← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عَن كَلَامه وأحضر أَبُو إِسْحَق أَخُوهُ يوحنا بن ماسويه فثلبه ميخائيل طبيبه وَوَقع فِيهِ وَطعن عَلَيْهِ فَلَمَّا ضعفت قُوَّة الْمَأْمُون عَن أَخذ الْأَدْوِيَة أذكروه بجبرائيل فَأمر بإحضاره وَلما حضر غير تَدْبيره كُله فاستقل بعد يَوْم وَبعد ثَلَاثَة أَيَّام صلح فسر بِهِ الْمَأْمُون سُرُورًا عَظِيما وَلما كَانَ بعد أَيَّام يسيرَة صلح صلاحا تَاما وَأذن لَهُ جِبْرَائِيل فِي الْأكل وَالشرب فَفعل ذَلِك وَقَالَ لَهُ أَبُو عِيسَى أَخُوهُ وَهُوَ جَالس مَعَه على الشّرْب مثل هَذَا الرجل الَّذِي لم يكن مثله وَلَا يكون سَبيله أَن يكرم فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِأَلف ألف دِرْهَم وبألف كرّ حِنْطَة ورد عَلَيْهِ سَائِر مَا قبض مِنْهُ من الْأَمْلَاك والضياع وَصَارَ إِذا خاطبه كناه بِأبي عِيسَى جِبْرَائِيل وأكرمه زِيَادَة على مَا كَانَ أَبوهُ يُكرمهُ وانْتهى بِهِ الْأَمر فِي الْجَلالَة إِلَى أَن كَانَ كل من تقلد عملا لَا يخرج إِلَى عمله إِلَّا بعد أَن يلقى جِبْرَائِيل ويكرمه وَكَانَ عِنْد الْمَأْمُون مثل أَبِيه وَنقص مَحل ميخائيل الطَّبِيب صهر جِبْرَائِيل وانحط قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم دخلت على جِبْرَائِيل دَاره الَّتِي بالميدان فِي يَوْم من تموز وَبَين يَدَيْهِ الْمَائِدَة وَعَلَيْهَا فراخ طيور مسرولة كبار وَقد عملت كردناجا بفلفل وَهُوَ يَأْكُل مِنْهَا وطالبني بِأَن آكل مَعَه فَقلت لَهُ كَيفَ آكل مِنْهَا فِي مثل هَذَا الْوَقْت من السّنة وسني سنّ الشَّبَاب فَقَالَ لي مَا الحمية عنْدك فَقلت تجنب الأغذية الرَّديئَة فَقَالَ لي غَلطت لَيْسَ مَا ذكرت حمية ثمَّ قَالَ لَا أعرف أحدا عظم قدره وَلَا صغر يصل إِلَى الْإِمْسَاك عَن غذَاء من الأغذية كل دهره إِلَّا أَن يكون يبغضه وَلَا تتوق نَفسه إِلَيْهِ لِأَن الْإِنْسَان قد يمسك عَن أكل الشَّيْء بُرْهَة من دهره ثمَّ يضطره إِلَى أكله عدم أَدَم سواهُ لعِلَّة من الْعِلَل أَو مساعدة لعليل يكون عِنْده أَو صديق يحلف عَلَيْهِ أَو شَهْوَة تتجدد لَهُ فَمَتَى أكله وَقد أمسك عَن أكله مِنْهُ الْمدَّة الطَّوِيلَة لم تقبله طَبِيعَته ونفرت مِنْهُ وأحدث ذَلِك فِي بدن آكله مَرضا كثيرا وَرُبمَا أَتَى على نَفسه والأصلح للأبدان تمرينها على أكل الأغذية الرَّديئَة حَتَّى تألفها وَأَن يَأْكُل مِنْهَا فِي كل يَوْم شَيْئا وَاحِدًا وَلَا يجمع أكل شَيْئَيْنِ رديئين فِي يَوْم وَاحِد وَإِذا أكل من بعض هَذِه الْأَشْيَاء فِي يَوْم لم يعاود أكله فِي غَد ذَلِك الْيَوْم فَإِن الْأَبدَان إِذا مرنت على أكل هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ اضْطر الْإِنْسَان إِلَى الْإِكْثَار من أكل بَعْضهَا لم تنفر الطبيعة مِنْهُ فقد رَأينَا الْأَدْوِيَة المسهلة إِذا أدمنها مدمن وألفها بدنه قل فعلهَا وَلم تسهل وَهَؤُلَاء أهل الأندلس إِذا أَرَادَ أحدهم إسهال طَبِيعَته أَخذ من السقمونيا وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم حَتَّى تلين طَبِيعَته مِقْدَار مَا يلينها نصف دِرْهَم فِي بلدنا وَإِذا كَانَت

стр. 177

الْأَبدَان تألف الْأَدْوِيَة حَتَّى تمنعها من فعلهَا فَهِيَ للأغذية وَإِن كَانَت رَدِيئَة أَشد إلفا قَالَ يُوسُف فَحدثت بِهَذَا الحَدِيث بختيشوع بن جِبْرَائِيل فَسَأَلَنِي إملاءه عَلَيْهِ وَكتبه عني بِخَطِّهِ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي سُلَيْمَان الْخَادِم الْخُرَاسَانِي مولى الرشيد إِنَّه كَانَ وَاقِفًا على رَأس الرشيد بِالْحيرَةِ يَوْمًا وَهُوَ يتغدى إِذْ دخل عَلَيْهِ عون الْعَبَّادِيّ الْجَوْهَرِي وَهُوَ حَامِل صَحْفَة فِيهَا سَمَكَة منعوتة بالسمن فوضعها بَين يَدَيْهِ وَمَعَهَا محشي قد اتَّخذهُ لَهَا فحاول الرشيد أكل شَيْء مِنْهَا فَمَنعه من ذَلِك جِبْرَائِيل وغمز صَاحب الْمَائِدَة بعزلها لَهُ وفطن الرشيد فَلَمَّا رفعت الْمَائِدَة وَغسل الرشيد يَده خرج جِبْرَائِيل عَن حَضرته قَالَ سُلَيْمَان فَأمرنِي الرشيد باتباعه وإخفاء شخصي عَنهُ وَأَن اتفقد مَا يعمله وارجع إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ فَفعلت مَا أَمرنِي بِهِ وأحسب أَن أَمْرِي لم يسْتَتر عَن جِبْرَائِيل لما تبينت من تحرزه فَصَارَ إِلَى مَوضِع من دَار عون ودعا بِالطَّعَامِ فأحضر لَهُ وَفِيه السَّمَكَة ودعا بِثَلَاثَة أقداح من فضَّة فَجعل فِي وَاحِد قِطْعَة مِنْهَا وصب عَلَيْهِ خمرًا من خمر طيرناباذ بِغَيْر مَاء وَقَالَ هَذَا أكل جِبْرَائِيل وَجعل فِي قدح آخر قِطْعَة وصب عَلَيْهَا مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا أكل أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن لم يخلط السّمك بِغَيْرِهِ وَجعل فِي الْقدح الثَّالِث قِطْعَة من السّمك وَمَعَهَا قطعا من اللَّحْم من ألوان مُخْتَلفَة وَمن شواء وحلواء وبوارد وفراريج وَبقول وصب عَلَيْهِ مَاء بثلج وَقَالَ هَذَا طَعَام أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن خلط السّمك بِغَيْرِهِ وَرفع الثَّلَاثَة الأقداح إِلَى صَاحب الْمَائِدَة وَقَالَ احتفظ بهَا إِلَى أَن ينتبه أَمِير الْمُؤمنِينَ من قائلته قَالَ سُلَيْمَان الْخَادِم ثمَّ أقبل جِبْرَائِيل على السَّمَكَة فَأكل مِنْهَا حَتَّى تضلع وَكَانَ كلما عَطش دَعَا بقدح مَعَ الْخمر الصّرْف فشربه ثمَّ نَام فَلَمَّا انتبه الرشيد من نَومه دَعَاني فَسَأَلَنِي عَمَّا عِنْدِي من خبر جِبْرَائِيل وَهل أكل من السَّمَكَة شَيْئا أم لم يَأْكُل فَأَخْبَرته بالْخبر فَأمر بإحضار الثَّلَاثَة الأقداح فَوجدَ الَّذِي صب عَلَيْهِ الْخمر الصّرْف قد تفتت وَلم يبْق مِنْهُ شَيْء وَوجد الَّذِي صب عَلَيْهِ المَاء بالثلج قد رَبًّا وَصَارَ على أَكثر من الضعْف مِمَّا كَانَ وَوجد الْقدح الَّذِي السّمك وَاللَّحم فِيهِ قد تَغَيَّرت رَائِحَته وَحدثت لَهُ سهوكة شَدِيدَة فَأمرنِي الرشيد بِحمْل خَمْسَة آلَاف دِينَار إِلَى جِبْرَائِيل وَقَالَ من يلومني على محبَّة هَذَا الرجل الَّذِي يدبرني هَذَا التَّدْبِير فأوصلت إِلَيْهِ المَال وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسة أَن يوحنا

стр. 178

بن ماسويه أخبرهُ أَن الرشيد قَالَ لجبرائيل بن بختيشوع وَهُوَ حَاج بِمَكَّة يَا جِبْرَائِيل علمت مرتبتك عِنْدِي قَالَ يَا سَيِّدي وَكَيف لَا أعلم قَالَ لَهُ دَعَوْت لَك وَالله فِي الْموقف دُعَاء كثيرا ثمَّ الْتفت إِلَى بني هَاشم فَقَالَ عَسى أنكرتم قولي لَهُ فَقَالُوا يَا سيدنَا ذمِّي فَقَالَ نعم وَلَكِن صَلَاح بدني وقوامه بِهِ وَصَلَاح الْمُسلمين بِي فصلاحهم بصلاحه وبقائه فَقَالُوا صدقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ونقلت من بعض التواريخ قَالَ جِبْرَائِيل بن بختيشوع المتطبب اشْتريت ضَيْعَة بسبعماية ألف دِرْهَم فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه فَدخلت على يحيى بن خَالِد وَعِنْده وَلَده وَأَنا أفكر فَقَالَ مَالِي أَرَاك مفكرا فَقلت اشْتريت ضَيْعَة بسبعمائة ألف فنقدت بعض الثّمن وَتعذر عَليّ بعضه قَالَ فَدَعَا بالدواة وَكتب يعْطى جِبْرَائِيل سَبْعمِائة ألف دِرْهَم ثمَّ دفع إِلَى كل وَاحِد من وَلَده فَوَقع فِيهِ ثلثمِائة ألف قَالَ فَقلت جعلت فدَاك قد أدّيت عَامَّة الثّمن وَإِنَّمَا بَقِي أَقَله قَالَ اصرف ذَلِك فِيمَا يَنُوبك ثمَّ صرت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَمَّا رَآنِي قَالَ مَا أَبْطَأَ بك قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت عِنْد أَبِيك وأخوتك فَفَعَلُوا بِي كَذَا وَكَذَا وَإِنَّمَا ذَلِك لخدمتي لَك قَالَ فَمَا حَالي أَنا ثمَّ دَعَا بدابته فَركب إِلَى يحيى فَقَالَ يَا أَبَت أَخْبرنِي جِبْرَائِيل بِمَا كَانَ فَمَا حَالي أَنا من بَين ولدك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مر بِمَا شِئْت يحمل إِلَيْهِ فَأمر لي بِخَمْسِمِائَة ألف قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم الحاسب الْمَعْرُوف بِابْن الداية كَانَ لأم جَعْفَر بنت أبي الْفضل فِي قصر عِيسَى بن عَليّ الَّذِي كَانَت تسكنه مجْلِس لَا يجلس فِيهِ إِلَّا الْحساب والمتطببون وَكَانَت لَا تَشْتَكِي عِلّة إِلَى متطبب حَتَّى يحضر جَمِيع أهل الصناعتين وَيكون مقامهم فِي ذَلِك الْمجْلس إِلَى وَقت جلوسها فَكَانَت تجْلِس لَهُم فِي أحد موضِعين إِمَّا عِنْد الشباك الَّذِي على الدّكان الْكَبِير المحاذي للشباك وللباب الأول من أَبْوَاب الدَّار أَو عِنْد الْبَاب الصَّغِير المحاذي لمَسْجِد الدَّار فَكَانَ الْحساب والمتطببون يَجْلِسُونَ من خَارج الْموضع الَّذِي تجْلِس فِيهِ ثمَّ تَشْتَكِي مَا تَجِد فيتناظر المتطببون فِيمَا بَينهم حَتَّى يجتمعوا على الْعلَّة والعلاج فَإِن كَانَ بَينهم اخْتِلَاف دخل الْحساب بَينهم وَقَالُوا بِتَصْدِيق الْمُصِيب عِنْدهم ثمَّ تسْأَل الْحساب عَن اخْتِيَار وَقت لذَلِك العلاج فَإِن اجْتَمعُوا على وَقت وَإِلَّا نظر المتطببون فِيمَا بَين الْحساب وحكموا لألزمهم الْقيَاس فاعتلت عِنْد اجتماعها على الْحَج آخر حجَّة حجتها عِلّة أجمع متطببوها على إِخْرَاج الدَّم من سَاقيهَا بالحجامة وَاخْتَارَ الْحساب لَهَا يَوْمًا تحتجم فِيهِ وَكَانَ ذَلِك فِي شهر رَمَضَان فَلم يُمكن أَن تكون الْحجامَة إِلَّا فِي آخر النَّهَار فَكَانَ مِمَّن يخْتَلف إِلَيْهَا من الْحساب الْحسن بن مُحَمَّد الطوسي التَّمِيمِي الْمَعْرُوف بالأبح وَعمر بن الفرخان الطَّبَرِيّ وَشُعَيْب الْيَهُودِيّ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَكنت مَتى عرضت للأبح عِلّة أَو عاقه عَن حُضُور دَار أم جَعْفَر عائق حضرت عَنهُ فَحَضَرت ذَلِك الْمجْلس فِي الْوَقْت الَّذِي وَقع الِاخْتِيَار على حجامة أم جَعْفَر فِيهِ

стр. 179

فوافيت ابْنا لداؤد بن سرافيون حَدثا يشبه أَن يكون ابْن أقل من عشْرين سنة قد أمرت أم جَعْفَر بإحضاره مَعَ المتطببين ليتأدب بِحُضُور ذَلِك الْمجْلس وَقد تقدّمت إِلَى جَمِيع من يطِيف بهَا من المتطببين فِي تَعْلِيمه وتوقيفه عناية بِهِ لمَكَان أَبِيه من خدمتها فوافيته وَهُوَ يلاحي متطببا رَاهِبًا أحضر دارها فِي ذَلِك الْيَوْم من أهل الأهواز فِي شرب المَاء للمنتبه من نَومه لَيْلًا فَقَالَ ابْن داؤد مَا الله خلق بأحمق مِمَّن يشرب مَاء بعد انتباهه من نَومه ووافى جِبْرَائِيل عِنْدَمَا قَالَ الْغُلَام هَذَا القَوْل بَاب الْبَيْت فَلم يدْخل الْمجْلس إِلَّا وَهُوَ يَقُول أَحمَق وَالله مِنْهُ من تتضرم نَار على كبده فَلم يطفئها ثمَّ دخل فَقَالَ من صَاحب الْكَلَام الَّذِي سمعته فَقيل لَهُ ابْن داؤد فعنفه على ذَلِك وَقَالَ لَهُ كَانَت لأَبِيك مرتبَة جليلة فِي هَذِه الصِّنَاعَة وتتكلم بِمثل مَا سمعته مِنْك فَقَالَ لَهُ الْغُلَام فكأنك أعزّك الله تطلق شرب المَاء بِاللَّيْلِ عِنْد الانتباه من النّوم فَقَالَ جِبْرَائِيل المحرور الجاف الْمعدة وَمن تعشى وَأكل طَعَاما مالحا فَأَطْلقهُ لَهُ وَأَنا أمنع مِنْهُ الرطبي الْمعد وَأَصْحَاب البلغم المالح لِأَن فِي مَنعهم من ذَلِك شِفَاء من رطوبات معدهم وَأكل بعض البلغم المالح بَعْضًا فَسكت عَنهُ جَمِيع من حضر ذَلِك الْمجْلس غَيْرِي فَقلت يَا أَبَا عِيسَى قد بقيت وَاحِدَة قَالَ وَمَا هِيَ قلت أَن يكون العطشان يفهم من الطِّبّ مثل فهمك فيفهم عطشه من مرار أَو من بلغم مالح فَضَحِك جِبْرَائِيل ثمَّ قَالَ لي مَتى عطشت لَيْلًا فأبرز رجلك من لحافك وتناوم قَلِيلا فَإِن تزايد عطشك فَهُوَ من حرارة أَو من طَعَام يحْتَاج إِلَى شرب المَاء عَلَيْهِ فَاشْرَبْ وَأَن نقص من عطشك شَيْء فَأمْسك عَن شرب المَاء فَإِنَّهُ من بلغم مالح قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَسَأَلَ أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي جِبْرَائِيل عَن عِلّة الورشكين فَقَالَ هُوَ اسْم ركبته الْفرس من الْكسر والصدر وَاسم الصَّدْر بِالْفَارِسِيَّةِ الفصيحة ور والعامة تسميه بر وَاسم الْكسر أشكين فَإِذا جمعت اللفظتين كَانَتَا ورشكين أَي هَذِه الْعلَّة من الْعِلَل الَّتِي يجب أَن يكسر عَلَيْهَا الصَّدْر وَهِي عِلّة لَا تستحكم بِإِنْسَان فيكاد ينْهض مِنْهَا وَإِن من نَهَضَ مِنْهَا لم يُؤمن عَلَيْهِ النكسة سنة إِلَّا أَن يخرج مِنْهُ استفراغ دم كثير تقذفه الطبيعة من الْأنف أَو من أَسْفَل فِي وَقت الْعلَّة أَو بعْدهَا قبل السّنة فَمَتَى حدث ذَلِك سلم مِنْهُ فَقَالَ أَبُو إِسْحَق كالمتعجب سنة قَالَ نعم جعلني الله فدَاك وَعلة أُخْرَى يستخف بهَا النَّاس وَهِي الحصبة فَإِنِّي مَا أمنت على من أَصَابَته من النكسة سنة إِلَّا أَن يُصِيبهُ بعقبها استطلاق بطن يكَاد أَن يَأْتِي على نَفسه أَو يخرج بِهِ خراج كثير فَإِذا أَصَابَهُ أحد هذَيْن أمنت عَلَيْهِ قَالَ يُوسُف وَدخل جِبْرَائِيل على أبي إِسْحَق يَوْمًا بعقب عِلّة كَانَ فِيهَا وَقد أذن لَهُ فِي أكل اللَّحْم الغليظ فحين جلس وضعت بَين يَدَيْهِ كشكية رطبَة فَأمر برفعها فَسَأَلته عَن السَّبَب

стр. 180

فَقَالَ مَا أطلقت لخليفة قطّ حم يَوْمًا وَاحِدًا أكل الكشك سنة كَامِلَة قَالَ أَبُو إِسْحَق أَي الكشكين أردْت الَّذِي بِلَبن أم الَّذِي بِغَيْر لبن قَالَ الَّذِي بِغَيْر لبن لَا أطلق لَهُ أكله سنة وعَلى قِيَاس مَا يُوجِبهُ الطِّبّ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يُطلق لَهُ أكل الكشك الْمَعْمُول بِلَبن إِلَّا بعد استكمال ثَلَاث سِنِين حدث مَيْمُون بن هرون قَالَ حَدثنِي سعيد بن اسحق النَّصْرَانِي قَالَ قَالَ لي جِبْرَائِيل بن بختيشوع كنت مَعَ الرشيد بالرقة وَمَعَهُ الْمَأْمُون وَمُحَمّد الْأمين ولداه وَكَانَ رجلا بادنا كثير الْأكل وَالشرب فَأكل فِي بعض الْأَيَّام أَشْيَاء خلط فِيهَا وَدخل المستراح فَغشيَ عَلَيْهِ وَأخرج فقوي عَلَيْهِ الغشي حَتَّى لم يشك فِي مَوته وَأرْسل إِلَيّ فَحَضَرت وجسست عرقه فَوَجَدته نبضا خفِيا وَقد كَانَ قبل ذَلِك بأيام يشكو امتلاء وحركة الدَّم فَقلت لَهُم يَمُوت وَالصَّوَاب أَن يحجم السَّاعَة فَأجَاب الْمَأْمُون إِلَيْهِ وأحضر الْحجام وَتَقَدَّمت بإقعاده فَلَمَّا وضع المحاجم عَلَيْهِ ومصها رَأَيْت الْموضع قد احمر فطابت نَفسِي وَعلمت أَنه حَيّ فَقلت للحجام اشرط فَشرط فَخرج الدَّم فسجدت شكرا لله وَجعل كلما خرج الدَّم يُحَرك رَأسه ويسفر لَونه إِلَى أَن تكلم وَقَالَ أَيْن أَنا فطيبنا نَفسه وغديناه بصدر دراج وسقيناه شرابًا وَمَا زلنا نشمه الروائح الطّيبَة ونجعل فِي أَنفه الطّيب حَتَّى تراجعت قوته وَأدْخل النَّاس إِلَيْهِ ثمَّ وهب الله عافيته فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام دَعَا صَاحب حرسه فَسَأَلَهُ عَن غَلَّته فِي السّنة فَعرفهُ أَنَّهَا ثلثمِائة ألف دِرْهَم وَسَأَلَ حَاجِبه عَن غَلَّته فَعرفهُ أَنَّهَا ألف دِرْهَم فَقَالَ مَا انصفناك حَيْثُ غلات هَؤُلَاءِ وهم يحرسوني من النَّاس على مَا ذكرُوا وَأَنت تحرسني من الْأَمْرَاض والأسقام وَتَكون غلتك مَا ذكرته وَأمر بإقطاعي غلَّة ألف ألف دِرْهَم فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي مَالِي حَاجَة إِلَى الإقطاع وَلَكِن تهب لي مَا اشْترِي بِهِ ضيَاعًا غَلَّتهَا ألف ألف دِرْهَم فَجَمِيع ضياعي أَمْلَاك لَا اقطاع قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن جِبْرَائِيل لَجأ إِلَيْهِ حِين انتهبت الْعَوام دَاره فِي خلَافَة مُحَمَّد الْأمين فأسكنه مَعَه فِي دَاره وحماه مِمَّن كَانَ يحاول قَتله قَالَ أَبُو إِسْحَق فَكنت أرى من هلع جِبْرَائِيل وَكَثْرَة أسفه على مَا تلف من مَاله وَشدَّة اغتمامه مَا لم أتوهم أَن أحدا بلغ بِهِ الوجد بِمَالِه مثل الَّذِي بلغ بجبرائيل قَالَ أَبُو إِسْحَق فَلَمَّا ثارت المبيضة فظهرت العلوية بِالْبَصْرَةِ والأهواز أَتَانِي وَهُوَ مسرور كَأَنَّهُ قد وصل بِمِائَة ألف دِينَار فَقلت لَهُ أرى أَبَا عِيسَى مَسْرُورا فَقَالَ إِنِّي وَالله لمسرور عين السرُور فَسَأَلته عَن سَبَب سروره فَقَالَ إِنَّه حَاز العلوية ضيَاعًا وضربوا عَلَيْهَا الْمنَار فَقلت لَهُ مَا أعجب أَمرك انتهبت لَك

