← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وَأَصْحَابه وأوتوشيوس تَفْسِيره بالعربي أَبُو سعيد وَهَذَا أوتوشيوس كَانَ طَبِيبا حكيما وَأَنَّهُمْ لما أحرموه لم ينفوه كَمَا نفوا المحرومين وَكَانَ ذَلِك لحاجتهم إِلَى طبه وَترك فِي مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَلم يزل مُقيما بهَا حَتَّى مَاتَ مرقيان الْملك وليحيى النَّحْوِيّ هَذَا لقب آخر بالرومي يُقَال لَهُ فيلوبينوس أَي الْمُجْتَهد وَهُوَ وَمن جملَة السَّبْعَة الْحُكَمَاء المصنفين للجوامع السِّتَّة عشر وَغَيرهَا فِي مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة وَله مصنفات كَثِيرَة فِي الطِّبّ وَغَيره وَترك فِي مَدِينَة الْقُسْطَنْطِينِيَّة لعلمه وفضله وطبه وَقَامَ بعد مرقيان الْملك أسطيريوس الْملك فاعتل هَذَا الْملك عِلّة شَدِيدَة صعبة وَذَلِكَ من بعد سنتَيْن من حرم أوتوشيوس الْمَذْكُور فَدخل على الْملك وعالجه وبرأ من علته فَقَالَ لَهُ الْملك سلني كل حَاجَة لَك فَقَالَ لَهُ أوتوشيوس حَاجَتي إِلَيْك يَا سَيِّدي أَن أَسْقُف ذورلية وَقع بيني وَبَينه شَرّ شَدِيد وبغى عَليّ وقوى عزم أفلابيانوس بطريرك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَحمله على أَن جمع لي سوندس أَي مجمع وحرمني ظلما وعدوانا فحاجتي إِلَيْك يَا سَيِّدي أَن تجمع لي جمعا ينظرُونَ فِي أَمْرِي فَقَالَ لَهُ الْملك أَنا أفعل لَك هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَأرْسل الْملك إِلَى ديسقوروس صَاحب الْإسْكَنْدَريَّة ويوانيس بطرك أنطاكية فَأَمرهمْ أَن يحضروا عِنْده فَحَضَرَ ديسقوروس وَمَعَهُ ثَلَاثَة عشر أسقفا وَأَبْطَأ صَاحب أنطاكية وَلم يحضر وَأمر الْملك لديسقوروس أَن ينظر فِي أَمر أوتوشيوس وَأَن يحله من حرمه على أَي الْجِهَات كَانَ وَقَالَ لَهُ متوعدا إِنَّك أَن حللته من حرمه بررتك بِكُل بر وأحسنت إِلَيْك غَايَة الْإِحْسَان وَإِن لم تفعل ذَلِك قتلتك قتلا رديئا فَاخْتَارَ لنَفسِهِ الْبر على الْقَتْل فَعمل لَهُ مَجْلِسا هُوَ وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة عشر أسقفا وَمن حضر مَعَه أَيْضا فحسنوا قصَّته وحلوه من حرمه وَخرج أَسْقُف ذورالية وَأَصْحَابه وَانْصَرفُوا من الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَقد خالفوا رَأْي الْكَنِيسَة وَبِهَذَا السَّبَب كَانَ تعصب ديسقوروس لأوتوشيوس الْمَذْكُور الْمَعْرُوف بِيَحْيَى النَّحْوِيّ وَمَات مُخَالفا لمَذْهَب الرّوم المعروفين بالملكية وَمَات وَهُوَ يعقوبي مُخَالف للروم الْمَذْكُورين كتب يحيى النَّحْوِيّ وليحيى النَّحْوِيّ من الْكتب تَفْسِير كتاب قاطيغورياس لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أنالوطيقا الأولى لأرسطوطاليس فسر مِنْهَا إِلَى الأشكال الحملية تَفْسِير كتاب أنالوطقيا الثَّانِيَة لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الْكَوْن وَالْفساد لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب مايال لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الْفرق لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الصِّنَاعَة الصَّغِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب النبض الصَّغِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب أغلوقن لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الأسطقسات لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب المزاج لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب

стр. 142

القوى الطبيعية لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب التشريع الصَّغِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب تعرف علل الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب النبض الْكَبِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الحميات لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب البحران لِجَالِينُوسَ تَفْسِير أَيَّام البحران لِجَالِينُوسَ تفسر كتاب حلية الْبُرْء لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب تَدْبِير الأصحاء لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب مَنَافِع الْأَعْضَاء لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب الترياق لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب الفصد لِجَالِينُوسَ كتاب الرَّد على برقلس ثَمَان عشرَة مقَالَة كتاب فِي أَن كل جسم متناه فقوته متناهية كتاب الرَّد على أرسطوطاليس سِتّ مقالات مقَالَة يرد فِيهَا على نسطورس كتاب يرد فِيهِ على قوم لَا يعْرفُونَ مقالتان مقَالَة أُخْرَى يرد فِيهَا على قوم آخر مقَالَة فِي النبض نقضه للثمان عشرَة مَسْأَلَة لديد وخس برقلس الأفلاطوني شرح كتاب أيساغوجي لفرفوريوس قَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن رضوَان فِي كتاب الْمَنَافِع فِي كَيْفيَّة تَعْلِيم صناعَة الطِّبّ وَإِنَّمَا اقْتصر الإسكندرانيون على الْكتب السِّتَّة عشر من سَائِر كتب جالينوس فِي التَّعْلِيم ليَكُون المشتغل بهَا إِن كَانَت لَهُ قريحة جَيِّدَة وهمة حَسَنَة وحرص على التَّعْلِيم فَإِنَّهُ إِذا نظر فِي هَذِه الْكتب اشتاقت نَفسه بِمَا يرى فِيهَا من عَجِيب حِكْمَة جالينوس فِي الطِّبّ إِلَى أَن ينظر فِي بَاقِي مَا يجد من كتبه وَكَانَ ترتيبهم لهَذِهِ الْكتب فِي سبع مَرَاتِب أما الْمرتبَة الأولى فَإِنَّهُم جعلوها بِمَنْزِلَة الْمدْخل إِلَى صناعَة الطِّبّ فَإِن من تحصل لَهُ هَذِه الْمرتبَة يُمكنهُ أَن يتعاطى أَعمال الطِّبّ الْجُزْئِيَّة فَإِن كَانَ مِمَّن لَهُ فرَاغ ودواع تَدعُوهُ إِلَى التَّعْلِيم والازدياد تعلم مَا بعْدهَا وَإِن لم يكن لَهُ ذَلِك لم يكد يخفي عَلَيْهِ مَنَافِعه فِي علاج للأمراض وَجَمِيع مَا فِي هَذِه الْمرتبَة أَرْبَعَة كتب أَولهَا كتاب الْفرق وَهُوَ مقَالَة وَاحِدَة يُسْتَفَاد مِنْهُ قوانين العلاج على رَأْي أَصْحَاب التجربة وقوانينه أَيْضا على رَأْي أَصْحَاب الْقيَاس إِذْ كَانَ بالتجربة وَالْقِيَاس يسْتَخْرج النَّاس جَمِيع مَا فِي الصَّنَائِع وَمَا اتفقَا عَلَيْهِ فَهُوَ الْحق وَمَا اخْتلفَا فِيهِ نظر فَإِن كَانَ طَرِيقه الْقيَاس عمل على قوانين الْقيَاس فِيهِ وَإِن كَانَ طَرِيقه التجربة عمل على قوانين التجربة فِيهِ وَالثَّانِي كتاب الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة مقَالَة وَاحِدَة يُسْتَفَاد مِنْهَا جمل صناعَة الطِّبّ كلهَا النظري مِنْهَا والعملي وَالثَّالِث كتاب النبض الصَّغِير وَهُوَ أَيْضا مقَالَة وَاحِدَة يُسْتَفَاد مِنْهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ المتعلم من الِاسْتِدْلَال بالنبض على مَا ينْتَفع بِهِ فِي الْأَمْرَاض وَالرَّابِع الْكتاب الْمُسَمّى باغلوقن وَهُوَ مقالتان وَيُسْتَفَاد مِنْهُ كَيْفيَّة التأني فِي شِفَاء الْأَمْرَاض وَلِأَن من يتعاطى الْأَعْمَال الْجُزْئِيَّة من الطِّبّ يضْطَر إِلَى معرفَة قوى مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الأغذية والأدوية وَإِلَى أَن يُبَاشر بِنَفسِهِ أَعمال الْيَد من صناعَة الطِّبّ لزمَه أَن ينظر فِيمَا تَدعُوهُ إِلَيْهِ الْحَاجة

стр. 143

من الْكتب الَّتِي سَمَّاهَا جالينوس فِي آخر الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة أَو يتَعَلَّم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك تلقينا ومشاهدة فَصَارَت هَذِه الْأَرْبَعَة كتب الَّتِي فِي الْمرتبَة الأولى مقنعة للمتعلم فِي تَعْلِيم صناعَة الطِّبّ فَأَما الْكَامِل فَإِنَّهُ يتَذَكَّر بهَا جَمِيع مَا فهمه من الصِّنَاعَة فَأَما الْمرتبَة الثَّانِيَة فَأَنَّهَا أَيْضا أَرْبَعَة كتب الأول مِنْهَا كتاب الأسطقسات وَهُوَ مقَالَة وَاحِدَة يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن بدن الْإِنْسَان وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ سريع التَّغَيُّر قَابل للاستحالة فَمن ذَلِك أسطقسات الْبدن الْقَرِيبَة مِنْهُ وَهِي الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء أَعنِي الْعِظَام والأعصاب والشرايين وَالْعُرُوق والأغشية وَاللَّحم والشحم وَغير ذَلِك وأسطقسات هَذِه الْأَعْضَاء الأخلاط أَعنِي الدَّم والصفراء والسوداء والبلغم واستقسات هَذِه الأخلاط النَّار والهواء وَالْمَاء وَالْأَرْض فَإِن مبدأ التكون من هَذِه الْأَرْبَعَة وَأخذ الانحلال إِلَيْهَا وَإِن هَذِه الأسطقسات قَابِلَة للتغيير والاستحالة وَهَذَا الْكتاب هُوَ أول كتاب يصلح أَن يبْدَأ بِهِ من أَرَادَ استكمال تَعْلِيم صناعَة الطِّبّ وَالثَّانِي كتاب المزاج وَهُوَ ثَلَاث مقالات يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة أَصْنَاف المزاج وَبِمَا يتقوم كل وَاحِد مِنْهَا وبماذا يسْتَدلّ عَلَيْهِ إِذا حدث وَالثَّالِث كتاب القوى الطبيعية وَهُوَ أَيْضا ثَلَاث مقالات يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة القوى الَّتِي تدبر بهَا طبيعة الْبدن وأسبابها والعلامات الَّتِي يسْتَدلّ بهَا عَلَيْهَا وَالرَّابِع كتاب التشريح الصَّغِير وَهُوَ خمس مقالات وَضعهَا جالينوس مُتَفَرِّقَة وَإِنَّمَا الإسكندرانيون جمعوها وجعلوها كتابا وَاحِدًا يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة أَعْضَاء الْبدن المتشابهة وعددها وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِيهَا وَهَذِه الْكتب الَّتِي فِي هَذِه الْمرتبَة الثَّانِيَة يُسْتَفَاد من جَمِيعهَا الْأُمُور الطبيعية للبدن أَعنِي الَّتِي قوامه بهَا وَإِذا نظر فِيهَا محب التَّعْلِيم اشتاق أَيْضا إِلَى النّظر فِي كل مَا يتَعَلَّق بطبيعة الْبدن أما كتاب المزاج فيشوق إِلَى مقَالَته فِي خصب الْبدن ومقالته فِي الْهَيْئَة الفاضلة ومقالته فِي سوء المزاج الْمُخْتَلف وَكتابه فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَنَحْو هَذَا وَأما كتاب القوى الطبيعية فيشوق إِلَى كِتَابه فِي المنى وَكتابه فِي مَنَافِع الْأَعْضَاء وَسَائِر مَا وَضعه جالينوس فِي القوى والأرواح وَالْأَفْعَال وَأما كتاب التشريح الصَّغِير فيشوق إِلَى كِتَابه فِي عمل التشريح وَنَحْوه وَأما الْمرتبَة الثَّالِثَة فكتاب وَاحِد فَقَط فِيهِ سِتّ مقالات وَهُوَ كتاب الْعِلَل والأعراض وجالينوس وضع مقالات هَذَا الْكتاب مُتَفَرِّقَة وَإِنَّمَا الإسكندرانيون جمعوها وجعلوها فِي كتاب وَاحِد يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة الْأَمْرَاض وأسبابها والأعراض الْحَادِثَة عَن الْأَمْرَاض وَهَذَا بَاب عَظِيم الْغناء فِي صناعَة الطِّبّ على رَأْي أَصْحَاب الْقيَاس وَهُوَ أصل عَظِيم إِذا وقف الْإِنْسَان على مَا فِي هَذَا الْكتاب وفهمه لم يخف عَلَيْهِ شَيْء من صناعَة الطِّبّ

стр. 144

وَأما الْمرتبَة الرَّابِعَة فكتابان أَحدهمَا كتاب تعرف علل الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة سِتّ مقالات يُسْتَفَاد مِنْهُ تَعْرِيف كل عِلّة من الْعِلَل الَّتِي تحدث فِي الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة فَإِن هَذِه الْأَعْضَاء لَا تدْرك أمراضها بالعيان لِأَنَّهَا خُفْيَة عَن الْحس فَيحْتَاج إِلَى أَن يسْتَدلّ عَلَيْهَا بعلامات تقوم كل وَاحِد مِنْهَا فَإِذا ظَهرت العلامات المقومة تَيَقّن أَن الْعُضْو الْفُلَانِيّ عِلّة كَذَا مِثَاله ذَات الْجنب ورم حَار يحدث فِي الغشاء المستبطن للأضلاع والعلامة الَّتِي تقومه ضيق النَّفس والوجع الناخس والحمى والسعال فَإِن هَذِه إِذا اجْتمعت علم أَن فِي الغشاء المستبطن للأضلاع ورما حارا وَلم يضع جالينوس كتابا فِي تعرف علل الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة إِذا كَانَت هَذِه الْعِلَل تقع تَحت العيان فيكتفي فِي تعرفها نظرها بَين يَدي المعلمين عيَانًا فَقَط وَالثَّانِي كتاب النبض الْكَبِير وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى أَرْبَعَة أَجزَاء كل جُزْء مِنْهُ أَربع مقالات يُسْتَفَاد من الْجُزْء الأول مِنْهُ معرفَة أَصْنَاف النبض وجزئيات كل صنف مِنْهَا وَمن الثَّانِي تَعْرِيف أَدْرَاك كل وَاحِد من أَصْنَاف النبض وَمن الثَّالِث تَعْرِيف أَسبَاب النبض وَمن الرَّابِع تَعْرِيف مَنَافِع أَصْنَاف النبض وَهَذَا بَاب عَظِيم النَّفْع فِي الِاسْتِدْلَال على الْأَمْرَاض وَمَعْرِفَة قواها ونسبتها إِلَى قُوَّة الْبدن وَأما الْمرتبَة الْخَامِسَة فَثَلَاثَة كتب الأول مِنْهَا كتاب الحميات مقالتان يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة طبائع أَصْنَاف الحميات وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على كل صنف مِنْهَا وَالثَّانِي كتاب البحران ثَلَاث مقالات يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة أَوْقَات الْمَرَض ليعطي فِي كل وَقت مِنْهَا مَا يُوَافق فِيهِ وَمَعْرِفَة مَا يؤول إِلَيْهِ الْحَال فِي كل وَاحِد من الْأَمْرَاض هَل يؤول أمره إِلَى السَّلامَة أم لَا وَكَيف يكون وبماذا يكون وَالثَّالِث كتاب أَيَّام البحران وَهُوَ أَيْضا ثَلَاث مقالات يُسْتَفَاد مِنْهُ معرفَة أَوْقَات البحران وَمَعْرِفَة الْأَيَّام الَّتِي يكون فِيهَا وَأَسْبَاب ذَلِك وعلاماته وَأما الْمرتبَة السَّادِسَة فكتاب وَاحِد وَهُوَ كتاب حِيلَة الْبُرْء أَربع عشرَة مقَالَة يُسْتَفَاد مِنْهُ قوانين العلاج على رَأْي أَصْحَاب الْقيَاس فِي كل وَاحِد من الْأَمْرَاض وَهَذَا الْكتاب إِذا نظر فِيهِ الْإِنْسَان اضطره إِلَى أَن ينظر فِي كتاب الْأَدْوِيَة المفردة وَفِي كتب جالينوس فِي الْأَدْوِيَة المركبة أَعنِي قاطاجانس والميامر وَكتاب المعجونات وَنَحْو هَذِه الْكتب وَأما الْمرتبَة السَّابِعَة فكتاب وَاحِد وَهُوَ كتاب تَدْبِير الأصحاء سِتّ مقالات يُسْتَفَاد

