Полный текст (754 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
الْمَأْمُون جمَاعَة من الرُّسُل يسألهم عَن سقطيثا فكلهم ذكر أَنه عِنْده وَأخذ الثّمن من الرُّسُل وَدفع إِلَيْهِم شَيْئا من حانوته فصاروا إِلَى الْمَأْمُون بأَشْيَاء مُخْتَلفَة
فَمنهمْ من أَتَى بِبَعْض البزور وَمِنْهُم من أَتَى بِقِطْعَة من حجر وَمِنْهُم من أَتَى بوبر
فَاسْتحْسن الْمَأْمُون نصح يُوسُف لقُوَّة عَن نَفسه وأقطعه ضَيْعَة على النَّهر الْمَعْرُوف بنهر الكلبة فَهِيَ فِي أَيدي ورثته وَمِنْهَا معاشهم
فَأن رأى الْأَمِير أَن يمْتَحن هَؤُلَاءِ الصيادلة بِمثل محنة الْمَأْمُون فَلْيفْعَل
فَدَعَا الأفشين بدفتر من دفاتر الأسروشنية فَأخْرج مِنْهَا نَحوا من عشْرين اسْما وَوجه إِلَى الصيادلة من يطْلب مِنْهُم أدوية مُسَمَّاة بِتِلْكَ الْأَسْمَاء فبعضهم أنكرها وَبَعْضهمْ أدعى مَعْرفَتهَا وَأخذ الدَّرَاهِم من الرُّسُل وَدفع إِلَيْهِم شَيْئا من حانوته فَأمر الأفشين بإحضار جَمِيع الصيادلة فَلَمَّا حَضَرُوا كتب لمن أنكر معرفَة تِلْكَ الْأَسْمَاء منشورات أذن لَهُم فِيهَا بالْمقَام فِي عسكره وَنفى البَاقِينَ عَن الْعَسْكَر وَلم يَأْذَن لأحد مِنْهُم فِي الْمقَام ونادى الْمُنَادِي بنفيهم وباباحة دم من وجد مِنْهُم فِي مُعَسْكَره
وَكتب إِلَى المعتصم يسْأَله الْبعْثَة إِلَيْهِ بصيادلة لَهُم أَدْيَان وَمذهب جميل ومتطببين كَذَلِك فَاسْتحْسن المعتصم ذَلِك وَوجه إِلَيْهِ بِمَا سَأَلَ
إِسْرَائِيل بن زَكَرِيَّا الطيفوري
متطبب الْفَتْح بن خاقَان كَانَ مقدما فِي صناعَة الطِّبّ جليل الْقدر عِنْد الْخُلَفَاء والملوك كثيري الاحترام لَهُ
وَكَانَ مُخْتَصًّا بِخِدْمَة الْفَتْح بن خاقَان بصناعة الطِّبّ وَله مِنْهُ الجامكية الْكَثِيرَة والأنعام الوافرة وَكَانَ المتَوَكل بِاللَّه يرى لَهُ كثيرا ويعتمد عَلَيْهِ وَله عِنْد المتَوَكل الْمنزلَة المكينة
وَمن ذَلِك مِمَّا حَكَاهُ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب أَن إِسْرَائِيل بن زَكَرِيَّا ابْن الطيفوري وجد على أَمِير الْمُؤمنِينَ المتَوَكل لما احْتجم بِغَيْر إِذْنه فَافْتدى غَضَبه بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وضيعة تغل لَهُ فِي السّنة خمسين ألف دِرْهَم وَهبهَا لَهُ وسجل لَهُ عَلَيْهَا
وَحكي عَن عِيسَى بن ماسة قَالَ رَأَيْت المتَوَكل وَقد عَاده يَوْمًا وَقد غشي عَلَيْهِ فصير يَده تَحت رَأسه مخدة ثمَّ قَالَ للوزير يَا عبد الله حَياتِي معلقَة بحياته أَن عدمته لَا أعيش
ثمَّ اعتل فَوجه إِلَيْهِ سعيد بن صَالح حَاجِبه ومُوسَى بن عبد الْملك كَاتبه يعودانه
ونقلت من بعض التواريخ أَن الْفَتْح بن خاقَان كَانَ كثير الْعِنَايَة بإسرائيل بن الطيفوري فقدمه عِنْد المتَوَكل وَلم يزل حَتَّى أنس بِهِ المتَوَكل وَجعله فِي مرتبَة بختيشوع وَعظم قدره وَكَانَ مَتى ركب إِلَى دَار المتَوَكل يكون موكبه مثل موكب الْأُمَرَاء وأجلاء القواد وَبَين يَدَيْهِ أَصْحَاب المقارع وأقطعه المتَوَكل قطيعة بسر من رأى وَأمر المتَوَكل صقْلَابٍ وَابْن الْخَيْبَرِيّ بِأَن يركبا مَعَه ويدور جَمِيع سر من رأى حَتَّى يخْتَار الْمَكَان الَّذِي يُريدهُ فركبا حَتَّى اخْتَار من الحيز خمسين ألف ذِرَاع وَضَربا الْمنَار عَلَيْهِ وَدفع إِلَيْهِ ثلثمِائة ألف دِرْهَم للنَّفَقَة عَلَيْهِ
стр. 212
يزِيد بن زيد
يزِيد بن زيد بن يوحنا بن أبي خَالِد متطبب الْمَأْمُون كَانَ جيد الْعلم حسن المعالجة مَوْصُوفا بِالْفَضْلِ
وَكَانَ قد خدم الْمَأْمُون بصناعة الطِّبّ وخدم أَيْضا إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإنعام الغزير والعناية الْبَالِغَة والجامكية الوافرة
وَكَانَ يُقَال لَهُ أَيْضا يزِيد بور
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَن ثُمَامَة الْعَبْسِي القعقاعي وَهُوَ أَبُو عُثْمَان بن ثُمَامَة صَاحب الْجَبَّار اعتل من خلفة تطاولت بِهِ وَكَانَ شَيخا كَبِيرا
قَالَ أَبُو إِسْحَق فَسَأَلَنِي الرشيد عَن علته وَأَيْنَ بلغت بِهِ فأعلمته إِنِّي لَا أعرف لَهُ خَبرا فأظهر إنكارا لقولي ثمَّ قَالَ رجل غَرِيب من أهل الشّرف قد رغب فِي مصاهرة أَهله عبد الْملك بن مَرْوَان وَقد ولدت أُخْته خليفتين الْوَلِيد وَسليمَان ابْني عبد الْملك وَقد رغب أَبوك فِي مصاهرته فَتزَوج أُخْته ورغبت أَنا أَخُوك فِي مثل ذَلِك مِنْهُ فَتزوّجت ابْنَته وَهُوَ مَعَ ذَلِك صَحَابِيّ لجدك وَأَبِيك ولأختك وأخيك فَلَا توجب على نَفسك عيادته ثمَّ أَمرنِي بالمصير إِلَيْهِ لعيادته فَنَهَضت وَأخذت معي متطببي يزِيد وصرت إِلَيْهِ
فَدخلت على رجل توهمت أَنه فِي آخر حشاشة بقيت من نَفسه وَلم أر فِيهِ للمسألة موضعا
فَأمر يزِيد متطببي بإحضار متطببه فَحَضَرَ فَسَأَلَهُ عَن حَاله فَأخْبرهُ أَنه يقوم فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مائَة مجْلِس
وَأَقْبل يزِيد يسْأَل المتطبب عَن بَاب بَاب من الْأَدْوِيَة الَّتِي تشرب وَعَن السفوفات والحقن فَلم يذكر لذَلِك المتطبب شَيْئا إِلَّا أعلمهُ أَنه قد عالجه بِهِ فَلم ينجع فِيهِ