стр. 181

الْعَوام جُزْءا من مَالك فَخرجت نَفسك من الْجزع إِلَى مَا خرجت إِلَيْهِ وتحوز العلوية جَمِيع مَا تملك فَيظْهر مِنْك من السرُور مثل الَّذِي ظهر فَقَالَ جزعي بِمَا ركبني بِهِ الْعَوام لِأَنِّي أُوتيت فِي مَنَامِي وسلبت فِي عزي وأسلمني من يجب عَلَيْهِ حمايتي وَلم يتعاظمني مَا كَانَ من العلوية لِأَنَّهُ من أكبر الْمحَال عَيْش مثلي فِي دولتين بِنِعْمَة وَاحِدَة وَلَو لم تفعل العلوية فِي ضياعي مَا فعلوا وَقد كَانَ يجب عَلَيْهِم مَعَ علمهمْ بِصِحَّة طويتي لموَالِي الَّذين أنعم الله عَليّ بنعمتهم الَّتِي ملكونيها أَن يتقدموا فِي حفظ وكلائي والوصاة بضياعي ومزارعي وَإِن يَقُولُوا لم يزل جِبْرَائِيل مائلا إِلَيْنَا فِي أَيَّام دولة أَصْحَابه ومتفضلا علينا من أَمْوَاله وَيُؤَدِّي إِلَيْنَا أَخْبَار سادته فَكَانَ الْخَبَر مَتى تأدى بذلك إِلَى السُّلْطَان قتلني فسروري بحيازة ضياعي وبسلامة نَفسِي مِمَّا كَانَ هَؤُلَاءِ الْجُهَّال ملكوه مِنْهَا فَلم يهتدوا إِلَيْهِ قَالَ يُوسُف وحَدثني فرخ الْخَادِم الْمَعْرُوف بِأبي خُرَاسَان مولى صَالح بن الرشيد ووصيه قَالَ كَانَ مولَايَ صَالح بن الرشيد على الْبَصْرَة وَكَانَ عَامله عَلَيْهَا أَبُو الرَّازِيّ فَلَمَّا أحدث جِبْرَائِيل ابْن بختيشوع عمَارَة دَاره الَّتِي فِي الميدان سَأَلَ مولَايَ أَن يهدي لَهُ خَمْسمِائَة ساجة وَكَانَت الساجة بِثَلَاثَة عشر دِينَارا فَاسْتَكْثر مولَايَ المَال وَقَالَ لَهُ أما خَمْسمِائَة فَلَا وَلَكِنِّي أكتب إِلَى ابْن الرَّازِيّ فِي حمل مِائَتي ساجة إِلَيْك وَقَالَ جِبْرَائِيل فَلَيْسَتْ بِي حَاجَة إِلَيْهَا فال فرخ فَقلت لسيدي أرى جِبْرَائِيل سيدبر عَلَيْك تدبيرا بغيضا فَقَالَ جِبْرَائِيل أَهْون عَليّ من كل هَين لِأَنِّي لَا أشْرب لَهُ دَوَاء وَلَا أقبل لَهُ علاجا ثمَّ استزار مولَايَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون فَلَمَّا اسْتَوَى الْمجْلس بالمأمون قَالَ لَهُ جِبْرَائِيل أرى وَجهك متغيرا ثمَّ قَامَ إِلَيْهِ فجس عرقه وَقَالَ لَهُ يشرب أَمِير الْمُؤمنِينَ شربة سكنجبين وَيُؤَخر الْغَدَاء حَتَّى يفهم الْخَبَر فَفعل الْمَأْمُون مَا أَشَارَ بِهِ وَأَقْبل يجس عرقه فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت ثمَّ لم يشْعر بِشَيْء حَتَّى دخل غلْمَان جِبْرَائِيل وَمَعَهُمْ رغيف وَاحِد وَمَعَهُ ألوان قد اتَّخذت من قرع وماش وَمَا أشبه ذَلِك فَقَالَ إِنِّي أكره لأمير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْكُل فِي يَوْمه هَذَا شَيْئا من لُحُوم الْحَيَوَان فَليَأْكُل هَذِه الألوان فَأكل مِنْهَا ونام فَلَمَّا انتبه من قائلته قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رَائِحَة النَّبِيذ تزيد فِي الْحَرَارَة والرأي لَك الِانْصِرَاف فَانْصَرف الْمَأْمُون وَتَلفت نَفَقَة مولَايَ كلهَا فَقَالَ لي مولَايَ يَا أَبَا خُرَاسَان التَّمْيِيز بَين مِائَتي ساجة وَخَمْسمِائة ساجة واستزارة الْخَلِيفَة لَا يَجْتَمِعَانِ قَالَ يُوسُف وحَدثني جورجس بن ميخائيل عَن خَاله جِبْرَائِيل وَكَانَ جِبْرَائِيل لَهُ مكرما لِكَثْرَة علمه لِأَنِّي لم أر فِي أهل هَذَا الْبَيْت بعد جِبْرَائِيل أعلم مِنْهُ على عجب كَانَ فِيهِ شَدِيدا وسخف

стр. 182

كثير إِن جِبْرَائِيل أخبرهُ أَنه أنكر من الرشيد قلَّة الرزء للطعام أول الْمحرم سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَأَنه لم يكن يرى فِي مَائه وَلَا فِي مجسة عرقه مَا يدل على عِلّة توجب قلَّة الطَّعَام فَكَانَ يَقُول للرشيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بدنك صَحِيح سليم بِحَمْد الله من الْعِلَل وَمَا أعرف لتركك اسْتِيفَاء الْغذَاء معنى فَقَالَ لي لما أكثرت عَلَيْهِ من القَوْل فِي هَذَا الْبَاب قد استوخمت مَدِينَة السَّلَام وَأَنا أكره الاستبعاد عَنْهَا فِي هَذِه الْأَيَّام أفتعرف مَكَانا بِالْقربِ مِنْهَا صَحِيح الْهَوَاء فَقلت لَهُ الْحيرَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ قد نزلنَا الْحيرَة مرَارًا فأجحفنا بعون الْعَبَّادِيّ فِي نزولنا بَلَده وَهِي أَيْضا بعيدَة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فالأنبار طيبَة وظهرها فاصح هَوَاء من الْحيرَة فَخرج إِلَيْهَا فَلم يَزْدَدْ فِي طَعَامه شَيْئا بل نقص وَصَامَ يَوْم الْخَمِيس قبل قَتله جعفرا بيومين وَلَيْلَة وأحضر جعفرا عشاءه وَكَانَ أَيْضا صَائِما فَلم يصب الرشيد من الطَّعَام كثير شَيْء فَقَالَ لَهُ جَعْفَر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو استزدت من الطَّعَام فَقَالَ لَو أردْت ذَلِك لقدرت عَلَيْهِ إِلَّا أَنِّي أَحْبَبْت أَن أَبيت خَفِيف الْمعدة لأصبح وَأَنا أشتهي الطَّعَام وأتغدى مَعَ الْحرم ثمَّ بكر بالركوب غَدَاة يَوْم الْجُمُعَة متنسما وَركب مَعَه جَعْفَر بن يحيى فرأيته وَقد أَدخل يَده فِي كم جَعْفَر حَتَّى بلغ بدنه فضمه إِلَيْهِ وعانقه وَقبل بَين عَيْنَيْهِ وَسَار يَده فِي يَد جَعْفَر أَكثر من ألف ذِرَاع ثمَّ رَجَعَ إِلَى مضربه وَقَالَ بحياتي أما اصطبحت فِي يَوْمك هَذَا وَجَعَلته يَوْم سرُور فَإِنِّي مَشْغُول بأهلي ثمَّ قَالَ لي يَا جِبْرَائِيل أَنا أتغدى مَعَ حرمي فَكُن مَعَ أخي تسر بسروره فسرت مَعَ جَعْفَر واحضر طَعَامه فتغدينا واحضر أَبَا زكار الْمُغنِي وَلم يحضر مَجْلِسه غَيرنَا وَرَأَيْت الْخَادِم بعد الْخَادِم يدْخل إِلَيْنَا فيساره فيتنفس عِنْد مسارتهم إِيَّاه وَيَقُول وَيحك يَا أبي عِيسَى لم يطعم أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد وَأَنا وَالله خَائِف أَن تكون بِهِ عِلّة تَمنعهُ من الْأكل وَيَأْمُر كلما أَرَادَ أَن يشرب قدحا أَبَا زكار أَن يُغْنِيه (إِن بني الْمُنْذر حِين انقضوا ... بِحَيْثُ شاد الْبيعَة الراهب) (أضحوا وَلَا يُرهبهُمْ رَاهِب ... حَقًا وَلَا يرجوهم رَاغِب) (كَانَت من الْخَزّ لبوساتهم ... لم يجلب الصُّوف لَهُم جالب) (كَأَنَّمَا جئتهم لعبة ... سَار إِلَى لبن بهَا رَاكب) السَّرِيع فيغنيه أَبُو زكار هَذَا الصَّوْت وَلَا يقترح عَلَيْهِ غَيره فَلم تزل هَذِه حَالنَا إِلَى أَن صليت الْعَتَمَة ثمَّ دخل إِلَيْنَا أَبُو هَاشم مسرور الْكَبِير وَمَعَهُ خَليفَة هرثمة بن أعين وَمَعَهُ جمَاعَة كَثِيرَة من الْجند فَمد يَده خَليفَة هرثمة إِلَى يَد جَعْفَر ثمَّ قَالَ لَهُ قُم يَا فَاسق قَالَ جِبْرَائِيل وَلم أكلم وَلم يُؤمر فِي بِأَمْر وصرت إِلَى منزلي من سَاعَتِي وَأَنا لَا أَعقل فَمَا أَقمت فِيهِ إِلَّا أقل من مِقْدَار نصف سَاعَة حَتَّى صَار إِلَيّ رَسُول الرشيد يَأْمُرنِي بالمصير إِلَيْهِ فَدخلت إِلَيْهِ وَرَأس جَعْفَر فِي طشت بَين يَدَيْهِ فَقَالَ

стр. 183

لي يَا جِبْرَائِيل أَلَيْسَ كنت تَسْأَلنِي عَن السَّبَب فِي قلَّة رزئي للطعام فَقلت بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ الفكرة فِيمَا ترى أصارتني إِلَى مَا كنت فِيهِ وَأَنا الْيَوْم يَا جِبْرَائِيل عِنْد نَفسِي كالناقة قدم غذائي حَتَّى ترى من الزِّيَادَة على مَا كنت ترَاهُ عجبا وَإِنَّمَا كنت آكل الشَّيْء بعد الشَّيْء لِئَلَّا يثقل الطَّعَام عَليّ فيمرضني ثمَّ دَعَا بطعامه فِي ذَلِك الْوَقْت فَأكل أكلا صَالحا من ليلته قَالَ يُوسُف حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَنه تخلف عَن مجْلِس مُحَمَّد الْأمين أَمِير الْمُؤمنِينَ أَيَّام خِلَافَته عَشِيَّة من العشايا لدواء كَانَ أَخذه وَإِن جِبْرَائِيل بن بختيشوع باكره غَدَاة الْيَوْم الثَّانِي وأبلغه سَلام الْأمين وَسَأَلَهُ عَن حَاله كَيفَ كَانَت فِي دوائه ثمَّ دنا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي تجهيز عَليّ بن عِيسَى بن ماهان إِلَى خُرَاسَان ليَأْتِيه بالمأمون أَسِيرًا فِي قيد من فضَّة وجبرائيل بَرِيء من دين النَّصْرَانِيَّة إِن لم يغلب الْمَأْمُون مُحَمَّدًا ويقتله ويحوز ملكه فَقلت لَهُ وَيحك وَلم قلت هَذَا القَوْل وَكَيف قلته قَالَ لِأَن هَذَا الْخَلِيفَة الموسوس سكر فِي هَذِه اللَّيْلَة فَدَعَا أَبَا عصمَة الشيعي صَاحب حرسه وَأمر بسواده فَنزع عَنهُ وَألبسهُ ثِيَابِي وزناري وقلنسوتي وألبسني أقبيته وسواده وسيفه ومنطقته وأجلسني فِي مجْلِس صَاحب الحرس إِلَى وَقت طُلُوع الْفجْر وَأَجْلسهُ فِي مجلسي وَقَالَ لكل وَاحِد مني وَمن أبي عصمَة قد قلدتك مَا كَانَ يتقلده صَاحبك فَقلت إِن الله مغير مَا بِهِ من نعْمَة لتغييره مَا بِنَفسِهِ مِنْهَا وَأَنه إِذا جعل حراسته إِلَى نَصْرَانِيّ والنصرانية أذلّ الْأَدْيَان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي عقد دين غَيرهَا التَّسْلِيم لما يُرِيد بِهِ عدوه من الْمَكْرُوه مثل الإذعان لمن سَخَّرَهُ بالسخرة وَأَن يمشي ميلًا أَن يزِيد على ذَلِك ميلًا آخر وَإِن لطم لَهُ خد حول الآخر ليلطم غير ديني فَقضيت بِأَن عز الرجل زائل وقضيت أَنه حِين أَجْلِس فِي مجْلِس متطببه الْحَافِظ عِنْده لِحَيَاتِهِ والقائم بمصالح بدنه وَالْخَادِم لطبيعته أَبَا عصمَة الَّذِي لَا يفهم من كل ذَلِك قَلِيلا وَلَا كثيرا بِأَنَّهُ لَا عمر لَهُ وَأَن نَفسه تالفة قَالَ أَبُو إِسْحَق فَكَانَ على مَا تفاءل جِبْرَائِيل بِهِ قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَسمعت جِبْرَائِيل بن بختيشوع يحدث أَبَا إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَنه كَانَ عِنْد الْعَبَّاس بن مُحَمَّد إِذْ دخل عَلَيْهِ شَاعِر امتدحه فَلم يزل جِبْرَائِيل يسمع مِنْهُ إِلَى أَن صَار إِلَى هَذَا الْبَيْت وَهُوَ (لَو قيل للْعَبَّاس يَا ابْن مُحَمَّد ... قل لَا وَأَنت مخلد مَا قَالَهَا) الْكَامِل قَالَ جِبْرَائِيل فَلَمَّا سَمِعت هَذَا الْبَيْت لم أَصْبِر لعلمي أَن الْعَبَّاس أبخل أهل زَمَانه فَقلت لَا فَتَبَسَّمَ الْعَبَّاس ثمَّ قَالَ لي اغرب قبح الله وَجهك

стр. 184

أَقُول هَذَا الشَّاعِر الَّذِي يشار إِلَيْهِ هُوَ ربيعَة الرقى قَالَ يُوسُف وَحدث جِبْرَائِيل أَبَا إِسْحَاق فِي هَذَا الْمجْلس أَنه دخل على الْعَبَّاس بعد فطر النَّصَارَى بِيَوْم وَفِي رَأسه فضلَة من نبيذه بالْأَمْس وَذَلِكَ قبل أَن يخْدم جِبْرَائِيل الرشيد فَقَالَ جِبْرَائِيل للْعَبَّاس كَيفَ أصبح الْأَمِير أعزه الله فَقَالَ الْعَبَّاس أَصبَحت كَمَا تحب فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيل وَالله مَا أصبح الْأَمِير على مَا أحب وَلَا على مَا يحب الله وَلَا على مَا يحب الشَّيْطَان فَغَضب الْعَبَّاس من قَوْله ثمَّ قَالَ لَهُ مَا هَذَا الْكَلَام قبحك الله قَالَ جِبْرَائِيل فَقلت عَليّ الْبُرْهَان فَقَالَ الْعَبَّاس لتَأْتِيني بِهِ وَإِلَّا أَحْسَنت أدبك وَلم تدخل لي دَارا فَقَالَ جِبْرَائِيل الَّذِي كنت أحب أَن تكون أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَنت كَذَلِك قَالَ الْعَبَّاس لَا قَالَ جِبْرَائِيل وَالَّذِي يحب الله من عباده الطَّاعَة لَهُ فِيمَا أَمرهم بِهِ ونهاهم عَنهُ فَأَنت أَيهَا الْملك كَذَلِك فَقَالَ الْعَبَّاس لَا واستغفر الله قَالَ جِبْرَائِيل وَالَّذِي يحب الشَّيْطَان من الْعباد أَن يكفروا بِاللَّه ويجحدوا ربوبيته فَأَنت كَذَلِك أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس لَا وَلَا تعد إِلَى مثل هَذَا القَوْل بعد يَوْمك هَذَا قَالَ فثيون الترجمان وَلما عزم الْمَأْمُون على الْخُرُوج إِلَى بلد الرّوم فِي سنة ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ مرض جِبْرَائِيل مَرضا شَدِيدا قَوِيا فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُون ضَعِيفا التمس مِنْهُ إِنْفَاذ بختيشوع ابْنه مَعَه إِلَى بلد الرّوم فَأحْضرهُ وَكَانَ مثل أَبِيه فِي الْفَهم وَالْعقل والسرو وَلما خاطبه الْمَأْمُون وَسمع حسن جَوَابه فَرح بِهِ فَرحا شَدِيدا وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَرفع مَنْزِلَته وَأخرجه مَعَه إِلَى بلد الرّوم وَلما خرج الْمَأْمُون طَال مرض جِبْرَائِيل إِلَى أَن بلغ الْمَوْت وَعمل وَصيته إِلَى الْمَأْمُون وَدفعهَا إِلَى ميخائيل صهره وَمَات فَمضى فِي تجميل مَوته مَا لم يمض لأمثاله بِحَسب اسْتِحْقَاقه بأفعاله الْحَسَنَة وخيريته وَدفن فِي دير مارسرجس بِالْمَدَائِنِ وَلما عَاد ابْنه بختيشوع من بلد الرّوم جمع للدير رهبانا وأجرى عَلَيْهِم جَمِيع مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَقَالَ فثيون الترجمان إِن جنس جورجس وَولده كَانُوا أجمل أهل زمانهم بِمَا خصهم الله بِهِ من شرف النُّفُوس ونبل الهمم وَمن الْبر وَالْمَعْرُوف والإفضال وَالصَّدقَات وتفقد المرضى من الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَالْأَخْذ بأيدي المنكوبين والمرهوقين على مَا يتَجَاوَز الْحَد فِي الصّفة وَالشَّرْح أَقُول وَكَانَت مُدَّة خدمَة جِبْرَائِيل بن بختيشوع للرشيد مُنْذُ خدمه وَإِلَى أَن توفّي الرشيد ثَلَاثًا وَعشْرين سنة وَوجد فِي خزانَة بختيشوع بن جِبْرَائِيل مدرج فِيهِ عمل بِخَط كَاتب جِبْرَائِيل بن بختيشوع الْكَبِير واصطلاحات بِخَط جِبْرَائِيل لما صَار إِلَيْهِ فِي خدمته الرشيد يذكر أَن رزقه كَانَ من رسم الْعَامَّة فِي كل شهر من الْوَرق عشرَة آلَاف دِرْهَم يكون فِي السّنة مائَة وَعِشْرُونَ ألف دِرْهَم فِي مُدَّة ثَلَاثَة وَعشْرين سنة ألفا ألف وسِتمِائَة وَسِتُّونَ ألفا ونزله فِي الشَّهْر خَمْسَة آلَاف دِرْهَم يكون فِي السّنة سِتُّونَ ألف دِرْهَم فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألف ألف وثلثمائة وَثَمَانُونَ ألف دِرْهَم وَمن رسم

стр. 185

الْخَاصَّة فِي الْمحرم من كل سنة من الْوَرق خَمْسُونَ ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألف ألف وَمِائَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم وَمن الثِّيَاب خَمْسُونَ ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألف ألف وَمِائَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم تَفْصِيل ذَلِك الْقصب الْخَاص الطرازي عشرُون شقة الملحم الطرازي عشرُون شقة الْخَزّ المنصوري عشر شقَاق الْخَزّ الْمَبْسُوط عشر شقَاق الوشي الْيَمَانِيّ ثَلَاثَة أَثوَاب الوشي النصيبي ثَلَاثَة أَثوَاب الطيالسة ثَلَاثَة طيالس وَمن السمور والفنك والقماقم والدلق والسنجاب للقبطين وَكَانَ يدْفع إِلَيْهِ فِي مدْخل صَوْم النَّصَارَى فِي كل سنة من الْوَرق خَمْسُونَ ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين ألف ألف وَمِائَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم وَفِي يَوْم الشعانين من كل سنة ثِيَاب من وشي وقصب وملحم وَغَيره بِقِيمَة عشرَة آلَاف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة مِائَتَا ألف وَثَلَاثُونَ ألفا وَفِي يَوْم الْفطر فِي كل سنة من الْوَرق خَمْسُونَ ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألف ألف وَمِائَة وَخَمْسُونَ ألف دِرْهَم وَثيَاب بِقِيمَة عشرَة آلَاف دِرْهَم على الْحِكَايَة يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة مِائَتَا ألف وَثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم ولفصد الرشيد دفعتين فِي السّنة كل دفْعَة خَمْسُونَ ألف دِرْهَم من الْوَرق مائَة ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألفا ألف وثلثمائة ألف دِرْهَم ولشرب الدَّوَاء دفعتين فِي السّنة كل دفْعَة خَمْسُونَ ألف دِرْهَم مائَة ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ألفا ألف وثلثمائة ألف دِرْهَم وَمن أَصْحَاب الرشيد على مَا فصل مِنْهُ مَعَ مَا فِيهِ من قيمَة الْكسْوَة وَثمن الطّيب وَالدَّوَاب وَهُوَ مائَة ألف دِرْهَم من الْوَرق فَيكون أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة تِسْعَة آلَاف ألف وَمِائَتَا ألف دِرْهَم تَفْصِيل ذَلِك عِيسَى بن جَعْفَر خَمْسُونَ ألف دِرْهَم زبيدة أم جَعْفَر خَمْسُونَ ألف دِرْهَم العباسة خَمْسُونَ ألف دِرْهَم إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم الْفضل بن الرّبيع خَمْسُونَ ألف دِرْهَم فَاطِمَة أم مُحَمَّد سَبْعُونَ ألف دِرْهَم كسْوَة وَطيب ودواب

