فَأَمَّا غَيْرُ الْعَادِيَةِ كَالذِّئْبِ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَالْهِرِّ وَالْوَحْشِيِّ وَالْإِنْسِيِّ فَيُكْرَهُ أَكْلُهَا دُونَ تَحْرِيمٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَوْ بَلَغَهُ وَحَمَلَهُ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّهُ عِنْدَهُ عَلَى

стр. 812

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ضَرْبَيْنِ: مِنْهُ مَمْنُوعٌ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَمِنْهُ مَمْنُوعٌ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ وَأَمَّا الْمَغَارِبَةُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ السَّبُعُ وَالنَّمِرُ وَالْفَهْدُ مُحَرَّمَةٌ بِالسُّنَّةِ وَالذِّئْبُ وَالثَّعْلَبُ وَالْهِرُّ مَكْرُوهَةٌ وَقَدْ يُوجَدُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ مِثْلُ رِوَايَةِ الْعِرَاقِيِّينَ اسْتَدَلَّ شُيُوخُنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَلَيْسَتْ لُحُومُ السِّبَاعِ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ مُحَرَّمًا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا سَبُعٌ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا كَالضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» وَهَذَا نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْجَهْمِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ سُفْيَانَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْحِفْظِ. وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ فَلَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ التَّحْرِيمِ وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ لِأَنَّ مَالِكًا أَخْرَجَهُ فِي مُوَطَّئِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِهِ لَهُ وَالْتِزَامِهِ لَهُ لَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلٌ وَأَمَّا مُخَالَفَةُ لَفْظِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ لَهُ فَلَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ صَحِيحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَقَلَ لَفْظَ التَّحْرِيمِ وَنَقَلَ أَبُو ثَعْلَبَةَ لَفْظَ النَّهْيِ. وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِأَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ عَامٌّ فِي نَفْيِ كُلِّ مُحَرَّمٍ غَيْرَ مَا تَضَمَّنَتْ الْآيَةُ تَحْرِيمَهُ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَا لَا تَتَضَمَّنُهُ الْآيَةُ كَمَا دَلَّتْ آيَةُ الْخَمْرِ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَإِنَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَحَدِيثُ لُحُومِ السِّبَاعِ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى كُلِّ أَكْلٍ فَتُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا وَيُخَصُّ بِهَا حَدِيثُ تَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ وَتَحْمِلُهُ عَلَى الْمُحْرِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّ الْآيَةَ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهَا وَكَانَ التَّعْلِيقُ بِعُمُومِهَا أَوْلَى مِنْ التَّعَلُّقِ بِعُمُومٍ مَظْنُونٍ وَهُوَ عُمُومُ الْخَبَرِ فَإِنْ قِيلَ: فَمَا فَائِدَةُ تَخْصِيصِ لُحُومِ السِّبَاعِ وَسَائِرُ لُحُومِ الْوَحْشِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِينَ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ بِأَنْ يَخُصَّ نَوْعًا مِنْ الْجِنْسِ دُونَ جَمِيعِهِ لِيَجْتَهِدَ فِي إلْحَاقِ الْبَاقِي بِهِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ لَهُ كَمَا يَقُولُونَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَخَصَّ بِذَلِكَ التَّحْرِيمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْحَيَوَانِ عِنْدَكُمْ حَرَامًا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ خَصَّ لُحُومَ السِّبَاعِ بِالذِّكْرِ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا أُبِيحَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهَا ابْتِدَاءً لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فِي اسْتِبَاحَةِ لُحُومِهَا لَمَّا كَانَتْ بِمَنْزِلَتِهَا فِي اسْتِبَاحَةِ قَتْلِهَا وَالْأَصْلُ عِنْدِي فِي هَذَا أَنْ يُخَصَّ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] . فَالْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ الْحَيَوَانِ وَخَاصَّةٌ فِي الْإِمْسَاكِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَاصٌّ فِي السِّبَاعِ وَعَامٌّ فِي أَحْوَالِهَا فَنَجْمَعُ بَيْنَهَا وَنَخُصُّ الْحَدِيثَ وَنَحْمِلُهُ عَلَى الْمَيْتَةِ مِنْهَا بِدَلِيلِ خُصُوصِ الْآيَةِ فِيمَا أَمْسَكَ عَلَيْنَا وَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصِ الْآيَةِ بِالْحَدِيثِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْآيَةَ مَعْلُومَةٌ وَالْحَدِيثَ لَيْسَ بِمَعْلُومٍ وَالثَّانِي أَنَّ عُمُومَ الْآيَةِ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ وَعُمُومُ الْحَدِيثِ قَدْ دَخَلَهُ تَخْصِيصٌ فِي الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ هَذِهِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ أَنَّهَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ فَوَاتِ ذَكَاتِهَا فَخَرَجَ الْحَدِيثُ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِهَا فَهَذَا الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي ذَلِكَ وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ التَّحْرِيمَ أَظْهَرُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ وَخَاصٌّ فِي السِّبَاعِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي مَبْسُوطِهِ: أَحْسِبُ أَنَّ مَالِكًا حَمَلَ النَّهْيَ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ عَلَى النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا خَاصَّةً لِأَنَّ عُبَيْدَةَ بْنَ سُفْيَانَ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ حَرَامٌ» فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْأَكْلِ وَإِنَّ التَّذْكِيَةَ طُهْرٌ لِغَيْرِ الْآكِلِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِجُلُودِ السِّبَاعِ الْمُذَكَّاةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِ لُحُومِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ

стр. 813

مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوَابِّ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَقَالَ ﵎ فِي الْأَنْعَامِ ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] وَقَالَ ﵎ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨] قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْت أَنَّ الْبَائِسَ وَهُوَ الْفَقِيرُ وَأَنَّ الْمُعْتَرَّ هُوَ الزَّائِرُ قَالَ مَالِكٌ: فَذَكَرَ اللَّهُ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ لِلرُّكُوبِ وَالْأَكْلِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْقَانِعُ هُوَ الْفَقِيرُ أَيْضًا) . ــ [المنتقى] الدُّبَّ وَالثَّعْلَبَ وَالضَّبُعَ لَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ وَهَذَا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فَإِنَّ قَوْلَ مَالِكٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي السِّبَاعِ الَّتِي لَا تَبْدَأُ بِالْأَذَى غَالِبًا كَالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ الَّتِي تَبْدَأُ بِالْأَذَى غَالِبًا فَرُوِيَ عَنْهُ التَّحْرِيمُ. وَرُوِيَ عَنْهُ الْكَرَاهِيَةُ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ كِنَانَةَ أَنَّ كُلَّ مَا يَفْتَرِسُ وَيَأْكُلُ اللَّحْمَ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مُحْتَمِلٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَرَاهِيَةَ وَأَمَّا الْقِرْدُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَحِلُّ لَحْمُ الْقِرْدِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا وَلَا كَرَاهِيَةً فَإِنْ كَانَتْ كَرَاهِيَةٌ فَلِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا أَكْلُ الضَّبِّ فَمُبَاحٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ مَكْرُوهٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَلَا تُؤْكَلُ حَيَّةٌ وَلَا عَقْرَبٌ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّمَا كَرِهَ أَكْلَهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَلَا الطَّيْرِ وَلَا السَّمَكِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي مَعْنَى السِّبَاعِ فَكَرِهَ أَكْلَهَا كَمَا كَرِهَ أَكْلَ لُحُومِ السِّبَاعِ فَأَمَّا تَحْرِيمُهَا فَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَنَّ الدَّلِيلَ لَمْ يَقُمْ عَلَى ذَلِكَ فَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ لِلْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ أَكْلَهُمَا لِمَا فِيهِمَا مِنْ السُّمِّ مَخَافَةً عَلَى آكِلِهَا وَأَمَّا أَكْلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي إذَا أُمِنَ مِنْ أَذَاهَا وَعَرَفَ وَجْهَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَهُ أُبِيحَ أَكْلُ التِّرْيَاقِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْأَفَاعِي لِمَنْ أَمِنَ أَذَاهَا وَعَرَفَ سَلَامَةَ لَحْمِهَا مِنْ سُمِّهَا. (مَسْأَلَةٌ) : حَشَرَاتُ الْأَرْضِ مَكْرُوهَةٌ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا هـ مُحَرَّمَةٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْحَشَرَاتِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ الْهَوَامِّ فَكُرِهَ أَكْلُهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَالْحَيَّاتِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَجَازَ مَالِكٌ أَكْلَ الطَّيْرِ كُلِّهِ مَا كَانَ لَهُ مِخْلَبٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِخْلَبٌ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصُّرَدِ وَالْهُدْهُدِ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الطَّيْرِ يُكْرَهُ أَكْلُهُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْخُطَّافِ فَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْخَطَاطِيفِ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَكْلَهَا وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا لَا يُؤْكَلُ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ وَهَذَا عَامٌّ فَنَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وقَوْله تَعَالَى فِي الْجَوَارِحِ ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ ذِي مِخْلَبٍ وَغَيْرِهِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا طَائِرٌ فَلَمْ يَكُنْ حَرَامًا كَالدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ. [مَا يُكْرَهُ مِنْ أَكْلِ الدَّوَابِّ] (ش) : اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ بِالْآيَةِ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ لَامَ كَيْ بِمَعْنَى الْحَصْرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ قَصَدَ بِذَلِكَ الِامْتِنَاعَ عَلَيْنَا وَإِظْهَارَ إحْسَانِهِ إلَيْنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ مَا أَبَاحَهُ لَنَا مِنْهَا وَلَوْ كَانَتْ فِيهَا مَنْفَعَةٌ غَيْرُهَا لَذَكَرَهَا لِيُبَيِّنَ إنْعَامَهُ عَلَيْنَا أَوْ لِيُظْهِرَ إبَاحَةَ ذَلِكَ إلَيْنَا فَإِنَّ إخْبَارَهُ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهَا لِهَذَا الْمَعْنَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَمِيعُ التَّصَرُّفِ

стр. 814

مَا جَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» ) . ــ [المنتقى] الْمُبَاحِ فِيهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ وَذَكَرَ الْأَنْعَامَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَهَا لِنَرْكَبَ مِنْهَا وَنَأْكُلَ فَلَمَّا عَدَلَ فِي الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ عَنْ ذِكْرِ الْأَكْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهَا لِذَلِكَ وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْخَيْلُ عِنْدَ مَالِكٍ مَكْرُوهَةٌ وَلَيْسَتْ بِمُحَرَّمَةٍ وَلَا مُبَاحَةٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ مُبَاحَةٌ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْخَيْلُ مُخْتَلَفٌ فِي كَرَاهِيَةِ أَكْلِهَا فَلَا يَبْلُغُ بِهَا التَّحْرِيمُ وَالْبَرَاذِينُ مِثْلُهَا فَجَعَلَهَا مُبَاحَةً فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَدَلِيلُنَا عَلَى كَرَاهِيَتِهَا أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ أَهْلِيٌّ ذُو حَافِرٍ فَلَمْ يَكُنْ أَكْلُهُ مُبَاحًا كَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَتَعَلَّقَ مَنْ رَأَى إبَاحَةَ ذَلِكَ بِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ وَأَرْخَصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» . (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَمِيرُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِيهَا فَقِيلَ: إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَقِيلَ: مَكْرُوهَةٌ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ رِوَايَةَ الْكَرَاهِيَةِ خَاصَّةً وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّحْرِيمِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ «حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حَيَوَانٌ مَرْكُوبٌ ذُو حَوَافِرَ فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا كَالْخَيْلِ وَأَمَّا الْبِغَالُ فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُمُرِ لِأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخَيْلِ فَإِنْ قُلْنَا أَنَّ الْحُمُرَ مَكْرُوهَةٌ فَالْبِغَالُ مَكْرُوهَةٌ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْحُمُرَ مُحَرَّمَةٌ فَالْبِغَالُ مُحَرَّمَةٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّ الْقَانِعَ هُوَ الْفَقِيرُ وَالْمُعْتَرُّ هُوَ الزَّائِرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ وَيَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِسَ مَنْ وُجِدَ بِهِ الْبُؤْسُ وَالْفَقْرُ مِنْ جُمْلَةِ الْبُؤْسِ وَالْقَانِعُ هُوَ الطَّالِبُ وَالْقَنُوعُ الرَّاضِي بِمَا عِنْدَهُ. [مَا جَاءَ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ] (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ كَانَ أَعْطَاهَا مَوْلَاةً لِمَيْمُونَةَ» يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ أَعْطَاهَا إيَّاهَا حَيَّةً ثُمَّ مَاتَتْ وَكَانَ أَعْطَاهَا إيَّاهَا عَلَى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ لِكَوْنِهَا مُحْتَاجَةً لِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْمَوْلَاةِ يُفِيدُ أَنَّهَا قَدْ أُعْتِقَتْ وَسَقَطَتْ نَفَقَتُهَا عَمَّنْ أَعْتَقَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَفَلَا ذَبَحْتُمُوهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا وَالثَّانِي أَفَلَا سَلَخْتُمُوهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا حَضًّا مِنْهُ ﷺ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْأَمْوَالِ وَالتَّمْيِيزِ لَهَا وَمَنْعِهَا مِنْ إفْسَادِهَا قَلِيلِهَا وَيَسِيرِهَا وَمَا فِيهِ مُنْتَفَعٌ مِنْهَا وَالِانْتِفَاعُ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا وَصَرْفُ مَا فَضَلَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ إلَى سَبِيلِ اللَّهِ وَمُوَاسَاةِ أَهْلِ الْحَاجَةِ فَإِنَّ إفْسَادَ الْمَالِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ فِي إطْرَاحِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْعَبَثِ وَالْكِبْرِ. (فَرْعٌ) وَهَذَا الِانْتِفَاء مَشْرُوطٌ عِنْدَ مَالِكٍ بِتَقْدِيمِ الدِّبَاغِ وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ رَوَاهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّة وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ لَا يُفْتَرَشُ وَلَا يُطْحَنُ عَلَيْهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَنَافِعِ حَتَّى يُدْبَغَ وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ تَرْكَ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُنْتَفَعُ بِهِ حَتَّى يُدْبَغَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: «قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَنْتَفِعُوا

стр. 815

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» ) ــ [المنتقى] مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا بِعَصَبٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِالْجِلْدِ شُرِطَ فِي التَّوَصُّلِ إلَيْهِ تَطْهِيرُهُ بِالذَّكَاةِ وَجُعِلَ لِذَلِكَ التَّطْهِيرِ عِنْدَ عَدَمِهِ بَدَلٌ وَهُوَ الدِّبَاغُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَةُ ذَلِكَ دُونَ الْبَدَلِ إذَا عُدِمَ الْمُبْدَلُ مِنْهُ كَالصَّلَاةِ جُعِلَتْ الطَّهَارَةُ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَجُعِلَ لِلطَّهَارَةِ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَلَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهَا عِنْدَ عَدَمِ الْمُبْدَلِ مِنْهُ إلَّا بِالتَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ الْبَدَلُ فَهَذَا الْأَكْثَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَيُحْتَمَلُ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَيَكُونُ وَجْهُ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ دِبَاغًا وَلَا غَيْرَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُمْ أَنَّهَا مَيْتَةٌ إظْهَارٌ لِلْوَجْهِ الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ حِينَ عَلِمُوا تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ذَلِكَ يُحَرِّمُ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْهَا وَأَنَّهُ قَدْ حُرِّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا كَمَا حُرِّمَ أَكْلُ لَحْمِهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا تَبْيِينٌ لِمَا حُرِّمَ مِنْهَا وَإِعْلَامٌ أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا لَمْ يَفُتْ بِفَوْتِهَا كَمَا لَمْ يَفُتْ الْمُحْدِثَ الصَّلَاةُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ بَلْ قَدْ يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ بِالدِّبَاغِ كَمَا يُمْكِنُ لِلْمُحْدِثِ اسْتِدْرَاكُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ بِالتَّيَمُّمِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِطَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَا عَدَا الْأَكْلَ مِنْهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ فِيهَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلطَّهَارَةِ وَلَا لِلنَّجَاسَةِ ذِكْرٌ وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا رَاجِعًا إلَيْهِ فِي إبَاحَةِ مَا يَقْتَضِي اللَّفْظُ إبَاحَتَهُ مِنْهُ وَمَنَعَ مَا يَقْتَضِي اللَّفْظُ مَنْعَ مِنْهُ فَأَمَّا الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ فَلَمْ يَجْرِ لَهُمَا ذِكْرٌ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا شَيْءٌ مِنْ اللَّفْظِ بِحَصْرٍ وَلَا غَيْرِهِ كَمَا أَنَّ بَقَاءَ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَإِزَالَتَهُ عَنْهَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فَلَمْ يَرْجِعْ اللَّفْظُ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا لِأَنَّ لَفْظَ الِانْتِفَاعِ بِهَا لَا يَتَنَاوَلُهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» رَاجِعًا إلَى الشَّاةِ. وَقَدْ يُنْتَفَعُ بِلَحْمِهَا أَيْضًا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: يُنْتَفَعُ بِهِ بِأَنْ يُطْعِمَهُ كِلَابَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ إذَا شَاءَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِكِلَابِهِ إلَيْهَا وَلَا يَأْتِي بِالْمَيْتَةِ إلَى الْكِلَابِ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» تَصْرِيحٌ بِطَهَارَتِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَالطَّهَارَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: طَهَارَةٌ تَرْفَعُ النَّجَاسَةَ جُمْلَةً وَتُعِيدُ الْعَيْنَ طَاهِرَةً كَتَخَلُّلِ الْخَمْرِ وَطَهَارَةٌ تُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِالْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ حُكْمَ النَّجَاسَةِ كَتَطْهِيرِ الدِّبَاغِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى الْوُضُوءِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَالتَّيَمُّمِ فِي اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ فَأَمَّا تَطْهِيرُ الدِّبَاغِ جِلْدَ الْمَيْتَةِ بِمَعْنَى الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ بَقَاءِ نَجَاسَتِهِ فَمَا لَا خِلَافَ فِيهِ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: جِلْدُ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ نَجِسٌ وَبَعْدَهُ طَاهِرٌ طَهَارَةً مَخْصُوصَةً يَجُوزُ بِهَا اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَأَمَّا تَطْهِيرُهُ إيَّاهُ بِمَعْنَى رَفْعِ نَجَاسَتِهِ جُمْلَةً وَإِعَادَةِ طَهَارَتِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَمَعْنَى ذَلِكَ الطَّهَارَةُ الَّتِي تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ وَرَوَى شُيُوخُنَا الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهَا تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَنْبَلٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ أَنَّهُ قَالَ: «قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ احْتِجَاجُنَا بِهِ لِأَنَّا لَا نَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ وَهُمْ لَا يُخَالِفُونَا فِي الَّذِي لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ

стр. 816

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ بِالْمَوْتِ فَوَجَبَ أَنْ تَتَأَبَّدَ نَجَاسَتُهُ أَصْلُ ذَلِكَ اللَّحْمُ وَاسْتَدَلَّ فِي ذَلِكَ مَنْ أَثْبَتَ الطَّهَارَةَ الَّتِي تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّهَارَةَ تَكُونُ بِمَعْنَى التَّنْظِيفِ وَإِبَاحَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْ حُكْمَ مُوجِبِ الطَّهَارَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ التَّيَمُّمَ قَدْ سُمِّيَ فِي الشَّرْعِ طَهَارَةً وَسُمِّيَ التُّرَابُ طَهُورًا كَمَا يُسَمَّى الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ لَا يَدْفَعُ حُكْمَ مُوجِبِهِ وَهُوَ الْحَدَثُ وَإِنَّمَا تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلَاةُ فَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ. (فَرْعٌ) فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الدِّبَاغَ لَا يَدْفَعُ حُكْمَ نَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ وَيُصْرَفُ فِي الْجَامِدَاتِ يُغَرْبَلُ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِهِ وَلَا عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي جَامِدٍ وَلَا غَيْرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِنَا قَوْلُهُ ﷺ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا» . (فَرْعٌ) وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَائِعَاتِ فَإِنَّهُ كَرِهَ مَالِكٌ فِي خَاصَّتِهِ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ غَيْرُهُ وَمَنَعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَائِعَاتِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْعَلَ مِنْهَا السِّقَاءُ لِلْمَاءِ وَقِرْبَةُ اللَّبَنِ وَزِقُّ الزَّيْتِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ مِنْ النَّجَاسَاتِ إلَّا بِمَا يُغَيِّرُهُ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ الْيَسِيرِ مِنْهُ لِلْخِلَافِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فَكَانَ يُحْتَاطُ وَيَأْخُذُ بِالْأَفْضَلِ فِي خَاصَّتِهِ وَيُوَسِّعُ عَلَى النَّاسِ فِيهِ لِمَا قَامَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى طَهَارَتِهِ وَأَمَّا سَائِرُ الْمَائِعَاتِ فَإِنَّهَا تُنَجَّسُ بِيَسِيرٍ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهَا فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ اسْتِعْمَالُهَا فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَجِّسُهَا وَيُحَرِّمُهَا وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْعُهُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُزَنِيَّة لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا كَانَ نَجِسًا لِعَيْنِهِ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي اللَّبَنِ وَالزَّيْتِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمَائِعَاتِ لَا تُنَجَّسُ مِنْ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ إلَّا بِمَا غَيَّرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الطَّهَارَةِ. (فَرْعٌ) وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ طَهَارَةً تَمْنَعُ نَجَاسَتَهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي بِهِ وَعَلَيْهِ وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَائِعَاتِ كُلِّهَا وَيَجُوزُ بَيْعُهُ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ بِشَرْطِ أَنْ تَبِينَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَبِمَا يَطْهُرُ مِنْ الدِّبَاغِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ نَافِعٍ فِي الْمُزَنِيَّة: لَا يَكُونُ دِبَاغُهُ بِالْمِلْحِ فَقَطْ مِمَّا يَمْنَعُهُ الْفَسَادَ وَإِنَّمَا يَكُونُ الدِّبَاغُ التَّامُّ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ لِلشُّرْبِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: مَا دُبِغَ بِهِ جِلْدُ الْمَيْتَةِ مِنْ دَقِيقٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ قَرَظٍ فَهُوَ لَهُ طَهُورٌ وَالدَّلِيلُ لِقَوْلِهِ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فَعَلَّقَ ذَلِكَ بِالدِّبَاغِ وَالدِّبَاغُ مَعْلُومٌ وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَبْلُغُهُ حُكْمُ الدِّبَاغِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الْأَسْقِيَةِ وَغَيْرِهَا فَإِنَّمَا هُوَ تَجْفِيفٌ لِرُطُوبَاتِهِ وَهَذَا يَحْصُلُ بِتَجْفِيفِهِ فِي الشَّمْسِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَهَذَا حُكْمُ جِلْدِ مَا يُسْتَبَاحُ أَكْلُهُ بِالذَّكَاةِ وَالْحَيَوَانُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: مُبَاحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَمُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ فَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى تَحْرِيمِهِ كَالْخِنْزِيرِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: لَا يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ وَإِنْ ذُبِحَ وَدُبِغَ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ بِذَكَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَالْخِنْزِيرُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ وَهِيَ أَقْوَى فِي التَّطْهِيرِ مِنْ الدِّبَاغِ لِأَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ وَالدِّبَاغُ إنَّمَا يَعْمَلُ فِي الْجِلْدِ خَاصَّةً عَلَى الِاخْتِلَافِ فَإِذَا كَانَتْ الذَّكَاةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَبِأَنْ لَا يُؤَثِّرَ الدِّبَاغُ أَوْلَى وَأَحْرَى وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِهَا وَلَا تُبَاعَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ

стр. 817

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي تَحْرِيمِهِ كَجُلُودِ السِّبَاعِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا إذَا ذُكِّيَتْ وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ إذَا غُسِلَتْ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ: لَا تُبَاعُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهَا وَلَا تُلْبَسُ وَإِنْ ذُكِّيَتْ وَيُنْتَفَعُ بِهَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ فَعَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ الْمَوَّازِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَةِ نَفْيِ التَّحْرِيمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ لَمَّا كَانَ تَحْرِيمًا مُخْتَلَفًا فِيهِ وَأَمَّا السِّبَاعُ الَّتِي لَا تَعْدُو كَالْهِرِّ وَالثَّعْلَبِ وَالضَّبُعِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلِبَاسُهَا وَالصَّلَاةُ فِيهَا إذَا ذُكِّيَتْ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَطْهُرُ جُلُودُ السِّبَاعِ بِالذَّكَاةِ غَيْرَ الضَّبُعِ وَتَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ غَيْرَ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَاسْتَثْنَى الْمُذَكَّى فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ إنَّ هَذَا جِلْدٌ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ فَوَجَبَ أَنْ يَطْهُرَ بِالذَّكَاةِ كَجِلْدِ الضَّبُعِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا جِلْدُ الْفَرَسِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُصَلَّى بِهِ وَإِنْ ذُبِحَ وَدُبِغَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ. وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ جِلْدُ حَيَوَانٍ مَكْرُوهٍ لَا مُحَرَّمٍ فَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذَا إنَّ جِلْدَ الْحَيَوَانِ الْمَكْرُوهِ لَحْمُهُ عِنْدَ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا يُسْتَبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ بِذَكَاةٍ وَلَا دِبَاغٍ وَمَعْنَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ ذَكَاتَهَا لِلذَّرِيعَةِ إلَى أَكْلِ لُحُومِهَا فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ كَثِيرَةَ التَّكَرُّرِ وَالْوُجُودِ لَا لِعَيْنِهَا وَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ فَقَدْ أَجَازَ بَيْعَهَا وَالصَّلَاةَ بِهَا إذَا ذُكِّيَتْ وَإِنْ لَمْ تُدْبَغْ وَذَلِكَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ لُحُومُهَا مَوْجُودَةً فَلَمْ يُخَفْ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُ جُلُودِهَا ذَرِيعَةً إلَى أَكْلِهَا فَتَأَكَّدَتْ عِنْدَهُ كَرَاهِيَةُ لُحُومِ الْخَيْلِ وَجُلُودِهَا لَمَّا خَافَ الذَّرِيعَةَ إلَى أَكْلِهَا وَلَا يَمْتَنِعُ مِثْلُ هَذَا فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ مُحَرَّمٌ كَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَكَالْخَمْرِ ثُمَّ شُرِعَ الْحَدُّ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لِمَا خِيفَ التَّسَرُّعُ إلَيْهَا وَلَمْ يُشْرَعْ الْحَدُّ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ وَلَا أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَمَّا لَمْ يُخَفْ التَّسَرُّعُ إلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي جِلْدِ الْفَرَسِ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ لَحْمُهُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ جِلْدُهُ طَاهِرًا كَجُلُودِ السِّبَاعِ الَّتِي لَا تَعْدُو. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا جِلْدُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَا يُصَلَّى بِجِلْدِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ دُبِغَ وَذُبِحَ وَقَالَ مَالِكٌ: أَكْرَهُ ذَكَاتَهَا لِلذَّرِيعَةِ إلَى أَكْلِ لُحُومِهَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ وَيَحْتَمِلُ عَلَى تَوْجِيهِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي جِلْدِ الْفَرَسِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ جِلْدُهَا مَمْنُوعًا قَوْلًا وَاحِدًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَظْمَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ مَالِكًا نَهَى عَنْ الِانْتِفَاعِ بِعَظْمِ الْمَيْتَةِ وَالْفِيلِ وَالْأَدْهَانِ فِيهِ وَلَمْ يُطْلِقْ تَحْرِيمَهَا لِأَنَّ رَبِيعَةَ وَابْنَ شِهَابٍ أَجَازَ الِامْتِشَاطَ بِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ فَأَمَّا ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ فَإِنَّهُمَا رَاعَيَا تَغْلِيَتَهَا بِالْمَاءِ وَجَعَلَا ذَلِكَ كَالدِّبَاغِ فِيهَا يُطَهِّرُهَا كَمَا يُطَهِّرُ الْجِلْدَ الدِّبَاغُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ عِنْدَهُمَا بِالْمَوْتِ فَلَمْ أَرَ مَالِكًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ رَاعَى ذَلِكَ فِيهَا وَكَذَلِكَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ يَحِلُّ الْعَظْمَ أَوْ لَا يَحِلُّهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ هُوَ الْأَصْلُ غَيْرُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ فَإِنَّهُمَا جَعَلَاهُ مِمَّا تَحِلُّهُ الرُّوحُ وَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الرُّوحَ يَحِلُّهُ وَأَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] الْآيَةُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ مَا يَنْجُسُ لَحْمُهُ بِالْمَوْتِ يَنْجُسُ بِهِ عَظْمُهُ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ جُزْءٌ لَا يَأْلَمُ الْحَيَوَانُ مِنْهُ فَلَمْ يَنْجُسْ بِالْمَوْتِ أَصْلُ ذَلِكَ الشَّعْرُ وَقَالَ الشَّيْخُ: لَمْ يَحْرُمْ الِانْتِفَاعُ بِأَنْيَابِ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ فِي مَوْتِهَا وَقَالَ رَبِيعَةُ: إنَّمَا يُنْتَفَعُ مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ بِالنَّابِ وَحْدَهُ لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ وَلَا دَسَمَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ كَعُودٍ

стр. 818

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ» ) . ــ [المنتقى] يَابِسٍ نَابِتٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ عَظْمٍ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا أَعْلَمُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ غَيْرَ الْأَسْنَانِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَصْلَ الْعَظْمِ الطَّهَارَةُ وَإِنَّمَا يَنْجُسُ مَا نَبَتَ عَلَيْهِ اللَّحْمُ مِمَّا خَالَطَهُ مِنْ الدَّسَمِ الَّذِي يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. وَقَدْ قَالَ عَنْ مَالِكٍ: إنَّ الرِّيشَ الَّذِي لَهُ سَنَخٌ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَالْقُرُونِ وَالْأَنْيَابِ وَالْأَظْلَافِ لَا خَيْرَ فِيهِ وَحُكْمُ هَذَا فِيمَا ذَكَرَ رَبِيعَةُ حُكْمُ نَابِ الْفِيلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ابْنُ حَبِيبٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ قَوْلَهُ وَاخْتَارَ رَبِيعَةُ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا بَيْعُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ فُسِخَ وَرُدَّ الثَّمَنُ إلَى الْمُبْتَاعِ وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي عِظَامِ الْفِيلِ وَغَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ يَجِبُ اجْتِنَابُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ وَعِظَامُ الْفِيلِ لِأَنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى اللَّحْمِ فَلَا يُمْتَشَطُ بِهَا وَلَا يُتَّجَرُ فِيهَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ إذَا غُلِيَتْ جَازَ بَيْعُهَا كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا تُبَاعُ وَإِنْ غُلِيَتْ غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْسَخُ بَيْعَهَا بَعْدَ أَنْ تُغْلَى إلَّا أَنْ تَكُونَ قَائِمَةً لَمْ تَفُتْ وَأَمَّا مَا لَمْ يُدْبَغْ وَلَمْ يَغْلِ فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ فَاتَتْ أَوْ لَمْ تَفُتْ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّهَا تَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَتَحِلُّهَا الرُّوحُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَرَبِيعَةَ فِي الْعَظْمِ الطَّاهِرِ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدِي إلَّا أَنْ يُرِيدَانِ طُولَ طَهُورِهِ وَيُبْسَ رُطُوبَتِهِ أَوْ عَدَمِهَا يَقُومُ مَقَامَ الدِّبَاغِ لِسَائِرِهَا وَهَذَا حُكْمُ أَنْيَابِ الْفِيلِ الَّذِي لَمْ يُذَكَّ فَأَمَّا إذَا ذُكِّيَ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ وَعَظْمِهِ مِنْ غَيْرِ دِبَاغٍ كَجُلُودِ السِّبَاعِ وَعِظَامِهَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا إذَا ذُكِّيَتْ مِنْ غَيْرِ دِبَاغٍ. (فَرْعٌ) وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُطْبَخَ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ أَوْ يُسَخَّنُ بِهَا مَاءٌ لِوُضُوءٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: كَرِهَهُ فَإِنْ فَعَلَ جَازَ أَكْلُ الطَّعَامِ وَلَمْ يَنْجُسْ الْمَاءُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ فِي الْقِدْرِ مِنْهَا شَيْءٌ فَيُنَجِّسَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الرِّيشُ الَّذِي لَا سَنَخَ لَهُ مِثْلُ الزَّغَبِ وَشَبَهِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَثْنَى شَعْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُهُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّ الرُّوحَ لَا يَحِلُّهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] فَوَجَبَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ مِنْ الْآيَةِ عُمُومُهَا وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ شَعْرِ الْمَيْتَةِ وَغَيْرِهِ مِنْهَا وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ جَزَّ الشَّعْرِ سَبَبٌ لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ عَنْ الشَّعْرِ فَلَمْ يَنْجُسْ بِهِ كَجَزِّهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: تَجُوزُ الْخِرَازَةُ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ وَلَا رُوحَ فِيهِ فَيَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ بِأَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ» أَمْرُهُ هَاهُنَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ وَالْمَنْعِ مِنْ إتْلَافِ مَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَوْ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُتَمَلَّكَ عَلَى اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَتَرْكِ الِانْتِفَاعِ بِهِ مَعَ جَوَازِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَا يُتَمَوَّلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوُجُوبِ فَمَنْعُ تَحْرِيمِ تَرْكِ الِانْتِفَاعِ بِهِ تَحْرِيمٌ لَهُ لِأَنَّ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ مُحَرَّمٌ وَيَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى النَّدْبِ وَهُوَ أَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِبَاحَةَ أَمْرٌ فِعْلِيٌّ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ إبَاحَةَ الِاسْتِعْمَالِ لَهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ اقْتِضَاءٌ لَهُ وَمَنْعٌ مِنْ تَرْكِهِ عَلَى وَجْهِ مَا هُوَ أَمَرَ بِهِ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ لِلْفِعْلِ فَإِنَّهَا تَعْلِيقُ الْفِعْلِ بِمَشِيئَةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 819

مَا جَاءَ فِيمَنْ يَضْطَرُّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ (ص) : (مَالِكٌ أَنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي الرَّجُلِ الْمُضْطَرِّ إلَى الْمَيْتَةِ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ مِنْهَا فَإِنْ وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا) . (ص) : (سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ أَيَأْكُلُ مِنْهَا وَهُوَ يَجِدُ ثَمَرَ الْقَوْمِ أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا بِمَكَانِهِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ ظَنَّ أَنَّ أَهْلَ ذَلِكَ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ أَوْ الْغَنَمِ يُصَدِّقُونَهُ بِضَرُورَتِهِ حَتَّى لَا يُعَدُّ سَارِقًا فَتُقْطَعُ يَدُهُ رَأَيْت أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يُعَدَّ سَارِقًا بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي وَلَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ سَعَةٌ مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرَّ إلَى الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ بِدُونِ اضْطِرَارٍ قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْت) ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ «أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِهَا» يُحْتَمَلُ الِاسْتِعْمَالُ الْمَعْهُودُ مِنْ مِثْلِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ اسْتِعْمَالًا عَامًّا وَالْأَظْهَرُ مِنْ لَفْظِ الِاسْتِمْتَاعِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَمَلُّكٍ مَحْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ انْتِفَاعٌ إلَى وَقْتٍ أَوْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ إذَا دُبِغَتْ شَرْطٌ فِي إبَاحَةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَيُمْنَعُ ذَلِكَ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَقُولُ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي مَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا قَبْلَ الدِّبَاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا جَاءَ فِيمَنْ يَضْطَرُّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ] (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمَيْتَةَ فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهَا وَهَذَا اللَّفْظُ إذَا أُطْلِقَ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى غَيْرِ الْمُذَكَّى وَإِنْ كَانَ الْمُذَكَّى مَيِّتًا فَلَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَالْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ أَكْلُهَا وَهَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ وَالسَّعَةِ وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ جَازَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةُ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ وَوَجْهُ ذَلِكَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ وَيَتَزَوَّدَ يُرِيدُ إنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِهَا وَاسْتِبَاحَتِهَا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مَا يَرُدُّ رَمَقَهُ مِنْهَا بَلْ يَشْبَعُ مِنْهَا الشِّبَعَ التَّامَّ وَيَتَزَوَّدُ لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ كَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ الطَّعَامِ الْمُبَاحِ فِي حَالِ وُجُودِ الطَّعَامِ لَمَّا كَانَ مُبَاحًا لَهُ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّمَا يَأْكُلُ مِنْهَا مَا يُقِيمُ رَمَقَهُ ثُمَّ لَا يَأْكُلُ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَصِيرَ مِنْ الضَّرُورَةِ إلَى حَالِهِ الْأُولَى وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِبَاحَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ لِحِفْظِ النَّفْسِ وَذَلِكَ يُوجَدُ فِيمَا دُونَ الشِّبَعِ فَمَا زَادَ لَا يُتَنَاوَلُ لِحِفْظٍ فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَمَنْ تَعَشَّى فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ لَيْلَتَهُ تِلْكَ وَالْيَوْمَ بَعْدَهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ وَجَدَ بِنَفْسِهِ قُوَّةً مَضَى عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ دَخَلَهُ ضَعْفٌ وَخَافَ الْمَوْتَ أَوْ مَا قَارَبَهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَا يَرُدُّ نَفْسَهُ وَيُنْهِضُهُ فِي سَفَرِهِ وَتَعَلَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّا نَكُونُ بِأَرْضٍ تُصِيبُنَا فِيهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى تَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ فَقَالَ: إذَا لَمْ تَصْطَبِحُوا وَلَمْ تَغْتَبِقُوا وَلَمْ تَحْتَفُوا بَقْلًا شَأْنُكُمْ بِهَا» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَعْنِي بِالِاصْطِبَاحِ الْغَدَاةَ وَالِاغْتِبَاقِ الْعَشَاءَ وَالِاحْتِفَاءِ جَمْعَ الْبَقْلِ وَأَكْلَهُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ مَا وَجَدَ تَعْلِيلًا مِنْ تَبَقُّلٍ أَوْ غَيْرِهِ يُمْسِكُ نَفْسَهُ وَيُؤَمِّنُهُ الْمَوْتَ. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ فَوَجَدَهَا وَوَجَدَ

стр. 820

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا قَطْعَ فِيهِ كَالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَالزَّرْعِ الْقَائِمِ وَنَحْوِهِ أَوْ يَكُونُ مِمَّا فِيهِ الْقَطْعُ إذَا أُخِذَ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ كَالْمَالِ فِي الْحِرْزِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قَطْعَ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ: إنْ خَفِيَ ذَلِكَ فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ وَأَمَّا إنْ وَجَدَ ثَمَرًا أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا لِقَوْمٍ فَظَنَّ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَلَا يَعُدُّوهُ سَارِقًا فَلْيَأْكُلْ مِنْ ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الْمَيْتَةِ فَشَرْطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَهُوَ فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا شَيْءَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَحْتَرِزَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ لِنَفْسِهِ فَرُبَّمَا أُوذِيَ أَوْ ضُرِبَ ضَرْبًا عَنِيفًا إنْ عُلِمَ بِهِ وَلَمْ يُعْذَرْ بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ وَشَرْطٌ فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَهُوَ فِي الثَّمَرِ الَّذِي قَدْ آوَاهُ إلَى حِرْزِهِ وَالزَّرْعِ الَّذِي حَصَدَ وَأَوَى إلَى حِرْزِهِ وَالْغَنَمِ الَّتِي فِي حِرْزِهَا وَهِيَ الَّتِي أَرَادَ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ وَلِذَلِكَ قَالَ: إنَّهُ رُبَّمَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَلَمْ يُشْتَرَطْ أَنْ يَخْفَى لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ أَخْذَهُ عَلَى وَجْهِ التَّسَتُّرِ بِهِ هُوَ الَّذِي يُعَاقَبُ عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ فَإِنَّمَا يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَهُ مُعَلَّمًا إنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا يَتَعَرَّضُ إلَى أَخْذِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى قَطْعِ يَدِهِ وَاَلَّذِي يَأْخُذُ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ فَذَلِكَ لَا يُوجِبُ قَطْعَ يَدٍ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فِيمَا يَجِدُهُ مِنْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالْغَنَمِ لِغَيْرِهِ إنْ ظَنَّ أَنَّهُمْ يُصَدِّقُونَهُ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَحْتَمِلُ مِنْهُ شَيْئًا وَفَرَّقَ بَيْنَ أَكْلِهِ مِنْ هَذَا وَبَيْنَ أَكْلِهِ مِنْ الْمَيْتَةِ فَفِي الْمَيْتَةِ قَالَ: يَشْبَعُ وَيَتَزَوَّدُ وَقَالَ فِي هَذَا يَأْكُلُ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ وَلَا يَتَزَوَّدُ وَوَجْهُ ذَلِكَ: إنَّ هَذَا مَالٌ لِغَيْرِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ اللَّهِ وَلِحَقِّ مَالِكِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَرُدُّ بِهِ رَمَقَهُ وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمَالٍ لِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا هِيَ مَمْنُوعَةٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى إذَا اُسْتُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ تَجَاوَزَتْ الرُّخْصَةُ فِيهَا مَوَاضِعَ الضَّرُورَةِ وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تَتَجَاوَزُ مَوَاضِعَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ وَهَذَا الْفَرْقُ عَلَى رِوَايَةِ الْمُوَطَّأِ وَرِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ يُرِيدُ أَنَّ مَا أَكَلَهُ مِنْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ مُبَاحُ الْعَيْنِ وَإِنَّمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَإِذَا بَلَغَتْ الضَّرُورَةُ مِنْهُ إلَى اسْتِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فَقَدْ لَزِمَ صَاحِبَ هَذَا الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْهُ مَا يَرُدُّ بِهِ رَمَقَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثَمَنٌ أَوْ يَبِيعُهُ مِنْهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنٌ فَإِذَا أَخَذَ بِقَدْرِ ذَلِكَ فَقَدْ بَلَغَ بِهِ حَقَّهُ وَكَانَ مُبَاحًا لَهُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَ صَاحِبَهُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ وَأَمَّا الْمَيْتَةُ فَلَيْسَتْ بِمُبَاحَةٍ فِي نَفْسِهَا فَكَانَ أَكْلُ هَذَا الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ فِي نَفْسِهِ أَوْلَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَنْ لَا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يَعُدُّوهُ سَارِقًا فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ خَيْرٌ لَهُ عِنْدِي يُرِيدُ أَنَّهُ إنْ خَافَ أَنْ يَعُدُّوهُ سَارِقًا بِأَخْذِهِ إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِتَارِ مِنْ الْحِرْزِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْقَطْعُ فَأَكْلُ الْمَيْتَةِ أَوْلَى وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَا يُوجِبُ قَطْعَ يَدِهِ وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى رَأْيِهِ وَفَتْوَاهُ إمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ نَصًّا لِغَيْرِهِ أَوْ لِأَنَّهُ قَوْلٌ اخْتَارَهُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ قَبْلَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ مَعَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يَعْدُوَ عَادٍ مِمَّنْ لَمْ يَضْطَرَّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ يُرِيدُ اسْتِجَازَةَ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ بِذَلِكَ أَظْهَرُ لِمَنْعِهِ مِنْ ذَلِكَ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَا يَدَّعِيهِ هَذَا مِنْ الضَّرُورَةِ أَمْرٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَبِقَوْلِهِ فِي الْأَغْلَبِ وَلَوْ شُرِعَ هَذَا لِلنَّاسِ لِتَسَبُّبِ أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ إلَى أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ وَزُرُوعِهِمْ وَثِمَارِهِمْ فَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَظَفِرَ بِهِمْ ادَّعَوْا الضَّرُورَةَ فَوَجَبَ سَدُّ هَذَا الْبَابِ وَوَجَبَ عَلَى هَذَا الْمُضْطَرِّ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَلَا يَتَعَرَّضَ لِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يُتَّهَمَ فِيهِ وَلَوْ