فَوَجَمَ عِنْد ذَلِك يزِيد مِقْدَار سَاعَة ثمَّ رفع رَأسه وَقَالَ قد بَقِي شَيْء وَاحِد أَن عمل بِهِ رَجَوْت أَن ينْتَفع بِهِ وَإِن لم ينجع فِيهِ فَلَا علاج لَهُ
قَالَ أَبُو إِسْحَق فَرَأَيْت ثُمَامَة قد قويت نَفسه عِنْدَمَا سمع من يزِيد مَا سمع ثمَّ قَالَ وَمَا ذَلِك الشَّيْء الَّذِي بَقِي متعت بك قَالَ لَهُ شربة اصطمخيقون
فَقَالَ ثُمَامَة أحب أَن أرى هَذِه الشربة حَتَّى أَشمّ رائحتها
فَأخْرج يزِيد من كمه منديلا فِيهِ أدوية وَفِيه شربة اصطمخيقون
فَأمر بهَا ثُمَامَة فَحلت ثمَّ أَتَى بهَا فَرمى بهَا فِي فِيهِ وابتلعها
فوَاللَّه مَا وصلت إِلَى جَوْفه حَتَّى سَمِعت مِنْهُ أصواتا لم أَشك فِي إِنِّي لم أبلغ بَاب دَاره إِلَّا وَقد مَاتَ
فَنَهَضت ومتطببي معي وَمَا أَعقل غما
وَأمرت خَادِمًا لي كَانَ يحمل معي الاسطرلاب إِذا ركبت بالْمقَام فِي دَاره وتعرف خبر مَا يكون مِنْهُ
فَتخلف فوافاني كتاب الْخَادِم بعد الزَّوَال يعلمني أَنه قَامَ من بعد طُلُوع الشَّمْس إِلَى زَوَالهَا خمسين مرّة فَقلت تلفت وَالله نفس ثُمَامَة
ثمَّ وافى كتاب الْخَادِم بعد غرُوب الشَّمْس أَنه قَامَ
стр. 213
مُنْذُ زَوَال الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا عشْرين مَجْلِسا
ثمَّ صَار إِلَى الْغُلَام مَعَ طُلُوع الشَّمْس فَذكر أَنه لم يكن مِنْهُ مُنْذُ غرُوب الشَّمْس إِلَى انتصاف اللَّيْل إِلَّا ثَلَاثَة مجَالِس وَلم يكن مِنْهُ إِلَى وَقت طُلُوع الْفجْر شَيْء
فركبت إِلَيْهِ بعد أَن صليت الْغَدَاة فَوَجَدته نَائِما وَكَانَ لَا ينَام فأنتبه لي فَسَأَلته عَن خَبره فَأَعْلمنِي أَنه لم يزل فِي وجع من جَوْفه مَانع لَهُ النّوم والقرار مُنْذُ أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة حَتَّى أَخذ تِلْكَ الشربة
فَلَمَّا انْقَطع فعل الشربة انْقَطع عَنهُ ذَلِك الوجع وَأَنه لم يشته طَعَاما مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت وَأَنه مَا يبصرني فِي وقته من غَلَبَة الْجُوع عَلَيْهِ
وَسَأَلَ الْإِذْن فِي الْأكل فَأذن لَهُ يزِيد فِي أكل أسفيدباجه قد طبخت من فروج كسكري سمين ثمَّ اتباعها زيرباجة فَفعل ذَلِك
وصرت إِلَى الرشيد فَأَخْبَرته بِمَا كَانَ من أَمر ثُمَامَة
فأحضر المتطبب وَقَالَ لَهُ وَيحك كَيفَ أقدمت على إسقائه حب الأصطمخيقون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا رجل كَانَ فِي جَوْفه كيموس فَاسد فَلم يكن يدْخل فِي جَوْفه دَوَاء وَلَا غذَاء إِلَّا أفْسدهُ ذَلِك الكيموس
وَكَانَ كلما فسد من تِلْكَ الْأَدْوِيَة والأغذية صَار مَادَّة لذَلِك الْفساد فَكَانَت الْعلَّة لهَذَا السَّبَب تزداد
فَعلمت أَنه لَا علاج لَهُ إِلَّا بدواء قوي يقوى على قلع ذَلِك الكيموس
وَكَانَ أقوى الْأَشْيَاء الَّتِي يُمكن أَن يسقاها الأصطمخيقون فَقلت لَهُ فِيهِ الَّذِي قلت
وَلم أقدم أَيْضا على القَوْل أَنه يُبرئهُ لَا محَالة وَإِنَّمَا قلت بَقِي شَيْء وَاحِد فَإِن هُوَ لم يَنْفَعهُ فَلَا علاج لَهُ
وَإِنَّمَا قلت ذَلِك لِأَنِّي رَأَيْت الرجل عليلا قد أضعفته الْعلَّة وأذهبت أَكثر قواه
فَلم آمن عَلَيْهِ التّلف أَن شربه وَكنت أَرْجُو لَهُ الْعَافِيَة بشربه إِيَّاه
وَكنت أعلم أَنه إِن لم يشربه أَيْضا تلف
فَاسْتحْسن الرشيد مَا كَانَ من قَوْله وَوَصله بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم
ثمَّ عَاد الرشيد ثُمَامَة وَقَالَ لَهُ لقد أقدمت من شرب ذَلِك الدَّوَاء على أَمر عَظِيم وخاصة إِذْ كَانَ المتطبب لم يُصَرح لَك بِأَن فِي شربه الْعَافِيَة
فَقَالَ ثُمَامَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كنت قد يئست من نَفسِي وَسمعت المتطبب يَقُول إِن شرب هَذَا الدَّوَاء رَجَوْت أَن يَنْفَعهُ فاخترت الْمقَام على الرَّجَاء وَلَو لَحْظَة على الْيَأْس من الْحَيَاة فَشَربته وَكَانَت فِي ذَلِك خيرة من الله عَظِيمَة
أَقُول وَهَذِه الْحِكَايَة تناسب مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه جَاءَ إِلَيْهِ رجل من الْعَرَب فَقَالَ يَا رَسُول الله إِن أخي قد غلب عَلَيْهِ الْخَوْف وداويناه وَلم يَنْقَطِع عَنهُ بِشَيْء فَقَالَ لَهُ ﷺ (أطْعمهُ عسل النَّحْل)
فراح وأطعمه إِيَّاه فَزَاد الإسهال فَأتى إِلَيْهِ وَقَالَ يَا رَسُول الله كثر الإسهال بِهِ من وَقت أطعمته الْعَسَل فَقَالَ (أطْعمهُ الْعَسَل)
فأطعمه فَزَاد الإسهال أَكثر
فَشَكا ذَلِك إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ (أطْعمهُ أَيْضا الْعَسَل)
فأطعمه أَيْضا فِي الْيَوْم الثَّالِث فتقاصر الإسهال وَانْقطع بِالْكُلِّيَّةِ
فَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك فَقَالَ (صدق الله وكذبت بطن أَخِيك)
وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لَهُ ذَلِك لكَونه كَانَ قد علم أَن فِي خمل معدة الْمَرِيض رطوبات لزجة غَلِيظَة قد أزلقت معدته فَكلما مر بهَا شَيْء من الْأَدْوِيَة القابضة لم يُؤثر فِيهَا والرطوبات بَاقِيَة على حَالهَا والأطعمة تزلق عَنْهَا فَيبقى الإسهال دَائِما