стр. 186

مائَة ألف دِرْهَم وَمن غلَّة ضيَاعه بجندي سَابُور والسوس وَالْبَصْرَة والسواد فِي كل سنة قِيمَته بعد المقاطعة وَرقا ثَمَانِي مائَة ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث وَعشْرين سنة ثَمَانِيَة عشر ألف ألف وَمِائَة ألف دِرْهَم وَكَانَ يصير إِلَيْهِ من البرامكة فِي كل سنة من الْوَرق ألفا ألف وَأَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم وتفصيل ذَلِك يحيى بن خَالِد ستماية ألف دِرْهَم جَعْفَر بن يحيى الْوَزير ألف ألف وَمِائَتَا ألف دِرْهَم الْفضل ابْن يحيى ستماية ألف دِرْهَم يكون فِي مُدَّة ثَلَاث عشرَة سنة أحد وَثَلَاثِينَ ألف ألف ومائتي ألف دِرْهَم يكون جَمِيع ذَلِك مُدَّة أَيَّام خدمته للرشيد وَهِي ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة وخدمته للبرامكة وَهِي ثَلَاث عشرَة سنة سوى الصلات الجسام فَإِنَّهَا لم تذكر فِي هَذَا المدرج من الْوَرق ثَمَانِيَة وَثَمَانِينَ ألف دِرْهَم وَثَمَانمِائَة ألف دِرْهَم ثَلَاثَة آلَاف ألف وَأَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم التَّذْكِرَة الْخراج من ذَلِك وَمن الصلات الَّتِي لم تذكر فِي النَّفَقَات وَغَيرهَا على مَا تضمنه المدرج الْمَعْمُول من الْعين تِسْعمائَة ألف دِينَار وَمن الْوَرق تسعون ألف ألف وسِتمِائَة ألف دِرْهَم تَفْصِيل ذَلِك مَا صرفه فِي نفقاته وَكَانَت فِي السّنة ألفي ألف ومائتي ألف دِرْهَم على التَّقْرِيب وجملتها فِي السنين الْمَذْكُورَة سَبْعَة وَعِشْرُونَ ألف ألف دِرْهَم وستماية ألف دِرْهَم ثمن دور وبساتين ومنتزهات ورقيق ودواب والجمازات سَبْعُونَ ألف ألف دِرْهَم ثمن آلَات وَأجر وصناعات وَمَا يجْرِي هَذَا المجرى ثَمَانِيَة آلَاف ألف دِرْهَم مَا صَار فِي ثمن ضيَاع ابتاعها لخاصته اثْنَا عشر ألف ألف دِرْهَم ثمن جَوَاهِر وَمَا أعده للذخائر عَن قيمَة خَمْسمِائَة ألف دِينَار خَمْسُونَ ألف ألف دِرْهَم مَا صرفه فِي الْبر والصلات وَالْمَعْرُوف وَالصَّدقَات وَمَا بذل بِهِ حَظه فِي الكفالات لأَصْحَاب المصادرات فِي هَذِه السنين الْمُقدم ذكرهَا ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم مَا كابره عَلَيْهِ أَصْحَاب الودائع وجحدوه ثَلَاثَة آلَاف ألف دِرْهَم ثمَّ وصّى بعد ذَلِك كُله عِنْد وَفَاته إِلَى الْمَأْمُون لِابْنِهِ بختيشوع وَجعل الْمَأْمُون الْوَصِيّ فِيهَا فسلمها إِلَيْهِ وَلم يعْتَرض فِي شَيْء مِنْهَا عَلَيْهِ بتسعماية ألف دِينَار وجبرائيل بن بختيشوع هُوَ الَّذِي يعنيه أَبُو نواس فِي قَوْله (سَأَلت أخي أَبَا عِيسَى ... وَجِبْرِيل لَهُ عقل) (فَقلت الراح تعجبني ... فَقَالَ كثيرها قتل)

стр. 187

(فَقلت لَهُ فَقدر لي ... فَقَالَ وَقَوله فصل) (وجدت طبائع الْإِنْسَان ... أَرْبَعَة هِيَ الأَصْل) (فَأَرْبَعَة لأربعة ... لكل طبيعة رَطْل) الوافر وَذكر أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الْمُجَرّد فِي الأغاني هَذِه الأبيات (أَلا قل للَّذي لَيْسَ ... على الْإِسْلَام وَالْملَّة) (لجبريل أبي عِيسَى ... أخي الأنذال والسفلة) (أَفِي طبك يَا جِبْرِيل ... مَا يشفي ذَوي الْعلَّة) (غزال قد سبى عَقْلِي ... بِلَا جرم وَلَا زلَّة) الهزج قَالَ أَبُو الْفرج وَالشعر لِلْمَأْمُونِ فِي جِبْرَائِيل بن بختيشوع المتطبب والغناء لمتيم خَفِيف رمل وَمن كَلَام جِبْرَائِيل بن بختيشوع قَالَ أَرْبَعَة تهدم الْعُمر إِدْخَال الطَّعَام على الطَّعَام قبل الانهضام وَالشرب على الرِّيق وَنِكَاح الْعَجُوز والتمتع فِي الْحمام ولجبرائيل بن بختيشوع من الْكتب رِسَالَة إِلَى الْمَأْمُون فِي الْمطعم وَالْمشْرَب كتاب الْمدْخل إِلَى صناعَة الْمنطق كتاب فِي الباه رِسَالَة مختصرة فِي الطِّبّ كناشه كتاب فِي صَنْعَة البخور أَلفه لعبد الله الْمَأْمُون بختيشوع بن جِبْرَائِيل بن بختيشوع كَانَ سريانيا نبيل الْقدر وَبلغ من عظم الْمنزلَة وَالْحَال وَكَثْرَة المَال مَا لم يبلغهُ أحد من سَائِر الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا فِي عصره وَكَانَ يضاهي المتَوَكل فِي اللبَاس والفرش وَنقل حنين بن إِسْحَق لبختيشوع بن جِبْرَائِيل كتبا كَثِيرَة من كتب جالينوس إِلَى اللُّغَة السريانية والعربية قَالَ فثيون الترجمان لما ملك الواثق الْأَمر كَانَ مُحَمَّد بن عبد الْملك الزيات وَابْن أبي دَاوُد يعاديان بختيشوع ويحسدانه على فَضله وبره ومعروفه وصدقاته وَكَمَال مروءته فَكَانَا يغريان

стр. 188

الواثق عَلَيْهِ إِذا خلوا بِهِ فسخط عَلَيْهِ الواثق وَقبض على أملاكه وضياعه وَأخذ مِنْهُ جملَة طائلة من المَال ونفاه إِلَى جندي سَابُور وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ فَلَمَّا اعتل بالاستسقاء وَبلغ الشدَّة فِي مَرضه انفذ من يحضر بختيشوع وَمَات الواثق قبل أَن يوافي بختيشوع ثمَّ صلحت حَال بختيشوع بعد ذَلِك فِي أَيَّام المتَوَكل حَتَّى بلغ فِي الْجَلالَة والرفعة وَعظم الْمنزلَة وَحسن الْحَال وَكَثْرَة المَال وَكَمَال الْمُرُوءَة ومباراة الْخلَافَة فِي الزي واللباس وَالطّيب والفرش والصناعات والتفسيح والبذخ فِي النَّفَقَات مبلغا يفوق الْوَصْف فحسده المتَوَكل وَقبض عَلَيْهِ ونقلت من بعض التواريخ أَن بختيشوع بن جِبْرَائِيل كَانَ عَظِيم الْمنزلَة عِنْد المتَوَكل ثمَّ إِن بختيشوع أفرط فِي إدلاله عَلَيْهِ فنكبه وَقبض أملاكه وَوجه بِهِ إِلَى مَدِينَة السَّلَام وَعرض للمتوكل بعد ذَلِك قولنج فَاسْتَحْضرهُ المتَوَكل وَاعْتذر إِلَيْهِ وعالجه وبرأ فانعم عَلَيْهِ وَرَضي عَنهُ وَأعَاد مَا كَانَ لَهُ ثمَّ جرت على بختيشوع حِيلَة أُخْرَى فنكبه نكبة قبض فِيهَا جَمِيع أملاكه وَوجه بِهِ إِلَى الْبَصْرَة وَكَانَ سَببه الْحِيلَة عَلَيْهِ أَن عبد الله استكتب الْمُنْتَصر أَبَا الْعَبَّاس الحصيني وَكَانَ رديئا فاتفقا على قتل المتَوَكل واستخلاف الْمُنْتَصر وَقَالَ بختيشوع للوزير كَيفَ استكتبت الْمُنْتَصر الحصيني وَأَنت تعرف رداءته فَظن عبد الله أَن بختيشوع قد وقف على التَّدْبِير فَعرف الْوَزير مَا قَالَه لَهُ بختيشوع وَقَالَ أَنْتُم تعلمُونَ كَيفَ محبَّة بختيشوع لَهُ واحسب أَنه يبطل التَّدْبِير فَكيف الْحِيلَة فَقَالُوا للمنتصر إِذا سكر الْخَلِيفَة فخرق ثِيَابك ولوثها بِالدَّمِ وادخل إِلَيْهِ فَإِذا قَالَ مَا هَذَا فَقل بختيشوع ضرب بيني وَبَين أخي فكاد أَن يقتل بَعْضنَا بَعْضًا وَأَنا أَقُول يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يبعد عَنْهُم فَإِنَّهُ يَقُول افعلوا فتنفيه فَإلَى أَن يسْأَل عَنهُ نَكُون قد فَرغْنَا من الْأَمر فَفعل ذَلِك ونكب وَقتل المتَوَكل وَلما اسْتخْلف المستعين رد بختيشوع إِلَى الْخدمَة وَأحسن إِلَيْهِ إحسانا كثيرا وَلما ورد الْأَمر إِلَى ابْن عبد الله مُحَمَّد بن الواثق وَهُوَ الْمُهْتَدي جرى على حَال المتَوَكل فِي أنسه بالأطباء وتقديمه إيَّاهُم وإحسانه إِلَيْهِم وَكَانَ بختيشوع لطيف الْمحل من الْمُهْتَدي بِاللَّه وشكا بختيشوع إِلَى الْمُهْتَدي مَا أَخذ مِنْهُ فِي أَيَّام المتَوَكل فَأمر بِأَن يدْخل إِلَى سَائِر الخزائن فَكل مَا اعْترف بِهِ فليرد إِلَيْهِ بِغَيْر استثمار وَلَا مُرَاجعَة فَلم يبْق لَهُ شَيْء إِلَّا أَخذه وَأطلق لَهُ سَائِر مَا فَاتَهُ وحاطه كل الحياطة وَورد على بختيشوع كتاب من صَاحبه بِمَدِينَة السَّلَام يصف فِيهِ أَن سُلَيْمَان بن عبد الله بن طَاهِر قد

стр. 189

تعرض لَهُ لمنازله فَعرض بختيشوع الْكتاب على الْمُهْتَدي بعد صَلَاة الْعَتَمَة فَأمر بإحضار سُلَيْمَان بن وهب فِي ذَلِك الْوَقْت فَحَضَرَ وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن يكْتب من حَضرته إِلَى سُلَيْمَان بن عبد الله بالإنكار عَلَيْهِ لما اتَّصل بِهِ من وَكيل بختيشوع وَأَن يتَقَدَّم إِلَيْهِ بإعزاز مَنَازِله وأسبابه بأوكد مَا يكون وانفذ الْكتاب من وقته مَعَ أخص خدمه إِلَى مَدِينَة السَّلَام وَقَالَ بختيشوع للمهتدي فِي آخر من حضر الدَّار يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا اقتصدت وَلَا شربت الدَّوَاء مُنْذُ أَرْبَعِينَ سنة وَقد حكم المنجمون بِأَنِّي أَمُوت فِي هَذِه السّنة وَلست أغتم لموتي وَإِنَّمَا غمي لمفارقتكم فَكَلمهُ الْمُهْتَدي بِكَلَام جميل وَقَالَ قَلما يصدق المنجم فَلَمَّا انْصَرف كَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن عَليّ الحصري فِي كتاب نور الطّرف وَنور الظّرْف أَنه تنَازع إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وبختيشوع الطَّبِيب بَين يَدي أَحْمد ابْن داؤد فِي مجْلِس الحكم فِي عقار بِنَاحِيَة السوَاد فأربى عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم وَأَغْلظ لَهُ فَغَضب لذَلِك أَحْمد بن أبي داؤد وَقَالَ يَا إِبْرَاهِيم إِذا تنازعت فِي مجْلِس الحكم بحضرتنا أمرا فَلْيَكُن قصدك أمما وطريقك نهجا وريحك سَاكِنة وكلامك معتدلا ووف مجَالِس الْخَلِيفَة حُقُوقهَا من التَّوْفِيق والتعظيم والاستطاعة والتوجيه إِلَى الْحق فَإِن هَذَا أشكل بك وأجمل بمذهبك فِي محتدك وعظيم خطرك وَلَا تعجلن فَرب العجلة تورث رثيا وَالله يَعْصِمك من الزلل وخطل القَوْل وَالْعَمَل وَيتم نعْمَته عَلَيْك كَمَا أتمهَا على آبَائِك من قبل أَن رَبك عليم حَكِيم فَقَالَ إِبْرَاهِيم أمرت أصلحك الله بسداد وحضضت على رشاد وَلست بعائد إِلَى مَا يثلم قدري عنْدك ويسقطني من عَيْنك ويخرجني من مِقْدَار الْوَاجِب إِلَى الِاعْتِذَار فها أَنا معتذر إِلَيْك من هَذِه البادرة اعتذار مقرّ بِذَنبِهِ باخع بجرمه لِأَن الْغَضَب لَا يزَال يستفزني بمراده فيردني مثلك بحلمه وَتلك عَادَة الله عنْدك وَعِنْدنَا فِيك وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل وَقد خلعت حظي من هَذَا الْعقار لبختيشوع فليت ذَلِك يكون وافيا بِأَرْش الْجِنَايَة عَلَيْهِ وَلنْ يتْلف مَال أَفَادَ موعظة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق حدث أَبُو مُحَمَّد بدر بن أبي الْأصْبع الْكَاتِب قَالَ حَدثنِي جدي قَالَ دخلت إِلَى بختيشوع فِي يَوْم شَدِيد الْحر وَهُوَ جَالس فِي مجْلِس مخيش بعدة طاقات من الخيش طاقان ريح بَينهمَا طاق أسود وَفِي وَسطهَا قبَّة عَلَيْهَا جلال من قصب مظهر بدبيقي قد صبغ بِمَاء الْورْد والكافور والصندل

стр. 190

وَعَلِيهِ جُبَّة يماني سعيدي مثقلة ومطرف قد التحف بِهِ فعجبت من زيه فحين حصلت مَعَه فِي الْقبَّة نالني من الْبرد أَمر عَظِيم فَضَحِك وَأمر لي بجبة ومطرف وَقَالَ يَا غُلَام اكشف جَوَانِب الْقبَّة فَكشفت فَإِذا أَبْوَاب مَفْتُوحَة من جَوَانِب الإيوان إِلَى مَوَاضِع مكبوسة بالثلج وغلمان يروحون ذَلِك الثَّلج فَيخرج مِنْهُ الْبرد الَّذِي لَحِقَنِي ثمَّ دَعَا بطعامه فَأتي بمائدة فِي غَايَة الْحسن عَلَيْهَا كل شَيْء ظريف ثمَّ أَتَى بفراريج مشوية فِي نِهَايَة الْحمرَة وَجَاء الطباخ فنفضها كلهَا فانتفضت وَقَالَ هَذِه فراريج تعلف اللوز والبزر قطونا وتسقى مَاء الرُّمَّان وَلما كَانَ فِي صلب الشتَاء دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا وَالْبرد شَدِيد وَعَلِيهِ جُبَّة محشوة وَكسَاء وَهُوَ جَالس فِي طارمة فِي الدَّار على بُسْتَان فِي غَايَة الْحسن وَعَلَيْهَا سمور قد ظَهرت بِهِ وفوقه جلال حَرِير مصبغ ولبود مغربية وانطاع أَدَم يَمَانِية وَبَين يَدَيْهِ كانون فضَّة مَذْهَب مخرق وخادم يُوقد الْعود الْهِنْدِيّ وَعَلِيهِ غلالة قصب فِي نِهَايَة الرّفْعَة فَلَمَّا حصلت مَعَه فِي الطارمة وجدت من الْحر أمرا عَظِيما فَضَحِك وَأمر لي بغلالة قصب وَتقدم يكْشف جَوَانِب الطارمة فَإِذا مَوَاضِع لَهَا شبابيك خشب بعد شبابيك حَدِيد وكوانين فِيهَا فَحم الغضا وغلمان ينفخون ذَلِك الفحم بالزقاق كَمَا تكون للحدادين ثمَّ دَعَا بطعامه فأحضروا مَا جرت بِهِ الْعَادة فِي السرو والنظافة فأحضرت فراريج بيض شَدِيدَة الْبيَاض فبشعتها وَخفت أَن تكون غير نضيجة ووافى الطباخ فنفضها فانتفضت فَسَأَلته عَنْهَا فَقَالَ هَذِه تعلف الْجَوْز المقشر وتسقى اللَّبن الحليب وَكَانَ يختيشوع بن جِبْرَائِيل يهدي البخور فِي درج وَمَعَهُ درج آخر فِيهِ فَحم يتَّخذ لَهُ من قضبان الأترج والصفصاف وشنس الْكَرم المرشوش عَلَيْهِ عِنْد إحراقه مَاء الْورْد الْمَخْلُوط بالمسك والكافور وَمَاء الْخلاف وَالشرَاب الْعَتِيق وَيَقُول أَنا أكره أَن أهدي بخورا بِغَيْر فَحم فيفسده فَحم الْعَامَّة وَيُقَال هَذَا عمل بختيشوع وَحدث أَبُو مُحَمَّد بدر بن أبي الْأصْبع عَن أَبِيه عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن الْجراح عَن أَبِيه أَن المتَوَكل قَالَ يَوْمًا لبختيشوع ادعني فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة فَقَالَ أُرِيد أَن يكون ذَلِك غَدا قَالَ نعم وكرامة وَكَانَ الْوَقْت صائفا وحره شَدِيدا فَقَالَ بختيشوع لأعوانه وَأَصْحَابه أمرنَا كُله مُسْتَقِيم إِلَّا الخيش فَإِنَّهُ لَيْسَ لنا مِنْهُ مَا يَكْفِي فَاحْضُرْ وكلاءه وَأمرهمْ بابتياع كل مَا يُوجد من

стр. 191

الخيش بسر من رأى فَفَعَلُوا ذَلِك وأحضروا كل من وجدوه من النجادين والصناع فَقطع لداره كلهَا صونها وحجرها ومجالسها وبيوتها ومستراحاتها خيشا حَتَّى لَا يجتاز الْخَلِيفَة فِي مَوضِع غير مخيش وَأَنه فكر فِي روائحه الَّتِي لَا تَزُول إِلَّا بعد اسْتِعْمَاله مُدَّة فَأمر بابتياع كل مَا يقدر عَلَيْهِ بسر من رأى من الْبِطِّيخ وأحضر أَكثر حشمه وغلمانه وأجلسهم يدلكون الخيش بذلك الْبِطِّيخ ليلتهم كلهَا وَأصْبح وَقد انْقَطَعت روائحه فَتقدم إِلَى فراشيه فعلقوا جَمِيعه فِي الْمَوَاضِع الْمَذْكُورَة وَأمر طباخيه بِأَن يعملوا خَمْسَة آلَاف جونة فِي كل جونة بَاب خبز سميد دست رقاق وزن الْجَمِيع عشرُون رطلا وَحمل مشوي وجدي بَارِد وفائقة ودجاجتين مصدرتان وفرخان ومصوصان وَثَلَاثَة ألوان وجام حلواء فَلَمَّا وافه المتَوَكل رأى كَثْرَة الخيش وجدته فَقَالَ أَي شَيْء ذهب برائحته فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَدِيث الْبِطِّيخ فَعجب من ذَلِك وَأكل هُوَ وَبَنُو عَمه وَالْفَتْح بن خاقَان على مائدة وَاحِدَة وأجلس الْأُمَرَاء والحجاب على سماطين عظيمين لم ير مثلهمَا لَا مِثَاله وَفرقت الجون على الغلمان والخدم والنقباء والركابية والفراشين والملاحين وَغَيرهم من الْحَاشِيَة لكل وَاحِد جونة وَقَالَ قد أمنت ذمهم لأنني مَا كنت آمن لَو أطعموا على مَوَائِد أَن يرضى هَذَا ويغضب الآخر وَيَقُول وَاحِد شبعت وَيَقُول آخر لم أشْبع فَإِذا أعْطى كل إِنْسَان جونة من هَذِه الجون كفته واستشرف المتَوَكل على الطَّعَام فاستعظمه جدا وَأَرَادَ النّوم فَقَالَ لبختيشوع أُرِيد أَن تنومني فِي مَوضِع مضيء لَا ذُبَاب فِيهِ وَظن أَنه يتعنته بذلك وَقد كَانَ بختيشوع تقدم بِأَن تجْعَل أجاجين السيلان فِي سطوح الدَّار ليجتمع الذُّبَاب عَلَيْهِ فَلم يقرب أسافل الدّور ذُبَابَة وَاحِدَة ثمَّ أَدخل المتَوَكل إِلَى مربع كَبِير سقفه كُله بكواء فِيهَا جامات يضيء الْبَيْت مِنْهَا وَهُوَ مخيش مظهر بعد الخيش بالدبقي الْمَصْبُوغ بِمَاء الْورْد والصندل والكافور فَلَمَّا اضْطجع للنوم أقبل يشم رَوَائِح فِي نِهَايَة الطّيب لَا يدْرِي مَا هِيَ لِأَنَّهُ لم ير فِي الْبَيْت شَيْئا من الروائح والفاكهة والأنوار وَلَا خلف الخيش لَا طاقات وَلَا مَوضِع يَجْعَل فِيهِ شَيْء من ذَلِك فتعجب وَأمر الْفَتْح بن خاقَان أَن يتتبع حَال تِلْكَ الروائح حَتَّى يعرف صورتهَا فَخرج يطوف فَوجدَ حول الْبَيْت من خَارجه وَمن سَائِر نواحيه وجوانبه أبوابا صغَارًا لطافا كالطاقات محشوة بصنوف الرياحين

