Полный текст (405 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قَالَ وسمعته يَقُول اللَّئِيم لَا يوفق للعفو من ضيق صَدره
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن حَيَاة الْقلب فِي ذكر الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت والعيش الهنيء مَعَ الله لَا غير
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن لَا يصل العَبْد إِلَى الله إِلَّا بِاللَّه وبموافقة حَبِيبه ﷺ فِي شرائعه وَمن جعل الطَّرِيق إِلَى الْوُصُول فِي غير الِاقْتِدَاء يضل من حَيْثُ يظنّ أَنه مهتد وَمن وصل اتَّصل وَمَا رَجَعَ من رَجَعَ من الطَّرِيق إِلَّا من الإشفاق على النَّفس وَطلب الرَّاحَة لِأَن الطَّرِيق إِلَى الله صَعب لمن لم يدْخل فِيهِ بوجد غَالب وشوق مزعج فيهون عَلَيْهِ إِذْ ذَاك حمل الأثقال وركوب الْأَهْوَال فَإِذا انقادت لَهُ النَّفس على ذَلِك وَهَان عَلَيْهِ مَا يلقى فِي طلب المحبوب سهل الله عَلَيْهِ سَبِيل الْوُصُول
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول أجل شَيْء يفتح الله تَعَالَى بِهِ على عَبده التَّقْوَى فَإِن مِنْهُ يتشعب جَمِيع الْخيرَات وَأَسْبَاب الْقرْبَة والتقرب وأصل التَّقْوَى وَالْإِخْلَاص وَحَقِيقَته التخلي عَن كل شَيْء إِلَّا مِمَّن إِلَيْهِ تقواك
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول الصدْق استقامة الطَّرِيقَة فِي الدّين وَاتِّبَاع السّنة فِي الشَّرْع
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول الشَّهْوَة أغلب سُلْطَان على النَّفس وَلَا يزيلها إِلَّا الْخَوْف المزعج
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول الْيَقِين ثَمَرَة التَّوْحِيد فَمن صفا فِي التَّوْحِيد صفا لَهُ الْيَقِين
قَالَ وسمعته يَقُول من لم يفن عَن نَفسه وسره ورؤية الْخلق لَا يحيا سره لمشاهدة الْخيرَات والمنن
قَالَ وسمعته يَقُول مَخَافَة خوف القطيعة أذبلت نفوس المحبين وأحرقت
стр. 212
أكباد العارفين وأسهرت ليل العابدين وَأَظْمَأت نَهَار الزاهدين وَأَكْثَرت بكاء التائبين ونغصت حَيَاة الْخَائِفِينَ
قَالَ وسمعته يَقُول التَّوَكُّل اسْتِوَاء الْحَال عِنْد الْعَدَم والوجود وَسُكُون النَّفس عِنْد مجاري الْمَقْدُور
قَالَ وسمعته يَقُول عَلامَة محبَّة الله تَعَالَى مُتَابعَة حَبِيبه ﷺ
قَالَ وسمعته يَقُول أصل الفتوة خمس خِصَال أَولهَا الْحفاظ وَالثَّانِي الْوَفَاء وَالثَّالِث الشُّكْر وَالرَّابِع الصَّبْر وَالْخَامِس الرِّضَا
قَالَ وسمعته يَقُول فِي رُؤْيَة النَّفس نِسْيَان منن الله تَعَالَى عَلَيْك
قَالَ وسمعته يَقُول أَنْفَع الْعلم الْعلم بِأَمْر الله وَنَهْيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه وَأَعْلَى الْعُلُوم الْعلم بِاللَّه وَصِفَاته وأسمائه
قَالَ وسمعته يَقُول الْأنس بالخلق وَحْشَة والطمأنينة إِلَيْهِم حمق والسكون إِلَيْهِم عجز والاعتماد عَلَيْهِم وَهن والثقة بهم ضيَاع وَإِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا جعل أنسه بِهِ وبذكره وتوكله عَلَيْهِ وصان سره عَن النّظر إِلَيْهِم وَظَاهره عَن الِاعْتِمَاد عَلَيْهِم
قَالَ وسمعته يَقُول من غض بَصَره عَن محرم أورثه الله تَعَالَى بذلك حِكْمَة على لِسَانه ينْتَفع بهَا سامعوه وَمن غض بَصَره عَن شُبْهَة نور الله قلبه بِنور يَهْتَدِي بِهِ إِلَى طرق مرضاته
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن من أسكن نَفسه محبَّة شَيْء من الدُّنْيَا فقد قَتلهَا بِسيف الطمع وَمن طمع فِي شَيْء ذل وبذله هلك وقديما قيل
(أتطمع فِي ليلى وَتعلم أَنما ... يقطع أَعْنَاق الرِّجَال المطامع)
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن لَا يصل العَبْد إِلَى شَيْء من التَّقْوَى وَعَلِيهِ بَقِيَّة
стр. 213
من الزّهْد والورع وَالتَّقوى مقرونة بالراحة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا﴾ الطَّلَاق ٣
٥٢ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الوَاسِطِيّ واسْمه مُحَمَّد بن مُوسَى وَأَصله من فرغانة وَكَانَ يعرف بِابْن الفرغاني
من قدماء أَصْحَاب الْجُنَيْد وَأبي الْحُسَيْن النوري وَهُوَ من عُلَمَاء مَشَايِخ الْقَوْم لم يتَكَلَّم أحد فِي أصُول التصوف مثل مَا تكلم هُوَ وَكَانَ عَالما بالأصول وعلوم الظَّاهِر
دخل خُرَاسَان واستوطن كورة مرو وَمَات بهَا بعد الْعشْرين وثلاثمائة وَكَلَامه عِنْدهم وَلم أر بالعراق من كَلَامه شَيْئا وَذَلِكَ أَنه خرج من الْعرَاق وَهُوَ شَاب ومشايخه فِي الْأَحْيَاء فَتكلم بخراسان بأبيورد ومرو وَأكْثر كَلَامه بمرو
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الْوَاعِظ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن مُوسَى ابْن الفرغاني الوَاسِطِيّ بمرو يَقُول شَاهد بمشاهدة الْحق إياك وَلَا تشهده بمشاهدتك لَهُ
قَالَ وسمعته يَقُول ابتلينا بِزَمَان لَيْسَ فِيهِ آدَاب الْإِسْلَام وَلَا أَخْلَاق الْجَاهِلِيَّة وَلَا أَحْلَام ذَوي الْمُرُوءَة
قَالَ وسمعته يَقُول الأسراء على وُجُوه أَسِير نَفسه وشهوته وأسير شَيْطَانه وهواه وأسير مَا لَا معنى لَهُ لَفظه أَو لحظه هم الْفُسَّاق وَمَا دَامَ
стр. 214
للشواهد على الْأَسْرَار أثر وللأعراض على الْقلب خطر فَهُوَ مَحْجُوب بعيد من عين الْحَقِيقَة وَمَا تورع المتورعون وَلَا تزهد المتزهدون إِلَّا لعظم الْأَعْرَاض فِي أسرارهم فَمن أعرض عَنْهَا أدبا أَو تورع عَنْهَا ظرفا فَذَلِك الصَّادِق فِي ورعه والحكيم فِي أدبه
قَالَ وسمعته يَقُول أفقر الْفُقَرَاء من ستر الْحق حَقِيقَة حَقه عَنهُ
قَالَ وسمعته يَقُول الْحبّ يُوجب شوقا والشوق يُوجب أنسا فَمن فقد الشوق والأنس فَليعلم أَنه غير محب
قَالَ وسمعته يَقُول كَيفَ يرى الْفضل فضلا من لَا يَأْمَن أَن يكون ذَلِك مكرا
قَالَ وسمعته يَقُول الموحد لَا يرى إِلَّا ربوبية صرفا تولت عبودية مَحْضا وَفِيه معالجة الأقدار ومغالبة الْقِسْمَة
قَالَ وسمعته يَقُول الْخَوْف والرجاء زمامان يمنعان من سوء الْأَدَب
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الوَاسِطِيّ يَقُول الْخَوْف حجاب بَين العَبْد وَبَين الله تَعَالَى وَالْخَوْف هُوَ الْإِيَاس والرجاء هُوَ الطمع فَإِن خفته بخلته وَإِن رجوته اتهمته
قَالَ وَقَالَ الوَاسِطِيّ من حَال بِهِ الْحَال كَانَ مصروفا عَن التَّوْحِيد وَمن انْقَطع بِهِ انْقَطع وَمن وصل بِهِ وصل وَفِي الْحَقِيقَة لَا فصل وَلَا وصل وَلذَلِك قيل
стр. 215
(وَلَا عَن قلي كَانَ القطيعة بَيْننَا ... وَلكنه دهر يشب وَيجمع)
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ النَّيْسَابُورِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس السياري يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الوَاسِطِيّ يَقُول كائنات محتومة بِأَسْبَاب مَعْرُوفَة وأوقات مَعْلُومَة اعْتِرَاض السريرة لَهَا رعونة
وسمعته يَقُول سَمِعت الوَاسِطِيّ يَقُول الرِّضَا والسخط نعتان من نعوت الْحق يجريان على الْأَبَد بِمَا جَريا فِي الْأَزَل يظهران الوسمين على المقبولين والمطرودين فقد بَانَتْ شَوَاهِد المقبولين بضيائها عَلَيْهِم كَمَا بَانَتْ شَوَاهِد المطرودين بظلمها عَلَيْهِم فَأنى تَنْفَع مَعَ ذَلِك الألوان المصفرة والأكمام المقصرة والأقدام المنتفخة
قَالَ وسمعته يَقُول التَّعَرُّض للحق والسبيل إِلَيْهِ تعرض للبلاء وَمن تعرض للبلاء لَا يسلم مِنْهُ وَمن أَرَادَ السَّلامَة فليتباعد من مراتع الْأَهْوَال وَأنْشد
