Полный текст (405 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
(فَلَمَّا استنار أدرج ضوؤه ... بأسفاره أنوار ضوء الْكَوَاكِب)
(يجرعهم كأسا لَو ابتلى اللظى ... يتحريقه طارت كأسرع ذَاهِب)
٨٥ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الدقي وَهُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن دَاوُد الدينَوَرِي
أَقَامَ بِالشَّام وَعمر فَوق مائَة سنة وَكَانَ من أَقْرَان أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي إِلَّا أَنه عمر صحب أَبَا عبد الله بن الْجلاء وَإِلَيْهِ كَانَ ينتمي وَكَانَ من أجل مَشَايِخ وقته وَأَحْسَنهمْ حَالا وأقدمهم صُحْبَة للمشايخ وَصَحب أَيْضا أَبَا بكر الزقاق الْكَبِير وَأَبا بكر الْمصْرِيّ مَاتَ بعد الْخمسين وثلاثمائة
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت مُحَمَّد بن دَاوُد الدقي وَسُئِلَ عَن الْفرق بَين الْفقر والتصوف فَقَالَ الْفقر حَال من أَحْوَال التصوف
فَقيل لَهُ مَا عَلامَة الصُّوفِي فَقَالَ أَن يكون مَشْغُولًا بِكُل مَا هُوَ أولى بِهِ من غَيره وَيكون مَعْصُوما عَن المذمومات
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول عَلامَة الْقرب الِانْقِطَاع عَن كل شَيْء سوى الله تَعَالَى
стр. 317
سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول كم من مسرور سروره بلاؤه وَكم من مغموم غمه نجاته
قَالَ وَسمعت الدقي يَقُول الْفَقِير هُوَ الَّذِي عدم الْأَسْبَاب من ظَاهره وَعدم طلب الْأَسْبَاب من بَاطِنه
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت الدقي يَقُول من عرف ربه لم يَنْقَطِع رجاؤه وَمن عرف نَفسه لم يعجب بِعِلْمِهِ وَمن عرف الله لَجأ إِلَيْهِ وَمن نسي الله لَجأ إِلَى المخلوقين وَالْمُؤمن لَا يسهو حَتَّى يغْفل فَإِذا تفكر حزن واستغفر
وسمعته يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول كَلَام الله تَعَالَى إِذا اضاء على السرائر بإشراقه أَزَال البشرية برعوناتها
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سُئِلَ الدقي عَن سوء أدب الْفُقَرَاء مَعَ الله تَعَالَى فِي أَحْوَالهم فَقَالَ ذَاك انحطاطهم عَن حَقِيقَة الْعلم إِلَى ظَاهر الْعلم
قَالَ وَسمعت الدقي يَقُول الْمعدة مَوضِع لجمع الْأَطْعِمَة فَإِذا طرحت فِيهَا الْحَلَال صدرت الْأَعْضَاء الصَّالِحَة وَإِذا طرحت فِيهَا الشُّبْهَة اشْتبهَ عَلَيْك الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى وَإِذا طرحت فِيهَا الْحَرَام كَانَ بَيْنك وَبَين الله حجاب
سَمِعت أَبَا عبد الله الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا بكر الدقي يَقُول إِن الْقُلُوب الَّتِي نزهت عَن الْعُيُوب لتأييد ورد عَلَيْهَا من الغيوب
قَالَ وَسمعت أَبَا بكر الدقي يَقُول الْإِخْلَاص أَن يكون ظَاهر الْإِنْسَان وباطنه وسكونه وحركاته خَالِصا لله لَا يشوبه حَظّ نفس وَلَا هوى وَلَا خلق وَلَا طمع
стр. 318
قَالَ وسمعته يَقُول خلق الله تَعَالَى الْخَلَائق كلهم متحركين يدبون على الأَرْض وَجعل الْحَيَاة مِنْهُم لأهل الْمعرفَة فالخلق متحركون فِي أسبابهم وَأهل الْمعرفَة أَحيَاء بحياة معروفهم فَلَا حَيَاة حَقِيقَة إِلَّا لأهل الْمعرفَة لَا غير
٨٦ - وَمِنْهُم عبد الله الرَّازِيّ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ الشعراني
رازي الاصل ومولده ومنشأه بنيسابور صحب الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَأَبا عُثْمَان وَمُحَمّد بن الْفضل ورويما وسمنون ويوسف بن الْحسن وَأَبا عَليّ الْجوزجَاني وَمُحَمّد بن حَامِد وَغَيرهم من مَشَايِخ الْقَوْم وَهُوَ من جلة أَصْحَاب أبي عُثْمَان وَكَانَ أَبُو عُثْمَان يُكرمهُ ويجله وَيعرف لَهُ مَحَله
وَهُوَ من أجل مَشَايِخ نيسابور فِي وقته لَهُ من الرياضات مَا يعجز عَنْهَا إِلَّا أَهلهَا وَكَانَ عَالما بعلوم الطَّائِفَة وَكتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا عبد الله الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الرَّازِيّ الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن أَحْمد بن جبلة قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ حَدثنَا سُلَيْمَان بن حَرْب قَالَ حَدثنَا شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن أبي قلَابَة عَن أنس ﵁ قَالَ أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة
سَمِعت أَبَا عَليّ بن جمشاد الصَّائِغ يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول وَسُئِلَ أَو سَأَلته مَا بَال النَّاس يعْرفُونَ عيوبهم وعيوب مَا هم فِيهِ وَلَا ينتقلون من ذَلِك وَلَا يرجعُونَ إِلَى طَرِيق الصَّوَاب فَقَالَ لأَنهم اشتغلوا بالمباهاة بِالْعلمِ وَلم يشتغلوا بِاسْتِعْمَالِهِ بآداب الظَّوَاهِر وَتركُوا آدَاب
стр. 319
البواطن فَأعمى الله قُلُوبهم عَن النّظر إِلَى الصَّوَاب وَقيد جوارحهم عَن الْعِبَادَات
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول الْعَارِف لَا يعبد الله على مُوَافقَة الْخلق بل يعبده على مُوَافَقَته
سَمِعت أَبَا نصر مُحَمَّد بن أَحْمد يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول دَلَائِل الْمعرفَة الْعلم وَالْعَمَل بِالْعلمِ وَالْخَوْف على الْعَمَل
قَالَ وَقَالَ عبد الله الْمعرفَة تهتك الْحجب بَين العبيد وَبَين مَوْلَاهُم وَالدُّنْيَا هِيَ الَّتِي تحجبهم عَن مَوْلَاهُم
قَالَ وَقَالَ عبد الله الرَّازِيّ الْخلق كلهم يدعونَ الْمعرفَة وَلَكنهُمْ عَن صدق الْمعرفَة بمعزل وَصدق الْمعرفَة خص بهَا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم والسادة من الْأَوْلِيَاء ﵃
سَمِعت عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم يَقُول سَمِعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول من أَرَادَ أَن يعرف مَحل نَفسه ومتابعتها للحق أَو مخالفتها لَهُ فَلْينْظر إِلَى من يُخَالِفهُ فِي مُرَاد لَهُ كَيفَ يجد نَفسه عِنْد ذَلِك فَإِن لم تَتَغَيَّر فَليعلم أَن نَفسه مُتَابعَة للحق
قَالَ وَسمعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول قيل لبَعض العارفين مَا الَّذِي حبب إِلَيْك الْخلْوَة وَنفى عَنْك الْغَفْلَة قَالَ وثبة الأكياس من فخ الدُّنْيَا
قَالَ وَسمعت عبد الله الرَّازِيّ يَقُول من لم يغتنم السُّكُوت فَإِنَّهُ إِذا نطق نطق بلغو
سَمِعت أَبَا نصر الْحَرَّانِي يَقُول قلت لعبد الله الرَّازِيّ عَلمنِي دُعَاء أَدْعُو
стр. 320
بِهِ فَقَالَ لي قل اللَّهُمَّ اُمْنُنْ علينا بصفاء الْمعرفَة وهب لنا تَصْحِيح الْمُعَامَلَة بَيْننَا وَبَيْنك على السّنة وَصدق التَّوَكُّل عَلَيْك وَحسن الظَّن بك وامنن علينا بِكُل مَا يقربنا مِنْك مَقْرُونا بالعوافي فِي الدَّاريْنِ
٨٧ - وَمِنْهُم أَبُو عَمْرو بن نجيد وَهُوَ إِسْمَاعِيل بن نجيد بن أَحْمد بن يُوسُف بن سَالم بن خَالِد السّلمِيّ جدي لأمي ﵀
صحب أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي وَهُوَ من كبار أَصْحَابه وَهُوَ آخر من مَاتَ من أَصْحَاب أبي عُثْمَان وَلَقي الْجُنَيْد وَكَانَ من أكبر مَشَايِخ وقته لَهُ طَريقَة ينْفَرد بهَا من تلبيس الْحَال وصون الْوَقْت سمع الحَدِيث وَرَوَاهُ وَأسْندَ الحَدِيث وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلاثمائة
حَدثنَا جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد بن أَحْمد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن فُضَيْل عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يقبل الْهَدِيَّة ويثيب عَلَيْهَا
