Полный текст (405 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
سَمِعت ابا الْقَاسِم عبد الله بن عَليّ الْبَصْرِيّ يَقُول قَالَ رجل للشبلي إِلَى مَاذَا تستريح قُلُوب المشتاقين قَالَ إِلَى سرُور من اشتاقوا إِلَيْهِ وموافقته وَأنْشد
(أسر بمهلكي فِيهِ لِأَنِّي ... أسر بِمَا يسر الْألف جدا)
(وَلَو سُئِلت عِظَامِي عَن بلاها ... لأنكرت البلى وَسمعت جحدا)
(وَلَو أخرجت من سقمي لنادي ... لهيب الشوق بِي يسْأَله ردا)
وَسمعت عبد الله يَقُول سُئِلَ الشبلي وَأَنا حَاضر إِلَى مَاذَا تحن قُلُوب أهل المعارف فَقَالَ إِلَى بدايات مَا جرى لَهُم فِي الْغَيْب من حسن الْعِنَايَة فِي الحضرة بغيبتهم عَنْهَا وَأَنْشَأَ يَقُول
(سقيا لمعهدك الَّذِي لَو لم يكن ... مَا كَانَ قلبِي للصبابة معهدا)
٦٢ - وَمِنْهُم المرتعش وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المرتعش النَّيْسَابُورِي
من محلّة الْحيرَة صحب أَبَا حَفْص الْحداد وَأَبا عُثْمَان الْحداد وَلَقي الْجُنَيْد وَصَحبه وَأقَام بِبَغْدَاد حَتَّى صَار أحد مَشَايِخ الْعرَاق وأئمتهم حَتَّى قَالَ أَبُو عبد الله الرَّازِيّ كَانَ مَشَايِخ الْعرَاق يَقُولُونَ عجائب بَغْدَاد فِي التصوف ثَلَاث إشارات الشبلي ونكت المرتعش وحكايات جَعْفَر الْخُلْدِيِّ
стр. 247
وَكَانَ يُقيم فِي مَسْجِد الشونيزية مَاتَ بِبَغْدَاد سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا مُحَمَّد المرتعش يَقُول سُكُون الْقلب إِلَى غير الْمولى تَعْجِيل عُقُوبَة من الله فِي الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ المرتعش ذهبت حقائق الْأَشْيَاء وَبقيت أسماؤها فالأسماء مَوْجُودَة والحقائق مفقودة والدعاوي فِي السرائر مكنونة والألسنة بهَا فصيحة والأمور عَن حُقُوقهَا مصروفة وَعَن قريب تفقد هَذِه الْأَلْسِنَة وَهَذِه الدعاوي فَلَا يُوجد لِسَان نَاطِق وَلَا مُدع مطنب
سَمِعت أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سَمِعت المرتعش يَقُول مَا تَوَجَّهت إِلَى الله تَعَالَى بسر خاصي إِلَّا فِي ظَاهر عَامي
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول كنت عِنْد المرتعش قَاعِدا فَقَالَ رجل قد طَال اللَّيْل وطاب الْهَوَاء فَنظر إِلَيْهِ المرتعش وَسكت سَاعَة ثمَّ قَالَ لَا أَدْرِي مَا تَقول غير أَنِّي أَقُول مَا سَمِعت بعض القوالين فِي بعض هَذِه اللَّيَالِي يُغني وَيَقُول
(لست أَدْرِي أَطَالَ ليلِي أم لَا ... كَيفَ يدْرِي بِذَاكَ من يتلَقَّى)
(لَو تفرغت لاستطالة ليلِي ... ولرعى النُّجُوم كنت مخلى)
(إِن للعاشقين عَن قصر اللَّيْل ... وَعَن طوله من الوجد شغلا)
قَالَ فَبكى من حَضَره وَاسْتَدَلُّوا بذلك على عمَارَة أوقاته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الوسوسة تُؤدِّي إِلَى الْحيرَة والإلهام يُؤَدِّي إِلَى زِيَادَة فهم وَبَيَان
стр. 248
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أصُول التَّوْحِيد ثَلَاثَة اشياء معرفَة الله تَعَالَى بالربوبية وَالْإِقْرَار لَهُ بالوحدانية وَنفي الأنداد عَنهُ جملَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش أفضل الْأَعْمَال تَصْحِيح الْعُبُودِيَّة على الْمُشَاهدَة وملازمة الْخدمَة على السّنة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش بِمَاذَا ينَال العَبْد حب الله تَعَالَى فَقَالَ ببغض مَا أبْغض الله وَهِي الدُّنْيَا وَالنَّفس
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سُئِلَ المرتعش مرّة أُخْرَى بِمَاذَا ينَال العَبْد الْمحبَّة قَالَ بموالاة أَوْلِيَاء الله ومعاداة أعدائه ثمَّ نظر إِلَى بعض جُلَسَائِهِ فَقَالَ أَنْشدني الأبيات الَّتِي كنت أنشدتنيها أمس فَأَنْشَأَ الرجل يَقُول
(أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إِذْ كَانَ حظي مِنْك حظي مِنْهُم)
(وأهنتني فأهنت نَفسِي صاغرا ... مَا من يهون عَلَيْك مِمَّن يكرم)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش تَصْحِيح الْمُعَامَلَات كلهَا بشيئين وهما الصَّبْر وَالْإِخْلَاص الصَّبْر عَلَيْهَا وَالْإِخْلَاص فِيهَا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْإِرَادَة حبس النَّفس عَن مراداتها والإقبال على أوَامِر الله وَالرِّضَا بموارد الْقَضَاء عَلَيْهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ رجل للمرتعش إِن فلَانا يمشي على المَاء فَقَالَ عِنْدِي أَن من مكنه الله من مُخَالفَة هَوَاهُ فَهُوَ أعظم من الْمَشْي على المَاء وَفِي الْهَوَاء
стр. 249
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش الْمُسلم مَحْبُوب إِلَى الْخلق وَالْمُؤمن غَنِي عَن الْخلق
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سُئِلَ المرتعش عَن التصوف فَقَالَ الْإِشْكَال والتلبيس والكتمان ثمَّ أنشأ يَقُول
(سري وسرك لم يعلم بِهِ أحد ... إِلَّا الْجَلِيل وَلم ينْطق بِهِ نطق)
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا سهل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْفَقِيه يَقُول قَالَ رجل للمرتعش أوصني فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى من هُوَ خير لَك مني وَدعنِي إِلَى من هُوَ خير لي مِنْك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ جَاءَ رجل إِلَى المرتعش فَقَالَ أَي الْأَعْمَال أفضل فَقَالَ رُؤْيَة فضل الله وَأَنْشَأَ يَقُول
(إِن الْمَقَادِير إِذا ساعدت ... ألحقت الْعَاجِز بالحازم)
سَمِعت ابا الْفرج بن الصَّائِغ يَقُول رؤى المرتعش فِي الْعشْر الْأَوَاخِر خَارِجا من الْمَسْجِد الْجَامِع فَقيل لَهُ مَا الَّذِي أخرجك من الْمَسْجِد فَقَالَ مُشَاهدَة الْقُرَّاء وتعظيم طاعاتهم عِنْدهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش من ظن أَن أَفعاله تنجيه من النَّار أَو تبلغه الرضْوَان فقد جعل لنَفسِهِ ولفعله خطرا وَمن اعْتمد على فضل الله بلغه الله إِلَى اقصى منَازِل الرضْوَان قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ﴾ يُونُس ٥٨
стр. 250
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش اعْتمد على ضَمَان الله لَك فِي رزقك واجتهد فِي أَدَاء مَا افترضه عَلَيْك تكن من خواصه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ المرتعش السّكُون إِلَى الْأَسْبَاب يقطع الْقُلُوب عَن الِاعْتِمَاد على الْمُسَبّب
٦٣ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْقَاسِم ابْن مَنْصُور بن شهريار بن مهرذاذاز بن فرغدد بن كسْرَى
стр. 251
كَذَا ذكره لي عبد الله بن عَليّ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي يَقُول ذَلِك
وَهُوَ من أهل بَغْدَاد سكن مصر وَصَارَ شيخها وَمَات بهَا صحب أَبَا الْقَاسِم الْجُنَيْد وَأَبا الْحُسَيْن النوري وَأَبا حَمْزَة وحسنا المسوحي وَمن فِي طبقتهم من مَشَايِخ بَغْدَاد وَصَحب بِالشَّام ابْن الْجلاء وَكَانَ عَالما فَقِيها عَارِفًا بِعلم الطَّرِيقَة حَافِظًا للْحَدِيث
توفّي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك ذكره لي الْحُسَيْن بن أَحْمد الرَّازِيّ وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو الْفضل نصر بن مُحَمَّد بن يَعْقُوب الطوسي قَالَ حَدثنَا قسيم بن أَحْمد غُلَام الرقَاق حَدثنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي الصُّوفِي حَدثنَا يُوسُف حَدثنَا الْحُسَيْن بن نصر عَن وَرْقَاء عَن أبي نجيح عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥٠ ذَاك مَخَافَة الإجلال
