← Тараджим

Тараджим · id 6686

طبقات الصوفية للسلمي ويليه ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات

أبو عبد الرحمن السلمي

Полный текст (405 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تُرَاب من أَصْحَابه عشْرين وَمِائَة صَاحب ركوة قعُود حول الأساطين مَا مَاتَ مِنْهُم على الْفقر إِلَّا أَبُو عبيد البسري وَابْن الْجلاء سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي الدينَوَرِي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول لقِيت سِتّمائَة شيخ مَا لقِيت فيهم مثل أَرْبَعَة أَوَّلهمْ أَبُو تُرَاب النخشبي توفّي فِي الْبَادِيَة قيل نهشته السبَاع سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَأسْندَ الحَدِيث أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن فَارس الْحَافِظ الْبَغْدَادِيّ بهَا قَالَ حَدثنَا عبد الله ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مُصعب حَدثنَا أَبُو تُرَاب عَسْكَر بن حُصَيْن حَدثنَا مُحَمَّد بن نمير حَدثنَا مُحَمَّد بن ثَابت حَدثنَا شريك عَن الْأَعْمَش عَن أبي سُفْيَان عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تكْرهُوا مرضاكم على الطَّعَام وَالشرَاب فَإِن رَبهم يُطعمهُمْ ويسقيهم)

стр. 107

أخبرنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر الْأَصْبَهَانِيّ إجَازَة بذلك قَالَ سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الْأَصْبَهَانِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر بن ترْكَان يَقُول سَمِعت يَعْقُوب بن الْوَلِيد يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب يَقُول يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم تحبون ثَلَاثَة وَلَيْسَت هِيَ لكم تحبون النَّفس وَهِي لله وتحبون الرّوح وَالروح لله وتحبون المَال وَالْمَال للْوَرَثَة وتطلبون اثْنَيْنِ وَلَا تجدونهما الْفرج والراحة وهما فِي الْجنَّة سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن يَقُول قلت لأبي تُرَاب وَقد أَخذ طَرِيق الْبَادِيَة لَا بُد من قوت فَقَالَ لَا بُد مِمَّن لَا بُد مِنْهُ قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب اشرف الْقُلُوب قلب حَيّ بِنور الْفَهم عَن الله تَعَالَى قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب سَبَب الْوُصُول إِلَى الله سبع عشرَة دَرَجَة أدناها الْإِجَابَة وأعلاها التَّوَكُّل على الله بحقيقته قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب لَيْسَ من الْعِبَادَات شَيْء أَنْفَع من إصْلَاح خواطر الْقُلُوب قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب الْفَقِير قوته مَا وجد ولباسه مَا ستر ومسكنه حَيْثُ نزل قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب إِذا صدق العَبْد فِي الْعَمَل وجد حلاوته قبل مُبَاشرَة الْعَمَل

стр. 108

قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب من شغل مَشْغُولًا بِاللَّه عَن الله أدْركهُ المقت من سَاعَته سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت عبد السَّلَام بن مُحَمَّد المخرمي يَقُول سَمِعت ابْن أبي شيخ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب يَقُول التَّوَكُّل طمأنينة الْقلب إِلَى الله قَالَ وَقَالَ رجل لأبي تُرَاب أَلَك حَاجَة فَقَالَ لَهُ يَوْم يكون لي إِلَيْك وَإِلَى أمثالك حَاجَة لَا يكون لي إِلَى الله حَاجَة قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب حَقِيقَة الْغنى أَن تَسْتَغْنِي عَمَّن هُوَ مثلك وَحَقِيقَة الْفقر أَن تفْتَقر إِلَى من هُوَ مثلك قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب الَّذِي منع الصَّادِقين الشكوى إِلَى غير الله الْخَوْف من الله سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا النسوي يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم الشقيقي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن المولد يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد

стр. 109

الرَّافِعِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن التَّمِيمِي يَقُول سَمِعت أَبَا تُرَاب النخشبي يَقُول الْكيس من عُمَّال الله من حفظ حَده مَعَ الله تَعَالَى وَترك الْعلم يجْرِي مجاريه قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب إِن الله ينْطق الْعلمَاء فِي كل زمَان بِمَا يشاكل أَعمال أهل ذَلِك الزَّمَان قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب احفظ همك فَإِنَّهُ مُقَدّمَة الاشياء فَمن صَحَّ لَهُ همه صَحَّ لَهُ مَا بعد ذَلِك من أَفعاله وأحواله قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب القناعة أَخذ الْقُوت من الله قَالَ وَقَالَ أَبُو تُرَاب من استفتح أَبْوَاب المعاش بِغَيْر مَفَاتِيح الأقدار وكل إِلَى حوله وقوته فَسئلَ مَا مَفَاتِيح الأقدار فَقَالَ الرِّضَا بِمَا يرد عَلَيْهِ فِي كل وَقت من أَسبَاب الْغَيْب

стр. 110

الطَّبَقَة الثَّانِيَة من أَئِمَّة الصُّوفِيَّة ٢١ - وَمِنْهُم الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم الخزاز وَكَانَ أَبوهُ يَبِيع الزّجاج فَلذَلِك كَانَ يُقَال لَهُ القواريري أَصله من نهاوند ومولده ومنشؤه بالعراق كَذَلِك سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول وَكَانَ فَقِيها تفقه على أبي ثَوْر وَكَانَ يُفْتِي فِي حلقته وَصَحب السّري السَّقطِي والْحَارث المحاسبي وَمُحَمّد بن القصاب الْبَغْدَادِيّ وَغَيرهم وَهُوَ من أَئِمَّة الْقَوْم وسادتهم مَقْبُول على جَمِيع الْأَلْسِنَة توفّي سنة سبع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ يَوْم نيروز الْخَلِيفَة يَوْم السبت وَقيل توفّي فِي آخر سَاعَة من يَوْم الْجُمُعَة وَدفن يَوْم السبت سَمِعت أَبَا الْحسن بن مقسم يذكر ذَلِك وَأسْندَ الحَدِيث حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الله الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا بكير بن أَحْمد الْحداد الصُّوفِي بِمَكَّة حَدثنَا الْجُنَيْد بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم الصُّوفِي حَدثنَا الْحسن بن عَرَفَة حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير الْكُوفِي عَن عَمْرو بن قيس الْملَائي عَن عَطِيَّة

стр. 111

عَن أبي سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (احْذَرُوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله تَعَالَى وَقَرَأَ ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ قَالَ للمتفرسين) (الْحجر ٧٥) سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول قَالَ الْجُنَيْد الْقرب بالوجد جمع والغيبة بالبشرية تَفْرِقَة سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت همام بن الْحَارِث يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول بَاب كل علم نَفِيس جليل بذل المجهود وَلَيْسَ من طلب الله ببذل المجهود كمن طلبه من طَرِيق الْجُود سَمِعت أَبَا الْفَتْح يُوسُف بن عمر الزَّاهِد بِبَغْدَاد يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد بن نصير يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِن الله تَعَالَى يخلص إِلَى الْقُلُوب من بره حسب مَا خلصت الْقُلُوب بِهِ إِلَيْهِ من ذكره فَانْظُر مَاذَا خالط قَلْبك سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله شَاذان يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول يَا ذَاكر الذَّاكِرِينَ بِمَا بِهِ ذَكرُوهُ وَيَا بادئ العارفين بِمَا بِهِ عرفوه وَيَا موفق العابدين لصالح مَا عملوه من ذَا الَّذِي يشفع عنْدك إِلَّا بإذنك وَمن ذَا الَّذِي يذكرك إِلَّا بِفَضْلِك سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد وَسُئِلَ من الْعَارِف يَقُول من نطق عَن سرك وَأَنت سَاكِت