стр. 145

مِنْهُ حفظ صِحَة كل وَاحِد من الْأَبدَان وَهَذَا الْكتاب إِذا نظر فِيهِ الْإِنْسَان اضطره إِلَى أَن ينظر فِي كتاب الأغذية وَفِي كِتَابه فِي جودة الكيموس ورداءته وَفِي كِتَابه فِي التَّدْبِير الملطف وَفِي شَرَائِط الرياضة مِثَال ذَلِك مَا فِي كتاب جالينوس فِي الرياضة بالكرة الصَّغِيرَة وَنَحْو هَذَا فالكتب السِّتَّة عشر الَّتِي اقْتصر الإسكندرانيون على تعليمها تَدْعُو النَّاظر فِيهَا إِلَى النّظر فِي جَمِيع كتب جالينوس الَّتِي اسْتكْمل بهَا صناعَة الطِّبّ مِثَال ذَلِك أَن النّظر فِي كتاب آلَة الشَّام يتَعَلَّق بِمَا فِي الْمرتبَة الثَّانِيَة وَالنَّظَر فِي كِتَابه فِي علل التنفس يتَعَلَّق أَيْضا بِهَذِهِ الْمرتبَة وَالنَّظَر فِي كِتَابه فِي سوء التنفس وَفِي كِتَابه فِي مَنْفَعَة التنفس وَكتابه فِي مَنْفَعَة النبض وَكتابه فِي حَرَكَة الصَّدْر والرئة وَكتابه فِي الصَّوْت وَكتابه فِي الحركات المعتاصة وَكتابه فِي أدوار الحميات وَكتابه فِي أَوْقَات الْأَمْرَاض وَغير ذَلِك من كتبه ومقالاته ورسائله كل وَاحِد مِنْهَا لَهُ تعلق بِوَاحِدَة من الْمَرَاتِب السَّبع أَو بِأَكْثَرَ من مرتبَة وَاحِدَة تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى النّظر فِيهِ فَإِذا مَا فعله الإسكندرانيون فِي ذَلِك حِيلَة حَسَنَة فِي حث المشتغل بهَا على التبحر فِي صناعَة الطِّبّ وَأَن تُؤَدِّيه الْعِنَايَة وَالِاجْتِهَاد إِلَى النّظر فِي سَائِر كتب جالينوس قَالَ أَبُو الْفرج ابْن هندو فِي كتاب مِفْتَاح الطِّبّ أَن هَذِه الْكتب الَّتِي اتخذها الإسكندرانيون من كتب جالينوس وَعمِلُوا لَهَا جَوَامِع وَزَعَمُوا أَنَّهَا تغني عَن متون كتب جالينوس وتكفي كلفة مَا فِيهَا من التوابع والفصول قَالَ أَبُو الْخَيْر بن الْخمار وَهُوَ أستاذ أبي الْفرج بن هندو أَنا أَظن أَنهم قد قصروا فِيمَا جَمَعُوهُ من ذَلِك لأَنهم يعوزهم الْكَلَام فِي الأغذية والأهوية والأدوية قَالَ وَالتَّرْتِيب أَيْضا قصروا فِيهِ لِأَن جالينوس بَدَأَ من الشتريح ثمَّ صَار إِلَى القوى وَالْأَفْعَال ثمَّ إِلَى الأسطقسات قَالَ أَبُو الْفرج وَأَنا أرى أَن الإسكندرانيين إِنَّمَا اقتصروا على الْكتب السِّتَّة عشر لَا من حَيْثُ هِيَ كَافِيَة فِي الطِّبّ وحاوية للغرض بل من حَيْثُ افْتَقَرت إِلَى الْمعلم واحتاجت إِلَى الْمُفَسّر وَلم يُمكن أَن يقف المتعلم على أسرارها والمعاني الغامضة فِيهَا من غير مذاكرة ومطارحة وَمن دون مُرَاجعَة ومفاوضة فَأَما الْكتب الَّتِي ذكرهَا الْأُسْتَاذ أَبُو الْخَيْر بن الْخمار فالطبيب مُضْطَر إِلَى مَعْرفَتهَا وإضافتها إِلَى الْكتب الَّتِي عددناها غير أَنه يُمكنهُ من نَفسه الْوُقُوف على مَعَانِيهَا واستنباط الْأَغْرَاض مِنْهَا بِالْقُوَّةِ المستفادة من السِّتَّة عشر الَّتِي هِيَ القوانين لما سواهَا والمراقي إِلَى مَا عَداهَا فَإِن قلت فَمَا حجَّة الإسكندرانيين فِي ترتيبهم لهَذِهِ الْكتب قُلْنَا إِنَّهُم رتبوا بَعْضهَا بِحَسب اسْتِحْقَاقه فِي نَفسه بِمَنْزِلَة

стр. 146

كتاب الْفرق فَإِنَّهُ وَجب تَقْدِيمه لتتنقى بِهِ نفس المتعلم من شكوك أَصْحَاب التجربة والمحتالين ومغالطاتهم ويتحقق رَأْي أَصْحَاب الْقيَاس فيقتدي بهم وبمنزلة الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة فَإِنَّهَا لما كَانَت فِيهَا شرارة من صناعَة الطِّبّ كَانَ الأولى أَن يتبع بهَا كتاب الْفرق وَيجْعَل مدخلًا إِلَى الطِّبّ ورتبوا بَعْضهَا بِحَسب مَا توجبه إِضَافَته إِلَى غَيره بِمَنْزِلَة الْكتاب الصَّغِير فِي النبض فَإِنَّهُ جعل تَابعا للصناعة الصَّغِيرَة لِأَن جالينوس ذكر فِيهَا النبض عِنْد ذكره لمزاج الْقلب وَوَجَب أَيْضا تَقْدِيمه على كتاب جالينوس إِلَى أغلوقن لِأَنَّهُ تكلم فِي هَذَا الْكتاب فِي الحميات والنبض وَهُوَ أول شَيْء يعرف مِنْهُ أَمر الحميات على أَن التَّرْتِيب الَّذِي ذكره الْأُسْتَاذ أَبُو الْخَيْر أَن جالينوس أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ لعمري التَّرْتِيب الصناعي وَذَلِكَ أَنه يجب على كل ذِي صناعَة أَن يتدرج فِي تعليمها من الْأَظْهر إِلَى الأخفى وَمن الْأَخير إِلَى المبدأ والتشريح هُوَ علم الْبدن وأعضائه وَهَذِه هِيَ أول مَا يظْهر لنا من الْإِنْسَان وَإِن آخر مَا تَفْعَلهُ الطبيعة فَإِن الطبيعة تَأْخُذ أَولا الأسطقسات ثمَّ تمزجها فَيحصل مِنْهَا الأخلاط ثمَّ تفعل القوى والأعضاء فَيجب أَن يكون طريقنا فِي التَّعْلِيم بِالْعَكْسِ من طَرِيق الطبيعة فِي التكوين وَلَكنَّا نَدع هَذَا الِاضْطِرَار وَنرْضى تَرْتِيب الإسكندرانيين لِأَن الْعلم حَاصِل على كل حَال وخرق إِجْمَاع الْحُكَمَاء مَعْدُود من الْخرق أَقُول وللإسكندرانيين أَيْضا جَوَامِع كَثِيرَة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة والطب وَلَا سِيمَا لكتب جالينوس وشروحاتها لكتب أبقراط فَأَما الْأَطِبَّاء المذكورون من النَّصَارَى وَغَيرهم مِمَّن كَانَ معاصرا هَؤُلَاءِ الْأَطِبَّاء الإسكندرانيين وقريبا من أزمنتهم فَمنهمْ شَمْعُون الراهب الْمَعْرُوف بطيبويه وأهرن القس صَاحب الكناش وَألف كناشه بالسُّرْيَانيَّة وَنَقله مَا سرجيس إِلَى الْعَرَبِيّ وَهُوَ ثَلَاثُونَ مقَالَة وَزَاد ماسرجيس مقالتين ويوحنا بن سرابيون وَجَمِيع مَا ألف سرياني وَكَانَ وَالِده سرابيون طَبِيبا من أهل باجرمي وَخرج ولداه طبيبين فاضلين وهما يوحنا وداوود وليوحنا بن سرابيون من الْكتب كناشه الْكَبِير اثْنَتَا عشرَة مقَالَة كناشه الصَّغِير وَهُوَ الْمَشْهُور سبع مقالات وَنَقله الحديثي الْكَاتِب لأبي الْحسن بن نَفِيس المتطبب فِي سنة ثَمَان عشرَة وثلاثمائة وَهُوَ أحسن عبارَة من نقل الْحسن بن البهلول الْأَوَانِي الطبرهاني وَنَقله أَيْضا أَبُو الْبشر مَتى

стр. 147

وَمِنْهُم أنطيلس وبرطلاوس وسندهشار والقهلمان وَأَبُو جريج الراهب وأوراس وبوينوس الْبَيْرُوتِي وسيورخنا وفلاغوسوس وَعِيسَى بن قسطنطين ويكنى أَبَا مُوسَى وَكَانَ من جملَة أفاضل الْأَطِبَّاء وَله من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة كتاب فِي البواسير وعللها وعلاجها وأرس وسرجس الرَّأْس عَيْني وَهُوَ أول من نقل كتب اليونانيين على مَا قيل إِلَى لُغَة السريانيين وَكَانَ فَاضلا وَله مصنفات كَثِيرَة فِي الطِّبّ والفلسفة وأطنوس الْآمِدِيّ صَاحب الكناش الْمَعْرُوف ببقوقونا وغريغوريوس صَاحب الكناش وَأكْثر كتب هَؤُلَاءِ مَوْجُودَة وَقد نقل الرَّازِيّ كثيرا من كَلَامهم فِي كناشه الْكَبِير الْجَامِع الْمَعْرُوف بالحاوي

стр. 148

الْبَاب السَّابِع طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا فِي أول ظُهُور الْإِسْلَام من أطباء الْعَرَب وَغَيرهم الْحَرْث بن كلدة الثَّقَفِيّ كَانَ من الطَّائِف وسافر فِي الْبِلَاد وَتعلم الطِّبّ بِنَاحِيَة فَارس وتمرن هُنَاكَ وَعرف الدَّاء والدواء وَكَانَ يضْرب بِالْعودِ تعلم ذَلِك أَيْضا بِفَارِس واليمن وَبَقِي أَيَّام رَسُول الله ﷺ وَأَيَّام أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي بن أبي طَالب وَمُعَاوِيَة ﵃ وَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة مَا الطِّبّ يَا حَارِث فَقَالَ الأزم يَعْنِي الْجُوع ذكر ذَلِك ابْن جلجل وَقَالَ الْجَوْهَرِي فِي كتاب الصِّحَاح الأزم الْمسك يُقَال أزم الرجل عَن الشَّيْء أمسك عَنهُ وَقَالَ أَبُو زيد الأزم الَّذِي ضم شَفَتَيْه وَفِي الحَدِيث أَن عمر ﵁ سَأَلَ الْحَرْث بن كلدة مَا الدَّوَاء فَقَالَ الأزم يَعْنِي الحمية قَالَ وَكَانَ طَبِيب الْعَرَب ويروى عَن سعد بن أبي وَقاص ﵁ أَنه مرض بِمَكَّة مَرضا فعاده رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أدعوا لَهُ الْحَرْث بن كلدة فَإِنَّهُ رجل يتطبب فَلَمَّا عَاده الْحَرْث نظر إِلَيْهِ وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْس اتَّخذُوا لَهُ فريقة بِشَيْء من تمر عَجْوَة وحلبة يطبخان فتحساها فبرئ

стр. 149

وَكَانَت للحرث معالجات كَثِيرَة وَمَعْرِفَة بِمَا كَانَت الْعَرَب تعتاده وتحتاج إِلَيْهِ من المداواة وَله كَلَام مستحسن فِيمَا يتَعَلَّق بالطب وَغَيره كَلَام الْحَارِث مَعَ كسْرَى من ذَلِك أَنه لما وَفد على كسْرَى أنو شرْوَان أذن لَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ منتصبا قَالَ لَهُ من أَنْت قَالَ أَنا الْحَرْث بن كلدة الثَّقَفِيّ قَالَ فَمَا صناعتك قَالَ الطِّبّ قَالَ أعربي أَنْت قَالَ نعم من صميمها وجبوحة دارها قَالَ فَمَا تصنع الْعَرَب بطبيب مَعَ جهلها وَضعف عقولها وَسُوء أغذيتها قَالَ أَيهَا الْملك إِذا كَانَت هَذِه صفتهَا كَانَت أحْوج إِلَى من يصلح جهلها وَيُقِيم عوجها ويسوس أبدانها ويعدل أمشاجها فَإِن الْعَاقِل يعرف ذَلِك من نَفسه ويميز مَوضِع دائه ويحتزر عَن الأدواء كلهَا بِحسن سياسته لنَفسِهِ قَالَ كسْرَى فَكيف تعرف مَا تورده عَلَيْهَا وَلَو عرفت الْحلم لم تنْسب إِلَى الْجَهْل قَالَ الطِّفْل يناغي فيداوى والحية ترقى فتحاوى ثمَّ قَالَ أَيهَا الْملك الْعقل من قسم الله تَعَالَى قسمه بَين عباده كقسمة الرزق فيهم فَكل من قسمته أصَاب وَخص بهَا قوم وَزَاد فَمنهمْ مثر ومعدم وجاهل وعالم وعاجز وحازم وَذَلِكَ تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم فأعجب كسْرَى من كَلَامه ثمَّ قَالَ فَمَا الَّذِي تحمد من أخلاقها ويعجبك من مذاهبها وسجاياها قَالَ الْحَرْث أَيهَا الْملك لَهَا أنفس سخية وَقُلُوب جرية ولغة فصيحة وألسن بليغة وأنساب صَحِيحَة وأحساب شريفة يَمْرُق من أَفْوَاههم الْكَلَام مروق السهْم من نبعة الرام أعذب من هَوَاء الرّبيع وألين من سلسبيل الْمعِين مطعمو الطَّعَام فِي الجدب وضاربو الْهَام فِي الْحَرْب لَا يرام عزهم وَلَا يضام جارهم وَلَا يستباح حريمهم وَلَا يذل أكْرمهم وَلَا يقرونَ بِفضل للأنام إِلَّا للْملك الْهمام الَّذِي لَا يُقَاس بِهِ أحد وَلَا يوازيه سوقة وَلَا ملك فَاسْتَوَى كسْرَى جَالِسا وَجرى مَاء رياضة الْحلم فِي وَجهه لما سمع من مُحكم كَلَامه وَقَالَ لجلسائه إِنِّي وجدته راجحا ولقومه مادحا وبفضيلتهم ناطقا وَبِمَا يُورِدهُ من لَفظه صَادِقا وَكَذَا

стр. 150

الْعَاقِل من أحكمته التجارب ثمَّ أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ فَقَالَ كَيفَ بَصرك بالطب قَالَ ناهيك قَالَ فَمَا أصل الطِّبّ قَالَ الأزم قَالَ فَمَا الأزم قَالَ ضبط الشفتين والرفق باليدين قَالَ أصبت وَقَالَ فَمَا الدَّاء الدوي قَالَ إِدْخَال الطَّعَام على الطَّعَام هُوَ الَّذِي يفني الْبَريَّة وَيهْلك السبَاع فِي جَوف الْبَريَّة قَالَ أصبت وَقَالَ فَمَا الْجَمْرَة الَّتِي تصطلم مِنْهَا الأدواء قَالَ هِيَ التُّخمَة إِن بقيت فِي الْجوف قتلت وَإِن تحللت أسقمت قَالَ صدقت وَقَالَ فَمَا تَقول فِي الْحجامَة قَالَ فِي نُقْصَان الْهلَال فِي يَوْم صحو لَا غيم فِيهِ وَالنَّفس طيبَة وَالْعُرُوق سَاكِنة لسرور يفاجئك وهم يباعدك قَالَ فَمَا تَقول فِي دُخُول الْحمام قَالَ لَا تدخله شبعانا وَلَا تغش أهلك سكرانا وَلَا تقم بِاللَّيْلِ عُريَانا وَلَا تقعد على الطَّعَام غضبانا وارفق بِنَفْسِك يكن أرْخى لبالك وقلل من طَعَامك يكن أهنأ لنومك قَالَ فَمَا تَقول فِي الدَّوَاء قَالَ مَا لزمتك الصِّحَّة فاجتنبه فَإِن هاج دَاء فاحسمه بِمَا يردعه قبل استحكامه فَإِن الْبدن بِمَنْزِلَة الأَرْض إِن أصلحتها عمرت وَإِن تركتهَا خربَتْ قَالَ فَمَا تَقول فِي الشَّرَاب قَالَ أطيبه أهنأه وأرقه امرأه وأعذبه إشهاده لَا تشربه صرفا فيورثك صداعا وتثير عَلَيْك من الأدواء أنواعا قَالَ فَأَي اللحمان أفضل قَالَ الضَّأْن الفتي والقديد المالح مهلك للآكل واجتنب لحم الْجَزُور وَالْبَقر قَالَ فَمَا تَقول فِي الْفَوَاكِه قَالَ كلهَا فِي إقبالها وَحين أوانها واتركها إِذا أَدْبَرت وَوَلَّتْ وانقضى زمانها وَأفضل الْفَوَاكِه الرُّمَّان والأترج وَأفضل الرياحين الْورْد والبنفسج وَأفضل الْبُقُول الهندباء والخس قَالَ فَمَا تَقول فِي شرب المَاء قَالَ هُوَ حَيَاة الْبدن وَبِه قوامه ينفع مَا شرب مِنْهُ بِقدر وشربه بعد النّوم ضَرَر أفضله امرأه وأرقه أصفاه وَمن عِظَام أَنهَار الْبَارِد الزلَال لم يخْتَلط بِمَاء الآجام والآكام ينزل من صرادح المسطان ويتسلل عَن الرضراض وَعِظَام الْحَصَى فِي الإيفاع قَالَ فَمَا طعمه قَالَ لَا يُوهم لَهُ طعم إِلَّا أَنه مُشْتَقّ من الْحَيَاة

стр. 151

قَالَ فَمَا لَونه قَالَ اشْتبهَ على الْأَبْصَار لَونه لِأَنَّهُ يَحْكِي لون كل شَيْء يكون فِيهِ قَالَ أَخْبرنِي عَن أصل الْإِنْسَان مَا هُوَ قَالَ أَصله من حَيْثُ شرب المَاء يَعْنِي رَأسه قَالَ فَمَا هَذَا النُّور فِي الْعَينَيْنِ مركب من ثَلَاثَة أَشْيَاء فالبياض شَحم والسواد مَاء والناظر ريح قَالَ فعلى كم جبل وطبع هَذَا الْبدن قَالَ على أَربع طبائع الْمرة السَّوْدَاء وَهِي بَارِدَة يابسة والمرة الصَّفْرَاء وَهِي حارة يابسة وَالدَّم وَهُوَ حَار رطب والبلغم وَهُوَ بَارِد رطب قَالَ فَلم لم يكن من طبع وَاحِد قَالَ لَو خلق من طبع وَاحِد لم يَأْكُل وَلم يشرب وَلم يمرض وَلم يهْلك قَالَ فَمن طبيعتين لَو كَانَ اقْتصر عَلَيْهِمَا قَالَ لم يجز لِأَنَّهُمَا ضدان يقتتلان قَالَ فَمن ثَلَاث قَالَ لم يصلح موافقان ومخالف فالأربع هُوَ الِاعْتِدَال وَالْقِيَام قَالَ فأجمل لي الْحَار والبارد فِي أحرف جَامِعَة قَالَ كل حُلْو حَار وكل حامض بَارِد وكل حريف حَار وكل مر معتدل وَفِي المر حَار وبارد قَالَ فَاضل مَا عولج بِهِ الْمرة الصَّفْرَاء قَالَ كل بَارِد لين قَالَ فالمرة السَّوْدَاء قَالَ لين قَالَ والبلغم قَالَ كل حَار يَابِس قَالَ وَالدَّم قَالَ إِخْرَاجه إِذا زَاد وتطفئته إِذا سخن بالأشياء الْبَارِدَة الْيَابِسَة قَالَ فالرياح قَالَ بالحقن اللينة والأدهان الحارة اللينة قَالَ افتأمر بالحقنة قَالَ نعم قَرَأت فِي بعض كتب الْحُكَمَاء أَن الحقنة تنقي الْجوف وتكسح الأدواء عَنهُ وَالْعجب لمن احتقن كَيفَ يهرم أَو يعْدم الْوَلَد وَأَن الْجَهْل كل الْجَهْل من أكل مَا قد عرف مضرته ويؤثر شَهْوَته على رَاحَة بدنه قَالَ فَمَا الحمية قَالَ الاقتصاد فِي كل شَيْء فَإِن الْأكل فَوق الْمِقْدَار يضيق على الرّوح ساحتها ويسد مسامها قَالَ فَمَا تَقول فِي النِّسَاء وإتيانهن قَالَ كَثْرَة غشيانهن رَدِيء وَإِيَّاك وإتيان الْمَرْأَة المسنة فَإِنَّهَا كالشن الْبَالِي تجذب قوتك وتسقم بدنك مَاؤُهَا سم قَاتل ونفسها موت عَاجل تَأْخُذ مِنْك الْكل وَلَا تعطيك الْبَعْض والشابة مَاؤُهَا عذب زلال وعناقها غنج ودلال فوها بَارِد وريقها عذب رِيحهَا طيب وهنها ضيق تزيدك قُوَّة إِلَى قوتك ونشاطا إِلَى نشاطك قَالَ فأيهن الْقلب إِلَيْهَا أميل وَالْعين برؤيتها أسر قَالَ إِذا أصبتها المديدة الْقَامَة الْعَظِيمَة الهامة وَاسِعَة الجبين أقناة الْعرنِين كحلاء لعساء صَافِيَة الخد عريضة الصَّدْر مليحة النَّحْر فِي خدها رقة وَفِي شفتيها لعس مقرونة الحاجبين ناهدة الثديين لَطِيفَة الخصر والقدمين بَيْضَاء