وسمعته يَقُول من لم تهذبك رُؤْيَته فَأعْلم أَنه غير مهذب
وَسمعت جدي وَسُئِلَ مَا التصوف فَقَالَ الصَّبْر تَحت الْأَمر وَالنَّهْي
وسمعته وَسُئِلَ مَا التَّوَكُّل فَقَالَ أدناه حسن الظَّن بِاللَّه عز وَجل
стр. 321
وسمعته يَقُول من أَرَادَ أَن يعرف قدر مَعْرفَته بِاللَّه تَعَالَى فَلْينْظر قدر هيبته لَهُ وَقت خدمته لَهُ
وسمعته يَقُول إِنَّمَا تتولد الدعاوي من الاغترار وتستوطن الاسرار
سَمِعت جدي إِسْمَاعِيل بن نجيد يَقُول كل حَال لَا يكون عَن نتيجة علم وَإِن جلّ فَإِن ضَرَره على صَاحبه أَكثر من نَفعه
وسمعته يَقُول من كرمت عَلَيْهِ نَفسه هان عَلَيْهِ دينه
وسمعته يَقُول من ضيع فِي وَقت من أوقاته فَرِيضَة افترضها الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِك الْوَقْت حرم لَذَّة تِلْكَ الْفَرِيضَة إِلَّا بعد حِين
وسمعته يَقُول المتَوَكل الَّذِي يرضى بِحكم الله تَعَالَى فِيهِ
وسمعته يَقُول تربية الْإِحْسَان خير من الْإِحْسَان
وسمعته يَقُول لَا يصفو لأحد قدم فِي الْعُبُودِيَّة حَتَّى تكون أَفعاله كلهَا عِنْده رِيَاء وأحواله كلهَا عِنْده دعاوى
وسمعته يَقُول وَسُئِلَ مَا الَّذِي لَا بُد للْعَبد مِنْهُ فَقَالَ مُلَازمَة الْعُبُودِيَّة على السّنة ودوام المراقبة
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الْحَوْزِيِّ يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو بن نجيد يَقُول إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا رزقه خدمَة الصَّالِحين والأخيار ووفقه لقبُول مَا يشيرون بِهِ عَلَيْهِ وَسَهل عَلَيْهِ سبل الْخَيْر وحجبه عَن رؤيتها
وَسمعت جدي حِين سُئِلَ من أَيْن تتولد الدعاوي يَقُول إِنَّمَا تتولد
стр. 322
الدعاوي من فَسَاد الِابْتِدَاء فَمن صحت بدايته تصح لَهُ النِّهَايَة وَمن فَسدتْ بدايته فَإِنَّهُ يهْلك فِي أرجاء أَحْوَاله وقتا مَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار﴾ التَّوْبَة ١٠٩
وسمعته يَقُول التهاون بِالْأَمر من قلَّة الْمعرفَة بالآمر
وسمعته يَقُول لَا يكون لملامتي دَعْوَى لِأَنَّهُ لَا يرى لنَفسِهِ شَيْئا فيدعى بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فاطر ٢٨
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن عَليّ السياري بمرو يَقُول قلت لأبي عَمْرو بن نجيد آخر مَا فارقته أوصني فَقَالَ لي الزم مواجب الْعلم واحترم لجَمِيع الْمُسلمين وَلَا تضيع أيامك فَإِنَّهَا أعز شَيْء لَك وَلَا تتصدر مَا أمكنك وَكن خاملا فِيمَا بَين النَّاس فبقدر مَا تتعرف إِلَيْهِم وتشتغل بهم تضيع حظك من أوَامِر رَبك
وَسمعت عبد الْوَاحِد يَقُول سَمِعت أَبَا عمر بن نجيد يَقُول من قدر على إِسْقَاط جاهه عِنْد الْخلق سهل عَلَيْهِ الْإِعْرَاض عَن الدُّنْيَا وأهليها
وَسمعت عبد الْوَاحِد يَقُول سَمِعت أَبَا عَمْرو يَقُول من أظهر محاسنه لمن لَا يملك ضره وَلَا نَفعه فقد أظهر جَهله
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الهمم توصل النُّفُوس إِلَى سني الرتب
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو من استقام لَا يعوج بِهِ أحد وَمن اعوج لَا يَسْتَقِيم بِهِ أحد
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الْأنس بِغَيْر الله تَعَالَى وَحْشَة
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو من صَحَّ تفكره صدق نطقه وخلص عمله
قَالَ وَقَالَ أَبُو عَمْرو الطُّمَأْنِينَة إِلَى الْخلق عجز
стр. 323
٨٨ - وَمِنْهُم أَبُو الْحسن البوشنجي واسْمه عَليّ بن أَحْمد بن سهل
كَانَ أوحد فتيَان خُرَاسَان لَقِي أَبَا عُثْمَان وَصَحب بالعراق ابْن عَطاء والجريري وبالشام طَاهِرا وَأَبا عَمْرو الدِّمَشْقِي وَتكلم مَعَ الشبلي فِي مسَائِل
وَهُوَ من أعلم مَشَايِخ وقته بعلوم التَّوْحِيد وعلوم الْمُعَامَلَات وَأَحْسَنهمْ طَريقَة فِي الفتوة والتجريد وَكَانَ ذَا خلق متدينا متعهدا للْفُقَرَاء مَاتَ سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الْحَافِظ قَالَ حَدثنَا أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن سهل البوشنجي الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الشَّامي قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن أبي حَبِيبَة عَن دَاوُد بن الْحصين عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يعلمنَا من الأوجاع كلهَا أَن نقُول (بِسم الله الْكَبِير أعوذ بِاللَّه الْعَظِيم من شَرّ عرق نعار وَمن شَرّ حر النَّار)
سَمِعت أَبَا الْعَبَّاس مُحَمَّد بن الْحسن الخشاب يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي وَسَأَلته عَن السّنة فَقَالَ الْبيعَة تَحت الشَّجَرَة وَمَا وَافق ذَلِك من الْأَفْعَال والأقوال
стр. 324
قَالَ وَسَأَلته عَن التصوف فَقَالَ اسْم وَلَا حَقِيقَة وَقد كَانَ قبل حَقِيقَة وَلَا اسْم
قَالَ وَسَأَلته عَن الْمُرُوءَة فَقَالَ ترك اسْتِعْمَال مَا هُوَ محرم عَلَيْك مَعَ الْكِرَام الْكَاتِبين
سَمِعت أَبَا بكر الرَّازِيّ يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي يَقُول النَّاس على ثَلَاث منَازِل الْأَوْلِيَاء وهم الَّذين باطنهم أفضل من ظَاهِرهمْ وَالْعُلَمَاء وهم الَّذين سرهم وعلانيتهم سَوَاء والجهال وهم الَّذين علانيتهم تخَالف أسرارهم لَا ينصفون من أنفسهم وَيطْلبُونَ الْإِنْصَاف من غَيرهم
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن عَن التصوف فَقَالَ هُوَ الْحُرِّيَّة والفتوة وَترك التَّكَلُّف فِي السخاء والتظرف فِي الْأَخْلَاق
سَمِعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن أبي سعيد يَقُول سُئِلَ أَبُو الْحسن البوشنجي من الظريق فَقَالَ الْخَفِيف فِي ذَاته وأخلاقه وأفعاله وشمائله من غير تكلّف
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن لَيْسَ فِي الدُّنْيَا أسمج من محب لسَبَب أَو عوض
قَالَ وَسُئِلَ أَبُو الْحسن البوشنجي مَا الْمُرُوءَة فَقَالَ فَقَالَ حسن السِّرّ والبشر
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن السراج يَوْمًا للبوشنجي ادْع الله لي فَقَالَ
стр. 325
أَعَاذَك الله من فتنتك وبلائك لِأَن الْفِتْنَة وَالْبَلَاء ليسَا إِلَّا من نَفسه
قَالَ وَسُئِلَ عَن الْمحبَّة فَقَالَ بذلك مجهودك مَعَ معرفَة محبوبك لِأَن محبوبك مَعَ بذل مجهودك يفعل مَا يَشَاء
قَالَ وَقَالَ البوشنجي التَّوْحِيد حَقِيقَة مَعْرفَته كَمَا عرف نَفسه إِلَى عباده ثمَّ الِاسْتِغْنَاء بِهِ عَن كل مَا سواهُ
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي أول الْإِيمَان مَنُوط بِآخِرهِ أَلا ترى أَن عقد الْإِيمَان لَا إِلَه إِلَّا الله وَالْإِسْلَام مَنُوط بأَدَاء الشَّرِيعَة بالإخلاص قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ البنية ٥
سَمِعت أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله قَالَ سَمِعت أَبَا الْحسن البوشنجي وَسُئِلَ عَن الفتوة يَقُول حسن المراعاة ودوام المراقبة وَألا ترى من نَفسك ظَاهرا يُخَالِفهُ باطنك
قَالَ وسمعته يَقُول الْخَيْر منا زلَّة لِأَن الشَّرّ لنا صفة
قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن البوشنجي من ذل فِي نَفسه رفع الله قدره وَمن عز فِي نَفسه أذله الله فِي أعين عباده
стр. 326
٨٩ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله بن خَفِيف واسْمه مُحَمَّد بن خَفِيف بن إسفكشاذ الضَّبِّيّ الْمُقِيم بشيراز
كَانَت أمه نيسابورية وَكَانَ شيخ الْمَشَايِخ فِي وقته