стр. 112

سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول مَا أَخذنَا التصوف عَن القيل والقال لَكِن عَن الْجُوع وَترك الدُّنْيَا وَقطع المألوفات والمستحسنات لِأَن التصوف هُوَ صفاء الْمُعَامَلَة مَعَ الله تَعَالَى وَأَصله التعزف عَن الدُّنْيَا كَمَا قَالَ حَارِث عزفت نَفسِي عَن الدُّنْيَا فأسهرت ليلِي وَأَظْمَأت نهاري سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَحْمد بن الْعَلَاء يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الملاعقي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِنَّمَا هَذَا الِاسْم يَعْنِي التصوف نعت أقيم العَبْد فِيهِ فَقلت يَا سَيِّدي نعت للْعَبد أم نعت للحق فَقَالَ نعت للحق حَقِيقَة ونعت للْعَبد رسما سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِنَّك لن تكون لَهُ على الْحَقِيقَة عبدا وَشَيْء مِمَّا دونه لَك مسترق وَإنَّك لن تصل إِلَى صَرِيح الْحُرِّيَّة وَعَلَيْك من حَقِيقَة عبوديته بَقِيَّة فَإِذا كنت لَهُ وَحده عبدا كنت مِمَّا دونه حرا سَمِعت أَبَا بكر يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد الْجريرِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لرجل ذكر الْمعرفَة فَقَالَ أهل الْمعرفَة بِاللَّه يصلونَ إِلَى ترك الحركات من بَاب الْبر والتقرب إِلَى الله تَعَالَى فَقَالَ الْجُنَيْد إِن هَذَا قَول قوم تكلمُوا بِإِسْقَاط الْأَعْمَال وَهَذِه عِنْدِي عَظِيمَة وَالَّذِي يسرق ويزني أحسن حَالا من الَّذِي يَقُول هَذَا وَإِن العارفين بِاللَّه أخذُوا الْأَعْمَال عَن الله وَإِلَيْهِ رجعُوا فِيهَا وَلَو بقيت ألف عَام لم أنقص من أَعمال الْبر ذرة إِلَّا أَن يُحَال بِي دونهَا وَإنَّهُ لأوكد فِي معرفتي وَأقوى فِي حَالي

стр. 113

سَمِعت أَبَا الْحسن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا إِسْحَاق الدينَوَرِي يَقُول سُئِلَ الْجُنَيْد من الْعَارِف فَقَالَ من لم يأسره لحظه وَلَا لَفظه قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْغَفْلَة عَن الله تَعَالَى أَشد من دُخُول النَّار سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الخشاب يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول إِن أمكنك أَلا تكون آلَة بَيْتك إِلَى خزفا فافعل وَكَذَلِكَ كَانَت آلَة بَيته قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا من اقتفى أثر الرَّسُول ﷺ وَاتبع سنته وَلزِمَ طَرِيقَته فَإِن طرق الْخيرَات كلهَا مَفْتُوحَة عَلَيْهِ سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى يَقُول سَمِعت جعفرا يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول حَاجَة العارفين إِلَى كلائته ورعايته قَالَ تَعَالَى ﴿قل من يكلؤكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار من الرَّحْمَن﴾ (الْأَنْبِيَاء ٤٢) قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد نجح قَضَاء كل حَاجَة من الدُّنْيَا تَركهَا وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الْجُنَيْد إِذا لقِيت الْفَقِير فَلَا تبدأه بِالْعلمِ وابدأه بالرفق فَإِن الْعلم يوحشه والرفق يؤنسه سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الفرغاني يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول للشبلي يَا ابا بكر إِذا وجدت من يوافقك على كلمة مِمَّا تَقول فتمسك بِهِ سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يذكر عَن خَاله

стр. 114

أبي عَليّ عَن الْجُنَيْد أَنه قَالَ لَا تقوم بِمَا عَلَيْك حَتَّى تتْرك مَا لَك وَلَا يقوى على ذَلِك إِلَّا نَبِي أَو صديق قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْأنس بالمواعيد والتعويل عَلَيْهَا خلل فِي الشجَاعَة قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْوَقْت إِذا فَاتَ لَا يسْتَدرك وَلَيْسَ شَيْء أعز من الْوَقْت سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول فتح كل بَاب شرِيف بذل المجهود سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول لَو أقبل صَادِق على الله ألف ألف سنة ثمَّ أعرض عَنهُ لَحْظَة كَانَ مَا فَاتَهُ أَكثر مِمَّا ناله سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْخُلْدِيِّ يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول أَكثر النَّاس علما بالأوقات أَكْثَرهم آفَات قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد لرجل سَأَلَهُ من أصحب فَقَالَ من تقدر أَن تطلعه على مَا يُعلمهُ الله مِنْك قَالَ وَقيل لَهُ مرّة أُخْرَى من أصحب فَقَالَ من يقدر أَن ينسى مَا لَهُ وَيَقْضِي مَا عَلَيْهِ قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الْحيَاء من الله أَزَال عَن قُلُوب أوليائه سرُور الْمِنَّة

стр. 115

سَمِعت أَحْمد بن نصر بن عبد الله بن الْفَتْح الذِّرَاع بالنهروان قَالَ سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول مقَام الْغَرِيب بِبَغْدَاد بعد خَمْسَة أَيَّام فضول وَسمعت أَحْمد يَقُول سَمِعت الْجُنَيْد يَقُول من نظر إِلَى ولي من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى فَقبله وأكرمه أكْرمه الله على رُءُوس الأشهاد قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد الرِّضَا ثَانِي دَرَجَات الْمعرفَة فَمن رَضِي صحت مَعْرفَته بِاللَّه بدوام رِضَاهُ عَنهُ سَمِعت جعفرا الْخُلْدِيِّ يَقُول رَأَيْت الْجُنَيْد فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ أَلَيْسَ كَلَام الْأَنْبِيَاء إشارات عَن مشاهدات فَتَبَسَّمَ وَقَالَ كَلَام الْأَنْبِيَاء نبأ عَن حُضُور وَكَلَام الصديقين إشارات عَن مشاهدات سَمِعت أَبَا الْحسن يَقُول سَمِعت جعفرا يَقُول كتب الْجُنَيْد إِلَى بعض إخوانه يَقُول من أَشَارَ إِلَى الله وَسكن إِلَى غَيره ابتلاه الله تَعَالَى وحجب ذكره عَن قلبه وأجراه على لِسَانه فَإِن انتبه وَانْقطع مِمَّن سكن إِلَيْهِ كشف الله مَا بِهِ من المحن والبلوى وَإِن دَامَ على سكونه نزع الله تَعَالَى من قُلُوب الْخلق الرَّحْمَة عَلَيْهِ وألبس لِبَاس الطمع فتزداد مُطَالبَته مِنْهُم مَعَ فقدان الرَّحْمَة من قُلُوبهم فَتَصِير حَيَاته عَجزا وَمَوته كمدا ومعاده أسفا وَنحن نَعُوذ بِاللَّه من السّكُون إِلَى غير الله

стр. 116

قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد قد مَشى رجال بِالْيَقِينِ على المَاء وَمن مَاتَ على الْعَطش أفضل مِنْهُم يَقِينا قَالَ وَقَالَ الْجُنَيْد من عرف الله لَا يسر إِلَّا بِهِ سَمِعت أَبَا عَليّ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْبَزَّاز يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الزجاجي يَقُول سَأَلت الْجُنَيْد عَن الْمحبَّة فَقَالَ تُرِيدُ الْإِشَارَة قلت لَا قَالَ تُرِيدُ الدَّعْوَى قلت لَا قَالَ فأيش تُرِيدُ قلت عين الْمحبَّة فَقَالَ أَن تحب مَا يحب الله تَعَالَى فِي عباده وَتكره مَا يكره الله تَعَالَى فِي عباده سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الْأنمَاطِي يَقُول وَقَالَ رجل للجنيد على مَاذَا يتأسف الْمُحب من أوقاته قَالَ على زمَان بسط أورث قبضا أَو زمَان أنس أورث وَحْشَة ثمَّ أنشأ يَقُول (قد كَانَ لي مشرب يصفو برؤيتكم ... فكدرته يَد الْأَيَّام حِين صفا) ٢٢ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن النوري واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد وَقيل مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد وَأحمد أصح بغدادي المنشأ والمولد خراساني الأَصْل يعرف بِابْن الْبَغَوِيّ سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن بن خَالِد يَقُول سَمِعت ابْن الْأَعرَابِي يَقُول كَانَ أَبُو الْحُسَيْن النوري خراساني الأَصْل من قَرْيَة بَين هراة ومرو الروذ يُقَال لَهَا بغشور لذَلِك كَانَ يعرف بِابْن الْبَغَوِيّ