(ذَرِينِي تجئني ميتتي مطمئنة ... وَلم أتجشم هول تِلْكَ الْمَوَارِد)
(فَإِن عليات الْأُمُور مشوبة ... بمستودعات فِي بطُون الأساود)
قَالَ وسمعته يَقُول الْوِقَايَة للأشباح وَالرِّعَايَة للأرواح
سَمِعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن أبي سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن حَاتِم الدرابجردي يَقُول سَمِعت الوَاسِطِيّ يَقُول الْوَقْت أقل من سَاعَة فَمَا أَصَابَك من نعْمَة أَو شدَّة قبل ذَلِك الْوَقْت فَأَنت عَنهُ خَال إِنَّمَا ينالك مِنْهُ مَا فِي ذَلِك الْوَقْت وَمَا كَانَ بعد ذَلِك فَلَا تَدْرِي أيصل إِلَيْك أم لَا
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا عبد الله الْحَضْرَمِيّ الْفَقِيه يَقُول سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس
стр. 216
السياري يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الوَاسِطِيّ يَقُول الذاكرون فِي ذكره أَكثر غَفلَة من الناسين لذكره لِأَن ذكره سواهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الوَاسِطِيّ يَقُول حَيَاة الْقلب بِاللَّه تَعَالَى بل بَقَاء الْقُلُوب مَعَ الله بل الْغَيْبَة عَن الله بِاللَّه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الوَاسِطِيّ يَقُول أَرْبَعَة أَشْيَاء لَا تلِيق بالمعرفة الزّهْد وَالصَّبْر والتوكل وَالرِّضَا لِأَن كل ذَلِك من صفة الأشباح
قَالَ وسمعته يَقُول مطالعة الأعواض على الطَّاعَات من نِسْيَان الْفضل
سَمِعت أَبَا أَحْمد الحسنويي يَقُول قَالَ أَبُو بكر الوَاسِطِيّ النَّاس على ثَلَاث طَبَقَات
الطَّبَقَة الأولى من الله عَلَيْهِم بأنوار الْهِدَايَة فهم معصومون من الْكفْر والشرك والنفاق
والطبقة الثَّانِيَة من الله عَلَيْهِم بأنوار الْعِنَايَة فهم معصومون من الصَّغَائِر والكبائر
والطبقة الثَّالِثَة من الله عَلَيْهِم بالكفاية فهم معصومون عَن الخواطر الْفَاسِدَة وحركات أهل الْغَفْلَة
стр. 217
٥٣ - وَمِنْهُم الحلاج وَهُوَ الْحُسَيْن بن مَنْصُور وكنيته أَبُو مغيث
وَهُوَ من أهل بَيْضَاء فَارس وَنَشَأ بواسط وَالْعراق وَصَحب الْجُنَيْد وَأَبا الْحُسَيْن النوري وعمرا الْمَكِّيّ والفوطي وَغَيرهم
والمشايخ فِي أمره مُخْتَلفُونَ رده أَكثر الْمَشَايِخ ونفوه وَأَبُو أَن يكون لَهُ قدم فِي التصوف وَقَبله من جُمْلَتهمْ أَبُو الْعَبَّاس بن عَطاء وَأَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف وَأَبُو الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد النصراباذي وأثنوا عَلَيْهِ وصححوا لَهُ حَاله وحكوا عَنهُ كَلَامه وجعلوه أحد الْمُحَقِّقين حَتَّى قَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف الْحُسَيْن بن مَنْصُور عَالم رباني
قتل بِبَغْدَاد بِبَاب الطاق يَوْم الثُّلَاثَاء لست بَقينَ من ذِي الْقعدَة سنة
стр. 218
تسع وثلاثمائة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت أَحْمد بن فَارس يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول حجبهم بِالِاسْمِ فعاشوا وَلَو أبرز لَهُم عُلُوم الْقُدْرَة لطاشوا وَلَو كشف لَهُم الْحجاب عَن الْحَقِيقَة لماتوا
قَالَ وَكَانَ الحلاج يَقُول إلهي أَنْت تعلم عجزي عَن مَوَاضِع شكرك فاشكر نَفسك عني فَإِنَّهُ الشُّكْر لَا غير
قَالَ وَسمعت الحلاج يَقُول من لاحظ الْأَعْمَال حجب عَن الْمَعْمُول لَهُ وَمن لاحظ الْمَعْمُول لَهُ حجب عَن رُؤْيَة الْأَعْمَال
وَسمعت عبد الْوَاحِد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن فَارس يَقُول سَمِعت الْحُسَيْن ابْن مَنْصُور يَقُول أَسمَاء الله تَعَالَى من حَيْثُ الْإِدْرَاك اسْم وَمن حَيْثُ الْحق حَقِيقَة
قَالَ وَسمعت الْحُسَيْن يَقُول خاطر الْحق هُوَ الَّذِي لَا يُعَارضهُ شَيْء
قَالَ وَسمعت الْحُسَيْن يَقُول إِذا تخلص العَبْد إِلَى مقَام الْمعرفَة أوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ بخاطره وحرس سره أَن يسنح فِيهِ خاطر غير الْحق
قَالَ وَسُئِلَ الْحُسَيْن لم طمع مُوسَى ﵇ فِي الرُّؤْيَة وسألها فَقَالَ لِأَنَّهُ انْفَرد للحق وَانْفَرَدَ الْحق بِهِ فِي جَمِيع مَعَانِيه وَصَارَ الْحق
стр. 219
مواجهه فِي كل مَنْظُور إِلَيْهِ وَمُقَابِله دون كل مَحْصُور لَدَيْهِ على الْكَشْف الظَّاهِر إِلَيْهِ لَا على التغيب فَذَلِك الَّذِي حمله على سُؤال الرُّؤْيَة لَا غير
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي قَالَ أَنْشدني ابْن فاتك للحسين بن مَنْصُور
(أَنْت بَين الشغاف وَالْقلب تجْرِي ... مثل جري الدُّمُوع من أجفاني)
(وَتحل الضَّمِير جَوف فُؤَادِي ... كحلول الْأَرْوَاح فِي الْأَبدَان)
(لَيْسَ من سَاكن تحرّك إِلَّا ... أَنْت حركته خَفِي الْمَكَان)
(يَا هلالا بدا لأَرْبَع عشر ... لثمان وَأَرْبع وَاثْنَتَانِ)
سَمِعت عبد الْوَاحِد السياري يَقُول سَمِعت فَارِسًا الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَأَلت الْحُسَيْن بن مَنْصُور عَن المريد فَقَالَ هُوَ الرَّامِي بِقَصْدِهِ إِلَى الله فَلَا يعرج حَتَّى يصل
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول المريد الْخَارِج عَن أَسبَاب الدَّاريْنِ أَثَرَة بذلك على أَهلهَا
سَمِعت مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن غَالب يَقُول قَالَ الْحُسَيْن بن مَنْصُور إِن الْأَنْبِيَاء ﵈ سلطوا على الْأَحْوَال فملكوها فهم يصرفونها لَا الْأَحْوَال تصرفهم وَغَيرهم سلطت عَلَيْهِم الْأَحْوَال فالأحوال تصرفهم لَا هم يصرفون الْأَحْوَال
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول الْحق هُوَ الْمَقْصُود إِلَيْهِ بالعبادات والمصمود إِلَيْهِ بالطاعات لَا يشْهد بِغَيْرِهِ وَلَا يدْرك بسواه بروائح مراعاته تقوم الصِّفَات وبالجمع إِلَيْهِ تدْرك الراحات
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول لَا يجوز لمن يرى أحدا أَو يذكر أحدا أَن يَقُول إِنِّي عرفت الْأَحَد الَّذِي ظَهرت مِنْهُ الْآحَاد
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول أَلْسِنَة مستنطقات تَحت
стр. 220
نطقها مستهلكات وأنفس مستعملات تَحت اسْتِعْمَالهَا مستهلكات
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول حَيَاء الرب أَزَال عَن قُلُوب أوليائه سرُور الْمِنَّة بل حَيَاء الطَّاعَة أَزَال عَن قُلُوب أوليائه شُهُود سرُور الطَّاعَة
وَبِه قَالَ أنشدت للحسين بن مَنْصُور
(مواجيد حق أوجد الْحق كلهَا ... وَإِن عجزت عَنْهَا فهوم الأكابر)
(وَمَا الوجد إِلَّا خطرة ثمَّ نظرة ... تثير لهيبا بَين تِلْكَ السرائر)
(إِذا سكن الْحق السريرة ضوعفت ... ثَلَاثَة أَحْوَال لأهل البصائر)
(فحال يبيد السِّرّ عَن كنه وجده ... ويحضره للوجد فِي حَال حائر)
(وَحَال بِهِ زمت ذرى السِّرّ فانثنت ... إِلَى منظر أفناه عَن كل نَاظر)
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول من أسكرته أنوار التَّوْحِيد حَجَبته عَن عبارَة التَّجْرِيد بل من أسكرته أنوار التَّجْرِيد نطق عَن حقائق التَّوْحِيد لِأَن السَّكْرَان هُوَ الَّذِي ينْطق بِكُل مَكْتُوم
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول من التمس الْحق بِنور الْإِيمَان كَانَ كمن طلب الشَّمْس بِنور الْكَوَاكِب