صحب رويما والجريري وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وطاهرا الْمَقْدِسِي وَأَبا عَمْرو الدِّمَشْقِي وَلَقي الْحُسَيْن بن مَنْصُور وَكَانَ عَالما بعلوم الظَّاهِر وعلوم الْحَقَائِق أوحد الْمَشَايِخ فِي وقته حَالا وعلما وخلقا مَاتَ سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة وَاسْنِدِ الحَدِيث
أخبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن سمْعَان قَالَ حَدثنَا الْفضل بن حَمَّاد قَالَ حَدثنَا عبد الْكَرِيم بن معالي بن عمرَان قَالَ حَدثنَا صَالح بن مُوسَى الطلحي عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَو عدلت الدُّنْيَا عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا أعْطى كَافِرًا مِنْهَا شربة)
وَأخْبرنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن شَاذ هُرْمُز قَالَ حَدثنَا زيد بن أخزم عَن أبي دَاوُد عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (لما عرج بِي إِلَى السَّمَاء سَمِعت تذمرا فَقلت يَا جِبْرِيل من هَذَا قَالَ
стр. 327
مُوسَى يتذمر على ربه فَقلت وَلم ذَلِك قَالَ عرف ذَلِك مِنْهُ فاحتمله)
أَخْبرنِي مُحَمَّد بن خَفِيف إجَازَة أَنه سُئِلَ عَن التصوف فَقَالَ تصفية الْقلب عَن مُوَافقَة البشرية ومفارقة أَخْلَاق الطبيعة وإخماد صِفَات البشرية ومجانبة دعاوي النفسانية ومنازلة صِفَات الروحانية والتعلق بعلوم الْحَقِيقَة وَاسْتِعْمَال مَا هُوَ أولى على السرمدية والنصح لجَمِيع الْأمة وَالْوَفَاء لله على الْحَقِيقَة وَاتِّبَاع الرَّسُول ﷺ فِي الشَّرِيعَة
وَقَالَ ابْن خَفِيف لما خلق الله تَعَالَى الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس خلق الْعِصْمَة والكفاية وَالْحِيلَة فَقَالَ للْمَلَائكَة اخْتَارُوا فَاخْتَارُوا الْعِصْمَة
ثمَّ قَالَ للجن اخْتَارُوا فَاخْتَارُوا الْعِصْمَة فَقَالَ قد سبقتم فَاخْتَارُوا الْكِفَايَة ثمَّ قَالَ للإنس اخْتَارُوا فَقَالُوا نَخْتَار الْعِصْمَة فَقَالَ قد سبقتم فَقَالُوا نَخْتَار الْكِفَايَة فَقَالَ قد سبقتم فَأخذُوا الْحِيلَة فبنو آدم يحتالون بجهدهم
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف السكر غليان الْقلب عِنْد معارضات ذكر المحبوب
وَقَالَ ابْن خَفِيف الرياضة كسر النُّفُوس بِالْخدمَةِ ومنعها عَن الفترة
وَقَالَ ابْن خَفِيف الانبساط سُقُوط الاحتشام عِنْد السُّؤَال
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف قدم علينا بعض أَصْحَابنَا فاعتل وَكَانَت بِهِ عِلّة الْبَطن فَكنت أخدمه وآخذ مِنْهُ الطست طول اللَّيْل فغفوت عَنهُ مرّة
стр. 328
فَقَالَ لي نمت لعنك الله فَقيل لَهُ كَيفَ وجدت نَفسك عِنْد قَوْله لعنك الله فَقَالَ كَقَوْلِه رَحِمك الله
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف الْإِيمَان تَصْدِيق الْقلب بِمَا أعلمهُ الْحق من الغيوب
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف الْخَوْف اضْطِرَاب الْقُلُوب بِمَا علمت من سطوة المعبود
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف التَّقْوَى مجانبة مَا يبعدك عَن الله تَعَالَى
وَقَالَ مُحَمَّد بن خَفِيف التَّوَكُّل هُوَ الِاكْتِفَاء بضمانه وَإِسْقَاط التُّهْمَة عَن قَضَائِهِ
وَقَالَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف حَقِيقَة الْإِرَادَة اسْتِدَامَة الكد وَترك الرَّاحَة
وَقَالَ أَبُو عبد الله المطالبات شَتَّى فمطالبة الْإِيمَان مَا حداك عَلَيْهِ من صِحَة التَّصْدِيق بوعده ووعيده ومطالبة الْعلم مَا تبين بِهِ أَحْكَامه فظهرت دلائله وطالبك الْحق بِاسْتِعْمَالِهِ ومطالبة الْحق وَهُوَ الَّذِي إِذا بدا قهرك وجذبك إِلَى مَا أَرَادَ بصولته
وَقَالَ أَبُو عبد الله ليش شَيْء أضرّ بالمريد من مُسَامَحَة النَّفس فِي ركُوب الرُّخص وَقبُول التأويلات
стр. 329
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن خَفِيف الْيَقِين تحقق الاسرار بِأَحْكَام المغيبات
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْمُشَاهدَة اطلَاع الْقُلُوب بصفاء الْيَقِين إِلَى مَا أخبر الْحق عَن الغيوب
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْقرب طي المسافات بلطيف المداناة
وَسُئِلَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف عَن الْقرب فَقَالَ قربك مِنْهُ بملازمة الموافقات وقربه مِنْك بدوام التَّوْفِيق
وَقَالَ أَبُو عبد الله الْوَاصِل من اتَّصل بمحبوبه دون كل شَيْء سواهُ وَغَابَ عَن كل شَيْء سواهُ
وَقَالَ أَبُو عبد الله الدنف من احْتَرَقَ فِي الأشجان وَمنع من بَث الشكوى
وَقَالَ أَبُو عبد الله الهمة جذب شَوَاهِد المهموم بالذهاب إِلَيْهِ
وَسُئِلَ مُحَمَّد بن خَفِيف لم صَار بلَاء المحبين أعظم من سَائِر الْأَحْوَال فَقَالَ لأَنهم آثروه على أَرْوَاحهم فَابْتَلَاهُمْ بحبه لَهُم فَقَالَ ﴿يُحِبهُمْ﴾ الْمَائِدَة ٥٤ وَمن يُطيق سَماع هَذَا الْكَلَام إِلَّا أَن يَبْدُو لَهُ فِيهِ الْحَقَائِق
وكل هَذِه الحكايات أخبرنيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن خَفِيف ﵁ إجَازَة لي بِخَطِّهِ
стр. 330
٩٠ - وَمِنْهُم بنْدَار بن الْحُسَيْن وَهُوَ بنْدَار بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْمُهلب كنيته أَبُو الْحُسَيْن
من أهل شيراز سكن أرجان وَكَانَ عَالما بالأصول لَهُ اللِّسَان الْمَشْهُور فِي علم الْحَقَائِق وَكَانَ أَبُو بكر الشبلي يُكرمهُ ويعظم قدره وَبَينه وَبَين أبي عبد الله بن خَفِيف مفاوضات فِي مسَائِل شَتَّى مَاتَ سنة ثَلَاث وَخمسين وثلاثمائة وغسله أَبُو زرْعَة الطَّبَرِيّ
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الإصبهاني يَقُول سَمِعت بنْدَار بن الْحُسَيْن وَسَأَلته عَن الْفرق بَين المتصوفة والمتقرية يَقُول إِن الصُّوفِي من اخْتَارَهُ الله لنَفسِهِ فصافاه وَعَن نَفسه براه وَلم يردهُ إِلَى تعْمل وتكلف بِدَعْوَى وصوفي
стр. 331
على زنة عوفي أَي عافاه الله وكوفي أَي كافأه الله وجوزي أَي جازاه الله فَفعل الله تَعَالَى ظَاهر على اسْمه
وَأما المتقرى فَهُوَ الْمُتَكَلف بِنَفسِهِ الْمظهر لزهده مَعَ كمون رغبته وتربيته لبشريته فاسمه مُضْمر فِي فعله لرؤية نَفسه ودعواه
قَالَ وَسمعت بنْدَار بن الْحُسَيْن يَقُول الْبكاء شَتَّى بكاء فَرح لوُجُود حَال عدمهَا فِيمَا قيل وبكاء أَسف لفقد حَال كَانَ مَقْرُونا بهَا قَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الْفَرح ﴿وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق﴾ الْمَائِدَة ٨٣
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي بكاء الاسف ﴿توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا﴾ التَّوْبَة ٩٢
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد يَقُول سَمِعت بنْدَار يَقُول الْجمع مَا كَانَ بِالْحَقِّ والتفرقة مَا كَانَ للحق
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول لَا تخاصم لنَفسك فَإِنَّهَا لَيست لَك دعها لمَالِكهَا يفعل بهَا كل مَا يُرِيد
قَالَ وَقَالَ بنْدَار لَيْسَ من الْأَدَب أَن تسْأَل رفيقك إِلَى أَيْن وَفِي ايش
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول اترك مَا تهوى لما تَأمل
قَالَ وَسمعت بنْدَار وَسَأَلته عَن الْفرق بَين الْمحبَّة وَالْحيَاء يَقُول الْمحبَّة
стр. 332
رَغْبَة وَهِي مزعجة وَالْحيَاء خجلة والمحب طَالب غَائِب والمستحي حَاضر وَبَينهمَا فرقان لِأَن الْمحبَّة تصح مَعَ الْغَيْبَة وَالْحيَاء يَصح مَعَ الْمُشَاهدَة فشتان بَين غَائِب غَرِيب وحاضر قريب