стр. 152

فرغاء جعدة غضة بضة تخالها فِي الظلمَة بَدْرًا زاهرا تَبَسم عَن أقحوان وَعَن مبسم كالأرجوان كَأَنَّهَا بَيْضَة مكنونة أَلين من الزّبد وَأحلى من الشهد وأنزه من الفردوس والخلد وأزكى ريحًا من الياسمين والورد تفرح بقربها وتسرك الْخلْوَة مَعهَا قَالَ فاستضحك كسْرَى حَتَّى اختلجت كتفاه وَقَالَ فَفِي أَي الْأَوْقَات إتيانهن أفضل قَالَ عِنْد إدبار اللَّيْل يكون الْجوف أخلى وَالنَّفس أهْدى وَالْقلب أشهى وَالرحم أدفى فَإِن أردْت الِاسْتِمْتَاع بهَا نَهَارا تسرح عَيْنك فِي جمال وَجههَا ويجتني فوك من ثَمَرَات حسنها ويعي سَمعك من حلاوة لَفظهَا وتسكن الْجَوَارِح كلهَا إِلَيْهَا قَالَ كسْرَى لله دَرك من إعرابي لقد أَعْطَيْت علما وخصصت فطنة وفهما وَأحسن صلته وَأمر بتدوين مَا نطق بِهِ وَقَالَ الواثق بِاللَّه فِي كِتَابه الْمُسَمّى بالبستان أَن الْحَرْث بن كلدة مر بِقوم وهم فِي الشَّمْس فَقَالَ عَلَيْكُم بالظل فَإِن الشَّمْس تنهج الثَّوْب وتنقل الرّيح وتشحب اللَّوْن وتهيج الدَّاء الدفين وَمن كَلَام الْحَرْث البطنة بَيت الدَّاء وَالْحمية رَأس الدَّوَاء وعودوا كل بدن مَا اعْتَادَ وَقيل هُوَ من كَلَام عبد الْملك بن أبجر وَقد نسب قوم هَذَا الْكَلَام إِلَى رَسُول الله ﷺ وأوله الْمعدة بَيت الدَّاء وَهُوَ أبلغ من لفظ البطنة وَرُوِيَ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه قَالَ من أَرَادَ الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليجود الْغذَاء وليأكل على نقاء وليشرب على ظمأ وَليقل من شرب المَاء ويتمدد بعد الْغَدَاء ويتمشى بعد الْعشَاء وَلَا يبيت حَتَّى يعرض نَفسه على الْخَلَاء وَدخُول الْحمام على البطنة من شَرّ الدَّاء ودخلة إِلَى الْحمام فِي الصَّيف خير من عشر فِي الشتَاء وَأكل القديد الْيَابِس فِي اللَّيْل معِين على الفناء ومجامعة الْعَجُوز تهدم أَعمار الْأَحْيَاء وَرُوِيَ بعض هَذِه الْكَلِمَات عَن الْحَرْث بن كلدة وفيهَا من سره النِّسَاء وَلَا نسَاء فليكر الْعشَاء وليباكر الْغَدَاء وليخفف الرِّدَاء وَليقل غشيان النِّسَاء وَمعنى فليكر يُؤَخر وَالْمرَاد بالرداء الدّين وَسمي الدّين رِدَاء لقَولهم هُوَ فِي عنقِي وَفِي ذِمَّتِي فَلَمَّا كَانَت الْعُنُق مَوضِع الرِّدَاء سمي الدّين رِدَاء وَقد رُوِيَ من طَرِيق آخر وَفِيه وتعجيل الْعشَاء وَهُوَ أصح وروى أَبُو عوَانَة عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ الْحَرْث بن كلدة من سره الْبَقَاء وَلَا بَقَاء فليباكر الْغَدَاء وليعجل الْعشَاء وليخفف الرِّدَاء وَليقل الْجِمَاع وروى حَرْب بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا أبي قَالَ قَالَ الْحَرْث بن كلدة أَرْبَعَة أَشْيَاء تهدم الْبدن الغشيان على البطنة وَدخُول الْحمام على الامتلاء وَأكل القديد ومجامعة الْعَجُوز

стр. 153

وروى دَاوُد بن رشيد عَن عَمْرو بن عَوْف قَالَ لما احْتضرَ الْحَرْث بن كلدة اجْتمع إِلَيْهِ النَّاس فَقَالُوا مرنا بِأَمْر ننتهي إِلَيْهِ من بعْدك فَقَالَ لَا تتزوجوا من النِّسَاء إِلَّا شَابة وَلَا تَأْكُلُوا الْفَاكِهَة إِلَّا فِي أَوَان نضجها وَلَا يتعالجن أحد مِنْكُم مَا احْتمل بدنه الدَّاء وَعَلَيْكُم بالنورة فِي كل شهر فَإِنَّهَا مذيبة للبلغم مهلكة للمزة منبتة للحم وَإِذا تغدى أحدكُم فلينم على إِثْر غدائه وَإِذا تعشى فليخط أَرْبَعِينَ خطْوَة وَمن كَلَام الْحَرْث أَيْضا قَالَ دَافع بالدواء مَا وجدت مدفعا وَلَا تشربه إِلَّا من ضَرُورَة فَإِنَّهُ لَا يصلح شَيْئا إِلَّا أفسد مثله وَقَالَ سُلَيْمَان بن جلجل أخبرنَا الْحسن بن الْحُسَيْن قَالَ أخبرنَا سعيد بن الْأمَوِي قَالَ أخبرنَا عمي مُحَمَّد بن سعيد عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ كَانَ أَخَوان من ثَقِيف من بني كنه يتحابان لم ير قطّ أحسن ألفة مِنْهُمَا فَخرج الْأَكْبَر إِلَى سفر فأوصى الْأَصْغَر بامرأته فَوَقَعت عينه عَلَيْهَا يَوْمًا غير مُعْتَمد لذَلِك فهويها وضني وَقدم أَخُوهُ فَجَاءَهُ بالأطباء فَلم يعرفوا مَا بِهِ إِلَى أَن جَاءَهُ بالحرث بن كلدة فَقَالَ أرى عينين محتجبتين وَمَا أَدْرِي مَا هَذَا الوجع وسأجرب فاسقوه نبيذا فَلَمَّا عمل النَّبِيذ فِيهِ قَالَ (أَلا رفقا أَلا رفقا ... قَلِيلا مَا أكوننه) (ألما بِي إِلَى الأبيات ... بالخيف أزرهنه) (غزالا مَا رَأَيْت الْيَوْم ... فِي دور بني كنه) (أسيل الخد مربوب ... وَفِي منْطقَة غنه) الهزج فَقَالُوا لَهُ أَنْت أطب الْعَرَب ثمَّ قَالَ رددوا النَّبِيذ عَلَيْهِ فَلَمَّا عمل فِيهِ قَالَ (أَيهَا الجيرة أَسْلمُوا ... وقفُوا كي تكلمُوا) (وتقضوا لبانة ... وتحبوا وتنعموا) (خرجت مزنة من ... الْبَحْر ريا تحمحم) (هِيَ ماكنتي وتزعم ... أَنِّي لَهَا حم)

стр. 154

قَالَ فَطلقهَا أَخُوهُ ثمَّ قَالَ تزوج بهَا يَا أخي فَقَالَ وَالله لَا تَزَوَّجتهَا فَمَاتَ وَمَا تزَوجهَا وللحرث بن كلدة الثَّقَفِيّ من الْكتب كتاب المحاورة فِي الطِّبّ بَينه وَبَين كسْرَى أنوشروان النَّضر بن الْحَرْث بن كلدة الثَّقَفِيّ هُوَ ابْن خَالَة النَّبِي ﷺ وَكَانَ النَّضر قد سَافر الْبِلَاد أَيْضا كأبيه وَاجْتمعَ مَعَ الأفاضل وَالْعُلَمَاء بِمَكَّة وَغَيرهَا وعاشر الْأَحْبَار والكهنة واشتغل وَحصل من الْعُلُوم الْقَدِيمَة أَشْيَاء جليلة الْقدر وأطلع على عُلُوم الفلسفة وأجزاء الْحِكْمَة وَتعلم من أَبِيه أَيْضا مَا كَانَ يُعلمهُ من الطِّبّ وَغَيره وَكَانَ النَّضر يؤاتي أَبَا سُفْيَان فِي عَدَاوَة النَّبِي ﷺ لكَونه كَانَ ثقفيا كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (قُرَيْش وَالْأَنْصَار حليفان وَبَنُو أُميَّة وَثَقِيف حليفان) وَكَانَ النَّضر كثير الْأَذَى والحسد للنَّبِي ﷺ وَيتَكَلَّم فِيهِ بأَشْيَاء كَثِيرَة كَيْمَا يحط من قدره عِنْد أهل مَكَّة وَيبْطل مَا أَتَى بِهِ بِزَعْمِهِ وَلم يعلم بشقاوته أَن النُّبُوَّة أعظم والسعادة أقدر والعناية الإلهية أجل والأمور الْمقدرَة أثبت وَإِنَّمَا النَّضر اعْتقد أَن بمعلوماته وفضائله وحكمته يُقَاوم النُّبُوَّة وَأَيْنَ الثرى من الثريا والحضيض من الأوج والشقي من السعيد وَمَا أحسن مَا وجدت حِكَايَة ذكرهَا أفلاطون فِي كتاب النواميس فِي أَن النَّبِي وَمَا يَأْتِي بِهِ لَا يصل إِلَيْهِ الْحَكِيم بِحِكْمَتِهِ وَلَا الْعَالم بِعِلْمِهِ قَالَ أفلاطون وَقد كَانَ مارينون ملك اليونانيين الَّذِي يذكرهُ أوميرس الشَّاعِر باسمه وجبروته وَمَا تهَيَّأ لليونانيين فِي سُلْطَانه رمي بشدائد فِي زَمَانه وخوارج فِي سُلْطَانه فَفَزعَ إِلَى فلاسفة عصره فتأملوا مصَادر أُمُوره ومواردها وَقَالُوا لَهُ قد تأملنا أَمرك فَلم نجد فِيهِ من جهتك شَيْئا يَدْعُو إِلَى مَا لحقك وَإِنَّمَا يعلم الفيلسوف الإفراطات وَسُوء النظام الواقعين فِي الْجُزْء فَأَما مَا خرج عَنهُ فَلَيْسَ تبحث عَنهُ الفلسفة وَإِنَّمَا يُوقف عَلَيْهِ من جِهَة النُّبُوَّة وأشاروا عَلَيْهِ أَن يطْلب نَبِي عصره ليجتمع لَهُ مَعَ علمهمْ مَا يُنبئ بِهِ وَقَالُوا إِنَّه لَا يسكن فِي الْبلدَانِ العامرة وَإِنَّمَا يكون بَين أقاصي المقفرة بَين فُقَرَاء ذَلِك الْعَصْر فَسَأَلَهُمْ مَا يجب أَن يكون عَلَيْهِ رسله إِلَيْهِ وَمَا يكوت دَلِيلا لَهُم عَلَيْهِ فَقَالُوا أجعَل رسلك إِلَيْهِ من لانت سجيته وَظَهَرت قناعته وصدقت لهجته وَكَانَ رُجُوعه إِلَى الْحق أحب من ظفره بِهِ فَإِن بَين من استولى عَلَيْهِ هَذَا الْوَصْف وَبَينه وصلَة تدلهم عَلَيْهِ وَتقدم إِلَيْهِم فِي الْمَسْأَلَة عَنهُ عِنْد مسْقط رَأسه ومنشئه وَسيرَته فِي هَذِه الْمَوَاضِع فَإنَّك تَجدهُ زاهدا فِي النَّعيم رَاغِبًا فِي الصدْق مؤثرا للخلوة بَعيدا من الْحِيلَة غير حظي من الْمُلُوك ينسبونه إِلَى تجَاوز حَده وَالْخُرُوج عَمَّا جرى عَلَيْهِ أهل طبقته تتأمل فِيهِ الْخَوْف وتخال فِيهِ الْغَفْلَة إِذا تكلم فِي الْأَمر توهمت أَنه عَالم بأصوله وَلَيْسَ يعرف مَا يترقى إِلَيْهِ بِهِ

стр. 155

وَإِذا سُئِلَ عَمَّا يصدر عَنهُ ذكر أَنه يلقى على لِسَانه وَفِي خاطره فِي الْيَقَظَة وَبَين النّوم واليقظة مَا لم ير فِيهِ وَإِذا سُئِلَ عَن شَيْء رَأَيْته كَأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَواب من غَيره وَلَا يفكر فِيهِ تفكير الْقَادِر عَلَيْهِ والمستنبط لَهُ وَإِذا وجدوه فسيجمع لَهُم إِلَى مَا تقرر من وَصفه أَعَاجِيب تظهر على لِسَانه وَيَده فَجمع سَبْعَة نفر وأضاف إِلَيْهِم أمثل من وجد من الفلاسفة فَخَرجُوا يلتمسونه فوجدوه على مَسَافَة خَمْسَة أَيَّام من مُسْتَقر مارينوس فِي قَرْيَة قد خرج أَكثر أَهلهَا عَنْهَا وَسَكنُوا قَرِيبا من مَدِينَة مارينوس لما آثروه من لين جواره وَكَثْرَة الِانْتِفَاع بِهِ وَلم يبْق فِيهَا إِلَّا نفر من الزهاد قد قعدوا عَن الِاكْتِسَاب ومشايخ وزمنى خَلفهم الْجهد وَهُوَ بَينهم فِي منزل شعث وحول الْمنزل جمَاعَة من هَؤُلَاءِ الْقَوْم قد شغفهم جواره وألهاهم عَن الحظوظ الَّتِي وصل إِلَيْهَا غَيرهم فَتَلقاهُمْ أهل الْقرْيَة بالترحيب وسألوهم عَن سَبَب دُخُولهمْ قريتهم الشعثة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَا يحبس أمثالهم عَلَيْهِ فَقَالُوا رغبنا فِي لِقَاء هَذَا الرجل ومشاركتكم فِي فَوَائده وسألوهم عَن وَقت خلوته فَقَالُوا مَا لَهُ شَيْء يشْغلهُ عَنْكُم فدخلو إِلَيْهِ فوجدوه مختبيا بَين جمَاعَة قد غضوا أَبْصَارهم من هيبته فَلَمَّا رَآهُ السَّبْعَة نفر سبقتهم الْعبْرَة وغمرتهم الهيبة وَمَعَهُمْ الفيلسوف مُمْسك لنَفسِهِ ومتهم لحسه يُرِيد أَن يستبرئ أمره فَسَلمُوا عَلَيْهِ فَرد ﵈ ردا ضَعِيفا وَهُوَ كالناعس المتحير ثمَّ زَاد نعاسه حَتَّى كَادَت حبوته أَن تنْحَل فَلَمَّا تبين من حوله مَا تغشاه غضوا أَبْصَارهم ووقفوا وقُوف الْمُصَلِّي فَقَالَ يَا رسل الخاطئ الَّذِي ملك جُزْءا من عالمي فَنظر إِلَى صَلَاحه فِي سوق الْخيرَات الجسدية إِلَيْهِ فأفسده بِمَا غمره مِنْهَا وَكَانَ سَبيله سَبِيل من وكل بِجُزْء من بُسْتَان كثير الزهر وَالثِّمَار فصرف إِلَيْهِ أَكثر من حِصَّته من مَاء ذَلِك الْبُسْتَان وَظن أَنه أصلح لَهُ فَكَانَ مَا زَاده مِنْهُ على صِحَّته نَاقِصا من طعوم ثماره وروائح أزهاره وسببا لجفاف أَشجَار جُزْء جُزْء مِنْهُ وتصويح نبته فَلَمَّا سمع السَّبْعَة نفر هَذَا لم يملكُوا أنفسهم حَتَّى قَامُوا مَعَ أُولَئِكَ فوقفوا وقُوف الْمُصَلِّين قَالَ الفيلسوف فَبَقيت جَالِسا خَارِجا عَن جُمْلَتهمْ لاستبرئ أمره وأتقصى عجائبه فصاح بِي أَيهَا الْحسن الظَّن بِنَفسِهِ الَّذِي كَانَ أقْصَى مَا لحقه أَن سلك بفكره بَين المحسوسات الْجُزْئِيَّة والمعقولات الْكُلية واستخلص مِنْهَا علما وقف بِهِ على طبائع المحسوسات وَمَا قرب مِنْهَا فَظن أَنه

стр. 156

يبلغ بِهِ كل عِلّة ومعلول أَنَّك لَا تصل إِلَيّ بِهَذِهِ الطَّرِيق لَكِن بِمن جعلته بيني وَبَين خلقي ونصبته للدلالة على إرادتي فأصرف أَكثر عنايتك إِلَى الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ فَإِذا أصبته فاردد إِلَيْهِ مَا فضل عَن معرفتك فقد حَملته من جودي مَا فرقت بِهِ بَينه وَبَين غَيره وَجَعَلته سمة لَهُ يستعرضها إفهام المخلصين للحق ثمَّ تماسك وَقَوي طرفه فَرجع من حوله إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَخرجت من عِنْده فَلَمَّا كَانَ العشية عدت إِلَيْهِ فَسَمعته يُخَاطب أَصْحَابه والسبعة نفر بِشَيْء من كَلَام الزهاد ينهاهم فِيهِ عَن طَاعَة الْجَسَد فَلَمَّا انْقَضى كَلَامه قلت لَهُ قد سَمِعت مَا سلف لَك فِي صدر هَذَا الْيَوْم وَأَنا أَسأَلك زِيَادَتي مِنْهُ فَقَالَ كلما سمعته فَإِنَّمَا هُوَ شَيْء صور فِي نَفسِي وأنطق بِهِ لساني وَلَيْسَ لي فِيهِ إِلَّا التَّبْلِيغ وَإِن كَانَ مِنْهُ شَيْء ستقف عَلَيْهِ فأقمت عِنْده ثَلَاثَة أَيَّام أدبر السَّبْعَة نفر على الرُّجُوع إِلَى أوطانهم فيأبون ذَلِك عَليّ فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الرَّابِع دخلت عَلَيْهِ فَمَا تمكنت من مَجْلِسه حَتَّى تغشاه مَا كَانَ غشيه فِي الْيَوْم الَّذِي دَخَلنَا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الخاطئ المستبطئ نَفسه فِي الرُّجُوع لَهُ ارْجع إِلَى بلدك فَإنَّك لَا تلْحق صَاحبك وَإِنِّي أنسخه بِمن يعدل ميل الْجُزْء الَّذِي فِي يَده فَخرجت من عِنْده فلحقت بلدي وَقد قضى نحبه وَتَوَلَّى الْأَمر كهل من أهل بَيت مارينوس فَرد الْمَظَالِم وخلص الْأَرْوَاح مِمَّا غشيها من لبوسات الترفه والبطالة أَقُول وَلما كَانَ يَوْم بدر والتقى فِيهِ الْمُسلمُونَ ومشركو قُرَيْش كَانَ الْمُقدم على الْمُشْركين أَبُو سُفْيَان وعدتهم مَا بَين التسْعمائَة وَالْألف والمسلمون يَوْمئِذٍ ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر وأيد الله الْإِسْلَام وَنصر نبيه ﷺ وَوَقعت الكسرة على الْمُشْركين وَقتلت فِي جُمْلَتهمْ صَنَادِيد قُرَيْش وَأسر جمَاعَة من الْمُشْركين فبعضهم استفكوا أنفسهم وَبَعْضهمْ أَمر النَّبِي ﷺ بِقَتْلِهِم وَكَانَ من جملَة المأسورين عقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَرْث بن كلدة فَقَتَلَهُمَا ﵇ بعد مُنْصَرفه من بدر حَدثنِي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ ابْن الْكَرِيم قَالَ حَدثنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن الميمون عَن أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن محمويه الشَّافِعِي اليزدي عَن أبي سعد أَحْمد بن عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الصَّيْرَفِي الْبَغْدَادِيّ عَن أبي غَالب مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن سهل بن بَشرَان النَّحْوِيّ الوَاسِطِيّ عَن أبي الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن دِينَار الْكَاتِب عَن أبي الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن بن مُحَمَّد الْكَاتِب الْأَصْبَهَانِيّ قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ قَالَ حَدثنَا ابْن حميد قَالَ حَدثنَا مسلمة عَن مُحَمَّد بن إِسْحَق قَالَ حَدثنِي عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة وَيزِيد بن رُومَان أَن رَسُول الله ﷺ قتل يَوْم بدر عقبَة بن أبي معيط صبرا أما عَاصِم بن ثَابت بن أبي الْأَفْلَح الْأنْصَارِيّ فَضرب عُنُقه ثمَّ أقبل من بدر حَتَّى إِذا كُنَّا بالصفراء قتل النَّضر بن الْحَرْث بن كلدة الثَّقَفِيّ أحد بني عبد الدَّار فقد أَمر عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَن يضْرب عُنُقه فَقَالَت فَتِيلَة بنت الْحَرْث ترثيه