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول لرجل من أَصْحَاب الجبائي لما كَانَ الله تَعَالَى أوجد الْأَجْسَام بِلَا عِلّة كَذَلِك أوجد فِيهَا صفاتها بِلَا عِلّة وكما لَا يملك العَبْد أصل فعله كَذَلِك لَا يملك فعله
وَبِه قَالَ سَمِعت الْحُسَيْن بن مَنْصُور يَقُول مَا انفصلت البشرية عَنهُ وَلَا اتَّصَلت بِهِ
стр. 221
٥٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْحسن بن الصَّائِغ الدينَوَرِي واسْمه عَليّ بن مُحَمَّد ابْن سهل
كَانَ من كبار الْمَشَايِخ أَقَامَ بِمصْر وَمَات بهَا
سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول لم أر فِيمَن رَأَيْت من الْمَشَايِخ أنور من أبي يَعْقُوب النهرجوري وَلَا أكبر همة من أبي الْحسن بن الصَّائِغ الدينَوَرِي
سَأَلت الشَّيْخ أَبَا عُثْمَان هَل كَانَ أَبُو الْحسن من السالكين فَقَالَ كَانَ من المعاملين المخلصين فِي الْمُعَامَلَة
توفّي بِمصْر سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أَخْبرنِي عمر بن مُحَمَّد بن عرَاك الْمصْرِيّ إجَازَة أَن عَليّ بن سهل الزَّاهِد الدينَوَرِي حَدثهمْ قَالَ حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد بن بشار قَالَ حَدثنَا مُسلم بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة حَدثنَا عَليّ بن زيد عَن عقبَة عَن صهْبَان عَن أبي بكرَة عَن النَّبِي ﷺ فِي قَول الله تَعَالَى ﴿ثلة من الْأَوَّلين وثلة من الآخرين﴾ الْوَاقِعَة ٣٩ ٤٠ قَالَ (هما فِي هَذِه الْأمة)
أَخْبرنِي عمر بن مُحَمَّد بن عرَاك قَالَ سُئِلَ أَبُو الْحسن عَن صفة المريد
стр. 222
فَقَالَ صفته مَا قَالَ الله ﴿ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ﴾ التوبه ١١٨
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن من توالت عَلَيْهِ هموم الدُّنْيَا فليذكر هما لَا يَزُول ليستريح مِنْهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن وَسُئِلَ مَا الَّذِي يجب على الإخوان إِذا اجْتَمعُوا فَقَالَ التواصي بِالْحَقِّ والتواصي بِالصبرِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ﴾ (الْعَصْر ٣)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول قَالَ أَبُو الْحسن بن الصَّائِغ يَنْبَغِي للمريد أَن يتْرك الدُّنْيَا مرَّتَيْنِ يَتْرُكهَا مرّة بنضارتها وَنَعِيمهَا وألوان مطاعمها ومشاربها وَجَمِيع مَا فِيهَا
ثمَّ إِذا عرف بترك الدُّنْيَا ويبجل وَيكرم بهَا فَيَنْبَغِي أَن يستر إِذْ ذَاك حَاله بالإقبال على أَهلهَا لِئَلَّا يكون ذكره فِي تَركه الدُّنْيَا ذَنبا هُوَ أعظم من الإقبال على الدُّنْيَا وطلبها أَو فتْنَة أعظم مِنْهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن من فَسَاد الطَّبْع التَّمَنِّي والأمل
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ كَانَ بعض مَشَايِخنَا يَقُول من تعرض لمحبته جَاءَتْهُ المحن والبلايا بالأوقار
стр. 223
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن أهل الْمحبَّة فِي لهيب شوقهم إِلَى محبوبهم يتنعمون فِي ذَلِك اللهيب أحسن مِمَّا يتنعم أهل الْجنَّة فِيمَا أهلوا لَهُ من النَّعيم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن محبتك لنَفسك هِيَ الَّتِي تهلكها
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو الْحسن مَا الْمعرفَة فَقَالَ رُؤْيَة الْمِنَّة فِي كل الْأَحْوَال وَالْعجز عَن أَدَاء شكر النعم من كل الْوُجُوه والتبري من الْحول وَالْقُوَّة فِي كل شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو الْحسن بِمَاذَا يتسلى الْمُحب فِي الْمحبَّة وبماذا يروح فُؤَاده عَن هيجانه فَأَنْشَأَ يَقُول
(لَو أشْرب السلوان مَا سليت ... مَا بِي غنى عَنْك وَإِن غنيت)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْحسن الْأَحْوَال كالبروق فَإِذا ثبتَتْ فَهُوَ حَدِيث النَّفس وملائمة الطَّبْع
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو الْحسن عَن الِاسْتِدْلَال بِالشَّاهِدِ على الْغَائِب فَقَالَ كَيفَ يسْتَدلّ بِصِفَات من يُشَاهد ويعاين وَهُوَ ذُو مثل على صفة من لَا يُشَاهد فِي الدُّنْيَا وَلَا يعاين وَلَا مثل لَهُ وَلَا نَظِير
٥٥ - وَمِنْهُم ممشاذ الدينَوَرِي
وَهُوَ من كبار مشايخهم صحب يحيى الْجلاء وَمن فَوْقه من الْمَشَايِخ
стр. 224
عَظِيم المرمى فِي هَذِه الْعُلُوم أحد فتيَان الْجبَال كَبِير الْحَال ظَاهر الفتوة
ذكر أَبُو زرْعَة أَنه مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ إِن كَانَ حفظه
سَمِعت ابا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت ممشاذ يَقُول طَرِيق الْحق بعيد وَالصَّبْر مَعَ الْحق شَدِيد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ جماع الْمعرفَة صدق الافتقار إِلَى الله تَعَالَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ لَو جمعت حِكْمَة الْأَوَّلين والآخرين وادعيت أَحْوَال السَّادة من الْأَوْلِيَاء فَلَنْ تصل إِلَى دَرَجَات العارفين حَتَّى يسكن سرك إِلَى الله تَعَالَى وتثق بِهِ فِيمَا ضمن لَك
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت فَارس الدينَوَرِي يَقُول خرج ممشاذ من بَاب الدَّار فنبح عَلَيْهِ كلب فَقَالَ ممشاذ لَا إِلَه إِلَّا الله فَمَاتَ الْكَلْب مَكَانَهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ مَا أقبح الْغَفْلَة عَن طَاعَة من لَا يغْفل عَن برك وَمَا أقبح الْغَفْلَة عَن ذكر من لَا يغْفل عَن ذكرك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ فرَاغ الْقلب فِي التخلي مِمَّا تمسك بِهِ أهل الدُّنْيَا من فضول دنياهم
سَمِعت ابا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت ممشاذ يَقُول للعارف مرْآة إِذا نظر فِيهَا تجلى لَهُ مَوْلَاهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ مَا كتب صَحِيح إِلَى صَحِيح وَمَا لَقِي صَحِيح صَحِيحا وَمَا افْتَرقَا فِي الْحَقِيقَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ من يكن الله تَعَالَى همته لم تستقطعه الأقدار وَلم تملكه الأخطار
стр. 225
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ مَا دخلت قطّ على أحد من شيوخي إِلَّا وَأَنا خَال من جَمِيع مَا لي انْظُر بَرَكَات مَا يرد عَليّ من رُؤْيَته أَو كَلَامه فَإِن من دخل على شيخ بحظه انْقَطع بحظه عَن بَرَكَات رُؤْيَته ومجالسته وأدبه وَكَلَامه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ رَأَيْت فِي بعض أسفاري شَيخا توسمت فِيهِ الْخَيْر فَقلت يَا سَيِّدي كلمة تزودني بهَا فَقَالَ همتك فاحفظها فَإِن الهمة مُقَدّمَة الْأَشْيَاء وَمن صلحت لَهُ همته وَصدق فِيهَا صلح لَهُ مَا وَرَاءَهَا من الْأَعْمَال وَالْأَحْوَال
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ أدب المريد فِي أَرْبَعَة اشياء الْتِزَام حرمات الْمَشَايِخ وخدمة الإخوان وَالْخُرُوج عَن الْأَسْبَاب وَحفظ آدَاب الشَّرْع على نَفسه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ الْأَسْبَاب علائق وَفِي التعريج مَوَانِع وَالِاسْتِثْنَاء إِلَى مَسْبُوق الْقَضَاء فراغة وَأحسن النَّاس حَالا من أسقط عَن نَفسه رُؤْيَة الْخلق ورعى سره فِي الخلوات وَاعْتمد على الله تَعَالَى فِي جَمِيع أُمُوره
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاد صُحْبَة أهل الصّلاح تورث فِي الْقلب الصّلاح وصحبة أهل الْفساد تورث فِيهِ الْفساد