أخبرنَا أَبُو الْفضل قَالَ حَدثنَا قسيم قَالَ حَدثنَا أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي حَدثنَا مَسْعُود بن مُحَمَّد بن مَسْعُود الرَّمْلِيّ حَدثنَا عمرَان بن هَارُون الصُّوفِي حَدثنَا سليم بن حَيَّان عَن دَاوُد عَن أبي هِنْد عَن الشّعبِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله تَعَالَى ليعمر بالقوم الديار وَيكثر لَهُم الْأَمْوَال وَمَا نظر إِلَيْهِم مُنْذُ خلقهمْ بغضا قيل يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك قَالَ بصلتهم أرحامهم
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن الْإِشَارَة فَقَالَ الْإِشَارَة الْإِبَانَة عَمَّا يتضمنه الوجد من الْمشَار
стр. 252
إِلَيْهِ لَا غير وَفِي الْحَقِيقَة إِن الْإِشَارَة تصحبها الْعِلَل والعلل بعيدَة من عين الْحَقَائِق
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن المريد وَالْمرَاد فَقَالَ المريد الَّذِي لَا يُرِيد لنَفسِهِ إِلَّا مَا اراد الله لَهُ وَالْمرَاد لَا يُرِيد من الكونين شَيْئا غَيره
سَمِعت ابا الْقَاسِم الدِّمَشْقِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول الصول على من دُونك ضعف وعَلى من فَوْقك قحة
وسمعته يَقُول سُئِلَ أَبُو عَليّ عَمَّن يسمع الملاهي وَيَقُول هِيَ لي حَلَال لِأَنِّي قد وصلت إِلَى دَرَجَة لَا يُؤثر فِي اخْتِلَاف الْأَحْوَال فَقَالَ نعم قد وصل لعمري وَلَكِن إِلَى سقر
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن التصوف يَقُول هَذَا مَذْهَب كُله جد فَلَا تخلطوه بِشَيْء من الْهزْل
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول فضل الْمقَال على الفعال منقصة وَفضل الفعال على الْمقَال مكرمَة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا سعيد الكازروني يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول لَا رضى لمن لَا لَا يصبر وَلَا كَمَال لمن لَا يشْكر وَبِاللَّهِ وصل العارفون إِلَى محبته وشكروه على نعْمَته
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الرُّوذَبَارِي يَقُول قَالَ لي خَالِي أَبُو عَليّ لَو تكلم أهل التَّوْحِيد بِلِسَان التَّجْرِيد لما بَقِي محق إِلَّا مَاتَ
стр. 253
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس النسوي يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول حَدثنَا مُحَمَّد الزقاق قَالَ سَأَلت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي عَن التَّوْبَة فَقَالَ الِاعْتِرَاف والندم والإقلاع
أَنْشدني أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر قَالَ أَنْشدني إِبْرَاهِيم بن فاتك لأبي عَليّ الرُّوذَبَارِي
(روحي إِلَيْك بكلها قد أَجمعت ... لَو أَن فِيك هلاكها مَا أقلعت)
(تبْكي إِلَيْك بكلها عَن كلهَا ... حَتَّى يُقَال من الْبكاء تقطعت)
(فَانْظُر إِلَيْهَا نظرة بتعطف ... فلطالما متعتها فتمتعت)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول والاهم قبل أفعالهم وعاداهم قبل أفعالهم ثمَّ جازاهم بأفعالهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي المشاهدات للقلوب والمكاشفات للأسرار والمعاينات للبصائر والمراعات للأبصار
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ من نظر إِلَى نَفسه مرّة عمي عَن النّظر بِالِاعْتِبَارِ إِلَى شَيْء من الأكوان
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي مَا ادّعى أحد قطّ إِلَّا لخلوه عَن الْحَقَائِق وَلَو تحقق فِي شَيْء لنطقت عَنهُ الْحَقِيقَة وأغناه عَن الدعاوي
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت عبد السَّلَام المخرمي يَقُول أَنْشدني أَبُو عَليّ الرُّوذَبَارِي لنَفسِهِ
بك كتمان وجده بك عَنهُ ... لَك مِنْهُ وَعنهُ مَا لَك مِنْهُ)
(من إِذا لَاحَ لائح لمشوق ... هام وجدا إِن لم تكنه)
(وَإِذا أفل الأفول ببين ... بَان عَنهُ فَبَان إِن لم تبنه)
стр. 254
(يَا فَتى الْحبّ بل يَا فَتى الْحق سري ... عَنْك مستودع لديك فصنه)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت ابا عَليّ الرُّوذَبَارِي يَقُول أَنْفَع الْيَقِين مَا عظم الْحق فِي عَيْنَيْك وَصغر مَا دونه عنْدك وَأثبت الْخَوْف والرجاء فِي قَلْبك
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ يَقُول مَا أظهر من نعمه دَلِيل على مَا أبطن من كرمه
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ يَقُول من الاغترار أَن تسيء فَيحسن إِلَيْك فَتتْرك الْإِنَابَة وَالتَّوْبَة توهما أَنَّك تسَامح فِي الهفوات وَترى أَن ذَلِك فِي بسط الْحق لَك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ كَيفَ تشهده الاشياء وَبِه فنيت بذواتها عَن ذواتها أم كَيفَ غَابَتْ الْأَشْيَاء عَنهُ وَبِه ظَهرت وبصفاته فسبحان من لَا يشهده شَيْء وَلَا يغيب عَنهُ شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ تشوقت الْقُلُوب إِلَى مُشَاهدَة ذَات الْحق فألقيت إِلَيْهَا الْأَسَامِي فركنت إِلَيْهَا والذات مستترة إِلَى أَوَان التجلي وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا﴾ أَي وقفُوا مَعهَا عَن إِدْرَاك الْحَقَائِق
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أظهر الْحق الاسامي وأبداها لِلْخلقِ ليسكن بهَا شوق المحبين إِلَيْهِ وتأنس بهَا قُلُوب العارفين لَهُ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أستاذي فِي التصوف الْجُنَيْد وأستاذي فِي
стр. 255
الْفِقْه أَبُو الْعَبَّاس بن سُرَيج وأستاذي فِي الْأَدَب ثَعْلَب وأستاذي فِي الحَدِيث إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ
٦٤ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ واسْمه مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب
لَقِي أَبَا حَفْص وحمدونا الْقصار وَكَانَ إِمَامًا فِي أَكثر عُلُوم الشَّرْع مقدما فِي كل فن مِنْهُ عطل أَكثر علومه واشتغل بِعلم الصُّوفِيَّة وَتكلم فِيهِ أحسن كَلَام
وَكَانَ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي يَقُول إِنَّه لينفعني فِي نَفسِي إِذا نظرت إِلَى خشوع هَذَا الْفَتى يَعْنِي أَبَا عَليّ الثَّقَفِيّ
وَكَانَ أَبُو عَليّ أحسن الْمَشَايِخ كلَاما فِي عُيُوب النَّفس وآفات الْأَعْمَال
سَمِعت أبي ﵀ يَقُول مَاتَ أَبُو عَليّ سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
اُخْبُرْنَا أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن زَكَرِيَّا قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص مُحَمَّد بن الْهَيْثَم حَدثنَا ابْن عفير قَالَ حَدثنَا الْفضل بن الْمُخْتَار الْبَصْرِيّ عَن هِشَام بن حسان عَن الْحسن عَن أنس أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من (من جَاءَ مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل)
أخبرنَا أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن الكارزي قَالَ حَدثنَا أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق قَالَ حَدثنَا عبد الله بن سَلمَة عَن مَالك عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة
стр. 256
عَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ (قَالَ الرُّؤْيَا الْحَسَنَة من الرجل الصَّالح جُزْء من سِتَّة وَأَرْبَعين جُزْءا من النُّبُوَّة)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ الثَّقَفِيّ يَقُول كَمَال الْعُبُودِيَّة هُوَ الْعَجز والقصور عَن تدارك معرفَة علل الْأَشْيَاء بِالْكُلِّيَّةِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لكل شَيْء حد وَكَمَال فَمن صحب الاشياء على حُدُودهَا فقد أَفْلح وأنجح وَمن قصر عَن حُدُودهَا فقد ضيع حَقّهَا وَمن تجَاوز حَدهَا فقد اشرف على هَلَاك نَفسه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لبَعض أَصْحَابه يَنْبَغِي أَلا تفارق هَذِه الْخلال الْأَرْبَعَة صدق القَوْل وَصدق الْعَمَل وَصدق الْمَوَدَّة وَصدق الْأَمَانَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ لَا يقبل الله من الْأَعْمَال إِلَّا مَا كَانَ صَوَابا وَمن صوابها إِلَّا مَا كَانَ خَالِصا وَمن خالصها إِلَّا مَا وَافق السّنة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ من صحب الأكابر على غير طَرِيق الْحُرْمَة حرم فوائدهم وبركات نظرهم وَلَا يظْهر عَلَيْهِ من أنوارهم شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ تَمام الْعلم انْقِطَاع الرَّجَاء عَن بُلُوغ كنهه
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ أُفٍّ من اشغال الدُّنْيَا إِذا أَقبلت وأف من حسراتها إِذا أَدْبَرت والعاقل من لَا يركن إِلَى شَيْء إِذا أقبل كَانَ شغلا وَإِذا أدبر كَانَ حسرة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ لَا تلبس تَقْوِيم مَا لَا يَسْتَقِيم وَلَا تَأْدِيب من لَا يتأدب
стр. 257
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْعلم حَيَاة الْقلب من الْجَهْل وَنور الْعين من الظلمَة
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ يَا من بَاعَ كل شَيْء بِلَا شَيْء وَاشْترى لَا شَيْء بِكُل شَيْء
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْفُرُوع الصَّحِيحَة لَا تتفرع إِلَّا من أصل صَحِيح فَمن أَرَادَ أَن تصح لَهُ أَفعاله على السّنة فليصحح الْإِخْلَاص من قلبه فَإِن تَصْحِيح ظواهر الْأَعْمَال بِصِحَّة بواطن الْإِخْلَاص
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول حضرت مجْلِس أبي عَليّ الثَّقَفِيّ فَتكلم فِي الْمحبَّة وأحوال المحبين وَأنْشد فِي خلال تِلْكَ الْأَحْوَال هَذِه الأبيات
(إِلَى كم يكون الصد فِي كل سَاعَة ... وَكم لَا تملين القطيعة والهجرا)
(رويدك إِن الدَّهْر فِيهِ كِفَايَة ... لتفريق ذَات الْبَين فارتقبي الدَّهْر)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ من غَلبه هَوَاهُ توارى عَنهُ عقله
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الْغَفْلَة وسعت على الْخلق الطّرق فِي مَعَايشهمْ وأفعالهم والورع واليقظة ضيقت عَلَيْهِم ذَلِك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ ابو عَليّ الْمَعْرُوف كنز لَا يبعد من بر وَلَا فَاجر
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ أَرْبَعَة اشياء لَا بُد للعاقل من حفظهن الْأَمَانَة والصدق وَالْأَخ الصَّالح والسريرة
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت ابا عَليّ الثَّقَفِيّ يَقُول لَو أَن رجلا جمع الْعُلُوم كلهَا وَصَحب طوائف النَّاس لَا يبلغ مبلغ الرِّجَال إِلَّا
стр. 258
بالرياضة من شيخ أَو إِمَام أَو مؤدب أَو نَاصح وَمن لم يَأْخُذ أدبه من آمُر لَهُ وناه يرِيه عُيُوب أَعماله ورعونات نَفسه لَا يجوز الِاقْتِدَاء بِهِ فِي تَصْحِيح الْمُعَامَلَات
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ لَيْسَ شَيْء أولى بِأَن تمسكه من نَفسك وَلَا شَيْء أولى بِأَن تغلبه من هَوَاك
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ يأتى على هَذِه الْأمة زمَان لَا تطيب الْمَعيشَة فِيهِ لمُؤْمِن إِلَّا بعد استناده إِلَى مُنَافِق
٦٥ - وَمِنْهُم عبد الله بن منَازِل وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد ابْن منَازِل
من أجل مَشَايِخ نيسابور لَهُ طَريقَة يتفرد بهَا صحب أَبَا صَالح حمدون ابْن أَحْمد الْقصار وَأخذ عَنهُ طَرِيقَته وَكَانَ عَالما بعلوم الظَّاهِر كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ يحترمه ويبجله وَيرْفَع من مِقْدَاره وَمحله مَاتَ بنيسابور سنة تسع وَعشْرين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
стр. 259
حَدثنَا أبي ﵀ قَالَ حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل قَالَ حَدثنَا جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سوار قَالَ حَدثنَا قُتَيْبَة بن سعيد قَالَ حَدثنَا عبد الْوَاحِد عَن إِسْمَاعِيل بن سميع قَالَ حَدثنَا أَبُو رزين قَالَ سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ (من اتخذ كَلْبا لَيْسَ بكلب صيد وَلَا غنم نقص من عمله كل يَوْم قِيرَاط)
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاذان يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل يَقُول لَا خير فِيمَن لم يذقْ ذل المكاسب وذل السُّؤَال وذل الرَّد
قَالَ وسمعته يَقُول من رفع ظلّ نَفسه عَن نَفسه عَاشَ النَّاس فِي ظله
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن فضلويه يَقُول سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل يَقُول عبر بلسانك عَن حالك وَلَا تكن بكلامك حاكيا أَحْوَال غَيْرك
قَالَ وسمعته يَقُول من ألزم نَفسه شَيْئا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ ضيع من أَحْوَال مثله مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا بُد لَهُ مِنْهُ
قَالَ وسمعته يَقُول وَسَأَلَهُ إِنْسَان عَن مَسْأَلَة فَأجَاب فَقَالَ لَهُ أعد عَليّ فَقَالَ أَنا فِي ندامة مَا جرى
قَالَ وسمعته يَقُول من عظم قدره عِنْد النَّاس يجب أَن يحتقر نَفسه عِنْده أَلا ترى أَن إِبْرَاهِيم ﷺ لما اتَّخذهُ الله خَلِيلًا قَالَ ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾ إِبْرَاهِيم ٣٥
قَالَ وسمعته يَقُول من دخل فِي هَذَا الْأَمر بِضعْف قوي فِيهِ وَمن دخله بِقُوَّة ضعف وَافْتَضَحَ
قَالَ وسمعته وَسُئِلَ عَن الْعُبُودِيَّة يَقُول هِيَ اضطرار لَا اخْتِيَار فِيهِ
стр. 260
قَالَ وسمعته يَقُول لَا يجْتَمع التَّسْلِيم وَالدَّعْوَى بِحَال
قَالَ وسمعته يَقُول اترك التَّكَلُّف وَالتَّدْبِير وَانْظُر إِلَى الْحَال والتحويل
قَالَ وسمعته يَقُول لَو صَحَّ لعبد فِي عمره نفس من غير رِيَاء وَلَا شرك لأثرت بَرَكَات ذَلِك عَلَيْهِ إِلَى آخر الدَّهْر
قَالَ وسمعته يَقُول الْإِنْسَان عاشق على شقاوة
قَالَ وسمعته يَقُول يَمُوت الْإِنْسَان وَلَا يخلف بعده شَيْئا أَكثر من التَّدْبِير
قَالَ وسمعته يَقُول ذكر الله تَعَالَى أَنْوَاع الْعِبَادَات فَقَالَ ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ آل عمرَان ١٧ فختم المقامات كلهَا بمقام الاسْتِغْفَار ليرى العَبْد تَقْصِيره فِي جَمِيع أَفعاله وأحواله فيستغفر مِنْهَا
قَالَ وسمعته يَقُول كَيفَ ينظر الْإِنْسَان إِلَى أَمَامه وورائه وَهُوَ غَائِب عَن مقَامه وَوَقته