стр. 821

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] صُدِّقَ فِيهِ لَتَسَبَّبَ بِهِ غَيْرُهُ فَهُوَ لَيْسَ بِصَادِقٍ وَلَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ كَمَا لَا يُعْرَفُ صِدْقُ هَذَا الَّذِي ادَّعَى الضَّرُورَةَ إلَى أَكْلِ زُرُوعِ النَّاسِ وَثِمَارِهِمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنَّمَا خَصَّ مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يُحْرَزَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ وَالْمَاشِيَةُ دُونَ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ لِأَنَّ هَذِهِ أَوْ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا يَنْتَفِعُ الْمُضْطَرُّ بِوُجُودِهَا وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ كَالثِّيَابِ وَالْعَيْنِ فَلَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَكْلُهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْهَا سَوَاءٌ وَجَدَ مَيْتَةً أَوْ لَمْ يَجِدْهَا وَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ يَجِدُ بِهِ مَنْ يَشْتَرِي مِنْهُ الثِّيَابَ أَوْ يَبِيعُهُ طَعَامًا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَلَا أَخْذُ مَالِ غَيْرِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ ضَرُورَتَهُ وَيَسْأَلَ فَإِنْ وُهِبَ إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثَمَنٌ أَوْ بِيعَ مِنْهُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنٌ وَإِلَّا جَازَ لَهُ قِتَالُهُمْ بِمَنْزِلَةِ مَنْعِهِ الْمَاءَ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَفِي الْمَبْسُوطِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ مَنْ خَافَ مِنْ السِّبَاعِ فَجَاعَ فَتَضَيَّفَ قَوْمًا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُ فَلَا يَتَضَيَّفُهُمْ إلَّا بِرِضَاهُمْ وَلْيَأْكُلْ الْمَيْتَةَ وَلْيَكُفَّ عَنْهُمْ وَعَنْ أَمْوَالِهِمْ إلَّا مَا لَا قَطْعَ فِيهِ يُرِيدُ بِأَمْوَالِهِمْ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حَبِيبٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إيرَادًا حَسَنًا فَبَيَّنَهَا وَاخْتَصَرَهَا فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَزَلَتْ بِهِ مَخْمَصَةٌ خَافَ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ بِمَكَانٍ فِي مَالِ مُسْلِمٍ يُمْكِنُهُ الْأَكْلُ مِنْهُ فَمَا كَانَ مِنْ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ لَا قَطْعَ فِيهِ فَلْيَأْكُلْ مِنْهَا مَا يَرُدُّ نَفْسَهُ ثُمَّ يَكُفُّ وَلَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَإِنْ كَانَتْ الثِّمَارُ قَدْ أُحْرِزَتْ فَلْيَأْكُلْ الْمَيْتَةَ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا وَمَا كَانَ مِنْ الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ الثِّمَارِ فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَهَذَا إذَا وَجَدَ مَيْتَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا وَخَافَ الْمَوْتَ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ وَجَدَ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ حَضَرَ صَاحِبُ الْمَالِ فَحَقٌّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ فَإِنْ مَنَعَهُ فَجَائِزٌ لِلَّذِي خَافَ الْمَوْتَ أَنْ يُقَاتِلَهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى أَكْلِ مَا يَرُدُّ بِهِ نَفْسَهُ. (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَدْعُوهُ أَوَّلًا إلَى أَنْ يَبِيعَهُ مِنْهُ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ وَيُعَرِّفَهُ بِضَرُورَتِهِ فَإِنْ أَبَى اسْتَطْعَمَهُ فَإِنْ أَبَى أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ يُقَاتِلُهُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ ابْتِدَاءً بِغَيْرِ عِوَضٍ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ذِمَّةَ الْإِنْسَانِ بَدَلٌ مِنْ مَالِهِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا بِعِوَضٍ فَكَذَلِكَ مَا يُعَاضُ مِنْهُ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِذَا أَكَلَ الْمُضْطَرُّ إلَى الْمَيْتَةِ مَالَ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ: يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَضْمَنُ وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا لِغَيْرِهِ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَكَانَتْ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ كَغَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَإِنَّ اضْطِرَارَهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِإِبَاحَةِ أَكْلِهِ دُونَ إسْقَاطِ عِوَضِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ مَالٌ جَازَ لَهُ إتْلَافُهُ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ فَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ أَصْلُ ذَلِكَ الْمُبَاحُ الَّذِي لَا مِلْكَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) وَمَنْ وَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ أَكَلَ الْمَيْتَةَ وَلَمْ يُذَكِّ الصَّيْدَ لِأَنَّ بِذَكَاتِهِ يَكُونُ مَيْتَةً وَقَتْلُهُ مُحَرَّمٌ حَالَ إحْرَامِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَوْ نَابَنِي ذَلِكَ لَأَكَلْت الصَّيْدَ وَإِنْ وَجَدْت مَيْتَةً وَخِنْزِيرًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَيَمْتَنِعَ مِنْ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِوَجْهٍ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ أَكْلُ لَحْمِ بَنِي آدَمَ وَإِنْ خَافَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ لِحِفْظِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِ مَيِّتًا. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَادِمَ لِلطَّعَامِ الْمُضْطَرِّ إلَى أَكْلِ الْمَيْتَةِ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ وَالْقَفْرِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ. وَأَمَّا فِي الْحَوَاضِرِ وَالْمُدُنِ فَلْيَسْأَلْ فِي ذَلِكَ وَلَا يَخْلُو السَّفَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا مُبَاحًا أَوْ سَفَرًا مُحَرَّمًا أَوْ سَفَرًا مَكْرُوهًا فَأَمَّا السَّفَرُ الْمُبَاحُ فَهُوَ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ فِيهِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَأَمَّا السَّفَرُ الْمُحَرَّمُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ فَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ وَرَوَى زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْدَلُسِيُّ أَنَّ الْعَاصِيَ فِي سَفَرِهِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَيُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ

стр. 822

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ الْحَدُّ فِي الْخَمْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ ــ [المنتقى] فَسَوَّى بَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَمَالِكٌ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ مِنْ ضَرُورَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] الْآيَةُ وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ نَفْسِهِ بِالْإِمْسَاكِ عَنْ الْأَكْلِ وَأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَكْلِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَمَنْ كَانَ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْفُرُوضُ الْوَاجِبَةُ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ بَلْ يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِهَا فَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ عَلَى التَّخْفِيفِ وَالْعَوْنِ عَلَى الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إلَيْهَا فَلَا يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْمَعَاصِي وَلَهُ سَبِيلٌ إلَى أَنْ لَا يَقْتُلَ نَفْسَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَذَلِكَ بِأَنْ يَتُوبَ ثُمَّ يَتَنَاوَلَ لَحْمَ الْمَيْتَةِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] الْآيَةُ فَاشْتَرَطَ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ أَنْ لَا يَكُونَ بَاغِيًا وَالْمُسَافِرُ عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ أَوْ قَطْعِ رَحِمٍ أَوْ طَالِبِ إثْمٍ بَاغٍ وَمُتَعَدٍّ فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى شُرْبِ الْخَمْرِ لِجُوعٍ أَوْ عَطَشٍ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَرَخَّصَ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهَا؟ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يَشْرَبُهَا وَلَنْ تَزِيدَهُ إلَّا عَطَشًا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ فِي شَرْحِهِ: لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ لِأَنَّهَا لَا تَرْوِي مِنْ عَطَشٍ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ فِيمَا يُقَالُ وَأَمَّا إنْ كَانَتْ تُشْبِعُ أَوْ تَرْوِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْمَيْتَةِ وَفِي النَّوَادِرِ ذَكَرَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ فِيمَنْ غَصَّ وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَسِيغَهَا بِالْخَمْرِ وَقَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ يَشْرَبُ الْمُضْطَرُّ الدَّمَ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَلَا يَقْرُبُ ضَوَالَّ الْإِبِلِ وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا التَّدَاوِي فَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُدَاوِيَ جِرَاحَهُ بِعِظَامِ الْأَنْعَامِ الْمُذَكَّاةِ وَلَا يُدَاوِيَهُ بِعِظَامِ مَيْتَةٍ أَوْ بِعَظْمِ إنْسَانٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَلَا بِعَظْمِ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ الدَّوَابِّ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُرْتَكِ يُصْنَعُ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ إنْ جُعِلَ فِي قُرْحَةٍ أَوْ جُرْحٍ فَلَا يُصَلَّى بِهِ حَتَّى يُغْسَلَ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ صَلَّى بِهِ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ صَلَّى بِنَجَاسَةٍ لِلنَّارِ الَّتِي أَحْرَقَتْهُ وَقَدْ خَفَّفَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا لِلضَّرُورَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّدَاوِي وَبَيْنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلضَّرُورَةِ مَا قَالَهُ وَذَلِكَ أَنَّ التَّدَاوِي لَا يُتَيَقَّنُ الْبُرْءُ بِهِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الْمَحْظُورُ فِيهِ وَأَمَّا الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ لِلْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَإِنَّهُ يُتَيَقَّنُ الْبُرْءُ بِهِ فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ وَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِي التَّدَاوِي بِالْمُرْتَكِ مِنْ عِظَامِ الْمَيْتَةِ مَعَ مَنْعِهِ مِنْ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْهُ فِي التَّدَاوِي بِمَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا أَبَاحَ فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ الْخِلَافُ وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ جَعَلَ ذَلِكَ طَاهِرًا وَأَمَّا مَا لَا خِلَافَ فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهِ خَارِجَ الْبَدَنِ فَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَمَنَعَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ وَأَمَّا شُرْبُهُ فَيَحْرُمُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَقَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ النَّارَ تُطَهِّرُ عِظَامَ الْمَيْتَةِ خِلَافُ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ الْعَظْمَ نَجِسُ الْعَيْنِ وَمَا نَجِسَ لِعَيْنِهِ لَمْ يَطْهُرْ بِوَجْهٍ وَمَا تَنَجَّسَ بِمُجَاوَرَةٍ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْمَاءِ وَمَا رَوَاهُ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

стр. 823

أَنِّي وَجَدْت مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَابُ الطِّلَاءِ وَأَنَا سَائِلٌ عَمَّا شَرِبَ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ فَجَلَدَهُ عُمَرُ الْحَدَّ تَامًّا) ــ [المنتقى] [كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ] [ الْحَدُّ فِي الْخَمْرِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ يُرِيدُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ وَفُلَانٌ هَذَا يُقَالُ أَنَّهُ ابْنُهُ فَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرَابٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَوْسَطُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ كُلُّهُمْ يُسَمَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَكْبَرُهُمْ يُقَالُ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَالثَّانِي هُوَ أَبُو شَحْمَةَ الْمَجْلُودُ فِي الْخَمْرِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ جَدُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُجَبَّرِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَجَدْت رِيحَ شَرَابٍ اسْمُ الشَّرَابِ يَنْطَلِقُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَلَى كُلِّ مَشْرُوبٍ مُسْكِرٍ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا وَجَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِنْ الشَّارِبِ رِيحَ شَرَابٍ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ هَلْ هُوَ رِيحٌ مُسْكِرٌ أَوْ غَيْرُهُ وَلَوْ تَمَيَّزَ لَهُ أَنَّهُ رِيحُ شَرَابٍ مُسْكِرٌ لَمَّا احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ إنْ كَانَ مُسْكِرًا أَوْ لَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِالرَّائِحَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَجَدَ فِيهِ رِيحَ الْمُسْكِرِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مَا رُوِيَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَجْلِدُ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ شَرَابٍ فَجَلَدَهُ الْحَدَّ تَامًّا. فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَكَمَ بِهَذَا وَكَانَ مِمَّنْ تَشْتَهِرُ قَضَايَاهُ وَتَنْتَشِرُ وَيُتَحَدَّثُ بِهَا وَتُنْقَلُ إلَى الْآفَاقِ وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافٌ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنًى تُعْلَمُ بِهِ صِفَةُ مَا شَرِبَهُ الْمُكَلَّفُ وَجِنْسُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إلَى إثْبَاتِ الْحَدِّ أَصْلُ ذَلِكَ الرُّؤْيَةُ لِمَا شَرِبَهُ بَلْ الرَّائِحَةُ أَقْوَى فِي حَالِ الْمَشْرُوبِ مِنْ الرُّؤْيَةِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُعْلَمُ بِهَا الشَّرَابُ أَمُسْكِرٌ هُوَ أَمْ لَا وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِرَائِحَتِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ فِي الْخَمْرِ] ١ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ مِمَّنْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهِ الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِ الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ إذَا تُيُقِّنَتْ رَائِحَةُ الْمُسْكِرِ أَوْ أُشْكِلَتْ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ) وَذَلِكَ بِأَنْ يَرَى الْحَاكِمُ مِنْهُ تَخْلِيطًا فِي قَوْلٍ أَوْ مَشْيٍ شِبْهَ السَّكْرَانِ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ أَمَرَ بِاسْتِنْكَاهِهِ قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ إلَى الْحُكْمِ فَلَا يَسَعُهُ إلَّا تَحْقِيقُهُ فَإِذَا ثَبَتَ الْحَدُّ أَقَامَهُ. (مَسْأَلَةٌ) : وَكَذَلِكَ لَوْ شَمَّ مِنْهُ رَائِحَةً يُنْكِرُهَا أَوْ أَخْبَرَهُ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يُنْكِرُهَا مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: فَعِنْدِي أَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ اسْتِنْكَاهُهُ وَتَحْقِيقُ حَالِهِ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يُنْكَرُ بِهَا حَالُهُ فَيَجِبُ اخْتِبَارُهُ وَتَحَقُّقُ حَالِهِ كَالتَّخْلِيطِ فِي الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُرِيدُ التَّخْلِيطَ فِي الْقَوْلِ وَالْمَشْيِ لَمْ يَسْتَنْكِهَهُ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ قَالَ: وَلَا يُتَجَسَّسُ عَلَيْهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ رِيبَةً وَلَا خُرُوجًا عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ الْمُعْتَادَةِ وَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ. [الْبَابُ الثَّانِي فِيمَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِ] ١ ِ فَأَمَّا مَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَتِهِمْ وَعَدَدِهِمْ فَأَمَّا صِفَتُهُمْ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ: إنَّ صِفَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الرَّائِحَةِ أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ خُبِرَ شُرْبُهَا فِي وَقْتٍ إمَّا فِي حَالِ كُفْرِهِمَا أَوْ شَرِبَاهَا فِي إسْلَامِهِمَا فَجُلِدَا ثُمَّ تَابَا حَتَّى يَكُونَا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْخَمْرَ بِرِيحِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مَعْدُومٌ أَوْ قَلِيلٌ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الرَّائِحَةُ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهَا فِي الْأَغْلَبِ وَوَجْهٌ ثَانٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَبْ قَطُّ وَلَكِنْ يَعْرِفُ رَائِحَتَهَا مَعْرِفَةً

стр. 824

(ص) (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى أَوْ كَمَا قَالَ فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ) ــ [المنتقى] صَحِيحَةً بِأَنْ يُخْبِرَهُ عَنْهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَنْ قَدْ شَرِبَهَا أَنَّهَا هِيَ رَائِحَةُ الْخَمْرِ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُهَا الَّذِي قَدْ شَرِبَهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ أَمَرَ الشُّهُودَ بِالِاسْتِنْكَاهِ أَوْ فَعَلُوا هُمْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَأْمُرَ شَاهِدَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ وَأَمَّا إنْ كَانَ الشُّهُودُ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ فَلَا يُجْزِي أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشُّرْبِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْحَاكِمِ إلَّا وَاحِدٌ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ مَبْنِيٌّ عِنْدِي عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَهُ عِلْمُ مَنْ اسْتَنَابَ وَإِلَّا فَقَدْ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَ ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ فِيهِ شَاهِدَانِ. [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ بِشَهَادَةِ الِاسْتِنْكَاهِ] ١ (الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَجِبُ بِشَهَادَةِ الِاسْتِنْكَاهِ) أَمَّا شَهَادَةُ الِاسْتِنْكَاهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُتَيَقِّنِينَ لِلرَّائِحَةِ أَوْ شَاكِّينَ فَإِنْ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ لِلرَّائِحَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ الْمُسْكِرِ أَوْ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ غَيْرِ مُسْكِرٍ أَوْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ رَائِحَةِ مُسْكِرٍ فَلَا نَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا فِي تَرْكِ وُجُوبِ الْحَدِّ فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَتْ بِرَائِحَةِ مُسْكِرٍ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ حُدَّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ قَامَتْ وَكَمُلَتْ بِاجْتِمَاعِ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ نَفْيُ مَنْ نَفَى مُقْتَضَاهَا كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ رَأَيْنَاهُ يَشْرَبُ خَمْرًا وَقَالَ شَاهِدَانِ آخَرَانِ لَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَكَّ الشُّهُودُ فِي الرَّائِحَةِ هَلْ هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرِ مُسْكِرٍ؟ نُظِرَتْ حَالُهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ نُكِّلَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالسَّفَهِ وَالشُّرْبِ وَالتَّخْلِيطِ وَخِيفَ أَنْ يَكُونَ مَا شَكَّ فِيهِ مِمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ يُزْجَرَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ بِذَلِكَ إلَى إظْهَارِ مَعْصِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَتَبْعُدُ عَنْهُ الرِّيبَةُ (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ مِنْ جَوَازِ الشَّرَابِ الْفَمَ إلَى الْحَلْقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَزَعْمُ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلَاءَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَتَيَقَّنْ ذَلِكَ وَلَا تَحَقَّقَ هَلْ هُوَ رِيحُ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفْ الطِّلَاءَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَلَمْ يُعَوَّلْ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْ غَيْرَ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَرَفَ الطِّلَاءَ وَلَمْ يَعْرِفْ صِدْقَهُ فِي كَوْنِهِ طِلَاءً لَا يُسْكِرُ فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَيَتَوَصَّلُ إلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إمَّا بِاسْتِنْكَاهِهِ أَوْ بِالنَّظَرِ إلَى بَقِيَّتِهِ وَشَمِّهِ إنْ كَانَتْ بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ. . [مَا يُسْكِرُ يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الشَّارِبُ حَدَّ السُّكْرِ] (فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ جَلَدْتُهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ مَا يُسْكِرُ عِنْدَهُمْ يَجِبُ بِهِ عِنْدَهُمْ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الشَّارِبُ حَدَّ السُّكْرِ وَلَوْ بَلَغَ حَدَّ السُّكْرِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى السُّؤَالِ عَنْ الشَّارِبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الْجِنْسَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمِقْدَارَ وَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ بِالْمِقْدَارِ لَقَالَ: إنَّهُ شَرِبَ يَسِيرًا مِنْ الطِّلَاءِ وَأَنَا سَائِلٌ عَنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ وَلَمَّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَعَلَّقَ حُكْمَ الْحَدِّ عَلَى الْجِنْسِ عُلِمَ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْحَدَّ تَامًّا يُرِيدُ أَنَّهُ جَلَدَهُ جَلْدَ الْخَمْرِ وَلَمْ يُعَزِّرْهُ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُعَاقَبُ وَيُنَكَّلُ إذَا أُشْكِلَ أَمْرُهُ وَتَعَلَّقَتْ التُّهْمَةُ بِهِ. (ص) (مَالِكٌ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدِ الدِّيلِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ فَإِنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى أَوْ كَمَا قَالَ فَجَلَدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ) . (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَشَارَ فِي الْخَمْرِ يَشْرَبُهَا الرَّجُلُ وَجَوَابُ عَلِيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَشَارَ فِي قَدْرِ الْحَدِّ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّ فِيهِ حَدًّا بِقَوْلٍ يُعْلَمُ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ عَنْهُ. وَإِنَّمَا كَانَ يَضْرِبُ مِقْدَارًا قَدَّرَتْهُ الصَّحَابَةُ وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ رَجُلٍ أَقَمْت عَلَيْهِ حَدًّا فَمَاتَ فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا إلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ إنْ مَاتَ فِيهِ وَدَيْتُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُبَيِّنْهُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحُدَّهُ بِقَوْلٍ يَحْصُرُهُ وَيَمْنَعُ الزِّيَادَةَ فِيهِ وَالنَّقْصَ مِنْهُ فَحَدُّوهُ بِاجْتِهَادِهِمْ وَرَوَى أَنَسٌ «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَلَدَهُ بِجَرِيدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ» وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ اسْتَشَارَ النَّاسَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى فَقَاسَهُ عَلَى الْمُفْتَرِي وَاسْتَدَلَّ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهُ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ حَدَّ شَارِبِ الْخَمْرِ ثَمَانُونَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَرْبَعُونَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ نَصٌّ فِي ذَلِكَ عَلَى تَحْدِيدٍ وَكَانَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ وَقَعَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ نَصٌّ عَلَى تَحْدِيدٍ وَذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الدَّلِيلِ عَلَى عَدَمِ النَّصِّ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَصٌّ بَاقٍ حُكْمُهُ وَيَذْهَبُ عَلَى الْأُمَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْخَطَأِ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَّةِ ثُمَّ أَجْمَعُوا وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْحَدَّ ثَمَانُونَ وَحَكَمَ بِذَلِكَ عَلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْلَمْ لِأَحَدٍ فِيهِ مُخَالَفَةٌ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا حَدٌّ فِي مَعْصِيَةٍ فَلَمْ يَكُنْ أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِينَ كَحَدِّ الْفِرْيَةِ وَالزِّنَى. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَجَلَدَ عُمَرُ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَهَا حَدٌّ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِمْ جَلَدَ فِي الزِّنَى مِائَةً وَفِي الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنَّهُ إنَّمَا جَلَدَ الْأَرْبَعِينَ تَعْزِيرًا وَالْجَوَابُ أَنَّ الظَّاهِرَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ وَجَوَابٌ ثَانٍ وَهُوَ إنَّمَا وَرَدَ جَوَابُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَى سُؤَالِ عُمَرَ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْحَدِّ فَأَجَابَهُ بِثَمَانِينَ وَقَاسَهُ عَلَى حَدِّ الْفِرْيَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهَا حَدٌّ كُلُّهَا وَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: أَخَفُّ الْحُدُودِ ثَمَانُونَ فَأَخَذَ عُمَرُ بِقَوْلِهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ ضَرَبَ الثَّمَانِينَ كُلَّهَا حَدًّا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَلَدَ قُدَامَةَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَزَادَهُ ثَلَاثِينَ وَقَالَ لَهُ هَذَا تَأْوِيلٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ. [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَدُّ] ١ ُّ وَالْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الضَّرْبِ وَصِفَةِ مَا يُضْرَبُ بِهِ وَالْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يُضَافُ إلَى الْحَدِّ وَالْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَكْرَارِ الْحَدِّ وَالْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الشَّهَادَةِ) أَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَدُّ فَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ الْمُسْكِرَ إمَّا بِمُعَايَنَةِ ذَلِكَ أَوْ بِإِقْرَارِهِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بِشَمِّ رَائِحَةِ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ قَاءَ خَمْرًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لَا يَقِيئُهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا جُلِدَ الْحَدَّ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا قَدْ شَهِدَا أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا لِأَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى مُسْكِرٍ وَعِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا وَعَلَى أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا لِأَنَّ كُلَّ خَمْرٍ مُسْكِرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ فَقَدْ اتَّفَقَا فِي الْمَعْنَى فَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ الْأَلْفَاظِ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الضَّرْبِ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ] (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الضَّرْبِ وَمَا يُضْرَبُ بِهِ) رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ لَا يَتَوَلَّى ضَرْبَ الْحَدِّ قَوِيٌّ وَلَا ضَعِيفٌ وَلَكِنْ رَجُلٌ وَسَطٌ مِنْ الرِّجَالِ. وَرُوِيَ عَنْ