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ ممشاذ عَن التَّوَكُّل فَقَالَ التَّوَكُّل حسم الطمع عَن كل مَا يمِيل إِلَيْهِ قَلْبك ونفسك
стр. 226
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ممشاذ أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء فِي حَال الْكَشْف والمشاهدة وأرواح الصديقين فِي الْقرْبَة والاطلاع
٥٦ - وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم الْقصار وَهُوَ إِبْرَاهِيم بن دَاوُد الرقي أَبُو إِسْحَاق
من جلة مَشَايِخ الشَّام من أَقْرَان الْجُنَيْد وَابْن الْجلاء إِلَّا أَنه عمر وَصَحبه أَكثر مَشَايِخ الشَّام وَكَانَ لَازِما للفقر مُجَردا فِيهِ محبا لأَهله توفّي سنة سِتّ وَعشْرين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا عبد الله الْحُسَيْن بن أَحْمد يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم الْقصار الرقي يَقُول قيمَة كل إِنْسَان بِقدر همته فَإِن كَانَت همته الدُّنْيَا فَلَا قيمَة لَهُ وَإِن كَانَت همته رِضَاء الله تَعَالَى فَلَا يُمكن اسْتِدْرَاك غَايَة قِيمَته وَلَا الْوُقُوف عَلَيْهَا
سَمِعت أَبَا الْفضل نصر بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن يَعْقُوب الْعَطَّار قَالَ سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن المولد يَقُول سَأَلَ رجل إِبْرَاهِيم الْقصار الرقي فَقَالَ هَل يُبْدِي الْمُحب حبه أَو هَل ينْطق بِهِ أَو يُطيق كِتْمَانه فَأَنْشَأَ يَقُول متمثلا
(ظفرتم بكتمان اللِّسَان فَمن لكم ... بكتمان عين دمعها الدَّهْر يذرف)
(حملتم جبال الْحبّ فَوقِي وإنني ... لأعجز عَن حمل الْقَمِيص وأضعف)
سَمِعت أَبَا بكر بن شَاذان يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم الْقصار يَقُول التَّوَكُّل السّكُون إِلَى مَضْمُون الْحق
стр. 227
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الراضي لَا يسْأَل وَلَيْسَ من شَرط الرِّضَا الْمُبَالغَة فِي الدُّعَاء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الْمعرفَة إِثْبَات الرب أَو قَالَ الْحق خَارِجا عَن كل موهوم لِأَن النَّبِي ﷺ قَالَ تَفَكَّرُوا فِي آلَاء الله وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم حَسبك من الدُّنْيَا صُحْبَة فَقير وخدمة ولي
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الْقُدْرَة ظَاهِرَة والأعين مَفْتُوحَة وَلَكِن أنوار البصائر قد ضعفت
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الْأَبْصَار قَوِيَّة والبصائر ضَعِيفَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم من اكْتفى بِغَيْر الْكَافِي افْتقر من حَيْثُ اسْتغنى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الكفايات تصل إِلَيْك بِلَا تَعب والاشتغال والتعب كلهَا فِي الفضول
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم كفايات الْفُقَرَاء هِيَ التَّوَكُّل وكفايات الْأَغْنِيَاء هِيَ الِاسْتِنَاد إِلَى الْأَمْلَاك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم أَضْعَف الْخلق من ضعف عَن رد شهواته وَأقوى الْخلق من قوي على ردهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم مَا دَامَ لأغراض الْكَوْن فِي قَلْبك خطر فَاعْلَم أَنه لَا خطر لَك عِنْد الله
стр. 228
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم من تعزز بِشَيْء غير الله فقد ذل فِي عزه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الْأَوْلِيَاء مرتبطون بالكرامات والدرجات والأنبياء مَكْشُوف لَهُم عَن حقائق الْحق فالكرامات والدرجات عِنْدهم وَحْشَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم عَلامَة محبَّة الله تَعَالَى إِيثَار طَاعَته ومتابعة نبيه ﷺ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ إِبْرَاهِيم الْأَنْبِيَاء منبسطون على بِسَاط الْأنس والأولياء على دَرَجَات الْكَرَامَة
٥٧ - وَمِنْهُم خير النساج وكنيته أَبُو الْحسن
كَانَ أَصله من سامرا وَأقَام بِبَغْدَاد صحب أَبَا حَمْزَة الْبَغْدَادِيّ وَسَأَلَ السّري السَّقطِي عَن مسَائِل وَكَانَ إِبْرَاهِيم الْخَواص تَابَ فِي مَجْلِسه وَكَذَلِكَ الشبلي تَابَ فِي مَجْلِسه عمر طَويلا وَكَانَ من أَقْرَان النوري وطبقته
وَكَانَ اسْمه مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل السامري وَإِنَّمَا سمي خيرا النساج لِأَنَّهُ خرج إِلَى الْحَج فَأَخذه رجل على بَاب الْكُوفَة فَقَالَ أَنْت عَبدِي واسمك
стр. 229
خير وَكَانَ أسود فَلم يُخَالِفهُ فَأَخذه الرجل وَاسْتَعْملهُ فِي نسخ الْخَزّ سِنِين
وَكَانَ يَقُول لَهُ يَا خير فَيَقُول لبيْك ثمَّ قَالَ لَهُ الرجل بعد سِنِين أَنا غَلطت لَا أَنْت عَبدِي وَلَا اسْمك خير
فَلذَلِك سمي خير النساج وَكَانَ يَقُول لَا أغير اسْما سماني بِهِ رجل مُسلم عَاشَ مائَة وَعشْرين سنة
سَمِعت أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْمَالِكِي يَقُول سَأَلت من حضر موت خير النساج عَن أمره فَقَالَ لما حَضرته صَلَاة الْمغرب غشي عَلَيْهِ ثمَّ فتح عَيْنَيْهِ وَأَوْمَأَ إِلَى نَاحيَة بَاب الْبَيْت وَقَالَ قف عافاك الله إِنَّمَا أَنْت عبد مَأْمُور وَأَنا عبد مَأْمُور وَمَا أمرت بِهِ لَا يفوتك وَمَا أمرت بِهِ يفوتني فَدَعْنِي أمضي فِيمَا أمرت بِهِ ثمَّ امْضِ لما أمرت بِهِ فَدَعَا بِمَاء فَتَوَضَّأ وَصلى ثمَّ تمدد وغمض عَيْنَيْهِ وَتشهد وَمَات
وَأَخْبرنِي بعض أَصْحَابنَا أَنه رَآهُ فِي النّوم فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ لَا تسالني عَن هَذَا وَلَكِنِّي استرحت من دنياكم الوضرة
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت خيرا النساج يَقُول من عرف من الدُّنْيَا قدرهَا وجد من الْآخِرَة حَقّهَا وَمن جهل من الْآخِرَة حَقّهَا قَتله من الدُّنْيَا نزرها
قَالَ وَقَالَ خير النساج الصَّبْر من أَخْلَاق الرِّجَال وَالرِّضَا من أَخْلَاق الْكِرَام
стр. 230
قَالَ وَقَالَ خير شرح صُدُور الْمُتَّقِينَ وكشف بصائر المهتدين بِنور حقائق الْإِيمَان
قَالَ وَقَالَ خير من لاحظ شكره استصغر نعمه
قَالَ وَقَالَ خير من سبق بخطوة لَا يدْرك إِذا كَانَ صَادِقا مُجْتَهدا
قَالَ وَقَالَ خير الْإِخْلَاص هُوَ الَّذِي لَا يقبل عمل عَامل إِلَّا بِهِ
قَالَ وَقَالَ خير الْعَمَل الَّذِي يبلغ الغايات هُوَ رُؤْيَة التَّقْصِير وَالْعجز والضعف
قَالَ وَقَالَ خير لَا نسب اشرف من نسب من خلقه الله تَعَالَى بِيَدِهِ فَلم يعصمه وَلَا علم أشرف من علم من علمه الله الْأَسْمَاء كلهَا فَلم يَنْفَعهُ فِي وَقت جَرَيَان الْقدر وَالْقَضَاء عَلَيْهِ وَلَا عبَادَة أتم وَلَا أَكثر من عبَادَة إِبْلِيس لم ينجه ذَلِك من الْمَسْبُوق عَلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ خير تَوْحِيد كل مَخْلُوق نَاقص لقِيَامه بِغَيْرِهِ وَحَاجته إِلَى غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله﴾ أَي المحتاجون إِلَيْهِ فِي كل نفس ﴿وَالله هُوَ الْغَنِيّ﴾ عَنْكُم وَعَن توحيدكم وأفعالكم ﴿الحميد﴾ سُورَة فاطر الأيه ١٠ الَّذِي يقبل مِنْك مَالا يحْتَاج إِلَيْهِ ويثيبك عَلَيْهِ مَا تحْتَاج إِلَيْهِ
قَالَ وَقَالَ خير مِيرَاث أفعالك مَا يَلِيق بأفعالك فاطلب مِيرَاث فَضله فَإِنَّهُ أتم وَأحسن قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ يُونُس ٥٨
قَالَ وَقَالَ خير الْخَوْف سَوط الله فِي الأَرْض يقوم بِهِ أنفسا قد
стр. 231