стр. 157

(يَا رَاكِبًا إِن الأثيل مَظَنَّة ... من صبح خَامِسَة وَأَنت موفق) (بلغ بِهِ مَيتا فَإِن تَحِيَّة ... مَا أَن تزَال بهَا الركائب تخنق) (مني إِلَيْهِ وعبرة مسفوحة ... جَادَتْ بدرتها وَأُخْرَى يخنق) (فليسمعن النَّضر أَن ناديته ... إِن كَانَ يسمع ميت أَو ينْطق) (ظلت سيوف بني أَبِيه تنوشه ... لله أَرْحَام هُنَاكَ تمزق) (صبرا يُقَاد إِلَى الْمنية متعبا ... رسف الْمُقَيد وَهُوَ عان موثق) (أمحمد ولأنت نسل نجيبة ... فِي قَومهَا والفحل فَحل معرق) (مَا كَانَ ضرك لَو مننت وَرُبمَا ... من الْفَتى وَهُوَ المغيظ المحنق) (وَالنضْر أقرب من أخذت بزلة ... وأحقهم إِن كَانَ عتق يعْتق) (لَو كنت قَابل فديَة لفديته ... بِأَعَز مَا يفْدي بِهِ من ينْفق) الْكَامِل قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فَبَلغنَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لَو سَمِعت هَذَا قبل أَن أَقتلهُ مَا قتلته) فَيُقَال أَن شعرهَا أكْرم شعر موتورة وأعفه وأكفه وأحلمه أَقُول كَأَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا أخر قتل النَّضر بن الْحَرْث إِلَى أَن وصل الصَّفْرَاء ليتروى فِيهِ ثمَّ أَنه رأى الصَّوَاب قَتله فَأمر بقتْله ويروى أَيْضا فِي قَوْلهَا وَالنضْر أقرب من قتلت قرَابَة تُشِير إِلَى أَنه قرَابَة النَّبِي ﷺ وَكَانَت وقْعَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة وَبدر مَوضِع وَهُوَ اسْم مَاء قَالَ الشّعبِيّ بدر بِئْر كَانَت لرجل يدعى بَدْرًا وَمِنْه يَوْم بدر والصفراء من بدر على سَبْعَة عشر ميلًا وَمن الْمَدِينَة على ثَلَاث لَيَال قواصد ابْن أبي رمثة التَّمِيمِي كَانَ طَبِيبا على عهد رَسُول الله ﷺ مزاولا لأعمال الْيَد وصناعة الْجراح وروى نعيم عَن ابْن أبي عُيَيْنَة عَن ابْن أبجر عَن زِيَاد عَن لَقِيط عَن ابْن أبي رمثة قَالَ أتيت

стр. 158

رَسُول الله ﷺ فَرَأَيْت بَين كَتفيهِ الْخَاتم فَقلت إِنِّي طَبِيب فَدَعْنِي أعَالجهُ فَقَالَ أَنْت رَفِيق والطبيب الله قَالَ سُلَيْمَان بن حسان علم رَسُول الله أَنه رَفِيق الْيَد وَلم يكن فائقا فِي الْعلم فَبَان ذَلِك من قَوْله والطبيب الله عبد الْملك بن أبجر الْكِنَانِي كَانَ طَبِيبا عَالما ماهرا وَكَانَ فِي أول أمره مُقيما فِي الْإسْكَنْدَريَّة لِأَنَّهُ كَانَ الْمُتَوَلِي فِي التدريس بهَا من بعد الإسكندرانيين الَّذين تقدم ذكرهم وَذَلِكَ عِنْدَمَا كَانَت الْبِلَاد فِي ذَلِك الْوَقْت لملوك النَّصَارَى ثمَّ أَن الْمُسلمين لما استولوا على الْبِلَاد وملكوا الْإسْكَنْدَريَّة أسلم ابْن أبجر على يَد عمر بن عبد الْعَزِيز وَكَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرا قبل أَن تصل إِلَيْهِ الْخلَافَة وَصَحبه فَلَمَّا أفضت الْخلَافَة إِلَى عمر وَذَلِكَ فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ نقل التدريس إِلَى أنطاكية وحران وتفرق فِي الْبِلَاد وَكَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يستطب ابْن أبجر ويعتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ روى الْأَعْمَش عَن ابْن أبجر أَنه قَالَ دع الدَّوَاء مَا احْتمل بدنك الدَّاء وَهَذَا من قَول النَّبِي ﷺ (سر بدائك مَا حملك) وروى سُفْيَان عَن أبن أبجر أَنه قَالَ الْمعدة حَوْض الْجَسَد وَالْعُرُوق تشرع فِيهِ فَمَا ورد فِيهَا بِصِحَّة صدر بِصِحَّة وَمَا ورد فِيهَا بسقم صدر بسقم ابْن أَثَال كَانَ طَبِيبا مُتَقَدما من الْأَطِبَّاء المتميزين فِي دمشق نَصْرَانِيّ الْمَذْهَب وَلما ملك مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان دمشق اصطفاه لنَفسِهِ وَأحسن إِلَيْهِ وَكَانَ كثير الافتقاد لَهُ والاعتقاد فِيهِ والمحادثة مَعَه لَيْلًا وَنَهَارًا وَكَانَ ابْن أَثَال خَبِيرا بالأدوية المفردة والمركبة وقواها وَمَا مِنْهَا سموم قواتل وَكَانَ مُعَاوِيَة يقربهُ لذَلِك كثيرا وَمَات فِي أَيَّام مُعَاوِيَة جمَاعَة كَثِيرَة من أكَابِر النَّاس والأمراء من الْمُسلمين بالسم وَمن ذَلِك حَدثنَا

стр. 159

أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد الْكَاتِب الْبَغْدَادِيّ ابْن الْكَرِيم قَالَ حَدثنَا أَبُو غَالب مُحَمَّد بن الْمُبَارك بن مُحَمَّد بن مَيْمُون عَن أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن محمويه الشَّافِعِي اليزدي عَن أبي سعد أَحْمد بن عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن أبي الْقَاسِم الصَّيْرَفِي الْبَغْدَادِيّ عَن أبي غَالب مُحَمَّد بن أَحْمد بن سهل بن بَشرَان النَّحْوِيّ الوَاسِطِيّ عَن أبي الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن دِينَار الْكَاتِب عَن أبي الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب قَالَ فِي كِتَابه الْمَعْرُوف بالأغاني الْكَبِير أَخْبرنِي عمي قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن الْحَرْث الخزاز قَالَ حَدثنَا الْمَدَائِنِي عَن شيخ أهل الْحجاز عَن زيد بن رَافع مولى الْمُهَاجِرين خَالِد بن الْوَلِيد عَن أبي ذِئْب عَن أبي سُهَيْل أَن مُعَاوِيَة لما أَرَادَ أَن يظْهر العقد ليزِيد قَالَ لأهل الشَّام إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد كَبرت سنه ورق جلده ودق عظمه واقترب أَجله يُرِيد أَن يسْتَخْلف عَلَيْكُم فَمن ترَوْنَ فَقَالُوا عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد فَسكت وأضمرها ودس ابْن أَثَال النَّصْرَانِي الطَّبِيب إِلَيْهِ فَسَقَاهُ سما فَمَاتَ وَبلغ ابْن أَخِيه خَالِد بن المُهَاجر ابْن خَالِد بن الْوَلِيد خَبره وَهُوَ بِمَكَّة وَكَانَ أَسْوَأ النَّاس رَأيا فِي عَمه لِأَن أَبَاهُ المُهَاجر كَانَ مَعَ عَليّ ﵁ بصفين وَكَانَ عبد الرَّحْمَن بن خَالِد مَعَ مُعَاوِيَة وَكَانَ خَالِد بن المُهَاجر على رَأْي أَبِيه هاشمي الْمَذْهَب فَلَمَّا قتل عَمه عبد الرَّحْمَن مر بِهِ عُرْوَة بن الزبير فَقَالَ لَهُ يَا خَالِد أتدع لِابْنِ أَثَال نقى أوصال عمك بِالشَّام وَأَنت بِمَكَّة مسيل إزارك تجره وتخطر فِيهِ متخائلا فحمي خَالِد ودعى مولى لَهُ يُقَال لَهُ نَافِع فَأعلمهُ الْخَبَر وَقَالَ لَهُ لَا بُد من قتل ابْن أَثَال وَكَانَ نَافِع جلدا شهما فَخَرَجَا حَتَّى قدما دمشق وَكَانَ ابْن أَثَال يتمسى عِنْد مُعَاوِيَة فَجَلَسَ لَهُ فِي مَسْجِد دمشق إِلَى اسطوانة وَجلسَ غُلَامه إِلَى أُخْرَى حَتَّى خرج فَقَالَ خَالِد لنافع إياك أَن تعرض لَهُ أَنْت فَإِنِّي أضربه وَلَكِن احفظ ظَهْري واكفني من ورائي فَإِن رَأَيْت شَيْئا يُرِيدنِي من ورائي فشأنك فَلَمَّا حاذاه وثب إِلَيْهِ فَقتله وثار إِلَيْهِ من كَانَ مَعَه فصاح بهم نَافِع فانفرجوا وَمضى خَالِد وَنَافِع وتبعهما من كَانَ مَعَه فَلَمَّا غشوهما حملا عَلَيْهِم فَتَفَرَّقُوا حَتَّى دخل خَالِد وَنَافِع زقاقا ضيقا ففاتا النَّاس وَبلغ مُعَاوِيَة الْخَبَر فَقَالَ هَذَا خَالِد بن المُهَاجر انْظُرُوا الزقاق الَّذِي دخل فِيهِ ففتش عَلَيْهِ وَأتي بِهِ فَقَالَ لَهُ لَا جَزَاك الله من زائر خيرا قتلت طبيبي فَقَالَ قتلت الْمَأْمُور وَبَقِي الْآمِر فَقَالَ لَهُ عَلَيْك لعنة الله أما وَالله لَو كَانَ تشهد مرّة وَاحِدَة لقتلتك بِهِ أَمَعَك نَافِع قَالَ لَا قَالَ بلَى وَالله وَمَا اجترأت إِلَّا بِهِ ثمَّ أَمر بِطَلَبِهِ فَوجدَ فَأتي بِهِ فَضرب مائَة سَوط وَلم ينح خَالِدا بِشَيْء أَكثر من أَن حَبسه وألزم بني مَخْزُوم دِيَة ابْن أَثَال اثْنَي عشر ألف دِرْهَم أَدخل بَيت المَال مِنْهَا سِتَّة آلَاف وَأخذ سِتَّة آلَاف فَلم يزل ذَلِك يجْرِي فِي دِيَة الْمعَاهد حَتَّى ولي عمر بن عبد الْعَزِيز فَأبْطل الَّذِي يَأْخُذهُ السُّلْطَان لنَفسِهِ وَأثبت الَّذِي يدْخل بَيت المَال قَالَ لما حبس مُعَاوِيَة خَالِد بن المُهَاجر قَالَ فِي السجْن

стр. 160

(إِمَّا خطاي تقاربت ... مشي الْمُقَيد فِي الْحصار) (فِيمَا أَمْشِي فِي الأباطح ... يقتفي أثري إزَارِي) (دع ذَا وَلَكِن هَل ترى ... نَارا تشب بِذِي مرار) (مَا أَن تشب لقرة ... بالمصطلين وَلَا قتار) (مَا بَال ليلك لَيْسَ ينقص ... طولهَا طول النَّهَار) (أتقاصر الْأَزْمَان أم ... غَرَض الْأَسير من الإسار) الْكَامِل قَالَ فبلغت أبياته مُعَاوِيَة فَأَطْلقهُ فَرجع إِلَى مَكَّة فَلَمَّا قدمهَا لَقِي عُرْوَة بن الزبير فَقَالَ لَهُ أما ابْن أَثَال فقد قتلته وهذاك ابْن جرموز نقى أوصال الزبير بِالْبَصْرَةِ فاقتله إِن كنت ثائرا فَشَكَاهُ عُرْوَة إِلَى أبي بكر بن عبد الرَّحْمَن بن الْحَرْث بن هِشَام فأقسم عَلَيْهِ أَن يمسك عَنهُ فَفعل أَقُول كَانَ الزبير بن الْعَوام مَعَ عَائِشَة يَوْم الْجمل فَقتله ابْن جرموز وَلذَلِك قَالَ خَالِد بن المُهَاجر لعروة بن الزبير عَن قتل ابْن جرموز لِأَبِيهِ يعيره بذلك وَمِمَّا يُحَقّق هَذَا أَن عَاتِكَة بنت زيد بن عَمْرو بن نفَيْل زَوْجَة الزبير بن الْعَوام قَالَت ترثيه لما قَتله ابْن جرموز (غدر ابْن جرموز بِفَارِس بهمة ... يَوْم اللِّقَاء وَكَانَ غير معرد) (يَا عَمْرو لَو نبهته لوجدته ... لَا طائشا رعش الْجنان وَلَا الْيَد) (الله رَبك إِن قتلت لمسلما ... وَجَبت عَلَيْك عُقُوبَة الْمُتَعَمد) (إِن الزبير لذُو بلَاء صَادِق ... سمح سجيته كريم المشهد) (كم غمرة قد خاضها لم يثنه ... عَنْهَا طرادك يَا ابْن فقع القردد) (فَاذْهَبْ فَمَا ظَفرت يداك بِمثلِهِ ... فِيمَا مضى مِمَّا يروح وَيَغْتَدِي) الْكَامِل وَقَالَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب الْأَمْثَال إِن مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان

стр. 161

كَانَ خَافَ أَن يمِيل النَّاس إِلَى عبد الرَّحْمَن بن خَالِد بن الْوَلِيد فاشتكى عبد الرَّحْمَن فَسَقَاهُ الطَّبِيب شربة عسل فِيهَا سم فَأَحْرَقتهُ فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ مُعَاوِيَة لَا جد إِلَّا مَا اقعص عَنْك من تكره قَالَ وَقَالَ مُعَاوِيَة أَيْضا حِين بلغه أَن الأشتر سقِِي شربة عسل فِيهَا سم فَمَاتَ إِن لله جُنُودا مِنْهَا الْعَسَل ونقلت من تَارِيخ أبي عبد الله مُحَمَّد بن عمر الْوَاقِدِيّ قَالَ لما كَانَ فِي سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ بعث عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁ الأشتر واليا على مصر بعد قتل مُحَمَّد بن أبي بكر وَبلغ مُعَاوِيَة مسيره فَدس إِلَى دهقان بالعريش فَقَالَ أَن قتلت الأشتر فلك خراجك عشْرين سنة فلطف لَهُ الدهْقَان فَسَأَلَ أَي الشَّرَاب أحب إِلَيْهِ فَقيل الْعَسَل فَقَالَ عِنْدِي عسل من عسل برقة فسمه وَأَتَاهُ بِهِ فشربه فَمَاتَ وَفِي تَارِيخ الطَّبَرِيّ أَن الْحسن بن عَليّ ﵄ مَاتَ مسموما فِي أَيَّام مُعَاوِيَة وَكَانَ عِنْد مُعَاوِيَة كَمَا قيل دهاء فَدس إِلَى جعدة بنت الْأَشْعَث بن قيس وَكَانَت زَوْجَة الْحسن ﵁ شربة وَقَالَ لَهَا إِن قتلت الْحسن زَوجتك بِيَزِيد فَلَمَّا توفّي الْحسن بعثت إِلَى مُعَاوِيَة تطلب قَوْله فَقَالَ لَهَا فِي الْجَواب أَنا أضن بِيَزِيد وَقَالَ كثير يرثي الْحسن ﵁ (يَا جعد أبكيه وَلَا تسأمي ... بكاء حق لَيْسَ بِالْبَاطِلِ) (أَن تستري الْمَيِّت على مثله ... فِي النَّاس من حاف وَمن ناعل) السَّرِيع وَقَالَ عوَانَة بن الحكم لما كَانَ قبل موت الْحسن بن عَليّ ﵉ كتب مُعَاوِيَة إِلَى مَرْوَان ابْن الحكم عَامله على الْمَدِينَة إِن أقبل الْمطِي فِيمَا بيني وَبَيْنك بِخَبَر الْحسن بن عَليّ قَالَ فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى كتب مَرْوَان بِمَوْتِهِ وَكَانَ ابْن عَبَّاس إِذا دخل على مُعَاوِيَة أجلسه مَعَه على سَرِيره فَأذن مُعَاوِيَة للنَّاس فَأخذُوا مجَالِسهمْ وَجَاء ابْن عَبَّاس فَلم يمهله مُعَاوِيَة أَن يسلم حَتَّى قَالَ يَا ابْن عَبَّاس هَل أَتَاك موت الْحسن بن عَليّ قَالَ لَا قَالَ مُعَاوِيَة فَإِنَّهُ قد أَتَانَا مَوته فَاسْتَرْجع ابْن عَبَّاس وَقَالَ إِن مَوته يَا مُعَاوِيَة لَا يزِيد فِي عمرك وَلَا يدْخل عمله مَعَك فِي قبرك وَقد بلينا بأعظم فَقدنَا مِنْهُ جده مُحَمَّد ﷺ فجبر الله مصابنا وَلم يُهْلِكنَا بعده فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة اقعد يَا ابْن عَبَّاس فَقَالَ مَا هَذَا بِيَوْم قعُود وَأظْهر مُعَاوِيَة الشماتة بِمَوْت الْحسن ﵁ فَقَالَ قثم ابْن عَبَّاس فِي ذَلِك