وَسمعت عبد الله بن مُحَمَّد بن فضلويه يَقُول سَمِعت عبد الله يَقُول لم يضيع أحد فَرِيضَة من الْفَرَائِض إِلَّا ابتلاه الله بتضييع السّنَن وَلم يبتل أحد بتضييع السّنَن إِلَّا أوشك أَن يبتلى بالبدع
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول التَّفْوِيض مَعَ الْكسْب خير من خلوه عَنهُ
قَالَ وسمعته يَقُول كَانَ الْوَاجِب على أبي عَليّ الثَّقَفِيّ أَن يتَكَلَّم لنَفسِهِ لَا لِلْخلقِ لذَلِك لَا يصل إِلَيْهِ بَرَكَات كَلَامه
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول أَحْكَام الْغَيْب لَا تشاهد فِي الدُّنْيَا وَلَكِن تشاهد فضائح الدَّعْوَى
قَالَ وَسمعت عبد الله يَقُول لبَعض أَصْحَابه قد عشقت نَفسك وعشقت من يعشقك
стр. 261
قَالَ وسمعته يَقُول الْعُبُودِيَّة الرُّجُوع فِي كل شَيْء إِلَى الله تَعَالَى على حد الِاضْطِرَار
قَالَ وسمعته يَقُول لَا يَنْبَغِي أَن يتفرغ العَبْد إِلَى السّنَن إِلَّا بعد فَرَاغه من أَدَاء الْفَرَائِض
قَالَ وسمعته يَقُول أَنْت تظهر دَعْوَى الْعُبُودِيَّة وتضمر أَوْصَاف الربوبية
قَالَ وسمعته يَقُول كل فقر لَا يكون عَن ضَرُورَة لَا يكون فِيهِ فَضِيلَة
قَالَ وسمعته يَقُول من احتجب إِلَى شَيْء من علومه فَلَا تنظر إِلَى عيوبه فَإِن نظرك يحرمك بركَة الِانْتِفَاع بِعِلْمِهِ
٦٦ - وَمِنْهُم أَبُو الْخَيْر الأقطع
وَأَصله من الْمغرب سكن التينات وَله آيَات وكرامات يطول ذكرهَا
صحب أَبَا عبد الله بن الْجلاء وَغَيره من الْمَشَايِخ وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته
стр. 262
فِي التَّوَكُّل كَانَ يأنس إِلَيْهِ السبَاع والهوام وَكَانَ حاد الفراسة مَاتَ سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله الإصفهاني يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول دخلت مَدِينَة رَسُول الله ﷺ وَأَنا بفاقة فأقمت خَمْسَة ايام مَا ذقت ذواقا فتقدمت إِلَى الْقَبْر وسلمت على النَّبِي ﷺ وعَلى أبي بكر وَعمر ﵄ وَقلت أَنا ضيفك اللَّيْلَة يَا رَسُول الله وتنحيت ونمت خلف الْمِنْبَر فَرَأَيْت فِي الْمَنَام النَّبِي ﷺ وَأَبُو بكر عَن يَمِينه وَعمر عَن شِمَاله وَعلي بن أبي طَالب بَين يَدَيْهِ ﵃ فحركني عَليّ وَقَالَ قُم قد جَاءَ رَسُول الله قَالَ فَقُمْت إِلَيْهِ وَقبلت بَين عَيْنَيْهِ فَدفع إِلَيّ رغيفا فَأكلت نصفه وانتبهت فَإِذا فِي يَدي نصف رغيف
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول أَنْشدني أَبُو الْخَيْر الأقطع
(أنحل الْحبّ قلبه والحنين ... ومحاه الْهوى فَمَا يستبين)
(مَا ترَاهُ الظنون إِلَّا ظنونا ... وَهُوَ أخْفى من أَن ترَاهُ الظنون)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع الْقُلُوب ظروف فَقلب مَمْلُوء إِيمَانًا فعلامته الشَّفَقَة على جَمِيع الْمُسلمين والاهتمام بِمَا يهمهم ومعاونتهم بِمَا يعود صَلَاحه إِلَيْهِم وقلب مَمْلُوء نفَاقًا فعلامته الحقد والغل والغش والحسد
سَمِعت أَبَا الْحسن مُحَمَّد بن زيد يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول لن يصفو قَلْبك إِلَّا بتصحيح النِّيَّة لله تَعَالَى وَلنْ يصفو بدنك إِلَّا بِخِدْمَة أَوْلِيَاء الله تَعَالَى
стр. 263
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر مَا بلغ أحد إِلَى حَالَة شريفة إِلَّا بملازمة الْمُوَافقَة ومعانقة الْأَدَب وَأَدَاء الْفَرَائِض وصحبة الصَّالِحين وَحُرْمَة الْفُقَرَاء الصَّادِقين
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع حرَام على قلب مأسور بحب الدُّنْيَا أَن يسيح فِي روح الْغَيْب
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا الْخَيْر الأقطع يَقُول إِن الذاكر لله تَعَالَى لَا يقوم لَهُ فِي ذكره عوض فَإِذا قَامَ لَهُ الْعِوَض خرج من ذكره
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْخَيْر الأقطع من لم لم يكن لَهُ مَعَ الله صُحْبَة دائمة بِمَعْرِِفَة إطلاعه عَلَيْهِ ومراعاته لتصريف الْمَوَارِد بِهِ ومشاهدة مِنْهُ قَاطِعَة اعترضت عَلَيْهِ الأحزان من ظُهُور المحن وتغيير الزَّمَان
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْخَيْر الدَّعْوَى رعونة لَا يحْتَمل الْقلب إِِمْسَاكهَا فيلقيها إِلَى اللِّسَان فَتَنْطِق بهَا أَلْسِنَة الحمقى وَلَا يعرف الْأَعْمَى مَا يبصره الْبَصِير من محاسنه وقبائحه
٦٧ - وَمِنْهُم الكتاني وَهُوَ مُحَمَّد بن عَليّ بن جَعْفَر الكتاني وكنيته أَبُو بكر وَيُقَال أَبُو عبد الله وَأَبُو بكر اصح
стр. 264
أَصله من بَغْدَاد صحب الْجُنَيْد وَأَبا سعيد الخراز وَأَبا الْحُسَيْن النوري وَأقَام بِمَكَّة مجاورا بهَا إِلَى أَن مَاتَ
وَكَانَ أحد الْأَئِمَّة حكى عَن أبي مُحَمَّد المرتعش أَنه كَانَ يَقُول الكتاني سراج الْحرم
مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك ذكره لي أَبُو عبد الله الْحُسَيْن ابْن مُحَمَّد بن جَعْفَر الرَّازِيّ
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني يَقُول إِن لله ريحًا تسمى الصبيحة مخزونة تَحت الْعَرْش تهب عِنْد الأسحار تحمل الأنين وَالِاسْتِغْفَار إِلَى الْملك الْجَبَّار
قَالَ وسمعته يَقُول إِذا سَأَلت الله تَعَالَى التَّوْفِيق فابدأ بِالْعَمَلِ
قَالَ وَسَأَلَهُ بعض المريدين فَقَالَ لَهُ أوصني فَقَالَ كن كَمَا ترى النَّاس وَإِلَّا فأر النَّاس مَا تكون
قَالَ وَقَالَ الكتاني كن فِي الدُّنْيَا ببدنك وَفِي الْآخِرَة بقلبك
قَالَ وسمعته يَقُول الشُّكْر فِي مَوضِع الاسْتِغْفَار ذَنْب وَالِاسْتِغْفَار فِي مَوضِع الشُّكْر ذَنْب
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول روعة روعة عِنْد انتباه عَن غَفلَة وَانْقِطَاع عَن حَظّ النفسانية وارتعاد من خوف قطيعة أفضل من عبَادَة الثقلَيْن
قَالَ وسمعته يَقُول وجود الْعَطاء من الْحق شُهُود الْحق بِالْحَقِّ لِأَن الْحق دَلِيل على كل شَيْء وَلَا يكون شَيْء دونه دَلِيلا عَلَيْهِ
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت الكتاني يَقُول الشَّهْوَة زِمَام الشَّيْطَان فَمن أَخذ بزمامه كَانَ عَبده
стр. 265
قَالَ وَسُئِلَ الكتاني عَن حَقِيقَة الزّهْد فَقَالَ فقد الشَّيْء وَالسُّرُور من الْقلب بفقده وملازمة الْجهد إِلَى الْمَوْت وَاحْتِمَال الذل صبرا وَالرِّضَا بِهِ حَتَّى تَمُوت
قَالَ وَقيل للكتاني من الْعَارِف فَقَالَ من يُوَافق معروفه فِي أوامره وَلَا يُخَالِفهُ فِي شَيْء من أَحْوَاله ويتحبب إِلَيْهِ بمحبة أوليائه وَلَا يفتر عَن ذكره طرفَة عين
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول الصُّوفِيَّة عبيد الظَّوَاهِر أَحْرَار البواطن
قَالَ وسمعته يَقُول سَماع الْعَوام على مُتَابعَة الطَّبْع وَسَمَاع المريدين رَغْبَة وَرَهْبَة وَسَمَاع الْأَوْلِيَاء رُؤْيَة الآلاء وَالنعَم وَسَمَاع العارفين على الْمُشَاهدَة وَسَمَاع أهل الْحَقِيقَة على الْكَشْف والعيان وَلكُل وَاحِد من هَؤُلَاءِ مصدر ومقام
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول الْمَوَارِد ترد فتصادف شكلا أَو مُوَافقَة فَأَي وَارِد صَادف شكلا مازجه وَأي وَارِد صَادف مُوَافقا ساكنه
قَالَ وَسمعت الكتاني يَقُول المستمع يجب أَن يكون فِي سَمَاعه غير مستروح إِلَيْهِ يهيج مِنْهُ السماع وجدا أَو شوقا أَو غَلَبَة وَارِد عَلَيْهِ يفنيه عَن كل مسكون ومألوف وَأنْشد على أَثَره
(فالوجد والشوق فِي مَكَاني ... قد منعاني من الْقَرار)