تعودت سوء الْأَدَب وَمَتى مَا أساءت الْجَوَارِح الْأَدَب فَهُوَ من غَفلَة الْقلب وظلمة السِّرّ
٥٨ - وَمِنْهُم أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي
وَكَانَ أَصله من نيسابور من محلّة ملقاباذ صحب مَشَايِخ بَغْدَاد وَهُوَ من أَقْرَان الْجُنَيْد سَافر مَعَ أبي تُرَاب النخشبي وَأبي سعيد الخراز وَهُوَ من أفتى الْمَشَايِخ وأورعهم
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر الفرغاني يَقُول قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي من نصح نَفسه كرمت عَلَيْهِ وَمن تشاغل عَن نصيحتها هَانَتْ عَلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي عَن الْأنس فَقَالَ ضيق الصَّدْر عَن معاشرة الْخلق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي الْغَرِيب المستوحش من الإلف
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي من استشعر ذكر الْمَوْت حبب إِلَيْهِ كل بَاقٍ وبغض إِلَيْهِ كل فان
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي الْعَارِف يخَاف زَوَال مَا أعْطى والخائف يخَاف نزُول مَا وعد والعارف يدافع عيشه يَوْمًا ليَوْم وَيَأْخُذ عيشه يَوْمًا ليَوْم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي عَن الصُّوفِي فَقَالَ من صفى من كل درن فَلم يبْق فِيهِ وسخ المخالفات بِحَال
стр. 232
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس يَقُول سَمِعت أَبَا جَعْفَر الفرغاني يَقُول قَالَ أَبُو حَمْزَة من استوحش من نَفسه أنس قلبه بموافقة مَوْلَاهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا حَمْزَة وَقد سَأَلَهُ رجل فَقَالَ أوصني
فَقَالَ أَبُو حَمْزَة هيئ زادك للسَّفر الَّذِي بَين يَديك فَكَأَنِّي بك وَأَنت فِي جملَة الراحلين عَن مَنْزِلك وهيئ لنَفسك منزلا تنزل فِيهِ إِذا نزل أهل الصفوة مَنَازِلهمْ لِئَلَّا تبقى متحسرا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو حَمْزَة لبَعض أَصْحَابه خف سطوة الْعدْل وارج رأفة الْفضل وَلَا تأمن من مكره وَإِن أنزلك الْجنان فَفِي الْجنَّة وَقع لأَبِيك آدم مَا وَقع وَقد يقطع بِقوم فِيهَا فَيُقَال لَهُم ﴿كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أسلفتم فِي الْأَيَّام الخالية﴾ الحاقه ٢٤ فشغلهم عَنهُ بِالْأَكْلِ وَالشرب وَلَا مكر فَوق هَذَا وَلَا حسرة أعظم مِنْهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي من خصّه الله تَعَالَى بنظرة شَفَقَة فَإِن تِلْكَ النظرة تنزله منَازِل أهل السَّعَادَة وتزينه بِالصّدقِ ظَاهرا وَبَاطنا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سُئِلَ أَبُو حَمْزَة الْخُرَاسَانِي هَل يتفرغ الْمُحب إِلَى شَيْء سوى محبوبه فَقَالَ لَا لِأَنَّهُ بلَاء دَائِم وسرور متقطع وأوجاع مُتَّصِلَة لَا يعرفهَا إِلَّا من بَاشَرَهَا
وَأنْشد
(يقاسي المقاسي شجوه دون غَيره ... وكل بلَاء عِنْد لاقيه أوجع)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سمع أَبُو حَمْزَة بعض أَصْحَابه وَهُوَ يلوم بعض إخوانه على إِظْهَار وجده وَغَلَبَة الْحَال عَلَيْهِ وَإِظْهَار سره فِي مجْلِس فِيهِ
стр. 233
بعض الأضداد فَقَالَ أَبُو حَمْزَة أقصر يَا أخي فالوجد الْغَالِب يسْقط التَّمْيِيز وَيجْعَل الْأَمَاكِن كلهَا مَكَانا وَاحِدًا والأعيان عينا وَاحِدَة وَلَا لوم لمن غلب عَلَيْهِ وجده فاضطره إِلَى أَن يبديه وَمَا أحسن مَا قَالَ ابْن الرُّومِي
(فدع الْمُحب من الْمَلَامَة إِنَّهَا ... بئس الدَّوَاء لموجع مقلاق)
(لَا تطفئن جوى بلوم إِنَّه ... كَالرِّيحِ يغري النَّار بالإحراق)
٥٩ - وَمِنْهُم الصبيحي وَهُوَ الْحُسَيْن بن عبد الله بن بكر وكنيته أَبُو عبد الله
كَانَ من أهل الْبَصْرَة وَقيل إِنَّه لم يخرج من سرب فِي دَاره ثَلَاثِينَ سنة يجْتَهد فِيهِ ويتعبد أخرجه أهل الْبَصْرَة مِنْهَا فَخرج إِلَى السوس فَمَاتَ بهَا وَبهَا قَبره وَكَانَ عَالما بعلوم الْقَوْم وبالاصول صنف كتبا للْقَوْم وَكَانَ صَاحب لِسَان وورع
سَمِعت أَبَا الْفَتْح القواس يَقُول قَالَ أَبُو عبد الله الصبيحي السماع بالتصريح جفَاء وَالسَّمَاع بِالْإِشَارَةِ تكلّف وألطفت السماع مَا يشكل إِلَّا على مستمعه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت الصبيحي وَسُئِلَ عَن اصول الدّين فَقَالَ إِثْبَات صدق الافتقار إِلَى الله تَعَالَى وَحسن الِاقْتِدَاء برَسُول الله ﷺ
وفروعه أَرْبَعَة أَشْيَاء الْوَفَاء بالعهود وَحفظ الْحُدُود وَالرِّضَا بالموجود وَالصَّبْر على الْمَفْقُود
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عبد الله الصبيحي الربوبية سبقت الْعُبُودِيَّة وبالربوبية ظَهرت الْعُبُودِيَّة وَتَمام وَفَاء الْعُبُودِيَّة مُشَاهدَة الربوبية
стр. 234
سَمِعت أَبَا الْفَتْح القواس يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي وَسُئِلَ عَن التسلي والانقطاع فَقَالَ لَا يقطعك عَن الشَّيْء مَا هُوَ مثله أَو دونه وَإِنَّمَا يقطعك عَنهُ مَا هُوَ أتم وَأَعْلَى وَالنَّظَر فِي عواقب الْأُمُور من أَحْوَال العاجزين والتقحم على الْمَوَارِد من أَحْوَال الرِّجَال والخمود بالرضاء تَحت موارد الْقَضَاء من أَحْوَال العارفين
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول يجب أَن يكون الْوَاجِد إِذا كَانَ وجده صَحِيحا أَن يكون فِي حَال وجده مَحْفُوظًا لَا يجْرِي عَلَيْهِ لِسَان الذَّم بِحَال
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول المبقي فِي أَوْصَافه يحوم حول الشّرك لفرحه بِبَقَائِهِ فَإِنَّهُ أبدا يُشَاهد شَاهده
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول الْغَرِيب هُوَ الْبعيد عَن وَطنه وَهُوَ مُقيم فِيهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول الْغَرِيب الَّذِي لَا جنس لَهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي مرّة أُخْرَى يَقُول الْغَرِيب من صحب الْأَجْنَاس
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول أتم الْخَوْف مَا كَانَ على صفة الوجد لَا على فقد مَا يَرْجُو أَو يتَمَنَّى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد سَمِعت أَبَا عبد الله الصبيحي يَقُول ابتلى الْخَلَائق بأسرهم بالدعاوي العريضة فِي المغيب فَإِذا أظلتهم هَيْبَة المشهد خرسوا وانقمعوا وصاروا لَا شَيْء وَلَو صدقُوا فِي دعاواهم لبرزوا عِنْد الْمُشَاهدَة كَمَا برز نَبينَا ﷺ وَتقدم الْخَلَائق بقدم الصدْق حِين طلب إِلَيْهِ الشَّفَاعَة
стр. 235
فَقَالَ أَنا لَهَا لم ترعه هَيْبَة الْموقف لما كَانَ عَلَيْهِ من قدم الصدْق وَمَا أشبه هَذِه الدعاوي الْبَاطِلَة إِلَّا بقول بَعضهم حَيْثُ يَقُول
(يَنْوِي العتاب لَهُ من قبل رُؤْيَته ... فَإِن رَآهُ فدمع الْعين مسكوب)
(لَا يَسْتَطِيع كلَاما حِين يبصره ... كل اللِّسَان وَفِي الأحشاء تلهيب)
وَلَيْسَ تخرس الْأَلْسِنَة فِي الْمُشَاهدَة إِلَّا لبعدها من الصدْق فَمن صدق فِي الْمحبَّة تكلم عَنهُ الضَّمِير إِذا سكت عَن النُّطْق اللِّسَان
٦٠ - وَمِنْهُم أَبُو جَعْفَر بن سِنَان وَهُوَ أَحْمد بن حمدَان بن عَليّ بن سِنَان
من كبار مَشَايِخ نيسابور صحب أَبَا عُثْمَان وَلَقي أَبَا حَفْص وَهُوَ أحد الْخَائِفِينَ الورعين