стр. 117

وَكَانَ من أجل مَشَايِخ الْقَوْم وعلمائهم لم يكن فِي وقته أحسن طَريقَة مِنْهُ وَلَا ألطف كلَاما صحب سريا السَّقطِي وَمُحَمّد بن عَليّ القصاب وَرَأى أَحْمد بن أبي الْحوَاري توفّي سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ كَذَلِك سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عبد الْعَزِيز الطَّبَرِيّ يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الرَّحِيم يَقُول ذَلِك وَأسْندَ الحَدِيث أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحِيم بن عَليّ الْبَزَّاز الْحَافِظ بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عمر بن الْفضل حَدثنَا مُحَمَّد بن عِيسَى الدهْقَان قَالَ كنت أَمْشِي مَعَ أبي الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْبَغَوِيّ الصُّوفِي فَقلت لَهُ مَا الَّذِي تحفظ عَن سري السَّقطِي فَقَالَ حَدثنَا السّري عَن مَعْرُوف الْكَرْخِي عَن ابْن السماك عَن الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش عَن أنس ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من قضى لِأَخِيهِ الْمُسلم حَاجَة كَانَ لَهُ من الْأجر كمن خدم الله عمره) قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الدهْقَان فَذَهَبت إِلَى سري السَّقطِي فَسَأَلته عَنهُ فَقَالَ سَمِعت مَعْرُوف بن فَيْرُوز الْكَرْخِي يَقُول خرجت من الْكُوفَة فَرَأَيْت رجلا من الزهاد يُقَال لَهُ ابْن السماك فتذاكرنا الْعلم فَقَالَ حَدثنِي الثَّوْريّ عَن الْأَعْمَش مثله سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد يُقَال قَالَ النوري الْجمع بِالْحَقِّ تَفْرِقَة عَن غَيره والتفرقة عَن غَيره جمع بِهِ سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الرَّحِيم يَقُول سَمِعت النوري يَقُول التصوف ترك كل حَظّ للنَّفس

стр. 118

قَالَ وَسمعت النوري يَقُول من وصل إِلَى وده انس بِقُرْبِهِ وَمن توسل بالوداد فقد اصطفاه من بَين الْعباد أَنْشدني مَنْصُور بن عبد الله قَالَ سَمِعت الفرغاني ينشد لأبي الْحُسَيْن النوري (كم حسرة لي قد غصت مرارتها ... جعلت قلبِي لَهَا وَقفا لبلواكا) (وَحقّ مَا مِنْك يبليني ويتلفني ... لأبكينك أَو أحظى بلقياكا) قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن الحبيب والخليل فَقَالَ لَيْسَ من طُولِبَ بِالتَّسْلِيمِ كمن بَادر بِالتَّسْلِيمِ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت القناد يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن النوري يَقُول رَأَيْت غُلَاما جميلا بِبَغْدَاد فَنَظَرت إِلَيْهِ ثمَّ أردْت أَن أردد النّظر فَقلت لَهُ تلبسُونَ النِّعَال الصرارة وتمشون فِي الطرقات قَالَ أَحْسَنت أتجمش بِالْعلمِ ثمَّ أنشأ يَقُول (تَأمل بِعَين الْحق إِن كنت نَاظرا ... إِلَى صفة فِيهَا بَدَائِع فاطر) (وَلَا تعط حَظّ النَّفس مِنْهَا لما بهَا ... وَكن نَاظرا بِالْحَقِّ قدرَة قَادر) قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن التصوف فَقَالَ لَيْسَ التصوف رسوما وَلَا علوما وَلكنهَا أَخْلَاق سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عليا الْفَتى يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن النوري يَقُول أهل الدّيانَة موقوفون وَأهل التَّوْحِيد يَسِيرُونَ وَأهل الرِّضَا يستروحون وَأهل الِانْقِطَاع يتحيرون ثمَّ قَالَ إِن الْحق إِذا ظهر تلاشى كل مَا حجب وَستر

стр. 119

سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت عَليّ بن عبد الله الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت فَارِسًا الْحمال يَقُول لحق أَبَا الْحُسَيْن النوري عِلّة والجنيد عِلّة فالجنيد أخبر عَن وجده والنوري كتم فَقيل لَهُ لم لم تخبر كَمَا أخبر صَاحبك فَقَالَ مَا كُنَّا لنبتلى ببلوى فتوقع عَلَيْهِ اسْم الشكوى ثمَّ أنشأ يَقُول (إِن كنت للسقم أَهلا ... فَأَنت للشكر أَهلا) (عذب فَلم يبْق قلب ... يَقُول للسقم مهلا) فأعيد ذَلِك على الْجُنَيْد فَقَالَ مَا كُنَّا شاكين وَلَكِن أردنَا أَن نكشف عَن عين الْقُدْرَة فِينَا ثمَّ بَدَأَ يَقُول (أجل مَا مِنْك يَبْدُو ... لِأَنَّهُ عَنْك جلا) (وَأَنت يَا أنس قلبِي ... أجل من أَن تجلا) (أفنيتني عَن جميعي ... فَكيف أرعى المحلا) قَالَ فَبلغ ذَلِك الشبلي فَبَدَأَ يَقُول (محنتي فِيك أَنِّي ... لَا أُبَالِي بمحنتي) (يَا شفائي من السقام ... وَإِن كنت علتي) (تبت دهرا فمذ عرفتك ... ضيعت تَوْبَتِي) (قربكم مثل بعدكم ... فَمَتَى وَقت راحتي)

стр. 120

سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النوري يَقُول مقامات أهل النّظر فِي النّظر شَتَّى فَمنهمْ من كَانَ نظره نظر التسلي وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر استفادة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر عيان المكاشفة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر المنافسة فِي الْمُشَاهدَة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر المشاكلة والمماثلة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر طيبَة وملاحظة وَمِنْهُم من كَانَ نظره نظر إشراف ومطالعة وكل وَاحِد مِنْهُم أهل النّظر قَالَ وَقَالَ النوري أعز الْأَشْيَاء فِي زَمَاننَا شَيْئَانِ عَالم يعْمل بِعِلْمِهِ وعارف ينْطق عَن حَقِيقَته قَالَ وَقَالَ النوري من عقل الْأَشْيَاء بِاللَّه فرجوعه فِي كل شَيْء إِلَى الله قَالَ وَسُئِلَ النوري عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي لَا يتهم الله تَعَالَى فِي الْأَسْبَاب ويسكن إِلَيْهِ فِي كل حَال قَالَ وأنشدنا النوري (وَكم رمت أمرا خرت لي فِي انْصِرَافه ... فَلَا زلت بِي مني أبر وأرحما) (عزمت على أَلا أحس بخاطر ... على الْقلب إِلَّا كنت أَنْت المقدما) (وَألا تراني عِنْد مَا قد كرهته ... لِأَنَّك فِي قلبِي كَبِيرا مُعظما) قَالَ وأحضر النوري مَجْلِسا للسُّلْطَان فَقَالَ لَهُ من أَيْن تَأْكُلُونَ فَقَالَ لسنا نَعْرِف الْأَسْبَاب الَّتِي تستجلب بهَا الأرزاق نَحن قوم مدبرون

стр. 121

٢٣ - وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان سعيد بن إِسْمَاعِيل بن سعيد بن مَنْصُور الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي وَأَصله من الرّيّ صحب قَدِيما يحيى بن معَاذ الرَّازِيّ وشاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي ثمَّ رَحل إِلَى نيسابور إِلَى أبي حَفْص وَصَحبه وَأخذ عَنهُ طَرِيقَته وَهُوَ فِي وقته من أوحد الْمَشَايِخ فِي سيرته وَمِنْه انْتَشَر طَريقَة التصوف بنيسابور سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ يَقُول لقِيت الْجُنَيْد ورويما ويوسف بن الْحُسَيْن وَمُحَمّد بن الْفضل وَأَبا عَليّ الْجوزجَاني وَغَيرهم من الْمَشَايِخ فَلم أر أحدا أعرف بِالطَّرِيقِ إِلَى الله من أبي عُثْمَان مَاتَ أَبُو عُثْمَان بنيسابور سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَذَلِكَ سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان يذكر ذَلِك وَقَالَ صليت عَلَيْهِ وَأسْندَ الحَدِيث أخبرنَا سعيد بن عبد الله بن سعيد بن إِسْمَاعِيل قَالَ وجدت فِي كتاب جدي أبي عُثْمَان بِخَط يَده حَدثنِي أَبُو صَالح حمدون الْقصار صاحبنا قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يحيى النَّيْسَابُورِي حَدثنَا قُتَيْبَة حَدثنَا عَبْثَر عَن أَشْعَث عَن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من