стр. 192

والفواكه واللخالخ والمشام الَّتِي فِيهَا اللفاح والبطيخ الْمُسْتَخْرج مَا فِيهَا المحشوة بالنمام والحماحم الْيَمَانِيّ الْمَعْمُول بِمَاء الْورْد والخلوق والكافور وَالشرَاب الْعَتِيق والزعفران الشّعْر وَرَأى الْفَتْح غلمانا قد وكلوا بِتِلْكَ الطاقات مَعَ كل غُلَام مجمرة فِيهَا ند يسجره ويبخر بِهِ وَالْبَيْت من دَاخله إِزَار من اسفيداج مخرم خروما صغَارًا لَا تبين تخرج مِنْهَا تِلْكَ الروائح الطّيبَة العجيبة إِلَى الْبَيْت فَلَمَّا عَاد الْفَتْح وَشرح للمتوكل صُورَة مَا شَاهده كثر تعجبه مِنْهُ وحسد بختيشوع على مَا رَآهُ من نعْمَته وَكَمَال مروءته وَانْصَرف من دَاره قبل أَن يستتم يَوْمه وَادّعى شَيْئا وجده من التياث بدنه وحقد عَلَيْهِ ذَلِك فنكبه بعد أَيَّام يسيرَة وَأخذ لَهُ مَالا كثيرا لَا يقدر وَوجد لَهُ فِي جملَة كسوته أَرْبَعَة آلَاف سَرَاوِيل دبيقي سيتيزي فِي جَمِيعهَا تكك إبريسم أرميني وَحضر الْحُسَيْن بن مخلد فختم على خزانته وَحمل إِلَى دَار المتَوَكل مَا صلح مِنْهَا وَبَاعَ شَيْئا كثيرا وَبَقِي بعد ذَلِك حطب وفحم ونبيذ وتوابل فَاشْتَرَاهُ الْحُسَيْن بن مخلد بِسِتَّة آلَاف دِينَار وَذكر أَنه بَاعَ من جملَته بمبلغ ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار ثمَّ حسده حمدون ووشى إِلَى المتَوَكل وبذل فِيمَا بَقِي فِي يَده مِمَّا ابتاعه سِتَّة آلَاف دِينَار فَأُجِيب إِلَى ذَلِك وَسلم إِلَيْهِ فَبَاعَهُ بِأَكْثَرَ من الضعْف وَكَانَ هَذَا فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ قَالَ فثيون الترجمان كَانَ المعتز بِاللَّه قد اعتل فِي أَيَّام المتَوَكل عِلّة من حرارة امْتنع مَعهَا من أَخذ شَيْء من الْأَدْوِيَة والأغذية فشق ذَلِك على المتَوَكل كثيرا واغتم بِهِ وَصَارَ إِلَيْهِ بختيشوع والأطباء عِنْده وَهُوَ على حَاله فِي الِامْتِنَاع فمازحه وحادثه فَأدْخل المعتز يَده فِي كم جُبَّة وشي يمَان مثقله كَانَت على بختيشوع وَقَالَ مَا أحسن هَذَا الثَّوْب فَقَالَ بختيشوع يَا سَيِّدي مَا لَهُ وَالله نَظِير فِي الْحسن وثمنه عَليّ ألف دِينَار فَكل لي تفاحتين وَخذ الْجُبَّة فَدَعَا بتفاح فَأكل اثْنَتَيْنِ ثمَّ قَالَ لَهُ تحْتَاج يَا سَيِّدي الْجُبَّة إِلَى ثوب يكون مَعهَا وَعِنْدِي ثوب هُوَ أَخ لَهَا فَاشْرَبْ لي شربة سكنجبين وخذه فَشرب شربة سكنجبين وَوَافَقَ ذَلِك اندفاع طَبِيعَته فبرأ المعتز وَأخذ الْجُبَّة وَالثَّوْب وَصلح من مَرضه فَكَانَ المتَوَكل يشْكر هَذَا الْفِعْل أبدا لبختيشوع وَقَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت أَن المتَوَكل اشْتهى فِي بعض الْأَوْقَات الحارة أَن يَأْكُل مَعَ طَعَامه خردلا فَمَنعه الْأَطِبَّاء من ذَلِك لحدة مزاجه وحرارة كبده وغائلة الْخَرْدَل فَقَالَ بختيشوع أَنا أطعمك إِيَّاه وَإِن ضرك عَليّ فَقَالَ افْعَل فَأمر بإحضار قرعَة وَجعل عَلَيْهَا طينا وَتركهَا فِي تنور

стр. 193

واستخرج ماءها وَأمر بِأَن يقشر الْخَرْدَل وَيضْرب بِمَاء القرع وَقَالَ إِن الْخَرْدَل فِي الدرجَة الرَّابِعَة من الْحَرَارَة والقرع فِي الدرجَة الرَّابِعَة من الرُّطُوبَة فيعتدلان فَكل شهوتك وَبَات تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم يحس بِشَيْء من الْأَذَى وَأصْبح كَذَلِك فَأمر بِأَن يحمل إِلَيْهِ ثلثمِائة ألف دِرْهَم وَثَلَاثُونَ تختا من أَصْنَاف الثِّيَاب وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي عَن عِيسَى بن ماسة قَالَ رَأَيْت بختيشوع بن جِبْرَائِيل وَقد اعتل فَأمر أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل والمعتز أَن يعودهُ وَهُوَ إِذْ ذَاك ولي عهد فعاده وَمَعَهُ مُحَمَّد بن عبد الله بن طَاهِر ووصيف التركي قَالَ وَأَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُدبر أَن المتَوَكل أَمر الْوَزير شفاها وَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فِي ضيَاع بختيشوع فَإِنَّهَا ضياعي وملكي فَإِن مَحَله منا مَحل أَرْوَاحنَا من أبداننا وَقَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن عبيد الله بن بختيشوع هَذَا الْمَذْكُور مِمَّا يدل على منزلَة بختيشوع عِنْد المتَوَكل وانبساطه مَعَه قَالَ من ذَلِك مَا حَدثنَا بِهِ بعض شُيُوخنَا أَنه دخل بختيشوع يَوْمًا إِلَى المتَوَكل وَهُوَ جَالس على سدة فِي وسط دَار الْخَاصَّة فَجَلَسَ بختيشوع على عَادَته مَعَه على السدة وَكَانَ عَلَيْهِ دراعة ديباج رومي وَقد انفتق ذيلها قَلِيلا فَجعل المتَوَكل يحادث بختيشوع ويعبث بذلك الفتق حَتَّى بلغ إِلَى حد النيفق وَدَار بَينهمَا كَلَام اقْتضى أَن سَأَلَ المتَوَكل بختيشوع بِمَاذَا تعلم أَن المشوش يحْتَاج إِلَى الشد والقيادة قَالَ إِذا بلغ فتق دراعة طبيبه إِلَى حد النيفق شددناه فَضَحِك المتَوَكل حَتَّى اسْتلْقى على ظَهره وَأمر لَهُ فِي الْحَال بخلع سنية وَمَال جزيل وَقَالَ أَبُو الريحان البيروني فِي كتاب الْجمَاهِر فِي الْجَوَاهِر أَن المتَوَكل جلس يَوْمًا لهدايا النيروز فَقدم إِلَيْهِ كل علق نَفِيس وكل ظريف فاخر وَإِن طبيبه بختيشوع بن جِبْرَائِيل دخل وَكَانَ يأنس بِهِ فَقَالَ لَهُ مَا ترى فِي هَذَا الْيَوْم فَقَالَ مثل جرياشات الشحاذين إِذْ لَيْسَ قدر وَأَقْبل على مَا معي ثمَّ أخرج من كمه درج أبنوس مضبب بِالذَّهَب وفتحه عَن حَرِير أَخْضَر انْكَشَفَ عَن ملعقة كَبِيرَة من جَوْهَر لمع مِنْهَا شهَاب ووضعها بَين يَدَيْهِ فَرَأى المتَوَكل مَا لَا عهد لَهُ بِمثلِهِ وَقَالَ

стр. 194

من أَيْن لَك هَذَا قَالَ من النَّاس الْكِرَام ثمَّ حدث أَنه صَار إِلَى أبي من أم جَعْفَر زبيدة فِي ثَلَاث مَرَّات ثلثمِائة ألف دِينَار بِثَلَاث شكايات عالجها فِيهَا واحدتها أَنَّهَا شكت عارضا فِي حلقها منذرة بالخناق فَأَشَارَ إِلَيْهَا بالفصد والتطفئة والتغدي بحشو وَصفه فَاحْضُرْ على نسخته فِي غضارة صينية عَجِيبَة الصّفة وفيهَا هَذِه الملعقة فغمزني أبي على رَفعهَا فَفعلت ولففتها فِي طيلساني وجاذبنيها الْخَادِم فَقَالَت لَهُ لاطفه ومره بردهَا وعوضه مِنْهَا عشرَة آلَاف دِينَار فامتنعت وَقَالَ أبي يَا ستي إِن ابْني لم يسرق قطّ فَلَا تفضحيه فِي أول كراته لِئَلَّا ينكسر قلبه فَضَحكت ووهبتها لَهُ وَسُئِلَ عَن الأخرتين فَقَالَ إِنَّهَا اشتكت إِلَيْهِ النكهة بِإِخْبَار إِحْدَى بطانتها إِيَّاهَا وَذكرت أَن الْمَوْت أسهل عَلَيْهَا من ذَلِك فجوعها إِلَى الْعَصْر وأطعمها سمكًا ممقورا وسقاها دردي نَبِيذ دقل بإكراه فغثت نَفسهَا وقذفت وَكرر ذَلِك عَلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ قَالَ لَهَا تنكهي فِي وَجه من أخْبرك بذلك واستخبريه هَل زَالَ وَالثَّالِثَة أَنَّهَا أشرفت على التّلف من فوَاق شَدِيد يسمع من خَارج الْحُجْرَة فَأمر الخدم بإصعاد خوابي إِلَى سطح الصحن وتصفيفها حوله على الشفير وملأها مَاء وَجلسَ خَادِم خلف كل جب حَتَّى إِذا صفق بِيَدِهِ على الْأُخْرَى دفعوها دفْعَة إِلَى وسط الدَّار فَفَعَلُوا وارتفع لذَلِك صَوت شَدِيد أرعبها فَوَثَبت وزايلها الفواق قَالَ أَبُو عَليّ القياني حَدثنِي أبي قَالَ دخلت يَوْمًا إِلَى بختيشوع وَكَانَ من أَيَّام الصَّيف وَجَلَست فَإِذا هُوَ قد رفع طرفه إِلَى خادمه وَقَالَ لَهُ هَات فجَاء بقدح فِيهِ نَحْو نصف رَطْل شراب عَتيق وعَلى طرف خلالة ذهب شَيْء أسود فمضغه ثمَّ شرب الشَّرَاب عَلَيْهِ وصبر سَاعَة فَرَأَيْت وَجهه يتقد كالنار ثمَّ دَعَا بأطباق فِيهَا خوخ جبلي فِي نِهَايَة الْحسن فَأقبل يقطع وَيَأْكُل حَتَّى انْتهى وَسكن تلهبه وَعَاد وَجهه إِلَى حَاله فَقلت لَهُ حَدثنِي بخبرك فَقَالَ اشْتهيت الخوخ شَهْوَة شَدِيدَة وَخفت ضررها فاستعملت الترياق وَالشرَاب حَتَّى نقرت الْحجر ليجيد الطَّحْن وَقَالَ أَبُو عَليّ القياني عَن أَبِيه قَالَ حَدثنِي مُحَمَّد بن دَاوُد بن الْجراح قَالَ كَانَ بختيشوع الطَّبِيب صديقا لأبي وَكَانَ لنا نديم كثير الْأكل عَظِيم الْخلق فَكَانَ كلما رَآهُ قَالَ لَهُ أُرِيد أَن تركب لي شربة وأبرمه إِلَى أَن وصف لَهُ دَوَاء فِيهِ شَحم الحنظل وسقمونيا وَقَالَ بختيشوع لأبي ملاك الْأَمر كُله أَن يَأْكُل أكلا خَفِيفا ويضبط نَفسه فِيمَا بعد عَن التَّخْلِيط فأطعم يَوْم الحمية فِي دَارنَا وَاقْتصر على اسفيدباج من ثَلَاثَة أَرْطَال خبز فَلَمَّا استوفى ذَلِك طلب زِيَادَة عَلَيْهِ فَمنع واعتقله أبي عِنْده إِلَى آخر الْأَوْقَات وَوجه إِلَى امْرَأَته يوصيها أَن لَا تدع شَيْئا يُؤْكَل فِي دَاره وَلما علم أَن الْوَقْت قد ضَاقَ عَلَيْهِ أطلقهُ إِلَى منزله فَطلب من امْرَأَته شَيْئا يَأْكُلهُ فَلم يجد عِنْدهَا شَيْئا وَكَانَت قد أغفلت برنية فِيهَا فتيت على الرف فَوَجَدَهُ وَأخذ مِنْهُ أرطالا ثمَّ أصبح وَأخذ الدَّوَاء فتحير وَورد على الْمعدة وَهِي ملأى فَلم يُؤثر وَتَعَالَى النَّهَار فَقَالَ قد خرف بختيشوع وَعمد إِلَى عشرَة أَرْطَال لحم شرائح فَأكلهَا مَعَ

стр. 195

عشرَة أَرْطَال خبز وَشرب دورقا مَاء بَارِدًا فَلَمَّا مَضَت سَاعَة طلب الدَّوَاء طَرِيقا لِلْخُرُوجِ من فَوق أَو من أَسْفَل فَلم يجد فانتفخت بَطْنه وَعلا نَفسه وَكَاد يتْلف وصاحت امْرَأَته واستغاثت بِأبي فَدَعَا بمحمل وَحمل فِيهِ إِلَى بختيشوع وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم حارا جدا وَكَانَ بختيشوع حِين انْصَرف من دَاره وَهُوَ ضجر فَسَأَلَ عَن حَاله إِلَى أَن علم شرح أمره وَكَانَ فِي دَاره أَكثر من مِائَتي طير من الطيطويات والحصانيات والبيضانيات وَمَا يجْرِي مجْراهَا وَلها مسقاة كَبِيرَة مَمْلُوءَة مَاء وَقد حمي فِي الشَّمْس وذرقت فِيهِ الطُّيُور فَدَعَا بملح جريش وَأمر بطرحه فِي المسقاة كُله وتذويبه فِي المَاء ودعا بقمع وَسَقَى الرجل كُله وَهُوَ لَا يعقل وَأمر بالتباعد عَنهُ فَأتى من طَبِيعَته فَوق وأسفل أَمر عَظِيم جدا حَتَّى ضعف وحفظت قوته بالرائحة الطّيبَة وبماء الدراج وأفاق بعد أَيَّام وعجبنا من صَلَاحه وَسَأَلنَا عَنهُ بختيشوع فَقَالَ فَكرت فِي أمره فَرَأَيْت أَنِّي أَن اتَّخذت لَهُ دَوَاء طَال أمره حَتَّى يطْبخ ويسقى فَيَمُوت إِلَى ذَلِك الْوَقْت وَنحن نعالج أَصْحَاب القولنج الشَّديد بذرق الْحمام وَالْملح وَكَانَ فِي المسقاة المَاء فِي الشَّمْس وَقد سخن وَاجْتمعَ فِيهِ من ذرق الْحمام مَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَانَ أسْرع تناولا من غَيره فعالجته بِهِ ونجع بِحَمْد الله ونقلت من بعض الْكتب أَن بختيشوع كَانَ يَأْمر بالحقن وَالْقَمَر مُتَّصِل بالذنب فَيحل القولنج من سَاعَته وَيَأْمُر بِشرب الدَّوَاء وَالْقَمَر على مناظرة الزهرة فصلح العليل من يَوْمه وَلما توفّي بختيشوع خلف عبيد الله وَلَده وَخلف مَعَه ثَلَاث بَنَات وَكَانَ الوزراء والنظار يصادرونهم ويطالبونهم بالأموال فَتَفَرَّقُوا وَاخْتلفُوا وَكَانَ مَوته يَوْم الْأَحَد لثمان بَقينَ من صفر سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وَمن كَلَام بختيشوع بن جِبْرَائِيل قَالَ الشّرْب على الْجُوع رَدِيء وَالْأكل على الشِّبَع أردأ وَقَالَ أكل الْقَلِيل مِمَّا يضر أصلح من أكل الْكثير مِمَّا ينفع ولبختيشوع بن جِبْرَائِيل من الْكتب كتاب فِي الْحجامَة على طَرِيق المسئلة وَالْجَوَاب جِبْرَائِيل بن عبيد الله جِبْرَائِيل بن عبيد الله بن بختيشوع كَانَ فَاضلا عَالما متقنا لصناعة الطِّبّ جيدا فِي أَعمالهَا حسن

стр. 196

الدِّرَايَة لَهَا وَله تصانيف جليلة فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَت أجداده فِي هَذِه الصِّنَاعَة كل مِنْهُم أوحد زَمَانه وعلامة وقته ونقلت من كتاب عبيد الله ولد هَذَا الْمَذْكُور فِي أخباره عَن أَبِيه جِبْرَائِيل مَا هَذَا مِثَاله قَالَ أَن جدي عبيد الله بن بختيشوع كَانَ متصرفا وَلما ولي المقتدر رَحْمَة الله عَلَيْهِ الْخلَافَة اسْتَكْتَبَهُ لحضرته وَبَقِي مُدَّة مديدة ثمَّ توفّي وَخلف وَالِدي جِبْرَائِيل وأختا كَانَت مَعَه صغيرين وأنفذ المقتدر لَيْلَة مَوته ثَمَانِينَ فراشا حمل الْمَوْجُود من رَحل وأثاث وآنية وَبعد مواراته فِي الْقَبْر اختفت زَوجته وَكَانَت ابْنة إِنْسَان عَامل من أجلاء الْعمَّال يعرف بالحرسون فَقبض على والدها بِسَبَبِهَا وَطلب مِنْهُ ودائع بنت بختيشوع وَأخذ مِنْهُ مَالا كثيرا وَمَات عقيب مصادرته فَخرجت ابْنَته وَمَعَهَا وَلَدهَا جِبْرَائِيل وَأُخْته وهما صغيران إِلَى عكبراء مستترين من السُّلْطَان وَاتفقَ أَنَّهَا تزوجت بِرَجُل طَبِيب وصرفت وَلَدهَا إِلَى عَم كَانَ لَهُ بدقوقاء وأقامت مُدَّة عِنْد ذَلِك الرجل وَمَاتَتْ وَأخذ مَا كَانَ مَعهَا جَمِيعه وَدفع وَلَدهَا فَدخل جِبْرَائِيل إِلَى بَغْدَاد وَمَا مَعَه إِلَّا الْيَسِير النزر وَقصد طَبِيبا كَانَ يعرف بترمرة فلازمه وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَكَانَ من أطباء المقتدر وخواصه وَقَرَأَ على يُوسُف الوَاسِطِيّ الطَّبِيب ولازم البيمارستان وَالْعلم والدرس وَكَانَ يأوي إِلَى أخوال لَهُ يسكنون بدار الرّوم وَكَانُوا يسيئون عشرتهم عَلَيْهِ ويلومونه على تعرضه للْعلم والصناعة ويمجنون مَعَه وَيَقُولُونَ يُرِيد أَن يكون مثل جده بختيشوع وجبرائيل وَمَا يرضى أَن يكون مثل أَخْوَاله وَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَى مثل أَقْوَالهم وَاتفقَ أَن جَاءَ رَسُول من كرمان إِلَى معز الدولة وَحمل لَهُ الْحمار المخطط وَالرجل الَّذِي كَانَ طوله سَبْعَة أشبار وَالرجل الَّذِي كَانَ طوله شبرين وَاتفقَ أَنه نزل فِي قصر فرخ من الْجَانِب الشَّرْقِي قَرِيبا من الدّكان الَّذِي كَانَ يجلس عَلَيْهِ وَالِدي جِبْرَائِيل وَصَارَ ذَلِك الرَّسُول يجلس عِنْده كثيرا ويحادثه ويباسطه فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام استدعاه وشاوره بالفصد فَأَشَارَ بِهِ وفصده وَتردد إِلَيْهِ يَوْمَيْنِ فأنفذ لَهُ على رسم الديلم الصينية الَّتِي كَانَت فِيهَا العصائب والطشت والإبريق وَجَمِيع الْآلَة ثمَّ استدعاه وَقَالَ لَهُ ادخل إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم وَانْظُر مَا يصلح لَهُم وَكَانَ مَعَ الرَّسُول جَارِيَة يهواها قد عرض لَهَا نزف الدَّم وَلَا بَقِي بِفَارِس وَلَا بكرمان وَلَا بالعراق طَبِيب مَذْكُور إِلَّا وعالجها وَلم ينجح فِيهَا العلاج فعندما رَآهَا رتب لَهَا تدبيرا وَعمل لَهَا معجونا وسقاها إِيَّاه فَمَا