وبيته بَيت الزّهْد والورع إِلَى أَن انْتهى الْأَمر وَختم بحفيده ابْن بنته أبي بشر مُحَمَّد بن أَحْمد الحلاوي الْمُقِيم بِمَكَّة المجاور بهَا فِي آخر سَفَره عشْرين سنة مُتَوَالِيَة نعى إِلَيْنَا أَبُو بشر فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَكَانَ مَاتَ فِي سنة سِتّ بِمَكَّة وَهُوَ كَانَ أوحد مَشَايِخ الْحرم فِي وقته وَمَات أَبُو جَعْفَر سنة إِحْدَى عشرَة وثلاثمائة
стр. 236
كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ
أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان حَدثنَا أبي حَدثنَا أَبُو الْأَزْهَر حَدثنَا أَسْبَاط عَن الشَّيْبَانِيّ قَالَ سَأَلت ابْن أبي أوفى أرجم رَسُول الله ﷺ قَالَ نعم قلت بعد مَا نزلت سُورَة النُّور أم قبلهَا قَالَ لَا أَدْرِي
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن حمدَان أَبَا عَمْرو يَقُول سَمِعت أبي يَقُول من لزم الْعُزْلَة وَالْخلْوَة يكون أقل لفضيحته فِي الدُّنْيَا إِلَى أَن يبلغ إِلَى فضيحة الْآخِرَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان سُئِلَ بعض الْحُكَمَاء من أَيْن معاشك فَقَرَأَ ﴿كلا نمد هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من عَطاء رَبك وَمَا كَانَ عَطاء رَبك مَحْظُورًا﴾ الْإِسْرَاء ٣
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان لَو أَمرك بمعرفته وَلم يتعرف إِلَيْك كنت أَجْهَل بِهِ مِمَّن أنكرهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان تكبر المطيعين على العصاة بطاعتهم شَرّ من معاصيهم وأضر عَلَيْهِم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان غفلتك عَن تَوْبَة من ذَنْب ارتكبته شَرّ من ارتكابه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان جمال الرجل فِي حسن مقاله وكماله فِي صدق فعاله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان عَلامَة من انْقَطع إِلَى الله على الْحَقِيقَة أَلا يزدْ عَلَيْهِ مَا يشْغلهُ عَنهُ
سَمِعت أَبَا عَمْرو يَقُول قَالَ أبي أَنْت تبغض العَاصِي بذنب وَاحِد تظنه
стр. 237
وَلَا تبغض نَفسك مَعَ مَا تتيقنه من ذنوبك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان ذمك لأخيك بعيوبه يوقعك فِيمَا تذمه وَشر مِنْهُ وَلَو وفقت لَدَعَوْت لَهُ وَرَحمته وَخفت على نَفسك من مثله وشكرت الله تَعَالَى حَيْثُ لم يبلك بِمَا بلاه بِهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان من علم من نَفسه مَا يعلم ثمَّ يُحِبهَا بعد ذَلِك فقد أحب مَا أبْغض الله تَعَالَى
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان كَبِير الْإِسَاءَة مَعَ التَّوْبَة والندامة أَصْغَر من صغيرها مَعَ الْإِصْرَار لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ آل عمرَان ١٣٥ وَقَلِيل الْإِحْسَان مَعَ الْإِخْلَاص أَكثر من كثير الْإِحْسَان مَعَ الرِّيَاء وَالْعجب والآفات
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو جَعْفَر بن سِنَان لَا يعظم حرمات الله إِلَّا من عظم الله وَلَا يعظ الله إِلَّا من عرفه وَمن عرفه خضع لَهُ وانقاد فِي خضوعه وخضوعه يتَوَلَّد من تَعْظِيمه لرَبه فاذا عظمه صغر كل مَا سواهُ عِنْده فيتولد لَهُ من ذَلِك تَعْظِيم حرمات الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ لعَظيم حُرْمَة الله فِي قلبه أَن يعظم كل من يُطِيع ربه أَو يعرفهُ
стр. 238
الطَّبَقَة الرَّابِعَة من أَئِمَّة الصُّوفِيَّة
٦١ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الشبلي واسْمه دلف يُقَال ابْن جحدر وَيُقَال ابْن جَعْفَر وَيُقَال اسْمه جَعْفَر بن يُونُس
سَمِعت الْحُسَيْن بن يحيى الشَّافِعِي يذكر ذَلِك وَكَذَلِكَ رَأَيْته بِبَغْدَاد مَكْتُوبًا على قَبره
وَهُوَ خراساني الأَصْل بغدادي المنشأ والمولد وَأَصله من أسروشنة ومولده كَمَا قيل سامرا
تَابَ فِي مجْلِس خير النساج وَصَحب الْجُنَيْد وَمن فِي عصره من الْمَشَايِخ وَصَارَ أوحد وقته حَالا وعلما وَكَانَ عَالما فَقِيها على مَذْهَب مَالك عَاشَ سبعا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات فِي ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَدفن فِي مَقْبرَة الخيزران وقبره الْيَوْم ظَاهر
كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ
حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن الْعَبَّاس حَدثنَا عَليّ بن الْجمال قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الشبلي يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد بن مهْدي الْمصْرِيّ حَدثنَا عَمْرو بن أبي سَلمَة حَدثنَا صَدَقَة بن عبد الله عَن طَلْحَة بن زيد عَن أبي فَرْوَة الرهاوي عَن عَطاء عَن أبي سعيد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِبلَال (الق الله فَقِيرا وَلَا تلقه غَنِيا) قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ لي بذلك قَالَ (مَا سُئِلت فَلَا
стр. 239
تمنع وَمَا رزقت فَلَا تخبأ) قَالَ يَا رَسُول الله كَيفَ لي بِذَاكَ قَالَ (هُوَ ذَاك وَإِلَّا فَالنَّار)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الْهَرَوِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي وَقيل لَهُ إِن أَبَا تُرَاب ذكر أَنه جَاع فِي الْبَادِيَة فَرَأى الْبَادِيَة كلهَا طَعَاما فَقَالَ عبد رفق وَلَو بلغ إِلَى مَحل التَّحْقِيق لَكَانَ كمن قَالَ إِنِّي أظل عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت عمر المزوق يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ عَن الْوَفَاء فَقَالَ هُوَ الْإِخْلَاص بالنطق واستغراق السرائر بِالصّدقِ
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول مَا ظَنك بِعلم علم الْعلمَاء فِيهِ تُهْمَة
وسمعته يَقُول كَانَ الشبلي إِذا نظر إِلَى أَصْحَابه يسافرون وَيرى تقطعهم فِي أسفارهم يَقُول وَيْلكُمْ أَبَد مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ بُد بل بُد مِمَّن لَيْسَ مِنْهُ بُد
وسمعته يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول الْأَرْوَاح تلطفت فتعلقت عِنْد لذعات الْحَقِيقَة فَلم تَرَ غير الْحق معبودا يسْتَحق الْعِبَادَة فأيقنت أَن الْمُحدث لَا يدْرك الْقَدِيم بِصِفَات معلولة فَإذْ صفاه الْحق أوصله إِلَيْهِ فَيكون الْحق أوصله إِلَيْهِ وَلَا وصل هُوَ
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول التصوف ضبط حواسك ومراعاة أنفاسك
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول التصوف
стр. 240
التآلف والتعاطف
وسمعته يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن الْفضل يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ مَتى يكون الرجل مرِيدا فَقَالَ إِذا اسْتَوَت حَاله فِي السّفر والحضر والمشهد والمغيب
سَمِعت مُحَمَّد بن الْحسن الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أَنْتُم مِنْكُم مخفوضة وَأَنا مني مَنْصُوبَة
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول كنت وَاقِفًا يَوْمًا على حَلقَة الشبلي فَجعل يبكي وَلَا يتَكَلَّم فَقَالَ رجل يَا أَبَا بكر مَا هَذَا الْبكاء كُله فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا عاتبته أَو عاتبوه ... شكا فعلي عدد سيئاتي)
(أيا من دهره غضب وَسخط ... أما أَحْسَنت يَوْمًا فِي حَياتِي)
سَمِعت أَبَا سعيد الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ عَن الزّهْد فَقَالَ تَحْويل الْقلب من الْأَشْيَاء إِلَى رب الْأَشْيَاء