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول الإغانة ثقل مُطَالبَة الْحق على قلب النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ مطالبا بالأوامر فَكَانَ إِذا أَمر بِأَمْر الْتَزمهُ وَكَانَ يثقل عَلَيْهِ إِلَى أَن يدْخل فِيهِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا سنلقي عَلَيْك قولا ثقيلا﴾ المزمل ٥
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول الصُّوفِيَّة متفقون فِي الوحدانية فِي الْجُمْلَة قولا متفرقون فِي الْوُصُول إِلَيْهَا مُعَاينَة ومنازلة وكل وَاحِد يسْتَحق اسْم مَا ظهر عَلَيْهِ من حَاله الَّذِي هُوَ بِهِ مَوْصُوف بعد اتِّفَاقهم فِي الوحدانية قولا فَمن بَين مُجْتَهد وزاهد وعابد وخائف وراج وغني وفقير ومريد وَمُرَاد وصابر وراض ومتوكل ومحب ومستهتر ومستأنس ومشتاق وواله وهائم وواجد وَيُسمى بِمَا عَلَيْهِ من الْجَمِيع
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول صُحْبَة أهل الْبدع تورث الْإِعْرَاض عَن الْحق
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول من لم يَجْعَل قبلته على الْحَقِيقَة ربه فَسدتْ عَلَيْهِ صلَاته
قَالَ وَسمعت بنْدَار يَقُول من لم يتْرك الْكل رسما فِي جنب الْحق وَيحصل لَهُ الْكل حَقِيقَة وَهُوَ الْحق
أَنْشدني مُحَمَّد بن عبد الله الرَّازِيّ قَالَ أَنْشدني بنْدَار
(نَوَائِب الدَّهْر أدبتني ... وَإِنَّمَا يوعظ الأريب)
стр. 333
(قد ذقت حلوا وذقت مرا ... كَذَاك عَيْش الْفَتى ضروب)
(مَا مر بؤس وَلَا نعيم ... إِلَّا ولي فيهمَا نصيب)
٩١ - وَمِنْهُم أَبُو بكر الطمستاني الْفَارِسِي
وَهُوَ من أجل الْمَشَايِخ وَأَعْلَاهُمْ حَالا متفرد بِحَالهِ وَوَقته لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد من الْمَشَايِخ وَلَا يدانيه وَكَانَ أَبُو بكر الشبلي يبجله وَيعرف لَهُ مَحَله
صحب إِبْرَاهِيم الدّباغ وَغَيره من مَشَايِخ الْفرس وَكَانَ مَشَايِخ وقته يحترمونه ورد نيسابور وَمَات بهَا بعد سنة أَرْبَعِينَ وثلاثمائة
قَالَ أَبُو بكر الطمستاني الدُّنْيَا كلهَا كلمة وَاحِدَة وكل وَاحِد مِنْهُم أصَاب على قدر مَا كشف لَهُ
وَقَالَ أَبُو بكر مَا الْحَيَاة إِلَّا فِي الْمَوْت أَي مَا حَيَاة الْقلب إِلَّا فِي إماتة النَّفس
وَقَالَ أَبُو بكر الْيَقَظَة فِي أهل الْيَقَظَة لعمارة الْآخِرَة كَمَا أَن الْغَفْلَة فِي أهل الْغَفْلَة لعمارة الدُّنْيَا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني لَا يُمكن الْخُرُوج من النَّفس بِالنَّفسِ وَإِنَّمَا يُمكن الْخُرُوج من النَّفس بِاللَّه تَعَالَى وَذَلِكَ بِصِحَّة الْإِرَادَة لله
وَقَالَ أَبُو بكر الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى بِعَدَد الْخلق ثمَّ قَالَ الطَّرِيق لَهُ وَلَا طَرِيق إِلَيْهِ
стр. 334
وَكَانَ أَبُو بكر الطمستاني يَقُول كَيفَ أصنع والكون كُله عَدو لي
وَقَالَ أَبُو بكر الْوَصْل بِلَا فصل فَإِذا جَاءَ الْفَصْل فَلَا وصل
وَقَالَ أَبُو بكر من فضل الْفقر على الْغنى والغنى على الْفقر فَهُوَ مربوط بهما وهما محلا علل
وَقَالَ أَبُو بكر إياك أَن تغتر بلعل وَعَسَى
وَقَالَ أَبُو بكر النِّعْمَة الْعُظْمَى الْخُرُوج من النَّفس لِأَن النَّفس أعظم حجاب بَيْنك وَبَين الله تَعَالَى
وَقَالَ أَبُو بكر مَا الْحَقِيقَة إِلَّا فِي موت النَّفس
وَقَالَ أَبُو بكر كل من فر من إماتة النَّفس فقد رَجَعَ إِلَى تَأْوِيل الْعلم
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْمَوْت بَاب من أَبْوَاب الْآخِرَة وَلنْ يصل العَبْد إِلَى الله تَعَالَى إِلَّا بِدُخُولِهِ
وَقَالَ أَبُو بكر جالسوا الله كثيرا وجالسوا النَّاس قَلِيلا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني خير النَّاس من يرى أَن الْخَيْر فِي غَيره وَيعلم أَن السَّبِيل إِلَى الله كثير غير السَّبِيل الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ لكَي يرى تَقْصِير نَفسه فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني يَنْبَغِي أَن تكون حركات الْمَرْء وسكونه لله تَعَالَى أَو ضَرُورَة يضْطَر إِلَيْهَا وَمَا كَانَ غير ذَلِك فَلَا شَيْء
وَقَالَ أَبُو بكر الطَّرِيق وَاضح وَالْكتاب وَالسّنة قائمان بَين أظهرنَا
стр. 335
وَفضل أَصْحَاب النَّبِي ﷺ بشيئين اثْنَيْنِ بصحبتهم مَعَ النَّبِي ﷺ فِي الظَّوَاهِر وهجرتهم إِلَى الله تَعَالَى فِي السرائر وغربتهم مَعَ أنفسهم أَلا ترى أَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ النِّسَاء ١٠٠
فَمن صحب منا الْكتاب وَالسّنة وَغرب عَن نَفسه والخلق وَالدُّنْيَا وَهَاجَر إِلَى الله بِقَلْبِه فَهُوَ الصَّادِق الْمُصِيب المتبع لآثار الصَّحَابَة إِلَّا أَن الصَّحَابَة سَبَقُوهُ بصحبتهم مَعَ النَّبِي ﷺ
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من أحب من الْعُقَلَاء الْبَقَاء فِي الدَّار الفانية فَإِنَّمَا أحبه للتلذذ بمناجاة سَيّده والإقبال على الطَّاعَة بِحَسب طاقته وَأَن يكون تَحت أمره وَنَهْيه فالعاقل لهَذَا أحب الْبَقَاء وكر الفناء
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من عَلامَة المريد أَن يتنافر عَن غير أَبنَاء جنسه وَيطْلب الْجِنْس
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْعَاقِل يتَكَلَّم على قدر الْحَاجة ويدع مَا فضل عَنهُ
وَقَالَ أَبُو بكر كل من اسْتعْمل الصدْق بَينه وَبَين ربه شغله صدقه مَعَ الله عَن الْفَرَاغ إِلَى خلق الله
стр. 336
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من لم يكن الصمت وَطنه فَهُوَ فِي فضول وَإِن كَانَ سَاكِنا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني من صحب الْعلم فَلَيْسَ لَهُ بُد من مُشَاهدَة الْأَمر وَالنَّهْي
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني الْعلم قَطعك عَن الْجَهْل فاجتهد أَلا يقطعك عَن الله تَعَالَى
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني التصوف اضْطِرَاب فَإِذا وَقع سُكُون فَلَا تصوف
وَقَالَ أَبُو بكر النَّفس كالنار إِذا أطفئ من مَوضِع تأجج من مَوضِع كَذَلِك النَّفس إِذا هدأت من جَانب ثارت من جَانب
وَقَالَ رجل لأبي بكر الطمستاني أوصني فَقَالَ الهمة الهمة فَإِنَّهَا مُقَدّمَة الاشياء وَعَلَيْهَا مدارها وإليها رُجُوعهَا
وَقَالَ أَبُو بكر الطمستاني مَا أبرز الْحق لِلْخلقِ إِلَّا اسْما أَو رسما وَمَا تكلم بِهِ إِلَّا كل من لم يوفق
٩٢ - وَمِنْهُم أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي واسْمه أَحْمد بن مُحَمَّد
صحب يُوسُف بن الْحُسَيْن وَعبد الله الخراز وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وَأَبا
стр. 337
الْعَبَّاس بن عَطاء وَلَقي رويما وَهُوَ من أفتى الْمَشَايِخ وَأَحْسَنهمْ طَريقَة واستقامة
ورد نيسابور وَأقَام بهَا مُدَّة وَكَانَ يعظ النَّاس وَيتَكَلَّم على لِسَان الْمعرفَة بِأَحْسَن كَلَام ثمَّ رَحل من نيسابور إِلَى سَمَرْقَنْد
وَمَات بهَا بعد الْأَرْبَعين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِبْرَاهِيم يَقُول دخلت على أبي الْعَبَّاس الدينَوَرِي حِين أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى سَمَرْقَنْد وَقلت لَهُ مَا الَّذِي يحملك على الْخُرُوج إِلَيْهَا مَعَ ميل أهل نيسابور إِلَيْك ومجبتهم لَك فَأَنْشَأَ يَقُول
(إِذا عقد الْقَضَاء عَلَيْك عقدا ... فَلَيْسَ يحله غير الْقَضَاء)
(فَمَا لَك قد أَقمت بدار ذل ... وَدَار الْعِزّ وَاسِعَة الفضاء)
وسمعته يَقُول قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن طلب الله تَعَالَى ترك الطّلب واستحياء من الهيبة فِي الطّلب فَإِذا فني العَبْد فِي الطّلب اختطفه الْحق فِي الطّلب عَن الطّلب