стр. 162

(أصبح الْيَوْم ابْن هِنْد شامتا ... ظَاهر النخوة أَن مَاتَ حسن) (رَحْمَة الله عَلَيْهِ أَنه ... طَال مَا أشجى ابْن هِنْد وَأذن) (وَلَقَد كَانَ عَلَيْهِ عمره ... عدل رضوى وثبير وحضن) (وَإِذا أقبل حَيا رَافعا ... صَوته والصدر يغلي بالإحن) (فارتع الْيَوْم ابْن هِنْد آمنا ... إِنَّمَا يغمص بالعير السّمن) (وَاتَّقِ الله وأحدث تَوْبَة ... إِن مَا كَانَ كشيء لم يكن) الرمل أَبُو الحكم كَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا عَالما بأنواع العلاج والأدوية وَله أَعمال مَذْكُورَة وصفات مَشْهُورَة وَكَانَ يستطبه مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان ويعتمد عَلَيْهِ فِي تركيبات أدوية لأغراض قَصدهَا مِنْهُ وَعمر أَبُو الحكم هَذَا عمرا طَويلا حَتَّى تجَاوز الْمِائَة سنة حدث أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عِيسَى بن حكم الدِّمَشْقِي المتطبب قَالَ حَدثنِي أبي عَن أَبِيه قَالَ ولي الْمَوْسِم فِي أَيَّام مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان يزِيد بن مُعَاوِيَة فوجهني أَبوهُ مَعَه متطببا لَهُ وَخرجت مَعَ عبد الصَّمد بن عَليّ بن عبد الله بن الْعَبَّاس إِلَى مَكَّة متطببا لَهُ وقعدد عبد الصَّمد مثل قعدد يزِيد وَبَين وفاتهما مائَة ونيف وَعِشْرُونَ سنة قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي عِيسَى بن حكم عَن أَبِيه أَن جده أعلمهُ أَنه كَانَ حمى عبد الْملك ابْن مَرْوَان من شرب المَاء فِي علته الَّتِي توفّي فِيهَا واعلمه أَنه مَتى شرب المَاء قبل نضج علته توفّي قَالَ فاحتمى عَن المَاء يَوْمَيْنِ وَبَعض الثَّالِث قَالَ فَإِنِّي عِنْده لجالس وَعِنْده بَنَاته إِذْ دخل عَلَيْهِ

стр. 163

الْوَلِيد ابْنه فَسَأَلَهُ عَن حَاله وَهُوَ يتَبَيَّن فِي وَجه الْوَلِيد السرُور بِمَوْتِهِ فَأَجَابَهُ بِأَن قَالَ (ومستخبر عَنَّا يُرِيد بِنَا الردى ... ومستخبرات والدموع سواجم) الطَّوِيل وَكَانَ استفتاحه النّصْف الأول وَهُوَ مواجه للوليد ثمَّ واجه الْبَنَات عِنْد قَوْله النّصْف الثَّانِي ثمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فشربه فَقضى من سَاعَته حكم الدِّمَشْقِي كَانَ يلْحق بِأَبِيهِ فِي مَعْرفَته بالمداواة والأعمال الطبية وَالصِّفَات البديعة وَكَانَ مُقيما بِدِمَشْق وَعمر أَيْضا عمرا طَويلا قَالَ أَبُو يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي عِيسَى بن حكم أَن وَالِده توفّي وَكَانَ عبد الله بن طَاهِر بِدِمَشْق فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَأَن عبد الله سَأَلَهُ عَن مبلغ عمر أَبِيه فَأعلمهُ أَنه عمره مائَة وَخمْس سِنِين لم يتَغَيَّر عقله وَلم ينقص علمه فَقَالَ عبد الله عَاشَ حكم نصف التَّارِيخ قَالَ يُوسُف وحَدثني عِيسَى أَنه ركب مَعَ أَبِيه حكم بِمَدِينَة دمشق إِذْ اجتازوا بحانوت حجام قد وقف عَلَيْهِ بشر كثير فَلَمَّا بصر بِنَا بعض الْوُقُوف قَالَ أفرجوا هَذَا حكم المتطبب وَعِيسَى ابْنه فأفرج الْقَوْم فَإِذا رجل قد فصده الْحجام فِي الْعرق الباسليق وَقد فصده فصدا وَاسِعًا وَكَانَ الباسليق على الشريان فَلم يحسن الْحجام تَعْلِيق الْعرق فَأصَاب الشريان وَلم يكن عِنْد الْحجام حِيلَة فِي قطع الدَّم واستعملنا الْحِيلَة فِي قطعه بالرفائد ونسج العنكبوت والوبر فَلم يَنْقَطِع بذلك فَسَأَلَنِي وَالِدي عَن حِيلَة فأعلمته أَنه لَا حِيلَة عِنْدِي فَدَعَا بفستقة فَشَقهَا وَطرح مَا فِيهَا وَأخذ أحد نصفي القشر فَجعله على مَوضِع الفصد ثمَّ أَخذ حَاشِيَة من ثوب كتَّان غليظ فلف بهَا مَوضِع الفصد على قشر الفستقة لفا شَدِيدا حَتَّى كَانَ يستغيث المفتصد من شدته ثمَّ شدّ ذَلِك بعد اللف شدا شَدِيدا وَأمر بِحمْل الرجل إِلَى نهر بردى وَأدْخل يَده فِي المَاء ووطأ لَهُ على شاطئ النَّهر ونومه عَلَيْهِ وَأمر فحسى محات بيض نيمرشت ووكل بِهِ تلميذا من تلامذته وَأمره بِمَنْعه من إِخْرَاج يَده

стр. 164

من مَوضِع الفصد من المَاء إِلَّا عِنْد وَقت الصَّلَاة أَو يتخوف عَلَيْهِ الْمَوْت من شدَّة الْبرد فَإِن تخوف ذَلِك أذن لَهُ فِي إِخْرَاج يَده هنيهة ثمَّ أمره بردهَا فَفعل ذَلِك إِلَى اللَّيْل ثمَّ أَمر بِحمْلِهِ إِلَى منزله وَنَهَاهُ عَن تَغْطِيَة مَوضِع الفصد وَعَن حل الشد قبل استتمام خَمْسَة أَيَّام فَفعل ذَلِك إِلَّا أَنه صَار إِلَيْهِ فِي الْيَوْم الثَّالِث وَقد ورم عضده وذراعه ورما شَدِيدا فَنَفْس من الشد شَيْئا يَسِيرا وَقَالَ للرجل الورم أسهل من الْمَوْت فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الْخَامِس حل الشداد فَوَجَدنَا قشر الفستقة ملتصقا بِلَحْم الرجل فَقَالَ وَالِدي للرجل بِهَذَا القشر نجوت من الْمَوْت فَإِن خلعت هَذَا القشر قبل انخلاعه وسقوطه من غير فعل مِنْك تلفت نَفسك قَالَ عِيسَى فَسقط القشر فِي الْيَوْم السَّابِع وَبَقِي فِي مَكَانَهُ دم يَابِس فِي خلقَة الفستقة فَنَهَاهُ وَالِدي عَن الْعَبَث بِهِ أَو حك مَا حوله أَو فت شَيْء من ذَلِك الدَّم فَلم يزل الدَّم يتحات حَتَّى انْكَشَفَ مَوضِع الفصد فِي أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة وبرأ الرجل عِيسَى بن حكم الدِّمَشْقِي وَهُوَ الْمَشْهُور بمسيح صَاحب الكناش الْكَبِير الَّذِي يعرف بِهِ وينسب إِلَيْهِ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي عِيسَى بن الحكم أَنه عرض لغضيض أم ولد الرشيد قولنج فاحضرته وأحضرت الْأَبَح والطبري الحاسبين وَسَأَلت عِيسَى عَمَّا يرى معالجتها بِهِ قَالَ عِيسَى فاعلمتها أَن القولنج قد استحكم بهَا استحكاما إِن لم تبادره بالحقنة لم يُؤمن عَلَيْهَا التّلف فَقَالَت للأبح والطبري اختارا لي وقتا أتعالج فِيهِ فَقَالَ لَهَا الْأَبَح علتك هَذِه لَيست من الْعِلَل الَّتِي يُمكن أَن يُؤَخر لَهَا العلاج إِلَى وَقت يحمده المنجمون وَأَنا أرى أَن تبادري بالعلاج قبل أَن تعملي عملا وَكَذَلِكَ يرى عِيسَى بن حكم فسألتني فاعلمتها أَن الْأَبَح قد صدقهَا فَسَأَلت الطَّبَرِيّ عَن رَأْيه فَقَالَ أَن الْقَمَر الْيَوْم مَعَ زحل وَهُوَ فِي غَد مَعَ المُشْتَرِي وَأَنا أرى لَك أَن تؤخري العلاج إِلَى مُقَارنَة الْقَمَر المُشْتَرِي فَقَالَ الْأَبَح أَنا أَخَاف أَن يصير الْقَمَر مَعَ المُشْتَرِي وَقد عمل القولنج عملا لَا يحْتَاج مَعَه إِلَى علاج فتطيرت من ذَلِك غضيض ولبنتها أم مُحَمَّد وأمرتا بِإِخْرَاجِهِ من الدَّار وَقبلت قَول الطَّبَرِيّ فَمَاتَتْ غضيض قبل موافات الْقَمَر المُشْتَرِي فَلَمَّا وافى الْقَمَر المُشْتَرِي قَالَ الْأَبَح لأم مُحَمَّد هَذَا وَقت اخْتِيَار الطَّبَرِيّ للعلاج فَأَيْنَ العليل حَتَّى نعالجه فزادتها رسَالَته غيظا عَلَيْهِ وَلم تزل سَيِّئَة الرَّأْي فِيهِ حَتَّى توفيت

стр. 165

قَالَ يُوسُف نزلت على عِيسَى بن حكم فِي منزله بِدِمَشْق سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ وَبِي نزلة صعبة فَكَانَ يغذوني بأغذية طيبَة ويسقيني الثَّلج فَكنت أنكر ذَلِك واعلمه إِن تِلْكَ الأغذية مضرَّة بالنزلة فيعتل عَليّ بالهواء وَيَقُول أَنا أعلم بهواء بلدي مِنْك وَهَذِه الْأَشْيَاء الْمضرَّة بالعراق نافعة بِدِمَشْق فَكنت اغتذي بِمَا يغذوني بِهِ فَلَمَّا خرجت عَن الْبَلَد خرج مشيعا لي حَتَّى صرنا إِلَى الْموضع الْمَعْرُوف بِالرَّاهِبِ وَهُوَ الْموضع الَّذِي فارقني فِيهِ فَقَالَ لي قد أَعدَدْت لَك طَعَاما يحمل مَعَك يُخَالف الْأَطْعِمَة الَّتِي كنت تأكلها وَأَنا آمُرك أَن لَا تشرب مَاء بَارِدًا وَلَا تَأْكُل من مثل الأغذية الَّتِي كنت تأكلها فِي منزلي شَيْئا فلمته على مَا كَانَ يغذوني بِهِ فَقَالَ إِنَّه لَا يحسن بالعاقل أَن يلْزم قوانين الطِّبّ مَعَ ضَيفه فِي منزله قَالَ يُوسُف وتجاريت وَعِيسَى يَوْمًا بِدِمَشْق ذكر البصل فابترك فِي ذمه وَوصف معايبه وَكَانَ عِيسَى وسلمويه بن بَيَان يسلكان طَرِيق الرهبان وَلَا يحمدان شَيْئا مِمَّا يزِيد فِي الباه ويذكران أَن ذَلِك مِمَّا يتْلف الْأَبدَان وَيذْهب الْأَنْفس فَلم استنجد الِاحْتِجَاج عَلَيْهِ بِزِيَادَة البصل فِي الباه فَقلت لَهُ قد رَأَيْت لَهُ فِي سَفَرِي هَذَا أَعنِي فِيمَا بَين سر من رأى ودمشق مَنْفَعَة فَسَأَلَ عَنْهَا فاعلمته إِنِّي كنت أَذُوق المَاء فِي بعض المناهل فاصيبه مالحا فَآكل البصل الني ثمَّ أعاود شرب المَاء فأجد ملوحته قد نقصت وَكَانَ عِيسَى قَلِيل الضحك فاستضحك من قولي ثمَّ رَجَعَ إِلَى إِظْهَار جرح مِنْهُ ثمَّ قَالَ يعز عَليّ أَن يغلط مثلك هَذَا الْغَلَط لِأَنَّك صرت إِلَى أسمج نُكْتَة فِي البصل وأعيب عيب فِيهِ فجعلتها مدحا ثمَّ قَالَ لي أَلَيْسَ مَتى حدث فِي الدِّمَاغ فَسَاد فَسدتْ الْحَواس حَتَّى ينقص حس الشم والذوق والسمع وَالْبَصَر فأعلمته أَن الْأَمر كَذَلِك فَقَالَ لي إِن خاصية البصل إِحْدَاث فَسَاد الدِّمَاغ فَإِنَّمَا قلل حسك بملوحة المَاء مَا أحدث البصل فِي دماغك من الْفساد قَالَ وَقَالَ لي عِيسَى وَقد شيعني إِلَى الراهب وَهُوَ أخر كَلَام دَار بيني وَبَينه إِن وَالِدي توفّي وَهُوَ ابْن مائَة سنة وَخمْس سِنِين لم يتشنج لَهُ وَجه وَلم ينقص من مَاء وَجهه لِأَشْيَاء كَانَ يَفْعَلهَا وَأَنا الْآن مزودكها فاعمل بهَا وَهِي أَن لَا تذوق القديد وَلَا تغسل يَديك ورجليك عِنْد خُرُوجك من الْحمام أبدا إِلَّا بِمَاء بَارِد أبرد مَا يمكنك والزم ذَلِك فَإِنَّهُ ينفعك فلزمت مَا أَمرنِي بِهِ من هَذَا الْبَاب إِلَّا إِنِّي رُبمَا مصصت الْقطعَة الصَّغِيرَة من القديد فِي السّنة وَفِي الْأَكْثَر من ذَلِك ولعيسى بن حكم من الْكتب كناش كتاب مَنَافِع الْحَيَوَان

стр. 166

تياذوق كَانَ طَبِيبا فَاضلا وَله نَوَادِر وألفاظ مستحسنة فِي صناعَة الطِّبّ وَعمر وَكَانَ فِي أول دولة بني أُميَّة ومشهورا عِنْدهم بالطب وَصَحب أَيْضا الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ الْمُتَوَلِي من جِهَة عبد الْملك ابْن مَرْوَان وخدمه بصناعة الطِّبّ وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ ويثق بمداواته وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الجامكية الوافرة والافتقاد الْكثير وَمن كَلَام تياذوق للحجاج قَالَ لَا تنْكح إِلَّا شَابة وَلَا تَأْكُل من اللَّحْم إِلَّا فتيا وَلَا تشرب الدَّوَاء إِلَّا من عِلّة وَلَا تَأْكُل الْفَاكِهَة إِلَّا فِي أَوَان نضجها وَأَجد مضغ الطَّعَام وَإِذا أكلت نَهَارا فَلَا بَأْس أَن تنام وَإِذا أكلت لَيْلًا فَلَا تنم حَتَّى تمشي وَلَو خمسين خطْوَة فَقَالَ لَهُ بعض من حضر إِذا كَانَ الْأَمر كَمَا تَقول فَلم هلك بقراط وَلم هلك جالينوس وَغَيرهمَا وَلم يبْق أحد مِنْهُم قَالَ يَا بني قد احتججت فاسمع إِن الْقَوْم دبروا أنفسهم بِمَا يملكُونَ وغلبهم مَا لَا يملكُونَ يَعْنِي الْمَوْت وَمَا يرد من خَارج كَالْحرِّ وَالْبرد والوقوع وَالْغَرق والجراح وَالْغَم وَمَا أشبه ذَلِك وَأوصى تياذوق أَيْضا الْحجَّاج فَقَالَ لَا تأكلن حَتَّى تجوع وَلَا تتكارهن على الْجِمَاع وَلَا تحبس الْبَوْل وَخذ من الْحمام قبل أَن يَأْخُذ مِنْك وَقَالَ أَيْضا للحجاج أَرْبَعَة تهدم الْعُمر وَرُبمَا قتلن دُخُول الْحمام على البطنة والمجامعة على الامتلاء وَأكل القديد الجاف وَشرب المَاء الْبَارِد على الرِّيق وَمَا مجامعة الْعَجُوز ببعيدة مِنْهُنَّ وَوجد الْحجَّاج فِي رَأسه صداعا فَبعث إِلَى تياذوق وأحضره فَقَالَ اغسل رجليك بِمَاء حَار وأدهنهما وَخصي للحجاج قَائِم على رَأسه فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت طَبِيبا أقل معرفَة بالطب مِنْك شكى الْأَمِير الصداع فِي رَأسه فتصف لَهُ دَوَاء فِي رجلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أما أَن عَلامَة مَا قلت فِيك بَيِّنَة قَالَ الْخصي وَمَا هِيَ قَالَ نزعت خصيتاك فَذهب شعر لحيتك فَضَحِك الْحجَّاج وَمن حضر وشكى الْحجَّاج ضعفا فِي معدته وقصورا فِي الهضم إِلَى تياذوق فَقَالَ يكون الْأَمِير يحضر بَين يَدَيْهِ الفستق الْأَحْمَر القشر البراني ويكسره وَيَأْكُل من لبه فَإِن ذَلِك يُقَوي الْمعدة فَلَمَّا أَمْسَى الْحجَّاج بعث إِلَى حظاياه وَقَالَ إِن تياذوق وصف لي الفستق فَبعثت إِلَيْهِ كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ صينية فِيهَا قُلُوب فستق فَأكل من ذَلِك حَتَّى امْتَلَأَ وأصابته بعقبه هيضة كَادَت تَأتي على نَفسه فَشكى حَاله إِلَى تياذوق وَقَالَ وصفت لي شَيْئا أضرّ بِي وَذكر لَهُ مَا تنَاول فَقَالَ لَهُ إِنَّمَا