فَلَمَّا تنَاول الْعَسَل جلا تِلْكَ الرطوبات وأحدرها فَكثر الإسهال أَولا بخروجها وتوالى ذَلِك إِلَى أَن نفدت تِلْكَ الرطوبات بأسرها فَانْقَطع
стр. 214
الإسهال وَبرئ الرجل
فَقَوله صدق الله يَعْنِي بِالْعلمِ الَّذِي أوجده الله لنَبيه وعرفه بِهِ وَقَوله وكذبت بطن أَخِيك يَعْنِي مَا كَانَ يظْهر من بَطْنه من الإسهال وكثرته بطرِيق الْعرض وَلَيْسَ هُوَ مرض حَقِيقِيّ فَكَانَت بَطْنه كَاذِبَة فِي ذَلِك
عَبدُوس بن زيد
قَالَ أَبُو عَليّ القباني عَن أَبِيه أَن الْقَاسِم بن عبيد الله مرض فِي حَيَاة أَبِيه مَرضا حادا فِي تموز وَحل بِهِ القولنج الصعب فَانْفَرد بعلاجه عَبدُوس بن زيد وسقاه مَاء أصُول قد طبخ وَطرح فِيهِ أصل الكرفس والرازيانج ودهن الخروع وَجعل فِيهِ شَيْئا من أيارج فيقرا فحين شربه سكن وَجَعه وَأجَاب طبعه مجلسين فأفاق ثمَّ أعطَاهُ من غَد ذَلِك الْيَوْم مَاء شعير فاستظرف هَذَا مِنْهُ
وَقَالَ أَبُو عَليّ القباني أَيْضا أَن أَخَاهُ إِسْحَق بن عَليّ مرض وغلبت الْحَرَارَة على مزاجه والنحول على بدنه حَتَّى أَدَّاهُ إِلَى الضعْف ورد مَا يَأْكُلهُ
فَسَقَاهُ عَبدُوس بن زيد هَذِه الْأُصُول بالأيارج ودهن الخروع فِي حزيران أَرْبَعَة عشر يَوْمًا فَعُوفِيَ وصلحت معدته
وَقَالَ فِي مثل هَذِه الْأَيَّام تحم حمى حادة فَإِن كنت حَيا خلصتك بِإِذن الله وَإِن كنت مَيتا فعلامة عافيتك لَهُ دائر سنة أَن تَنْطَلِق طبيعتك فِي الْيَوْم السَّابِع فَإِن انْطَلَقت عوفيت وَمَعَ هَذَا فقد نقرت معدتك نقرا لَو طرحت فِيهَا الْحِجَارَة لطحنتها فَلَمَّا انْقَضتْ السّنة مرض عَبدُوس وحم أخي كَمَا قَالَ وَكَانَ مرضهما فِي يَوْم وَاحِد
فَمَا زَالَ عَبدُوس يُرَاعِي أخي وَيسْأل عَن خَبره إِلَى أَن قيل لَهُ قد انْطَلَقت طَبِيعَته فَقَالَ قد تخلص وَمَات عَبدُوس فِي الْغَد من ذَلِك الْيَوْم
ولعبدوس بن زيد من الْكتب كتاب التَّذْكِرَة فِي الطِّبّ
سهل الكوسج
كَانَ سهل الكوسج أَبُو سَابُور بن سهل صَاحب الأقراباذين الْمَشْهُور من أهل الأهواز وَكَانَ الحى
وَإِنَّمَا لقب بالكوسج على سَبِيل التضاد
وَكَانَ عَالما فِي الطِّبّ إِلَّا أَنه دون ابْنه فِي الْعلم وَكَانَت فِي لِسَانه لكنه خوزية
وَكَانَ كثير الْهزْل فغلب هزله جده
وَكَانَ مَتى اجْتمع
стр. 215
مَعَ يوحنا بن ماسوية وجورجس بن بختيشوع وَعِيسَى بن حكم وَعِيسَى بن أبي خَالِد وزَكَرِيا ابْن الطيفوري وَيَعْقُوب صَاحب البيمارستان وَالْحسن بن قُرَيْش وَعِيسَى الْمُسلم وَسَهل بن جُبَير وَهَذِه الطَّبَقَة من المتطببين قصر عَنْهُم فِي الْعبارَة وَلم يقصر عَنْهُم فِي العلاج
وَكلهمْ كَانَ يخَاف لِسَانه لطول كَانَ فِيهِ وبذاء
وَكَانَت لَهُ السن على جَمَاعَتهمْ
وَكَانَ انْقِطَاعه إِلَى سَلام الأبرش وَكَانَ سَلام لَا يُفَارق هرثمة بن أعين أَيَّام محاصرته مَدِينَة السَّلَام فَكَانَ سهل هَذَا قد خص بهرثمة بن أعين حَتَّى كَانَ يكون مَعَه فِي ليله ونهاره وسمره
وَكَانَ بدعابته الْكَثِيرَة الَّتِي كَانَت فِيهِ طيب الْعشْرَة
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَمن دعابات سهل الكوسج أَنه تمارض فِي سنة تسع وَمِائَتَيْنِ وأحضر شُهُودًا يشهدهم على وَصيته وَكتب كتابا أثبت فِيهِ أَسمَاء أَوْلَاده
فَأثْبت أَوَّلهمْ جورجس بن ميخائيل وَأمه مَرْيَم بنت بختيشوع أُخْت جِبْرَائِيل وَالثَّانِي يوحنا بن ماسويه وَالثَّالِث وَالرَّابِع وَالْخَامِس سَابُور ويوحنا وخذاهويه ولد سهل المعروفين
وَذكر أَنه أصَاب أم جورجس وَأم يوحنا بن ماسوية زنا وأحبلهما بجورجس ويوحنا
قَالَ يُوسُف وَمن دعاباته أَنِّي حَضرته عِنْد أعين بن هرثمة بن أعين وَقد دارت بَينه وَبَين جورجس ملاحاة فِي حمى ربع قد كَانَت طَالَتْ بأعين فَعرفهُ بِمثل مَا أشهد بِهِ فِي وَصيته
وَكَانَ فِي جورجس تلفت كثير إِلَى من عَن يَمِينه وشماله من النَّاس وأخرجته الحدة إِلَى زمع أَصَابَهُ فصاح سهل صرى وهك المسيه أخروا فِي أُذُنه آيَة خرسي أَرَادَ صرع وَحقّ الْمَسِيح اقرؤوا فِي أُذُنه آيَة الْكُرْسِيّ
قَالَ يُوسُف وَمن دعاباته أَنه خرج فِي يَوْم الشعانين يُرِيد دير الجاثليق والمواضع الَّتِي تخرج إِلَيْهَا النَّصَارَى فِي يَوْم الشعانين فَرَأى يوحنا بن ماسوية فِي هَيْئَة أحسن من هَيئته وعَلى دَابَّة أفره من دَابَّته وَمَعَهُ غلْمَان لَهُ روقة فحسده على الظَّاهِر من نعْمَته فَصَارَ إِلَى صَاحب مسلحة النَّاحِيَة فَقَالَ لَهُ إِن ابْني يعقني وَقد أَعْجَبته نَفسه وَرُبمَا أخرجه الْعجب بِنَفسِهِ وبنعمته إِلَى جحود أَبَوي وَأَن أَنْت بطحته وضربته عشْرين درة موجعة أَعطيتك عشْرين دِينَارا
ثمَّ أخرج الدَّنَانِير فَدَفعهَا إِلَى رجل وثق بِهِ صَاحب المسلحة ثمَّ اعتزل نَاحيَة إِلَى أَن بلغ يوحنا إِلَى الْموضع الَّذِي هُوَ فِيهِ فقدمه إِلَى صَاحب المسلحة وَقَالَ هَذَا ابْني يعقني ويستخف بِي
فَجحد أَن يكون ابْنه فَلم يكلمهُ صَاحب المسلحة حَتَّى بطح يوحنا وضربه عشْرين درة ضربا وجيعا مبرحا
стр. 216
سَابُور بن سهل
كَانَ ملازما لبيمارستان جندي سَابُور ومعالجة المرضى بِهِ وَكَانَ فَاضلا عَالما بقوى الْأَدْوِيَة المفردة وتركيبها وَتقدم عِنْد المتَوَكل وَكَانَ يرى لَهُ وَكَذَلِكَ عِنْد من تولى بعده من الْخُلَفَاء