سَمِعت عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي مكاشفات الْأَعْيَان بالأبصار ومكاشفات الْقُلُوب بالاتصال
وَرَأَيْت بِخَط عبد الله بن مُحَمَّد الْمعلم قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي الْعَالم متفاوتون فِي تَرْتِيب مشاهدات الْأَشْيَاء فقوم رجعُوا من الْأَشْيَاء إِلَى الله تَعَالَى فشاهدوا الْأَشْيَاء من حَيْثُ الْأَشْيَاء ثمَّ رجعُوا عَنْهَا إِلَى الله وَقوم رجعُوا من الله تَعَالَى إِلَى الْأَشْيَاء من غير غيبتهم عَنهُ فَلم يرَوا شَيْئا إِلَّا وَرَأَوا الْحق قبله وَقوم بقوا مَعَ الْأَشْيَاء لأَنهم لم يكن لَهُم طَرِيق مِنْهَا إِلَى الله ليجتازوا بهَا عَلَيْهَا
стр. 338
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن الله تَعَالَى فِي خلقه رياضات ليتجلى لَهُم بربوبيته يراضون لَهُم فِي مشاهدات الْأَشْيَاء ليتحققوا بِحَقِيقَة الْأَشْيَاء كَمَا رَاض إِبْرَاهِيم خَلِيله صلوَات الله عَلَيْهِ حِين رأى النُّجُوم فَقَالَ فِي بدايته هَذَا رَبِّي وَإِنَّمَا هِيَ عين الْجمع من فرط الْبلَاء وَغَلَبَة الشوق وَحُصُول الْجمع فِي الْجمع من حَيْثُ مَا ورد عَلَيْهِ من الْحق للحق حَتَّى قَالَ ﴿هَذَا رَبِّي﴾ راضه ليحوله إِلَى مَا هُوَ من وَرَائه ألم تسمع إِلَى قَوْله ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾ الْأَنْعَام ٧٦
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن أدنى الذّكر أَن ينسى مَا دونه وَنِهَايَة الذّكر أَن يغيب الذاكر فِي الذّكر عَن الذّكر ويستغرق بمذكوره عَن الرُّجُوع إِلَى مقَام الذّكر وَهَذَا حَال فنَاء الفناء
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي الْعلم علمَان علم قيام العَبْد بقيامه مَعَ الله وَعلم بِعلم الله فِي العَبْد وَهُوَ الْعلم المغيب عَن الْعباد إِلَّا من كشف لَهُ طرف من ذَلِك من نَبِي أَو خَاص ولي
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي اعْلَم أَن لِبَاس الظَّاهِر لَا يُغير حكم الْبَاطِن
وَرَأَيْت بِخَط أبي ﵀ قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي إِن لله عبادا لم يستصلحهم لمعرفته فشغلهم بخدمته وَله عباد لم يستصلحهم لخدمته فأهملهم
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الدينَوَرِي من عَطش إِلَى حَال دهش فِيهِ وَمن وصل إِلَيْهِ لم يسْتَقرّ فِيهِ
стр. 339
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس لَيْسَ يبلغ بالإنسان إِلَى مَرَاتِب الأخيار إِلَّا الصدْق وكل وَقت وَحَال خلا عَن الصدْق فَبَاطِل وَأنْشد
(مَا أحسن الصدْق فِي مواطنه ... والصدق فِي كل موطن حسن)
وَبِه قَالَ أَبُو الْعَبَّاس الْمُحب يخْتَار كراهيته لرضاء حَبِيبه طَالبا بذلك رِضَاهُ وَهُوَ غَايَة المنى وَأنْشد
(رَأَيْتُك يدنيني إِلَيْك تباعدي ... فباعدت نَفسِي لابتغاء التَّقَرُّب)
٩٣ - وَمِنْهُم أَبُو عُثْمَان المغربي وَهُوَ سعيد بن سَلام
من نَاحيَة قيروان من قَرْيَة يُقَال لَهَا كركنت أَقَامَ بِالْحرم مُدَّة وَكَانَ شَيْخه
صحب أَبَا عَليّ بن الْكَاتِب وحبيبا المغربي وَأَبا عَمْرو الزجاجي وَلَقي أَبَا يَعْقُوب النهرجوري وَأَبا الْحسن بن الصَّائِغ الدينَوَرِي وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته وزهده بَقِيَّة الْمَشَايِخ وتاريخهم لم ير مثله فِي علو الْحَال وصون الْوَقْت وَصِحَّة الحكم بالفراسة وَقُوَّة الهيبة ورد نيسابور وَمَات بهَا سنة ثَلَاث وَسبعين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الِاعْتِكَاف حفظ الْجَوَارِح تَحت الْأَوَامِر
стр. 340
وسمعته يَقُول لَا يعرف الشَّيْء من لَا يعرف ضِدّه لذَلِك لَا يَصح لمخلص إخلاصه إِلَّا بعد مَعْرفَته الرِّيَاء ومفارقته لَهُ
وسمعته وَقيل لَهُ إِن فلَانا مُسَافر فَقَالَ يجب أَن يُسَافر من عِنْد هَوَاهُ وشهوته وَمرَاده فَإِن السّفر غربَة والغربة ذلة وَلَيْسَ لمُؤْمِن أَن يذل نَفسه
وسمعته وَذكر بَين يَدَيْهِ قَول الشَّافِعِي ﵁ الْعلم علمَان علم الْأَدْيَان وَعلم الْأَبدَان فَقَالَ رحم الله الشَّافِعِي مَا أحسن مَا قَالَ علم الْأَدْيَان علم الْحَقَائِق والمعارف وَعلم الْأَبدَان علم السياسات والرياضات والمجاهدات
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول العَاصِي خير من الْمُدَّعِي لِأَن العَاصِي أبدا يطْلب طَرِيق تَوْبَته وَالْمُدَّعِي يتخبط فِي حبال دَعْوَاهُ
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من مد يَده إِلَى طَعَام الْأَغْنِيَاء بشره وشهوة لَا يفلح أبدا وَلَيْسَ يعْذر فِيهِ إِلَّا الْمُضْطَر
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الصُّوفِي من يملك الاشياء اقتدارا وَلَا يملكهُ شَيْء اقتهارا
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من اشْتغل بأحوال النَّاس ضيع حَاله
وسمعته يَقُول ابى المليك إِلَّا اختبارا لأوليائه ومتعرضا لَهُم بأعدائه وَإِنَّمَا اختبرك فِي قربه بعدوه لينْظر كَيفَ صبرك على عدوه فَإِن صبرت على بلوى عدوه جللك بِعِلْمِهِ وحباك بوصله وأسكنك فِي جواره ونعمك بمشاهدته ولذذك بِذكرِهِ وأوصلك بمعرفته وجعلك إِمَامًا يقْتَدى بِهِ وَنَجَاة لِعِبَادِهِ وَرَحْمَة لَهُم فِي أرضه وَجعل محبتك فِي قُلُوبهم وَجعل أنسهم فِي رؤيتك وَجعل لَك حلاوة فِي قُلُوبهم
стр. 341
وَسمعت أَبَا عُثْمَان وَسُئِلَ عَن قَول النَّبِي ﷺ (أَكثر أهل الْجنَّة البله) فَقَالَ الأبلة فِي دُنْيَاهُ الْفَقِيه فِي دينه
وَسمعت أَبَا عُثْمَان سعيد بن سَلام المغربي يَقُول التَّقْوَى هِيَ الْوُقُوف مَعَ الْحُدُود لَا يقصر فِيهَا وَلَا يتعداها قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ الطَّلَاق ١
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من آثر على التَّقْوَى شَيْئا حرم لَذَّة التَّقْوَى
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول من تحقق فِي الْعُبُودِيَّة طهر سره بمشاهدة الغيوب وأجابته الْقُدْرَة إِلَى كل مَا يُرِيد
سَمِعت أَبَا عُثْمَان يَقُول ليكن تدبرك فِي الْخلق تدبر عِبْرَة وتدبرك فِي نَفسك تدبر موعظة وتدبرك فِي الْقُرْآن تدبر حَقِيقَة ومكاشفة قَالَ الله تَعَالَى ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ (النِّسَاء ٨٢) جرأك بِهِ على تِلَاوَة خطابه وَلَوْلَا ذَاك لكلت الألسن عَن تِلَاوَته
وَسمعت أَبَا عُثْمَان فِي مَرضه يَقُول إِنَّمَا مثلي وَمثل أطبائي كإخوة يُوسُف ويوسف كَانَ يُوسُف مُدبرا بِالْقُدْرَةِ وَإِخْوَته يدبرون فِيهِ وأنى يُغني تَدْبِير الْخلق من تَدْبِير الْقُدْرَة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول السَّاكِت بِعلم أَحْمد أثرا من النَّاطِق بِجَهْل
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول لَا تصْحَب إِلَّا أَمينا أَو معينا فَإِن الْأمين يحملك على الصدْق والمعين يعينك على الطَّاعَة
وَسمعت عبد الله الْمعلم يَقُول سَأَلت أَبَا عُثْمَان مَا عقدَة الْوَرع فَقَالَ الشَّرِيعَة تَأمره وتنهاه فَيتبع وَلَا يُخَالف
стр. 342
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول لما بذل المحبون مجهودهم فِي طَاعَة رَبهم عطف عَلَيْهِم الْحق بِالْإِحْسَانِ وَمرَّة بعد أُخْرَى حَتَّى أحبوه رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (جبلت الْقُلُوب على حب من أحسن إِلَيْهَا)
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول قُلُوب أهل الْحق قُلُوب حَاضِرَة وأسماعهم أسماع مَفْتُوحَة