стр. 122

مَاتَ وَعَلِيهِ صَوْم شهر رَمَضَان أطْعم عَنهُ وليه كل يَوْم مِسْكينا) وَرَأَيْت أَنا هَذَا الحَدِيث بِخَط أبي عُثْمَان فِي كِتَابه سَمِعت أَبَا عَمْرو بن حمدَان يَقُول وجدت فِي كتاب أبي سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول أصل الْعَدَاوَة من ثَلَاثَة أَشْيَاء من الطمع فِي المَال والطمع فِي إكرام النَّاس والطمع فِي قبُول النَّاس قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول لَا يكمل الرجل حَتَّى يَسْتَوِي قلبه فِي أَرْبَعَة اشياء فِي الْمَنْع وَالعطَاء والعز والذل قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول صَلَاح الْقلب فِي ارْبَعْ خِصَال فِي التَّوَاضُع لله والفقر إِلَى الله وَالْخَوْف من الله والرجاء فِي الله قَالَ وسمعته يَقُول الْمُوفق من لَا يخَاف غير الله وَلَا يَرْجُو غَيره فيؤثر رِضَاهُ على هوى نَفسه قَالَ وسمعته يَقُول الْعجب يتَوَلَّد من رُؤْيَة النَّفس وَذكرهَا ورؤية الْخلق وَذكرهمْ قَالَ وَوجدت بِخَط أبي قلت لأبي عُثْمَان كنت أجد فِي قلبِي حلاوة عِنْد إقبال اللَّيْل وَأَنا لَا أَجدهَا السَّاعَة فَقَالَ لَعَلَّك سررت بِشَيْء من الدُّنْيَا فَذَهَبت بحلاوة ذَلِك من قَلْبك وَرُبمَا يعرفك الله ضعفك ويريك قدرك فيلبسك حلاوة مُنَاجَاة اللَّيْل حَتَّى تتضرع إِلَيْهِ فَيردهُ عَلَيْك لِئَلَّا تأمن مكره قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْخَوْف من الله يوصلك إِلَى الله وَالْكبر

стр. 123

وَالْعجب فِي نَفسك يقطعك عَن الله واحتقار النَّاس فِي نَفسك مرض عَظِيم لَا يداوى قَالَ وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول النَّاس على أَخْلَاقهم مَا لم يُخَالف هواهم فَإِذا خُولِفَ هواهم بَان ذَوُو الْأَخْلَاق الْكَرِيمَة من ذَوي الْأَخْلَاق اللئيمة سَمِعت أَبَا عَمْرو بن مطر يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من جلّ مِقْدَاره فِي نَفسه جلّ أقدار النَّاس عِنْده وَمن صغر مِقْدَاره فِي نَفسه صغر أقدار النَّاس عِنْده سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن يُوسُف يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول تعززوا بعز الله كي لَا تذلوا قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان سرورك بالدنيا أذهب سرورك بِاللَّه من قَلْبك وخوفك من غَيره أذهب خوفك مِنْهُ عَن قَلْبك ورجاؤك من دونه أذهب رجاءك إِيَّاه من قَلْبك قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْعَاقِل من تأهب للمخاوف قبل وُقُوعهَا قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان قطيعة الْفَاجِر غنم قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان حق لمن أعزه الله بالمعرفة أَلا يذله بالمعصية قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان كَانَ يُقَال الْأَدَب سَنَد الْفُقَرَاء وزين الْأَغْنِيَاء قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أوجب الله على نَفسه الْعَفو عَن الْمُقَصِّرِينَ من عباده لذَلِك قَالَ ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة أَنه من عمل مِنْكُم سوءا بِجَهَالَة ثمَّ تَابَ من بعده وَأصْلح فَأَنَّهُ غَفُور رَحِيم﴾ (الْأَنْعَام ٥٤)

стр. 124

قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الزّهْد فِي الْحَرَام فَرِيضَة وَفِي الْمُبَاح فَضِيلَة وَفِي الْحَلَال قربَة قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان التَّفْوِيض رد مَا جهلت علمه إِلَى عالمه والتفويض مُقَدّمَة الرِّضَا وَالرِّضَا بَاب الله الْأَعْظَم قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الصَّبْر على الطَّاعَة حَتَّى لَا تفوتك الطَّاعَة وَالصَّبْر عَن الْمعْصِيَة حَتَّى تنجو من الْإِصْرَار على الْمعْصِيَة قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الفراسة ظن وَافق الصَّوَاب وَالظَّن يُخطئ ويصيب فَإِذا تحقق فِي الفراسة تحقق فِي حكمهَا لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يحكم بِنور الله تَعَالَى لَا بِنَفسِهِ قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أصل التَّعَلُّق بالخيرات قصر الأمل قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أَنْت فِي سجن مَا تبِعت مرادك وشهواتك فَإِذا فوضت وسلمت استرحت قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الذّكر الْكثير أَن تذكره فِي ذكرك لَهُ إِنَّك لم تصل إِلَى ذكره إِلَّا بِهِ وبفضله سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْوراق يَقُول سَمِعت أَبَا عُثْمَان وَسُئِلَ كَيفَ يستجيز للعاقل أَن يزِيل اللائمة عَمَّن يَظْلمه فَقَالَ ليعلم أَن الله سلطه عَلَيْهِ قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان أصحب الْأَغْنِيَاء بالتعزز والفقراء بالتذلل فَإِن التعزز على الْأَغْنِيَاء تواضع والتذلل للْفُقَرَاء شرف

стр. 125

سَمِعت مَحْفُوظًا يَقُول سَأَلت أَبَا عُثْمَان عَن قَول النَّبِي ﷺ (أعوذ بك مِنْك) فَقَالَ اسْتعْمل الصدْق فِي اللفظتين المتقدمتين يبلغ فهمك إِلَى هَذِه الْكَلِمَة وَهُوَ قَوْله أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عُقُوبَتك قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَان مَا عَلامَة السَّعَادَة والشقاوة فَقَالَ عَلامَة السَّعَادَة أَن تطيع الله وَتخَاف أَن تكون مردودا وعلامة الشقاوة أَن تَعْصِي الله وترجو أَن تكون مَقْبُولًا قَالَ وَقَالَ أَبُو عُثْمَان من صحب نَفسه صَحبه الْعجب وَمن صحب أَوْلِيَاء الله وفْق للوصول إِلَى الطَّرِيق إِلَى الله ٢٤ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن الْجلاء واسْمه أَحْمد بن يحيى وَيُقَال مُحَمَّد بن يحيى وَأحمد أصح كَانَ أَصله من بَغْدَاد أَقَامَ بالرملة ودمشق وَكَانَ من جلة مَشَايِخ الشَّام

стр. 126

صحب أَبَاهُ يحيى الْجلاء وَأَبا تُرَاب النخشبي وَذَا النُّون الْمصْرِيّ وَأَبا عبيد البسري وَكَانَ أستاذ مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي وَكَانَ عَالما ورعا سَمِعت جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول كَانَ يُقَال إِن فِي الدُّنْيَا ثَلَاثَة من أَئِمَّة الصُّوفِيَّة لَا رَابِع لَهُم الْجُنَيْد بِبَغْدَاد وَأَبُو عُثْمَان بنيسابور وَأَبُو عبد الله بن الْجلاء بِالشَّام سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول الْحق استصحب أَقْوَامًا للْكَلَام وأقواما للخلة فَمن استصحبه الْحق لِمَعْنى ابتلاه بأنواع المحن فليحذر أحدكُم طلب رُتْبَة الأكابر وبإسناده قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول من بلغ بِنَفسِهِ إِلَى رُتْبَة سقط عَنْهَا وَمن بلغ بِهِ ثَبت عَلَيْهَا وبإسناده قَالَ وَقد سَأَلَهُ رجل على أَي شَرط أصحب الْخلق فَقَالَ إِن لم تبرهم فَلَا تؤذهم وَإِن لم تسرهم فَلَا تسؤهم قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله لَا تضيعن حق أَخِيك اتكالا على مَا بَيْنك وَبَينه من الْمَوَدَّة والصداقة فَإِن الله تَعَالَى فرض لكل مُؤمن حقوقا لَا يضيعها إِلَّا من لم يراع حُقُوق الله عَلَيْهِ قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عبد الله كَيفَ تكون ليَالِي الأحباب فَأَنْشَأَ يَقُول (من لم يبت وَالْحب حَشْو فُؤَاده ... لم يدر كَيفَ تفتت الأكباد) سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الْعَبَّاس بن عِصَام يَقُول