وَتُوفِّي فِي أَيَّام الْمُهْتَدي بِاللَّه
وَكَانَت وَفَاة سَابُور بن سهل فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ لتسْع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ
ولسابور بن سهل من الْكتب كتاب الأقراباذين الْكَبِير الْمَشْهُور جعله سَبْعَة عشر بَابا وَهُوَ الَّذِي كَانَ من الْمَعْمُول عَلَيْهِ فِي البيمارستان ودكاكين الصيادلة وخصوصا قبل ظُهُور الأقراباذين الَّذِي أَلفه أَمِين الدولة بن التلميذ
كتاب قوى الْأَطْعِمَة ومضارها ومنافعها كتاب الرَّد على حنين فِي كِتَابه فِي الْفرق بَين الْغذَاء والدواء المسهل
القَوْل فِي النّوم واليقظة كتاب إِبْدَال الْأَدْوِيَة
إسرئيل بن سهل
كَانَ مُتَقَدما فِي صناعَة الطِّبّ حسن العلاج خَبِيرا بتركيب الْأَدْوِيَة
وَله كتاب مَشْهُور فِي الترياق وَقد أَجَاد عمله وَبَالغ فِي تأليفه
مُوسَى بن إِسْرَائِيل الْكُوفِي
متطبب إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم كَانَ مُوسَى هَذَا قَلِيل الْعلم بالطب إِذا قيس إِلَى من هُوَ فِي دهره من مَشَايِخ المتطببين إِلَّا أَنه كَانَ أملأ لمجلسه مِنْهُم بخصال اجْتمعت فِيهِ مِنْهَا فصاحة اللهجة وَمَعْرِفَة بالنجوم وَعلم بأيام النَّاس وَرِوَايَة الْأَشْعَار
وَكَانَ مولده فِيمَا ذكر لي سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة ووفاته فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
فَكَانَ أَبُو إِسْحَق يحْتَملهُ لهَذِهِ الْخلال وَلِأَنَّهُ كَانَ طيب الْعشْرَة جدا يدْخل فِي كل مَا يدْخل فِيهِ منادمو الْمُلُوك
وَكَانَ قد خدم وَهُوَ حدث عِيسَى بن مُوسَى بن مُحَمَّد ولي الْعَهْد
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي مُوسَى بن إِسْرَائِيل قَالَ كَانَ لعيسى بن مُوسَى متطبب يَهُودِيّ يُقَال لَهُ فرات بن شحاثا كَانَ تياذوق المتطبب يقدمهُ على جَمِيع تلامذته وَكَانَ شَيخا كَبِيرا قد خدم الْحجَّاج بن يُوسُف وَهُوَ حدث
قَالَ وَكَانَ عِيسَى يشاور فِي كل أَمر ينوبه هَذَا المتطبب
قَالَ مُوسَى
فَلَمَّا عقد الْمَنْصُور لعيسى على محاربة مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن الْعلوِي وَصَارَ اللِّوَاء فِي دَاره
стр. 217
قَالَ للفرات مَا تَقول فِي هَذَا اللِّوَاء
قَالَ لَهُ المتطبب أَقُول إِنَّه لِوَاء الشحناء بَيْنك وَبَين أهلك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
إِلَّا أَنِّي أرى لَك نقل أهلك من الْكُوفَة إِلَى أَي الْبلدَانِ أَحْبَبْت فَإِن الْكُوفَة بلد شيعَة من تحارب فَإِن فللت لم تكن لمن تخلف بهَا من أهلك بقيا وَإِن فللت وأصبت من تتَوَجَّه إِلَيْهِ زَاد ذَلِك فِي أضغانهم عَلَيْك فَإِن سلمت مِنْهُم حياتك لم يسلم مِنْهُم عقبك بعد وفاتك
فَقَالَ لَهُ عِيسَى وَيحك إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ غير مفارق للكوفة فَلم أنقل أَهلِي عَنْهَا وهم مَعَه فِي دَار فَقَالَ لَهُ أَن الفيصل فِي مخرجك فَإِن كَانَت الْحَرْب لَك فالخليفة مُقيم بِالْكُوفَةِ وَإِن كَانَت الْحَرْب عَلَيْك لم تكن الْكُوفَة لَهُ بدار وسيهرب عَنْهَا ويخلف حرمه فضلا عَن حَرمك
قَالَ مُوسَى فحاول عِيسَى نقل عِيَاله من الْكُوفَة فَلم يسوغه ذَلِك الْمَنْصُور
قَالَ وَلما فتح الله على عِيسَى وَرجع إِلَى الْكُوفَة وَقتل إِبْرَاهِيم بن عبيد الله انْتقل الْمَنْصُور إِلَى مَدِينَة السَّلَام فَقَالَ لَهُ متطببه بادره بالانتقال مَعَه إِلَى مدينته الَّتِي قد أحدثها وَاسْتَأْذَنَ الْمَنْصُور فِي ذَلِك فَأعلمهُ أَنه لَا سَبِيل إِلَيْهِ وَأَنه قد دبر استخلافه على الْكُوفَة فَأخْبر بذلك عِيسَى متطببه
فَقَالَ لَهُ المتطبب استخلافه إياك على الْكُوفَة قد حل لعقدك عَن الْعَهْد لِأَنَّهُ لَو دبر تَمام الْأَمر لَك لولاك خُرَاسَان بلد شيعتك
فَأَما أَن يجعلك بِالْكُوفَةِ مَعَ أعدائه وأعدائك وَقد قتلت مُحَمَّد بن عبد الله فوَاللَّه مَا دبر فِيك إِلَّا قَتلك وَقتل عقبك
وَمن الْمحَال أَن يوليك خُرَاسَان بعد الظَّاهِر مِنْهُ فِيك
فسله توليتك الجزيرتين أَو الشَّام فَأخْرج إِلَيّ أَي الولايتين ولاك فأوطنها فَقَالَ لَهُ تكره لي ولَايَة الْكُوفَة وَأَهْلهَا من شيعَة بني هَاشم وترغب لي فِي ولَايَة الشَّام أَو الجزيرتين وَأَهْلهَا من شيعَة بني أُميَّة فَقَالَ لَهُ المتطبب أهل الْكُوفَة وَأَن وَسموا أنفسهم بالتشيع لبني هَاشم فلست وَأهْلك من بني هَاشم الَّذِي يتشيعون لَهُم
وَإِنَّمَا تشيعهم لبني أبي طَالب وَقد أصبت من دِمَائِهِمْ مَا قد أكسب أهل الْكُوفَة بغضتك وَأحل لَهُم عِنْد أنفسهم الاقتياد مِنْك
وتشيع أهل الجزيرتين وَالشَّام لَيْسَ على طَرِيق الدّيانَة وَإِنَّمَا ذَلِك على طَرِيق إِحْسَان بني أُميَّة إِلَيْهِم
وَإِن أَنْت أظهرت لَهُم مَوَدَّة مَتى وليتهم فأحسنت إِلَيْهِ كَانُوا لَك شيعَة ويدلك على ذَلِك محاربتهم مَعَ عبد الله بن عَليّ على مَا قد نَالَ من دِمَائِهِمْ لما تألفهم وتضمن لَهُم الْإِحْسَان إِلَيْهِم فهم إِلَيْك لسلامتك من دِمَائِهِمْ أميل