وسمعته يَقُول من حمل نَفسه على الرَّجَاء تعطل وَمن حمل نَفسه على الْخَوْف قنط وَلَكِن سَاعَة وَسَاعَة وَمرَّة وَمرَّة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول بدايات المقامات أرفاق وغنى وكفاية وَلَكِن إِذا تمكن أَتَتْهُ البلايا لذَلِك قَالَ بعض المريدين مَا زَالُوا يرفقون بِي حَتَّى وَقعت فَلَمَّا وَقعت قَالُوا لي استمسك كَيفَ أستمسك إِن لم يمسكني
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْحِكْمَة هِيَ النُّطْق بِالْحَقِّ
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول الْغَنِيّ الشاكر يكون كَأبي بكر الصّديق ﵁ شكر فَقدم مَاله وآثر الله عَلَيْهِ فأورثه الله غنى الدَّاريْنِ وملكهما وَالْفَقِير الصابر مثل أويس الْقَرنِي ونظرائه صَبَرُوا فِيهِ حَتَّى ظَهرت لَهُم براهينه
وَسمعت أَبَا عُثْمَان المغربي يَقُول من أعْطى نَفسه الْأَمَانِي قطعهَا بالتسويف والتواني
وسمعته يَقُول علم الْيَقِين يدل على الْأَفْعَال فَإِذا فعلهَا وأخلص فِيهَا وَظَهَرت لَهُ بَيِّنَات ذَلِك صَار لَهُ علم الْيَقِين عين الْيَقِين
وسمعته يَقُول التَّقْوَى تتولد من الْخَوْف
стр. 343
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول أَفْوَاه قُلُوب العارفين فاغرة لمناجاة الْقُدْرَة
وَسمعت أَبَا عُثْمَان يَقُول سَأَلَني سَائل مَتى يقوم الْحق بِالْحَقِّ فَقلت إِذا بلغ الْمِيقَات حِينه وَاسْتوْفى الْحق مجاري أَحْكَامه من ظَاهر هيكله أوقد سرج الْإِيمَان فِي قلبه واكتسى ظَاهر هيكله بِنور حَقه وانتصر لَهُ من ظالمه فتعجب السَّائِل وَسكت
٩٤ - وَمِنْهُم أَبُو الْقَاسِم النصراباذي واسْمه إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن محمويه
شيخ خُرَاسَان فِي وقته نيسابوري الأَصْل والمنشأ والمولد
يرجع إِلَى أَنْوَاع من الْعُلُوم من حفظ السّير وَجَمعهَا وعلوم التواريخ وَمَا كَانَ مُخْتَصًّا بِهِ من علم الْحَقَائِق وَكَانَ أوحد الْمَشَايِخ فِي وقته علما وَحَالا
وَصَحب أَبَا بكر الشبلي وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي وَأَبا مُحَمَّد المرتعش وَغَيرهم من الْمَشَايِخ
أَقَامَ بنيسابور ثمَّ خرج فِي آخر عمره إِلَى مَكَّة وَحج سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَأقَام بِالْحرم مجاورا وَمَات سنة سبع وَسِتِّينَ وثلاثمائة كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن محمويه النصراباذي الصُّوفِي قَالَ حَدثنَا أَحْمد
стр. 344
ابْن مُحَمَّد بن فضَالة الطوسي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن ثَقِيف قَالَ حَدثنَا حَفْص بن يحيى عَن خَارِجَة بن مُصعب عَن أَيُّوب عَن يحيى بن أبي كثير عَن فَاطِمَة بنت قيس عَن النَّبِي ﷺ (حَدِيث السُّكْنَى وَالنَّفقَة)
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول إِذا بدا لَك شَيْء من بوادي الْحق فَلَا تلْتَفت مَعَه إِلَى جنَّة وَلَا إِلَى نَار وَلَا تخطرهما ببالك وَإِذا رجعت عَن ذَلِك الْحَال فَعظم مَا عظمه الله تَعَالَى
وَسمعت النصراباذي يَقُول إِذا أخبر عَن آدم بِصفة آدم قَالَ ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ (طه ١٢١) وَإِذا أخبر عَنهُ بفضله عَلَيْهِ قَالَ ﴿إِن الله اصْطفى آدم﴾ (آل عمرَان ٣٣)
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول مُوَافقَة الْأَثر حسن وموافقة الْأَمر أحسن وَمن وَافق الْحق فِي لَحْظَة أَو خطرة فَإِنَّهُ لَا تجْرِي عَلَيْهِ بعد ذَلِك مُخَالفَة بِحَال
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول من عمل على رُؤْيَة الْجَزَاء كَانَت أَعماله بِالْعدَدِ والإحصاء وَمن عمل على الْمُشَاهدَة أذهلته الْمُشَاهدَة عَن التعداد وَالْعدَد وَمن عمل بِالْعدَدِ كَانَ ثَوَابه بِالْعدَدِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ (الْأَنْعَام ١٦) من عمل على الْمُشَاهدَة كَانَ أجره بِلَا عدد قَالَ الله ﴿إِنَّمَا يُوفى الصَّابِرُونَ أجرهم بِغَيْر حِسَاب﴾ (الزمر ١٠)
وَسمعت النصراباذي يَقُول الرَّاحَة ظرف مَمْلُوء من العتاب
وَسمعت النصراباذي يَقُول الرَّاغِب فِي الْعَطاء لَا مِقْدَار لَهُ والراغب فِي الْمُعْطِي عَزِيز
وَسمعت النصراباذي يَقُول أَنْت بَين نسبتين نِسْبَة إِلَى الْحق وَنسبَة إِلَى
стр. 345
آدم فَإِذا انتسبت إِلَى الْحق دخلت فِي مقامات الْكَشْف والبراهين وَالْعَظَمَة وَهِي نِسْبَة تحقق الْعُبُودِيَّة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا﴾ الْفرْقَان ٣٦ وَقَالَ ﴿إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان﴾ الْحجر ٤٢ وَقَالَ ﴿فوجدا عبدا من عبادنَا آتيناه رَحْمَة من عندنَا وعلمناه من لدنا علما﴾ الْكَهْف ٦٥ وَإِذا انتسبت إِلَى آدم وَدخلت فِي مقامات الظُّلم وَالْجهل قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ الْأَحْزَاب ٧٢
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم وَسُئِلَ أليست الْأَنْفس وَالْأَمْوَال لله فَكيف يَشْتَرِي مَا هُوَ لَهُ فَقَالَ إِنَّه عز اسْمه اشْترى مِنْهُم مَا هُوَ لَهُ نظرا لَهُم كَشِرَاء الْأَب للطفل نظرا لَهُ ملكت نَفسك ثمَّ أسقط عَنْهَا ملكك لِئَلَّا يَقع لَك بتمليكه إياك غبن بِأَن تشتري بِهِ مَا لَا يُعَارضهُ أَو تبيعه بِمَا لَا يوازنه
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم وَقيل لَهُ إِن بعض النَّاس يُجَالس النسوان وَيَقُول أَنا مَعْصُوم فِي رؤيتهن فَقَالَ مَا دَامَت الأشباح بَاقِيَة فَإِن الْأَمر وَالنَّهْي بَاقٍ والتحليل وَالتَّحْرِيم مُخَاطب بهما وَلنْ يجترئ على الشُّبُهَات إِلَّا من يتَعَرَّض للمحرمات
سَمِعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول الاشياء أَدِلَّة مِنْهُ وَلَا دَلِيل عَلَيْهِ سواهُ
وسمعته يَقُول سر يسلم من رعونة البشرية سر رباني
وسمعته يَقُول الْعِبَادَات إِلَى طلب الصفح وَالْعَفو عَن تَقْصِيرهَا أقرب مِنْهَا إِلَى طلب الأعواض وَالْجَزَاء بهَا
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول دِمَاء الأقرباء تتحرك عِنْد الالتقاء وَدِمَاء المحبين تجيش وتغلي
стр. 346
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول أهل الْمحبَّة واقفون مَعَ الْحق على مقَام إِن تقدمُوا غرقوا وَإِن تَأَخَّرُوا احجبوا
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول أثقال الْحق لَا يحملهَا إِلَّا مطايا الْحق
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم يَقُول جذبة من جذبات الْحق تربي على أَعمال الثقلَيْن
وَسمعت أَبَا الْقَاسِم النصراباذي يَقُول أصل التصوف مُلَازمَة الْكتاب وَالسّنة وَترك الْأَهْوَاء والبدع وتعظيم حرمات الْمَشَايِخ ورؤية أعذار الْخلق وَحسن صُحْبَة الرفقاء وَالْقِيَام بخدمتهم وَاسْتِعْمَال الْأَخْلَاق الجميلة والمداومة على الأوراد وَترك ارْتِكَاب الرُّخص والتأويلات وَمَا ضل أحد فِي هَذَا الطَّرِيق إِلَّا بِفساد الِابْتِدَاء فَإِن فَسَاد الِابْتِدَاء يُؤثر فِي الِانْتِهَاء
٩٥ - وَمِنْهُم الحصري وَهُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم
بَصرِي الأَصْل سكن بَغْدَاد وَكَانَ شيخ الْعرَاق ولسانها لم نر فِيمَن رَأينَا من الْمَشَايِخ أتم حَالا مِنْهُ وَلَا أحسن لِسَانا مِنْهُ وَلَا أَعلَى كلَاما
كَانَ أوحد الْمَشَايِخ ولسان الْوَقْت وَكَانَ أوحد فِي طَرِيقَته من أجل الْمَشَايِخ وأظرفهم وألطفهم لَهُ لِسَان فِي التَّوْحِيد يخْتَص هُوَ بِهِ ومقام فِي التفريد والتجريد مُسلم لَهُ لم يُشَارِكهُ فِيهِ أحد بعده