(هما معي لَا يفارقاني ... فَذا شعاري وَذَا دثاري)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر الكتاني إِن الله نظر إِلَى عبيد من عبيده فَلم يرهم أَهلا لمعرفته فشغلهم بخدمته
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول نظر مُحَمَّد بن عَليّ الكتاني إِلَى شيخ كَبِير
стр. 266
أَبيض الرَّأْس واللحية يسْأَل فَقَالَ هَذَا رجل أضاع أَمر الله فِي صغره فضيعه الله فِي كبره
سَمِعت أَبَا الْحسن الْقزْوِينِي يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول إِذا صَحَّ الافتقار إِلَى الله صَحَّ الْغنى بِهِ لِأَنَّهُمَا حالان لَا يتم أَحدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت الكتاني يَقُول الغافلون يعيشون فِي حلم الله والذاكرون يعيشون فِي رَحْمَة الله والعارفون يعيشون فِي لطف الله والصادقون يعيشون فِي قرب الله
وَسمعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سُئِلَ الكتاني عَن السّنة الَّتِي لم يتنازع فِيهَا أحد من أهل الْعلم فَقَالَ الزّهْد الزّهْد فِي الدُّنْيَا وسخاوة النَّفس ونصيحة الْخلق
قالك وَسمعت أَبَا بكر الكتاني يَقُول من كَانَ الله همه لَا يستقطعه من الْكَوْن شَيْء وَلَا يأسره من زينتها قَلِيل وَلَا كثير
قَالَ وَسُئِلَ الكتاني عَن المتقي فَقَالَ من اتَّقى مَا لهج بِهِ الْعَوام من مُتَابعَة الشَّهَوَات وركوب المخالفات وَلزِمَ بَاب الْمُوَافقَة وَأنس براحة الْيَقِين واستند إِلَى ركن التَّوَكُّل وأتته الْفَوَائِد من الله فِي كل حَال فَلم يغْفل عَنْهَا
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو بكر الكتاني عَن الصُّوفِي فَقَالَ من عزفت نَفسه عَن الدُّنْيَا تظرفا وعلت همته عَن الْآخِرَة وسخت نَفسه بِالْكُلِّ طلبا وشوقا إِلَى من لَهُ الْكل
قَالَ وَقَالَ مُحَمَّد بن عَليّ على الكتاني حقائق الْحق إِذا تجلت لسر أزالت
стр. 267
عَنهُ الظنون والأماني لِأَن الْحق إِذا استولى على سر قهره وَلَا يبْقى للْغَيْر مَعَه أثر
قَالَ وَقَالَ الكتاني الْعلم بِاللَّه أتم من الْعِبَادَة لَهُ
٦٨ - وَمِنْهُم النهرجوري وَهُوَ أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن مُحَمَّد
من عُلَمَاء مشايخهم صحب الْجُنَيْد وَعَمْرو بن عُثْمَان الْمَكِّيّ وَأَبا يَعْقُوب السُّوسِي وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
أَقَامَ بِالْحرم سِنِين كَثِيرَة مجاورا وَبِه مَاتَ وَكَانَ أَبُو عُثْمَان المغربي يَقُول مَا رَأَيْت فِي مَشَايِخنَا أنور من النَّهر جوري مَاتَ سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا يَعْقُوب النهرجوري يَقُول فِي الفناء والبقاء هُوَ فنَاء رُؤْيَة قيام العَبْد لله وَبَقَاء رُؤْيَة قيام الله فِي الْأَحْكَام
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول الصدْق مُوَافقَة الْحق فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة وَحَقِيقَة الصدْق القَوْل بِالْحَقِّ فِي مَوَاطِن التَّهْلُكَة
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول العابد يعبد الله تحذيرا والعارف يعرفهُ تشويقا
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول فِي قَول
стр. 268
الْقَائِل احترسوا من النَّاس بِسوء الظَّن فَقَالَ بِسوء الظَّن بِأَنْفُسِكُمْ لَا بِالنَّاسِ
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول مفاوز الدُّنْيَا تقطع بالأقدام ومفاوز الْآخِرَة تقطع بالقلوب
قَالَ وسمعته يَقُول من كَانَ شبعه بِالطَّعَامِ لم يزل جائعا وَمن كَانَ غناهُ بِالْمَالِ لم يزل مفتقرا وَمن قصد بحاجته الْخلق لم يزل محروما وَمن اسْتَعَانَ فِي أمره بِغَيْر الله لم يزل مخذولا
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ يَقُول سَمِعت ابا يَعْقُوب يَقُول الَّذِي حصل أهل الْحَقَائِق فِي حقائقهم أَن الله تَعَالَى غير مَفْقُود فيطلب وَلَا ذُو غَايَة فيدرك وَمن أَرَادَ مَوْجُودا فَهُوَ بالموجود مغرور وَإِنَّمَا الْمَوْجُود عندنَا معرفَة حَال وكشف علم بِلَا حَال
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول الدُّنْيَا بَحر وَالْآخِرَة سَاحل والمركب التَّقْوَى وَالنَّاس سفر
وبإسناده قَالَ سَمِعت أَبَا يَعْقُوب النهرجوري يَقُول لَا زَوَال للنعمة إِذا شكرت وَلَا بَقَاء لَهَا إِذا كفرت
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وشروه بِثمن بخس﴾ يُونُس ٢٠ قَالَ لَو جعلُوا ثمنه الكونين لَكَانَ بخسا فِي مشاهدته وَمَا خص بِهِ
стр. 269
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول مُشَاهدَة الْأَرْوَاح تَحْقِيق ومشاهدة الْقُلُوب تَعْرِيف
وبإسناده قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول إِذا اقتضاني رَبِّي بعض حَقه الَّذِي لَهُ قبلي فَذَاك أَوَان حزني وَإِذا أذن فِي اقْتِضَاء بره فَذَاك أَوَان سروري ونعمتي إِذا كَانَ بالجود وَالْفضل وَالْوَفَاء مَوْصُوفا وَالْعَبْد بِالْعَجزِ والضعف مَوْصُوفا
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ سَمِعت النهرجوري يَقُول أعرف النَّاس بِاللَّه أَشَّدهم تحيرا فِيهِ
وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن فاتك يَقُول سَمِعت النهرجوري يَقُول الْيَقِين مُشَاهدَة الْإِيمَان بِالْغَيْبِ
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول من عرف الله لم يغتر بِاللَّه
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول الْجمع عين الْحق الَّذِي قَامَت بِهِ بِهِ الْأَشْيَاء والتفرقة صفوة الْحق من الْبَاطِن
وَسمعت النهرجوري ينشد وَيَقُول
(الْعلم بِي مِنْك وطأ الْعذر عنْدك لي ... حَتَّى اكتفيت فَلم تعذل وَلم تلم)
(أَقَامَ علمك لي فاحتج عنْدك لي ... مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم)
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول لَا يصل الْعَارِف إِلَى ربه إِلَّا بِقطع الْقلب عَن ثَلَاثَة أَشْيَاء الْعلم وَالْعَمَل والخلق
قَالَ وَسمعت النهرجوري يَقُول لرجل يَا دنيء الهمة فَقَالَ لم تَقول
стр. 270
هَذَا أَيهَا الشَّيْخ قَالَ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل﴾ النِّسَاء ٧٧ فَانْظُر كم نصيبك من ذَلِك الْقَلِيل وَكم فِي يدك مِنْهَا وَأَنت تبخل بهَا وتريد أَن يكرمك النَّاس بِسَبَبِهَا لَو بذلتها كنت قد بذلت قَلِيلا وَلَو منعتها كنت قد منعت قَلِيلا فَلَا أَنْت بِالْمَنْعِ ملوم وَلَا أَنْت بالبذل مَحْمُود
٦٩ - وَمِنْهُم المزين وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد
من أهل بَغْدَاد صحب الْجُنَيْد وَسَهل بن عبد الله وَمن فِي طبقتهما من البغداديين واقام بِمَكَّة مجاورا وَمَات بهَا
وَكَانَ من أورع الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ حَالا توفّي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة كَذَلِك سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يذكر ذَلِك
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الذَّنب بعد الذَّنب عُقُوبَة الذَّنب والحسنة بعد الْحَسَنَة ثَوَاب الْحَسَنَة
قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْمعرفَة فَقَالَ أَن تعرف الله تَعَالَى بِكَمَال الربوبية وتعرف نَفسك بالعبودية وَتعلم أَن الله تَعَالَى أول كل شَيْء وَبِه يقوم كل شَيْء وَإِلَيْهِ مصير كل شَيْء وَعَلِيهِ رزق كل شَيْء