واستعفى عِيسَى من ولَايَة الْكُوفَة وَسَأَلَ تعويضه عَنْهَا فَأعلمهُ الْمَنْصُور أَن الْكُوفَة دَار الْخلَافَة وَإنَّهُ لَا يُمكن أَن تَخْلُو من خَليفَة أَو ولي عهد
ووعد عِيسَى أَن يُقيم بِمَدِينَة السَّلَام سنة وبالكوفة سنة
وَأَنه إِذا صَار إِلَى الْكُوفَة صَار عِيسَى إِلَى مَدِينَة السَّلَام فَأَقَامَ بهَا
قَالَ مُوسَى فَلَمَّا طلب أهل خُرَاسَان عقد الْبيعَة للمهدي قَالَ لمتطببه مَا تَقول يَا فرات فقد دعيت إِلَى تَقْدِيم مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ على نَفسِي فَقَالَ لَهُ فتدفع بِمَاذَا أرى أَن تسمع وتطيع الْيَوْم وَبعد الْيَوْم
فَقَالَ لَهُ وَمَا بعد الْيَوْم قَالَ إِذا دعَاك مُحَمَّد بن أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى خلع نَفسك وَتَسْلِيم الْخلَافَة إِلَى بعض وَلَده أَن تسارع
فَلَيْسَتْ عنْدك مَنْعَة وَلَا يمكنك مُخَالفَة الْقَوْم فِي شَيْء يريدونه مِنْك قَالَ مُوسَى فَمَاتَ المتطبب فِي
стр. 218
خلَافَة الْمَنْصُور
فَلَمَّا دعى الْمهْدي عِيسَى إِلَى خلع نَفسه من ولَايَة الْعَهْد وَتَسْلِيم الْأَمر إِلَى الْهَادِي قَالَ عِيسَى بن مُوسَى قَاتلك الله يَا فرات مَا كَانَ أَجود رَأْيك وأعلمك بِمَا تتفوه بِهِ كَأَنَّك كنت شَاهدا ليومنا هَذَا قَالَ مُوسَى بن إِسْرَائِيل وَلما رَأَيْت فعل أبي السَّرَايَا بمنازل العباسيين قلت مثل مَا قَالَ عِيسَى ابْن مُوسَى
وَقَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم لما بلغه وَهُوَ بِمصْر مَا ركب الطالبيون وَأهل الْكُوفَة من العباسيين وَقتل عبد الله بن مُحَمَّد بن دَاوُد مثل مَا قَالَ عِيسَى بن مُوسَى ومُوسَى المتطبب
قَالَ يُوسُف وحَدثني مُوسَى بن إِسْرَائِيل المتطبب أَن عِيسَى بن مُوسَى شكا إِلَى فرات متطببه مَا يُصِيبهُ من النعاس مَعَ مسامريه وَأَنه أَن تعشى مَعَهم ثقلت معدته فَنَامَ وَفَاته السمر وَأصْبح وَمَعَهُ ثقلة تَمنعهُ من الْغذَاء وَإِن لم يتعش مَعَهم أضرت بِهِ الشَّهْوَة الكاذبة فَقَالَ لَهُ شَكَوْت إِلَيّ مثل مَا شكا الْحجَّاج إِلَى أستاذي تياذوق فوصف لَهُ شَيْئا أَرَادَ بِهِ الْخَيْر فَصَارَ شرا
فَقَالَ لَهُ وَمَا هُوَ قَالَ وصف لَهُ الْعَبَث بالفستق فَذكر ذَلِك الْحجَّاج لحظاياه فَلم يبْق لَهُ حظية إِلَّا قشرت لَهُ جَاما من الفستق وَبعثت بِهِ إِلَيْهِ
وَجلسَ مَعَ مَسَامِيرهُ فَأقبل يستف الفستق سفا فأصابته هيضة كَادَت تَأتي على نَفسه فَشَكا ذَلِك إِلَى تياذوق
فَقَالَ إِنَّمَا أَمرتك أَن تعبث بالفستق وَأَرَدْت بذلك الفستق الَّذِي بقشريه جَمِيعًا لتتولى أَنْت كسر الْوَاحِدَة بعد الْوَاحِدَة ومص قشرها المصلح لمعدة مثلك من الشَّبَاب الممرورين وَإِصْلَاح الكبد بِمَا يتَأَدَّى إِلَيْهَا من طعم هَذَا الفستق وَذَهَبت إِلَى أَنَّك إِذا أكلت مَا فِي الفستقة من الثَّمَرَة وحاولت كسر أُخْرَى لم يتم لَك كسرهَا إِلَّا وَقد أسرعت الطبيعة فِي هضم مَا أكلت من ثَمَرَة الفستقة الَّتِي قبلهَا
فَأَما مَا فعلت فَلَيْسَ بعجيب أَن ينالك مَعَه أَكثر مِمَّا أَنْت فِيهِ
وَإِن كنت تَأْخُذ أَيهَا الْأَمِير الفستق على مَا رأى أستاذي أَن يُؤْخَذ انتفعت بِهِ
قَالَ مُوسَى فَلَزِمَ عِيسَى بن مُوسَى أَخذ الفستق أَكثر من عشْرين سنة فَكَانَ يحمده
ماسرجويه متطبب الْبَصْرَة
وَهُوَ الَّذِي نقل كتاب أهرن من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ
وَكَانَ يَهُودِيّ الْمَذْهَب سريانيا وَهُوَ الَّذِي يعنيه أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي بقوله قَالَ الْيَهُودِيّ
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل أَن ماسرجويه كَانَ فِي أَيَّام بني أُميَّة
وَأَنه تولى فِي الدولة المروانية تَفْسِير كتاب أهرن بن أعين إِلَى الْعَرَبيَّة الَّذِي وجده عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ فِي خَزَائِن الْكتب فَأمر بِإِخْرَاجِهِ وَوَضعه فِي مُصَلَّاهُ واستخار الله فِي إِخْرَاجه إِلَى الْمُسلمين للإنتفاع بِهِ فَلَمَّا تمّ لَهُ فِي ذَلِك أَرْبَعُونَ صباحا أخرجه إِلَى النَّاس وبثه فِي أَيْديهم
قَالَ سُلَيْمَان بن حسان حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عمر بن عبد الْعَزِيز بِهَذِهِ الْحِكَايَة فِي مَسْجِد التِّرْمِذِيّ
стр. 219
سنة تسع وَخمسين وثلثمائة
وَقَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم حَدثنِي أَيُّوب بن الحكم الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بالكسروي صَاحب مُحَمَّد بن طَاهِر بن الْحُسَيْن وَكَانَ ذَا أدب ومروءة وَعلم بأيام النَّاس وأخبارهم
قَالَ كَانَ أَبُو نواس الْحسن بن هَانِئ يعشق جَارِيَة لامْرَأَة من ثَقِيف تسكن الْموضع الْمَعْرُوف بحكمان من أَرض الْبَصْرَة يُقَال لَهَا جنان وَكَانَ المعروفان بِأبي عُثْمَان وَأبي أُميَّة من ثَقِيف قريبين لمولاة الْجَارِيَة
فَكَانَ أَبُو نواس يخرج فِي كل يَوْم من الْبَصْرَة يتلَقَّى من يقدمهُ من نَاحيَة حكمان فيسائلهم عَن أَخْبَار جنان