وَهُوَ أستاذ الْعِرَاقِيّين وَبِه تأدب من تأدب مِنْهُم صحب أَبَا بكر الشبلي وَغَيره من الْمَشَايِخ مَاتَ بِبَغْدَاد فِي يَوْم الْجُمُعَة فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وثلاثمائة
стр. 347
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت عَليّ بن إِبْرَاهِيم يَقُول الصُّوفِي لَا ينزعج فِي انزعاجه وَلَا يقر فِي قراره
سَمِعت الشَّيْخ أَبَا الْحسن الحصري يَقُول آدم فِي مَحَله كَانَ محلا للعلل فخوطب على حسب الْعِلَل ﴿إِن لَك أَلا تجوع فِيهَا وَلَا تعرى﴾ طه ١١٨ وَإِلَّا فَمَا مقَام الْمُجَاورَة مِمَّا يُؤثر فِيهِ الْجُوع والعري
وسمعته يَقُول علمنَا الَّذِي نَحن فِيهِ يُوجب إِنْكَار كل مَعْلُوم مرسوم ومحو كل مَعْلُوم مَعْلُول وَمَا بَان شَيْء فيمتحى
وسمعته يَقُول لَا أحد أقل قدرا مِمَّن يشْتَغل بالفضائل فَيقدم ذَا وَيُؤَخر ذَا فِي الدُّنْيَا يكون نَاسا بناس مَعَ نَاس وَفِي الْآخِرَة ﴿وَلكم فِيهَا مَا تشْتَهي أَنفسكُم﴾ فصلت ٣٢ من المطاعم والمشارب والمناكح لَيْت الْجنَّة على قفا أَهلهَا لَعَلَّنَا إِذا نجونا مِنْهَا وَمن طالبيها تفرغنا إِلَى مُشَاهدَة من أكرمنا بمعرفته وبدأنا بأنواع مباره بل لَو عَرفْنَاهُ مَا شَهِدنَا سواهُ
وسمعته فِي الْجَامِع يَقُول دَعونِي وبلائي هاتوا مَا لكم ألستم من أَوْلَاد آدم الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ وَنفخ فِيهِ من روحه وأسجد لَهُ مَلَائكَته ثمَّ أمره بِأَمْر فخالفه إِذا كَانَ أول الدن درديا كَيفَ يكون آخِره
قَالَ وسمعته يَقُول من ادّعى فِي شَيْء من الْحَقِيقَة كَذبته شَوَاهِد كشف الْبَرَاهِين
سَمِعت أَبَا نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول نظرت فِي كل ذِي ذل فَزَاد ذلي على ذلهم وَنظرت فِي عز كل ذِي عز فَزَاد عزي عزهم ثمَّ قَرَأَ ﴿من كَانَ يُرِيد الْعِزَّة فَللَّه الْعِزَّة جَمِيعًا﴾ فاطر ١٠
سَمِعت أَبَا الْفرج الورثاني يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول الصُّوفِي الَّذِي لَا يُوجد بعد عَدمه وَلَا يعْدم بعد وجوده
стр. 348
قَالَ سمعته يَقُول الصُّوفِي وجده وجوده وَصِفَاته حجابه
قَالَ وسمعته يَقُول الصُّوفِي إِن وصف جحد وَإِن تجلى كشف
قَالَ وَقَالَ الحصري الْخَوْف من الله عِلّة وحجاب لِأَنَّهُ إِذا كَانَ خوفي مِنْهُ لَا يزِيل مُرَاده فِي ورجائي لَا يوصلني إِلَى مرادي مِنْهُ فقد تعطل عِنْدِي حكم الْخَوْف والرجاء للمتحققين وَأما أَرْبَاب الرسوم والعلوم فَعَلَيْهِم وَاجِب الْتِزَام الْأَدَب
قَالَ وَسمعت الحصري يَقُول ربط الْكل بالحدود وَقطع طَرِيق الْحق عَن الْكل فَلَا ترى إِلَّا وَاقِفًا مَعَ نَفسه أَو مَعَ رسمه لبينونة الْقدَم إِن لم يلْحقهُ شَيْء من الْحَوَادِث إِذا زفرت جَهَنَّم زفرَة فَإِن الْكل يَقُول نَفسِي نَفسِي وَالْأَجَل الْأَدْنَى يرجع إِلَى حد الشَّفَقَة فَيَقُول أمتِي أمتِي فَلَا يبْقى فِي أحد نفس بِلَا عِلّة فَيَقُول رَبِّي رَبِّي ليعلم أَن مَحل الْحَوَادِث لَا يَخْلُو عَن الْعِلَل
قَالَ وَقَالَ الحصري كنت زَمَانا إِذا قَرَأت الْقُرْآن لَا أستعيذ من الشَّيْطَان وَأَقُول من الشَّيْطَان حَتَّى يحضر كَلَام الْحق
سَمِعت عبد الله بن عَليّ يَقُول سُئِلَ الحصري هَل يحتشم الْمُحب أَو يفزع فَقَالَ الْحبّ اسْتِهْلَاك لَا يبْقى مَعَه صفة وَأَنْشَأَ يَقُول
(قَالَت لقد سؤتنا فِي غير مَنْفَعَة ... بقرعك الْبَاب والحجاب مَا هجعوا)
(مَاذَا يريبك فِي الظلماء تطرقنا ... قلت الصبابة هَاجَتْ ذَاك والطمع)
(قَالَت لعمري لقد خاطرت ذَا جزع ... حَتَّى وثلت فَهَلا عاقك الْجزع)
(فَقلت مَا هُوَ إِلَّا الْقَتْل أَو ظفر ... بِمَا يَزُول بِهِ عَن مهجتي الْهَلَع)
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول فِي مَجْلِسه هُوَ أعز من أَن يعز على سواهُ وأعز من أَن يذل لَهُ غَيره وأعز من أَن يذل
стр. 349
لغيره بل هُوَ أذلّ مَا لَهُ لما لَهُ وعزز مَا لَهُ على مَا لَهُ وَلَيْسَ لمن أعز معنى عز بِهِ وَلَا لمن أذلّ معنى ذل بِهِ بل هُوَ أظهر الْجَمِيع ورسم بِأَنَّهُم عزوا وذلوا وَذَلِكَ هُوَ الْعِزّ الَّذِي لَا يرام
سَمِعت عبد الْوَاحِد بن بكر يَقُول سَمِعت الحصري يَقُول ضَاقَتْ على أوقاتي وأنفاسي فلست أستروح إِلَّا أَن تذكر أنفاس جرت مني بأنس الْبسط بصفاء الود مصونة عَن شوب الأكدار وَأنْشد هَذَا الْبَيْت
(إِن دهرا يلف شملي بسلمى ... لزمان يهم بِالْإِحْسَانِ)
٩٦ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله التروغبذي واسْمه مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن
كَذَلِك سَمِعت أَبَا نَاصِر الطوسي يَقُول
كَانَ من جلة مَشَايِخ طوس صحب أَبَا عُثْمَان الْحِيرِي وَمن فِي طبقته من الْمَشَايِخ وَصَارَ أوحد فِي طَرِيقَته ظَهرت لَهُ آيَات وكرامات وَكَانَ مُجَردا عالي الْحَال كَبِير الهمة مَاتَ بعد الْخمسين وثلاثمائة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول من بذل نَفسه لهواه وشغل عمره بمناه استبعده هَوَاهُ واسترقه مناه
قَالَ أَبُو نصر هَذِه تَرْجَمَة كَلَامه أَنا تَرْجَمته
وَقَالَ أَبُو عبد الله التروغبذي طُوبَى لمن لم يكن لَهُ وَسِيلَة إِلَى الله سواهُ فَإِنَّهُ لَا وَسِيلَة إِلَيْهِ غَيره
قَالَ وَقيل لأبي عبد الله التروغبذي مَا صفة المريد فَقَالَ المريد فِي تَعب وَلَكِن تَعبه سرُور وطرب لَا عناء وَلَا نصب
стр. 350
قَالَ وَقَالَ التروغبذي الْكبر سمة الْأَغْنِيَاء والتذلل والتواضع من أَخْلَاق الْفُقَرَاء
قَالَ وَقَالَ التروغبذي ترك الدُّنْيَا للدنيا من عَلَامَات حب الدُّنْيَا
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله التروغبذي لَيْسَ فِي اجْتِمَاع الإخوان أنس لوحشة الْفِرَاق
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من ضيع أَمر الله فِي صغره أذله الله فِي كبره
سَمِعت نصر بن أبي نصر الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول لَو خدم رجل فِي جَمِيع عمره يَوْمًا فَتى من الفتيان للحقته بركَة خدمته فَكيف بِمن أفنى فِي خدمتهم عمره
قَالَ وَسَأَلته عَن الصُّوفِي والزاهد فَقَالَ الصُّوفِي بربه والزاهد بِنَفسِهِ
سَمِعت ابا الْفضل الْعَطَّار يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول الْأَسْمَاء مكشوفة والمعاني مستورة
وسمعته يَقُول قَالَ لي أَبُو عبد الله إياك والتمييز فِي الْخدمَة فَإِن أَرْبَاب التَّمْيِيز قد مضوا اخدم الْكل ليحصل لَك المُرَاد وَلَا يفوتك الْمَقْصُود
قَالَ وسمعته يَقُول إِن الله تَعَالَى وهب لكل عبد من مَعْرفَته مِقْدَارًا وَحمله من الْبلَاء على مِقْدَار مَا وهب لَهُ من الْمعرفَة لتَكون مَعْرفَته عونا لَهُ على حمل بلائه
قَالَ وسمعته يَقُول مَا جزع النَّبِي ﷺ قطّ إِلَّا لأمته فَإِنَّهُ بعث بالرأفة وَالرَّحْمَة فَإِذا كشف لَهُ من أُمُور أمته عَن مُخَالفَة جزع لَهُم وَعَلَيْهِم قَالَ الله تَعَالَى ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ التَّوْبَة ١٢٨
قَالَ وَسمعت أَبَا عبد الله التروغبذي يَقُول الْعلم يُورث الْخَوْف وَالْعلم
стр. 351
يُورث الوجل وَالْعلم يُورث السكينَة والطمأنينة وَذَلِكَ على قدر أَحْوَال العبيد ومقاماتهم مقَام أوجب الْعلم فِيهِ الوجل وَالْخَوْف ومقام أوجب فِيهِ السّكُون والطمأنينة وَالْأَحْوَال تصح إِذا كَانَت عَن نتائج الْعُلُوم
٩٧ - وَمِنْهُم أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي واسْمه أَحْمد بن عَطاء بن أَحْمد الرُّوذَبَارِي