стр. 826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] مَالِكٍ أَنَّهُ يُضْرَبُ ضَرْبًا بَيْنَ اثْنَيْنِ لَيْسَ بِالْخَفِيفِ وَلَا الْمُوجِعِ وَقَالَ مَالِكٌ: كُنْت أَسْمَعُ أَنَّهُ يَخْتَارُ لَهُ الْعِدْلُ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُضْرَبُ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ وَيَكُونُ الْمَحْدُودُ قَاعِدًا لَا يُرْبَطُ وَلَا يُمَدُّ وَتُحَلُّ لَهُ يَدَاهُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ لِلضَّرْبِ وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُ جَسَدَهَا وَلَا يَقِيهَا الضَّرْبَ. (مَسْأَلَةٌ) : وَيُضْرَبُ بِسَوْطٍ بَيْنَ سَوْطَيْنِ وَلَا يُقَامُ حَدُّ الْخَمْرِ إلَّا بِالسَّوْطِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ ضُرِبَ بِالدُّرَّةِ عَلَى ظَهْرِهِ أَجْزَأَهُ وَمَا هُوَ بِالْبَيْنِ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَدٌّ فَلَا يُقَامُ إلَّا بِالسَّوْطِ أَصْلُ ذَلِكَ حَدُّ الزِّنَا وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ» . [الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يُضَافُ إلَى الْحَدِّ] ١ ِّ هَلْ يُضَافُ إلَيْهِ حَلْقُ الرَّأْسِ أَمْ لَا؟ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا يُحْلَقُ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ فِي الْخَمْرِ وَلَا الْقَذْفِ لِأَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ تَمْثِيلٌ وَزِيَادَةٌ عَلَى الْحَدِّ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ كَمَا لَا يَلْزَمُ حَلْقُ لِحْيَتِهِ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّمْثِيلِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ بَعْدَهُ قَدْ حَدُّوا فِي الْخَمْرِ وَالْفِرْيَةِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مَثَّلَ بِالْمَحْدُودِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يُطَافُ بِشَارِبِ الْخَمْرِ؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُطَافُ بِهِ وَلَا يُسْجَنُ إلَّا الْمُدْمِنُ الْمُعْتَادُ الْمَشْهُورُ بِالْفِسْقِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطَافَ بِهِ وَيُفْضَحَ وَمِثْلُ ذَلِكَ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ هَذَا الْحَدَّ مِنْ الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ فَوَاجِبٌ أَنْ يُفْضَحَ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ رَدْعًا لَهُ وَإِذْلَالًا لَهُ فَمَا هُوَ فِيهِ وَإِعْلَامًا لِلنَّاسِ بِحَالِهِ فَلَا يَغْتَرُّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالتَّصَاوُنِ فِي نِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ وَأَمَّا السِّجْنُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمُدْمِنِ الْخَمْرِ الْمَشْهُورِ بِالْفِسْقِ أَنْ يُلْزَمَ السِّجْنَ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْخَمْرِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْحُدُودِ مَا كَانَ فَلْيُخْلَ سَبِيلُهُ وَلَا يُسْجَنُ وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ فِي إلْزَامِهِ السِّجْنَ مَنْعًا لَهُ مِمَّا لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ بِالْحَدِّ وَكَفًّا لِأَذَاهُ عَنْ النَّاسِ لِأَنَّ فِي إعْلَانِهِ بِالْمَعَاصِي أَذًى لِلنَّاسِ وَأَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحَدَّ فِي جَمِيعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ الزِّنَا فَأَمَّا السِّجْنُ فَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِإِدْمَانٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْإِعْلَانِ بِالْفِسْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الرَّابِعُ فِي تَكَرُّرِ الْحَدِّ] ١ ِّ فَإِذَا تَكَرَّرَ مِنْ الرَّجُلِ شُرْبُ الْخَمْرِ لَزِمَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ فَإِنْ شَرِبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ حَدٌّ آخَرُ قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْحُدُودِ وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مَنْ زَنَى مِرَارًا فَإِنَّمَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ ثُمَّ إنْ زَنَى بَعْدَ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَنَّ الْحَدَّ زَجْرٌ عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ لِيَمْتَنِعَ عَنْ مِثْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ الْحُدُودَ مَوَانِعُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَوْقَعَهَا بَعْدَ الْحَدِّ لَزِمَ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ثَانِيَةً سَوَاءٌ وَاقَعَ بَعْدَ الْحَدِّ مَرَّةً أَوْ مِرَارًا لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ مِنْ الزَّجْرِ عَلَى مَا أَتَى مِنْهُ بَعْدَ الْحَدِّ إلَى مِثْلِ مَا احْتَاجَ إلَيْهِ مِنْهُ فِيمَا أَتَاهُ قَبْلَ الْحَدِّ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي سَبَبُهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَدَاخَلُ كَحَدِّ الْخَمْرِ وَحَدِّ الزِّنَا وَحَدِّ الْقَذْفِ فَإِنْ كَانَ الْحَدَّانِ بِسَبَبِهَا مِنْ جِنْسٍ مِثْلِ حَدِّ الْخَمْرِ وَحَدِّ الْقَذْفِ أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ أَوْ حَدِّ الزِّنَى فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْحَدَّيْنِ سَوَاءً أَوْ مُخْتَلِفًا فَإِنْ تَسَاوَيَا كَحَدِّ الْخَمْرِ وَحَدِّ الْقَذْفِ فَإِنَّهُمَا يَتَدَاخَلَانِ قَالَهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَوَاءٌ اجْتَمَعَا أَوْ افْتَرَقَا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُمَا حَدَّانِ عَدَدُهُمَا وَجِنْسُهُمَا وَاحِدٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَدَاخَلَا كَمَا لَوْ كَانَ سَبَبُهُمَا وَاحِدًا وَأَمَّا إذَا كَانَ عَدَدُهُمَا يَخْتَلِفُ مِثْلُ أَنْ يَزْنِيَ وَيَقْذِفَ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُجْزِئُ أَكْثَرُهُمَا عَنْ أَقَلِّهِمَا وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَتِهِمَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ

стр. 827

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْهِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ) . ــ [المنتقى] أَنَّ هَذَيْنِ حَدَّانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَتَدَاخَلَا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَدَدُهُمَا وَاحِدًا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ هَذَيْنِ حَدَّانِ يَخْتَلِفُ عَدَدُهُمَا فَلَا يَتَدَاخَلَانِ كَمَا لَوْ كَانَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. [الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ شَارِبِ الْخَمْرِ] (الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ شَارِبِ الْخَمْرِ) وَذَلِكَ كَالْأَعْجَمِيِّ الَّذِي دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ إلَّا ابْنَ وَهْبٍ فَإِنَّ أَبَا زَيْدٍ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَدَوِيُّ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ الْكِتَابَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ وَيَجْهَلُ مِثْلَ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ وَيُعْذَرُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَاحْتَجَّ مَالِكٌ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ فَشَا وَلَا أَحَدٌ يَجْهَلُ شَيْئًا مِنْ الْحُدُودِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ تَأَوَّلَ فِي الْمُسْكِرِ مِنْ غَيْرِ الْخَمْرِ أَنَّهُ حَلَالٌ فَلَا عُذْرَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ الْحَدُّ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَعَلَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْعِلْمِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَسْكَرَ مِنْهُ وَقَدْ جَالَسَ مَالِكٌ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِمَّنْ كَانَ يَرَى شُرْبَ النَّبِيذِ مُبَاحًا فَمَا أَقَامَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ الْحَدَّ وَلَا دَعَا إلَيْهِ مَعَ إقْرَارِهِمْ بِشُرْبِهِ وَتَظَاهُرِهِمْ وَمُنَاظَرَتِهِمْ فِيهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا وَرَدَ عَلَيْنَا مَشْرِقِيٌّ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَمَا إنَّهُ آخِرُ مَا فَارَقَنِي عَلَى أَنْ لَا يُشْرَبَ النَّبِيذُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَكَرَّرَتْ مُنَاظَرَتُهُ لَهُ فِيهِ وَتَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَاوِدُ شُرْبَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ثُمَّ تَابَ لَمْ تُسْقِطْ عَنْهُ تَوْبَتُهُ الْحَدَّ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ تَوْبَتَهُ تُسْقِطُ عَنْهُ الْحَدَّ. [حَدِّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ] (ش) : قَوْلُهُ أَنَّ عَلَى الْعَبْدِ نِصْفَ حَدِّ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ يُرِيدُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً لِأَنَّهُ حَدٌّ مُنْتَهَاهُ الثَّمَانُونَ كَحَدِّ الْفِرْيَةِ لِأَنَّ الْحُرَّ يُجْلَدُ فِي الْقَذْفِ ثَمَانِينَ وَيُجْلَدُ أَرْبَعِينَ فَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ جَلَدُوا عَبِيدَهُمْ نِصْفَ جَلْدِ الْحُرِّ فِي الْخَمْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا أَقَامَا الْحَدَّ عَلَى عَبِيدِهِمَا فِي إمَارَتِهِمَا فَيَكُونُ لَهُمَا ذَلِكَ بِحَقِّ الْإِمَامَةِ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَلَمْ يُقِمْ الْحَدَّ عَلَى عَبِيدِهِ إلَّا بِمِلْكِهِ. [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ] ١ لَهُمْ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فِي صِفَةِ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ وَالثَّانِي فِي صِفَةِ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ. (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ مَنْ يُقِيمُ الْحَدَّ) يُقِيمُهُ عَلَى الْأَحْرَارِ السُّلْطَانُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَضْرِبَ الْحُدُودَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي لِئَلَّا يَتَعَدَّى فِيهَا وَهَذَا فِي الْحُرِّ وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ الْحَدَّ إذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَكَذَلِكَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ غَيْرُ سَيِّدِهِ سَوَاءٌ كَانَ السَّيِّدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَهَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ ذَكَرًا فَأَمَّا إنْ كَانَتْ أَمَةً جَازَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ كَانَ زَوْجُهَا عَبْدَهُ فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا غَيْرَ عَبْدِهِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلسَّيِّدِ إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحُرْمَةِ الزَّوْجِ قَالَ: وَعَسَى أَنْ يُعْتَقَ وَلَدُهُ مِنْهَا فَيُقْذَفُوا بِأُمِّهِمْ. [الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمَحْدُودِ] ١ (الْبَابُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الْمَحْدُودِ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إنْ كَانَ حُرًّا فَحَدُّهُ ثَمَانُونَ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ لِأَنَّ هَذَا حَدٌّ يُجْلَدُ فِيهِ الْحُرُّ أَرْبَعِينَ كَحَدِّ الْقَذْفِ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ شَارِبُ الْخَمْرِ سَكْرَانًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُضْرَبُ وَهُوَ سَكْرَانٌ وَإِنْ كَانَ خَشِيَ أَنْ يَأْتِيَهُ فِيهِ شَفَاعَةٌ تُبْطِلُ حَقَّ اللَّهِ فَلْيَضْرِبْهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ لِلرَّدْعِ وَالزَّجْرِ وَالسَّكْرَانُ لَا يَذْكُرُ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ رَدْعٌ. (مَسْأَلَةٌ) : فَإِنْ كَانَ

стр. 828

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا) . (ص) : (قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابًا مُسْكِرًا فَسَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ) . ــ [المنتقى] صَحِيحًا عُجِّلَ جَلْدُهُ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا أُخِّرَ حَتَّى يُفِيقَ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي أَنَّهَا حَامِلٌ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعَجَّلُ عَلَيْهَا حَتَّى يُتَبَيَّنَ أَمْرُهَا فَإِنْ تَبَيَّنَ أَنْ لَيْسَ لَهَا حَمْلٌ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ بِهَا حَمْلًا أُخِّرَتْ حَتَّى تَضَعَ وَاسْتُؤْجِرَ لِوَلَدِهَا مَنْ يُرْضِعُهُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ فِي زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ قِصَاصٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ مَعَانٍ يُرْجَى قُرْبُ زَوَالِهَا وَبُرْؤُهَا مِنْهَا، وَأَمَّا الْكِبَرُ وَالْهَرَمُ أَوْ الضَّعْفُ عَنْ حَمْلِ الْحَدِّ قَالَ مَالِكٌ: يُجْلَدُ وَلَا يُؤَخَّرُ إذْ لَيْسَ لِإِفَاقَتِهِمْ وَقْتٌ يُؤَخَّرُونَ إلَيْهِ. (ش) : قَوْلُهُ مَا مِنْ شَيْءٍ إلَّا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُعْفَى عَنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ حَدًّا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْحُدُودَ إذَا بَلَغَتْ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ شَرْطِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا السَّتْرُ لَهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ مِنْ الْحُدُودِ مَا لَا يَجُوزُ لِصَاحِبِهَا الْعَفْوُ عَنْهَا بَعْدَ بُلُوغِهَا الْإِمَامَ كَحَدِّ الْقَذْفِ فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ حَدِّ الْقَذْفِ مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (ش) : وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ مَنْ شَرِبَ مُسْكِرًا أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْمُسْكِرَةِ مِنْ عِنَبٍ كَانَتْ أَوْ مِنْ غَيْرِ عِنَبٍ مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ قَلِيلًا شَرِبَ مِنْهُ أَوْ كَثِيرًا فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ سَكِرَ أَوْ لَمْ يَسْكَرْ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَا خَرَجَ مِنْ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَقَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ حَرَامٌ مَا لَمْ يُطْبَخْ وَطَبْخُهُ أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثُهُ وَمَا عَدَا مَا يَخْرُجُ مِنْ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ فَهُوَ حَلَالٌ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ إلَّا أَنَّ الْمُسْكِرَ مِنْهُ مُحَرَّمٌ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ كَادَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَجْحَدُونَهَا وَلَا يَرَوْنَ الْمُنَاظَرَةَ فِيهَا وَيَقُولُونَ: إنَّ السَّائِلَ عَنْهَا إنَّمَا يَذْهَبُ إلَى التَّشْنِيعِ وَالتَّوْبِيخِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لِطُولِ الْأَمَدِ وَوُصُولِ الْأَدِلَّةِ إلَيْهِمْ وَتَكَرُّرِهَا عَلَيْهِمْ تَبَيَّنَ لَهُمْ مَا فِيهَا إلَّا أَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُدَوِّنُونَهَا فِي كُتُبِهِمْ بِأَلْفَاظٍ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ التَّصْرِيحُ وَيَتَأَوَّلُونَهَا عَلَى أَوْجُهٍ تُخَفِّفُ أَمْرَهَا عِنْدَهُمْ وَلَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: إثْبَاتُ اسْمِ الْخَمْرِ لِكُلِّ مُسْكِرٍ وَالثَّانِي إثْبَاتُ تَحْرِيمِ كُلِّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ مِنْ عِنَبٍ كَانَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنَّمَا الْخَمْرُ اسْمُ الْمُسْكِرِ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ مَا لَمْ يُطْبَخْ الطَّبْخَ الْمَذْكُورَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالثَّمَرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. فَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْأَشْيَاءِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَلَوْ انْفَرَدَ بِهَذَا الْقَوْلِ لَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ فَكَيْفَ وَقَدْ خَطَبَ بِذَلِكَ بِحَضْرَةِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ إجْمَاعٌ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ يُسَمَّى الْخَمْرَ وَأَنَّهَا بِذَلِكَ تُسَمَّى خَمْرًا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ مُحَرَّمٌ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قُلْنَا مِنْ الْآيَةِ أَدِلَّةٌ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: إنَّهُ ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُحَرَّمِ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِ ذَلِكَ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ وَعَدَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَلَاحِ وَهُوَ الْبَقَاءُ وَلَوْ كَانَ الْفَلَاحُ وَهُوَ الْبَقَاءُ فِي الْخَمْرِ مِنْ ثَوَابِ مَنْ لَا يَجْتَنِبُهَا لَمَا كَانَ لِهَذَا الْوَعِيدِ وَجْهٌ وَوَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّهُ وَصَفَهَا تَعَالَى بِأَنَّهَا تُوقِعُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَتَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُحَرَّمَاتِ وَوَجْهٌ خَامِسٌ أَنَّهُ تَعَالَى تَوَعَّدَ عَلَى مُوَاقِعِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وَهَذَا غَايَةُ الْوَعِيدِ وَلَا يَتَوَعَّدُ إلَّا عَلَى مَحْظُورٍ مُحَرَّمٍ وَدَلِيلُنَا

стр. 829

مَا يُنْهَى أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَأَقْبَلْت نَحْوَهُ فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ فَسَأَلْتَ مَاذَا قَالَ: فَقِيلَ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» مَالِكٌ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» ) . ــ [المنتقى] مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا رَوَى دَاوُد عَنْ أَبِي الْفُرَاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُهُ حَرَامًا أَصْلُهُ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا يُنْهَى أَنْ يُنْبَذَ فِيهِ] (ش) : قَوْلُهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي» عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إلْقَاءِ الْأَحْكَامِ إلَيْهِمْ وَتَعْلِيمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَغَازِي وَعَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ وَقَوْلُ «عَبْدِ اللَّهِ فَأَقْبَلْتُ» نَحْوَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَقْبَلَ إلَيْهِ لِيَسْمَعَ مَا يَخْطُبُ بِهِ وَيَتَعَلَّمُ مَا يُعَلِّمُهُ وَمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ كَانَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ تَفْعَلُ حِرْصًا عَلَى الِاقْتِبَاسِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَمُسَارَعَةً إلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يُرِيدُ عَنْ خُطْبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَنْ حَضَرَ خُطْبَتَهُ أَوْ مَنْ عَلِمَ مَا خَطَبَ بِهِ مَاذَا قَالَ لِئَلَّا يَفُوتَهُ عِلْمُ ذَلِكَ حِينَ فَاتَهُ حُضُورُهُ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ «نَهَى ﷺ عَنْ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» وَلَمْ يَحْتَجْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ عَلَى نَقْلِ الدِّينِ إلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَالَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِمَرَاسِيلِهَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَمَّنْ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. (فَصْلٌ) : «وَنَهْيُهُ ﷺ عَنْ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» الدُّبَّاءُ هُوَ الْقَرْعُ هُوَ مَا طُلِيَ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقَارُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِئَلَّا يُعَجِّلَ تَغْيِيرَ مَا يُنْبَذُ فِيهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَأَخَذَ مَالِكٌ بِكَرَاهِيَةِ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالتَّخْلِيلُ أَحَبُّ إلَيَّ فِيهَا وَبِهِ أَقُولُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مَنْعُ الْفِعْلِ وَهُوَ الِانْتِبَاذُ وَنَهْيُهُ ﷺ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أَوْ الْكَرَاهِيَةَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى يُعَجِّلُ شِدَّةَ النَّبِيذِ وَيُغَيِّرُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا كَالْخَلِيطَيْنِ وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مَا زَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَرَابٌ لَيْسَتْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الِانْتِبَاذِ أَصْلُ ذَلِكَ إفْرَادُهُ وَانْتِبَاذُهُ فِي السِّقَاءِ. (فَرْعٌ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْرَبَ النَّبِيذَ مَا لَمْ يَسْكَرْ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهَا وَخَلَّلَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شُرْبُهَا. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُزَفَّتُ إنَاءً غَيْرَ الزُّقَاقِ وَأَمَّا الزُّقَاقُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةَ الِانْتِبَاذِ فِي الزُّقَاقِ الْمُزَفَّتَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزُّقَاقِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ الظُّرُوفِ الَّتِي يَجُوزُ الِانْتِبَاذُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَزْفِيتٍ أَنَّهُ إذَا زُفِّتَ الْجَمِيعُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُمْنَعَ الْمُزَفَّتُ وَذَلِكَ كُلُّهُ زُقَاقًا وَغَيْرَهَا لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَامًّا عَنْ الْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَخُصَّ زُقَاقًا مِنْ غَيْرِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْجِرَارُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ نَبِيذَ الْجِرَارِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ الْجِرَارَ الْعَارِيَّةَ مِنْ الْحَنْتَمِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ

стр. 830

مَا يُكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا» ) . ــ [المنتقى] «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي نَبِيذِ الْجِرَارِ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعْنَى نَبِيذٌ لَا يُعَجِّلُ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ فَلَمْ يُمْنَعْ الِانْتِبَاذُ كَالْأَسْقِيَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ نَبِيذِ الْجِرَارِ» فَلَعَلَّهُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِي طُلِيَ بِالْحَنْتَمِ أَوْ الْمُزَفَّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِ. وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَنْعَ مِنْهُ عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَعِنْدِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ كَالْمَنْعِ مِنْ الْمُزَفَّتِ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْ إسْرَاعِ الشِّدَّةِ مَا يُحْدِثُهُ الْمُزَفَّتُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: إنَّا نَأْتِيك مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَك هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَك إلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبِّ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَرُبَّمَا قَالَ الرَّاوِي النَّقِيرَ وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرَ قَالَ ﷺ وَاحْفَظُوهَا وَأَخْبِرُوا بِهَا مَنْ وَرَاءَكُمْ» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَالْحَنْتَمُ الْجَرُّ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ فَخَّارٍ أَبْيَضَ أَوْ أَخْضَرَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ فَخَّارٍ حَنْتَمًا وَإِنَّمَا الْحَنْتَمُ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالْحَنْتَمِ الْمَعْمُولِ مِنْ الزُّجَاجِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ يُعَجِّلُ الشِّدَّةَ فِي الشَّرَابِ وَأَمَّا الْفَخَّارُ الَّذِي لَمْ يُطْلَ فَلَا وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَجَرِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا النَّقِيرُ فَهُوَ الْعُودُ الْمَنْقُورُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَهُوَ عِنْدَهُ كَالْمُزَفَّتِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْ التَّعْجِيلِ مَبْلَغَ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ «وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيهَا» وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا ظَرْفٌ يُعَجِّلُ تَغْيِيرَ مَا يُنْبَذُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ الِانْتِبَاذُ فِيهِ كَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [مَا يُكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَا جَمِيعًا] (ش) : قَوْلُهُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا وَالتَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا» يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: أَمَّا إذَا بَلَغَ حَدَّ الْمُسْكِرِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُ فِي تَحْرِيمِهِ وَأَمَّا مَا لَمْ يُسْكِرْ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ مَنْعِ مَالِكٍ مِنْهُ فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَنْعُ تَحْرِيمٍ وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْعُ كَرَاهِيَةٍ وَوَجْهُ التَّحْرِيمِ أَنَّهُ «نَهَى ﷺ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا» وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ مَعْنَى يُعَجِّلُ إحْدَاثَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي الشَّرَابِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ أَصْلُهُ الِانْتِبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِمَنْعِ التَّحْرِيمِ قَوْلُهُ ﷺ «وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا شَرَابٌ لَمْ تَحْدُثْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَلَمْ يَحْرُمْ بِهَا أَصْلُ ذَلِكَ إذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا بِالِانْتِبَاذِ وَأَمَّا الِانْتِبَاذُ فِي الْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ جَارِيَيْنِ فِي كُلِّ مَا يُعَجِّلُ حُدُوثَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْبُسْرَ مَا قَدْ أَزْهَى مِنْ الثَّمَرِ وَلَمْ يَبْدُ فِيهِ إرْطَابٌ وَالرُّطَبُ مَا قَدْ جَاوَزَ الْبُسْرَ إلَى الْإِرْطَابِ وَإِذَا مَنَعَ مِنْ جَمْعِهِمَا النَّبْذُ مِنْ الْبُسْرِ فِي حُكْمِ جَمِيعِهَا فَيَجِبُ أَنْ لَا يَجُوزَ انْتِبَاذُهُ. ١ -

стр. 831

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ الثِّقَةِ عِنْدَهُ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا» قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ) . ــ [المنتقى] فَصْلٌ) وَقَوْلُهُ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ أَنْ يُنْبَذَ شَيْئَانِ وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ يُنْبَذَانِ مُفْرَدَيْنِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يَجُوزُ شُرْبُ الْخَلِيطَيْنِ يُنْبَذَانِ كَذَلِكَ أَوْ يُخْلَطَانِ عِنْدَ الشُّرْبِ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ مِثْلُ عِنَبٍ وَزَبِيبٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ مِثْلُ زَبِيبٍ وَتَمْرٍ فَقَدْ نَهَى عَنْهُ مَالِكٌ إلَّا الْفُقَاعَ فَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَحْلِيَتُهُ بِالْعَسَلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِمَّا يُنْبَذُ مُفْرَدًا لِأَنَّ الْفُقَاعَ مِنْ الْقَمْحِ أَوْ الشَّعِيرِ وَكُلُّ وَاحِدٍ يُنْبَذُ مُفْرَدًا فَالْقِيَاسُ أَنْ يُمْنَعَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ مَالِكٍ قَدْ اخْتَلَفَ فِي الْعَسَلِ تُطْرَحُ فِيهِ قِطَعُ الْعَجِينِ أَوْ الْحَرِيرَةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُمَا خَلِيطَانِ جِنْسُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْتَهِي إلَى السُّكْرِ فَلَمْ نُجِزْ ذَلِكَ فِيهِمَا كَمَا لَوْ خَلَطَهُ بِنَبِيذِ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ طَرْحَ قِطَعِ الْعَجِينِ تُطْرَحُ فِي الْعَسَلِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الِانْتِبَاذِ لِأَنَّ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ لَا يُنْبَذُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَأَمَّا خَلْطُ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ وَشُرْبُهُمَا فَلَا بَأْسَ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِانْتِبَاذٍ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى خَلْطِهِ مَشْرُوبَيْنِ كَشَرَابِ الْوَرْدِ وَشَرَابِ النَّيْلُوفَرِ وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ اللَّبَنَ لَا يُفْضِي أَنْ يُسْكِرَ وَقَدْ شَرَطْنَا أَنَّ الْخَلِيطَيْنِ إنَّمَا هُمَا مِمَّا يُفْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى الْإِسْكَارِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَهَلْ يَجُوزُ خَلْطُهُمَا لِغَيْرِ الِانْتِبَاذِ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ التَّخْلِيلِ؟ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ لِلْخَلِّ وَالتَّخْلِيلِ وَالِانْتِبَاذِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ قَالَ وَقَدْ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِلْخَلِّ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ التَّعَلُّقُ بِعُمُومِ «نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ نَبِيذِ الْخَلِيطَيْنِ» فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْخَلُّ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ نَبِيذًا ثُمَّ يَصِيرُ خَلًّا وَلَمْ يُوَجِّهْ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَوَجْهُهَا عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ النَّبِيذَ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْخَلَّ وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَبِيذًا ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خَلًّا فَلَا يَضُرُّهُ مَا يُعَجِّلُهُ لِأَنَّ تَعْجِيلَهُ لِلنَّبِيذِ يُعَجِّلُهُ لِلْخَلِّ وَإِنَّمَا يُفْسِدُهُ الشُّرْبُ فَإِذَا صَارَ نَبِيذًا فَسَدَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ إرَاقَتُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَمَنْ نَبَذَ الْخَلِيطَيْنِ فَقَدْ أَسَاءَ فَإِنْ حَدَثَتْ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ حَرُمَ وَإِنْ لَمْ تَحْدُثْ فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: يَجُوزُ شُرْبُهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَ هَذَا الْوَجْهِ فَاقْتَضَى هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي الِانْتِبَاذِ أَنَّ فِي تَحْرِيمِ الِانْتِبَاذِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ شَرِبَ مَا قَدْ نُبِذَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يُسْكِرَ مُبَاحٌ قَوْلًا وَاحِدًا. (ش) : قَوْلُهُ نَهَى أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنْ يُجْمَعَ نَبِيذَاهُمَا أَوْ يُجْمَعَا فِي الِانْتِبَاذِ فَتَنَاوَلَ ذَلِكَ مَا كَانَا مُخْتَلِطَيْنِ عِنْدَهُ لِلشُّرْبِ فَإِذَا نُبِذَا مُفْتَرِقَيْنِ ثُمَّ خُلِطَا عِنْدَ الشُّرْبِ فَقَدْ تَنَاوَلَهُمَا النَّهْيُ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ: يُشْرَبُ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُشْرَبَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُ ذَلِكَ فِيهِمَا وَهُوَ بَعْدَ الِانْتِبَاذِ كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ وَفُلَانٌ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَمَعْنَاهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ بَعْدَ الطَّحْنِ وَالْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَفُلَانٌ يَأْكُلُ الْأَنْعَامَ وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِيهَا مِنْ الذَّبْحِ وَالطَّبْخِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَنْ يُشْرَبَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ جَمِيعًا وَالزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا جَمَعَ فِي ذَلِكَ فِي النَّهْيِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَهُمَا جِنْسَانِ وَعَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ وَهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الْمَنْعُ مِنْ انْتِبَاذِ شَيْئَيْنِ يُفْضِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا أُفْرِدَ بِالِانْتِبَاذِ إلَى الْإِسْكَارِ وَجَمْعُهُمَا تَعْجِيلٌ لِذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ جِنْسَيْنِ. (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا إذَا خُلِطَا لِلِانْتِبَاذِ أَوْ خُلِطَ النَّبِيذَانِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ

стр. 832

تَحْرِيمُ الْخَمْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِتْعِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» ) . ــ [المنتقى] لَا بَأْسَ بِالْمَرِيءِ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْ الْعَصِيرِ وَلَا بَأْسَ بِمَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ أَوْ رُبِّبَ بِهِ مِنْ سَفَرْجَلٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ يَوْمُ عَمِلَ بِهِ ذَلِكَ حَلَالًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الِانْتِبَاذُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَنْتَهِي إلَى الْإِسْكَار إذَا انْتَبَذَ لِأَنَّ الْعَصِيرَ اُسْتُعْمِلَ مَعَ السَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الِانْتِبَاذِ بَلْ عَلَى وَجْهِ الِاعْتِقَادِ لِمَنْفَعَتِهِ وَرُفِعَ الْفَسَادُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ الْمَرِيءُ يُعْمَلُ مِنْ الْعَصِيرِ فَإِنَّ تِلْكَ الصِّنَاعَةَ لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِ الِانْتِبَاذِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِهَا وَجْهًا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَطَاعِمِ الْمَعْلُومَةِ فَإِنْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى أَنْ يَصِيرَ لَهُ حُكْمُ النَّبِيذِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ الْوُصُولَ إلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ كَالْخَلِّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَهَذَا عِنْدِي عَلَى رِوَايَةِ إبَاحَةِ تَخْلِيلِ الْجِنْسَيْنِ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إنَّهُ مُبَاحٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي تَخْلِيلِ الْجِنْسَيْنِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا غَرَضٌ مَقْصُودٌ مُبَاحٌ فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْهُ وَفِي الْمَرِيءِ غَرَضٌ مُبَاحٌ مَقْصُودٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [تَحْرِيمُ الْخَمْرِ] (ش) : قَوْلُهَا ﵂ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبِتْعِ» عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا يَسْتَفْهِمُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا يَشُكُّونَ مِنْ تَحْرِيمِ حَرَامٍ أَوْ تَحْلِيلِ حَلَالٍ أَوْ وُجُوبِ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْبِتْعِ وَهُوَ شَرَابُ الْعَسَلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَعَلِمُوا تَحْرِيمَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَسَأَلُوهُ عَمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ اسْمُ الْخَمْرِ يَقَعُ عَلَى الْبِتْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ لَمَا سَأَلَتْ الْعَرَبُ إذَا سَمِعَتْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ عَنْ الْبِتْعِ لِأَنَّ الْبِتْعَ هُوَ الْخَمْرُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ أَوْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِاسْمٍ خَاصٍّ مِثْلُ أَنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ خَمْرِ الْعِنَبِ أَوْ تَحْرِيمُ خَمْرِ التَّمْرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَوْعٌ مِنْ الْخَمْرِ غَالِبًا عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ فَيَكُونُ خَمْرُ التَّمْرِ غَالِبًا عَلَى بَلَدٍ مَا وَخَمْرُ التَّمْرِ غَالِبٌ عَلَى بَلَدٍ آخَرَ وَخَمْرُ الذُّرَةِ أَغْلَبُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَيَكُونُ لَفْظُ الْخَمْرِ إذَا أُطْلِقَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ أَظْهَرَ فِيمَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ لِكَثْرَتِهِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ هَذَا الِاسْمِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَعْدُومٌ عِنْدَهُمْ فَيُسْأَلُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَنْ غَيْرِ مَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى مَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ وَرَدَ أَوَّلًا عَلَى سَبَبٍ فَظَنَّ هَذَا السَّائِلُ لَمَّا جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى سَبَبِهِ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ سَمِعَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَجُوِّزَ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ فَسَأَلَ عَنْ الْبِتْعِ لِيَعْلَمَ إنْ كَانَ حُكْمُ الْعُمُومِ جَازَ فِيهِ أَمْ لَا. وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْيَمَنِ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ بِهَا أَشْرِبَةً يُقَالُ لَهَا الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ قَالَ: وَمَا الْبِتْعُ؟ قُلْت: شَرَابٌ يَكُونُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْمِزْرُ يَكُونُ مِنْ الشَّعِيرِ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» . (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ جِنْسِ الشَّرَابِ لَا عَنْ مِقْدَارِ مَا حَرُمَ مِنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ مِقْدَارٍ مِنْهُ فَلَمَّا جَاوَبَ عَنْ السُّؤَالِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَابَهُ عَنْ الْجِنْسِ وَإِلَّا كَانَ عُدُولًا مِنْهُ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ جَوَابًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ وَكَانَ السُّؤَالُ يَقْتَضِي الْجِنْسَ وَجَبَ أَنْ

стр. 833

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْغُبَيْرَاءِ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا وَنَهَى عَنْهَا» قَالَ مَالِكٌ: فَسَأَلْت زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ مَا الْغُبَيْرَاءُ فَقَالَ: هِيَ السُّكْرَكَةُ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» ) . ــ [المنتقى] يَكُونَ الْجَوَابُ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ جِنْسِ شَرَابٍ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ وَلَوْ سُئِلَ عَنْ أَبْعَاضِهِ وَمَقَادِيرِهِ لَقَالَ مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ فَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ الْبِتْعِ يَقْتَضِي السُّؤَالَ عَنْ جَمِيعِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ جِنْسِهِ وَجَوَابُهُ ﷺ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ» يَقْتَضِي الْجَوَابَ عَنْ أَجْنَاسِ الشَّرَابِ لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِلسُّؤَالِ وَلِأَنَّهُ ﷺ عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى الْجِنْسِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ فَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ أَبْعَاضِهِ وَإِنَّ بَعْضَ مَقَادِيرِهِ حَرَامٌ وَبَعْضَهَا حَلَالٌ لَقَالَ: كُلُّ مِقْدَارٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَقَالَ: كُلُّ مَا أَسْكَرَ مِنْهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَاسْتَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ لَفْظَ الشَّرَابِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ اسْمَ الشَّرَابِ وَاقِعٌ عَلَى الْجِنْسِ دُونَ بَعْضِ مَقَادِيرِهِ فَإِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالْجِنْسِ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْقَدْرِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ دُونَ الْقَدْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْغُبَيْرَاءِ قَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا وَنَهَى عَنْهَا يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ حَالَهَا وَصِفَتَهَا وَهَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَلَى جِنْسِهَا وَأَنَّهُ عَنْ ذَلِكَ أَجَابَ ﷺ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُعْتَادِ إذَا سَأَلُوا عَنْ الْمَاءِ أَحُلْوٌ هُوَ أَمْ مُرٌّ فَإِنَّمَا يَسْأَلُونَ عَنْ طَعْمِ جِنْسِهِ لَا عَنْ طَعْمِ قَطْرَةٍ مِنْهُ لَا يُوجَدُ لَهَا طَعْمٌ وَلَا عَنْ طَعْمِ الْكَثِيرِ مِنْهُ دُونَ الْقَلِيلِ وَكَذَلِكَ إذَا سَأَلُوا عَنْ شَرَابٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَنَافِعٌ هُوَ فَإِنَّمَا يَقَعُ السُّؤَالُ عَنْ جِنْسِهِ وَإِذَا أَجَابَ مَنْ سَأَلُوهُ بِأَنَّ كُلَّ شَرَابٍ سَخُنَ عِنْدَ تَنَاوُلِهِ يَجِبُ أَنْ يَجْتَنِبَهُ فَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَنْعُ جِنْسِهِ وَإِذَا أَرَادُوا السُّؤَالَ عَنْ مِقْدَارِ مَا تُخْشَى مَضَرَّتُهُ مِنْهُ قَالُوا: كَمْ الشَّرْبَةُ مِنْهُ؟ أَوْ كَمْ مِقْدَارُ مَا يُتَنَاوَلُ مِنْهُ؟ أَوْ كَمْ مِقْدَارُ مَا يُجْتَنَبُ مِنْهُ؟ وَإِنْ جَهِلَ السَّائِلُ فَسَأَلَ عَنْ جِنْسِهِ فَسَأَلَ عَنْ شَرَابِ الْوَرْدِ فِي جُمْلَتِهِ وَكَانَ قَلِيلُهُ مُخَالِفًا لِكَثِيرِهِ لَزِمَ الْمَسْئُولُ التَّفْصِيلَ وَأَنْ يَقُولَ أَمَّا يَسِيرُهُ فَلَا تَبْقَى مَضَرَّتُهُ فَيَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ كَثِيرُهُ وَمِقْدَارُهُ كَذَا وَإِنْ أَتَى بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُ الْمِقْدَارَ وَيَحْتَمِلُ الْجِنْسَ كَانَ الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْجِنْسَ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِسُؤَالِ السَّائِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ اللُّغَةَ تَمْنَعُ مِنْ هَذَا وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ قَالَ: وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْكَثِيرَ دُونَ الْقَلِيلِ لَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَمَّى قَلِيلُ الْخَمْرِ خَمْرًا وَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَمَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ يَسِيرَ الْخَمْرِ يُسَمَّى خَمْرًا وَإِنْ كَانَ بِانْفِرَادِهِ لَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْكَلَامُ فِي الْجِنْسِ دُونَ الْمِقْدَارِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ لَمَّا سَأَلَهُ مَالِكٌ عَنْ الْغُبَيْرَاءِ هِيَ السُّكْرَكَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ السُّكْرَكَةَ كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ وَالْغُبَيْرَاءُ الَّتِي هِيَ السُّكْرَكَةُ شَرَابٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» بَيَانٌ مِنْهُ ﷺ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْهَا مُعْرَضَةٌ لِشَارِبِهَا مُمْكِنَةٌ لَهُ مَقْبُولَةٌ مِنْهُ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهَا وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ بِهَا فَإِنَّهُ رُبَّمَا خِيفَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الْمُدْمِنِ عَلَى مَعَاصِيهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ التَّوْبَةِ وَيُحْرَمَهَا وَيُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَسْأَلُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ الْحِرْمَانِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ «حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ» يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ لَهُ أَوْ الْعَفْوِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ خَمْرَ الْجَنَّةِ وَيَقْتَضِي أَنَّ فِي الْآخِرَةِ شَرَابًا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] فَيُحْرَمُهُ الْمُصِرُّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ.