قَالَ فَخرج يَوْمًا وَخرجت مَعَه وَكَانَ أول طالع علينا ماسرجويه المتطبب فَقَالَ لَهُ أَبُو نواس كَيفَ خلفت أَبَا عُثْمَان ومية فَقَالَ ماسرجويه جنان صَالِحَة كَمَا تحب
فَأَنْشَأَ أَبُو نواس يَقُول
(أسأَل القادمين من حكمان ... كَيفَ خَلفْتُمْ أَبَا عُثْمَان)
(وَأَبا مية الْمُهَذّب والمأمول ... والمرتجى لريب الزَّمَان)
(فَيَقُولُونَ لي جنان كَمَا ... سرك فِي حَالهَا فسل عَن جنان)
(مَا لَهُم لَا يُبَارك الله فيهم ... كَيفَ لم يغن عَنْهُم كتماني) الْخَفِيف
قَالَ يُوسُف وحَدثني أَيُّوب بن الحكم أَنه كَانَ جَالِسا عِنْد ماسرجويه وَهُوَ ينظر فِي قَوَارِير المَاء إِذْ أَتَاهُ رجل من الخوز فَقَالَ لَهُ إِنِّي بليت بداء لم يبل أحد بِمثلِهِ
فَسَأَلَهُ عَن دائه فَقَالَ أصبح وبصري عَليّ مظلم وَأَنا أجد مثل لحس الْكلاب فِي معدتي فَلَا تزَال هَذِه حَالي حَتَّى أطْعم شَيْئا فَإِذا طعمت سكن عني مَا أجد إِلَى وَقت انتصاف النَّهَار ثمَّ يعاودني مَا كنت فِيهِ فَإِذا عاودت الْأكل سكن مَا بِي إِلَى وَقت صَلَاة الْعَتَمَة ثمَّ يعاودني فَلَا أجد لَهُ دَوَاء إِلَّا معاودة الْأكل فَقَالَ ماسرجويه على هَذَا الدَّاء غضب الله فَإِنَّهُ أَسَاءَ لنَفسِهِ الِاخْتِيَار حِين قرنها بسفلة مثلك ولوددت أَن هَذَا الدَّاء يحول إِلَيّ وَإِلَى صبياني وَكنت أعوضك مِمَّا نزل بك مِنْهُ مثل نصف مَا أملك فَقَالَ لَهُ مَا أفهم عَنْك فَقَالَ لَهُ ماسرجويه هَذِه صِحَة لَا تستحقها أسأَل الله نقلهَا عَنْك إِلَى من هُوَ أَحَق بهَا مِنْك
قَالَ يُوسُف وحَدثني أَيُّوب بن الحكم الكسروي قَالَ شَكَوْت إِلَى ماسرجويه تعذر الطبيعة فَسَأَلَنِي أَي الأنبذة أشْرب فأعلمته أَنِّي أدمن النَّبِيذ الْمَعْمُول من الدوشاب البستاني الْكثير الداذي
فَأمرنِي أَن آكل فِي كل يَوْم من أَيَّام الصَّيف على الرِّيق قثاءه صَغِيرَة من قثاء بِالْبَصْرَةِ يعرف
стр. 220
بالخريبي
قَالَ فَكنت أُوتِيَ بالقثاء وَهُوَ قثاء دَقِيق فِي دقة الْأَصَابِع وَطول القثاءة مِنْهُ نَحْو من فتر فَآكل مِنْهُ الْخمس والست والسبع فَكثر عَليّ الإسهال فشكوت ذَلِك إِلَيْهِ فَلم يكلمني حَتَّى حقنني بحقنة كَثِيرَة الشحوم والصموغ والخطمي والأرز الْفَارِسِي وَقَالَ لي كدت تقتل نَفسك بإكثارك من القثاء على الرِّيق لِأَنَّهُ كَانَ يحدر من الصَّفْرَاء مَا يزِيل عَن الأمعاء من الرطوبات اللاصقة بهَا مَا يمْنَع الصَّفْرَاء من سحجها وأحداث الدوسنطاريا فِيهَا
ولماسرجويه من الْكتب كناش كتاب فِي الْغذَاء كتاب فِي الْعين
سلمويه بن بنان متطبب المعتصم
لما اسْتخْلف أَبُو إِسْحَق مُحَمَّد المعتصم بِاللَّه وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَان عشرَة وَمِائَتَيْنِ اخْتَار لنَفسِهِ سلمويه الطَّبِيب وأكرمه إِكْرَاما كثيرا يفوق الْوَصْف وَكَانَ يرد إِلَى الدَّوَاوِين توقيعات المعتصم فِي السجلات وَغَيرهَا بِخَط سلمويه وكل مَا كَانَ يرد على الْأُمَرَاء والقواد من خُرُوج أَمر وتوقيع من حَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فبخط سلمويه
وَولى أَخا سلمويه إِبْرَاهِيم بن بنان خزن بيُوت الْأَمْوَال فِي الْبِلَاد وخاتمه مَعَ خَاتم أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَلم يكن أحد عِنْده مثل سلمويه وأخيه إِبْرَاهِيم فِي الْمنزلَة
وَكَانَ سلمويه بن بنان نَصْرَانِيّا حسن الِاعْتِقَاد فِي دينه كثير الْخَيْر مَحْمُود السِّيرَة وافر الْعقل جميل الرَّأْي
وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسة قَالَ أَخْبرنِي يوحنا بن مساويه عَن المعتصم أَنه قَالَ سلمويه طبيبي أكبر عِنْدِي من قَاضِي الْقُضَاة لِأَن هَذَا يحكم فِي نَفسِي وَنَفْسِي أشرف من مَالِي وملكي وَلما مرض سلمويه الطَّبِيب أَمر المعتصم وَلَده أَن يعودهُ فعاده
ثمَّ قَالَ أَنا أعلم وأتيقن إِنِّي لَا أعيش بعده لِأَنَّهُ كَانَ يُرَاعِي حَياتِي وَيُدبر جسمي وَلم يَعش بعده تَمام السّنة
وَقَالَ إِسْحَق بن حنين عَن أَبِيه أَن سلمويه كَانَ أعلم أهل زَمَانه بصناعة الطِّبّ
وَكَانَ المعتصم يُسَمِّيه أبي
فَلَمَّا اعتل سلمويه عَاده المعتصم وَبكى عِنْده وَقَالَ تُشِير عَليّ بعْدك بِمَا يصلحني فَقَالَ سلمويه يعز عَليّ بك يَا سَيِّدي وَلَكِن عَلَيْك بِهَذَا الْفُضُولِيّ يوحنا بن ماسويه وَإِذا شَكَوْت إِلَيْهِ شَيْئا فقد يصف فِيهِ أوصافا فَإِذا وصف فَخذ أقلهَا أخلاطا
فَلَمَّا مَاتَ سملويه امْتنع المعتصم من أكل الطَّعَام يَوْم مَوته وَأمر بِأَن تحضر جنَازَته الدَّار وَيصلى عَلَيْهِ بالشمع والبخور على زِيّ النَّصَارَى الْكَامِل
فَفعل وَهُوَ بِحَيْثُ يبصرهم ويباهي فِي كرامته وحزن عَلَيْهِ حزنا شَدِيدا
وَكَانَ المعتصم الهضم فِي جِسْمه قوي وَكَانَ سلمويه يفصده فِي السّنة مرَّتَيْنِ ويسقيه بعد كل مرّة دَوَاء مسهلا ويعالجه بالحمية فِي أَوْقَات
فَأَرَادَ يوحنا بن ماسويه
стр. 221
أَن يرِيه غير مَا عهد فَسَقَاهُ دَوَاء قبل الفصد وَقَالَ أَخَاف أَن تتحرك عَلَيْهِ الصَّفْرَاء فَعِنْدَ مَا شرب الدَّوَاء حمي دَمه وحم جِسْمه وَمَا زَالَ جِسْمه ينقص والعلل تتزايد إِلَى أَن نحل بدنه وَمَات بعد عشْرين شهرا من وَفَاة سلمويه