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر الورثاني يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول الطّرق إِلَى الله تَعَالَى بِعَدَد النُّجُوم وَأَنا مفتقر إِلَى طَرِيق إِلَيْهِ فَلَا أَجِدهُ
стр. 271
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من طلب الطَّرِيق إِلَيْهِ بِنَفسِهِ تاه فِي أول قدم وَمن أُرِيد بِهِ الْخَيْر دلّ على الطَّرِيق وأعين على بُلُوغ الْمَقْصد فطوبى لمن كَانَ قَصده إِلَى ربه دون عرض من أَعْرَاض الأكوان
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من اسْتغنى بِاللَّه أحْوج الله الْخلق إِلَيْهِ
سَمِعت أَبَا بكر بن شَاذان يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَوْمًا وَهُوَ بِالتَّنْعِيمِ يُرِيد أَن يحرم بِعُمْرَة يبكي طول طَرِيقه وينشد
(أنافعي دمعي فأبكيك ... هَيْهَات مَا لي طمع فِيك)
فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى بلغ بَاب مَكَّة
وَسمعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت المزين يَقُول مَتى ظَهرت الْآخِرَة فنيت فِيهَا الدُّنْيَا وَمَتى ظهر ذكر الله فنيت فِيهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَإِذا تحققت الْأَذْكَار فني العَبْد وَذكره وَبَقِي الْمَذْكُور بصفاته
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول للقلوب خواطر يشوبها شَيْء من الْهوى لَكِن الْعُقُول المقرونة بالتوفيق تزجر عَنْهَا وتنهى
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن المزين عَن التَّوْحِيد فَقَالَ أَن توَحد الله بالمعرفة وتوحده بِالْعبَادَة وتوحده بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ فِي كل مَا لَك وَعَلَيْك وَتعلم أَن مَا خطر بقلبك أَو أمكنك الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك وَتعلم أَن أَوْصَافه مباينة لأوصاف خلقه باينهم بصفاته قدما كَمَا باينوه بصفاتهم حَدثا
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد النجار يَقُول
стр. 272
سَمِعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول من افْتقر إِلَى الله تَعَالَى وَصحح فقره إِلَيْهِ بملازمة آدابه أغناه الله بِهِ عَن كل مَا سواهُ
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول ملاك الْقلب فِي التبري من الْحول وَالْقُوَّة
قَالَ وَسمعت المزين يَقُول من أعرض عَن مُشَاهدَة ربه شغله الله بِطَاعَتِهِ وخدمته وَلَو بدا لَهُ نجم الاحتراق لغيبه عَن وساوس الِافْتِرَاق
قَالَ ورؤى أَبُو الْحسن يَوْمًا متفكرا ثمَّ اغرورقت عَيناهُ فَقيل لَهُ مَا لَك أَيهَا الشَّيْخ قَالَ ذكرت أَيَّام تقطعي فِي إرادتي وقطعي الْمنَازل يَوْمًا فيوما وخدمتي لأولئك السَّادة من اصحابي وتذكرت مَا أَنا فِيهِ من الفترة عَن شرِيف الْأَحْوَال وَأَنْشَأَ يَقُول
(منَازِل كنت تهواها وتألفها ... أَيَّام أَنْت على الْأَيَّام مَنْصُور)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحسن المزين يَقُول المعجب بِعَمَلِهِ مستدرج والمستحسن لشَيْء من أَحْوَاله ممكور بِهِ وَالَّذِي يظنّ أَنه مَوْصُول فَهُوَ مغرور وَأحسن العبيد حَالا من كَانَ مَحْمُولا فِي أَفعاله وأحواله لَا يُشَاهد غير وَاحِد وَلَا يأنس إِلَّا بِهِ وَلَا يشتاق إِلَّا إِلَيْهِ
قَالَ وَسُئِلَ المزين عَن الْفَقِير الصَّادِق فَقَالَ الَّذِي يسكن إِلَى مَضْمُون الله لَهُ ويزعجه دُخُول الأرفاق عَلَيْهِ من أَي وَجه كَانَ
стр. 273
٧٠ - وَمِنْهُم أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب واسْمه الْحسن بن أَحْمد
من كبار مَشَايِخ المصريين صحب أَبَا بكر الْمصْرِيّ وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَغَيرهمَا من الْمَشَايِخ
وَهُوَ أوحد مَشَايِخ وقته وَكَانَ أَبُو عُثْمَان المغربي يَقُول كَانَ أَبُو عَليّ ابْن الْكَاتِب من السالكين وَكَانَ يعظمه ويعظم شَأْنه مَاتَ سنة نَيف وَأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت أَحْمد بن عَليّ بن جَعْفَر يَقُول سَمِعت ابا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول إِذا انْقَطع العَبْد إِلَى الله بكليته فَأول مَا يفِيدهُ الله الِاسْتِغْنَاء بِهِ عَن سواهُ
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا يَقُول سَمِعت معَاذ بن مُحَمَّد التنيسِي يَقُول سَمِعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول الْمُعْتَزلَة نزهوا الله تَعَالَى من حَيْثُ الْعُقُول فأخطأوا والصوفية نزهوه تَعَالَى من حَيْثُ الْعلم فاصابوا
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول يَقُول الله تَعَالَى وصل إِلَيْنَا من صَبر علينا
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب يَقُول إِذا سمع الرجل الْحِكْمَة فَلم يقبلهَا فَهُوَ مذنب وَإِذا سَمعهَا وَلم يعْمل بهَا فَهُوَ مُنَافِق
قَالَ وَسمعت أَبَا عَليّ يَقُول صُحْبَة الْفُسَّاق دَاء ودواؤها مفارقتهم
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ إِذا سكن الْخَوْف فِي الْقلب لم ينْطق اللِّسَان إِلَّا بِمَا يعنيه
стр. 274
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْبَصْرِيّ يَقُول قيل لأبي عَليّ بن الْكَاتِب إِلَى أَي الجنبتين أَنْت أميل إِلَى الْفقر أَو إِلَى الْغنى فَقَالَ إِلَى أعلاهما رُتْبَة وأسناهما قدرا ثمَّ أنشأ يَقُول
(وَلست بنظار إِلَى جَانب الْغنى ... إِذا كَانَت العلياء فِي جَانب الْفقر)
(وَإِنِّي لصبار على مَا ينوبني ... وحسبك أَن الله أثنى على الصَّبْر)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ إِن الله تَعَالَى يرْزق العَبْد حلاوة ذكره فَإِن فَرح بِهِ وشكره آنسه بِقُرْبِهِ وَإِن قصر فِي الشُّكْر أجْرى الذّكر على لِسَانه وسلبه حلاوته
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب رَوَائِح نسيم الْمحبَّة تفوح من المحبين وَإِن كتموها وَتظهر عَلَيْهِم دلائلها وَإِن أخفوها وتدل عَلَيْهِم وَإِن ستروها وَأنْشد على أَثَره
(إِذا مَا أسرت أنفس النَّاس ذكرهَا ... تبينه فيهم وَلم يتكلموا)
(تطيب بِهِ أنفاسهم فيذيعها ... وَهل سر مسك أودع الرّيح يكتم)
وَبِهَذَا الْإِسْنَاد قَالَ أَبُو عَليّ بن الْكَاتِب الهمة مُقَدّمَة الْأَشْيَاء فَمن صحّح همته بِالصّدقِ أَتَت عَلَيْهِ توابعه على الصِّحَّة والصدق فَإِن الْفُرُوع تتبع الاصول وَمن أهمل همته أَتَت عَلَيْهِ توابعه مُهْملَة والمهمل من الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال لَا يصلح لبساط الْحق
стр. 275
٧١ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن بنان
وَهُوَ من جلة مَشَايِخ مصر صحب أَبَا سعيد الخراز وَإِلَيْهِ ينتمي مَاتَ فِي التيه
سَمِعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول كَانَ أَبُو الْحُسَيْن يتواجد وَأَبُو سعيد الخراز يصفق لَهُ
وَحكى أَبُو عُثْمَان أَيْضا قَالَ كَانَ أَبُو الْحُسَيْن يَقُول النَّاس يعطشون فِي البراري وَأَنا عطشان وَأَنا على شط النّيل
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الزقاق يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن بنان يَقُول كل صوفي يكون هم الرزق قَائِما فِي قلبه فلزوم الْعَمَل أقرب لَهُ إِلَى الله وعلامة ركون الْقلب والسكون إِلَى الله أَن يكون قَوِيا عِنْد زَوَال الدُّنْيَا وإدبارها عَنهُ وفقده إِيَّاهَا وَيكون بِمَا فِي يَد الله أقوى وأوثق مِنْهُ بِمَا فِي يَده