قَالَ وَسمعت الشبلي يَقُول من عرف الله خضع لَهُ كل شَيْء لِأَنَّهُ عاين أثر ملكه فِيهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ مَا الدُّنْيَا فَقَالَ قدر تغلي وكنيف يمْلَأ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي وَسُئِلَ بِمَ يقمع الْهوى فَقَالَ برياضات الطباع وكشف القناع
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول لَيْسَ يخْطر الْكَوْن ببالي
стр. 241
وَكَيف يخْطر الْكَوْن ببال من عرف المكون
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن بن الخشاب يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَاب الشبلي يَقُول رَأَيْت الشبلي فِي الْمَنَام فَقلت لَهُ يَا أَبَا بكر من أسعد أَصْحَابك بصحبتك فَقَالَ أعظمهم لحرمات الله وألهجهم بِذكر الله واقومهم بِحَق الله وأسرعهم مبادرة فِي مرضاة الله وأعرفهم بنقصانه وَأَكْثَرهم تَعْظِيمًا لما عظم الله من حُرْمَة عباده
وَسمعت أَبَا سعيد الرَّازِيّ يَقُول قَالَ رجل للشبلي ادْع الله لي فَأَنْشَأَ يَقُول
(مضى زمن وَالنَّاس يستشفعون بِي ... فَهَل لي إِلَى ليلى الْغَدَاة شَفِيع)
وسمعته يَقُول قيل للشبلي نرَاك جسيما بدينا والمحبة تضني فَأَنْشَأَ يَقُول
(أحب قلبِي وَمَا درى بدني ... وَلَو درى مَا أَقَامَ فِي السّمن)
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عمر بن عبد الله يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول لَو قبلني الْعَالم بِمن فِيهِ لكَانَتْ مُصِيبَة عَليّ إِذْ لَو لم يكن شربهم شربي وذوقهم ذوقي لم يقبلوني
وَسمعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أعمى الله بصرا يراني وَلَا يرى فِي آثَار الْقُدْرَة فَأَنا أحد آثَار الْقُدْرَة وَأحد شَوَاهِد الْعِزَّة لقد ذللت حَتَّى عز فِي ذلي كل ذل وعززت حَتَّى مَا تعزز أحد إِلَّا بِي أَو بِمن تعززت بِهِ وَمَا افترقنا وَكَيف نفترق وَلم يجر علينا حَال الْجمع أبدا
стр. 242
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس النسوي يَقُول سَمِعت السيرواني يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول ليكن همك مَعَك لَا يتَقَدَّم وَلَا يتَأَخَّر
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الْجَعْفَرِي يَقُول سَمِعت بعض الْمَشَايِخ يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن ظريف يَقُول قَالَ الْجُنَيْد للشبلي لَو رددت أَمرك إِلَى الله لاسترحت فَقَالَ الشبلي يَا أَبَا الْقَاسِم لَو رد الله أَمرك إِلَيْك لاسترحت فَقَالَ الْجُنَيْد سيوف الشبلي تقطر دَمًا
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الْبَغْدَادِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول سَهْو طرفَة عين عَن الله لأهل الْمعرفَة شرك بِاللَّه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي الْفَرح بِاللَّه أولى من الْحزن بَين يَدي الله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول قُلُوب أهل الْحق طائرة إِلَيْهِ بأجنحة الْمعرفَة ومستبشرة إِلَيْهِ بموالاة الْمحبَّة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول الْحُرِّيَّة هِيَ حريَّة الْقلب لَا غير
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول لَيْسَ من احتجب بالخلق عَن الْحق كمن احتجب بِالْحَقِّ عَن الْخلق وَلَيْسَ من جذبته أنوار قدسه إِلَى أنسه كمن جذبته أنوار رَحمته إِلَى مغفرته
سَمِعت الْحُسَيْن بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَحْمد الخلقاني يَقُول كثيرا مَا كَانَ الشبلي يَقُول
(ولي فِيك يَا حسرتي حسرة ... تقضي حَياتِي وَمَا تَنْقَضِي)
стр. 243
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل مُحَمَّد بن سلمَان يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول أحبك الْخلق لنعمائك وَأَنا أحبك لبلائك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت الشبلي يَقُول من كَانَ بِالْحَقِّ تلفه كَانَ الْحلق خلقه
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي قَالَ كُنَّا يَوْمًا فِي بَيت الشبلي فَأخر الْعَصْر وَنظر إِلَى الشَّمْس وَقد تدلت للغروب فَقَالَ الصَّلَاة يَا سادتي وَقَامَ فصلى ثمَّ أنشأ يَقُول ملاعبة وَهُوَ يضْحك مَا أحسن قَول من قَالَ
(نسيت الْيَوْم من عشقي صَلَاتي ... فَلَا أَدْرِي غداتي من عشائي)
(فذكرك سَيِّدي أكلي وشربي ... ووجهك إِن رَأَيْت شِفَاء دائي)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رؤى الشبلي فِي يَوْم عيد خَارِجا من الْمَسْجِد وَهُوَ يَقُول
(إِذا مَا كنت لي عيدا ... فَمَا أصنع بالعيد)
(جرى حبك فِي قلبِي ... كجري المَاء فِي الْعود)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الشبلي يَقُول مَا أحْوج النَّاس إِلَى سكرة فَقلت يَا سَيِّدي أَي سكرة فَقَالَ سكرة تغنيهم عَن مُلَاحظَة أنفسهم وأفعالهم وأحوالهم وَأَنْشَأَ يَقُول
(وتحسبني حَيا وَإِنِّي لمَيت ... وبعضي من الهجران يبكي على بعض)
وأنشدنا أَبُو بكر الرَّازِيّ قَالَ أنشدنا أَبُو بكر الشبلي
(إِنِّي وإياه لفي الْحبّ صَادِق ... نموت بِمَا نهوى جَمِيعًا وَلَا ندى)
стр. 244
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ الشبلي
(وَمن أَيْن لي أَيْن وَإِنِّي كَمَا ترى ... أعيش بِلَا قلب وأسعى بِلَا قصد)
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا الطّيب العكي يَقُول جَاءَ رجل إِلَى الشبلي فَقَالَ كم تهْلك نَفسك بِهَذِهِ الدعاوي وَلَا تدعها فَأَنْشَأَ يَقُول متمثلا
(إِنِّي وَإِن كنت قد أَسَأْت بِي الْيَوْم ... لراج الْعَطف مِنْك غَدا)
(أستدفع الْوَقْت بالرجاء وَإِن ... لم أر مِنْك مَا أرتجي أبدا)
(أعز نَفسِي بكم وأخدعها ... نفس ترى الغي فِيكُم رشدا)
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول كنت وَاقِفًا على حَلقَة الشبلي فِي جَامع الْمَدِينَة فَوقف سَائل على حلقته وَجعل يَقُول يَا الله يَا جواد فتأوه الشبلي وَصَاح فَقَالَ كَيفَ يمكنني أَن أصف الْحق بالجود ومخلوق يَقُول فِي شكله
(تعود بسط الْكَفّ حَتَّى لَو أَنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله)
(تراك إِذا مَا جِئْته متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)
(وَلَو لم يكن فِي كَفه غير روحه ... لجاد بهَا فليتق الله سائله)
(هُوَ الْبَحْر من أَي النواحي أَتَيْته ... فلجته الْمَعْرُوف والجود ساحله)
ثمَّ بَكَى وَقَالَ بلَى يَا جواد فأنك أوجدت تِلْكَ الْجَوَارِح وَبسطت تِلْكَ الهمم ثمَّ مننت بعد ذَلِك على أَقوام بعز الِاسْتِغْنَاء عَنْهُم وَعَما فِي أَيْديهم بك فَإنَّك الْجواد كل الْجواد لأَنهم يُعْطون عَن مَحْدُود وعطاؤك لَا حد لَهُ وَلَا صفة فيا جواد يَعْلُو كل جواد وَبِه جاد كل من جاد
стр. 245
قَالَ وسمعته يَقُول رفع الله قدر الوسائط بعلو هممهم فَلَو أجْرى على الْأَوْلِيَاء ذرة مِمَّا كشف للأنبياء لبطلوا وتقطعوا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم وَكنت يَوْمًا فِي حلقته فَسَمعته يَقُول الْحق يفنى بِمَا بِهِ يبْقى وَيبقى بِمَا بِهِ يفنى يفنى بِمَا فِيهِ بَقَاء وَيبقى بِمَا فِيهِ فنَاء
فَإِذا أفنى عبدا عَن إِيَّاه أوصله بِهِ وأشرفه على أسراره وَبكى وَأنْشد على أَثَره
(لَهَا فِي طرفها لحظات سحر ... تميت بهَا وتحيي من يُرِيد)
(وَتَسْبِي الْعَالمين بمقلتيها ... كَأَن الْعَالمين لَهَا عبيد)
(ألاحظها فتعلم مَا بقلبي ... وألحظها فتعلم مَا أُرِيد)