стр. 127

سَمِعت أَبَا عبد الله بن الْجلاء يَقُول يحْتَاج أَن يكون للْعَبد شَيْء يعرف بِهِ كل شَيْء قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من اسْتَوَى عِنْده الْمَدْح والذم فَهُوَ زاهد وَمن حَافظ على الْفَرَائِض فِي أول مواقيتها فَهُوَ عَابِد وَمن رأى الْأَفْعَال كلهَا من الله فَهُوَ موحد سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ يَقُول قَالَ رجل لأبي عبد الله مَا تَقول فِي الرجل يدْخل الْبَادِيَة بِلَا زَاد فَقَالَ هَذَا من فعل رجال الله قَالَ فَإِن مَاتَ قَالَ الدِّيَة على الْقَاتِل قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله اهتمامك بالرزق يزيلك عَن الْحق ويفقرك إِلَى الْخلق قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله كل حق يُشَارِكهُ بَاطِل فقد خرج من قسْمَة الْحق إِلَى قسْمَة الْبَاطِل فَإِن الْحق غيور قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من غيرَة الْحق أَن لم يَجْعَل لأحد إِلَيْهِ طَرِيقا وَلم يؤيس أحدا من الْوُصُول إِلَيْهِ وَترك الْخلق فِي مفاوز التحير يركضون وَفِي بحار الظَّن يغرقون فَمن ظن أَنه وَاصل فاصله وَمن ظن أَنه فاصل مناه فَلَا وُصُول إِلَيْهِ وَلَا مهرب عَنهُ وَلَا بُد مِنْهُ قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الدُّنْيَا أوسع رقْعَة وَأكْثر زحمة من أَن يجفوك

стр. 128

وَاحِد فَلَا يرغب فِيك آخر وَأنْشد (تلقى بِكُل بِلَاد إِن حللت بهَا ... أَهلا بِأَهْل وجيرانا بجيران) قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عبد الله عَن الْحق فَقَالَ إِذا كَانَ الْحق وَاحِدًا يجب أَن يكون وحداني الذَّات قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله سمت همم العارفين إِلَى مَوْلَاهُم فَلم تعكف على شَيْء سواهُ وسمت همم المريدين إِلَى طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ فأفنوا نُفُوسهم فِي الطّلب قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من علت همته على الأكوان وصل إِلَى مكونها وَمن وقف بهمته على شَيْء سوى الْحق فَاتَهُ الْحق لِأَنَّهُ أعز من أَن يرضى مَعَه بِشريك ٢٥ - وَمِنْهُم رُوَيْم بن أَحْمد بن يزِيد كنيته أَبُو مُحَمَّد وَيُقَال رُوَيْم ابْن مُحَمَّد بن أَحْمد وَالْأول أصح وَهُوَ من أهل بَغْدَاد من جلة مشايخهم وجده رُوَيْم بن يزِيد حدث عَن لَيْث بن سعد وَغَيره وَقيل كنيته أَبُو بكر

стр. 129

وَكَانَ فَقِيها على مَذْهَب دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ وَكَانَ مقرئا فَقَرَأَ على إِدْرِيس ابْن عبد الْكَرِيم الْحداد مَاتَ سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَوجدت بِخَط قديم حَدِيثا مُسْندًا وَلم أسمعهُ من أحد وَفِيه مَكْتُوب حدثت عَن رُوَيْم بن أَحْمد الصُّوفِي بِبَغْدَاد قَالَ حَدثنَا يزِيد بن سِنَان الْبَصْرِيّ حَدثنَا صَفْوَان بن عِيسَى حَدثنَا سُوَيْد أَبُو حَاتِم عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك أَن رجلا لعن برغوثا عِنْد النَّبِي ﷺ فَقَالَ النَّبِي (لَا تلعنه فَإِنَّهُ أيقظ نَبيا من الْأَنْبِيَاء للصَّلَاة) سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن شَاذان يَقُول سَمِعت رويما وَسُئِلَ عَن أدب الْمُسَافِر يَقُول لَا يُجَاوز همه قدمه وحيثما وقف قلبه يكون منزله وَسمعت مُحَمَّدًا يَقُول سَمِعت رُوَيْم بن أَحْمد يَقُول لَا يزَال الصُّوفِيَّة بِخَير مَا تنافروا فَإِن اصْطَلحُوا هَلَكُوا قَالَ وَقَالَ رُوَيْم بن أَحْمد من حكم الْحَكِيم أَن يُوسع على إخوانه فِي الْأَحْكَام ويضيق على نَفسه فِيهَا فَإِن التَّوسعَة عَلَيْهِم اتِّبَاع الْعلم والتضييق على نَفسه من حكم الْوَرع قَالَ وَقَالَ رُوَيْم إِن الله تَعَالَى غيب أَشْيَاء فِي أَشْيَاء غيب مكره فِي حلمه وغيب خداعه فِي لطفه وغيب عِقَابه فِي كرامته

стр. 130

قَالَ وَقيل لَهُ هَل ينفع الْوَلَد صَلَاح الْوَالِدين فَقَالَ من لم يكن بِنَفسِهِ لَا يكون بِغَيْرِهِ بل من لم يكن بربه لَا يكون بِنَفسِهِ وَأنْشد لِابْنِ الرُّومِي (إِذا الْعود لم يُثمر وَإِن كَانَ شُعْبَة ... من المثمرات اعتده النَّاس فِي الْحَطب) قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الشاطر فَقَالَ من شطرت نَفسه عَن الْبَاطِل قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن حَقِيقَة الْفقر فَقَالَ أَخذ الشَّيْء من جِهَته وَاخْتِيَار الْقَلِيل على الْكثير عِنْد الْحَاجة قَالَ وَقَالَ رُوَيْم قعودك مَعَ كل طبقَة من النَّاس أسلم من قعودك مَعَ الصُّوفِيَّة فَإِن كل الْخلق قعدوا على الرسوم وَقَعَدت هَذِه الطَّائِفَة على الْحَقَائِق وطالب الْخلق كلهم أنفسهم بظواهر الشَّرْع وطالبوا هم أنفسهم بِحَقِيقَة الْوَرع ومداومة الصدْق فَمن قعد مَعَهم وَخَالفهُم فِي شَيْء مِمَّا يتحققون فِيهِ نزع الله نور الْإِيمَان من قلبه قَالَ وَقَالَ رُوَيْم لما عظمت فيهم البلية استحكمت عَلَيْهِم الْفِتْنَة واستصغروا عِنْد ذَلِك كل مقَام وعزب عَنْهُم التَّدْبِير والنظام سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى الشَّافِعِي يَقُول سَمِعت جَعْفَر بن مُحَمَّد الْخَواص يَقُول سَمِعت رويما يَقُول الْإِخْلَاص ارْتِفَاع رؤيتك من الْفِعْل قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الفتوة فَقَالَ أَن تعذر إخوانك فِي زلاتهم وَلَا تعاملهم بِمَا تحْتَاج أَن تعتذر مِنْهُ سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن خَفِيف يَقُول سَأَلت رُوَيْم بن أَحْمد فَقلت لَهُ أوصني فَقَالَ أقل مَا فِي هَذَا الْأَمر بذل الرّوح

стр. 131

فَإِن أمكنك الدُّخُول مَعَ هَذَا فِيهِ وَإِلَّا فَلَا تشتغل بترهات الصُّوفِيَّة سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول قَالَ رُوَيْم الصَّبْر ترك الشكوى قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الرِّضَا استلذاذ الْبلوى قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الْيَقِين هُوَ الْمُشَاهدَة قَالَ وَقَالَ رُوَيْم يُعَاتب الْخلق بالإرفاق ويعاتب الْمُحب بالغلظة وَأنْشد لغيره (لَو كنت عاتبة لسكن عبرتي ... أمْلى رضاك وزرت غير مراقب) (لَكِن مللت فَلم تكن لي حِيلَة ... صد الملول خلاف صد العاتب) قَالَ وَقَالَ رُوَيْم التَّوَكُّل إِسْقَاط رُؤْيَة الوسائط والتعلق بِأَعْلَى العلائق قَالَ وَسُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ الْمُوَافقَة فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَأنْشد (وَلَو قلت لي مت مت سمعا وَطَاعَة ... وَقلت لداعي الْمَوْت أَهلا ومرحبا)