стр. 197

مضى عَلَيْهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا حَتَّى بَرِئت وَصلح جسمها وَفَرح الرَّسُول بذلك فَرحا عَظِيما فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة استدعاه وَأَعْطَاهُ ألف دِرْهَم ودراعة سقلاطون وثوبا توثيا وعمامة قصب وَقَالَ لَهُ طالبهم بحقك فَأَعْطَتْهُ الْجَارِيَة ألف دِرْهَم وقطعتين من كل نوع من الثِّيَاب وَحمل على بغله بمركب وَاتبع ذَلِك بمملوك زنجي فَخرج وَهُوَ أحسن حَالا من أحد أَخْوَاله فَلَمَّا رَأَوْهُ وَثبُوا لَهُ وتلقوه لقيا جميلا فَقَالَ لَهُم للثياب تكرمون لَا لي فَلَمَّا مضى الرَّسُول انْتَشَر ذكره بِفَارِس وبكرمان بِمَا عمل وَكَانَ ذَلِك سَبَب خُرُوجه من شيراز فَلَمَّا دخل رفع خَبره إِلَى عضد الدولة وَكَانَ أول تبوئه ولَايَته شيراز واستدعى بِهِ فَحَضَرَ واحضر مَعَه رِسَالَة فِي عصب الْعين تكلم فِيهَا بِكَلَام حسن فَحسن موقعه عِنْده وَقرر لَهُ جَار وجراية كالباقين ثمَّ أَنه عرض لكوكين زوج خَالَة عضد الدولة وَهُوَ وَالِي كورة جورقب مرض واستدعى طَبِيبا فأنفذه عضد الدولة فَلَمَّا وصل أكْرم مَوْضِعه وأجله إجلالا عَظِيما وَكَانَ بِهِ وجع المفاصل والنقرس وَضعف الأحشاء فَركب لَهُ جوارشن تفاحي وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَخمسين وثلثمائة لِلْهِجْرَةِ فَانْتَفع بِهِ مَنْفَعَة بَيِّنَة عَظِيمَة فأجزل لَهُ عطاءه وأكرمه ورده إِلَى شيراز مكرما ثمَّ أَن عضد الدولة دخل إِلَى بَغْدَاد وَهُوَ مَعَه من خاصته وجدد البيمارستان وَصَارَ يَأْخُذ رزقين وهما برسم خَاص ثلثمِائة دِرْهَم شجاعية وبرسم البيمارستان ثلثمِائة دِرْهَم شجاعية سوى الجراية وَكَانَت نوبَته فِي الإسبوع يَوْمَيْنِ وليلتين وَاتفقَ أَن الصاحب بن عباد رَحمَه الله تَعَالَى عرض لَهُ مرض صَعب فِي معدته فكاتب عضد الدولة يلْتَمس طبيا وَكَانَ عمله وَفعله وفضله مَشْهُورا فَأمر عضد الدولة بِجمع الْأَطِبَّاء البغداديين وَغَيرهم وشاورهم فِيمَن يصلح أَن ينفذ إِلَيْهِ فَلَمَّا جمعهم واستشارهم فَأَشَارَ جَمِيع الْأَطِبَّاء على سَبِيل الأبعاد لَهُ من بَينهم وحسدا على تقدمه مَا يصلح أَن يلقى مثل هَذَا الرجل إِلَّا أَبُو عِيسَى جِبْرَائِيل لِأَنَّهُ مُتَكَلم جيد الْحجَّة عَالم باللغة الفارسية فَوَقع ذَلِك بوفاق عضد الدولة فَأطلق لَهُ مَالا يصلح بِهِ أمره وَحمل إِلَيْهِ مركوب جميل وبغال للْحَمْل وسيره فَلَمَّا وصل الرّيّ تَلقاهُ الصاحب لِقَاء جميلا وأنزله فِي دَار مزاحة الْعِلَل بفراش وطباخ وخازن ووكيل وبواب وَغَيره وَلما أَقَامَ عِنْده إسبوعا استدعاه يَوْمًا وَقد أعد عِنْده أهل الْعلم من أَصْنَاف الْعُلُوم ورتب لمناظرته إنْسَانا من أهل الرّيّ وَقد قَرَأَ طرفا من الطِّبّ فَسَأَلَهُ عَن أَشْيَاء من أَمر النبض فَعلم هُوَ مَا الْغَرَض فِي ذَلِك فَبَدَأَ وَشرح أَكثر مِمَّا تحتمله الْمَسْأَلَة وَعلل تعليلات لم يكن فِي الْجَمَاعَة من سمع بهَا وَأورد شكوكا ملاحا

стр. 198

وحلها فَلم يكن فِي الْحُضُور إِلَّا من أكْرمه وعظمه وخلع عَلَيْهِ الصاحب خلعا حَسَنَة وَسَأَلَهُ أَن يعْمل لَهُ كناشا يخْتَص بِذكر الْأَمْرَاض الَّتِي تعرض من الرَّأْس إِلَى الْقدَم وَلَا يخلط بهَا غَيرهَا فَعمل كناشة الصَّغِير وَهُوَ مَقْصُور على ذكر الْأَمْرَاض الْعَارِضَة من الرَّأْس إِلَى الْقدَم حَسْبَمَا أَمر الصاحب بِهِ وَحمله إِلَيْهِ فَحسن موقعه عِنْده وَوَصله بِشَيْء قِيمَته ألف دِينَار وَكَانَ دَائِما يَقُول صنفت مِائَتي ورقة أخذت عَنْهَا ألف دِينَار وَرفع خَبره إِلَى عضد الدولة فأعجب بِهِ وَزَاد مَوْضِعه عِنْده فَلَمَّا عَاد من الرّيّ دخل إِلَى بَغْدَاد بزِي جميل وَأمر مُطَاع وغلمان وحشم وخدم وصادف من عضد الدولة مَا يسره ويختاره قَالَ وحَدثني من أَثِق إِلَيْهِ أَنه دخل الْأَطِبَّاء ليهنئوه بوروده وسلامته فَقَالَ أَبُو الْحُسَيْن بن كشكرايا تلميذ سِنَان يَا أَبَا عِيسَى زرعنا وأكلت وأردناك تبعد فازددت قربا لِأَنَّهُ كَانَ كَمَا تقدم ذكره فَضَحِك جِبْرَائِيل من قَوْله وَقَالَ لَهُ لَيْسَ الْأُمُور إِلَيْنَا بل لَهَا مُدبر وَصَاحب وَأقَام بِبَغْدَاد مُدَّة ثَلَاث سِنِين واعتل خسروشاه بن مبادر ملك الديلم وآلت حَاله إِلَى المراقبة وَنحل جِسْمه وَقَوي استشعاره وَكَانَ عِنْده اثْنَا عشر طَبِيبا من الرّيّ وَغَيرهَا وَكلما عالجوه ازْدَادَ مَرضه فأنفذ إِلَى الصاحب يلْتَمس مِنْهُ طَبِيبا فَقَالَ مَا أعرف من يصلح لهَذَا الْأَمر إِلَّا أَبُو عِيسَى جِبْرَائِيل فَسَأَلَهُ مُكَاتبَته لما بَينهمَا من الْإِنْس وَكَاتب عضد الدولة يسْأَل إِنْفَاذه ويعلمه أَن حَاله قد آلت إِلَى أَمر لَا يحْتَمل الونية فِي ذَلِك فأنفذه مكرما فَلَمَّا وصل إِلَى الديلمي قَالَ لَهُ مَا أعالجك أَو ينْصَرف من حولك من أطباء فصرف الْأَطِبَّاء مكرمين وَأقَام عِنْده وَسَأَلَهُ أَن يعْمل فِي صُورَة الْمَرَض مقَالَة يقف على حَقِيقَته وتدبير يختاره ويعول عَلَيْهِ فَعمل لَهُ مقَالَة ترجمها فِي ألم الدِّمَاغ بمشاركة فَم الْمعدة والحجاب الْفَاصِل بَين آلَات الْغذَاء وآلات التنفس الْمُسَمّى ذيا فرغما وَلما اجتاز بالصاحب سَأَلَهُ عَن أفضل استقساط الْبدن فَقَالَ هُوَ الدَّم فَسَأَلَهُ أَن يعْمل لَهُ فِي ذَلِك كتابا يبرهن عَلَيْهِ فِيهِ فَعمل فِي ذَلِك مقَالَة مليحة بَين فِيهَا الْبَرَاهِين الَّتِي تدل على هَذَا وَكَانَ فِي هَذِه الْمدَّة مستعجلا للْعَمَل كناشة الْكَبِير وَلما عَاد إِلَى بَغْدَاد وَكَانَ عضد الدولة قد مَاتَ فَأَقَامَ بِبَغْدَاد سِنِين مشتغلا بالتصنيف فتمم كناشة الْكَبِير وَسَماهُ بالكافي بلقب الصاحب بن عباد لمحبته لَهُ ووقف مِنْهُ نُسْخَة على دَار الْعلم بِبَغْدَاد وَعمل كتاب الْمُطَابقَة بَين قَول الْأَنْبِيَاء والفلاسفة وَهُوَ كتاب لم يعْمل فِي الشَّرْع مثله لِكَثْرَة احتوائه على الْأَقَاوِيل وَذكر الْمَوَاضِع الَّتِي استخرجت مِنْهَا وَأكْثر فِيهِ من أَقْوَال الفلاسفة فِي كل معنى لغموضها وَقلة وجودهَا وقلل من الْأَقَاوِيل الشَّرْعِيَّة لظهورها وَكَثْرَة وجودهَا وَفِي هَذِه الْمدَّة عمل مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود جمع فِيهَا أَشْيَاء مِنْهَا جَوَاز النّسخ من أَقْوَال الْأَنْبِيَاء وَمِنْهَا شَهَادَات على صِحَة

стр. 199

مَجِيء الْمَسِيح وَأَنه قد كَانَ وأبطل انتظارهم لَهُ وَمِنْهَا صِحَة القربان بالخبز وَالْخمر وَعمل مقالات أخر كَثِيرَة صغَارًا مِنْهَا لم جعل من الْخمر قرْبَان وَأَصله محرم وَأَبَان علل التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَعرض لَهُ أَن سَافر إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَصَامَ بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا وَعَاد مِنْهُ إِلَى دمشق واتصل خَبره بالعزيز ﵀ وكوتب من الحضرة بِكِتَاب جميل فاحتج أَن لَهُ بِبَغْدَاد أَشْيَاء يمْضِي وينجزها وَيعود إِلَى الحضرة قَاصِدا ليفوز بِحَق الْقَصْد فحين عَاد إِلَى بَغْدَاد أَقَامَ بهَا وَعدل عَن الْمُضِيّ إِلَى مصر ثمَّ إِن ملك الديلم أنفذ خَلفه واستدعاه فَعِنْدَ حُصُوله بِالريِّ وقف بهَا نُسْخَة من كناشة الْكَبِير قَالَ وَبَلغنِي أَن البيمارستان يعْمل بهَا وَأَنه يعرف بِهِ بَين أطبائهم إِذا ذكر أَبُو عِيسَى صَاحب الكناش وَأقَام عِنْد ملك الديلم مُدَّة ثَلَاث سِنِين وَخرج من عِنْده على سَبِيل الْغَضَب وَكَانَ قد حلف لَهُ بِالطَّلَاق أَنه مَتى اخْتَار الِانْصِرَاف لَا يمنعهُ فَلم يُمكنهُ رده وَجَاء إِلَى بَغْدَاد وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ أَنه استدعي إِلَى الْموصل إِلَى حسام الدولة فعالجه من مرض كَانَ بِهِ وَجرى لَهُ مَعَه شَيْء استعظمه وَكَانَ أبدا يُعِيدهُ عَنهُ وَذَلِكَ أَنه كَانَت لَهُ امْرَأَة عليلة بِمَرَض حاد فَأَشَارَ بِحِفْظ القارورة وَاتفقَ أَنه عِنْد حسان الدولة وَقَالَ لَهُ هَذِه الأمرأة تَمُوت فانزعج لذَلِك وَنظرت الْجَارِيَة إِلَى انزعاجه وصرخت وخرقت ثِيَابهَا وَوَلَّتْ فاستدعاها فِي الْحَال وَقَالَ لَهَا جرى فِي أَمر هَذِه الأمرأة شَيْء لَا أعلمهُ فَحَلَفت أَنَّهَا لم تجَاوز التَّدْبِير فَقَالَ لَعَلَّكُمْ خضبتموها بِالْحِنَّاءِ قَالَت قد كَانَ ذَلِك فحرد وَقَالَ لِلْجَارِيَةِ أقوالا ثمَّ قَالَ لحسام الدولة أبشر بعد ثَلَاثَة أَيَّام تَبرأ فَكَانَ كَمَا قَالَ فَعظم هَذَا عِنْده وَكَانَ أبدا يُعِيدهُ ويتعجب مِنْهُ وَلما عَاد إِلَى بَغْدَاد كَانَ العميد لَا يُفَارِقهُ ويلازمه ويبايته فِي دَار الوزارة لأجل الْمَرَض الَّذِي كَانَ بِهِ وحظي لَدَيْهِ ثمَّ أَن الْأَمِير ممهد الدولة أنفذ إِلَيْهِ ولاطفه حَتَّى أصعد إِلَى ميافارقين فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ أكْرمه الْإِكْرَام الْمَشْهُور عِنْد كل من كَانَ يرَاهُ وَمن لطيف مَا جرى لَهُ مَعَه أَنه أول سنة ورد فِيهَا سقى الْأَمِير دَوَاء مسهلا وَقَالَ لَهُ يجب أَن تَأْخُذ الدَّوَاء سحرًا فَعمد الْأَمِير وَأَخذه أول اللَّيْل فَلَمَّا أصبح ركب إِلَى دَاره وَوصل إِلَيْهِ وَأخذ نبضه وَسَأَلَهُ عَن الدَّوَاء فَقَالَ لَهُ مَا عمل معي شَيْئا امتحانا لَهُ فَقَالَ جِبْرَائِيل النبض يدل على نَفاذ دَوَاء الْأَمِير وَهُوَ أصدق فَضَحِك ثمَّ قَالَ لَهُ كم ظَنك بالدواء فَقَالَ يعْمل مَعَ الْأَمِير خَمْسَة وَعشْرين مَجْلِسا وَمَعَ غَيره زَائِدا وناقصا فَقَالَ لَهُ عمل معي إِلَى الْآن ثَلَاثَة وَعشْرين مَجْلِسا فَقَالَ وَهُوَ يعْمل تَمام مَا قلت لَك ورتب مَا يَسْتَعْمِلهُ وَخرج من عِنْده مغضبا وَأمر أَن يشد رَحْله وَيصْلح أَسبَاب الِانْصِرَاف فَبلغ ممهد الدولة ذَلِك وانفذ إِلَيْهِ يستعلم خبر انْصِرَافه فَقَالَ مثلي لَا يجرب لأنني أشهر من أَن احْتَاجَ إِلَى تجربة فأرضاه وَحمل إِلَيْهِ بغلة ودراهم لَهَا قدر وَفِي هَذِه الْمدَّة كَاتبه ملك الديلم بكتب جميلَة يسْأَله فِيهَا الزِّيَارَة وَكَاتب ممهد الدولة يسْأَله فِي ذَلِك فَمنع من الْمُضِيّ وَأقَام فِي الْخدمَة ثَلَاث سِنِين وَتُوفِّي يَوْم الْجُمُعَة ثامن شهر رَجَب من شهور سنة

стр. 200

سِتّ وَتِسْعين وثلثمائة لِلْهِجْرَةِ وَكَانَ عمره خمْسا وَثَمَانِينَ سنة وَدفن بالمصلى بِظَاهِر ميافارقين ولجبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع من الْكتب كناشه الْكَبِير الملقب بالكافي خمس مجلدات أَلفه للصاحب بن عباد رِسَالَة فِي عصب الْعين مقَالَة فِي ألم الدِّمَاغ بمشاركة فَم الْمعدة والحجاب الْفَاصِل بَين آلَات الْغذَاء وآلات التنفس الْمُسَمّى ذيافرغما ألفها لخسروشاه بن مبادر ملك الديلم مقَالَة فِي أَن أفضل استقسات الْبدن هُوَ الدَّم ألفها للصاحب بن عباد كتاب الْمُطَابقَة بَين قَول الْأَنْبِيَاء والفلاسفة مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود مقَالَة فِي أَنه لم جعل من الْخمر قرْبَان وَأَصله محرم عبيد الله بن جِبْرَائِيل هُوَ أَبُو سعيد عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن عبد الله بن بختيشوع بن جِبْرَائِيل بن بختيشوع بن جورجس ابْن جِبْرَائِيل كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ مَشْهُورا بجودة الْأَعْمَال فِيهَا متقنا لأصولها وفروعها من جملَة المتميزين من أَهلهَا والعريقين من أَرْبَابهَا وَكَانَ جيد الْمعرفَة بِعلم النَّصَارَى ومذاهبهم وَله عناية بَالِغَة بصناعة الطِّبّ وَله تصانيف كَثِيرَة فِيهَا وَأقَام بميافارقين وَكَانَ معاصر ابْن بطلَان ويجتمع بِهِ ويأنس إِلَيْهِ وَبَينهمَا صُحْبَة وَتُوفِّي عبيد الله بن جِبْرَائِيل فِي شهور سنة نَيف وَخمسين وأربعماية ولعبيد الله بن جِبْرَائِيل من الْكتب مقَالَة فِي الِاخْتِلَاف بَين الألبان ألفها لبَعض أصدقائه فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وأربعماية كتاب مَنَاقِب الْأَطِبَّاء ذكر فِيهِ شَيْئا من أَحْوَالهم ومآثرهم وَكَانَ تأليفه لذَلِك فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة كتاب الرَّوْضَة الطبية كتب بِهِ إِلَى الْأُسْتَاذ أبي الْحسن مُحَمَّد بن عَليّ كتاب التواصل إِلَى حفظ التناسل أَلفه فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وأربعماية رِسَالَة إِلَى الْأُسْتَاذ أبي طَاهِر بن عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بِابْن قطرمين جَوَابا عَن مَسْأَلته فِي الطَّهَارَة ووجوبها رِسَالَة فِي بَيَان وجوب حَرَكَة النَّفس كتاب نَوَادِر الْمسَائِل مقتضبة من علم الْأَوَائِل فِي الطِّبّ كتاب تذكرة الْحَاضِر وَزَاد الْمُسَافِر كتاب الْخَاص فِي علم الْخَواص كتاب طبائع الْحَيَوَان وخواصها وَمَنَافع أعضائها أَلفه للأمير نصير الدولة خصيب كَانَ نَصْرَانِيّا من أهل الْبَصْرَة ومقامه بهَا وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ جيد المعالجة حدث مُحَمَّد بن سَلام الجُمَحِي قَالَ مرض الحكم بن مُحَمَّد بن قنبر الْمَازِني الشَّاعِر بِالْبَصْرَةِ فَأتوهُ بخصيب الطَّبِيب يعالجه فَقَالَ فِيهِ (وَلَقَد قلت لأهلي ... إِذْ أَتَوْنِي بخصيب)

стр. 201

(لَيْسَ وَالله خصيب ... للَّذي بِي بطبيب) (إِنَّمَا يعرف دأبي ... من بِهِ مثل الَّذِي بِي) الرمل وَحدث أَيْضا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ كَانَ خصيب الطَّبِيب نَصْرَانِيّا نبيلا فسقى مُحَمَّد بن أبي الْعَبَّاس السفاح شربة دَوَاء وَهُوَ على الْبَصْرَة فَمَرض مِنْهَا وَحمل إِلَى بَغْدَاد فَمَاتَ بهَا وَذَلِكَ فِي أول سنة خمسين وَمِائَة فأتهم خصيب فحبس حَتَّى مَاتَ فَنظر فِي علته إِلَى مائَة وَكَانَ عَالما فَقَالَ قَالَ جالينوس أَن صَاحب هَذِه الْعلَّة إِذا صَار هَكَذَا مَاؤُهُ لَا يعِيش فَقيل لَهُ إِن جالينوس رُبمَا أَخطَأ فَقَالَ مَا كنت إِلَى خطئه قطّ أحْوج مني إِلَيْهِ فِي هَذَا الْوَقْت وَمَات من علته عِيسَى الْمَعْرُوف بِأبي قُرَيْش قَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى ابْن ماسة قَالَ أَخْبرنِي يوحنا بن ماسويه أَن أَبَا قُرَيْش كَانَ صيدلانيا يجلس على مَوضِع نَحْو بَاب قصر الْخَلِيفَة وَكَانَ دينا صَالحا فِي نَفسه وَأَن الخيزران جَارِيَة الْمهْدي وجهت بِمَائِهَا مَعَ جَارِيَة لَهَا إِلَى الطَّبِيب فَخرجت الْجَارِيَة من الْقصر فأرت أَبَا قُرَيْش المَاء فَقَالَ لَهَا هَذَا مَاء امْرَأَة حُبْلَى بِغُلَام فَرَجَعت الْجَارِيَة بالبشارة فَقَالَت لَهَا ارجعي إِلَيْهِ واستقصي الْمَسْأَلَة عَلَيْهِ فَرَجَعت فَقَالَت لَهَا مَا قلت لَك حق وَلَكِن لي عَلَيْك الْبُشْرَى فَقَالَت كم تريدين الْبُشْرَى قَالَ جامة فالوذج وخلعة سنية فَقَالَت لَهَا إِن كَانَ هَذَا حَقًا فقد سقت إِلَى نَفسك خير الدُّنْيَا وَنَعِيمهَا وانصرفت فَلَمَّا كَانَ بعد أَرْبَعِينَ يَوْمًا أحست الخيزران بِالْحملِ فوجهت ببدرة دَرَاهِم وكتمت الْخَبَر عَن الْمهْدي فَلَمَّا مَضَت الْأَيَّام ولدت مُوسَى أَخا هرون الرشيد فَعِنْدَ ذَلِك أعلمت الْمهْدي وَقَالَت لَهُ إِن طَبِيبا على الْبَاب أخبر بِهَذَا مُنْذُ تِسْعَة أشهر وَبلغ الْخَبَر جورجس بن جِبْرَائِيل فَقَالَ كذب ومخرقة فَغضِبت لَهُ الخيزران وَأمرت فَاتخذ بَين يَديهَا مائَة خوان فالوذج ووجهت بذلك إِلَيْهِ مَعَ مائَة ثوب وَفرس بسرجه ولجامه وَمَا مضى بعد ذَلِك إِلَّا قَلِيل حَتَّى حبلت بأَخيه هرون الرشيد فَقَالَ جورجس للمهدي جرب أَنْت هَذَا الطَّبِيب فَوجه إِلَيْهِ بِالْمَاءِ فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ هَذَا مَاء ابْنَتي أم مُوسَى وَهِي حُبْلَى بِغُلَام آخر فَرَجَعت الرسَالَة بذلك إِلَى الْمهْدي وَأثبت الْيَوْم عِنْده فَلَمَّا مَضَت الْأَيَّام ولدت هرون فَوجه الْمهْدي إِلَى أبي قُرَيْش فَأحْضرهُ وأقيم بَين يَدَيْهِ فَلم يزل يطْرَح عَلَيْهِ الْخلْع ويدر الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم

стр. 202

حَتَّى علت رَأسه وسير هرون ومُوسَى فِي حجره وكناه أَبَا قُرَيْش أَي أَبَا الْعَرَب وَقَالَ لجورجس هَذَا شَيْء أَنا بنفسي جربته فَصَارَ أَبُو قُرَيْش نَظِير جرجس بن جِبْرَائِيل بل أكبر مِنْهُ حَتَّى تقدمه فِي الْمرتبَة وَتُوفِّي الْمهْدي واستخلف هرون الرشيد وَتُوفِّي جرجس وَسَار ابْنه تبع أبي قُرَيْش فِي خدمَة الرشيد وَمَات أَبُو قُرَيْش وَخلف اثْنَيْنِ وَعشْرين ألف دِينَار مَعَ نعْمَة سنية وَقَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي الْعَبَّاس بن عَليّ بن الْمهْدي أَن الرشيد اتخذ مَسْجِدا جَامعا فِي بُسْتَان مُوسَى الْهَادِي وَأمر أخوته وَأهل بَيته بِحُضُورِهِ فِي كل يَوْم جُمُعَة ليتولى الصَّلَاة بهم فِيهِ قَالَ فَحَضَرَ وَالِدي عَليّ بن الْمهْدي ذَلِك الْمَسْجِد فِي يَوْم حَار وَصلى فِيهِ وَانْصَرف إِلَى دَاره بسوق يحيى فكسبه حر ذَلِك الْيَوْم صداعا كَاد يذهب ببصره فأحضر لَهُ جَمِيع متطببي مَدِينَة السَّلَام وَكَانَ آخر من احضر مِنْهُم عِيسَى أَبُو قُرَيْش فوافاهم قد اجْتَمعُوا للمناظرة فَقَالَ لَيْسَ يتَّفق لجَماعَة رَأْي حَتَّى يذهب بصر هَذَا ثمَّ دَعَا بدهن بنفسج وَمَاء ورد وخل خمر وثلج فَجعل فِي مضربة من ذَلِك الدّهن بِقدر وزن دِرْهَمَيْنِ وصب عَلَيْهِ شَيْئا من الْخلّ وشيئا من المَاء وفت فِيهِ شَيْئا من الثَّلج وحرك المضربة حَتَّى اخْتَلَط جَمِيع مَا فِيهَا ثمَّ أَمر بتصبير راحه مِنْهُ وسط رَأسه وَالصَّبْر عَلَيْهِ حَتَّى ينشفه الرَّأْس ثمَّ زِيَادَة رَاحَة أُخْرَى فَلم يزل يفعل ذَلِك ثَلَاث مَرَّات أَو أَربع حَتَّى سكن عَنهُ الصداع وعوفي من الْعلَّة قَالَ يُوسُف وحدثتني شكْلَة أم إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي أَن الْمهْدي هتف بهَا وَهِي مَعَه فِي مضربه بالربدة من طَرِيق مَكَّة بِلِسَان متغير أنكرته فَصَارَت إِلَيْهِ وَهُوَ مستلق على الْقَفَا فَأمرهَا بِالْجُلُوسِ فَلَمَّا جَلَست وثب فعانقها معانقة الْإِنْسَان لمن يسلم عَلَيْهِ ثمَّ عبرها إِلَى صَدره وَزَالَ عَنهُ عقله فجهد جَمِيع من حضرها بِأَن يخلص يَدَيْهِ من عُنُقهَا فَمَا وصلوا إِلَى ذَلِك وَحضر المتطببون فَأَجْمعُوا على أَن الَّذِي بِهِ فالج فَقَالَ عِيسَى أَبُو قُرَيْش الْمهْدي بن الْمَنْصُور بن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْعَبَّاس يضْربهُ فالج لَا وَالله لَا يضْرب أحدا من هَؤُلَاءِ وَلَا نسلهم فالج أبدا إِلَّا أَن يبذروا بذورهم فِي الروميات والصقلبيات وَمَا أشبههن فَيعرض الفالج لمن وَلَده الروميات وأشباههن من نسلهم ثمَّ دَعَا بالحجام فحجمه فوَاللَّه مَا أَن خرج من دَمه إِلَّا محجمة وَاحِدَة حَتَّى رد إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثمَّ تكلم مَعَ المحجمة الثَّانِيَة ثمَّ ثاب إِلَيْهِ عقله قبل فرَاغ الْحجام من حجامته ثمَّ طعم بعد ذَلِك ودعا بِأم أَسمَاء بنت الْمهْدي فواقعها فأحبلها بأسماء قَالَ يُوسُف وَلما اشتدت بإبراهيم بن الْمهْدي علته الَّتِي توفّي فِيهَا استرخى لحيه وَغلظ لِسَانه فِي فِيهِ فصعب عَلَيْهِ الْكَلَام وَكَانَ إِذا تكلم توهمه سامعه مفلوجا فدعاني وَقت صَلَاة الْعَصْر من يَوْم الثُّلَاثَاء لست خلون من شهر رَمَضَان سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فَقَالَ لي أما تعجب من عرض هَذِه

стр. 203

الْعلَّة الَّتِي لم تعرض لأحد من ولد أبي غير إِسْمَاعِيل بن مُوسَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمُحَمّد بن صَالح الْمِسْكِين وَإِنَّمَا عرضت لمُحَمد لِأَن أمه كَانَت رُومِية وَأم أَبِيه كَانَت كَذَلِك وَكَانَت أم إِسْمَاعِيل رُومِية وَأَنا فَلم تلدني رُومِية فَمَا الْعلَّة عنْدك فِي عرض هَذِه الْعلَّة لي فَعلمت أَنه كَانَ حفظ عَن أمه قَول عِيسَى أبي قُرَيْش فِي الْمهْدي وَولده أَنه لَا يعرف لعقبة الفالج إِلَّا أَن يبذروا بذورهم فِي الروميات وَأَنه قد أمل أَن يكون الَّذِي بِهِ فالجا لَا عَارض الْمَوْت فَقلت لَا أعرف لإنكارك هَذِه الْعلَّة معنى إِذْ كَانَت أمك الَّتِي قَامَت عَنْك دنباوندية ودنباوند أَشد بردا من كل أَرض الرّوم فَكَأَنَّهُ تفرج إِلَى قولي وصدقني وَأظْهر السرُور بِمَا سمع مني ثمَّ توفّي فِي وَقت طُلُوع الْفجْر من يَوْم الْجُمُعَة لتسْع خلون من شهر رَمَضَان قَالَ يُوسُف وحَدثني إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن لحم عِيسَى بن جَعْفَر بن الْمَنْصُور كثر عَلَيْهِ حَتَّى كَاد أَن يَأْتِي على نَفسه وَأَن الرشيد اغتم لذَلِك غما شَدِيدا أضرّ بِهِ فِي بدنه وَمنعه لَذَّة الْمطعم وَالْمشْرَب وَأمر جَمِيع المتطببين بمعالجته فكلهم دفع أَن يكون عِنْده فِي ذَلِك حِيلَة فزادوا الرشيد غما إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ وَأَن عِيسَى الْمَعْرُوف بِأبي قُرَيْش صَار إِلَى الرشيد سرا فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أَخَاك عِيسَى بن جَعْفَر رزق معدة صَحِيحَة وبدنا قَابلا للغذاء أحسن قبُول وَجَمِيع الْأُمُور جَارِيَة لَهُ بِمَا يحب فَلَيْسَ يتَمَنَّى شَيْئا إِلَّا تمّ لَهُ على أَكثر مِمَّا يُحِبهُ وَقد وقِي موت أحبته وَدخُول النَّقْص فِي مَاله وَالظُّلم من نَاحيَة سُلْطَانه وَالِاسْتِقْصَاء عَلَيْهِ والأبدان مَتى لم تختلط على أَصْحَابهَا طبائعهم وأحوالهم فتنالهم الْعِلَل فِي بعض الْأَوْقَات وَالصِّحَّة فِي بَعْضهَا والغموم فِي بَعْضهَا وَالسُّرُور فِي بَعْضهَا ورؤية المكاره فِي بَعْضهَا والمحاب فِي بَعْضهَا وَتدْخلهَا الروعة أَحْيَانًا والفرح أَحْيَانًا لم يُؤمن على صَاحبهَا التّلف لِأَن لَحْمه يزْدَاد حَتَّى تضعف عَن حمله الْعِظَام وَحَتَّى يغمر فعل النَّفس وَتبطل قوى الدِّمَاغ والكبد وَمَتى كَانَ هَذَا عدمت الْحَيَاة وأخوك هَذَا إِن لم تظهر موجدة عَلَيْهِ أَو تغير لَهُ أَو تقصده بِمَا ينكي قلبه من حِيَازَة مَال أَو أَخذ عَزِيز عَلَيْهِ من حرمه لم آمن عَلَيْهِ تزايد هَذَا الشَّحْم حَتَّى يتأتي على نَفسه فَإِن أَحْبَبْت حَيَاته فافعل ذَلِك بِهِ وَإِلَّا فَلَا أَخ لَك فَقَالَ الرشيد أَنا أعلم أَن الَّذِي ذكرت على مَا قلت غير أَنه لَا حِيلَة عِنْدِي فِي التَّغَيُّر لَهُ أَو غمه بِشَيْء من الْأَشْيَاء فَإِن تكن عنْدك حِيلَة فِي أمره فاحتل بهَا فَإِنِّي أكافئك عَنهُ مَتى رَأَيْت لَحْمه قد انحط بِعشْرَة آلَاف دِينَار وآخذ لَك مِنْهُ مثلهَا فَقَالَ عِيسَى عِنْدِي حِيلَة إِلَّا أَنِّي أَتَخَوَّف أَن يعجل على عِيسَى بِالْقَتْلِ فتتلف نَفسِي فليوجه معي أَمِير الْمُؤمنِينَ خَادِمًا جَلِيلًا من خدمه وَمَعَهُ جمَاعَة يمنعونه مني إِن أَمر بقتلي فَفعل ذَلِك بِهِ وَسَار إِلَيْهِ فجسه وأعلمه أَنه يضْطَر إِلَى مجسة عرقه ثَلَاثَة أَيَّام قبل أَن يذكر لَهُ شَيْئا من العلاج فَأمره عِيسَى بالانصراف وَالْعود إِلَيْهِ فَفعل ذَلِك وَعَاد فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالثَّالِث فَلَمَّا فرغ من مجسة عرقه قَالَ لَهُ إِن الْوَصِيَّة مباركة وَهِي غير مُقَدّمَة

стр. 204

وَلَا مؤخرة وَأَنا أرى للأمير أَن يعْهَد فَإِن لم يحدث حَادث قبل أَرْبَعِينَ يَوْمًا عالجته فِي ذَلِك بعلاج لَا يمْضِي بِهِ إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام حَتَّى يخرج من علته هَذِه وَيعود بدنه إِلَى أحسن مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ ونهض من مَجْلِسه وَقد أسكن قلب عِيسَى من الْخَوْف مَا امْتنع لَهُ من أَكثر الْغذَاء وَمنعه من النّوم فَلم يبلغ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى انحط من منطقته خمس بشيزجات واستتر عِيسَى أَبُو قُرَيْش فِي تِلْكَ الْأَيَّام عَن الرشيد خوفًا من إِعْلَام الرشيد عِيسَى بن جَعْفَر تَدْبِير عِيسَى المتطبب لإسكان الْغم قلبه فَيفْسد عَلَيْهِ تَدْبيره فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة يَوْم الْأَرْبَعين سَار إِلَى الرشيد وأعلمه أَنه لَا يشك فِي نُقْصَان بدن عِيسَى وَسَأَلَهُ إِحْضَاره مَجْلِسه أَو الرّكُوب إِلَيْهِ فَركب إِلَيْهِ الرشيد فَدخل عَلَيْهِ وَمَعَهُ عِيسَى فَقَالَ لَهُ عِيسَى أطلق لي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قتل هَذَا الْكَافِر فقد قتلني واحضر منطقته فشدها فِي وَسطه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نقص هَذَا الْعَدو وَالله من بدني بِمَا ادخل عَليّ من الروع خمس بشيزجات فَسجدَ الرشيد شكرا لله وَقَالَ لَهُ يَا أخي متعت بك بِأبي عِيسَى وَكَانَ الرشيد كثيرا مَا يَقُول لَهُ بِأبي عِيسَى ردَّتْ إِلَيْك بعد الله الْحَيَاة وَنعم الْحِيلَة احتال لَك وَقد أمرت لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِينَار فأوصل إِلَيْهِ مثلهَا فَفعل ذَلِك لَهُ وَانْصَرف المتطبب إِلَى منزله بِالْمَالِ وَلم يرجع إِلَى عِيسَى بن جَعْفَر ذَلِك الشَّحْم إِلَى أَن فَارق الدُّنْيَا قَالَ يُوسُف وحَدثني إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَنه اعتل بالرقة مَعَ الرشيد عِلّة صعبة فَأمر الرشيد بحدره إِلَى والدته بِمَدِينَة السَّلَام فَكَانَ بختيشوع جد بختيشوع الَّذِي كَانَ فِي دَهْرنَا هَذَا لَا يزايله ويتولى علاجه ثمَّ قدم الرشيد مَدِينَة السَّلَام وَمَعَهُ عِيسَى أَبُو قُرَيْش فَذكر أَن أَبَا قُرَيْش أَتَاهُ عَائِدًا فَرَأى الْعلَّة قد أذهبت لَحْمه وأذابت شحمه وأسارته إِلَى الْيَأْس من نَفسه وَكَانَ أعظم مَا عَلَيْهِ فِي علته شدَّة الْحمة قَالَ أَبُو إِسْحَق فَقَالَ لي عِيسَى وَحقّ الْمهْدي لأعالجنك غَدا علاجا يكون بِهِ برؤك قبل خروجي من عنْدك ثمَّ دَعَا القهرمان بعد خُرُوجه فَقَالَ لَهُ لَا تدع بِمَدِينَة السَّلَام أسمن من ثَلَاثَة فراريج كسكرية تذبحها السَّاعَة وتعلقها فِي ريشها حَتَّى آمُرك فِيهَا بأَمْري غَدَاة غَد ثمَّ بكر إِلَيّ وَمَعَهُ ثَلَاث بطيخات رمشية قد بردهَا فِي الثَّلج ليلته كلهَا فَلَمَّا دخل عَليّ دَعَا بسكين فَقطع لي من إِحْدَاهُنَّ قِطْعَة ثمَّ قَالَ لي كل هَذِه الْقطعَة فأعلمته أَن بختيشوع كَانَ يحميني من رَائِحَة الْبِطِّيخ فَقَالَ لي لذَلِك طَالَتْ علتك فَكل فَإِنَّهُ لَا بَأْس عَلَيْك فَأكلت الْقطعَة إلتذاذا مني لَهَا ثمَّ أَمرنِي بِالْأَكْلِ فَلم أزل آكل حَتَّى استوفيت بطيختين ثمَّ انْتَهَت نَفسِي فَقطع من الثَّالِثَة قِطْعَة وَقَالَ جَمِيع مَا أكلت للذة فَكل هَذِه الْقطعَة للعلاج فَأَكَلتهَا بتكره ثمَّ قطع قِطْعَة أُخْرَى وَأَوْمَأَ إِلَى الغلمان بإحضار الطشت وَقَالَ لي كل هَذِه الْقطعَة أَيْضا فَمَا أكلت ثلثهَا حَتَّى جَاشَتْ نَفسِي وذرعني الْقَيْء فتقيأت أَرْبَعَة أَضْعَاف مَا أكلت من الْبِطِّيخ وكل ذَلِك مرّة صفراء ثمَّ أُغمي عَليّ بعد ذَلِك الْقَيْء وَغلب عَليّ الْعرق وَالنَّوْم إِلَى بعد صَلَاة الظّهْر فانتبهت وَمَا أَعقل جوعا وَقد كَانَت شَهْوَة الطَّعَام ممتنعة مني فدعوت بِشَيْء آكله فأحضرني الفراريج الثَّلَاثَة وَقد طبخ لي مِنْهَا

стр. 205

سكباج وأجادها طهاتها فَأكلت مِنْهَا حَتَّى تضلعت ونمت بعد أكلي إِلَى آخرأوقات الْعَصْر ثمَّ قُمْت وَمَا أجد من الْعلَّة قَلِيلا وَلَا كثيرا واتصل بِي الْبُرْء فَمَا عَادَتْ إِلَيّ تِلْكَ الْعلَّة مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم اللَّجْلَاج قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن أبي سهل بن نوبخت أَن أَبَاهُ أَبَا سهل حَدثهُ أَن الْمَنْصُور لما حج حجَّته الَّتِي توفّي فِيهَا رافق ابْن اللَّجْلَاج متطبب الْمَنْصُور فَكَانَا مَتى نَام الْمَنْصُور تنادما إِلَى أَن سَأَلَ ابْن اللَّجْلَاج وَقد عمل فِيهِ النَّبِيذ أَبَا سهل عَمَّا بَقِي من عمر الْمَنْصُور قَالَ إِسْمَاعِيل فأعظم ذَلِك وَالِدي وَقطع النَّبِيذ وَجعل على نَفسه أَن لَا ينادمه وهجره ثَلَاثَة أَيَّام ثمَّ اصطلحا بعد ذَلِك فَلَمَّا جلسا على نبيذهما قَالَ ابْن اللَّجْلَاج لأبي سهل سَأَلتك عَن علمك بِبَعْض الْأُمُور فبخلت بِهِ وهجرتني وَلست أبخل عَلَيْك بعلمي فاسمعه ثمَّ قَالَ إِن الْمَنْصُور رجل محرور تزداد يبوسة بدنه كلما أسن وَقد حلق رَأسه بِالْحيرَةِ وَجعل مَكَان الشّعْر الَّذِي حلقه غَالِيَة وَهُوَ فِي هَذَا الْحجاز يداوم الغالية وَمَا يقبل قولي فِي تَركهَا وَلَا أَحْسبهُ يبلغ إِلَى قيد حَتَّى يحدث فِي دماغه من اليبس مَا لَا يكون عِنْدِي وَلَا عِنْد أحد من المتطببين حِيلَة فِي ترطيبه فَلَيْسَ يبلغ فيد إِن بلغَهَا إِلَّا مَرِيضا وَلَا يبلغ مَكَّة إِن بلغَهَا وَبِه حَيَاة قَالَ إِسْمَاعِيل قَالَ لي وَالِدي فوَاللَّه مَا بلغ الْمَنْصُور فيد إِلَّا وَهُوَ عليل وَمَا وافى مَكَّة إِلَّا وَهُوَ ميت فَدفن ببئر مَيْمُون قَالَ يُوسُف فَحدثت إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِهَذَا الحَدِيث فَاسْتَحْسَنَهُ وسألني عَن اسْم أبي سهل بن نوبخت فأعلمته بِأَنِّي لَا أعرفهُ فَقَالَ إِن الْخَبَر فِي اسْمه أطرف من حَدِيثك الَّذِي حَدَّثتنِي عَن ابْنه فاحفظ عني ثمَّ قَالَ لي حَدثنِي أَبُو سهل بن نوبخت أَنه لما ضعف عَن خدمَة الْمَنْصُور أمره الْمَنْصُور بإحضار وَلَده ليقوم مقَامه قَالَ أَبُو سهل فأدخلت على الْمَنْصُور فَلَمَّا مثلت بَين يَدَيْهِ قَالَ لي تسم لأمير الْمُؤمنِينَ فَقلت خرخشا ذماه طيماذاه ماذرياد خسرو بهمشاذ فَقَالَ لي كل مَا ذكرت اسْمك قلت نعم فَتَبَسَّمَ ثمَّ قَالَ لي مَا صنع أَبوك شَيْئا فاختر مني خلة من خلتين قلت وَمَا هما قَالَ أما أَن اقْتصر بك من كل مَا ذكرت على طيماذ وَأما أَن أجعَل لَك كنية تقوم مقَام الِاسْم وَهِي أَبُو سهل قَالَ أَبُو سهل قد رضيت بالكنية فَثَبت كنيته وَبَطل اسْمه فَحدث بِهَذَا الحَدِيث إِسْمَاعِيل بن أبي سهل فَقَالَ صدق أَبُو إِسْحَق كَذَا حَدثنِي وَالِدي