وَكَانَت وَفَاة المعتصم فِي شهر ربيع الأول سنة سبع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم قَالَ المعتصم لأبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي أول مقدمه من بلد الرّوم وَهُوَ خَليفَة يَا عَم أمورك مضطربة عَلَيْك مُنْذُ أول أَيَّام الْفِتْنَة لِأَنَّك بليت فِي أَولهَا مثل مَا شَمل النَّاس ثمَّ خصك بعد ذَلِك من خراب الضّيَاع وتخرم حُدُودهَا لاستتارك سبع سِنِين من الْخَلِيفَة الْمَاضِي مَا لَو لم يتقدمه شَيْء من الْمَكْرُوه لقد كَانَت فِيهِ كِفَايَة ثمَّ ظهر من سوء رَأْي الْمَأْمُون بعد ذَلِك فِيك مَا طم على كل مَا تقدم من الْمَكْرُوه النَّازِل بك فَزَاد ذَلِك فِي أَمرك
وفكرت فِيك فوجدتك تحْتَاج إِلَى أَن يرد عَليّ فِي يَوْم خبرك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ لمصَالح أمورك
وَرَأَيْت ذَلِك لَا يتم إِلَّا بتقليدي عَن الْقيام بِرَفْع حوايجك إِلَى خَادِم خَاص بِي
وَقد وَقع اخْتِيَاري لَك على خادمين لي يصل كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَيّ فِي مجَالِس جدي وهزلي بل يصل إِلَيّ فِي مرقدي ومتوضئي وهما مسرور سمانه الْخَادِم وسلمويه بن بنان
فاختر أَيهمَا شِئْت وقلده حوايجك فَوَقع اخْتِيَاره على سلمويه وأحضره أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأمره أَن يتَوَلَّى إِيصَال رسائله إِلَيْهِ فِي جَمِيع الْأَوْقَات
قَالَ يُوسُف فقربني أَبُو إِسْحَق بسلمويه وَكنت لَا أكاد أفارقه
وَكَانَ خُرُوج أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن مَدِينَة السَّلَام آخر خرجاته عَن غير ذكر تقدم لخُرُوج إِلَى نَاحيَة من النواحي
وَكَانَ النَّاس قد حَضَرُوا الدكة بالشماسية لحلية السُّرُوج فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء لسبع عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ
فأخرجت الْخَيل ودعا بالجمازات فركبها وَنحن لَا نشك فِي رُجُوعه من يَوْمه
ثمَّ أَمر الموَالِي والقواد باللحاق بِهِ وَلم يخرج مَعَه من أهل بَيته أحد إِلَّا الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون وَعبد الْوَهَّاب ابْن عَليّ
وَخلف المعتصم الواثق بِمَدِينَة السَّلَام إِلَى أَن صلى بِالنَّاسِ يَوْم النَّحْر سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ
ثمَّ أَمر بِالْخرُوجِ إِلَى القاطول فَخرج
فوجهني أَبُو إِسْحَق بحوائج لَهُ إِلَى بَاب أَمِير الْمُؤمنِينَ فتوجهت فَلم يزل سيارة مرّة بالقاطول ومدية القاطول وَمرَّة بدير بني الصَّقْر وَهُوَ الْموضع الَّذِي سمي فِي أَيَّام المعتصم والواثق بالإيتاخية وَفِي أَيَّام المتَوَكل بالمحمدية
ثمَّ صَار المعتصم إِلَى سر من رأى فَضرب مضاربه فِيهَا وَأقَام بهَا فِي الْمضَارب
فَإِنِّي فِي بعض الْأَيَّام على بَاب مضرب المعتصم إِذْ خرج سلمويه بن بنان فَأَخْبرنِي أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ أمره بالمضي إِلَى الدّور وَالنَّظَر إِلَى سوار تكين الفرغاني والتقدم إِلَى متطببه فِي معالجته من عِلّة يجدهَا بِمَا يرَاهُ سلمويه صَوَابا
وَحلف عَليّ أَن لَا أفارقه حَتَّى نصير إِلَى الدّور وَنَرْجِع فمضيت مَعَه فَقَالَ لي حَدثنِي فِي غَدَاة يَوْمنَا هَذَا نصر بن مَنْصُور بن بسام أَنه كَانَ يُسَايِر المعتصم بِاللَّه فِي هَذَا الْبَلَد يَعْنِي بلد سر من رأى وَهُوَ أَمِير
стр. 222
قَالَ لي سلمويه قَالَ لي نصر أَن المعتصم أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَهُ يَا نصر أسمعت قطّ بِأَعْجَب مِمَّن اتخذ فِي هَذَا الْبَلَد بِنَاء وأوطنه لَيْت شعري مَا أعجب موطنه حزونة أرضه أَو كَثْرَة أخافيفه أم كَثْرَة تلاعه وَشدَّة الْحر فِيهِ إِذا حمي الْحَصَى بالشمس
مَا يَنْبَغِي أَن يكون متوطن هَذَا الْبَلَد إِلَّا مُضْطَرّا مقهورا أوردي التَّمْيِيز
قَالَ لي سلمويه قَالَ لي نصر بن مَنْصُور وَأَنا وَالله خَائِف أَن يوطن أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا الْبَلَد فَإِن سلمويه ليحدثني عَن نصر إِذْ رمى ببصره نَحْو الْمشرق فَرَأى فِي مَوضِع الْجَوْسَقِ الْمَعْرُوف بالمصيب أَكثر من ألف رجل يضعون أساس الْجَوْسَقِ
فَقَالَ لي سلمويه أَحسب ظن نصر بن مَنْصُور قد صَحَّ
وَكَانَ ذَلِك فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
وَصَامَ المعتصم فِي الصَّيف فِي شهر رَمَضَان من هَذِه السّنة
وغدى النَّاس فِيهِ يَوْم الْفطر وَاحْتَجَمَ المعتصم بالقاطول يَوْم سبت وَكَانَ ذَلِك الْيَوْم آخر يَوْم من صِيَام النَّصَارَى فَحَضَرَ غداءه سلمويه بن بنان واستأذنه فِي الْمصير إِلَى الْقَادِسِيَّة ليقيم فِي كنيستها بَاقِي يَوْمه وَلَيْلَته ويتقرب فِيهَا يَوْم الْأَحَد وَيرجع إِلَى القاطول قبل وَقت الْغَدَاء من يَوْم الْأَحَد فَأذن لَهُ فِي ذَلِك وكساه ثيابًا كَثِيرَة ووهب لَهُ مسكا وبخورا كثيرا
فَخرج منكسرا مغموما وعزم عَليّ بالمصير مَعَه إِلَى الْقَادِسِيَّة فأجبته إِلَى ذَلِك