стр. 834

جَامِعُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ ابْنِ وَعْلَةَ الْمِصْرِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا فَقَالَ: لَا فَسَارَّهُ رَجُلٌ إلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا» ) ــ [المنتقى] [جَامِعُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ] (ش) : سُؤَالُهُ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعَصِيرِ مِنْ حِينِ يُعْصَرُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ فِي آخِرِ أَحْوَالِهِ وَذَلِكَ لِلْعَصِيرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: مِنْ حِينِ يُعْصَرُ وَقَبْلَ أَنْ يُنَشَّ وَالثَّانِيَةُ إذَا نَشَّ وَقَبْلَ أَنْ يُسْكِرَ وَالثَّالِثَةُ إذَا أَسْكَرَ وَالرَّابِعَةُ إذَا صَارَ خَلًّا فَأَمَّا الْأُولَى وَهِيَ حَالُ حَلَاوَتِهِ وَقَبْلَ أَنْ يُنَشَّ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ الْعَصِيرِ الَّذِي عُصِرَ فِي الْمَعَاصِرِ الَّتِي تَرَدَّدَ الْعَصْرُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ سَاعَةَ عَصْرٍ لِمَا يَبْقَى فِي أَسْفَلِهَا خَوْفًا أَنْ يَكُونَ قَدْ اخْتَمَرَ وَلَا شَكَّ أَنَّ بَقَايَا ثُفْلِهَا فِي أَسْفَلِهَا تَخْتَمِرُ فَتَصِيرُ خَمْرًا ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهِ عَصِيرُ طَوًى فَيَخْتَلِطُ بِهِ فَيَفْسُدُ جَمِيعُهُ لِأَنَّ قَلِيلَ الْخَمْرِ يُخَالِطُ كَثِيرًا مِنْ عَصِيرٍ أَوْ خَلٍّ أَوْ طَعَامٍ أَوْ مَا يُشْرَبُ فَيَحْرُمُ كُلُّهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنَّ الْخَمْرَ لَا يَعُودُ عَصِيرًا حُلْوًا فَلِذَلِكَ إذَا مَازَجَتْ الْعَصِيرَ نَجَّسَتْهُ لِأَنَّهَا تَبْقَى عَلَى نَجَاسَتِهَا وَلَوْ خَالَطَ بِيَسِيرِ الْخَمْرِ الْخَلَّ لَمْ يُنَجِّسْهُ لِأَنَّ أَجْزَاءَ ذَلِكَ الْخَمْرِ تَسْتَحِيلُ خَلًّا طَاهِرًا فَلَا تَبْقَى ثُمَّ لَا يَنْجُسُ الْخَلُّ بِمُجَاوَرَتِهِ وَقَدْ قَالَ: لَا يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ الْخَلُّ حَتَّى تَبْقَى مُدَّةً يَقْدِرُ فِيهَا أَنَّ أَجْزَاءَ ذَلِكَ الْخَمْرِ قَدْ اسْتَحَالَتْ خَلًّا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا إذَا نَشَّ فَإِنَّ مَالِكًا ﵀ لَا يَرَاهُ حَرَامًا حَتَّى يُسْكِرَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا نَشَّ فَقَدْ حَرُمَ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ «قَوْلُهُ ﷺ . وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» فَلَنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَصَدَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى بَيَانِ مَا حَرُمَ وَتَمْيِيزِهِ مِمَّا أَحَلَّهُ اللَّهُ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ فَعَلَّقَ اسْمَ التَّحْرِيمِ بِالْإِسْكَارِ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْغَلَيَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِسْكَارَ حَدٌّ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ دُونَ الْغَلَيَانِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ عَلَّقَ حُكْمَ التَّحْرِيمِ عَلَى الْإِسْكَارِ فَكَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ دُونَ الْغَلَيَانِ الَّذِي لَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا وَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ الْغَلَيَانُ عِلَّةً لَهُ فَيُتْرَكُ التَّعْلِيلُ بِهِ وَيُعَلَّلُ بِغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ بِعِلَّةٍ لَهُ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِذَا أَسْكَرَ فَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاخْتِلَافُ عَنْهُ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. (فَرْعٌ) إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْخَمْرَ حَرَامٌ فَهَلْ تَجِبُ إرَاقَتُهَا وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لَا يَخْلُو إذَا عَصَرَهَا أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْمَحْظُورَ وَهُوَ أَنْ يَتَّخِذَهَا خَمْرًا أَوْ يَقْصِدَ بِهَا الْمُبَاحَ وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهَا عَصِيرًا أَوْ يُخَلِّلَهَا أَوْ يَطْبُخَهَا رَبًّا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُبَاحَةِ فَإِنْ قَصَدَ بِهَا الْمَحْظُورَ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ نَعْلَمُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرَاقَتُهَا فَإِنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهَا فَخَلَّلَهَا فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ وَسَنَذْكُرُهُمَا بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ قَصَدَ بِهَا أَمْرًا مُبَاحًا فَصَارَ خَمْرًا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ عَصَرَ عَصِيرًا يُرِيدُ بِهِ الْخَلَّ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَالِجَهُ وَهُوَ عَصِيرٌ يُصَبُّ الْمَاءُ فِيهِ وَيَطْرَحُهُ عَلَى دُرْدِيِّ الْخَلِّ فَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ وَحُثَالَتَهُ وَإِنْ دَاخَلَتْهُ الْخَمْرُ ثُمَّ إنْ عَجَّلَ فَفَتَحَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ فَوَجَدَهُ قَدْ دَخَلَهُ عِرْقُ الْخَلِّ فَلَهُ أَنْ يُقِرَّهُ وَيُعَالِجَهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي رَائِحَةٍ وَلَا طَعْمٍ فَهِيَ خَمْرٌ تُهْرَاقُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ حَبْسُهَا وَلَا عِلَاجُهَا لِتَصِيرَ خَلًّا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ: وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَبِيبٍ نَظَرٌ وَظَاهِرُ مَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ

стр. 835

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ هَذَا وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِيهِ فِي الِاسْتِيفَاءِ. ١ - (فَرْعٌ) فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ خَمْرًا فَلَا يَخْلُو أَنْ تَصِيرَ خَلًّا بِمُعَالَجَةٍ أَوْ بِغَيْرِ مُعَالَجَةٍ فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِمُعَالَجَةِ آدَمِيٍّ فَإِنَّ الْمُعَالَجَةَ مَمْنُوعَةٌ فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَنَا وَأَحْسَنُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ «مُهْدِيَ الْمَزَادَتَيْنِ أَرَاقَهُمَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ» وَلَوْ جَازَ تَخْلِيلُهَا لَمَا أَبَاحَ لَهُ إرَاقَتَهَا وَلَنَبَّهَهُ عَلَى تَخْلِيلِهَا كَمَا نَبَّهَ أَهْلَ الْمَيْتَةِ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِجِلْدِهَا غَيْرَ أَنْ يَتَعَرَّضَ فِي ذَلِكَ أَنَّ تِلْكَ خَمْرٌ قَصَدَ بِهَا الْخَمْرَ وَأَمَّا مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ خَمْرًا وَإِنَّمَا قَصَدَ بِهَا الْخَلَّ فَحُكْمُهُ غَيْرُ حُكْمِ مَا قَصَدَ بِهِ الْخَمْرَ. (فَرْعٌ) فَإِنْ صَارَتْ خَلًّا بِمُعَالَجَةٍ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ فِيمَنْ عَصَرَ خَمْرًا أَوْ عَصَرَ خَلًّا فَصَارَتْ خَمْرًا فَبَاعَهَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَصَارَتْ خَلًّا أَوْ خَلَّلَهَا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا وَبَيْعِهَا. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةُ أَكْلِهَا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي مُخْتَصَرِهِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ هِيَ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ فَإِذَا زَالَتْ زَالَ التَّحْرِيمُ كَمَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ: وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِي «إرَاقَةِ مَا فِي الْمَزَادَتَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ» وَلَوْ أَرَادَ تَخْلِيلَهَا لَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَنَبَّهَهُ عَلَيْهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِلَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يُعْصَرُ مِنْ الْعِنَبِ «أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ» يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ مِنْ السَّائِلِ أَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ الْخَمْرِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَصِيرِ أَوْ عَمَّا عُصِرَ لِلْخَمْرِ فَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ الْخَمْرِ فَقَدْ أَجَابَهُ عَنْ نَفْسِ مَسْأَلَتِهِ وَإِنْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ عَصِيرٍ أُرِيدَ بِهِ الْخَمْرُ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَا قَدْ صَارَ خَمْرًا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ رَاوِيَةَ خَمْرٍ الرَّاوِيَةُ هِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ الْخَمْرَ أَوْ الْمَاءَ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَرْوِي غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُسَمَّى الظَّرْفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِيهِ الْمَاءُ أَوْ الْخَمْرُ رَاوِيَةً بِمَعْنَى تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ أَوْ قَارَبَهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ « ﷺ لِلَّذِي أَهْدَى إلَيْهِ الرَّاوِيَةَ أَمَا عَلِمْت أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا» عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُ إنْ كَانَ عَلِمَ ذَلِكَ ثُمَّ أَهْدَاهَا وَإِنْ كَانَ جَهِلَ مِثْلَ هَذَا مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ مَعَ ظُهُورِهِ وَلَمَّا قَالَ الْمُهْدِي لِلْخَمْرِ: لَا إظْهَارًا لِعُذْرِهِ سَارَّهُ إنْسَانٌ إلَى جَانِبِهِ بِمَا ظَنَّ أَنَّهُ يُرْشِدُهُ بِهِ إلَى مَنْفَعَتِهِ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ مِنْ مُسَارَّتِهِ وَلَمْ يَثِقْ بِعِلْمِهِ وَتَوَقَّعَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِمِثْلِ مَا أَظْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَمَّا سَارَّهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ صَوَابًا أَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَثَبَّتَهُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ خَطَأً حَذَّرَهُ مِنْهُ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَأَرْشَدَهُ إلَى الصَّوَابِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا فَقَالَ ﷺ : «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» فَأَخْبَرَ ﷺ «أَنَّهُ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا كَمَا لَا يَحِلُّ شُرْبُهَا» لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِهَا مَنْفَعَةٌ تُمْسَكُ لِسَبَبِهَا فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يَحِلَّ بَيْعُهُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ أَنَّ بَيْعَهَا مُحَرَّمٌ فَاجْتَرَأَ مُسْلِمٌ فَبَاعَهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ نَصْرَانِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَفَتَحَ الْمَزَادَتَيْنِ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهِمَا لِلْعَصِيرِ عَلَى أَصْلِنَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ حَالُ عَصِيرٍ وَحَالُ سُكْرٍ وَحَالُ تَخَلُّلٍ فَأَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى وَهِيَ حَالَةُ الْعَصِيرِ فَهِيَ حَالَةُ إبَاحَةٍ عَلَى وَجْهٍ مَا فَمَنْ أَعَدَّهَا لِوَجْهٍ مُبَاحٍ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إرَاقَتُهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ وَمَنْ اتَّخَذَهَا لِوَجْهٍ مَحْظُورٍ فَهَلْ تَلْزَمُهُ إرَاقَتُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتَحَهُمَا فَتْحًا يَبْقَى الِانْتِفَاعُ بِهِمَا بِأَنْ حَلَّ أَفْوَاهَهُمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتَحَهُمَا بِشَقِّ أَوْسَاطِهَا فَأَبْطَلَ ذَلِكَ الِانْتِفَاعَ بِهِمَا. وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ وُجِدَتْ عِنْدَهُ خَمْرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُسِرَتْ عَلَيْهِ وَشُقَّ ظُرُوفُهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا تُشَقُّ الظُّرُوفُ إذَا كَانَ لَا يَزُولُ مَا قَدْ فَسَدَ بِهَا مِنْ الْخَمْرِ بِالْغَسْلِ فَإِنْ كَانَ يَزُولُ مَا فِيهَا مِنْ الْغَسْلِ غُسِلَتْ وَلِيَنْتَفِعَ بِهَا وَكَذَلِكَ الْأَوَانِي

стр. 836

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ قَالَ: فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أَنَسُ قُمْ إلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ: فَقُمْت إلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ دَاوُد بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ وَاقِدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ شَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا وَقَالُوا: لَا يُصْلِحُنَا إلَّا هَذَا الشَّرَابُ فَقَالَ عُمَرُ: اشْرَبُوا الْعَسَلَ فَقَالُوا ــ [المنتقى] تُكْسَرُ إنْ كَانَ لَا يَزُولُ مَا فِيهَا قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ إنَّمَا أَرَادَ الظُّرُوفَ تُشَقُّ وَتُكْسَرُ الْأَوَانِي وَإِنْ كَانَ مَا فِيهَا يَزُولُ بِالْغَسْلِ عُقُوبَةً لِلْمُسْلِمِ عَلَى فِعْلِهِ وَإِمْسَاكِهِ الْخَمْرَ وَبَيْعِهِ لَهَا وَهَذَا الَّذِي أَرَادَهُ مَالِكٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلِذَلِكَ قَالَ: يُفَرَّقُ ثَمَنُ مَا بَاعَ مِنْهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَأَهْلِ الْحَاجَةِ عُقُوبَةً لِلْمُسْلِمِ الَّذِي بَاعَهَا لِئَلَّا يَعُودَ ثَانِيَةً إلَى بَيْعِهَا. (ش) : قَوْلُهُ كُنْت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَمَنْ مَعَهُ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَتَمْرٍ يَحْتَمِلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ مُسْكِرًا أَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ لِأَنَّ اسْمَ الشَّرَابِ قَدْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَالَ: فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا كَانَ وَقْتَ تَحْرِيمِهَا وَنَسْخِ إبَاحَتِهَا لِمَكَانِ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِتَحْرِيمِهَا وَلَوْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُهَا بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ وَلَمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ الْآتِي: يَا أَنَسُ قُمْ إلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا امْتِثَالٌ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ الَّذِي حَرَّمَهَا أَوْ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا رُوِيَ أَمْرُ بِلَالٍ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ أَنَّ هَذَا مُسْنَدٌ لِأَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إلَّا النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَنْهَى فِي الشَّرِيعَةِ غَيْرُهُ. (فَصْلٌ) : وَأَمْرُ أَبِي طَلْحَةَ أَنَسًا بِكَسْرِ الْجِرَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَضِيخَ التَّمْرِ عِنْدَهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخَمْرِ لَمَا جَازَ أَنْ يَأْمُرَ بِكَسْرِ الْمُبَاحِ عِنْدَهُ لِتَحْرِيمِ غَيْرِهِ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بِكَسْرِ نَوْعٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْكِرُ خَمْرًا كَمَا لَمْ يَأْمُرْ حِينَئِذٍ بِكَسْرِ جِرَارٍ فِيهَا مَاءٌ وَلَا سَمْنٌ وَلَا زَيْتٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَائِعَاتِ وَالْمَشْرُوبَاتِ وَلَمَا أَمَرَ بِكَسْرِ الْجِرَارِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْفَضِيخِ عِنْدَ نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَتَنَاوَلُ شَرَابَ الْفَضِيخِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ أَنَسٍ فَقُمْت إلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ الْمِهْرَاسُ حَجَرٌ كَبِيرٌ كَسَرَ أَنَسٌ بِهِ الْجِرَارَ بِأَمْرِ أَبِي طَلْحَةَ وَبِحَضْرَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى إرَاقَةِ مَا فِيهَا وَغَسْلِهَا وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَمَكُّنِ شَرَابِهَا مِنْهَا وَسِرَايَتِهِ فِي أَجْزَائِهَا وَمَسَامِّهَا وَإِنَّمَا يَجُوزُ غَسْلُهَا وَاسْتِعْمَالُهَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَزُولُ عَنْهَا مَا تَشَبَّثَ مِنْ الْخَمْرِ بِهَا وَلَا يَبْقَى مِنْ الْخَمْرِ فِيهَا بَقِيَّةٌ. وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجَرَّةِ إذَا طُبِخَ فِيهَا الْمَاءُ وَغُسِلَتْ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِكَسْرِهَا لَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهَا وَتَنْظِيفُهَا مِنْ بَقَايَا الْخَمْرِ فِيهَا وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كَسَرَهَا لَمَّا رَأَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْجِرَارِ. (فَرْعٌ) وَأَمَّا الَّذِي يُرَاعَى فِي تَطْهِيرِهَا وَنَظَافَتِهَا إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ غَسْلِهَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّكْوَةِ لِلْخَمْرِ تُغْسَلُ أَخَافُ أَنْ لَا تَخْرُجَ رِيحُهَا مِنْ الرَّكْوَةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَاعَى بَقَاءُ رَائِحَتِهَا فِي الْإِنَاءِ وَتَحْتَمِلُ مُرَاعَاةُ الرَّائِحَةِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَاعَى فِي تَغَيُّرِ الْمَائِعِ بِرَائِحَةِ النَّجِسِ وَكَوْنُ الرَّائِحَةِ فِيهَا بِمُجَاوَرَةٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ بِغَيْرِ الرَّائِحَةِ بِالْمُخَالَطَةِ وَالثَّانِي أَنَّ بَقَاءَ الرَّائِحَةِ فِي الْإِنَاءِ رُبَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالشَّارِبِ مِنْ ذَلِكَ الْإِنَاءِ فَأَدَّى ذَلِكَ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بِالرَّائِحَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 837

لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ: هَلْ لَك أَنْ نَجْعَلَ لَك مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْءٌ لَا يُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَطَبَخُوهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ فَأَدْخَلَ فِيهِ أُصْبُعَهُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ فَقَالَ: هَذَا الطِّلَاءُ هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوهُ فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَحْلَلْتَهَا وَاَللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ: كَلًّا وَاَللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ) ــ [المنتقى] (ش) : قَوْلُهُ إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حِينَ قَدِمَ الشَّامَ قُدُومُهُ الشَّامَ كَانَ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِنْ مُرَاعَاةِ أَنْظَارِهِ وَتَطَلُّعِهَا بِنَفْسِهِ وَتَعَاهُدِ أَحْوَالِهَا لَا سِيَّمَا وَهُوَ مَوْضِعُ رِبَاطٍ وَهُوَ أَهَمُّ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَأَوْلَاهَا بِتَفَقُّدِهِ وَتَعَاهُدِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ شَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الشَّامِ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَثِقَلَهَا يُرِيدُ أَنَّهُمْ شَكَوْا إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْوَجَهُمْ إلَى شُرْبِ شَرَابٍ يُزِيلُ عَنْهُمْ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَيُبْعِدُ عَنْهُمْ ثِقَلَهَا وَأَمْرَاضَهَا الْمُعْتَادَةَ عِنْدَهُمْ وَقَدْ اعْتَادُوا أَنْ يَغْتَذُوا لَهَا بِشَرَابٍ وَأَخْبَرُوا عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُصْلِحُهُمْ إلَّا ذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّ أَبْدَانَهُمْ لَا تَأْلَفُ غَيْرَهُ فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَشْرَبُوا الْعَسَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ مِنْهُ مِنْ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ إلَى الْحَدِّ الْمُحَرَّمِ مِنْ السُّكْرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُتَّخَذُ مِنْ الْعَصِيرِ مَا يَبْقَى وَيَسْلَمُ مِنْ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ وَعَلِمَ أَنَّ الْعَسَلَ يَبْقَى الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ فَعَدَلَ بِهِمْ إلَيْهِ لِيَقْتَنُوهُ وَيَتَّخِذُوهُ وَيَدَّخِرُوهُ فَمَتَى أَرَادُوا شُرْبَهُ خَلَطُوهُ بِالْمَاءِ فَقَالُوا: إنَّهُ لَا يُصْلِحُنَا الْعَسَلُ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُزِيلُ عَنْهُمْ وَبَاءَ الْأَرْضِ وَلَا وَخَامَتَهَا وَلَا يَدْفَعُ مَا يَحْدُثُ مِنْ أَمْرَاضِهَا وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُبَحْ لَهُمْ شُرْبُ ذَلِكَ الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ لِلتَّدَاوِي وَقَدْ ذَكَرَهُ. (فَصْلٌ) : وَلَمَّا تَوَقَّفَ عُمَرُ ﵁ عَنْ إجَابَتِهِمْ إلَى مَا أَرَادُوهُ مِنْ شُرْبِ الْعِنَبِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ادِّخَارُهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ يُرِيدُ مِمَّنْ نَشَأَ فِيهَا: هَلْ لَك أَنْ نَجْعَلَ لَك مِنْ هَذَا الشَّرَابِ شَيْئًا لَا يُسْكِرُ لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُدَّخَرَ وَلَا يَتَغَيَّرَ وَيُتَوَصَّلَ إلَى ذَلِكَ بِصَنْعَةٍ عَلِمَهَا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نَعَمْ إجَابَةً إلَى اخْتِبَارِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ صِحَّةِ ادِّخَارِهِ الْعَصِيرَ دُونَ أَنْ يُسْكِرَ أَوْ يَتَغَيَّرَ فَإِنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُمْ مِنْهُ لَمَّا عَلِمَ فِيهِ مِنْ التَّغَيُّرِ وَتَعَذَّرَ عِنْدَهُ مِنْ بَقَائِهِ دُونَ أَنْ يَفْسُدَ فَلَمَّا ادَّعَى هَذَا بِحَضْرَتِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَضَعَ مِنْهُ مَا يَسْلَمُ مِنْ الْفَسَادِ أَجَابَهُ إلَى أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ قَوْلَهُ وَيُعَايِنَ مَا أَخْبَرَهُ بِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ فَطَبَخَهُ حَتَّى ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ وَبَقِيَ الثُّلُثُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ ذَهَبَتْ مِنْهُ الْمَائِيَّةُ الَّتِي تُحْدِثُ إفْسَادَهُ وَيَسْرُعُ بِهَا تَغَيُّرُهُ وَبَقِيَتْ عَسَلِيَّتُهُ خَالِصَةً وَإِنَّمَا خَصَّ ذَلِكَ بِذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ وَبَقَاءِ الثُّلُثِ لِأَنَّ هَذِهِ كَانَتْ صِفَةَ عَصِيرِ ذَلِكَ الْعِنَبِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ فِي طَبْخٍ لَا أَحَدُّ ذَهَابَ ثُلُثَيْهِ وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلَى السُّكْرِ قَالَ أَشْهَبُ: وَإِنْ نَقَصَ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَيْسَ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ فِي كُلِّ بَلَدٍ وَلَا مِنْ كُلِّ عَصِيرٍ فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْمُخْتَصُّ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ تَحَفَّظَ فِي خَاصَّتِهِ فَعَمِلَ الطَّبْخَ فَلَا يَعْمَلُهُ إلَّا بِاجْتِمَاعِ وَجْهَيْنِ: أَنْ يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيُوقِنَ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ فَأَمَّا حَدُّ الْوَصْفَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسْكِرُ فَصَحِيحٌ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى سُؤَالٍ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْكِرْ فَسَوَاءٌ ذَهَبَ ثُلُثُهُ أَوْ رُبْعُهُ أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ بَلَدٌ يَذْهَبُ مِنْهُ أَقَلُّ مِنْ الثُّلُثَيْنِ وَيَسْلَمُ مِنْ الْفَسَادِ فَيُرَاعَى ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي يَسْلَمُ فِيهَا مِنْ الْفَسَادِ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ وَيُحْتَرَزُ بِتَيَقُّنِ سَلَامَتِهِ مِنْ الْفَسَادِ لِوُجُودِ الْفَسَادِ مَعَ ذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَإِذَا اعْتَبَرَ السَّلَامَةَ مِنْ أَنْ يُسْكِرَ اسْتَغْنَى عَنْ سَائِرِ الْأَوْصَافِ وَجَعَلَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَهَابَ الثُّلُثَيْنِ حَدًّا فِي جَوَازِ شُرْبِ مَا يَبْقَى وَإِنْ كَانَ يُسْكَرُ مِنْ كَثِيرِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذَا شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَلِيلُهُ حَرَامًا أَصْلُ ذَلِكَ النِّيءُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﵁ لَمَّا أَخْبَرَهُ وَأَشْرَفَ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَقَوْلُهُ فَأَتَوْا بِهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ

стр. 838

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] فَأَدْخَلَ فِيهِ أُصْبُعَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَتَبِعَهَا يَتَمَطَّطُ اخْتِبَارٌ مِنْ عُمَرَ ﵁ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ وَإِشْرَافٌ عَلَيْهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ وَاعْتِنَاءٌ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَهُ لِيَخْتَبِرَ ثَخَانَتَهُ وَهِيَ الَّتِي تَمْنَعُ التَّغَيُّرَ ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ الَّتِي أَدْخَلَهَا فِي الطِّلَاءِ فَتَبِعَهَا الطِّلَاءُ يَتَمَطَّطُ لِثَخَانَتِهِ وَلَوْ كَانَ رَقِيقًا فِي حُكْمِ الشَّرَابِ لَمْ يَتْبَعْ يَدَهُ وَلَا أُصْبُعَهُ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَجَعَلَ يَنْقُطُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصْبُعِهِ مِنْهُ إنْ كَانَ تَعَلَّقَ مِنْهُ شَيْءٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ هَذَا الطِّلَاءُ يُرِيدُ أَنَّهُ سُمِّيَ بِالطِّلَاءِ عَلَى مَعْنَى التَّشْبِيهِ بِهَذَا وَلِذَلِكَ قَالَ: هَذَا مِثْلُ طِلَاءِ الْإِبِلِ فِي ثَخَانَتِهِ وَبُعْدِهِ مِنْ التَّغَيُّرِ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ وَلَوْ رَاعَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَعُودَ إلَى مِثْلِ هَذَا مِنْ الْقِوَامِ وَالثَّخَانَةِ لَمَا أَبَاحَ لِلنَّاسِ إلَّا شُرْبَ مَا يُؤْمَنُ فَسَادُهُ فَإِنَّ هَذَا فِي قِوَامِ الْعَسَلِ وَلَا يَكُنْ شُرْبُ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ يُمْزَجَ بِالْمَاءِ فَلَا يُخَافُ عَلَى مِثْلِ هَذَا التَّغَيُّرُ أَبَدًا وَأَمَّا مِنْ عَصِيرٍ يَذْهَبُ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى الثُّلُثُ رَقِيقًا يَسْرُعُ إلَيْهِ التَّغَيُّرُ وَيَطْرَأُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ لَهُ حُكْمُهُ وَحُكْمُ الَّذِي قَدْ صَارَ فِي قِوَامِ الْعَسَلِ حُكْمُ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ وَلَوْ أَمْسَكَ أَعْوَامًا وَلَوْ كَانَ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ مِنْهُ يُجْزِئُ عَلَى كُلٍّ لَمَّا احْتَاجَ عُمَرُ أَنْ يَرَاهُ وَيَخْتَبِرَهُ وَيُدْخِلَ أُصْبُعَهُ فِيهِ وَيَرْفَعَهُ لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ ثَخَانَتَهُ وَلَقَالَ لِلَّذِي قَالَ لَهُ: هَلْ لَك أَنْ أَجْعَلَ لَك مِنْ هَذَا الشُّرْبِ مَا لَا يُسْكِرُ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْك: اُطْبُخْهُ حَتَّى يَذْهَبَ الثُّلُثَانِ وَلَا يُرَاعَى أَيُسْكِرُ أَمْ لَا وَلَمَّا قَالَ لَهُ: افْعَلْ عَلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ بِأَنْ يَعْمَلَ مِنْهُ مَا لَا يُسْكِرُ وَأَنَّهُ اخْتَبَرَ صِدْقَهُ وَعَلِمَ صِحَّةَ قَوْلِهِ بِمَا شَاهَدَ مِنْ ثَخَانَتِهِ وَأَنَّهُ فِي قِوَامِ طِلَاءِ الْإِبِلِ ثُمَّ أَظْهَرَ تَصْدِيقَ قَوْلِ الصَّانِعِ وَإِجَابَتَهُ إلَى مَا سَأَلَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ادَّعَى أَنَّهَا لَا تُسْكِرُ فَمَنْ أَبَاحَ شُرْبَ مَا يُسْكِرُ مِنْ ذَلِكَ بِذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُمْ بَيْنَ قَائِلَيْنِ: قَائِلٍ يَقُولُ بِمِثْلِ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهَا إذَا لَمْ تُسْكِرْ لَمَّا عَادَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْقِوَامِ أَنَّهُ مُبَاحٌ عَمَلُهَا وَاِتِّخَاذُهَا وَقَائِلٍ أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ ﵁ إبَاحَتَهَا مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ خَوْفًا مِنْ الذَّرِيعَةِ لِإِبَاحَتِهِ إلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ مِنْهَا عَلَى حَسَبِ مَا أَفْتَى بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَدْ خَالَفَ إجْمَاعَهُمْ. وَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَرْزُقُ النَّاسُ طِلَاءً يَقَعُ فِيهِ الذُّبَابُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ نَدَبَهُمْ إلَى ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى اسْتِيفَاءِ صِحَّةِ أَجْسَامِهِمْ وَصَلَاحِ أَحْوَالِهِمْ وَالْمَنْعِ لَهُمْ مِنْ تَحْرِيمِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ إبَاحَتَهُ لَهُمْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِنَا قَدْ قَالَ: إنَّ الْإِبَاحَةَ أَمْرٌ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَحْلَلْتَهَا وَاَللَّهِ يُرِيدُ أَنَّ مَا أَبَاحَهُ لَهُمْ مِنْ هَذِهِ الطِّلَاءِ الَّذِي يُؤْمَنُ مَعَهُ الْفَسَادُ يَتَسَبَّبُ بِهِ إلَى شُرْبِ مَا لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ مِمَّا يَسْرُعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ فَلَا يُبْلِغُوهُ ذَهَابَ الثُّلُثَيْنِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ ذَهَابُ الثُّلُثَيْنِ وَأَمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ وَيُشْرَبُ مَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ فِي بَلَدٍ لَا يَصْلُحُ فِيهِ إلَّا بِذَهَابِ أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِذِكْرِ ذَهَابِ الثُّلُثَيْنِ عَلَى حَسَبِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْمُخَالِفُ وَقَدْ تَبِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَلَى هَذَا الْإِنْكَارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ نَهَى عَنْهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَوْ اقْتَصَرَ النَّاسُ عَلَى مَا أَبَاحَ مِنْهُ لَمْ أَنْهَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّهُ لَيُعْجِبُنِي لِمَنْعِ الذَّرَائِعِ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ النَّاسُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُ عُمَرَ كَلًّا وَاَللَّهِ اللَّهُمَّ إنِّي لَا أُحِلُّ لَهُمْ شَيْئًا حَرَّمْته عَلَيْهِمْ وَلَا أُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا أَحْلَلْتَهُ لَهُمْ إنْكَارًا عَلَى عُبَادَةَ بِإِظْهَارِ النِّيَّةِ وَصَحِيحِ مُعْتَقِدِهِ وَتَبْيِينِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يُحِلُّ حَرَامًا وَهُوَ مَا يَسْرُعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَالتَّغَيُّرُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا مِنْهَا وَهُوَ مَا بَلَغَ الْمَبْلَغَ الَّذِي صَنَعَهُ الرَّجُلُ مِنْ الثَّخَانَةِ وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ طِلَاءِ الْإِبِلِ فَلَا يَسْرُعُ إلَيْهِ فَسَادٌ وَلَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ إلَّا بِخَلْطِهِ بِالْمَاءِ عَلَى حَسَبِ مَا يَصْنَعُ بِالْعَسَلِ مَنْ أَرَادَ

стр. 839

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنَّا نَبْتَاعُ مِنْ ثَمَرِ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ فَنَعْصِرُهُ خَمْرًا فَنَبِيعُهَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إنِّي لَا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيعُوهَا وَلَا تَبْتَاعُوهَا وَلَا تَعْصِرُوهَا وَلَا تَشْرَبُوهَا وَلَا تَسْقُوهَا فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) . ــ [المنتقى] شُرْبَهُ. (ش) : قَوْلُهُ إنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالُوا: إنَّا نَبْتَاعُ مِنْ ثَمَرِ النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ فَنَعْصِرُهُ خَمْرًا فَنَبِيعُهَا تَصْرِيحٌ بِعَصْرِ الْخَمْرِ وَبَيْعُهُ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ فِي مَنْعِهِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلَّذِي أَهْدَى إلَيْهِ رَاوِيَةَ خَمْرٍ: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتَهُ وَمَنْ سَمِعَ مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إنِّي لَا آمُرُكُمْ أَنْ تَبِيعُوهَا وَلَا تَبْتَاعُوهَا أَيْ إنِّي لَا أَتْرُكُكُمْ إلَى التِّجَارَةِ فِيهَا وَطَلَبِ الرِّزْقِ بِبَيْعِهَا وَشِرَائِهَا كَمَا آمُرُكُمْ بِطَلَبِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الْأَمْرُ فِي مِثْلِ هَذَا بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إنِّي لَا أُبِيحُ لَكُمْ وَهَذَا مِمَّا اُتُّفِقَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهِ وَابْتِيَاعِهِ فَإِنْ بَاعَهَا أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَبِيعَهَا مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمٌ مِنْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ نَصْرَانِيٌّ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَإِنْ بَاعَهَا مُسْلِمٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ مُسْلِمٌ مِنْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْثُرَ عَلَى ذَلِكَ وَالْخَمْرُ قَائِمَةٌ أَوْ كَانَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُفْسَخُ الشِّرَاءُ وَتُكْسَرُ حَيْثُ وُجِدَتْ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ إلَى الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ دَفَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَفَعَهُ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَالِكٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا» فَوَجَبَ كَسْرُهَا حَيْثُ وُجِدَتْ وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُبْتَاعِ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ مَالٍ عِوَضًا مِنْ الْخَمْرِ وَكَانَ الْخَمْرُ إنَّمَا كُسِرَتْ بِيَدِ الْبَائِعِ. ١ - (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَتْ قَدْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّهُ قَدْ فَاتَ مَوْضِعُ الْفَسْخِ وَيُؤْخَذُ الثَّمَنُ مِنْ الْبَائِعِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ وَيُفَرَّقُ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ وَيُعَاقَبَانِ عُقُوبَةً مُوجِعَةً بِبَيْعِهَا وَابْتِيَاعِهَا. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ بَاعَهَا مُسْلِمٌ مِنْ نَصْرَانِيٍّ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْثُرَ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فَإِنْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ وَالْخَمْرُ قَلِيلَةٌ بِيَدِ الْبَائِعِ أَوْ الْمُشْتَرِي النَّصْرَانِيِّ كُسِرَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ وَرُدَّ الثَّمَنُ عَلَى النَّصْرَانِيِّ. (فَرْعٌ) وَإِنْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أُخِذَ الثَّمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ أَوْ مِنْ النَّصْرَانِيِّ إنْ كَانَ لَمْ يَدْفَعْهُ لِأَنَّهُ ثَمَنُ حَرَامٍ وَفُرِّقَ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ وَفِيهَا اخْتِلَافٌ. (مَسْأَلَةٌ) : وَإِنْ بَاعَهَا نَصْرَانِيٌّ مِنْ مُسْلِمٍ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَعْثُرَ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْ بَعْدَ أَنْ فَاتَتْ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ قَائِمَةٌ فِي يَدِ النَّصْرَانِيِّ قَدْ أَبْرَزَهَا لِلْمُسْلِمِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: تُكْسَرُ عَلَيْهِ عُقُوبَةً لَهُ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ عَلَى الْمُسْلِمِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ إنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْهُ وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَدْ قَبَضَهَا كُسِرَتْ عَلَى الْمُبْتَاعِ فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ لَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ سَقَطَ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ النَّصْرَانِيُّ قَدْ قَبَضَهُ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهُ الثَّمَنُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ: إنَّمَا قَالَ: إنَّ الْخَمْرَ تُكْسَرُ فِي يَدِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ مِلْكُهَا وَلَا إمْسَاكُهَا وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ دَفَعَ الثَّمَنَ لَمْ يُرَدَّ إلَيْهِ أَدَبًا لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ بِقَبْضِ النَّصْرَانِيِّ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَقَدَ كُسِرَتْ الْخَمْرُ بِيَدِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يُدْفَعْ الثَّمَنُ إلَى النَّصْرَانِيِّ عُقُوبَةً لَهُ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ يُؤْخَذُ الثَّمَنُ مِنْ الْمُسْلِمِ فَيُتَصَدَّقُ بِهِ وَإِلَّا تُدْفَعُ إلَى النَّصْرَانِيِّ. (فَرْعٌ) وَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَدْ قَبَضَ الْخَمْرَ فَفَاتَتْ عِنْدَهُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ كَانَ الثَّمَنُ بَقِيَ عِنْدَهُ قُبِضَ مِنْهُ وَدُفِعَ إلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ وَيُعَاقَبَانِ وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ قَدْ صَارَ إلَى النَّصْرَانِيِّ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَلَا تَعْصِرُوهَا وَلَا تَشْرَبُوهَا وَلَا تَسْقُوهَا فَإِنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى مَنْعِ كُلِّ تَصَرُّفٍ مَقْصُودٍ فِيهَا وَعُمِلَ لَهَا ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ بِأَنَّهَا رِجْسٌ وَأَنَّهَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ يُرِيدُ

стр. 840

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ» ) . ــ [المنتقى] وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] تَمَّ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. [كِتَابُ الْجِهَادِ] ١ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كِتَابُ الْجِهَادِ (التَّرْغِيبُ فِي الْجِهَادِ) مَعْنَى التَّرْغِيبِ فِي الْجِهَادِ الْإِعْلَامُ بِعَظِيمِ ثَوَابِهِ وَجَزِيلِ أَجْرِهِ لِيُرَغِّبَ النَّاسَ فِيهِ وَأَكْثَرُ مَا يُوصَفُ بِالرَّغَائِبِ مَا قَصَرَ عَنْ رُتْبَةِ الْوُجُوبِ لِأَنَّ الْعَمَلَ إنَّمَا يُوصَفُ بِأَتَمِّ أَحْوَالِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ هَهُنَا لِلْوَصْفِ لَهُ بِوُجُوبٍ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا قُصِدَ الْحَضُّ عَلَى فِعْلِهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ مِنْ الرَّغَائِبِ لِمَنْ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُهُ لِقِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ وَبُعْدِهِ عَنْ مَكَانِهِ مَعَ ظُهُورِ الْمُجَاوِرِينَ لِلْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ وَاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْ عَوْنِ مَنْ بَعُدَ عَنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ فِي مِثْلِ هَذَا: كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ فَرْضًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْآنَ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : الْجِهَادُ فَرْضٌ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَعْنَى قَوْلِنَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ فَإِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ فَرْضُهُ عَمَّنْ قَامَ بِهِ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا عَمَّتْ الْحَاجَةُ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ وَدَهَمَهُمْ مِنْ الْعَدُوِّ مَا لَا يَقُومُ بِهِ بَعْضُهُمْ لَزِمَ الْفَرْضُ جَمِيعَهُمْ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] . (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ وُجُوبُ الْجِهَادِ فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُفَّارُ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ يَدْخُلُوا فِي الذِّمَّةِ بِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَجَرَيَانِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . (مَسْأَلَةٌ) : وَهَذَا مَعَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ وَغَلَبَتِهِمْ لَهُمْ فَأَمَّا إذَا ضَعُفَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ فَلَا بَأْسَ بِمُهَادَنَتِهِمْ وَمُصَالَحَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ وَسَأَلَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ سَحْنُونًا قَالُوا: أَرَأَيْت لَوْ انْقَطَعَتْ عَنَّا الْجُيُوشُ وَبَعُدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَعَدُوُّنَا قَرِيبٌ مِنَّا فِي قُوَّةٍ هَلْ لِأَمِيرِ الثُّغُورِ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ إذْ لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ قَالَ: نَعَمْ وَلَا يَبْعُدُ فِي الْمُدَّةِ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مُهَادَنَةُ النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ حَتَّى قَوِيَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُمْ. (مَسْأَلَةٌ) : وَأَمَّا مُصَالَحَتُهُمْ عَلَى مَالٍ يُعْطِيهِمْ الْمُسْلِمُونَ إيَّاهُ إذَا عَجَزُوا عَنْ حِمَايَةِ زَرْعِهِمْ أَوْ حِمَايَةِ بَيْضَتِهِمْ أَوْ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهِمْ وَخَافُوا التَّغَلُّبَ وَأَخْذَ الْعَدُوِّ مَنْ فِيهَا مِنْ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ فَهُوَ جَائِزٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ السَّبِيلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الطَّرِيقُ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَجَمِيعُ أَعْمَالِ الْبِرِّ هِيَ سَبِيلُ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ إذَا أُطْلِقَتْ فِي الشَّرْعِ اقْتَضَتْ الْغَزْوَ إلَى الْعَدُوِّ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِمَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ: سُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ فِي الْغَزْوِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ إطْلَاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَظْهَرُ فِي الْغَزْوِ وَتَمْثِيلُهُ الْمُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالصَّائِمِ الْقَائِمِ يُرِيدُ فِي عِظَمِ ثَوَابِهِ وَكَثْرَتِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى جِهَادِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِثْلَ ثَوَابِ الْمُسْتَدِيمِ لِلْقِيَامِ وَالصِّيَامِ لَا يَفْتُرُ عَنْهُمَا وَإِنَّمَا أَحَالَ عَلَى ثَوَابِ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْرِفُ مِقْدَارَهُ لِمَا قَرَّرَ الشَّرْعُ مِنْ كَثْرَتِهِ وَعُرِفَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ هَهُنَا الْمُصَلِّي يُقَالُ فُلَانٌ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إذَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ

стр. 841

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» ) . ــ [المنتقى] (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ الْقَائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ يُرِيدُ أَنَّ حَالَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي أَجْرِهِ وَثَوَابِهِ مِثْلُ أَجْرِ هَذَا لِأَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفِ الْمُجَاهِدِ وَأَكْلِهِ وَنَوْمِهِ وَغَفْلَتِهِ يُمَاثِلُ ثَوَابُهُ ثَوَابَ الَّذِي يَقْرِنُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ فَقَالَ: لَا أَجِدُ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ الْمَسْجِدَ تُصَلِّي لَا تَفْتُرُ وَتَصُومُ لَا تُفْطِرُ قَالَ: مَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ» . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ الْكَفَالَةُ الضَّمَانُ وَإِنَّمَا أَضَافَ الْكَفَالَةَ إلَى الْبَارِئِ فِي هَذَا الْعَمَلِ لِأَنَّهُ أَوْفَى كَفِيلٍ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْجِهَادِ وَالتَّصْحِيحِ لِثَوَابِ الْمُجَاهِدِ وَقَوْلُهُ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ فِي جِهَادِهِ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَشُوبُهُ طَلَبُ الْغَنِيمَةِ وَلَا الْعَصَبِيَّةُ لِلْأَهْلِ وَالْعَشِيرَةِ وَلَا حُبُّ الظُّهُورِ وَلَا سُمْعَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْمَعَانِي غَيْرَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِذَا كَانَتْ نِيَّتُهُ وَعَقْدُهُ الْجِهَادَ فَلَا يُنْقِصُ أَجْرَهُ وَلَا يَنْقُضُ عَقْدَهُ مَا نَالَ مِنْ غَنِيمَةٍ بَلْ هِيَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَجْرُهُ وَافِرٌ كَامِلٌ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ خُرُوجِهِ وَعَقْدِهِ وَمَقْصِدِهِ فِي قِتَالِهِ الْغَنِيمَةَ أَوْ إظْهَارَ النَّجْدَةِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الثَّوَابِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَنَّ تَصْدِيقَهُ بِهِمَا يُثْبِتُ فِي نَفْسِهِ عَدَاوَةَ مَنْ كَذَّبَهُمَا وَالْحِرْصَ عَلَى قَتْلِهِ وَالْمُجَاهَدَةِ لَهُ وَقَوْلُهُ ﷺ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إنْ أُصِيبَ بِمَوْتٍ أَوْ قُتِلَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَخْتَصُّ بِالْقَتْلِ دُونَ غَيْرِهِ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ بِأَثَرِ قَتْلِهِ وَيَكُونَ هَذَا تَخْصِيصًا لِلشُّهَدَاءِ كَمَا خُصُّوا بِأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وَالثَّانِي أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْبَعْثِ وَيَكُونَ فَائِدَةُ تَخْصِيصِهِ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَفَّارَةً لِجَمِيعِ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَثُرَتْ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَأَنَّهُ لَا مُوَازَنَةَ بَيْنَ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْخَطَايَا وَبَيْنَ ثَوَابِ مَا خَرَجَ لَهُ مِنْ الْجِهَادِ فَلَمْ يَرْجِعْ وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي «الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أَرَأَيْت إنْ قُتِلْتُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ فَقَالَ ﷺ : نَعَمْ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ أَنْ رَدَّ عَلَيْهِ إلَّا الدَّيْنَ كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ» . ١ - (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعَ الَّذِي يَنَالُ مِنْهُمَا فَإِنْ أَصَابَ غَنِيمَةً فَلَهُ أَجْرٌ وَغَنِيمَةٌ وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْغَنِيمَةَ فَلَهُ الْأَجْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَكُونُ» أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ عَلَى قَدَرٍ ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرٍ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُصِيبُوا غَنِيمَةً إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْأُجْرَةِ وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَمْ أَجْرُهُمْ» وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ رَوَاهُ أَبُو هَانِئِ حُمَيْدٍ بْنُ هَانِئٍ وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ

стр. 842

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنْ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ بِهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ حَسَنَاتٍ فَهِيَ لَهُ أَجْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ» وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ فَقَالَ: لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ــ [المنتقى] مَعْنَاهُ أَنْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا أَوْ يَكُونُوا قَدْ خَرَجُوا قَاصِدِينَ لَهَا مَعَ إرَادَةِ الْجِهَادِ وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ غَازِيًا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ عَلَى مَا أَصَابُوا مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ نَافِعٍ الزُّرَقِيِّ وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ قَالَ: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ» وَرُوِيَ «عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: مَا يُدْرِيك لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ» . (ش) : قَوْلُهُ ﷺ الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ يُرِيدُ أَنَّ اتِّخَاذَهَا وَرَبْطَهَا فِي الْغَالِبِ يَكُونُ لِأَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثِ الْأَحْوَالِ إمَّا لِمُجَرَّدِ الْأَجْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِمَّا لِلسِّتْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا لِيَكْتَسِبَ عَلَيْهَا وَإِمَّا لِلْوِزْرِ وَهُوَ لِمَنْ رَبَطَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ، وَارْتِبَاطُ الْخَيْلِ وَرَبْطُهَا هُوَ اقْتِنَاؤُهَا وَأَصْلُهُ مِنْ الرَّبْطِ بِالْحَبْلِ وَالْمِقْوَدِ وَلَمَّا كَانَتْ الْخَيْلُ لَا تُسْتَبَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ كُلُّ مَنْ اقْتَنَى فَرَسًا رَبَطَهُ وَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا حَتَّى سَمَّوْا اقْتِنَاءَهَا وَاِتِّخَاذَهَا رَبْطًا فَمَعْنَى رَبْطِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إعْدَادُهَا لِهَذَا الْوَجْهِ وَاِتِّخَاذُهَا بِسَبَبِهِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ يُثَابُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي حَالِ مَقَامِهِ دُونَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْجِهَادِ وَغَزْوِ الْعَدُوِّ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْإِعْدَادِ لَهُ وَالْإِرْهَابِ عَلَى الْعَدُوِّ فَإِذَا غَزَا بِهِ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ وَأَجْرُ الِاتِّخَاذِ وَالرِّبَاطِ. ١ - (فَصْلٌ) : الرِّبَاطُ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: رِبَاطُ الْخَيْلِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةُ وَرِبَاطُ الْخَيْلِ يَكُونُ اتِّخَاذَهَا فِي مَوْطِنِ الْمُتَّخِذِ لَهَا وَغَيْرِ مَوْطِنِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الثَّغْرِ وَقُرْبِ الْعَدُوِّ أَوْ فِي مُعْظَمِ الْإِسْلَامِ وَبِالْبُعْدِ مِنْ الْعَدُوِّ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ بَابِ إعْدَادِ الْقُوَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَأْتِيهِ النَّفِيرُ وَيَحْتَاجُ إلَى الْغَزْوِ وَلَا يَجِدُ مِنْ الْمُهْلَةِ مَا يَتَّخِذُ فِيهِ الْخَيْلَ وَلِأَنَّ الْغَازِيَ بِهَا يَحْتَاجُ إلَى اخْتِبَارِهَا وَتَأْدِيبِهَا قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا يَتِمُّ لَهُ مُرَادُهُ مِنْهَا إلَّا بِاِتِّخَاذِهَا قَبْلَ الْغَزْوِ بِهَا وَالْوَجْهُ الثَّانِي مِنْ الرِّبَاطِ هُوَ رِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ وَهُوَ أَنْ يَرْبِطَ نَفْسَهُ لِحِفْظِ الثُّغُورِ وَيُكْثِرُ سَوَادَهَا وَالْإِرْهَابَ عَلَى مَنْ جَاوَرَهُ مِنْ الْعَدُوِّ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَمَا رُوِيَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» . ١ - (مَسْأَلَةٌ) : إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَرِبَاطُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ هُوَ أَنْ يَتْرُكَ وَطَنَهُ وَيَلْزَمَ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ الْمَخُوفَةِ لِمَعْنَى الْحِفْظِ وَتَكْثِيرِ السَّوَادِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ وَطَنُهُ الثَّغْرَ فَلَيْسَتْ إقَامَتُهُ بِهِ رِبَاطًا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ وَيُقِيمَ لِهَذَا الْوَجْهِ خَاصَّةً فَإِنْ أَقَامَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ تَصَرُّفَاتِهِ فَلَمْ يَرْبِطْ نَفْسَهُ لِمُدَافَعَةِ الْعَدُوِّ وَلَيْسَ

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المنتقى] كَذَلِكَ رِبَاطُ الْخَيْلِ فَإِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يَسْتَغْنِي عَنْ اتِّخَاذِهَا هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ اخْتَارَ الْمَقَامَ وَالِاسْتِيطَانَ بِالثَّغْرِ وَمَوْضِعِ الْخَوْفِ لِلرِّبَاطِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَأَمْكَنَهُ الْمَقَامُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبُلْدَانِ لَهُ حُكْمُ الرِّبَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) : إذَا كَانَ الثَّغْرُ رِبَاطًا لِمَوْضِعِ الْخَوْفِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الْمَخَافَةُ لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ بَعُدَ الْعَدُوُّ عَنْهُمْ فَإِنَّ حُكْمَ الرِّبَاطِ يَزُولُ عَنْهُمْ. وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ جَعَلَ شَيْئًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيَجْعَلُهُ فِي جُدَّةٍ قَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بِهَا خَوْفٌ قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ. ١ - (مَسْأَلَةٌ) : وَرِبَاطُ الْخَيْلِ وَالنَّفْسِ مِنْ عِدَّةِ الْجِهَادِ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ: أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك الرِّبَاطُ أَمْ الْغَارَاتُ فِي الْعَدُوِّ؟ قَالَ أَمَّا الْغَارَاتُ فَلَا أَدْرِي كَأَنَّهُ كَرِهَهَا وَأَمَّا السَّيْرُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى الْإِصَابَةِ يُرِيدُ السُّنَّةَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَرِهَ الْغَارَاتِ لَمَّا كَانُوا يَقْصِدُونَ بِهَا مَنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ وَرُبَّمَا غَلُّوا وَأَمَّا السَّيْرُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ وَهُوَ الْغَزْوُ عَلَى الْإِصَابَةِ لِلْحَقِّ وَالسُّنَّةِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَلَا يَغُلَّ وَيُطِيعُ الْأَمِيرَ فِي الْحَقِّ فَهُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى الرِّبَاطِ دُخُولَ أَرْضِ الْعَدُوِّ وَإِهَانَتِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الْجِهَادَ لِسَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَالرِّبَاطَ لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحَقْنُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ فِي الْجِهَادِ مَا دَخَلَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ بِثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ قَدْ اشْتَدَّ حَتَّى خِيفَ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ عَدُوِّهِمْ فَاسْتُنْفِرُوا لِإِدْرَاكِ ذَلِكَ الثَّغْرِ فَإِنَّ قَصْدَ ذَلِكَ الثَّغْرِ حِينَئِذٍ يَكُونُ أَوْلَى لِأَنَّ حَقْنَ دِمَاءِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ سَفْكِ دِمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُ ثَغْرًا مِنْ الثُّغُورِ لِلرِّبَاطِ فِيهِ لَا لِعَدُوٍّ يَتَرَقَّبُ نُزُولَهُ وَيَتْرُكُ الْغَزْوَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ لِأَنَّ دُخُولَهُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ نِكَايَةٌ فِيهِمْ وَإِهَانَةٌ لَهُمْ وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ حِفْظٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ نِكَايَةَ الْعَدُوِّ تُضْعِفُهُمْ عَنْ غَزْوِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: مَا غَزَا قَوْمٌ فِي عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا. (فَصْلٌ) : «وَقَوْلُهُ ﷺ فَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَذَكَرَ أَنَّهُ الرَّبْطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ثُمَّ وَصَفَ أَنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفِهَا أَجْرٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَزْوٌ فَإِنْ أَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ لِلرَّعْيِ فَإِنَّ مَا أَصَابَتْ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ لَهُ حَسَنَاتٍ وَقَوْلُهُ « ﷺ وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا ذَلِكَ فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ» يُرِيدُ ﷺ أَنَّ تَصَرُّفَ هَذِهِ الْخَيْلِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ يَكُونُ حَسَنَاتٍ لَهُ وَلِذَلِكَ وَصَفَ أَوَّلًا مَا كَانَ بِسَبَبِهِ مِنْ الْإِطَالَةِ لَهَا فِي الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ سَبَبِهِ وَمِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ مِنْ قَطْعِ الطِّيَلِ وَهُوَ مَا أَطَالَ لَهَا فِيهِ مِنْ الْحَبْلِ، وَاسْتِنَانُ الشَّرَفِ هُوَ الْجَرْيُ إلَى مَا يَعْلُو مِنْ الْأَرْضِ وَرَأَيْت لِبَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الشَّرَفَ وَالطَّلَقَ وَاحِدٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهَا عَلَى هَذَا جَرْيُهَا طَلِقًا أَوْ طَلِقَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُرِدْ فِعْلَهُ مِنْ أَنْ تَشْرَبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرِيدَ سَقْيَهَا وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَسَنَاتٍ لَهُ مِنْ رَبْطِهَا وَإِنَّمَا أَتَى بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِيَسْتَوْعِبَ أَنْوَاعَ تَصَرُّفِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا يُرِيدُ أَنَّهُ رَبَطَهَا لِيَسْتَغْنِيَ بِهَا وَيَعِفَّ عَنْ السُّؤَالِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ قَصْدِهِ فِيهَا لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اتِّخَاذَهَا لِهَذَا الْوَجْهِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ فِيهَا فَإِنْ ضَيَّعَ حُقُوقَ اللَّهِ فِيهَا لَمْ تُوصَفْ بِأَنَّهَا سِتْرٌ لَهُ خَاصَّةً لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَآثِمِ وَالْوِزْرِ بِسَبَبِهَا وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَأْثَمْ بِاِتِّخَاذِهَا لِأَنَّهُ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فِي رِقَابِهَا وَظُهُورِهَا وَالْحُقُوقُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ لِلَّهِ بِرِقَابِهَا أَنْ تُؤَدَّى مِنْهَا الْحُقُوقُ إذَا تَعَيَّنَتْ فِيهَا بِاخْتِصَاصِهَا بِهَا أَوْ لِضِيقِ ذِمَّتِهِ عَنْهَا

стр. 844

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً؟ رَجُلٌ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً بَعْدَهُ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» ) . ــ [المنتقى] وَاحْتِيَاجِهِ إلَى أَدَائِهَا مِنْ رِقَابِ هَذِهِ الْخَيْلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ ظُهُورِهَا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرْضُ الْجِهَادِ بِهَا إذَا دَعَتْ إلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهَا لِلْجِهَادِ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِهَا وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حَمْلُ الضَّعِيفِ عَلَيْهَا إذَا خَافَ عَلَيْهِ الْهَلَكَةَ وَلَمْ يَجِدْ مَحْمَلًا غَيْرَهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ ﷺ وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ يُرِيدُ أَنْ يَفْتَخِرَ بِهَا وَيُرَائِيَ بِهَا الْإِسْلَامَ وَأَمَّا لَوْ افْتَخَرَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ وَرِئَائِهِمْ بِهَا لَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخَيْرِ الَّذِي يَرْجُو عَلَيْهِ الْأَجْرَ وَأَمَّا النِّوَاءُ فَهُوَ الْمُقَاوَمَةُ عَلَى وَجْهِ الْعَدَاوَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ فُلَانٌ نَاوَى فُلَانًا إذَا قَاوَمَهُ عَلَى عَدَاوَةٍ فَمَنْ اقْتَنَى فَرَسًا يَفْتَخِرُ بِهَا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيُنَاوِيهِمْ بِهَا فَهِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَصْلٌ) : وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْحُمُرِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَ حُكْمُ الْحُمُرِ حُكْمَ الْخَيْلِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهَا لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ أَوْ يَكُونُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْخَيْلِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهَا لَا تُتَّخَذُ غَالِبًا لِجِهَادٍ وَلَا تُرْبَطُ فِيهِ وَهِيَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يناوي بِهَا وَلَا يُفْتَخَرُ بِاقْتِنَائِهَا وَلَا هِيَ مِمَّا يُتَكَسَّبُ بِرُكُوبِهَا وَأَنْ يُكْسَبَ بِالْحَمْلِ عَلَيْهَا كَالْإِبِلِ وَالْبِغَالِ فَقَالَ ﷺ : لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ الْفَاذَّةُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهَا مِنْ التَّقْسِيمِ وَالتَّفْسِيرِ مَا نَزَلَ فِي الْخَيْلِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشَارِكَةٍ لَهَا فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] وَالْحُمُرُ وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ مَبْلَغَ الْخَيْلِ فِي الْجِهَادِ فَقَدْ يَحْمِلُ عَلَيْهَا رَاحِلَتَهُ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ اقْتِنَاءَ الْخَيْلِ وَيَحْمِلُ عَلَيْهَا زَادَهُ وَسِلَاحَهُ وَيَتَكَسَّبُ عَلَيْهَا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَأَمَّا هِيَ فَيَشْتَرِيهَا وَيَسْتَعِينُ بِهَا أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْبَغْيِ عَلَى غَزْوِ الْإِسْلَامِ فَيُوزَرُونَ بِهَا فَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ لِأَنَّ اقْتِنَاءَهَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ عَمَلِ الْخَيْرِ أَوْ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى مَنْ عَمِلَ شَيْئًا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَرَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعُمُومِ لِأَنَّهُ ﷺ تَعَلَّقَ بِعُمُومِ الْآيَةِ وَاسْتَفَادَ مِنْهُ حُكْمًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّعَلُّقِ بِهِ لُغَةً وَشَرْعًا وَقَوْلُهُ ﷺ الْآيَةُ الْجَامِعَةُ يُرِيدُ ﷺ الْعَامَّةَ وَقَوْلُهُ ﷺ الْفَاذَّةُ يُرِيدُ الْقَلِيلَةَ الْمِثْلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ يُقَالُ كَلِمَةٌ فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ أَيْ شَاذَّةٌ. (ش) : قَوْلُهُ ﷺ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْبِيهِ لَهُمْ عَلَى الْإِصْغَاءِ إلَيْهِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُخْبِرُ بِهِ وَالتَّفَرُّغِ لِفَهْمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ ﷺ خَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً أَكْثَرَهُمْ ثَوَابًا فِي الْآخِرَةِ وَأَرْفَعَهُمْ دَرَجَةً وَقَوْلُهُ ﷺ رَجُلٌ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مُوَاظِبٌ عَلَى ذَلِكَ وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو فِي الْأَغْلَبِ مِنْ ذَلِكَ رَاكِبًا لَهُ أَوْ قَائِدًا هَذَا مُعْظَمُ أَمْرِهِ وَمَقْصُودُهُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فَوَصَفَ بِذَلِكَ جَمِيعَ أَحْوَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً بَعْدَهُ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَتِهِ وَصَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلَ الْمَنَازِلِ وَنَصَّ عَلَيْهَا وَرَغَّبَ فِيهَا مَنْ قَوِيَ عَلَيْهَا وَأَخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِفَضْلِ مَنْ قَصَرَ عَنْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَضَعُفَ عَنْهَا فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ آخِذًا بِعَنَانِ فَرَسِهِ فِيهِ

стр. 845

(ص) : (مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «أَخْبَرَنِي عِبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنُ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» ) . (ص) : (مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: كَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّومِ وَمَا ــ [المنتقى] فَفِي النَّاسِ الضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ وَذُو الْعَاهَةِ وَالْفَقِيرُ وَوَصْفُ ﷺ هَذَا الْمُعْتَزِلِ فِي أَنَّهُ فِي غَنِيمَتِهِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ إشَارَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى قِلَّةِ الْمَالِ وَقَدْ يَكُونُ اعْتِزَالُهُ ضَعْفًا عَنْ الْجِهَادِ. وَقَدْ «رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي غُزَاةٍ: إنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إلَّا وَهُمْ مَعَنَا حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ» وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْجِهَادِ وَلَكِنَّهُ يُؤْمَرُ مَعَ الْغِنَى عَنْهُ بِالِانْقِبَاضِ وَالِاعْتِزَالِ لَمَّا يَرَى أَنَّ ذَلِكَ أَرْفَقُ بِهِ وَأَوْفَقُ لَهُ فِي دِينِهِ فَهَذَا أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَعَبَدَ اللَّهَ تَعَالَى فَمَنْزِلَتُهُ بَعْدَ مَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ مِنْ أَفْضَلِ الْمَنَازِلِ لِأَدَائِهِ الْفَرَائِضَ وَإِخْلَاصِهِ لِلَّهِ الْعِبَادَةَ وَبُعْدِهِ عَنْ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ إذَا خَفِيَ مَوْضِعُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شُهْرَةً لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْذِي أَحَدًا وَلَا يَذْكُرُهُ وَلَا تَبْلُغُ دَرَجَتُهُ دَرَجَةَ الْمُجَاهِدِ لِأَنَّ الْمُجَاهِدَ يَذُبُّ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَيُجَاهِدُ الْكَافِرِينَ حَتَّى يُدْخِلَهُمْ فِي الدِّينِ يَتَعَدَّى فَضْلُهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَكْثُرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ وَهَذَا الْمُعْتَزِلُ لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَأَى أَنَّ الِانْقِبَاضَ أَسْلَمُ لِدِينِهِ وَأَعْدَلُ لِحَالِهِ وَرَأَى أَنَّ نَفْسَهُ أَطَوْعُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا لِهَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْحَظُّ لَهُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَجِدُ نَفْسَهُ أَطَوْعَ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجِدُهَا أَطَوْعَ لَهُ فِي الْجِهَادِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجِدُهَا أَطَوْعَ لَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِحَسْبِ مَا يُفْتَحُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَيُقْسَمُ لَهُ. (ش) : قَوْلُهُ ﵁ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَصْلُ الْبَيْعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُعَاوَضَةُ فِي الْأَمْوَالِ ثُمَّ سُمِّيَتْ مُعَاقَدَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَمُعَاهَدَةُ الْمُسْلِمِينَ مُبَايَعَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ عَاوَضَهُمْ بِمَا ضَمِنَ لَهُمْ مِنْ الثَّوَابِ عِوَضًا عَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَمَلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] إلَى قَوْلِهِ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ السَّمْعُ هَهُنَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الطَّاعَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ الْإِصْغَاءَ إلَى قَوْلِهِ وَالتَّفَهُّمَ لَهُ يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي شُرِطَ عَلَيْنَا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فِي حَالِ الْيُسْرِ وَحَالِ الْعُسْرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُسْرَ الْمَالِ وَعُسْرَهُ وَالتَّمَكُّنَ مِنْ جِيدِ الرَّاحِلَةِ وَوَافِرِ الزَّادِ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ مِنْهُمَا وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ يُرِيدُ وَقْتَ النَّشَاطِ إلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَوَقْتَ الْكَرَاهِيَةِ لِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمَنْشَطِ وُجُودَ السَّبِيلِ إلَى ذَلِكَ وَالتَّفَرُّغَ لَهُ وَطِيبَ الْوَقْتِ وَضَعْفَ الْعَدُوِّ وَيُرِيدُ بِالْمَكْرَهِ تَعَذُّرَ السَّبِيلِ وَشُغْلَ الْمَانِعِ وَشِدَّةَ الْهَوَاءِ بِالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَصُعُوبَةَ السَّفَرِ وَقُوَّةَ الْعَدُوِّ. ١ - (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ يُرِيدُ الْإِمَارَةَ وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ شَرْطًا عَلَى الْأَنْصَارِ وَمَنْ لَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ لَا يُنَازِعُوا فِيهِ أَهْلَهُ وَهِيَ قُرَيْشٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا أَخَذَهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ أَنْ لَا يُنَازِعُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ الْأَمْرَ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ الْأَمْرِ إذَا كَانَ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ. (فَصْلٌ) : وَقَوْلُهُ وَأَنْ نَقُولَ أَوْ نَقُومَ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا يُرِيدُ أَنْ يُظْهِرُوا الْحَقَّ بِالْقَوْلِ أَوْ الْقِيَامِ بِهِ حَيْثُ كَانُوا مِنْ الْمَوَاطِنِ وَالْأَمَاكِنِ لَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مَخَافَةٌ وَلَا لَوْمَةُ لَائِمٍ.
следующие страницы →