стр. 206

عبد الله الطيفوري كَانَ حسن الْعقل طيب الحَدِيث على لكنة سوادية كَانَت فِي لِسَانه شَدِيدَة لِأَن مولده كَانَ فِي بعض قرى كسكر كَانَ من أحظى خلق الله عِنْد الْهَادِي قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي الطيفوري أَنه كَانَ متطببا لطيفور الَّذِي كَانَ يَقُول أَنه أَخُو الخيزران وَالنَّاس يَقُولُونَ أَو أَكْثَرهم أَنه مولى الخيزران وَلما وَجه الْمَنْصُور الْمهْدي إِلَى الرّيّ لمحاربة سنقار حمل الْمهْدي الخيزران وَهِي حَامِل بمُوسَى وَخرج طيفور مَعهَا وأخرجني مَعَه وَلم تكن الخيزران علمت بِمَا رزقت من الْحمل وَكَانَ عِيسَى الْمَعْرُوف بِأبي قُرَيْش صيدلانيا فِي الْعَسْكَر فَلَمَّا تبينت الخيزران ارْتِفَاع الْعلَّة بعثت بِمَائِهَا مَعَ عَجُوز مِمَّن مَعهَا وَقَالَت لَهُ أعرضي هَذَا المَاء على جَمِيع المتطببين الَّذين فِي عَسْكَر الْمهْدي وَجَمِيع من ينظر فِي ذَلِك فَفعلت الْعَجُوز وَكُنَّا فِي ذَلِك الْوَقْت بهمدان واجتازت فِي منصرفها بخيمة عِيسَى فرأت جمَاعَة من غلْمَان أهل الْعَسْكَر وقوفا يعرضون عَلَيْهِ قَوَارِير المَاء فَكرِهت أَن تجوزه قبل أَن ينظر إِلَى المَاء فَقَالَ لَهَا عِنْد نظره إِلَى المَاء هَذَا مَاء امْرَأَة وَهِي حَامِل بِغُلَام فأدت الْعَجُوز عَنهُ مَا قَالَ إِلَى الخيزران فسجدت شكرا لله وأطلقت عدَّة مماليك وسارت إِلَى الْمهْدي فَأَخْبَرته بِمَا قَالَت الْعَجُوز فأظهر من السرُور بذلك أَكثر من سرورها وَأمر بإحضار عِيسَى وَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَت الْعَجُوز فَأعلمهُ أَن الْأَمر على مَا ذكرت فوصله ووصلته الخيزران بِمَال جليل وَأمره بِلُزُوم الْخدمَة وَترك خيمته وَمَا كَانَ فِيهَا من مَتَاع الصيادلة قَالَ الطيفوري فَأَرَادَ طيفور أَن يَنْفَعنِي فَأرْسل إِلَى خيزران إِن متطببي ماهر بصناعة الطِّبّ فابعثي إِلَيْهِ بِالْمَاءِ حَتَّى يرَاهُ فَفعلت ذَلِك فِي الْيَوْم الثَّانِي فَقَالَ لي قل مثل قَول عِيسَى فأعلمته أَن المَاء يدل على أَنَّهَا حَامِل فَأَما تَمْيِيز الْغُلَام من الْجَارِيَة فَذَلِك مَا لَا أقوله فجهد بِي كل الْجهد أَن أُجِيبهُ إِلَى ذَلِك فَلم أفعل صِيَانة لنَفْسي عَن الِاكْتِسَاب بالمخرقة فَأدى قولي إِلَيْهَا فَأمرت لي بِأَلف دِرْهَم وَاحِد وَأمرت بملازمتها فَلَمَّا وافت الرّيّ ولدت بهَا الْهَادِي وَصَحَّ عِنْد الْمهْدي أَن أَبَا قُرَيْش عنين بعد أَن امتحن بِكُل محنة فسر بذلك وأحظاه وَتقدم عِنْده على جَمِيع الخصيان وَكَانَ ذَلِك من أَسبَاب الصنع لي فضممت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ مُوسَى ودعيت متطببه وَهُوَ رَضِيع وفطيم ثمَّ ولدت هرون الرشيد بِالريِّ أَيْضا فَكَانَ مولده كَانَ شؤما على الْهَادِي لِأَن الحظوة كلهَا أَو أَكْثَرهَا صَارَت لَهُ دونه فأضر بِي ذَلِك فِي جاهي وَمَا كنت فِيهِ من كَثْرَة الدخل إِلَى أَن ترعرع مُوسَى ففهم الْأَمر فَكَانَ ذَلِك مِمَّا زَاد فِي جاهي وَجَمِيل رَأْيه فِي فَكَانَ ينيلني من أفضاله أَكثر مِمَّا كَانَت الخيزران تنيلنيه وَفتح الله على الْمهْدي وَقتل سنقار وطراحته شهريار أَبَا مهرويه وخلد وبسخنز

стр. 207

أَبَا الْحَرْث بن بنسخنز والربعين وسبى ذَرَارِيهمْ فَكَانَ من ذَلِك السَّبي مهرويه وخلد وقرابتهما شاهك وَكَانَت على مائدة شهريار وَهِي أم السندي ابْن شاهك وَكَانَ مِنْهُم الْحَرْث بن بسخنز وَجَمِيع هَؤُلَاءِ الموَالِي الرازيين ثمَّ أدْرك الْهَادِي وأفضت الْخلَافَة إِلَى الْمهْدي فاتصل بِي الْأَمر وَعظم قدري لِأَنِّي صرت متطبب ولي الْعَهْد ثمَّ ملك الْهَادِي أمة الْعَزِيز فَكَانَت أعز عَلَيْهِ من جلدَة مَا بَين عَيْنَيْهِ وَهِي أم جَعْفَر وَعبد الله وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَعِيسَى الْمَعْرُوف بالجرجاني ومُوسَى الْأَعْمَى وَأم عِيسَى زوج الْمَأْمُون وَأم مُحَمَّد وَعبيد الله ابْنَتَيْهِ فبناني مُوسَى الْهَادِي جَمِيع وَلَدهَا وَأعلم أمة الْعَزِيز أَنه يتبرك بِي فنلت مها أَكثر من أملي مِمَّا كَانَ من الْهَادِي ثمَّ دبر الْهَادِي الْبيعَة لِابْنِهِ جَعْفَر ابْن مُوسَى فدعاني قبل الْبيعَة بِيَوْم فَخلع عَليّ وحملني على دَابَّة من دَوَاب رَحْله بسرجه ولجامه وَأمر لي بِمِائَة ألف حملت إِلَى منزلي وَقَالَ لَا تَبْرَح الدَّار بَاقِي يَوْمك وليلتك وَأكْثر نَهَار غدك حَتَّى أبايع لابنك جَعْفَر فتنصرف إِلَى مَنْزِلك وَأَنت أنبل النَّاس لِأَنَّك توليت تربية ابْن خَليفَة صَار ولي الْعَهْد وَولي ولي الْعَهْد الْخلَافَة فربيت ابْنه إِلَى أَن صَار ولي عَهده وَبلغ أمة الْعَزِيز الْخَبَر فَفعلت بِي مثل الَّذِي فعل الْهَادِي من الصِّلَة وحملت إِلَى منزلي ثِيَاب صِحَاح وَلم تحملنِي على دَابَّة وأقمت فِي الدَّار بعيساباذ إِلَى أَن طلعت الشَّمْس من غَد الْيَوْم الَّذِي نلْت فِيهِ مَا نلْت ثمَّ جلس الْهَادِي وَقد أحضر جَمِيع بني هَاشم فَأخذت عَلَيْهِم الْبيعَة لجَعْفَر وأحلفوا عَلَيْهَا وعَلى خلع الرشيد ثمَّ آل زَائِدَة فَكَانَ يزِيد بن مزِيد أول من خلع الرشيد وَبَايع جَعْفَر بعده ثمَّ شرَاحِيل بن معن بن زَائِدَة وَأهل بَيته ثمَّ سعيد بن سلم بن قُتَيْبَة بن مُسلم ثمَّ آل مَالك وَكَانَ أول من بَايع مِنْهُم عبد الله ثمَّ الصَّحَابَة وَسَائِر مَشَايِخ الْعَرَب ثمَّ القواد فَمَا انتصف النَّهَار إِلَّا وَقد بَايع أَكثر القواد وَكَانَ فِي القواد هرثمة بن أعين ولقبه المشؤوم وَكَانَ الْمَنْصُور قد قوده على خَمْسمِائَة وَلم يكن لَهُ حَرَكَة بعد أَن قَود فَتوفي أَكثر أَصْحَابه وَلم يثبت لَهُ مَكَان من توفّي مِنْهُم فأحضروه وأمروه بالبيعة فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لمن أبايع فَقَالَ لَهُ لجَعْفَر بن أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ إِن يَمِيني مَشْغُولَة ببيعة أَمِير الْمُؤمنِينَ وشمالي مَشْغُولَة ببيعة هرون فأبايع بِمَاذَا فَقَالَ لَهُ تخلع هَارُون وتبايع جعفرا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا رجل أدين بنصيحتك ونصيحة الْأَئِمَّة مِنْكُم أهل الْبَيْت وَبِاللَّهِ لَو تخوفت أَن تحرقني على صدقي إياك بالنَّار لما حجزني ذَلِك عَن صدقك إِن الْبيعَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا هِيَ إِيمَان وَقد حَلَفت لهارون بِمثل مَا تستحلفني بِهِ لجَعْفَر وَإِن خلعت الْيَوْم هَارُون خلعت جَعْفَر فِي غَد وَكَذَلِكَ جَمِيع من حلف لهرون على هَذَا فغدر بِهِ قَالَ فاستشاط مُوسَى من قَوْله وَأمر بوجء عُنُقه وتسرعت جمَاعَة من الموَالِي والقواد نَحوه بالجررة والعمد فنهاهم

стр. 208

الْهَادِي عَنهُ ثمَّ عاوده الْأَمر بالبيعة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قولي هَذَا قولي الأول فزبره الْهَادِي وَقَالَ لَهُ اخْرُج إِلَى لعنة الله لَا بَايَعت وَلَا بَايع أَصْحَابك ألف سنة ثمَّ أَمر بِإِخْرَاجِهِ من الدَّار بعيساباذا وَإِسْقَاط قيادته وَقَالَ أَطْلقُوهُ لينفد حَيْثُ أحب لَا صَحبه الله وَلَا كلأه ثمَّ وجم مِقْدَار نصف سَاعَة لَا يَأْمر وَلَا ينْهَى ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ ليندون خادمه الْحق الْفَاجِر فَقَالَ لَهُ الْحَقْهُ فأصنع بِهِ مَاذَا فَقَالَ ترده على أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ فَلحقه يندون فِيمَا بَين بَاب خُرَاسَان وَبَاب بردَان بِالْقربِ من الْموضع الْمَعْرُوف بِبَاب النقب وَهُوَ يُرِيد منزله على نهر الْمهْدي فَرده فَلَمَّا دخل قَالَ لَهُ يَا حائك تبَايع أهل بَيت أَمِير الْمُؤمنِينَ فيهم عَم جده وَعم أَبِيه وعمومته وَإِخْوَته وَسَائِر لحْمَته وتبايع وُجُوه الْعَرَب والموالي والقواد وَتمسك أَنْت عَن الْبيعَة فَقَالَ هرثمة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمَا حَاجَتك إِلَى بيعَة الحائك بعد بيعَة من ذكرت من أَشْرَاف النَّاس أَلا إِن الْأَمر على مَا حكيت لَك أَنه لَا يخلع الْيَوْم أحد هرون وَيبقى فِي غَد لجَعْفَر قَالَ الطيفوري فَالْتَفت الْهَادِي إِلَى من حضر مَجْلِسه فَقَالَ لَهُم شَاهَت الْوُجُوه صدق وَالله هرثمة وبر وغدرتم وَأمر الْهَادِي عِنْد هَذَا الْكَلَام لهرثمة بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم وأقطعه الْموضع الَّذِي لحقه فِيهِ يندون فَسُمي ذَلِك الْموضع عَسْكَر هرثمة إِلَى هَذِه الْغَايَة وَانْصَرف النَّاس كلهم فِي أَمر عَظِيم من أَمر ذِي قدر قد غمه مَا لقِيه بِهِ الْخَلِيفَة وَمِمَّا يتوقعه من الْبلَاء إِن حدث بالهادي حَادث لمسارعتهم إِلَى خلع الرشيد وَمن بطانته لجَعْفَر قد كَانُوا أملوا خلَافَة صَاحبهمْ والغنى بِمَا قد قلد مِنْهَا فصاروا يتخوفون على نفس صَاحبهمْ التّلف وعَلى أنفسهم أَن سلمُوا من الْقَتْل وَالْبَلَاء والفقر وَدخل مُوسَى الْهَادِي على أمة الْعَزِيز فَقَالَت لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أَحسب أحدا عاين وَلَا سمع بِمثل مَا عاينا وَسَمعنَا فَإنَّا أَصْبَحْنَا فِي غَايَة الأمل لهَذَا الْفَتى وأمسينا على غَايَة الْخَوْف عَلَيْهِ فَقَالَ إِن الْأَمر لعلى مَا ذكرت وَأَزِيدك وَاحِدَة قَالَت وَمَا هِيَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ أمرت برد هرثمة لأضرب عُنُقه فَلَمَّا مثل بَين يَدي حيل بيني وَبَينه واضطررت إِلَى أَن وصلته وأقطعته وَأَنا على زِيَادَة وَرفع مرتبته والتنويه باسمه فَبَكَتْ أمة الْعَزِيز فَقَالَ لَهَا أَرْجُو أَن يَسُرك الله فتوهمت وتوهم جَمِيع من يطِيف بهَا إِنَّه على اغتيال الرشيد بالسم فَلم يُمْهل وَلم تمض بِهِ لَيَال قَلَائِل حَتَّى توفّي الْهَادِي وَولي الْخلَافَة هرون الرشيد فوَاللَّه لقد أحسن غَايَة الْإِحْسَان فِي أَمر جَعْفَر وزاده نعما إِلَى نعمه وزوجه أم مُحَمَّد ابْنَته قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وحَدثني أَبُو مُسلم عَن حميد الطَّائِي الْمَعْرُوف بالطوسي وَلم يكن حميد طوسيا وَكَانَت كورته فِي الدِّيوَان مرو وَكَذَلِكَ كورة طَاهِر مرو والطاهر ولي بوشنج ومُوسَى بن أبي الْعَبَّاس الشَّاشِي لم تكن كورته الشاش وكورته هراة وَمُحَمّد بن أبي الْفضل الطوسي كورته

стр. 209

نسا وَهُوَ مَنْسُوب إِلَى طوس وَالسَّبَب فِي نسب هَؤُلَاءِ وعدة من أَصْحَاب الدولة إِلَى غير كورهم أَن مِنْهُم من كَانَ مخرجه فِي كورة فنسب إِلَى الكورة الَّتِي فِيهَا ضيَاعه وَمِنْهُم من ولي بَلَدا طَالَتْ فِيهِ ولَايَته إِيَّاه فنسب إِلَى ذَلِك الْبَلَد قَالَ أَبُو مُسلم اعتل أَبُو غَانِم يَعْنِي أَبَاهُ عِلّة صعبة فَتَوَلّى علاجه مِنْهَا الطيفوري المتطبب وَكَانَ فِي أبي غَانِم حِدة شَدِيدَة تخرجه إِلَى قذف أَصْحَابه وَإِلَى الْإِقْدَام بالمكروه عَلَيْهِم فَإِنِّي لواقف على رَأسه وَأَنا غُلَام فِي قبادر زبيرون إِذْ دخل عَلَيْهِ الطيفوري فجس عرقه وَنظر إِلَى مَائه ثمَّ ناجاه بِشَيْء لم أفهمهُ فَقَالَ لَهُ كذبت يَا ماص بظر أمه فَقَالَ لَهُ الطيفوري أعض الله أكذبنا بِكَذَا وَكَذَا من أمه فَقلت فِي نَفسِي ذهبت وَالله نفس الطيفوري فَقَالَ أَبُو غَانِم يَا ابْن الْكَافِرَة لقد أقدمت وَيلك كَيفَ اجترأت عَليّ بِهَذَا فَقَالَ لَهُ وَالله مَا احتملت سَيِّدي الْهَادِي قطّ على لقائي بِحرف خشن وَلَقَد كَانَ يقذفني فأرد عَلَيْهِ مثل قَوْله فيكف احْتمل لَك وَأَنت كلب قذفي فَحلف لي أَبُو مُسلم أَنه رأى أَبَاهُ ضَاحِكا باكيا يفهم فِي بعض أسرة وَجهه الضحك وَفِي بَعْضهَا الْبكاء ثمَّ قَالَ لَهُ وَالله إِنَّك كنت ترد على أَمِير الْمُؤمنِينَ الْهَادِي الْقَذْف الَّذِي كَانَ يقذفك بِهِ فَقَالَ لَهُ الطيفوري اللَّهُمَّ نعم فَقَالَ لَهُ فأسألك بِاللَّه لما أَحْبَبْت فِي عرض حميد مَا أَحْبَبْت وقذفته بِمَا شِئْت من الْقَذْف مَتى قذفتك ثمَّ بَكَى على الْهَادِي بكاء كثيرا قَالَ يُوسُف فَسَأَلت الطيفوري عَمَّا حَدثنِي بِهِ أَبُو مُسلم من ذَلِك فَبكى حَتَّى تخوفت عَلَيْهِ الْمَوْت مِمَّا تداخله من الْجزع عِنْد ذكر حميد وَقَالَ وَالله مَا عاشرت بعد الْهَادِي أحر نفسا وَلَا أكْرم طبعا وَلَا أطيب عشرَة وَلَا أَشد إنصافا من حميد إِلَّا أَنه كَانَ صَاحب جَيش فَكَانَ يظْهر مَا يجب على أَصْحَاب الجيوش إِظْهَاره فَإِذا صَار مَعَ إخوانه كَانَ كَأَنَّهُ من المنقطعين إِلَيْهِم لَا من المفضلين عَلَيْهِم قَالَ يُوسُف وحَدثني الطيفوري أَنه كَانَ مَعَ حميد الطوسي بقصر ابْن هُبَيْرَة أَيَّام تغلب صاحبنا على مَدِينَة السَّلَام وَمَا والاها فَقدمت عَلَيْهِ جمَاعَة من جبل طَيء عَلَيْهِم رَئِيس لَهُم يقدمونه على أنفسهم ويقرون لَهُ بِالْفَضْلِ والسؤدد عَلَيْهِم فَأذن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فِي مجْلِس عَام قد احتشد لإِظْهَار عدده فِيهِ ثمَّ قَالَ لذَلِك الرئيس مَا أقدمك يَا ابْن عَم فَقَالَ لَهُ قدمت مدَدا لَك إِذْ كنت على محاربة هَذَا الدعي لما لَا يجب لَهُ وَلَا يسْتَحقّهُ يَعْنِي صاحبنا فَقَالَ لَهُ حميد لست أقبل مدَدا إِلَّا من وثقت بصرامته وَقُوَّة قلبه واحتماله لما تصعب على أَكثر النَّاس فِي نصرتي وَلَا بُد من امتحانك فَإِن خرجت على المحنة قبلتك وَإِلَّا رددتك إِلَى أهلك فَقَالَ لَهُ الطَّائِي فامتحني بِمَا أَحْبَبْت فَأخْرج حميد عمودا من تَحت مُصَلَّاهُ ثمَّ قَالَ لَهُ ابْسُطْ ذراعك فَبسط ذراعه فَحمل حميد العمود على عَاتِقه ثمَّ هوى بِهِ إِلَى ذِرَاع الطَّائِي فَلَمَّا قرب العمود من ذراعه رفع يَده فأظهر حميد غَضبا عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ رددت يَدي فترضاه الطَّائِي ثمَّ دَعَاهُ إِلَى معاودة امتحانه فَأمره حميد بِإِظْهَار ذراعه فَفعل فَرفع حميد العمود ليضْرب بِهِ ذراعه فَلَمَّا قرب العمود من ذِرَاع

стр. 210

الطَّائِي فعل مثل فعله فِي الْمرة الأولى فَلَمَّا جذب ذراعه وَلم يكن حميدا من ضربهَا بالعمود أَمر بسجنه بعد سحبه فِي مَجْلِسه وَأخذ دوابه ودواب أَصْحَابه وطردهم من مُعَسْكَره فانصرفوا من عِنْده رجالة بِأَسْوَأ حَال قَالَ الطيفوري فلمته على مَا كَانَ مِنْهُ فاستضحك ثمَّ قَالَ لي قد أطلقت لَك الضحك مني والاستهزاء بِي وَقذف عرضي مَتى تَكَلَّمت فِي الطِّبّ بحضرتك بِشَيْء تنكره فَأَما قيادة الجيوش فَذَلِك مَا لَيْسَ لَك فِيهِ حَظّ فَلَا تنكرن مُخَالفَة رَأْيك رَأْيِي ثمَّ قَالَ لي أَنا رجل من يمن وَكَانَ الرَّسُول ﷺ مضريا والخلافة فِي أَيدي مُضر فَكَمَا إِنِّي أحب قومِي فَكَذَلِك الْخُلَفَاء تحب قَومهَا وَإِن أظهرت ميلًا إِلَى قومِي فِي بعض الْأَوْقَات وانحرافا عَمَّن هُوَ أمس بهَا رحما مني فَإِنِّي غير شَاك فِي ميلها إِلَيْهِم إِذا حقت الْحَقَائِق وَمَعِي من أَبنَاء نزار بشر كثير وَكَانَ فِي استشعاري من قدم عَليّ من قومِي مفْسدَة لقلوب من قد امتحنته وَعرفت بلاءه من النزارية وَلست أَدْرِي لَعَلَّ كل من أَتَانِي من عشيرتي لَا يُسَاوِي رجلا وَاحِدًا من النزارية فَأَرَدْت بِمَا كَانَ مني استجلاب قُلُوب من معي وَأَن ينْصَرف من أَتَانِي من عشيرتي منذرين لَا مبشرين لأَنهم مَتى انصرفوا منذرين انْقَطَعت عَنَّا مادتهم وَمَتى انصرفوا مبشرين أَتَانِي مِنْهُم من لَا يَسعهُ مَال مَا فِي أَيْدِينَا من السوَاد فَعلمت أَنه قد أصَاب التَّدْبِير وَلم يُخطئ فِيمَا بنى عَلَيْهِ أمره زَكَرِيَّا بن الطيفوري قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي زَكَرِيَّا بن الطيفوري قَالَ كنت مَعَ الأفشين فِي مُعَسْكَره وَهُوَ فِي محاربة بابك فَأمر بإحصاء جَمِيع من فِي عسكره من التُّجَّار وحوانيتهم وصناعة رجل رجل مِنْهُم فَرفع ذَلِك إِلَيْهِ فَلَمَّا بلغت الْقِرَاءَة بالقارئ إِلَى مَوضِع الصيادلة قَالَ لي يَا زَكَرِيَّا ضبط هَؤُلَاءِ الصيادلة عِنْدِي أولى مَا تقدم فِيهِ فامتحنهم حَتَّى نَعْرِف مِنْهُم الناصح من غَيره وَمن لَهُ دين وَمن لَا دين لَهُ فَقلت أعز الله الْأَمِير إِن يُوسُف لقُوَّة الكيميائي كَانَ يدْخل على الْمَأْمُون كثيرا وَيعْمل بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَيحك يَا يُوسُف لَيْسَ فِي الكيمياء شَيْء فَقَالَ لَهُ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا آفَة الكيمياء الصيادلة قَالَ لَهُ الْمَأْمُون وَيحك وَكَيف ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الصيدلاني لَا يطْلب مِنْهُ إِنْسَان شَيْئا من الْأَشْيَاء كَانَ عِنْده أَو لم يكن إِلَّا أخبرهُ بِأَنَّهُ عِنْده وَدفع إِلَيْهِ شَيْئا من الْأَشْيَاء الَّتِي عِنْده وَقَالَ هَذَا الَّذِي طلبت فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يضع اسْما لَا يعرف وَيُوجه جمَاعَة إِلَى الصيادلة فِي طلبه ليبتاعه فَلْيفْعَل فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون قد وضعت الِاسْم وَهُوَ سقطيثا وسقطيثا ضَيْعَة تقرب من مَدِينَة السَّلَام وَوجه