стр. 167

قلت لَك أَن تحضر عنْدك الفستق بقشره البراني فتكسر الْوَاحِدَة بعد الْوَاحِدَة وتلوك قشرها البراني وَفِيه العطرية وَالْقَبْض فَيكون بذلك تَقْوِيَة الْمعدة وَأَنت فقد عملت غير مَا قلت لَك وداواه مِمَّا عرض لَهُ قيل وَمن أخباره مَعَ الْحجَّاج أَنه دخل عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ الْحجَّاج أَي شَيْء دَوَاء أكل الطين فَقَالَ عَزِيمَة مثلك أَيهَا الْأَمِير فَرمى الْحجَّاج بالطين من يَده وَلم يعد إِلَيْهِ أبدا وَقيل إِن بعض الْمُلُوك لما رأى تياذوق وَقد شاخ وَكبر سنه وخشي أَن يَمُوت وَلَا يعتاض عَنهُ لِأَنَّهُ كَانَ أعلم النَّاس وأحذق الْأمة فِي وقته بالطب فَقَالَ لَهُ صف لي مَا اعْتمد عَلَيْهِ فأسوس بِهِ نَفسِي وأعمل بِهِ أَيَّام حَياتِي فلست آمن أَن يحدث عَلَيْك حدث الْمَوْت وَلَا أجد مثلك فَقَالَ تياذوق أَيهَا الْملك بالخيرات أَقُول لَك عشرَة أَبْوَاب إِن علمت واجتنبتها لم تعتل مُدَّة حياتك وَهَذِه عشر كَلِمَات ١ - لَا تَأْكُل طَعَاما وَفِي معدتك طَعَام ٢ - وَلَا تَأْكُل مَا تضعف أسنانك عَن مضغه فتضعف معدتك عَن هضمه ٣ - وَلَا تشرب المَاء على الطَّعَام حَتَّى تفرغ ساعتين فَإِن أصل الدَّاء التُّخمَة وأصل التُّخمَة المَاء على الطَّعَام ٤ - وَعَلَيْك بِدُخُول الْحمام فِي كل يَوْمَيْنِ مرّة وَاحِدَة فَأَنَّهُ يخرج من جسدك مَا لَا يصل إِلَيْهِ الدَّوَاء ٥ - وَأكْثر الدَّم فِي بدنك تحرص بِهِ نَفسك ٦ - وَعَلَيْك فِي كل فصل قيئة ومسهلة ٧ - وَلَا تحبس الْبَوْل وَإِن كنت رَاكِبًا ٨ - واعرض نَفسك على الْخَلَاء قبل نومك ٩ - وَلَا تكْثر الْجِمَاع فَإِنَّهُ يقتبس من نَار الْحَيَاة فليكثر أَو يقل ١٠ - وَلَا تجامع الْعَجُوز فَإِنَّهُ يُورث الْمَوْت الْفجأَة فَلَمَّا سمع الْملك ذَلِك أَمر كَاتبه أَن يكْتب هَذِه الْأَلْفَاظ بِالذَّهَب الْأَحْمَر ويضعه فِي صندوق من ذهب مرصع وَبَقِي ينظر إِلَيْهِ فِي كل يَوْم وَيعْمل بِهِ فَلم يعتل مُدَّة حَيَاته حَتَّى جَاءَهُ الْمَوْت الَّذِي لَا بُد مِنْهُ وَلَا محيص عَنهُ وَذكر إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْكَاتِب قَالَ قَالَ الْحجَّاج لِابْنِهِ مُحَمَّد يَا بني إِن تياذوق الطَّبِيب كَانَ قد أَوْصَانِي فِي تَدْبِير الصِّحَّة بِوَصِيَّة كنت استعملها فَلم أر إِلَّا خيرا وَلما حَضرته الْوَفَاة دخلت عَلَيْهِ أعوده فَقَالَ الزم مَا كنت وصيتك بِهِ وَمَا نسيت مِنْهَا فَلَا تنس لَا تشربن دَوَاء حَتَّى تحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا تأكلن طَعَاما وَفِي جوفك طَعَام وَإِذا أكلت فامش أَرْبَعِينَ خطْوَة وَإِذا امْتَلَأت من الطَّعَام فنم على جَنْبك الْأَيْسَر وَلَا تأكلن الْفَاكِهَة وَهِي مولية وَلَا تأكلن من اللَّحْم إِلَّا فتيا وَلَا تنكحن عجوزا وَعَلَيْك بِالسِّوَاكِ وَلَا تتبعن اللَّحْم اللَّحْم فَإِن إِدْخَال اللَّحْم على اللَّحْم يقتل الْأسود فِي الفلوات وَقَالَ أَيْضا إِبْرَاهِيم بن الْقَاسِم الْكَاتِب فِي كتاب أَخْبَار الْحجَّاج أَن الْحجَّاج لما قتل سعيد بن جُبَير ﵀ وَكَانَ من خِيَار التَّابِعين وَجرى بَينهمَا كَلَام كثير وَأمر بِهِ فذبح بَين يَدَيْهِ وَخرج مِنْهُ دم كثير استكثره وهاله فَقَالَ الْحجَّاج لتياذوق طبيبه مَا هَذَا قَالَ لِاجْتِمَاع نَفسه وَإنَّهُ لم

стр. 168

يجزع من الْمَوْت وَلَا هاب مَا فعلته بِهِ وَغَيره تقتله وَهُوَ مفترق النَّفس فيقل دَمه لذَلِك وَمَات تياذوق بعد مَا أسن وَكبر وَكَانَت وَفَاته بواسط فِي نَحْو سنة تسعين لِلْهِجْرَةِ ولتياذوق من الْكتب كناش كَبِير أَلفه لِابْنِهِ كتاب إيدال الْأَدْوِيَة وَكَيْفِيَّة دقها وإيقاعها وإذابتها وَشَيْء من تَفْسِير أَسمَاء الْأَدْوِيَة زَيْنَب طبيبة بني أود كَانَت عارفة بِالْأَعْمَالِ الطبية خبيرة بالعلاج ومداواة آلام الْعين والجراحات مَشْهُورَة بَين الْعَرَب بذلك قَالَ أَبُو الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الأغاني الْكَبِير أخبرنَا مُحَمَّد بن خلف الْمَرْزُبَان قَالَ حَدثنِي حَمَّاد بن إِسْحَق عَن أَبِيه عَن كناسَة عَن أَبِيه عَن جده قَالَ أتيت امْرَأَة من بني أود لتكحلني من رمد كَانَ قد أصابني فكحلتني ثمَّ قَالَت اضْطجع قَلِيلا حَتَّى يَدُور الدَّوَاء فِي عَيْنَيْك فاضطجعت ثمَّ تمثلت قَول الشَّاعِر (أمخترمي ريب الْمنون وَلم أزر ... طَبِيب بني أود على النأي زينبا) الطَّوِيل فَضَحكت ثمَّ قَالَت أَتَدْرِي فِيمَن قيل هَذَا الشّعْر قلت لَا قَالَت فِي وَالله قيل وَأَنا زَيْنَب الَّتِي عناها وَأَنا طبيبة بني أود أفتدري من الشَّاعِر قلت لَا قَالَت عمك أَبُو سماك الْأَسدي

стр. 169

الْبَاب الثَّامِن طَبَقَات الْأَطِبَّاء السريانيين الَّذين كَانُوا فِي ابْتِدَاء ظُهُور دولة بني الْعَبَّاس ولنبتدئ أَولا بِذكر جورجس وَابْنه بختيشوع والمتميزين من أَوْلَاده على تواليهم ثمَّ اذكر بعد ذَلِك مَا يَلِيق ذكره من الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا فِي ذَلِك الْوَقْت جورجيوس بن جِبْرَائِيل كَانَت لَهُ خبْرَة بصناعة الطِّبّ وَمَعْرِفَة بالمداواة وأنواع العلاج وخدم بصناعة الطِّبّ الْمَنْصُور وَكَانَ حظيا عِنْده رفيع الْمنزلَة ونال من جِهَته أَمْوَالًا جزيلة وَقد نقل للمنصور كتبا كَثِيرَة من كتب اليونانيين إِلَى الْعَرَبِيّ قَالَ فثيون الترجمان إِن أول مَا استدعى أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور لجورجس هُوَ أَن الْمَنْصُور فِي سنة مائَة وثمان وَأَرْبَعين سنة لِلْهِجْرَةِ مرض وفسدت معدته وانقطعت شَهْوَته وَكلما عالجه الْأَطِبَّاء ازْدَادَ مَرضه فَتقدم إِلَى الرّبيع بِأَن يجمع الْأَطِبَّاء لمشاورتهم فَجَمعهُمْ فَقَالَ لَهُم الْمَنْصُور من تعرفُون من الْأَطِبَّاء فِي سَائِر المدن طَبِيبا ماهرا فَقَالُوا لَيْسَ فِي وقتنا هَذَا أحد يشبه جورجس رَئِيس أطباء جندي سَابُور فَإِنَّهُ ماهر فِي الطِّبّ وَله مصنفات جليلة فانفذ الْمَنْصُور فِي الْوَقْت من يحضرهُ فَلَمَّا وصل الرَّسُول إِلَى عَامل الْبَلَد احضر جورجس وخاطبه بِالْخرُوجِ مَعَه فَقَالَ لَهُ عَليّ هَهُنَا أَسبَاب وَلَا بُد أَن تصبر عَليّ أَيَّامًا حَتَّى أخرج مَعَك فَقَالَ لَهُ إِن أَنْت خرجت معي فِي غَد طَوْعًا وَإِلَّا أخرجتك كرها وَامْتنع عَلَيْهِ جورجس فَأمر

стр. 170

باعتقاله وَلما اعتقل اجْتمع رُؤَسَاء الْمَدِينَة مَعَ المطران فأشاروا على جورجس بِالْخرُوجِ فَخرج بعد أَن أوصى ابْنه بختيشوع بِأَمْر البيمارستان وأموره الَّتِي تتَعَلَّق بِهِ هُنَاكَ وَأخذ مَعَه إِبْرَاهِيم تِلْمِيذه وسرجس تِلْمِيذه فَقَالَ لَهُ ابْنه بختيشوع لَا تدع هَهُنَا عِيسَى بن شهلا فَإِنَّهُ يُؤْذِي أهل البيمارستان فَترك سرجس وَأخذ عِيسَى مَعَه عوضا عَنهُ وَخرج إِلَى مَدِينَة السَّلَام وَلما ودعه بختيشوع ابْنه قَالَ لَهُ لم لَا تأخذني مَعَك فَقَالَ لَا تعجل يَا بني فَإنَّك ستخدم الْمُلُوك وتبلغ من الْأَحْوَال أجلهَا وَلما وصل جورجس إِلَى الحضرة أَمر الْمَنْصُور بإيصاله إِلَيْهِ وَلما وصل دَعَا إِلَيْهِ بِالْفَارِسِيَّةِ والعربية فتعجب الْخَلِيفَة من حسن منظره ومنطقه فأجلسه قدامه وَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء فَأَجَابَهُ عَنْهَا بِسُكُون فَقَالَ لَهُ قد ظَفرت مِنْك بِمَا كنت أحبه واشتاقه وحدثه بعلته وَكَيف كَانَ ابْتِدَاؤُهَا فَقَالَ لَهُ جورجس أَنا أدبرك كَمَا تحب فَأمر الْخَلِيفَة لَهُ فِي الْوَقْت بخلعة جليلة وَقَالَ للربيع أنزلهُ فِي منزل جليل من دُورنَا وأكرمه كَمَا تكرم أخص الْأَهْل وَلما كَانَ من غَد دخل إِلَيْهِ وَنظر إِلَى نبضه وَإِلَى قَارُورَة المَاء وَوَافَقَهُ على تَخْفيف الْغذَاء وَدبره تدبيرا لطيفا حَتَّى رَجَعَ إِلَى مزاجه الأول وَفَرح بِهِ الْخَلِيفَة فَرحا شَدِيدا وَأمر أَن يُجَاب إِلَى كل مَا يسْأَل وَلما كَانَ بعد أَيَّام قَالَ الْخَلِيفَة للربيع أرى هَذَا الرجل قد تغير وَجهه لَا يكون قد منعته مِمَّا يشربه على عَادَته قَالَ لَهُ الرّبيع لم نَأْذَن لَهُ أَن يدْخل إِلَى هَذِه الدَّار مشروبا فَأَجَابَهُ بقبيح وَقَالَ لَهُ لَا بُد أَن تمْضِي بِنَفْسِك حَتَّى تحضره من المشروب كل مَا يُريدهُ فَمضى الرّبيع إِلَى قطربل وَحمل مِنْهَا إِلَى غَايَة مَا أمكنه من الشَّرَاب الْجيد وَلما كَانَ بعد سنتَيْن قَالَ الْخَلِيفَة لجورجس أرسل من يحضر ابْنك إِلَيْنَا فقد بَلغنِي إِنَّه مثلك فِي الطِّبّ فَقَالَ لَهُ جورجس جندي سَابُور إِلَيْهِ محتاجة وَإِن فَارقهَا إِن فسد أَمر البيمارستان وَكَانَ أهل الْمَدِينَة إِذا مرضوا سَارُوا إِلَيْهِ وَهَهُنَا معي تلامذة قد ربيتهم وخرجتهم فِي الصِّنَاعَة حَتَّى أَنهم مثلي فَأمر الْخَلِيفَة بإحضارهم فِي غَد ذَلِك الْيَوْم ليختبرهم فَلَمَّا كَانَ من غَد أَخذ مَعَه عِيسَى بن شهلا وأوصله إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْخَلِيفَة عَن أَشْيَاء وجده فِيهَا حاد المزاج حاذقا بالصناعة فَقَالَ الْخَلِيفَة لجورجس مَا أحسن مَا وصفت هَذَا التلميذ وعلمته قَالَ فثيون وَلما كَانَ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وَمِائَة دخل جورجس إِلَى الْخَلِيفَة فِي يَوْم الميلاد فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة أَي شَيْء آكل الْيَوْم فَقَالَ لَهُ مَا تُرِيدُ وَخرج من بَين يَدَيْهِ فَلَمَّا بلغ الْبَاب رده وَقَالَ لَهُ من يخدمك هَهُنَا فَقَالَ لَهُ تلامذتي فَقَالَ لَهُ سَمِعت أَنه لَيست لَك امْرَأَة فَقَالَ لَهُ لي زَوْجَة كَبِيرَة ضَعِيفَة وَلَا تقدر تنْتَقل إِلَيّ من موضعهَا وَخرج من حَضرته وَمضى إِلَى

стр. 171

الْبيعَة فَأمر الْخَلِيفَة خادمه سالما أَن يخْتَار من الْجَوَارِي الروميات الحسان ثَلَاثًا ويحملهن إِلَى جورجس مَعَ ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فَفعل ذَلِك وَلما انْصَرف جورجس إِلَى منزله عرفه عِيسَى بن شهلا بِمَا جرى وَأرَاهُ الْجَوَارِي فَأنْكر أمورهن وَقَالَ لعيسى تِلْمِيذه يَا تلميذ الشَّيْطَان لم أدخلت هَؤُلَاءِ منزلي امْضِ ردهن إِلَى صاحبهن ثمَّ ركب جورجس وَعِيسَى وَمَعَهُ الْجَوَارِي إِلَى دَار الْخَلِيفَة وردهن على الْخَادِم فَلَمَّا اتَّصل الْخَبَر بالمنصور أحضرهُ وَقَالَ لَهُ لم رددت الْجَوَارِي قَالَ لَهُ هَؤُلَاءِ لَا يكونُونَ معي فِي بَيت وَاحِد لأَنا نَحن معشر النَّصَارَى لَا نتزوج بِأَكْثَرَ من امْرَأَة وَاحِدَة وَمَا دَامَت الْمَرْأَة فِي الْحَيَاة لَا نَأْخُذ غَيرهَا فَحسن موقعه من الْخَلِيفَة وَأمر فِي وقته أَن يدْخل جورجس إِلَى حظاياه وَحرمه ويخدمهن وَزَاد مَوْضِعه فِي عينه وَعظم مَحَله قَالَ فثيون وَلما كَانَ فِي سنة مائَة واثنتين وَخمسين سنة مرض جورجس مَرضا صعبا وَكَانَ الْخَلِيفَة يُرْسل إِلَيْهِ فِي كل يَوْم الخدم حَتَّى يعرف خَبره وَلما اشْتَدَّ مرض جورجس أَمر بِهِ الْخَلِيفَة فَحمل على سَرِير إِلَى دَار الْعَامَّة وَخرج إِلَيْهِ الْخَلِيفَة مَاشِيا وَرَاءه وَسَأَلَهُ عَن خَبره فَبكى جورجس بكاء شَدِيدا وَقَالَ لَهُ إِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ أَن يَأْذَن لي فِي الْمصير إِلَى بلدي لأنظر إِلَى أَهلِي وَوَلَدي وَإِن مت قبرت مَعَ آبَائِي فَقَالَ الْخَلِيفَة يَا جورجس اتَّقِ الله وَأسلم وَأَنا أضمن لَك الْجنَّة قَالَ جورجس أَنا على دين آبَائِي أَمُوت وَحَيْثُ يكون آبَائِي أحب أَن أكون إِمَّا فِي الْجنَّة أَو فِي جَهَنَّم فَضَحِك الْخَلِيفَة من قَوْله وَقَالَ لَهُ وجدت رَاحَة عَظِيمَة فِي جسمي مُنْذُ رَأَيْتُك وَإِلَى هَذِه الْغَايَة وَقد تخلصت من الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت تلحقني قَالَ لَهُ جورجس إِنِّي أخلف بَين يَديك عِيسَى وَهُوَ تربيتي فَأمر الْخَلِيفَة أَن يخرج جورجس إِلَى بَلَده وَأَن يدْفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِينَار وانفذ مَعَه خَادِمًا وَقَالَ إِن مَاتَ فِي طَرِيقه فاحمله إِلَى منزله ليدفن هُنَاكَ كَمَا آثر فوصل إِلَى بَلَده حَيا وَحصل عِيسَى بِي شهلا فِي الْخدمَة وَبسط يَده على المطارنة والأساقفة يَأْخُذ أَمْوَالهم لنَفسِهِ حَتَّى إِنَّه كتب إِلَى مطران نَصِيبين كتابا يلْتَمس مِنْهُ فِيهِ من آلَات الْبيعَة أَشْيَاء جليلة الْمِقْدَار ويتهدده مَتى أَخّرهَا عَنهُ وَقَالَ فِي كِتَابه إِلَى المطران أَلَسْت تعلم أَن أَمر الْملك بيَدي إِن شِئْت أمرضته وَإِن شِئْت عافيته فعندما وقف المطران على الْكتاب احتال فِي التَّوَصُّل حَتَّى وافى الرّبيع وَشرح لَهُ صورته واقرأه الْكتاب فأوصله الرّبيع إِلَى الْخَلِيفَة حَتَّى عرف شرح مَا جرى فَأمر بِنَفْي عِيسَى بن شهلا بعد أَن أَخذ مِنْهُ جَمِيع مَا ملكه ثمَّ قَالَ الْخَلِيفَة للربيع سل عَن جورجس فَإِن كَانَ حَيا فانفذ من يحضرهُ وَإِن كَانَ قد مَاتَ فَاحْضُرْ ابْنه فَكتب الرّبيع إِلَى الْعَامِل بجندي سَابُور فِي ذَلِك وَاتفقَ أَن جورجس سقط فِي تِلْكَ الْأَيَّام من السَّطْح وَضعف ضعفا فَلَمَّا خاطبه أَمِير الْبَلَد قَالَ لَهُ أَنا أنفذ إِلَى الْخَلِيفَة طَبِيبا ماهرا يَخْدمه إِلَى أَن أصلح وأتوجه إِلَيْهِ واحضر إِبْرَاهِيم تِلْمِيذه وأنفذه إِلَى الْأَمِير مَعَ كتاب شرح فِيهِ حَال جورجس إِلَى الرّبيع فَلَمَّا وصل