стр. 132

قَالَ وَقَالَ رُوَيْم الْأنس أَن تستوحش مِمَّا سوى محبوبك قَالَ وَقيل لَهُ كَيفَ حالك فَقَالَ كَيفَ يكون حَال من دينه هَوَاهُ وهمته شقاه لَيْسَ بِصَالح تَقِيّ وَلَا عَارِف نقي قَالَ وَقَالَ رُوَيْم من أحب لعوض بغض الْعِوَض إِلَيْهِ محبوبه قَالَ وَسُئِلَ رُوَيْم عَن الشوق فَقَالَ أَن تشوقه آثَار المحبوب وتفنيه مشاهدته ٢٦ - وَمِنْهُم يُوسُف بن الْحُسَيْن أَبُو يَعْقُوب الرَّازِيّ شيخ الرّيّ وَالْجِبَال فِي وقته كَانَ أوحد فِي طَرِيقَته فِي إِسْقَاط الجاه وَترك التصنع وَاسْتِعْمَال الْإِخْلَاص صحب ذَا النُّون الْمصْرِيّ وَأَبا تُرَاب النخشبي ورافق أَبَا سعيد الخراز فِي بعض أَسْفَاره وَكَانَ عَالما دينا سَمِعت عبد الله بن عَطاء يَقُول مَاتَ يُوسُف سنة أَربع وثلاثمائة وروى الحَدِيث

стр. 133

حَدثنَا أَبُو نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْحُسَيْن الرَّاوِي يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول حَدثنِي بعض رُفَقَائِي عَن أبي بكر بن دَاوُد الْأَصْبَهَانِيّ عَن أَبِيه عَن سُوَيْد بن سعيد عَن عَليّ بن مسْهر عَن أبي يحيى القَتَّات عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من عشق فعف وكتم ثمَّ مَاتَ فَهُوَ شَهِيد) وَأخْبرنَا عبد الله قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد حَدثنَا يُوسُف حَدثنَا عبد الله بن حَاضر حَدثنَا أَحْمد بن حَنْبَل حَدثنَا روح عَن سعيد عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ) سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن أَحْمد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت يُوسُف بن الْحُسَيْن يَقُول علم الْقَوْم بِأَن الله يراهم فاستحيوا من نظره أَن يراعوا شَيْئا سواهُ قَالَ وَقَالَ يُوسُف من ذكر الله بِحَقِيقَة ذكره نسى ذكر غَيره وَمن نسى ذكر كل شَيْء فِي ذكره حفظ عَلَيْهِ كل شَيْء إِذْ كَانَ الله لَهُ عوضا من كل شَيْء قَالَ وَقَالَ رجل ليوسف دلَّنِي على طَرِيق الْمعرفَة فَقَالَ أر الله الصدْق

стр. 134

مِنْك فِي جَمِيع أحوالك بعد أَن تكون مُوَافقا للحق وَلَا ترق إِلَى حَيْثُ لم يرق بك فتزل قدمك فَإنَّك إِذا رقيت سَقَطت وَإِذا رقي بك لم تسْقط وَإِيَّاك أَن تتْرك الْيَقِين لما ترجوه ظنا قَالَ وَقَالَ يُوسُف إِذا رَأَيْت الله قد أقامك لطلب شَيْء وَهُوَ يمنعك ذَلِك فَاعْلَم أَنَّك معذب قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف بِمَاذَا يقطع الطَّرِيق إِلَى الله قَالَ بِهِ وبخطاب كراماته ولطائف جذبه إِلَى ساحات توحيده ومروج كراماته قَالَ وَقَالَ يُوسُف يتَوَلَّد الْإِعْجَاب بِالْعَمَلِ من نِسْيَان رُؤْيَة الْمِنَّة فِيمَا يجْرِي الله لَك من الطَّاعَات قَالَ وَقَالَ يُوسُف خفَّة الْمعدة من الشَّهَوَات والفضول قُوَّة على الْعِبَادَة قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ من آثر وقته فَإِن كَانَ فِيهِ تطلع إِلَى وَقت ثَان لم يسْتَحق اسْم الْفقر قَالَ وَقَالَ يُوسُف من تفتت عذاره وَانْقطع حزامه وساح فِي مفاوز المخاطرات تجرى عَلَيْهِ أَحْكَام السعايات وَهُوَ يَقُول فِي تيهه (كَيفَ السَّبِيل إِلَى مرضاة من غَضبا ... من غير جرم وَلم أعرف لَهُ سَببا) قَالَ وَقَالَ يُوسُف أَرغب النَّاس فِي الدُّنْيَا أَكْثَرهم ذما لَهَا عِنْد أبنائها لِأَن المذمة لَهَا حِرْفَة عِنْدهم قَالَ وَقَالَ يُوسُف اصل الْعقل الصمت وباطن الْعقل كتمان السِّرّ وَظَاهر الْعقل الِاقْتِدَاء بِالسنةِ

стр. 135

قَالَ وَقَالَ يُوسُف كل مَا رَأَيْتُمُونِي أَفعلهُ فافعلوه إِلَّا صُحْبَة الْأَحْدَاث فَإِنَّهُم أفتن الْفِتَن قَالَ وَقَالَ يُوسُف أذلّ النَّاس الْفَقِير الطموع والمحب لمحبوبه قَالَ وَقَالَ يُوسُف الْخَيْر كُله فِي بَيت ومفتاحه التَّوَاضُع وَالشَّر كُله فِي بَيت ومفتاحه التكبر وَمِمَّا يدلك على ذَلِك أَن آدم ﵇ تواضع فِي ذَنبه فنال الْعَفو والكرامة وَأَن إِبْلِيس تكبر فَلم يَنْفَعهُ مَعَه شَيْء قَالَ وَقَالَ يُوسُف بالأدب تفهم الْعلم وبالعلم يَصح لَك الْعَمَل وبالعمل تنَال الْحِكْمَة وبالحكمة تفهم الزّهْد وتوفق لَهُ وبالزهد تتْرك الدُّنْيَا وبترك الدُّنْيَا ترغب فِي الْآخِرَة وبالرغبة فِي الْآخِرَة تنَال رضى الله سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول بَلغنِي أَن يُوسُف بن الْحُسَيْن كَانَ يَقُول إِذا أردْت أَن تعرف الْعَاقِل من الأحمق فحدثه بالمحال فَإِن قبل فَاعْلَم أَنه أَحمَق قَالَ وَقَالَ يُوسُف إِن عين الْهوى عوراء سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول قَالَ يُوسُف بن الْحُسَيْن عارضني بعض النَّاس فِي كَلَام وَقَالَ لي لَا تستدرك مرادك من علمك إِلَّا أَن تتوب فَقلت مجيبا لَو أَن التَّوْبَة طرقت بَابي مَا أَذِنت لَهَا على أَنِّي أنجو بهَا من رَبِّي وَلَو أَن الصدْق وَالْإِخْلَاص كَانَا لي عَبْدَيْنِ لبعتهما زهدا مني فيهمَا لِأَنِّي إِن كنت عِنْد الله فِي علم الْغَيْب سعيدا مَقْبُولًا لم أَتَخَلَّف باقتراف الذُّنُوب والمآثم وَإِن كنت عِنْده شقيا مخذولا لم تسعدني تَوْبَتِي وإخلاصي وصدقي وَإِن الله خلقني إنْسَانا بِلَا عمل وَلَا شَفِيع كَانَ لي إِلَيْهِ وهداني لدينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لنَفسِهِ فَقَالَ ﴿وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين﴾