стр. 211

الْمَأْمُون جمَاعَة من الرُّسُل يسألهم عَن سقطيثا فكلهم ذكر أَنه عِنْده وَأخذ الثّمن من الرُّسُل وَدفع إِلَيْهِم شَيْئا من حانوته فصاروا إِلَى الْمَأْمُون بأَشْيَاء مُخْتَلفَة فَمنهمْ من أَتَى بِبَعْض البزور وَمِنْهُم من أَتَى بِقِطْعَة من حجر وَمِنْهُم من أَتَى بوبر فَاسْتحْسن الْمَأْمُون نصح يُوسُف لقُوَّة عَن نَفسه وأقطعه ضَيْعَة على النَّهر الْمَعْرُوف بنهر الكلبة فَهِيَ فِي أَيدي ورثته وَمِنْهَا معاشهم فَأن رأى الْأَمِير أَن يمْتَحن هَؤُلَاءِ الصيادلة بِمثل محنة الْمَأْمُون فَلْيفْعَل فَدَعَا الأفشين بدفتر من دفاتر الأسروشنية فَأخْرج مِنْهَا نَحوا من عشْرين اسْما وَوجه إِلَى الصيادلة من يطْلب مِنْهُم أدوية مُسَمَّاة بِتِلْكَ الْأَسْمَاء فبعضهم أنكرها وَبَعْضهمْ أدعى مَعْرفَتهَا وَأخذ الدَّرَاهِم من الرُّسُل وَدفع إِلَيْهِم شَيْئا من حانوته فَأمر الأفشين بإحضار جَمِيع الصيادلة فَلَمَّا حَضَرُوا كتب لمن أنكر معرفَة تِلْكَ الْأَسْمَاء منشورات أذن لَهُم فِيهَا بالْمقَام فِي عسكره وَنفى البَاقِينَ عَن الْعَسْكَر وَلم يَأْذَن لأحد مِنْهُم فِي الْمقَام ونادى الْمُنَادِي بنفيهم وباباحة دم من وجد مِنْهُم فِي مُعَسْكَره وَكتب إِلَى المعتصم يسْأَله الْبعْثَة إِلَيْهِ بصيادلة لَهُم أَدْيَان وَمذهب جميل ومتطببين كَذَلِك فَاسْتحْسن المعتصم ذَلِك وَوجه إِلَيْهِ بِمَا سَأَلَ إِسْرَائِيل بن زَكَرِيَّا الطيفوري متطبب الْفَتْح بن خاقَان كَانَ مقدما فِي صناعَة الطِّبّ جليل الْقدر عِنْد الْخُلَفَاء والملوك كثيري الاحترام لَهُ وَكَانَ مُخْتَصًّا بِخِدْمَة الْفَتْح بن خاقَان بصناعة الطِّبّ وَله مِنْهُ الجامكية الْكَثِيرَة والأنعام الوافرة وَكَانَ المتَوَكل بِاللَّه يرى لَهُ كثيرا ويعتمد عَلَيْهِ وَله عِنْد المتَوَكل الْمنزلَة المكينة وَمن ذَلِك مِمَّا حَكَاهُ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب أَن إِسْرَائِيل بن زَكَرِيَّا ابْن الطيفوري وجد على أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل لما احْتجم بِغَيْر إِذْنه فَافْتدى غَضَبه بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وضيعة تغل لَهُ فِي السّنة خمسين ألف دِرْهَم وَهبهَا لَهُ وسجل لَهُ عَلَيْهَا وَحكي عَن عِيسَى بن ماسة قَالَ رَأَيْت المتَوَكل وَقد عَاده يَوْمًا وَقد غشي عَلَيْهِ فصير يَده تَحت رَأسه مخدة ثمَّ قَالَ للوزير يَا عبد الله حَياتِي معلقَة بحياته أَن عدمته لَا أعيش ثمَّ اعتل فَوجه إِلَيْهِ سعيد بن صَالح حَاجِبه ومُوسَى بن عبد الْملك كَاتبه يعودانه ونقلت من بعض التواريخ أَن الْفَتْح بن خاقَان كَانَ كثير الْعِنَايَة بإسرائيل بن الطيفوري فقدمه عِنْد المتَوَكل وَلم يزل حَتَّى أنس بِهِ المتَوَكل وَجعله فِي مرتبَة بختيشوع وَعظم قدره وَكَانَ مَتى ركب إِلَى دَار المتَوَكل يكون موكبه مثل موكب الْأُمَرَاء وأجلاء القواد وَبَين يَدَيْهِ أَصْحَاب المقارع وأقطعه المتَوَكل قطيعة بسر من رأى وَأمر المتَوَكل صقْلَابٍ وَابْن الْخَيْبَرِيّ بِأَن يركبا مَعَه ويدور جَمِيع سر من رأى حَتَّى يخْتَار الْمَكَان الَّذِي يُريدهُ فركبا حَتَّى اخْتَار من الحيز خمسين ألف ذِرَاع وَضَربا الْمنَار عَلَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ ثلثمِائة ألف دِرْهَم للنَّفَقَة عَلَيْهِ

стр. 212

يزِيد بن زيد يزِيد بن زيد بن يوحنا بن أبي خَالِد متطبب الْمَأْمُون كَانَ جيد الْعلم حسن المعالجة مَوْصُوفا بِالْفَضْلِ وَكَانَ قد خدم الْمَأْمُون بصناعة الطِّبّ وخدم أَيْضا إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإنعام الغزير والعناية الْبَالِغَة والجامكية الوافرة وَكَانَ يُقَال لَهُ أَيْضا يزِيد بور قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن ثُمَامَة الْعَبْسِي القعقاعي وَهُوَ أَبُو عُثْمَان بن ثُمَامَة صَاحب الْجَبَّار اعتل من خلفة تطاولت بِهِ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قَالَ أَبُو إِسْحَق فَسَأَلَنِي الرشيد عَن علته وَأَيْنَ بلغت بِهِ فأعلمته إِنِّي لَا أعرف لَهُ خَبرا فأظهر إنكارا لقولي ثمَّ قَالَ رجل غَرِيب من أهل الشّرف قد رغب فِي مصاهرة أَهله عبد الْملك بن مَرْوَان وَقد ولدت أُخْته خليفتين الْوَلِيد وَسليمَان ابْني عبد الْملك وَقد رغب أَبوك فِي مصاهرته فَتزَوج أُخْته ورغبت أَنا أَخُوك فِي مثل ذَلِك مِنْهُ فَتزوّجت ابْنَته وَهُوَ مَعَ ذَلِك صَحَابِيّ لجدك وَأَبِيك ولأختك وأخيك فَلَا توجب على نَفسك عيادته ثمَّ أَمرنِي بالمصير إِلَيْهِ لعيادته فَنَهَضت وَأخذت معي متطببي يزِيد وصرت إِلَيْهِ فَدخلت على رجل توهمت أَنه فِي آخر حشاشة بقيت من نَفسه وَلم أر فِيهِ للمسألة موضعا فَأمر يزِيد متطببي بإحضار متطببه فَحَضَرَ فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ أَنه يقوم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مائَة مجْلِس وَأَقْبل يزِيد يسْأَل المتطبب عَن بَاب بَاب من الْأَدْوِيَة الَّتِي تشرب وَعَن السفوفات والحقن فَلم يذكر لذَلِك المتطبب شَيْئا إِلَّا أعلمهُ أَنه قد عالجه بِهِ فَلم ينجع فِيهِ فَوَجَمَ عِنْد ذَلِك يزِيد مِقْدَار سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ قد بَقِي شَيْء وَاحِد أَن عمل بِهِ رَجَوْت أَن ينْتَفع بِهِ وَإِن لم ينجع فِيهِ فَلَا علاج لَهُ قَالَ أَبُو إِسْحَق فَرَأَيْت ثُمَامَة قد قويت نَفسه عِنْدَمَا سمع من يزِيد مَا سمع ثمَّ قَالَ وَمَا ذَلِك الشَّيْء الَّذِي بَقِي متعت بك قَالَ لَهُ شربة اصطمخيقون فَقَالَ ثُمَامَة أحب أَن أرى هَذِه الشربة حَتَّى أَشمّ رائحتها فَأخْرج يزِيد من كمه منديلا فِيهِ أدوية وَفِيه شربة اصطمخيقون فَأمر بهَا ثُمَامَة فَحلت ثمَّ أَتَى بهَا فَرمى بهَا فِي فِيهِ وابتلعها فوَاللَّه مَا وصلت إِلَى جَوْفه حَتَّى سَمِعت مِنْهُ أصواتا لم أَشك فِي إِنِّي لم أبلغ بَاب دَاره إِلَّا وَقد مَاتَ فَنَهَضت ومتطببي معي وَمَا أَعقل غما وَأمرت خَادِمًا لي كَانَ يحمل معي الاسطرلاب إِذا ركبت بالْمقَام فِي دَاره وتعرف خبر مَا يكون مِنْهُ فَتخلف فوافاني كتاب الْخَادِم بعد الزَّوَال يعلمني أَنه قَامَ من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى زَوَالهَا خمسين مرّة فَقلت تلفت وَالله نفس ثُمَامَة ثمَّ وافى كتاب الْخَادِم بعد غرُوب الشَّمْس أَنه قَامَ

стр. 213

مُنْذُ زَوَال الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا عشْرين مَجْلِسا ثمَّ صَار إِلَى الْغُلَام مَعَ طُلُوع الشَّمْس فَذكر أَنه لم يكن مِنْهُ مُنْذُ غرُوب الشَّمْس إِلَى انتصاف اللَّيْل إِلَّا ثَلَاثَة مجَالِس وَلم يكن مِنْهُ إِلَى وَقت طُلُوع الْفجْر شَيْء فركبت إِلَيْهِ بعد أَن صليت الْغَدَاة فَوَجَدته نَائِما وَكَانَ لَا ينَام فأنتبه لي فَسَأَلته عَن خَبره فَأَعْلمنِي أَنه لم يزل فِي وجع من جَوْفه مَانع لَهُ النّوم والقرار مُنْذُ أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة حَتَّى أَخذ تِلْكَ الشربة فَلَمَّا انْقَطع فعل الشربة انْقَطع عَنهُ ذَلِك الوجع وَأَنه لم يشته طَعَاما مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت وَأَنه مَا يبصرني فِي وقته من غَلَبَة الْجُوع عَلَيْهِ وَسَأَلَ الْإِذْن فِي الْأكل فَأذن لَهُ يزِيد فِي أكل أسفيدباجه قد طبخت من فروج كسكري سمين ثمَّ اتباعها زيرباجة فَفعل ذَلِك وصرت إِلَى الرشيد فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ من أَمر ثُمَامَة فأحضر المتطبب وَقَالَ لَهُ وَيحك كَيفَ أقدمت على إسقائه حب الأصطمخيقون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا رجل كَانَ فِي جَوْفه كيموس فَاسد فَلم يكن يدْخل فِي جَوْفه دَوَاء وَلَا غذَاء إِلَّا أفْسدهُ ذَلِك الكيموس وَكَانَ كلما فسد من تِلْكَ الْأَدْوِيَة والأغذية صَار مَادَّة لذَلِك الْفساد فَكَانَت الْعلَّة لهَذَا السَّبَب تزداد فَعلمت أَنه لَا علاج لَهُ إِلَّا بدواء قوي يقوى على قلع ذَلِك الكيموس وَكَانَ أقوى الْأَشْيَاء الَّتِي يُمكن أَن يسقاها الأصطمخيقون فَقلت لَهُ فِيهِ الَّذِي قلت وَلم أقدم أَيْضا على القَوْل أَنه يُبرئهُ لَا محَالة وَإِنَّمَا قلت بَقِي شَيْء وَاحِد فَإِن هُوَ لم يَنْفَعهُ فَلَا علاج لَهُ وَإِنَّمَا قلت ذَلِك لِأَنِّي رَأَيْت الرجل عليلا قد أضعفته الْعلَّة وأذهبت أَكثر قواه فَلم آمن عَلَيْهِ التّلف أَن شربه وَكنت أَرْجُو لَهُ الْعَافِيَة بشربه إِيَّاه وَكنت أعلم أَنه إِن لم يشربه أَيْضا تلف فَاسْتحْسن الرشيد مَا كَانَ من قَوْله وَوَصله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ عَاد الرشيد ثُمَامَة وَقَالَ لَهُ لقد أقدمت من شرب ذَلِك الدَّوَاء على أَمر عَظِيم وخاصة إِذْ كَانَ المتطبب لم يُصَرح لَك بِأَن فِي شربه الْعَافِيَة فَقَالَ ثُمَامَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت قد يئست من نَفسِي وَسمعت المتطبب يَقُول إِن شرب هَذَا الدَّوَاء رَجَوْت أَن يَنْفَعهُ فاخترت الْمقَام على الرَّجَاء وَلَو لَحْظَة على الْيَأْس من الْحَيَاة فَشَربته وَكَانَت فِي ذَلِك خيرة من الله عَظِيمَة أَقُول وَهَذِه الْحِكَايَة تناسب مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه جَاءَ إِلَيْهِ رجل من الْعَرَب فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أخي قد غلب عَلَيْهِ الْخَوْف وداويناه وَلم يَنْقَطِع عَنهُ بِشَيْء فَقَالَ لَهُ ﷺ (أطْعمهُ عسل النَّحْل) فراح وأطعمه إِيَّاه فَزَاد الإسهال فَأتى إِلَيْهِ وَقَالَ يَا رَسُول الله كثر الإسهال بِهِ من وَقت أطعمته الْعَسَل فَقَالَ (أطْعمهُ الْعَسَل) فأطعمه فَزَاد الإسهال أَكثر فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أطْعمهُ أَيْضا الْعَسَل) فأطعمه أَيْضا فِي الْيَوْم الثَّالِث فتقاصر الإسهال وَانْقطع بِالْكُلِّيَّةِ فَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك فَقَالَ (صدق الله وكذبت بطن أَخِيك) وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَهُ ذَلِك لكَونه كَانَ قد علم أَن فِي خمل معدة الْمَرِيض رطوبات لزجة غَلِيظَة قد أزلقت معدته فَكلما مر بهَا شَيْء من الْأَدْوِيَة القابضة لم يُؤثر فِيهَا والرطوبات بَاقِيَة على حَالهَا والأطعمة تزلق عَنْهَا فَيبقى الإسهال دَائِما فَلَمَّا تنَاول الْعَسَل جلا تِلْكَ الرطوبات وأحدرها فَكثر الإسهال أَولا بخروجها وتوالى ذَلِك إِلَى أَن نفدت تِلْكَ الرطوبات بأسرها فَانْقَطع

стр. 214

الإسهال وَبرئ الرجل فَقَوله صدق الله يَعْنِي بِالْعلمِ الَّذِي أوجده الله لنَبيه وعرفه بِهِ وَقَوله وكذبت بطن أَخِيك يَعْنِي مَا كَانَ يظْهر من بَطْنه من الإسهال وكثرته بطرِيق الْعرض وَلَيْسَ هُوَ مرض حَقِيقِيّ فَكَانَت بَطْنه كَاذِبَة فِي ذَلِك عَبدُوس بن زيد قَالَ أَبُو عَليّ القباني عَن أَبِيه أَن الْقَاسِم بن عبيد الله مرض فِي حَيَاة أَبِيه مَرضا حادا فِي تموز وَحل بِهِ القولنج الصعب فَانْفَرد بعلاجه عَبدُوس بن زيد وسقاه مَاء أصُول قد طبخ وَطرح فِيهِ أصل الكرفس والرازيانج ودهن الخروع وَجعل فِيهِ شَيْئا من أيارج فيقرا فحين شربه سكن وَجَعه وَأجَاب طبعه مجلسين فأفاق ثمَّ أعطَاهُ من غَد ذَلِك الْيَوْم مَاء شعير فاستظرف هَذَا مِنْهُ وَقَالَ أَبُو عَليّ القباني أَيْضا أَن أَخَاهُ إِسْحَق بن عَليّ مرض وغلبت الْحَرَارَة على مزاجه والنحول على بدنه حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى الضعْف ورد مَا يَأْكُلهُ فَسَقَاهُ عَبدُوس بن زيد هَذِه الْأُصُول بالأيارج ودهن الخروع فِي حزيران أَرْبَعَة عشر يَوْمًا فَعُوفِيَ وصلحت معدته وَقَالَ فِي مثل هَذِه الْأَيَّام تحم حمى حادة فَإِن كنت حَيا خلصتك بِإِذن الله وَإِن كنت مَيتا فعلامة عافيتك لَهُ دائر سنة أَن تَنْطَلِق طبيعتك فِي الْيَوْم السَّابِع فَإِن انْطَلَقت عوفيت وَمَعَ هَذَا فقد نقرت معدتك نقرا لَو طرحت فِيهَا الْحِجَارَة لطحنتها فَلَمَّا انْقَضتْ السّنة مرض عَبدُوس وحم أخي كَمَا قَالَ وَكَانَ مرضهما فِي يَوْم وَاحِد فَمَا زَالَ عَبدُوس يُرَاعِي أخي وَيسْأل عَن خَبره إِلَى أَن قيل لَهُ قد انْطَلَقت طَبِيعَته فَقَالَ قد تخلص وَمَات عَبدُوس فِي الْغَد من ذَلِك الْيَوْم ولعبدوس بن زيد من الْكتب كتاب التَّذْكِرَة فِي الطِّبّ سهل الكوسج كَانَ سهل الكوسج أَبُو سَابُور بن سهل صَاحب الأقراباذين الْمَشْهُور من أهل الأهواز وَكَانَ الحى وَإِنَّمَا لقب بالكوسج على سَبِيل التضاد وَكَانَ عَالما فِي الطِّبّ إِلَّا أَنه دون ابْنه فِي الْعلم وَكَانَت فِي لِسَانه لكنه خوزية وَكَانَ كثير الْهزْل فغلب هزله جده وَكَانَ مَتى اجْتمع

стр. 215

مَعَ يوحنا بن ماسوية وجورجس بن بختيشوع وَعِيسَى بن حكم وَعِيسَى بن أبي خَالِد وزَكَرِيا ابْن الطيفوري وَيَعْقُوب صَاحب البيمارستان وَالْحسن بن قُرَيْش وَعِيسَى الْمُسلم وَسَهل بن جُبَير وَهَذِه الطَّبَقَة من المتطببين قصر عَنْهُم فِي الْعبارَة وَلم يقصر عَنْهُم فِي العلاج وَكلهمْ كَانَ يخَاف لِسَانه لطول كَانَ فِيهِ وبذاء وَكَانَت لَهُ السن على جَمَاعَتهمْ وَكَانَ انْقِطَاعه إِلَى سَلام الأبرش وَكَانَ سَلام لَا يُفَارق هرثمة بن أعين أَيَّام محاصرته مَدِينَة السَّلَام فَكَانَ سهل هَذَا قد خص بهرثمة بن أعين حَتَّى كَانَ يكون مَعَه فِي ليله ونهاره وسمره وَكَانَ بدعابته الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت فِيهِ طيب الْعشْرَة قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَمن دعابات سهل الكوسج أَنه تمارض فِي سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وأحضر شُهُودًا يشهدهم على وَصيته وَكتب كتابا أثبت فِيهِ أَسمَاء أَوْلَاده فَأثْبت أَوَّلهمْ جورجس بن ميخائيل وَأمه مَرْيَم بنت بختيشوع أُخْت جِبْرَائِيل وَالثَّانِي يوحنا بن ماسويه وَالثَّالِث وَالرَّابِع وَالْخَامِس سَابُور ويوحنا وخذاهويه ولد سهل المعروفين وَذكر أَنه أصَاب أم جورجس وَأم يوحنا بن ماسوية زنا وأحبلهما بجورجس ويوحنا قَالَ يُوسُف وَمن دعاباته أَنِّي حَضرته عِنْد أعين بن هرثمة بن أعين وَقد دارت بَينه وَبَين جورجس ملاحاة فِي حمى ربع قد كَانَت طَالَتْ بأعين فَعرفهُ بِمثل مَا أشهد بِهِ فِي وَصيته وَكَانَ فِي جورجس تلفت كثير إِلَى من عَن يَمِينه وشماله من النَّاس وأخرجته الحدة إِلَى زمع أَصَابَهُ فصاح سهل صرى وهك المسيه أخروا فِي أُذُنه آيَة خرسي أَرَادَ صرع وَحقّ الْمَسِيح اقرؤوا فِي أُذُنه آيَة الْكُرْسِيّ قَالَ يُوسُف وَمن دعاباته أَنه خرج فِي يَوْم الشعانين يُرِيد دير الجاثليق والمواضع الَّتِي تخرج إِلَيْهَا النَّصَارَى فِي يَوْم الشعانين فَرَأى يوحنا بن ماسوية فِي هَيْئَة أحسن من هَيئته وعَلى دَابَّة أفره من دَابَّته وَمَعَهُ غلْمَان لَهُ روقة فحسده على الظَّاهِر من نعْمَته فَصَارَ إِلَى صَاحب مسلحة النَّاحِيَة فَقَالَ لَهُ إِن ابْني يعقني وَقد أَعْجَبته نَفسه وَرُبمَا أخرجه الْعجب بِنَفسِهِ وبنعمته إِلَى جحود أَبَوي وَأَن أَنْت بطحته وضربته عشْرين درة موجعة أَعطيتك عشْرين دِينَارا ثمَّ أخرج الدَّنَانِير فَدَفعهَا إِلَى رجل وثق بِهِ صَاحب المسلحة ثمَّ اعتزل نَاحيَة إِلَى أَن بلغ يوحنا إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فقدمه إِلَى صَاحب المسلحة وَقَالَ هَذَا ابْني يعقني ويستخف بِي فَجحد أَن يكون ابْنه فَلم يكلمهُ صَاحب المسلحة حَتَّى بطح يوحنا وضربه عشْرين درة ضربا وجيعا مبرحا
следующие страницы →