ابْن أُخْت أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي شيخ الشَّام فِي وقته يرجع إِلَى أَحْوَال يخْتَص بهَا وأنواع من الْعُلُوم من علم الْقرَاءَات فِي الْقُرْآن وَعلم الشَّرِيعَة وَعلم الْحَقِيقَة وأخلاق وشمائل يخْتَص بهَا وتعظيم للفقر وصيانة لَهُ وملازمة لآدابه ومحبة للْفُقَرَاء وميل إِلَيْهِم ورفق بهم
مَاتَ بصور فِي ذِي الْحجَّة سنة تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَأسْندَ الحَدِيث
أَخْبرنِي أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي إجَازَة قَالَ حَدثنَا عَليّ بن عبد الله العباسي قَالَ حَدثنَا الْحسن بن سعد قَالَ قَالَ مُحَمَّد بن أبي عُمَيْر قَالَ هِشَام بن سَالم قَالَ أَبُو عبد الله جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق ﵁ (اللَّحْم بِالْبرِّ مرقة الْأَنْبِيَاء) كَذَلِك حَدثنِي أبي عَن أَبِيه عَن جده عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يذكر ذَلِك
أخبرنَا أَبُو عَليّ مُحَمَّد بن سعيد قَالَ سَمِعت أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي يَقُول الذَّوْق أول المواجيد فَأهل الْغَيْبَة إِذا شربوا طاشوا وَأهل الْحُضُور إِذا شربوا عاشوا
стр. 352
قَالَ وسمعته يَقُول مَا من قَبِيح إِلَّا وأقبح مِنْهُ صوفي شحيح
وأنشدي أَحْمد بن مُحَمَّد بن نصر لنَفسِهِ فِي هَذَا الْمَعْنى
(أَشرت إِلَى الحبيب بلحظ طرفِي ... فَأَعْرض عَن إجَابَتِي الْمليح)
(فَقلت أضاع مذْهبه المرجي ... وَحُرْمَة ذَلِك الْعَهْد الصَّحِيح)
(ألم تسمع بألا قبح إِلَّا ... وأقبح مِنْهُ صوفي شحيح)
سَمِعت ابا نصر عبد الله بن عَليّ الطوسي يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله الرُّوذَبَارِي يَقُول رَأَيْت فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول لي أيش أصح مَا فِي الصَّلَاة فَقلت صِحَة الْقَصْد فَسمِعت هاتفا يَقُول رُؤْيَة الْمَقْصُود بِإِسْقَاط رُؤْيَة الْقَصْد أتم
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الْخُشُوع فِي الصَّلَاة عَلامَة فلاح الْمُصَلِّين قَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١٢
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي من خدم الْمُلُوك بِلَا عقل أسلمه الْجَهْل إِلَى الْقَتْل
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله الرُّوذَبَارِي من قلت آفاته اتَّصَلت بِالْحَقِّ أوقاته
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله مجالسة الاضداد ذوبان الرّوح ومجالسة الأشكال تلقيح الْعُقُول
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله لَيْسَ كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة وَلَيْسَ كل من يصلح للمؤانسة يؤتمن على الْأَسْرَار وَلَا يؤتمن على الْأَسْرَار إِلَّا الْأُمَنَاء فَقَط
стр. 353
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي وَسُئِلَ عَن الْقَبْض والبسط وَعَن حَال من قبض وَنعمته وَعَن حَال من بسط وَنعمته فَقَالَ إِن الْقَبْض أول أَسبَاب الفناء والبسط أول أَسبَاب الْبَقَاء فحال من قبض الْغَيْبَة وَحَال من بسط الْحُضُور ونعت من قبض الْحزن ونعت من بسط السرُور
قَالَ وَقَالَ أَبُو عبد الله من عَطش إِلَى حَالَة أتم مِمَّن دهش بهَا وَلَيْسَ من دهش بهَا أتم مِمَّن عَطش إِلَيْهَا وَهَذَا شَأْن قبض الْحق بالفناء وَبسطه بِالْبَقَاءِ
سَمِعت أَبَا نصر يَقُول سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول التصوف يَنْفِي عَن صَاحبه الْبُخْل وَكتب الحَدِيث يَنْفِي عَن صَاحبه الْجَهْل فَإِذا اجْتمعَا فِي شخص فناهيك بِهِ نبْلًا
أَنْشدني عَليّ بن سعيد الثغري قَالَ أَنْشدني أَحْمد بن عَطاء الرُّوذَبَارِي لنَفسِهِ
(فَمَا مل سَاقيهَا وَمَا مل شَارِب ... عقار لحاظ كأسه يسكر اللبا)
(يطوف بهَا طرف من السحر فاتر ... على جسم نور ضوؤه يخطف القلبا)
(يَقُول بِلَفْظ يخجل الصب حسنه ... تجاوزت يَا مشغوف فِي حالك الحبا)
(فسكرك من لحظي هُوَ الوجد كُله ... وصحوك من لَفْظِي يُبِيح لَك الشربا)
سَمِعت عَليّ بن سعيد يَقُول سَمِعت أَحْمد بن عَطاء يَقُول سر السماع ثَلَاثَة اشياء بلاغة الفاظه ولطف مَعَانِيه واستقامة منهاجه وسر النغمة ثَلَاثَة طيب الْخلق وتأدية الألحان وَصِحَّة الْإِيقَاع وسر الصَّادِق فِي السماع ثَلَاثَة الْعلم بِاللَّه وَالْوَفَاء بِمَا عَلَيْهِ وَجمع الْهم والوطن الَّذِي يسمع فِيهِ يحْتَاج أَن يجمع فِيهِ ثَلَاث خِصَال طيب الروائح وَكَثْرَة الْأَنْوَار وَحُضُور الْوَقار ويعدم ثَلَاث رُؤْيَة الأضداد ورؤية من يحتشم ورؤية من يتلهى
стр. 354
وَيسمع من ثَلَاث الصُّوفِيَّة والفقراء والمحبين لَهُم وَيسمع على ثَلَاثَة معَان على الْمحبَّة والوجد وَالْخَوْف وَالْحَرَكَة فِي السماع على ثَلَاث الطَّرب وَالْخَوْف والوجد والطرب لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الرقص والتصفيق والفرح وَالْخَوْف لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الْبكاء واللطم والزفرات والوجد لَهُ ثَلَاث عَلَامَات الْغَيْبَة والاصطلام والصرخات
٩٨ - وَمِنْهُم أَبُو الْحسن الصَّيْرَفِي وَهُوَ عَليّ بن بنْدَار بن الْحُسَيْن الصَّيْرَفِي
وَمُحَمّد بن أَحْمد بن جَعْفَر أَبُو بكر الشبهي
وَمُحَمّد بن أَحْمد بن حمدون الْفراء أَبُو بكر
وَعلي بن بنْدَار من جلة مَشَايِخ نيسابور ورزق من رُؤْيَة الْمَشَايِخ وصحبتهم مَا لم يرْزق غَيره صحب بنيسابور أَبَا عُثْمَان ومحفوظا وبسمرقند مُحَمَّد بن الْفضل وببلخ مُحَمَّد بن حَامِد وبجوزجان أَبَا عَليّ وبالري يُوسُف بن الْحُسَيْن وببغداد الْجُنَيْد بن مُحَمَّد ورويما وسمنون وَأَبا الْعَبَّاس بن عَطاء وَأَبا مُحَمَّد الْجريرِي وبالشام طَاهِرا الْمَقْدِسِي وَأَبا عبد الله ابْن الْجلاء وَأَبا عَمْرو والدمشقي وبمصر أَبَا بكر الْمصْرِيّ والزقاق وَأَبا عَليّ الرُّوذَبَارِي
كتب الحَدِيث الْكثير وَرَوَاهُ وَكَانَ ثِقَة مَاتَ سنة تسع وَخمسين وثلاثمائة
أخبرنَا عَليّ بن بنْدَار قَالَ حَدثنَا دَاوُد بن سُلَيْمَان بن خُزَيْمَة قَالَ حَدثنَا عبد الله بن عبد الرَّحْمَن السَّمرقَنْدِي قَالَ حَدثنَا يحيى بن حسان قَالَ حَدثنَا
стр. 355
سُلَيْمَان بن بِلَال عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (نعم الإدام الْخلّ)
سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول دخلت بِدِمَشْق على أبي عبد الله بن الْجلاء فَقَالَ مَتى دخلت دمشق قلت مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام فَقَالَ لي مَا لَك لم تجئني قلت ذهبت إِلَى ابْن جوصاء وكتبت عَنهُ الحَدِيث فَقَالَ لي شغلتك السّنة عَن الْفَرِيضَة
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي قَالَ سَأَلت عَليّ بن بنْدَار مَا التصوف فَقَالَ إِسْقَاط رُؤْيَة الْخلق ظَاهرا وَبَاطنا
قَالَ وَقَالَ عَليّ بن بنْدَار فَسَاد الْقُلُوب على حسب فَسَاد الزَّمَان وَأَهله
سَمِعت ابْنه أَبَا الْقَاسِم يَقُول كثيرا مَا كنت أسمع أبي ﵀ يَقُول دَار أسست على الْبلوى بِلَا بلوى محَال
قَالَ وسمعته يَقُول يَا بني إياك وَالْخلاف على الْخلق فَمن رَضِي الله بِهِ عبدا فارض بِهِ أَخا
قَالَ وَكَانَ يَقُول إياك والاشتغال بالخلق فقد عدم عَلَيْهِم الرِّبْح الْيَوْم
قَالَ وَرَأى مرّة فِي يَدي كتابا فَقَالَ مَا هَذَا قلت كتاب الْمعرفَة فَقَالَ ألم تكن الْمعرفَة فِي الْقُلُوب فقد صَارَت فِي الْكتب
سَمِعت أَبَا نصر الطوسي يَقُول سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول لَيْسَ الْفَقِير من يظْهر فقره إِنَّمَا الْفَقِير من يكتم فقره ويأنس بِهِ ويفرج
سَمِعت عَليّ بن بنْدَار يَقُول زمَان يذكر فِيهِ بالصلاح زمَان لَا يُرْجَى فِيهِ صَلَاح
следующие страницы →