стр. 136

) (آل عمرَان: ٨٥) فاعتمادي على فَضله وَكَرمه أولى بِي إِن كنت حرا عَاقِلا من اعتمادي على أفعالي المدخولة وصفاتي المعلولة لِأَن مُقَابلَة فَضله وَكَرمه بأفعالنا من قلَّة الْمعرفَة بالكريم المتفضل قَالَ وَقَالَ يُوسُف لَوْلَا أَنِّي مستعبد بترك الذُّنُوب لأحببت أَن أَلْقَاهُ بذنوب الْعباد أجمع فَإِن هُوَ عذبني كَانَ أعذر لَهُ فِي عَذَابي مَعَ أَنه لَو عذب الْخلق جَمِيعًا كَانَ عدلا مِنْهُ وَإِن عَفا عني كَانَ أظهر لكرمه عِنْدهم فِي عفوي مَعَ أَنه لَو لم يعف عَن أحد من خلقه لَكَانَ ذَلِك مِنْهُ فضلا وكرما وَكَانَت لَهُ الْحجَّة الْبَالِغَة وَذَلِكَ أَن الْملك ملكه وَالسُّلْطَان سُلْطَانه والخلق مترددون بَين عدله وفضله بل الْكل كرم وإفضال فقد أحسن مَعَ الْكل حَيْثُ قَالَ ﴿أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب﴾ (غَافِر ٤٦) فَمن عَفا عَنهُ فبفضله وَمن عذبه فبعدله وَهُوَ إِلَى الْفضل أقرب ﴿لَا يسْأَل عَمَّا يفعل وهم يسْأَلُون﴾ (الْأَنْبِيَاء: ٢٣) قَالَ وَقَالَ يُوسُف نظرت فِي آفَات الْخلق فَعرفت من أَيْن أَتَوا وَرَأَيْت آفَة الصُّوفِيَّة فِي صُحْبَة الْأَحْدَاث ومعاشرة الأضداد وأرفاق النسوان قَالَ وَقَالَ يُوسُف عَاهَدت رَبِّي أَكثر من مائَة مرّة أَلا أصحب حَدثا ففسخها عَليّ حسن الخدود وقوام القدود وغنج الْعُيُون وَمَا سالني الله تَعَالَى مَعَهم عَن مَعْصِيّة وَأنْشد لصريع الغواني (إِن ورد الخدود والحدق النجل ... وَمَا فِي الثغور من أقحوان) (واعوجاج الأصداغ فِي ظَاهر الخد ... وَمَا فِي الصَّدْر من رمان) (تَرَكتنِي بَين الغواني صَرِيعًا ... فَلهَذَا أدعى صريع الغواني)

стр. 137

قَالَ وَقَالَ يُوسُف فِي الدُّنْيَا طغيانان طغيان الْعلم وطغيان المَال فَالَّذِي ينجيك من طغيان الْعلم الْعِبَادَة وَالَّذِي ينجيك من طغيان المَال الزّهْد فِيهِ قَالَ وَسُئِلَ يُوسُف عَن قَول النَّبِي ﷺ (أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال) فَقَالَ مَعْنَاهُ أَرحْنَا بهَا من اشغال الدُّنْيَا وحديثها لِأَنَّهُ كَانَ ﷺ قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة ٢٧ - وَمِنْهُم شاه الْكرْمَانِي وَهُوَ شاه بن شُجَاع أَبُو الفوارس كَانَ من أَوْلَاد الْمُلُوك صحب أَبَا تُرَاب النخشبي وَأَبا عبد الله بن الذِّرَاع الْبَصْرِيّ وَأَبا عبيد البسري وَكَانَ من أجلة الفتيان وعلماء هَذِه الطَّبَقَة وَله رسالات مَشْهُورَة والمثلثة الَّتِي سَمَّاهَا مرْآة الْحُكَمَاء ورد نيسابور فِي زِيَارَة أبي حَفْص وَمَعَهُ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي وَمَات قبل الثلاثمائة وَيُقَال إِن أَصله من مرو

стр. 138

رَأَيْت بِخَط جدي أبي عَمْرو إِسْمَاعِيل بن نجيد قَالَ شاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي شغل الْعَارِف بِثَلَاثَة أَشْيَاء بِالنّظرِ إِلَى معبوده مستأنسا بِهِ والملاحظة لمننه وفوائده شاكرا لَهُ والتذكر لذنبه معترفا بِهِ ومنيبا تَائِبًا إِلَيْهِ قَالَ وَقَالَ شاه من صحبك ووافقك على مَا يحب وخالفك فِيمَا تكره فَإِنَّمَا يصحب هَوَاهُ وَمن صحب هَوَاهُ فَهُوَ طَالب رَاحَة الدُّنْيَا قَالَ وَقَالَ شاه اعْمَلُوا الطَّاعَات أنزه مَا يكون وانظروا إِلَيْهَا أقذر مَا يكون سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْأنْصَارِيّ باصطخر يَقُول سَمِعت شاه بن شُجَاع الْكرْمَانِي يَقُول لأهل الْفضل فضل مَا لم يروه فَإِذا رَأَوْهُ فَلَا فضل لَهُم وَلأَهل الْولَايَة ولَايَة مَا لم يروها فَإِذا رأوها فَلَا ولَايَة لَهُم قَالَ وَقَالَ شاه الفتوة من طباع الْأَحْرَار واللوم من شيم الأنذال وَمَا تعبد متعبد بِأَكْثَرَ من التحبب إِلَى أَوْلِيَاء الله بِمَا يحبونَ قَالَ وَقَالَ شاه محبَّة أَوْلِيَاء الله تَعَالَى دَلِيل على محبَّة الله قَالَ وَقَالَ شاه الْإِعْرَاض عَن الْحق هُوَ السخط قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة الركون إِلَى الْبَاطِل التَّقَرُّب من المبطلين

стр. 139

قَالَ وَقَالَ شاه من عرف ربه طمع فِي عَفوه وَرَجا فَضله قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة الْحِكْمَة معرفَة أقدار النَّاس قَالَ وَقَالَ شاه عَلامَة التَّقْوَى الْوَرع وعلامة الْوَرع الْوُقُوف عِنْد الشُّبُهَات وعلامة الْخَوْف الْحزن وعلامة الرخَاء حسن الطَّاعَة وعلامة الزّهْد قصر الأمل قَالَ وَقَالَ شاه مَا أعجب عبد بِنَفسِهِ حَتَّى يكون محجوبا عَن ربه قَالَ وَقَالَ شاه من عرف ربه نسي كل مَا دونه وَمن جهل ربه تعلق بِكُل شَيْء دونه وَمن اعتز بِالْعلمِ فَازَ وَمن اعتز بِالْجَهْلِ خَابَ وخسر قَالَ وَقَالَ شاه الْجَاهِل فِي ظلمَة جَهله فَكيف يكون إِذا كَانَ الْعَالم فِي ظلمَة علمه وظلمة الْعلم أَشد ٢٨ - وَمِنْهُم سمنون بن حَمْزَة وَيُقَال سمنون بن عبد الله أَبُو الْحسن الْخَواص وَيُقَال كنيته أَبُو الْقَاسِم سمى نَفسه سمنون الْكذَّاب لكتمه عسر الْبَوْل بِلَا تضرر صحب سريا

стр. 140

السَّقطِي وَمُحَمّد بن عَليّ القصاب وَأَبا أَحْمد القلانسي وسوس وَكَانَ يتَكَلَّم فِي الْمحبَّة بِأَحْسَن كَلَام وَهُوَ من كبار مَشَايِخ الْعرَاق مَاتَ بعد الْجُنَيْد سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الْعَزِيز يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن بن زرعان يَقُول كنت عِنْد سمنون فشهق شهقة ثمَّ قَالَ لَو صَاح إِنْسَان لشدَّة وجده بحبه لملأ مَا بَين الْخَافِقين صياحا سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر العجان يَقُول سَمِعت سمنون يَقُول إِذا بسط الْجَلِيل غَدا بِسَاط الْمجد دخل ذنُوب الْأَوَّلين والآخرين فِي حَاشِيَة من حَوَاشِيه وَإِذا أبدى عينا من عُيُون الْجُود ألحق الْمُسِيء بالمحسن سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم الثَّقَفِيّ يَقُول سَمِعت عمر بن رفيل يَقُول سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْهَاشِمِي يَقُول سَمِعت سمنون يَقُول كنت بِبَيْت الْمُقَدّس وَكَانَ برد شَدِيد وَعلي جُبَّة وَكسَاء وَأَنا أجد الْبرد والثلج يسْقط فَإِذا شب مار فِي الصحن عَلَيْهِ خرقتان فَقلت يَا