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن اجتنبوا دناءة الْأَخْلَاق كَمَا تجتنبون الْحَرَام
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن الْحُرِّيَّة أَن يكون السِّرّ حرا إِلَّا من عبودية سَيّده يَصح لَهُ بذلك الْعُبُودِيَّة للحق وَالْحريَّة عَن الْخلق
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن ذكر الله بِاللِّسَانِ يُورث الدَّرَجَات وَذكره بِالْقَلْبِ يُورث القربات
стр. 276
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن والوحدة جليس الصديقين
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول آثَار الْمحبَّة إِذا بَدَت ورياحها إِذا هَاجَتْ أماتت قوما وأحيت قوما وأفنت اسرارا وأبقت أسرارا تُؤثر آثارا مُخْتَلفَة وتبدي سرائر مكنونة وَتكشف عَن أَحْوَال مستترة
وَأنْشد على أَثَره
(وَإِذا الرِّيَاح مَعَ الْعشي تناوحت ... نبهن حاسدة وهجن غيورا)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن يَقُول لَا يعظم أقدار الْأَوْلِيَاء إِلَّا من كَانَ عَظِيم الْقدر عِنْد الله تَعَالَى
٧٢ - وَمِنْهُم أَبُو بكر طَاهِر الْأَبْهَرِيّ اسْمه عبد الله بن طَاهِر بن حَاتِم الطَّائِي
كَانَ من أجل الْمَشَايِخ بِالْجَبَلِ وَهُوَ من أَقْرَان الشبلي كَانَ عَالما ورعا صحب يُوسُف بن الْحُسَيْن ورافق مظفرا القرميسيني وَغَيرهمَا من الْمَشَايِخ
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سَمِعت مهلب بن أَحْمد الْمصْرِيّ يَقُول مَا نَفَعَنِي صُحْبَة شيخ من الْمَشَايِخ الَّذين لقيتهم كَمَا نَفَعَنِي صُحْبَة أَبُو بكر عبد الله بن طَاهِر الْأَبْهَرِيّ
مَاتَ قرب الثَّلَاثِينَ وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
стр. 277
أخبرنَا أَبُو يَعْقُوب يُوسُف بن إِبْرَاهِيم بن عَامر الْأَبْهَرِيّ الْمُقْرِئ الْمَعْرُوف بالشافعي قَالَ حَدثنَا أَبُو بكر عبد الله بن طَاهِر الْأَبْهَرِيّ الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا عبيد بن عبد الْوَاحِد قَالَ حَدثنَا آدم بن أبي إِيَاس قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش عَن الْمطعم بن الْمِقْدَام وعنبسة بن سعيد الكلَاعِي عَن نصيح الْعَنسِي عَن ركب الْمصْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ طُوبَى لمن تواضع فِي غير منقصة وذل فِي نَفسه فِي غير مسكنة وَأنْفق مَالا جمعه فِي غير مَعْصِيّة وخالط أهل الْفِقْه وَالْحكمَة ورجم أهل الذل والمسكنة طُوبَى لمن ذل نَفسه وطاب كَسبه وصلحت سَرِيرَته وكرمت عَلَانِيَته وعزل عَن النَّاس شَره طُوبَى لمن عمل بِعِلْمِهِ وَأنْفق الْفضل من مَاله وَأمْسك الْفضل من قَوْله)
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول الْجمع جمع المتفرقات والتفرقة تَفْرِقَة المجموعات فَإِذا جمعت قلت الله وَلَا سواهُ وَإِذا فرقت نظرت إِلَى الْكَوْن
قَالَ وسمعته يَقُول جمعهم فِي آدم وفرقهم فِي ذُريَّته
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْن يَقُول استحسنت لأبي بكر بن طَاهِر قَوْله فِي الإغانة إِن الله أطلع نبيه ﷺ على مَا يكون فِي أمته من بعده من الْخلاف وَمَا يصيبهم فِيهِ فَكَانَ إِذا ذكر ذَلِك وجد إغانة فِي قلبه مِنْهُ فَاسْتَغْفر لأمته ﷺ
سَمِعت مُحَمَّد بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول احْتِيَاج الاشرار إِلَى الأخيار صَلَاح الطَّائِفَتَيْنِ واحتياج الأخيار إِلَى الأشرار فتْنَة الطَّائِفَتَيْنِ
قَالَ وسمعته وَسُئِلَ مَا بَال الْإِنْسَان يحْتَمل من معلمه مَا لَا يحْتَمل من أَبَوَيْهِ فَقَالَ لِأَن أَبَوَيْهِ سَبَب حَيَاته الفانية ومعلمه سَبَب حَيَاته الْبَاقِيَة
стр. 278
وتصديق ذَلِك قَول النَّبِي ﷺ (اغْدُ عَالما أَو متعلما وَلَا تكن فِيمَا بَين ذَلِك فتهلك)
سَمِعت مَنْصُور بن عبد الله يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول من حكم الْفَقِير أَلا يكون لَهُ رَغْبَة فَإِن كَانَ وَلَا بُد فَلَا تجَاوز رغبته كِفَايَته
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا بكر يَقُول إِذا أَحْبَبْت أَخا فِي الله فَأَقل مخالطته فِي الدُّنْيَا
سَمِعت عَليّ بن سعيد الثغري يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَليّ الوَاسِطِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر ينشد
(كل الْعَذَاب الَّذِي فِي النَّاس مسترق ... مِمَّا بقلبي من شوق وتذكار)
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر بن طَاهِر يَقُول فِي المحن ثَلَاثَة أَشْيَاء تَطْهِير وتكفير وتذكير فالتطهير من الْكَبَائِر والتكفير من الصَّغَائِر والتذكير لأهل الصفاء
سَمِعت الْحُسَيْن بن أَحْمد يَقُول سَأَلت أَبَا بكر بن طَاهِر عَن الْحَقِيقَة فَقَالَ الْحَقِيقَة كلهَا علم فَسَأَلته عَن الْعلم فَقَالَ الْعلم كُله حَقِيقَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر رَأَيْت رجلا يودع الْكَعْبَة ويبكي وينشد
(أَلا رب من يدنو وَيَزْعُم أَنه ... يحبك والنائي أود وَأقرب)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر من خَافَ على نَفسه شقّ عَلَيْهِ ركُوب الْأَهْوَال وَمن شقّ عَلَيْهِ ركُوب الْأَهْوَال لَا يرتقي إِلَى سمو الْمَعَالِي فِي الْأَحْوَال
стр. 279
قَالَ النَّبِي ﷺ (إِن الله يحب الشجَاعَة وَلَو على قتل حَيَّة)
قَالَ وَقَالَ أَبُو بكر التَّوَكُّل أَلا تعجز عَن حكم وقتك والمعرفة أَلا تضيع وقتك
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت بعض أَصْحَابنَا يَقُول حضرت مَعَ أبي بكر بن طَاهِر جَنَازَة فَرَأى إخْوَان الْمَيِّت يكثرون الْبكاء فَنظر إِلَى أَصْحَابه وَأنْشد
(ويبكي على الْمَوْتَى وَيتْرك نَفسه ... وَيَزْعُم أَن قد قل عَنْهُم عزاؤه)
(وَلَو كَانَ ذَا عقل ورأي وفطنة ... لَكَانَ عَلَيْهِ لَا عَلَيْهِم بكاؤه)
٧٣ - وَمِنْهُم مظفر القرميسيني
وَهُوَ من كبار مَشَايِخ الْجَبَل وجلتهم وَمن الْفُقَرَاء الصَّادِقين صحب عبد الله الخراز وَمن فَوْقه من الْمَشَايِخ وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي طَرِيقَته
قَالَ مظفر القرميسيني الصَّوْم ثَلَاثَة صَوْم الرّوح بقصر الأمل وَصَوْم الْعقل بِخِلَاف الْهوى وَصَوْم النَّفس بالإمساك عَن الطَّعَام والمحارم
وَقَالَ التَّوَاضُع قبُول الْحق مِمَّن كَانَ
وَقَالَ إِذا صحت لَك مَوَدَّة أَخِيك فَلَا تبال مَتى يكون الالتقاء
وَسُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ الْأَخْلَاق المرضية
وَقَالَ مظفر من صحب الْأَحْدَاث على شَرط السَّلامَة والنصيحة أَدَّاهُ
стр. 280
ذَلِك إِلَى الْبلَاء فَكيف بِمن صحبهم على غير شُرُوط السَّلامَة
وَقَالَ مظفر أخس الأرفاق أرفاق النسوان على أَي وَجه كَانَ
وَقَالَ مظفر من عَامل الله بِالصّدقِ استوحش من صُحْبَة المخلوقين
وَقَالَ مظفر الْعَارِف قلبه لمَوْلَاهُ وَجَسَده لخلقه
وَقَالَ مظفر من أفقره الله إِلَيْهِ أغناه بِهِ ليعرفه بالفقر عبوديته وبالغنى ربوبيته
وَقَالَ مظفر من قَتله الْحبّ أَحْيَاهُ الْقرب
وَقَالَ مظفر الْجُوع إِذا ساعدته القناعة مزرعة الفكرة وينبوع الْحِكْمَة وحياة الفطنة ومصباح الْقلب