стр. 172

إِلَى الرّبيع أوصله إِلَى الْخَلِيفَة وخاطبه الْخَلِيفَة فِي أَشْيَاء فَوَجَدَهُ فِيهَا حاد المزاج جيد الْجَواب فقربه وأكرمه وخلع عَلَيْهِ ووهب لَهُ مَالا واستخلصه لخدمته وَلم يزل فِي الْخدمَة إِلَى أَن مَاتَ الْمَنْصُور ولجورجس من الْكتب كناشه الْمَشْهُور وَنَقله حنين بن إِسْحَاق من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ بختيشوع بن جورجس وَمعنى بختيشوع عبد الْمَسِيح لِأَن فِي اللُّغَة السريانية البخت العَبْد ويشوع عِيسَى ﵇ وَكَانَ بختيشوع يلْحق بِأَبِيهِ فِي مَعْرفَته بصناعة الطِّبّ ومزاولته لأعمالها وخدم هرون الرشيد وتميز فِي أَيَّامه قَالَ فثيون الترجمان لما مرض مُوسَى الْهَادِي أرسل إِلَى جندي سَابُور من يحضر لَهُ بختيشوع فَمَاتَ قبل قدوم بختيشوع وَكَانَ من خَبره أَنه جمع الْأَطِبَّاء وهم أَبُو قُرَيْش عِيسَى وَعبد الله الطيفوري وداؤد بن سرابيون وَقَالَ لَهُم أَنْتُم تأخذون أَمْوَالِي وجوائزي وَفِي وَقت الشدَّة تتقاعدون بِي فَقَالَ لَهُ أَبُو قُرَيْش علينا الِاجْتِهَاد وَالله يهب السَّلامَة فاغتاظ من هَذَا فَقَالَ لَهُ الرّبيع قد وصف لنا أَن بنهر صَرْصَر طَبِيبا ماهرا يُقَال لَهُ عبد يشوع بن نصر فَأمر بإحضاره وَبِأَن تضرب أَعْنَاق الْأَطِبَّاء فَلم يفعل الرّبيع هَذَا لعلمه باختلال عقله من شدَّة الْمَرَض وَلِأَنَّهُ كَانَ آمنا مِنْهُ وَوجه إِلَى صَرْصَر حَتَّى أحضر الرجل وَلما دخل على مُوسَى قَالَ لَهُ رَأَيْت القارورة قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَا أَنا أصنع لَك دَوَاء تَأْخُذهُ وَإِذا كَانَ على تسع سَاعَات تَبرأ وتتخلص وَخرج من عِنْده وَقَالَ للأطباء لَا تشْغَلُوا قُلُوبكُمْ فَإِنَّكُم فِي هَذَا الْيَوْم تنصرفون إِلَى بُيُوتكُمْ وَكَانَ الْهَادِي قد أَمر بِأَن يدْفع إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم ليبتاع لَهُ بهَا الدَّوَاء فَأَخذهَا وَوجه بهَا إِلَى بَيته وأحضر أدوية وَجمع الْأَطِبَّاء بِالْقربِ من مَوضِع الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُم دقوا حَتَّى يسمع وتسكن نَفسه فَإِنَّكُم فِي آخر النَّهَار تتخلصون وَكَانَ كل سَاعَة يَدْعُو بِهِ ويسأله عَن الدَّوَاء فَيَقُول لَهُ هوذا تسمع صَوت الدق فيسكت وَلما كَانَ بعد تسع سَاعَات مَاتَ وتخلص الْأَطِبَّاء وَهَذَا فِي سنة سبعين وَمِائَة قَالَ فثيون وَلما كَانَ فِي سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَة مرض هرون الرشيد من صداع لحقه فَقَالَ

стр. 173

ليحيى بن خَالِد هَؤُلَاءِ الْأَطِبَّاء لَيْسَ يحسنون شَيْئا فَقَالَ لَهُ يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَبُو قُرَيْش طَبِيب والدك ووالدتك فَقَالَ لَيْسَ هُوَ بَصيرًا بالطب وَإِنَّمَا كَرَامَتِي لَهُ لقديم حرمته فَيَنْبَغِي أَن تطلب لي طَبِيبا ماهرا فَقَالَ لَهُ يحيى بن خَالِد إِنَّه لما مرض أَخُوك مُوسَى أرسل والدك إِلَى جندي سَابُور حَتَّى أحضر رجلا يعرف ببختيشوع قَالَ لَهُ فَكيف تَركه يمْضِي فَقَالَ لما رأى عِيسَى أَبَا قُرَيْش ووالدتك يحسدانه أذن لَهُ فِي الِانْصِرَاف إِلَى بَلَده فَقَالَ لَهُ أرسل بالبريد حَتَّى يحملوه إِن كَانَ حَيا وَلما كَانَ بعد مُدَّة مديدة وافى بختيشوع الْكَبِير ابْن جورجس وَوصل إِلَى هرون الرشيد ودعا لَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وبالفارسية فَضَحِك الْخَلِيفَة وَقَالَ ليحيى بن خَالِد أَنْت منطقي فَتكلم مَعَه حَتَّى اسْمَع كَلَامه فَقَالَ لَهُ يحيى بل نَدْعُو بالأطباء فدعى بهم وهم أَبُو قُرَيْش عِيسَى وَعبد الله الطيفوري وَدَاوُد بن سرابيون وسرجس فَلَمَّا رَأَوْا بختيشوع قَالَ أَبُو قُرَيْش يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ فِي الْجَمَاعَة من يقدر على الْكَلَام مَعَ هَذَا لِأَنَّهُ كَون الْكَلَام هُوَ وَأَبوهُ وجنسه فلاسفة فَقَالَ الرشيد لبَعض الخدم أحضرهُ مَاء دَابَّة حَتَّى نجربه فَمضى الْخَادِم وأحضره قَارُورَة المَاء فَلَمَّا رَآهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَيْسَ هَذَا بَوْل إِنْسَان قَالَ لَهُ أَبُو قُرَيْش كذبت هَذَا مَاء حظية الْخَلِيفَة فَقَالَ لَهُ بختيشوع لَك أَقُول أَيهَا الشَّيْخ الْكَرِيم لم يبل هَذَا إِنْسَان الْبَتَّةَ وَإِن كَانَ الْأَمر على مَا قلت فلعلها صَارَت بَهِيمَة فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة من أَيْن علمت أَنه لَيْسَ ببول إِنْسَان قَالَ لَهُ بختيشوع لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ قوام بَوْل النَّاس وَلَا لَونه وَلَا رِيحه قَالَ لَهُ الْخَلِيفَة بَين يَدي من قَرَأت قَالَ لَهُ قُدَّام أبي جورجس قَرَأت قَالَ لَهُ الْأَطِبَّاء أَبوهُ كَانَ اسْمه جورجس وَلم يكن مثله فِي زَمَانه وَكَانَ يُكرمهُ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور إِكْرَاما شَدِيدا ثمَّ الْتفت الْخَلِيفَة إِلَى بختيشوع فَقَالَ لَهُ مَا ترى أَن نطعم صَاحب هَذَا المَاء فَقَالَ شَعِيرًا جيدا فَضَحِك الرشيد ضحكا شَدِيدا وَأمر فَخلع عَلَيْهِ خلعة حَسَنَة جليلة ووهب لَهُ مَالا وافرا وَقَالَ بختيشوع يكون رَئِيس الْأَطِبَّاء كلهم وَله يسمعُونَ ويطيعون ولبختيشوع بن جورجس من الْكتب كناش مُخْتَصر كتاب التَّذْكِرَة أَلفه لِابْنِهِ جِبْرَائِيل جِبْرَائِيل بن بختيشوع بن جورجس كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ جيد التَّصَرُّف فِي المداواة عالي الهمة سعيد الْجد حظيا عِنْد الْخُلَفَاء رفيع الْمنزلَة عِنْدهم كثيري الْإِحْسَان إِلَيْهِ وَحصل من جهتهم من الْأَمْوَال مَا لم يحصله غَيره من الْأَطِبَّاء

стр. 174

قَالَ فثيون الترجمان لما كَانَ فِي سنة خمس وَسبعين وَمِائَة مرض جَعْفَر بن يحيى بن خَالِد بن برمك فَتقدم الرشيد إِلَى بختيشوع أَن يتَوَلَّى خدمته ومعالجته وَلما كَانَ فِي بعض الْأَيَّام قَالَ لَهُ جَعْفَر أُرِيد أَن تخْتَار لي طَبِيبا ماهرا أكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ قَالَ لَهُ بختيشوع ابْني جِبْرَائِيل أمهر مني وَلَيْسَ فِي الْأَطِبَّاء من يشاكله فَقَالَ لَهُ أحضرنيه وَلما أحضرهُ عالجه فِي مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وبرأ فَأَحبهُ جَعْفَر مثل نَفسه وَكَانَ لَا يصبر عَنهُ سَاعَة وَمَعَهُ يَأْكُل وَيشْرب وَفِي تِلْكَ الْأَيَّام تمطت حظية الرشيد وَرفعت يَدهَا فَبَقيت منبسطة لَا يُمكنهَا ردهَا والأطباء يعالجونها بالتمريخ والإدهان وَلَا ينفع ذَلِك شَيْئا فَقَالَ الرشيد لجَعْفَر بن يحيى قد بقيت هَذِه الصبية بعلتها قَالَ لَهُ جَعْفَر لي طَبِيب ماهر وَهُوَ ابْن بختيشوع نَدْعُوهُ ونخاطبه فِي معنى هَذَا الْمَرَض فَلَعَلَّ عِنْده حِيلَة فِي علاجه فَأمر بإحضاره وَلما حضر قَالَ لَهُ الرشيد مَا اسْمك قَالَ جِبْرَائِيل قَالَ لَهُ أَي شَيْء تعرف من الطِّبّ فَقَالَ أبرد الْحَار وأسخن الْبَارِد وأرطب الْيَابِس وأيبس الرطب الْخَارِج عَن الطَّبْع فَضَحِك الْخَلِيفَة وَقَالَ هَذَا غَايَة مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ ثمَّ شرح لَهُ حَال الصبية فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيل إِن لم يسْخط عَليّ أَمِير الْمُؤمنِينَ فلهَا عِنْدِي حِيلَة فَقَالَ لَهُ وَمَا هِيَ قَالَ تخرج الْجَارِيَة إِلَى هَهُنَا بِحَضْرَة الْجمع حَتَّى أعمل مَا أريده وتمهل عَليّ وَلَا تعجل بالسخط فَأمر الرشيد بإحضار الْجَارِيَة فَخرجت وَحين رَآهَا جِبْرَائِيل عدا إِلَيْهَا ونكس رَأسه ومسك ذيلها كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يكشفها فانزعجت الْجَارِيَة وَمن شدَّة الْحيَاء والانزعاج استرسلت أعضاؤها وَبسطت يَديهَا إِلَى أَسْفَل ومسكت ذيلها فَقَالَ جِبْرَائِيل قد بَرِئت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الرشيد لِلْجَارِيَةِ أبسطي يَديك يمنة ويسرة فَفعلت ذَلِك وَعجب الرشيد وكل من كَانَ بَين يَدَيْهِ وَأمر الرشيد فِي الْوَقْت لجبرائيل بِخَمْسِمِائَة ألف دِرْهَم وأحبه مثل نَفسه وَجعله رَئِيسا على جَمِيع الْأَطِبَّاء وَلما سُئِلَ جِبْرَائِيل عَن سَبَب الْعلَّة قَالَ هَذِه الْجَارِيَة انصب إِلَى أعضائها وَقت المجامعة خلط رَقِيق بالحركة وانتشار الْحَرَارَة وَلأَجل أَن سُكُون حَرَكَة الْجَمَاعَة تكون بَغْتَة جمدت الفضلة فِي بطُون جَمِيع الأعصاب وَمَا كَانَ يحلهَا إِلَّا حَرَكَة مثلهَا فاحتلت حَتَّى انبسطت حَرَارَتهَا وانحلت الفضلة قَالَ فثيون وَكَانَ مَحل جِبْرَائِيل يقوى فِي كل وَقت حَتَّى أَن الرشيد قَالَ لأَصْحَابه كل من كَانَت لَهُ إِلَيّ حَاجَة فليخاطب بهَا جِبْرَائِيل لِأَنِّي أفعل كل مَا يسألني فِيهِ ويطلبه مني فَكَانَ القواد يقصدونه فِي كل أُمُورهم وحاله تتزايد ومنذ يَوْم خدم الرشيد وَإِلَى أَن انْقَضتْ خمس عشرَة سنة لم يمرض الرشيد فحظي عِنْده وَفِي آخر أَيَّام الرشيد عِنْد حُصُوله بطوس مرض المرضة الَّتِي توفّي فِيهَا وَلما قوي عَلَيْهِ الْمَرَض قَالَ لجبرائيل لم لَا تبرئني فَقَالَ لَهُ قد كنت أَنهَاك دَائِما عَن التَّخْلِيط

стр. 175

وَأَقُول لَك قَدِيما أَن تخفف من الْجِمَاع فَلَا تسمع مني والآن سَأَلتك أَن ترجع إِلَى بلدك فَأَنَّهُ أوفق لمزاجك فَلم تقبل وَهَذَا مرض شَدِيد وَأَرْجُو أَن يمن الله بعافيتك فَأمر بحبسه وَقيل لَهُ إِن بِفَارِس أسقفا يفهم الطِّبّ فَوجه من يحضرهُ إِلَيْهِ وَلما حَضَره وَرَآهُ قَالَ لَهُ الَّذِي عالجك لم يكن يفهم الطِّبّ فَزَاد ذَلِك أبعاد جِبْرَائِيل وَكَانَ الْفضل بَين الرّبيع يحب جِبْرَائِيل وَرَأى أَن الأسقف كَذَّاب يُرِيد إِقَامَة السُّوق فَأحْسن فِيمَا بَينه وَبَين جِبْرَائِيل وَكَانَ الأسقف يعالج الرشيد ومرضه يزِيد وَهُوَ يَقُول لَهُ أَنْت قريب من الصِّحَّة ثمَّ قَالَ لَهُ هَذَا الْمَرَض كُله من خطأ جِبْرَائِيل فَتقدم الرشيد بقتْله فَلم يقبل مِنْهُ الْفضل بن الرّبيع لِأَنَّهُ كَانَ يئس من حَيَاته فاستبقى جِبْرَائِيل وَلما كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة مَاتَ الرشيد وَلحق الْفضل بن الرّبيع فِي تِلْكَ الْأَيَّام قولنج صَعب أيس الْأَطِبَّاء مِنْهُ فعالجه جِبْرَائِيل بألطف علاج وَأحسنه فبرأ الْفضل وازدادت محبته لَهُ وعجبه بِهِ قَالَ فثيون وَلما تولى مُحَمَّد الْأمين وافى إِلَيْهِ جِبْرَائِيل فَقبله أحسن قبُول وأكرمه ووهب لَهُ أَمْوَالًا جليلة أَكثر مِمَّا كَانَ أَبوهُ يهب لَهُ وَكَانَ الْأمين لَا يَأْكُل وَلَا يشرب إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلَمَّا كَانَ من الْأمين مَا كَانَ وَملك الْأَمر الْمَأْمُون كتب إِلَى الْحسن بن سهل وَهُوَ يخلفه بالحضرة بِأَن يقبض على جِبْرَائِيل ويحبسه لِأَنَّهُ ترك قصره بعد موت أَبِيه الرشيد وَمضى إِلَى أَخِيه الْأمين فَفعل الْحسن بن سهل هَذَا وَلما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ مرض الْحسن بن سهل مَرضا شَدِيدا وعالجه الْأَطِبَّاء فَلم ينْتَفع بذلك فَأخْرج جِبْرَائِيل من الْحَبْس حَتَّى عالجه وبرأ فِي أَيَّام يسيرَة فوهب لَهُ سرا مَالا وافرا وَكتب إِلَى الْمَأْمُون يعرفهُ خبر علته وَكَيف برأَ على يَد جبرئيل ويسأله فِي أمره فَأَجَابَهُ بالصفح عَنهُ قَالَ فثيون وَلما دخل الْمَأْمُون الحضرة فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ أَمر بِأَن يجلس جِبْرَائِيل فِي منزله وَلَا يخْدم وَوجه من أحضر ميخائيل المتطبب وَهُوَ صهر جِبْرَائِيل وَجعله مَكَانَهُ وأكرمه إِكْرَاما وافرا كيادا لجبرائيل قَالَ وَلما كَانَ فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ مرض الْمَأْمُون مَرضا صعبا وَكَانَ وُجُوه الْأَطِبَّاء يعالجونه وَلَا يصلح فَقَالَ ليمخائيل الْأَدْوِيَة الَّتِي تُعْطِينِي تزيدني شرا فاجمع الْأَطِبَّاء وشاورهم فِي أَمْرِي فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو عِيسَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نحضر جِبْرَائِيل فَإِنَّهُ يعرف مزاجاتنا مُنْذُ الصِّبَا فتغافل

стр. 176

عَن كَلَامه وأحضر أَبُو إِسْحَق أَخُوهُ يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل طبيبه وَوَقع فِيهِ وَطعن عَلَيْهِ فَلَمَّا ضعفت قُوَّة الْمَأْمُون عَن أَخذ الْأَدْوِيَة أذكروه بجبرائيل فَأمر بإحضاره وَلما حضر غير تَدْبيره كُله فاستقل بعد يَوْم وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام صلح فسر بِهِ الْمَأْمُون سُرُورًا عَظِيما وَلما كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة صلح صلاحا تَاما وَأذن لَهُ جِبْرَائِيل فِي الْأكل وَالشرب فَفعل ذَلِك وَقَالَ لَهُ أَبُو عِيسَى أَخُوهُ وَهُوَ جَالس مَعَه على الشّرْب مثل هَذَا الرجل الَّذِي لم يكن مثله وَلَا يكون سَبيله أَن يكرم فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِأَلف ألف دِرْهَم وبألف كرّ حِنْطَة ورد عَلَيْهِ سَائِر مَا قبض مِنْهُ من الْأَمْلَاك والضياع وَصَارَ إِذا خاطبه كناه بِأبي عِيسَى جِبْرَائِيل وأكرمه زِيَادَة على مَا كَانَ أَبوهُ يُكرمهُ وانْتهى بِهِ الْأَمر فِي الْجَلالَة إِلَى أَن كَانَ كل من تقلد عملا لَا يخرج إِلَى عمله إِلَّا بعد أَن يلقى جِبْرَائِيل ويكرمه وَكَانَ عِنْد الْمَأْمُون مثل أَبِيه وَنقص مَحل ميخائيل الطَّبِيب صهر جِبْرَائِيل وانحط قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم دخلت على جِبْرَائِيل دَاره الَّتِي بالميدان فِي يَوْم من تموز وَبَين يَدَيْهِ الْمَائِدَة وَعَلَيْهَا فراخ طيور مسرولة كبار وَقد عملت كردناجا بفلفل وَهُوَ يَأْكُل مِنْهَا وطالبني بِأَن آكل مَعَه فَقلت لَهُ كَيفَ آكل مِنْهَا فِي مثل هَذَا الْوَقْت من السّنة وسني سنّ الشَّبَاب فَقَالَ لي مَا الحمية عنْدك فَقلت تجنب الأغذية الرَّديئَة فَقَالَ لي غَلطت لَيْسَ مَا ذكرت حمية ثمَّ قَالَ لَا أعرف أحدا عظم قدره وَلَا صغر يصل إِلَى الْإِمْسَاك عَن غذَاء من الأغذية كل دهره إِلَّا أَن يكون يبغضه وَلَا تتوق نَفسه إِلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يمسك عَن أكل الشَّيْء بُرْهَة من دهره ثمَّ يضطره إِلَى أكله عدم أَدَم سواهُ لعِلَّة من الْعِلَل أَو مساعدة لعليل يكون عِنْده أَو صديق يحلف عَلَيْهِ أَو شَهْوَة تتجدد لَهُ فَمَتَى أكله وَقد أمسك عَن أكله مِنْهُ الْمدَّة الطَّوِيلَة لم تقبله طَبِيعَته ونفرت مِنْهُ وأحدث ذَلِك فِي بدن آكله مَرضا كثيرا وَرُبمَا أَتَى على نَفسه والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرَّديئَة حَتَّى تألفها وَأَن يَأْكُل مِنْهَا فِي كل يَوْم شَيْئا وَاحِدًا وَلَا يجمع أكل شَيْئَيْنِ رديئين فِي يَوْم وَاحِد وَإِذا أكل من بعض هَذِه الْأَشْيَاء فِي يَوْم لم يعاود أكله فِي غَد ذَلِك الْيَوْم فَإِن الْأَبدَان إِذا مرنت على أكل هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ اضْطر الْإِنْسَان إِلَى الْإِكْثَار من أكل بَعْضهَا لم تنفر الطبيعة مِنْهُ فقد رَأينَا الْأَدْوِيَة المسهلة إِذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلهَا وَلم تسهل وَهَؤُلَاء أهل الأندلس إِذا أَرَادَ أحدهم إسهال طَبِيعَته أَخذ من السقمونيا وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم حَتَّى تلين طَبِيعَته مِقْدَار مَا يلينها نصف دِرْهَم فِي بلدنا وَإِذا كَانَت