стр. 141

حَبِيبِي لَو استترت بِبَعْض هَذِه الأروقة فيكنك من الْبرد فَقَالَ لي يَا أخي سمنون (وَيحسن ظَنِّي أنني فِي فنائه ... وَهل أحد فِي كنه يجد القرا) سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول قَالَ إِبْرَاهِيم بن المولد قَالَ سمنون الْمُحب لَا يعبر عَن الشَّيْء إِلَّا بِمَا هُوَ أرق مِنْهُ وَلَا شَيْء أرق من الْمحبَّة فَبِمَ يعبر عَنْهَا أَنْشدني أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ أنشدي أَبُو بكر الْحَرْبِيّ قَالَ أَنْشدني سمنون (أَنْت الحبيب الَّذِي لَا شكّ فِي خلدي ... مِنْهُ فَإِن فقدتك النَّفس لم تعش) (يَا معطشي بوصال أَنْت واهبه ... هَل فِيك لي رَاحَة إِن صحت واعطشي) سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت عَليّ بن الْحُسَيْن بن طفان يَقُول أَنْشدني بعض أَصْحَابنَا لسمنون (أَمْسَى بخدي للدموع رسوم ... أسفا عَلَيْك وَفِي الْفُؤَاد كلوم) (وَالصَّبْر يحسن فِي المصائب كلهَا ... إِلَّا عَلَيْك فَإِنَّهُ مَذْمُوم) سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول ذكر لي أَن سمنون كَانَ جَالِسا على شاطئ الدجلة وَبِيَدِهِ قضيب يضْرب بِهِ فَخذه حَتَّى بَان عظم فَخذه وَسَاقه وتبدد لَحْمه وَهُوَ يَقُول

стр. 142

(كَانَ لي قلب أعيش بِهِ ... ضَاعَ مني فِي تقلبه) (رب فاردده عَليّ فقد ... ضَاقَ صَدْرِي فِي تطلبه) (وأغث مَا دَامَ بِي رَمق ... يَا غياث المستغيث بِهِ) أنشدنا مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز قَالَ أنشدنا أَبُو جَعْفَر الفرغاني قَالَ أَنْشدني سمنون (يعاتبني فينبسط انقباضي ... وتسكن روعتي عِنْد العتاب) (جرى فِي الْهوى مذ كنت طفْلا ... فَمَا لي قد كَبرت عَن التصابي) وأنشدنا مُحَمَّد قَالَ أنشدنا أَبُو جَعْفَر قَالَ أنشدنا سمنون (أحن بأطراف النَّهَار صبَابَة ... وَفِي اللَّيْل يدعوني الْهوى فَأُجِيب) (وأيامنا تفنى وشوقي زَائِد ... كَأَن زمَان الشوق لَيْسَ يغيب) أَنْشدني عَليّ بن أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ أَنْشدني ابْن فراس لسمنون (وَكَانَ فُؤَادِي خَالِيا قبل حبكم ... وَكَانَ بِذكر الْخلق يلهو ويمزح) (فَلَمَّا دَعَا قلبِي هَوَاك أَجَابَهُ ... فلست أرَاهُ عَن فنائك يبرح) (رميت ببين مِنْك إِن كنت كَاذِبًا ... وَإِن كنت فِي الدُّنْيَا بغيرك أفرح) (وَإِن كَانَ شَيْء فِي الْبِلَاد بأسرها ... إِذا غبت عَن عَيْني بعيني يملح) (فَإِن شِئْت واصلني وَإِن شِئْت لَا تصل ... فلست أرى قلبِي لغيرك يصلح) قَالَ وَسُئِلَ سمنون عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي يأنس بِالْعدمِ كَمَا

стр. 143

يأنس الْجَاهِل بالغنى ويستوحش من الْغنى كَمَا يستوحش الْجَاهِل من الْفقر أنشدنا مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ أَنْشدني أَبُو جَعْفَر قَالَ أَنْشدني سمنون (بَكَيْت ودمع الْعين للنَّفس رَاحَة ... وَلَكِن دمع الشوق ينكى بِهِ الْقلب) (وذكري لما أَلْقَاهُ لَيْسَ بنافعي ... وَلكنه شَيْء يهيج بِهِ الكرب) (فَلَو قيل لي مَا أَنْت قلت معذب ... بِنَار مواجيد يضرمها العتب) (بليت بِمن لَا أَسْتَطِيع عتابه ... ويعتبني حَتَّى يُقَال لي الذَّنب) ٢٩ - وَمِنْهُم عَمْرو الْمَكِّيّ وَهُوَ عَمْرو بن عُثْمَان بن كرب بن غصص وكنيته أَبُو عبد الله كَانَ ينتسب إِلَى الْجُنَيْد فِي الصُّحْبَة وَلَقي أَبَا عبد الله النباجي وَصَحب أَبَا سعيد الخراز وَغَيره من الْمَشَايِخ القدماء وَهُوَ عَالم بعلوم الاصول وَله كَلَام حسن روى عَن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل

стр. 144

وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وَسليمَان بن سيف الْحَرَّانِي وَغَيرهم مَاتَ بِبَغْدَاد سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَيُقَال سبع وَتِسْعين وَالْأول أصح وروى الحَدِيث حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد الْأَصْبَهَانِيّ الْعقيلِيّ حَدثنَا عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ حَدثنَا أَبُو بكر العائذي المَخْزُومِي حَدثنَا أَبُو عبد الله المَخْزُومِي وَأَبُو يَعْقُوب الْبُوَيْطِيّ قَالَا حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن الْأَعْمَش عَن مَنْصُور عَن أبي وَائِل عَن عبد الله ابْن مَسْعُود قَالَ كُنَّا نقُول قبل أَن يفْرض علينا التَّشَهُّد السَّلَام على الله السَّلَام على فلَان سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد القناديلي يَقُول قَالَ عَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ التَّوْبَة فرض على جَمِيع المذنبين والعاصين صغر الذَّنب أَو كبر وَلَيْسَ لأحد عذر فِي ترك التَّوْبَة بعد ارْتِكَاب الْمعْصِيَة لِأَن الْمعاصِي كلهَا قد توعد الله عَلَيْهَا أَهلهَا وَلَا يسْقط عَنْهُم الْوَعيد إِلَّا بِالتَّوْبَةِ وَهَذَا مِمَّا يبين أَن التَّوْبَة فرض وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن كل مَا توهمه قَلْبك أَو سنح فِي

стр. 145

مجاري فكرك أَو خطر لَك فِي معارضات قَلْبك من حسن أَو بهاء أَو جمال أَو قبح أَو نور أَو شبح أَو شخص أَو خيال فَالله تَعَالَى ذكره بعيد من ذَلِك كُله بل هُوَ أعظم وَأجل وأكبر أَلا تسمع إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ (الشورى ١١) وَإِلَى قَوْله ﴿لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ (الأخلاص ٣٤) وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو الْمُرُوءَة التغافل عَن زلل الإخوان وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو لَا يَقع على كَيْفيَّة الوجد عبارَة لِأَنَّهُ سر الله تَعَالَى عِنْد الْمُؤمنِينَ الموقنين وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو لقد علم الله نبيه ﷺ مَا فِيهِ الشِّفَاء وجوامع النَّصْر وفواتح الْعِبَادَة فَقَالَ ﴿وَإِمَّا يَنْزغَنك من الشَّيْطَان نَزغ فاستعذ بِاللَّه إِنَّه هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ (فصلت ٣٦) وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو الْمعرفَة دوَام محبَّة الله تَعَالَى ودوام مخافته ودوام الإقبال عَلَيْهِ ودوام انتصاب الْقلب بِذكرِهِ وَهِي علم الْقُلُوب بِفَسْخ العزوم وخلع الإرادات وإحياء الفهوم وَبِه قَالَ عَمْرو الْمعرفَة صِحَة التَّوَكُّل على الله تَعَالَى وَبِه قَالَ عَمْرو لقد وبخ الله تَعَالَى التاركين للصبر على دينهم بِمَا أخبرنَا عَن الْكفَّار أَنهم قَالُوا ﴿امشوا واصبروا على آلِهَتكُم﴾ (ص ٦) فَهَذَا توبيخ لمن ترك الصَّبْر من الْمُؤمنِينَ على دينه وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ عَمْرو اعْلَم أَن الْعلم قَائِد وَالْخَوْف سائق وَالنَّفس حرون بَين ذَلِك جموح خداعة رواغة فاحذرها وراعها بسياسة الْعلم وسقها بتهديد الْخَوْف يتم لَك مَا تُرِيدُ
следующие страницы →