وَقَالَ مظفر يُحَاسب الله الْمُؤمنِينَ يَوْم الْقِيَامَة بالمنة وَالْفضل وَيُحَاسب الْكفَّار بِالْحجَّةِ وَالْعدْل
وَقَالَ مظفر أفضل مَا يلقى بِهِ العَبْد ربه نصيحة من قلبه وتوبة من ربه
وَقَالَ مظفر ليكن نظرك إِلَى الدُّنْيَا اعْتِبَارا وسعيك فِيهَا اضطرارا ورفضك لَهَا اخْتِيَارا
وَقَالَ مظفر خير الأرفاق مَا فتح الله لَك بِهِ من وَجه حَلَال من غير طلب وَلَا سعي
стр. 281
وَقَالَ مظفر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا﴾ (الْكَهْف ١١٠) قَالَ عملا يصلح أَن يلقى بِهِ ربه
وَقَالَ مظفر من آواه الله إِلَى قربه أرضاه بمجاري الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ على بِسَاط الْقرْبَة تسخط
وَقَالَ مظفر بِصِحَّة الْإِيمَان وَكَمَال التَّقْوَى يفتح الله تَعَالَى على العَبْد خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ الله ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ الْأَعْرَاف: ٩٦
وَسُئِلَ مظفر مَا خير مَا أعطي العَبْد قَالَ فرَاغ الْقلب عَمَّا لَا يعنيه ليتفرغ إِلَى مَا يعنيه
وَقَالَ مظفر لَيْسَ لَك من عمرك إِلَّا نفس وَاحِدَة فَإِن لم تفنها فِيمَا لَك فَلَا تفنها فِيمَا عَلَيْك
وَقَالَ مظفر أفضل أَعمال العبيد حفظ أوقاتهم وَهُوَ أَلا يقصروا فِي أَمر وَلَا يتجاوزوا عَن حد
وَقَالَ مظفر من تأدب بآداب الشَّرْع تأدب بِهِ متبعوه وَمن تهاون بالآداب هلك وَأهْلك
وَقَالَ مظفر من لم يَأْخُذ الْأَدَب عَن حَكِيم لَا يتأدب بِهِ مُرِيد
стр. 282
٧٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْحُسَيْن بن هِنْد وَهُوَ عَليّ بن هِنْد الْفَارِسِي الْقرشِي
من كبار مَشَايِخ الْفرس وعلمائهم صحب جعفرا الْحذاء وَمن فَوْقه من الْمَشَايِخ بِفَارِس وَصَحب أَيْضا الْجُنَيْد وعمرا الْمَكِّيّ وَمن فِي طبقتهم وَكَانَ لَهُ الْأَحْوَال الْعَالِيَة والمقامات الزكية
سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن عَليّ بن هِنْد الْقرشِي يَقُول لَيْسَ حكم مَا وَصفنَا حكم مَا نازلنا
وَقَالَ سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول المتمسك بِكِتَاب الله هُوَ الملاحظ للحق على دوَام الْأَوْقَات والمتمسك بِكِتَاب الله لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أُمُور دينه ودنياه بل يجْرِي فِي أوقاته على الْمُشَاهدَة لَا على الْغَفْلَة يَأْخُذ الْأَشْيَاء من مَعْدِنهَا ويضعها فِي مَعْدِنهَا
سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن الْفَارِسِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول استرح مَعَ الله وَلَا تسترح عَن الله فَإِن من استراح مَعَ الله نجا وَمن استراح عَن الله هلك والاستراحة مَعَ الله تروح الْقلب بِذكرِهِ والاستراحة عَن الله مداومة الْغَفْلَة
قَالَ وسمعته يَقُول أصلو الْخيرَات أَرْبَعَة السخاء والتواضع والنسك وَحسن الْخلق
قَالَ وسمعته يَقُول أصل كل خير مُلَازمَة الْأَدَب فِي جَمِيع الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال
قَالَ وسمعته يَقُول عمَارَة الْقلب فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء فِي الْعلم وَالتَّقوى
стр. 283
وَالطَّاعَة وَذكر الله وخرابه من أَرْبَعَة أَشْيَاء من الْجَهْل وَالْمَعْصِيَة والاغترار وَطول الْغَفْلَة
قَالَ وسمعته يَقُول دم على الصفاء إِن كنت تطمع فِي الْوَفَاء
قَالَ وسمعته يَقُول فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا﴾ الْكَهْف ١١٠ قَالَ عملا يصلح أَن يلقى بِهِ ربه
قَالَ وسمعته يَقُول من آواه الله إِلَى قربه أرضاه بمجارة الْمَقْدُور عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ على بِسَاط الْقرْبَة تسخط
قَالَ وسمعته يَقُول الاسْتقَامَة تقوم العبيد فِي أَحْوَالهم لَا الْأَحْوَال تقومهم
قَالَ وسمعته يَقُول من أكْرمه الله تَعَالَى بِمَعْرِِفَة الْحُرْمَة والاحترام للأكابر أوقع حرمته فِي قُلُوب الْخلق وَمن حرم ذَلِك نزع الله حرمته من قُلُوبهم فَلَا ترَاهُ إِلَّا ممقوتا وَإِن حسنت أخلاقه وصلحت أَحْوَاله لِأَن النَّبِي ﷺ يَقُول (من تَعْظِيم جلال الله إكرام ذِي الشيبة الْمُسلم)
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول من عظم قدر الْخلق كلهم عِنْده فَذَاك لعلمه بتخصيص خلقهمْ من بَين الْحَيَوَانَات وَذَلِكَ من تَعْظِيم الله فِي أَن يعظم مَا خصصه الله
قَالَ وسمعته يَقُول حسن الْخلق على معَان ثَلَاثَة مَعَ الله بترك الشكوى وَمَعَ أوامره بِالْقيامِ إِلَيْهَا بنشاط وَطيب نفس وَمَعَ الْخلق بِالْبرِّ والحلم
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول الْقُلُوب أوعية وظروف وكل وعَاء وظرف يصلح لنَوْع من المحمولات فقلوب الْأَوْلِيَاء أوعية الْمعرفَة وَقُلُوب العارفين أوعية الْمحبَّة وَقُلُوب المحبين أوعية الشوق وَقُلُوب المشتاقين
стр. 284
أوعية الْأنس وَلكُل من هَذِه الْأَحْوَال آدَاب من لم يستعملها فِي أَوْقَاتهَا هلك من حَيْثُ يَرْجُو النجَاة
قَالَ وسمعته يَقُول اجْتهد أَلا تفارق بَاب سيدك بِحَال فَإِنَّهُ ملْجأ الْكل فَمن فَارق تِلْكَ السدة لَا يرى بعْدهَا لقدميه قرارا وَلَا مقَاما
قَالَ وَسمعت أَبَا الْحُسَيْن بن هِنْد يَقُول منشدا
(كنت من كربتي أفر إِلَيْهِم ... فهم كربتي فَأَيْنَ المفر)
٧٥ - وَمِنْهُم إِبْرَاهِيم بن شَيبَان وَهُوَ أَبُو إِسْحَاق القرميسيني
شيخ الْجَبَل فِي وقته لَهُ مقامات فِي الْوَرع وَالتَّقوى يعجز عَنْهَا الْخلق إِلَّا مثله صحب أَبَا عبد الله المغربي وَإِبْرَاهِيم الْخَواص وَكَانَ شَدِيدا على المدعين متمسكا بِالْكتاب وَالسّنة لَازِما لطريقة الْمَشَايِخ وَالْأَئِمَّة
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سُئِلَ عبد الله بن مُحَمَّد بن منَازِل عَن
стр. 285
إِبْرَاهِيم بن شَيبَان فَقَالَ إِبْرَاهِيم حجَّة الله تَعَالَى على الْفُقَرَاء وَأهل الْآدَاب والمعاملات وَأسْندَ الحَدِيث
حَدثنَا الشَّيْخ أَبُو زيد مُحَمَّد بن أَحْمد الْفَقِيه الْمروزِي قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم ابْن شَيبَان الزَّاهِد بقرميسين قَالَ حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن أبي الْغمر قَالَ حَدثنَا مَنْصُور بن أبي مُزَاحم قَالَ حَدثنَا أَبُو شيبَة عَن الحكم عَن مقسم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ (نظر رَسُول الله ﷺ إِلَى حَنْظَلَة الراهب وَحَمْزَة تغسلهما الْمَلَائِكَة)
وَسمعت الشَّيْخ أَبَا زيد يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم بن شَيبَان يَقُول من أَرَادَ أَن يتعطل ويتبطل فليلزم الرُّخص
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول يَقُول سَمِعت إِبْرَاهِيم يَقُول إِن الْخَوْف إِذا سكن الْقلب أحرق مَوَاضِع الشَّهَوَات فِيهِ وطرد عَنهُ رَغْبَة الدُّنْيَا وَبعده عَنْهَا فَإِن الَّذِي قطعهم وأهلكهم محبَّة الراكنين إِلَى الدُّنْيَا
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول علم الفناء والبقاء يدورعلى إخلاص الوحدانية وَصِحَّة الْعُبُودِيَّة وَمَا كَانَ غير هَذَا فَهُوَ المغاليط والزندقة
قَالَ وَسمعت إِبْرَاهِيم يَقُول السفلة من لَا يخَاف الله تَعَالَى
قَالَ وسمعته مرّة أُخْرَى يَقُول السفلة من يَعْصِي الله تَعَالَى
قَالَ وسمعته مرّة يَقُول السفلة من يُعْطي لعوض
следующие страницы →