قَالَ وَسَأَلَهُ سَائل هَل يتَحَقَّق الْعَارِف بِمَا يَبْدُو لَهُ فَقَالَ كَيفَ يتَحَقَّق بِمَا لَا يثبت وَكَيف يطمئن إِلَى مَا لَا يظْهر وَكَيف يأنس بِمَا يخفى فَهُوَ الظَّاهِر الْبَاطِن الْبَاطِن الظَّاهِر ثمَّ أنشأ يَقُول
(فَمن كَانَ فِي طول الْهوى ذاق سلوة ... فَإِنِّي من ليلِي لَهَا غير ذائق)
(وَأكْثر شَيْء نلته من وصالها ... أماني لم تصدق كلمحة بارق)
قَالَ وَقَالَ الشلبي كَيفَ يَصح لَك التَّوْحِيد وَكلما أَبْصرت شَيْئا اسرك
قَالَ وَقَالَ رجل للشبلي هَل شَاهده أحد بحقيقته فَقَالَ الْحَقِيقَة بعيدَة وَلَكِن ظنون وأماني وحسبان وَأنْشد
(وكذبت طرفِي فِيك والطرف صَادِق ... وأسمعت أُذُنِي مِنْك مَا لَيْسَ تسمع)
(وَلم أسكن الأَرْض الَّتِي تسكنونها ... لكيلا يَقُولُوا إِنَّنِي بك مولع)
(فَلَا كَبِدِي تهدا وَلَا لَك رَحْمَة ... وَلَا عَنْك إقصاء وَلَا فِيك مطمع)
فَإِذا ترَاءى لَهُ تَحْقِيق حَال شوشه بالتلبيس والإشكال
стр. 246
سَمِعت ابا الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ الْبَصْرِيّ يَقُول قَالَ رجل للشبلي إِلَى مَاذَا تستريح قُلُوب المشتاقين قَالَ إِلَى سرُور من اشتاقوا إِلَيْهِ وموافقته وَأنْشد
(أسر بمهلكي فِيهِ لِأَنِّي ... أسر بِمَا يسر الْألف جدا)
(وَلَو سُئِلت عِظَامِي عَن بلاها ... لأنكرت البلى وَسمعت جحدا)
(وَلَو أخرجت من سقمي لنادي ... لهيب الشوق بِي يسْأَله ردا)
وَسمعت عبد الله يَقُول سُئِلَ الشبلي وَأَنا حَاضر إِلَى مَاذَا تحن قُلُوب أهل المعارف فَقَالَ إِلَى بدايات مَا جرى لَهُم فِي الْغَيْب من حسن الْعِنَايَة فِي الحضرة بغيبتهم عَنْهَا وَأَنْشَأَ يَقُول
(سقيا لمعهدك الَّذِي لَو لم يكن ... مَا كَانَ قلبِي للصبابة معهدا)
٦٢ - وَمِنْهُم المرتعش وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المرتعش النَّيْسَابُورِي
من محلّة الْحيرَة صحب أَبَا حَفْص الْحداد وَأَبا عُثْمَان الْحداد وَلَقي الْجُنَيْد وَصَحبه وَأقَام بِبَغْدَاد حَتَّى صَار أحد مَشَايِخ الْعرَاق وأئمتهم حَتَّى قَالَ أَبُو عبد الله الرَّازِيّ كَانَ مَشَايِخ الْعرَاق يَقُولُونَ عجائب بَغْدَاد فِي التصوف ثَلَاث إشارات الشبلي ونكت المرتعش وحكايات جَعْفَر الْخُلْدِيِّ
стр. 247
وَكَانَ يُقيم فِي مَسْجِد الشونيزية مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول سُكُون الْقلب إِلَى غير الْمولى تَعْجِيل عُقُوبَة من الله فِي الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ المرتعش ذهبت حقائق الْأَشْيَاء وَبقيت أسماؤها فالأسماء مَوْجُودَة والحقائق مفقودة والدعاوي فِي السرائر مكنونة والألسنة بهَا فصيحة والأمور عَن حُقُوقهَا مصروفة وَعَن قريب تفقد هَذِه الْأَلْسِنَة وَهَذِه الدعاوي فَلَا يُوجد لِسَان نَاطِق وَلَا مُدع مطنب
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سَمِعت المرتعش يَقُول مَا تَوَجَّهت إِلَى الله تَعَالَى بسر خاصي إِلَّا فِي ظَاهر عَامي
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول كنت عِنْد المرتعش قَاعِدا فَقَالَ رجل قد طَال اللَّيْل وطاب الْهَوَاء فَنظر إِلَيْهِ المرتعش وَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي مَا تَقول غير أَنِّي أَقُول مَا سَمِعت بعض القوالين فِي بعض هَذِه اللَّيَالِي يُغني وَيَقُول
(لست أَدْرِي أَطَالَ ليلِي أم لَا ... كَيفَ يدْرِي بِذَاكَ من يتلَقَّى)
(لَو تفرغت لاستطالة ليلِي ... ولرعى النُّجُوم كنت مخلى)
(إِن للعاشقين عَن قصر اللَّيْل ... وَعَن طوله من الوجد شغلا)
قَالَ فَبكى من حَضَره وَاسْتَدَلُّوا بذلك على عمَارَة أوقاته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الوسوسة تُؤدِّي إِلَى الْحيرَة والإلهام يُؤَدِّي إِلَى زِيَادَة فهم وَبَيَان
стр. 248
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أصُول التَّوْحِيد ثَلَاثَة اشياء معرفَة الله تَعَالَى بالربوبية وَالْإِقْرَار لَهُ بالوحدانية وَنفي الأنداد عَنهُ جملَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أفضل الْأَعْمَال تَصْحِيح الْعُبُودِيَّة على الْمُشَاهدَة وملازمة الْخدمَة على السّنة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش بِمَاذَا ينَال العَبْد حب الله تَعَالَى فَقَالَ ببغض مَا أبْغض الله وَهِي الدُّنْيَا وَالنَّفس
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش مرّة أُخْرَى بِمَاذَا ينَال العَبْد الْمحبَّة قَالَ بموالاة أَوْلِيَاء الله ومعاداة أعدائه ثمَّ نظر إِلَى بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ أَنْشدني الأبيات الَّتِي كنت أنشدتنيها أمس فَأَنْشَأَ الرجل يَقُول
(أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إِذْ كَانَ حظي مِنْك حظي مِنْهُم)
(وأهنتني فأهنت نَفسِي صاغرا ... مَا من يهون عَلَيْك مِمَّن يكرم)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش تَصْحِيح الْمُعَامَلَات كلهَا بشيئين وهما الصَّبْر وَالْإِخْلَاص الصَّبْر عَلَيْهَا وَالْإِخْلَاص فِيهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْإِرَادَة حبس النَّفس عَن مراداتها والإقبال على أوَامِر الله وَالرِّضَا بموارد الْقَضَاء عَلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رجل للمرتعش إِن فلَانا يمشي على المَاء فَقَالَ عِنْدِي أَن من مكنه الله من مُخَالفَة هَوَاهُ فَهُوَ أعظم من الْمَشْي على المَاء وَفِي الْهَوَاء
стр. 249
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْمُسلم مَحْبُوب إِلَى الْخلق وَالْمُؤمن غَنِي عَن الْخلق
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سُئِلَ المرتعش عَن التصوف فَقَالَ الْإِشْكَال والتلبيس والكتمان ثمَّ أنشأ يَقُول
(سري وسرك لم يعلم بِهِ أحد ... إِلَّا الْجَلِيل وَلم ينْطق بِهِ نطق)
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْفَقِيه يَقُول قَالَ رجل للمرتعش أوصني فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى من هُوَ خير لَك مني وَدعنِي إِلَى من هُوَ خير لي مِنْك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى المرتعش فَقَالَ أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ رُؤْيَة فضل الله وَأَنْشَأَ يَقُول
(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالحازم)
سَمِعت ابا الْفرج بن الصَّائِغ يَقُول رؤى المرتعش فِي الْعشْر الْأَوَاخِر خَارِجا من الْمَسْجِد الْجَامِع فَقيل لَهُ مَا الَّذِي أخرجك من الْمَسْجِد فَقَالَ مُشَاهدَة الْقُرَّاء وتعظيم طاعاتهم عِنْدهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش من ظن أَن أَفعاله تنجيه من النَّار أَو تبلغه الرضْوَان فقد جعل لنَفسِهِ ولفعله خطرا وَمن اعْتمد على فضل الله بلغه الله إِلَى اقصى منَازِل الرضْوَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ يُونُس ٥٨
стр. 250
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش اعْتمد على ضَمَان الله لَك فِي رزقك واجتهد فِي أَدَاء مَا افترضه عَلَيْك تكن من خواصه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش السّكُون إِلَى الْأَسْبَاب يقطع الْقُلُوب عَن الِاعْتِمَاد على الْمُسَبّب
٦٣ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم ابْن مَنْصُور بن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسْرَى
следующие страницы →