стр. 177

الْأَبدَان تألف الْأَدْوِيَة حَتَّى تمنعها من فعلهَا فَهِيَ للأغذية وَإِن كَانَت رَدِيئَة أَشد إلفا قَالَ يُوسُف فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث بختيشوع بن جِبْرَائِيل فَسَأَلَنِي إملاءه عَلَيْهِ وَكتبه عني بِخَطِّهِ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي سُلَيْمَان الْخَادِم الْخُرَاسَانِي مولى الرشيد إِنَّه كَانَ وَاقِفًا على رَأس الرشيد بِالْحيرَةِ يَوْمًا وَهُوَ يتغدى إِذْ دخل عَلَيْهِ عون الْعَبَّادِيّ الْجَوْهَرِي وَهُوَ حَامِل صَحْفَة فِيهَا سَمَكَة منعوتة بالسمن فوضعها بَين يَدَيْهِ وَمَعَهَا محشي قد اتَّخذهُ لَهَا فحاول الرشيد أكل شَيْء مِنْهَا فَمَنعه من ذَلِك جِبْرَائِيل وغمز صَاحب الْمَائِدَة بعزلها لَهُ وفطن الرشيد فَلَمَّا رفعت الْمَائِدَة وَغسل الرشيد يَده خرج جِبْرَائِيل عَن حَضرته قَالَ سُلَيْمَان فَأمرنِي الرشيد باتباعه وإخفاء شخصي عَنهُ وَأَن اتفقد مَا يعمله وارجع إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ وأحسب أَن أَمْرِي لم يسْتَتر عَن جِبْرَائِيل لما تبينت من تحرزه فَصَارَ إِلَى مَوضِع من دَار عون ودعا بِالطَّعَامِ فأحضر لَهُ وَفِيه السَّمَكَة ودعا بِثَلَاثَة أقداح من فضَّة فَجعل فِي وَاحِد قِطْعَة مِنْهَا وصب عَلَيْهِ خمرًا من خمر طيرناباذ بِغَيْر مَاء وَقَالَ هَذَا أكل جِبْرَائِيل وَجعل فِي قدح آخر قِطْعَة وصب عَلَيْهَا مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا أكل أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لم يخلط السّمك بِغَيْرِهِ وَجعل فِي الْقدح الثَّالِث قِطْعَة من السّمك وَمَعَهَا قطعا من اللَّحْم من ألوان مُخْتَلفَة وَمن شواء وحلواء وبوارد وفراريج وَبقول وصب عَلَيْهِ مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا طَعَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن خلط السّمك بِغَيْرِهِ وَرفع الثَّلَاثَة الأقداح إِلَى صَاحب الْمَائِدَة وَقَالَ احتفظ بهَا إِلَى أَن ينتبه أَمِير الْمُؤمنِينَ من قائلته قَالَ سُلَيْمَان الْخَادِم ثمَّ أقبل جِبْرَائِيل على السَّمَكَة فَأكل مِنْهَا حَتَّى تضلع وَكَانَ كلما عَطش دَعَا بقدح مَعَ الْخمر الصّرْف فشربه ثمَّ نَام فَلَمَّا انتبه الرشيد من نَومه دَعَاني فَسَأَلَنِي عَمَّا عِنْدِي من خبر جِبْرَائِيل وَهل أكل من السَّمَكَة شَيْئا أم لم يَأْكُل فَأَخْبَرته بالْخبر فَأمر بإحضار الثَّلَاثَة الأقداح فَوجدَ الَّذِي صب عَلَيْهِ الْخمر الصّرْف قد تفتت وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء وَوجد الَّذِي صب عَلَيْهِ المَاء بالثلج قد رَبًّا وَصَارَ على أَكثر من الضعْف مِمَّا كَانَ وَوجد الْقدح الَّذِي السّمك وَاللَّحم فِيهِ قد تَغَيَّرت رَائِحَته وَحدثت لَهُ سهوكة شَدِيدَة فَأمرنِي الرشيد بِحمْل خَمْسَة آلَاف دِينَار إِلَى جِبْرَائِيل وَقَالَ من يلومني على محبَّة هَذَا الرجل الَّذِي يدبرني هَذَا التَّدْبِير فأوصلت إِلَيْهِ المَال وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسة أَن يوحنا

стр. 178

بن ماسويه أخبرهُ أَن الرشيد قَالَ لجبرائيل بن بختيشوع وَهُوَ حَاج بِمَكَّة يَا جِبْرَائِيل علمت مرتبتك عِنْدِي قَالَ يَا سَيِّدي وَكَيف لَا أعلم قَالَ لَهُ دَعَوْت لَك وَالله فِي الْموقف دُعَاء كثيرا ثمَّ الْتفت إِلَى بني هَاشم فَقَالَ عَسى أنكرتم قولي لَهُ فَقَالُوا يَا سيدنَا ذمِّي فَقَالَ نعم وَلَكِن صَلَاح بدني وقوامه بِهِ وَصَلَاح الْمُسلمين بِي فصلاحهم بصلاحه وبقائه فَقَالُوا صدقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ونقلت من بعض التواريخ قَالَ جِبْرَائِيل بن بختيشوع المتطبب اشْتريت ضَيْعَة بسبعماية ألف دِرْهَم فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه فَدخلت على يحيى بن خَالِد وَعِنْده وَلَده وَأَنا أفكر فَقَالَ مَالِي أَرَاك مفكرا فَقلت اشْتريت ضَيْعَة بسبعمائة ألف فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه قَالَ فَدَعَا بالدواة وَكتب يعْطى جِبْرَائِيل سَبْعمِائة ألف دِرْهَم ثمَّ دفع إِلَى كل وَاحِد من وَلَده فَوَقع فِيهِ ثلثمِائة ألف قَالَ فَقلت جعلت فدَاك قد أدّيت عَامَّة الثّمن وَإِنَّمَا بَقِي أَقَله قَالَ اصرف ذَلِك فِيمَا يَنُوبك ثمَّ صرت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت عِنْد أَبِيك وأخوتك فَفَعَلُوا بِي كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا ذَلِك لخدمتي لَك قَالَ فَمَا حَالي أَنا ثمَّ دَعَا بدابته فَركب إِلَى يحيى فَقَالَ يَا أَبَت أَخْبرنِي جِبْرَائِيل بِمَا كَانَ فَمَا حَالي أَنا من بَين ولدك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مر بِمَا شِئْت يحمل إِلَيْهِ فَأمر لي بِخَمْسِمِائَة ألف قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم الحاسب الْمَعْرُوف بِابْن الداية كَانَ لأم جَعْفَر بنت أبي الْفضل فِي قصر عِيسَى بن عَليّ الَّذِي كَانَت تسكنه مجْلِس لَا يجلس فِيهِ إِلَّا الْحساب والمتطببون وَكَانَت لَا تَشْتَكِي عِلّة إِلَى متطبب حَتَّى يحضر جَمِيع أهل الصناعتين وَيكون مقامهم فِي ذَلِك الْمجْلس إِلَى وَقت جلوسها فَكَانَت تجْلِس لَهُم فِي أحد موضِعين إِمَّا عِنْد الشباك الَّذِي على الدّكان الْكَبِير المحاذي للشباك وللباب الأول من أَبْوَاب الدَّار أَو عِنْد الْبَاب الصَّغِير المحاذي لمَسْجِد الدَّار فَكَانَ الْحساب والمتطببون يَجْلِسُونَ من خَارج الْموضع الَّذِي تجْلِس فِيهِ ثمَّ تَشْتَكِي مَا تَجِد فيتناظر المتطببون فِيمَا بَينهم حَتَّى يجتمعوا على الْعلَّة والعلاج فَإِن كَانَ بَينهم اخْتِلَاف دخل الْحساب بَينهم وَقَالُوا بِتَصْدِيق الْمُصِيب عِنْدهم ثمَّ تسْأَل الْحساب عَن اخْتِيَار وَقت لذَلِك العلاج فَإِن اجْتَمعُوا على وَقت وَإِلَّا نظر المتطببون فِيمَا بَين الْحساب وحكموا لألزمهم الْقيَاس فاعتلت عِنْد اجتماعها على الْحَج آخر حجَّة حجتها عِلّة أجمع متطببوها على إِخْرَاج الدَّم من سَاقيهَا بالحجامة وَاخْتَارَ الْحساب لَهَا يَوْمًا تحتجم فِيهِ وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَمَضَان فَلم يُمكن أَن تكون الْحجامَة إِلَّا فِي آخر النَّهَار فَكَانَ مِمَّن يخْتَلف إِلَيْهَا من الْحساب الْحسن بن مُحَمَّد الطوسي التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالأبح وَعمر بن الفرخان الطَّبَرِيّ وَشُعَيْب الْيَهُودِيّ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَكنت مَتى عرضت للأبح عِلّة أَو عاقه عَن حُضُور دَار أم جَعْفَر عائق حضرت عَنهُ فَحَضَرت ذَلِك الْمجْلس فِي الْوَقْت الَّذِي وَقع الِاخْتِيَار على حجامة أم جَعْفَر فِيهِ

стр. 179

فوافيت ابْنا لداؤد بن سرافيون حَدثا يشبه أَن يكون ابْن أقل من عشْرين سنة قد أمرت أم جَعْفَر بإحضاره مَعَ المتطببين ليتأدب بِحُضُور ذَلِك الْمجْلس وَقد تقدّمت إِلَى جَمِيع من يطِيف بهَا من المتطببين فِي تَعْلِيمه وتوقيفه عناية بِهِ لمَكَان أَبِيه من خدمتها فوافيته وَهُوَ يلاحي متطببا رَاهِبًا أحضر دارها فِي ذَلِك الْيَوْم من أهل الأهواز فِي شرب المَاء للمنتبه من نَومه لَيْلًا فَقَالَ ابْن داؤد مَا الله خلق بأحمق مِمَّن يشرب مَاء بعد انتباهه من نَومه ووافى جِبْرَائِيل عِنْدَمَا قَالَ الْغُلَام هَذَا القَوْل بَاب الْبَيْت فَلم يدْخل الْمجْلس إِلَّا وَهُوَ يَقُول أَحمَق وَالله مِنْهُ من تتضرم نَار على كبده فَلم يطفئها ثمَّ دخل فَقَالَ من صَاحب الْكَلَام الَّذِي سمعته فَقيل لَهُ ابْن داؤد فعنفه على ذَلِك وَقَالَ لَهُ كَانَت لأَبِيك مرتبَة جليلة فِي هَذِه الصِّنَاعَة وتتكلم بِمثل مَا سمعته مِنْك فَقَالَ لَهُ الْغُلَام فكأنك أعزّك الله تطلق شرب المَاء بِاللَّيْلِ عِنْد الانتباه من النّوم فَقَالَ جِبْرَائِيل المحرور الجاف الْمعدة وَمن تعشى وَأكل طَعَاما مالحا فَأَطْلقهُ لَهُ وَأَنا أمنع مِنْهُ الرطبي الْمعد وَأَصْحَاب البلغم المالح لِأَن فِي مَنعهم من ذَلِك شِفَاء من رطوبات معدهم وَأكل بعض البلغم المالح بَعْضًا فَسكت عَنهُ جَمِيع من حضر ذَلِك الْمجْلس غَيْرِي فَقلت يَا أَبَا عِيسَى قد بقيت وَاحِدَة قَالَ وَمَا هِيَ قلت أَن يكون العطشان يفهم من الطِّبّ مثل فهمك فيفهم عطشه من مرار أَو من بلغم مالح فَضَحِك جِبْرَائِيل ثمَّ قَالَ لي مَتى عطشت لَيْلًا فأبرز رجلك من لحافك وتناوم قَلِيلا فَإِن تزايد عطشك فَهُوَ من حرارة أَو من طَعَام يحْتَاج إِلَى شرب المَاء عَلَيْهِ فَاشْرَبْ وَأَن نقص من عطشك شَيْء فَأمْسك عَن شرب المَاء فَإِنَّهُ من بلغم مالح قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَسَأَلَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي جِبْرَائِيل عَن عِلّة الورشكين فَقَالَ هُوَ اسْم ركبته الْفرس من الْكسر والصدر وَاسم الصَّدْر بِالْفَارِسِيَّةِ الفصيحة ور والعامة تسميه بر وَاسم الْكسر أشكين فَإِذا جمعت اللفظتين كَانَتَا ورشكين أَي هَذِه الْعلَّة من الْعِلَل الَّتِي يجب أَن يكسر عَلَيْهَا الصَّدْر وَهِي عِلّة لَا تستحكم بِإِنْسَان فيكاد ينْهض مِنْهَا وَإِن من نَهَضَ مِنْهَا لم يُؤمن عَلَيْهِ النكسة سنة إِلَّا أَن يخرج مِنْهُ استفراغ دم كثير تقذفه الطبيعة من الْأنف أَو من أَسْفَل فِي وَقت الْعلَّة أَو بعْدهَا قبل السّنة فَمَتَى حدث ذَلِك سلم مِنْهُ فَقَالَ أَبُو إِسْحَق كالمتعجب سنة قَالَ نعم جعلني الله فدَاك وَعلة أُخْرَى يستخف بهَا النَّاس وَهِي الحصبة فَإِنِّي مَا أمنت على من أَصَابَته من النكسة سنة إِلَّا أَن يُصِيبهُ بعقبها استطلاق بطن يكَاد أَن يَأْتِي على نَفسه أَو يخرج بِهِ خراج كثير فَإِذا أَصَابَهُ أحد هذَيْن أمنت عَلَيْهِ قَالَ يُوسُف وَدخل جِبْرَائِيل على أبي إِسْحَق يَوْمًا بعقب عِلّة كَانَ فِيهَا وَقد أذن لَهُ فِي أكل اللَّحْم الغليظ فحين جلس وضعت بَين يَدَيْهِ كشكية رطبَة فَأمر برفعها فَسَأَلته عَن السَّبَب

стр. 180

فَقَالَ مَا أطلقت لخليفة قطّ حم يَوْمًا وَاحِدًا أكل الكشك سنة كَامِلَة قَالَ أَبُو إِسْحَق أَي الكشكين أردْت الَّذِي بِلَبن أم الَّذِي بِغَيْر لبن قَالَ الَّذِي بِغَيْر لبن لَا أطلق لَهُ أكله سنة وعَلى قِيَاس مَا يُوجِبهُ الطِّبّ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يُطلق لَهُ أكل الكشك الْمَعْمُول بِلَبن إِلَّا بعد استكمال ثَلَاث سِنِين حدث مَيْمُون بن هرون قَالَ حَدثنِي سعيد بن اسحق النَّصْرَانِي قَالَ قَالَ لي جِبْرَائِيل بن بختيشوع كنت مَعَ الرشيد بالرقة وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد الْأمين ولداه وَكَانَ رجلا بادنا كثير الْأكل وَالشرب فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا وَدخل المستراح فَغشيَ عَلَيْهِ وَأخرج فقوي عَلَيْهِ الغشي حَتَّى لم يشك فِي مَوته وَأرْسل إِلَيّ فَحَضَرت وجسست عرقه فَوَجَدته نبضا خفِيا وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدَّم فَقلت لَهُم يَمُوت وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة فَأجَاب الْمَأْمُون إِلَيْهِ وأحضر الْحجام وَتَقَدَّمت بإقعاده فَلَمَّا وضع المحاجم عَلَيْهِ ومصها رَأَيْت الْموضع قد احمر فطابت نَفسِي وَعلمت أَنه حَيّ فَقلت للحجام اشرط فَشرط فَخرج الدَّم فسجدت شكرا لله وَجعل كلما خرج الدَّم يُحَرك رَأسه ويسفر لَونه إِلَى أَن تكلم وَقَالَ أَيْن أَنا فطيبنا نَفسه وغديناه بصدر دراج وسقيناه شرابًا وَمَا زلنا نشمه الروائح الطّيبَة ونجعل فِي أَنفه الطّيب حَتَّى تراجعت قوته وَأدْخل النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ وهب الله عافيته فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَا صَاحب حرسه فَسَأَلَهُ عَن غَلَّته فِي السّنة فَعرفهُ أَنَّهَا ثلثمِائة ألف دِرْهَم وَسَأَلَ حَاجِبه عَن غَلَّته فَعرفهُ أَنَّهَا ألف دِرْهَم فَقَالَ مَا انصفناك حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني من النَّاس على مَا ذكرُوا وَأَنت تحرسني من الْأَمْرَاض والأسقام وَتَكون غلتك مَا ذكرته وَأمر بإقطاعي غلَّة ألف ألف دِرْهَم فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَالِي حَاجَة إِلَى الإقطاع وَلَكِن تهب لي مَا اشْترِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم فَجَمِيع ضياعي أَمْلَاك لَا اقطاع قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن جِبْرَائِيل لَجأ إِلَيْهِ حِين انتهبت الْعَوام دَاره فِي خلَافَة مُحَمَّد الْأمين فأسكنه مَعَه فِي دَاره وحماه مِمَّن كَانَ يحاول قَتله قَالَ أَبُو إِسْحَق فَكنت أرى من هلع جِبْرَائِيل وَكَثْرَة أسفه على مَا تلف من مَاله وَشدَّة اغتمامه مَا لم أتوهم أَن أحدا بلغ بِهِ الوجد بِمَالِه مثل الَّذِي بلغ بجبرائيل قَالَ أَبُو إِسْحَق فَلَمَّا ثارت المبيضة فظهرت العلوية بِالْبَصْرَةِ والأهواز أَتَانِي وَهُوَ مسرور كَأَنَّهُ قد وصل بِمِائَة ألف دِينَار فَقلت لَهُ أرى أَبَا عِيسَى مَسْرُورا فَقَالَ إِنِّي وَالله لمسرور عين السرُور فَسَأَلته عَن سَبَب سروره فَقَالَ إِنَّه حَاز العلوية ضيَاعًا وضربوا عَلَيْهَا الْمنَار فَقلت لَهُ مَا أعجب أَمرك انتهبت لَك
следующие страницы →