وَكَانَت عادتنا مَتى تسايرنا قطع الطَّرِيق إِمَّا بمناظرة فِي شَيْء من الْآدَاب وَأما بدعابة من دعابات المتأدبين فَلم يجارني شَيْء من الْبَابَيْنِ جَمِيعًا وَأَقْبل على الفكرة وتحريك يَده الْيُمْنَى وشفته تهمس من القَوْل بِمَا لَا يعلنه فَسبق إِلَى وهمي أَنه رأى من أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أَمر نَفسه شَيْئا أنكرهُ ثمَّ أَزَال ذَلِك الْوَهم عني إقدامه على الاسْتِئْذَان فِي الْمصير إِلَى الْقَادِسِيَّة وَالثيَاب وَالطّيب الَّذِي جِيءَ بِهِ
فَسَأَلته عَن سَبَب قِرَاءَته وفكرته
فَقَالَ لي سَمِعتك تحكي عَن بعض مُلُوك فَارس قولا فِي الْعقل وَأَنه وَجب أَن يكون أَكثر مَا فِي الْإِنْسَان عقله فأعده عَليّ وخبرني باسم ذَلِك الْملك قَالَ لَهُ قَالَ أنوشروان إِذا لم يكن أَكثر مَا فِي الرجل عقله كَانَ أَكثر مَا فِيهِ برديه فَقَالَ قَاتله الله فَمَا أحسن مَا قَالَ ثمَّ قَالَ أميرنا هَذَا يَعْنِي الواثق حفظه لما يقْرَأ وَيقْرَأ عَلَيْهِ من الْكتب أَكثر من عقله وَأَحْسبهُ قد وَقع فِي الَّذِي يكره وَأَنا استدفع الله فِي المكاره عَنهُ
وَبكى
فَسَأَلته عَن السَّبَب فَقَالَ أَشرت على أَمِير الْمُؤمنِينَ بترك الشّرْب فِي عشيه أمس ليباكر الْحجامَة فِي يَوْمنَا هَذَا على نقاء فَجَلَسَ واحضر الْأَمِير هرون وَابْن أبي داؤد وَعبد الْوَهَّاب ليتحدث مَعَهم فَانْدفع هرون فِي عهد أردشير بن بابك وَأَقْبل يسْرد جَمِيع مَا فِيهِ ظَاهرا حَتَّى أَتَى على الْعَهْد كُله فتخوفت عَلَيْهِ حسد أَبِيه لَهُ على جودة الْحِفْظ الَّذِي لم يرْزق مثله وتخوفت عَلَيْهِ إمْسَاك أَبِيه مَا حد أردشير بن بابك فِي عَهده من ترك إِظْهَار الْبيعَة لوَلِيّ عَهده
وتخوفت عَلَيْهِ مَا ذكر أردشير فِي هَذَا الْبَاب من ميل النَّاس نَحْو ولي الْعَهْد مَتى عرفُوا مَكَانَهُ وتخوفت عَلَيْهِ مَا ذكر أردشير من أَنه لَا يُؤمن اضطغان ولي الْعَهْد على أَسبَاب وَالِده مَتى علم أَنه الْملك بعد أَبِيه وَأَنا وَالله عَالم بِأَن أقل مَا
стр. 223
يَنَالهُ فِي هَذَا الْبَاب التَّضْيِيق عَلَيْهِ فِي معاشه وَأَنه لَا يظْهر لَهُ بيعَة أبدا فاغتمامي بِهَذَا السَّبَب فَكَانَ جَمِيع مَا تخوف سلمويه عَليّ مَا تخوف
قَالَ يُوسُف واستبطأ المعتصم أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي بعض الْأُمُور واستجفاه
فَكتب إِلَيْهِ كتابا أَمرنِي بقرَاءَته على سلمويه ومناظرته فِيهِ فَإِن استصوب الرَّأْي فِي إيصاله ختمته وأوصلته وَإِن كره ذَلِك رَددته على أبي إِسْحَق
فَقَرَأته على سلمويه فَقَالَ لي قل لَهُ قد جرى لَك الْمِقْدَار مَعَ الْمَأْمُون والمعتصم أعز الله الْبَاقِي ورحم الْمَاضِي بِمَا يُوجب عَلَيْك شكر رَبك وَإِلَّا تنكر عَليّ بالخليفتين تنكرهما فِي وَقت من الْأَوْقَات لِأَنَّك تسميت باسم لم يتسم بِهِ أحد قطّ فكاثر الْأَحْيَاء فَإِن كَانَ الْمِقْدَار استعطف عَلَيْك رَحِمك حَتَّى صرت إِلَى الْأَمْن من الْمَكْرُوه
فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن تتعجب من تنكر الْخَلِيفَة فِي وَقت من الْأَوْقَات أَن طعن بعض أعدائك عَلَيْك بِمَا كَانَ مِنْك فَيظْهر بالجفاء الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَة أَو نَحْو ذَلِك
ثمَّ يَنْعَطِف عَلَيْك وَيذكر ماسة رَحِمك وشابكتها فيؤول أَمرك إِلَى مَا تحب
وَلَك أَيْضا آفَة يجب عَلَيْك التَّحَرُّز مِنْهَا وَهِي أَنَّك تجْلِس مَعَ الْخَلِيفَة فِي مَجْلِسه وَفِيه جمَاعَة من أَهله وقواده ووجوه موَالِيه فَهُوَ يجب أَن يكون أجل النَّاس فِي عيونهم وَأَمْلَأُ لقُلُوبِهِمْ فَلَا يجْرِي جَار من القَوْل إِلَّا ظَهرت لنَفسك فِيهِ قولا يتَبَيَّن نصرتك فِيهِ عَلَيْهِ فَلَو كنت مثل ابْن أبي داؤد أَو مثل بعض الْكتاب لَكَانَ الْأَمر فِيهِ أسهل عَلَيْهِ
لِأَنَّهُ مَا كَانَ لتِلْك الطَّبَقَة فَهُوَ للخليفة لأَنهم من عبيده وَمَا كَانَ لرجل من أَهله لَهُ السن والقعدد عَلَيْهِ فَهُوَ مُوجب لمن السن والقعدد لَهُ وَذَلِكَ مزر بالخليفة
وَأَنا أرى أَن لَا أوصل هَذَا الْكتاب وَأَن يتغافل أعزه الله حَتَّى يتشوق إِلَيْهِ الْخَلِيفَة
فَإِذا صَار إِلَيْهِ تحرز بِمَا كرهته لَهُ فَفِي ذَلِك غنى عَن العتاب والاستبطاء
قَالَ فَانْصَرَفت إِلَى أبي إِسْحَق بِالْكتاب وَلم أوصله فَوجدت سِيمَا الدِّمَشْقِي عِنْد صاحبنا وَقد أبلغه رِسَالَة المعتصم بِوَصْف شوقه إِلَيْهِ وبالأمر بالركوب إِلَيْهِ
فَأَخْبَرته بِمَا دَار بيني وَبَين سلمويه وَركب فَاسْتعْمل مَا أَشَارَ بِهِ فَلم يُنكر بعد ذَلِك مِنْهُ شَيْئا حَتَّى فرق بَينهمَا الْمَوْت
قَالَ يُوسُف وَجرى بيني وَبَين سلمويه ذكر يوحنا بن ماسويه فأطنبت فِي وَصفه وَذكرت مِنْهُ مَا أعرف من اتساع علمه
فَقَالَ سلمويه يوحنا آفَة من آفَات من اتَّخذهُ لنَفسِهِ واتكل على علاجه وَكَثْرَة حفظه للكتب وَحسن شَرحه وَوَصفه بِمَا يلجم بِهِ الْمَكْرُوه
ثمَّ قَالَ لي أول الطِّبّ معرفَة مِقْدَار الدَّاء حَتَّى يعالج بِمِقْدَار مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من العلاج
ويوحنا أَجْهَل خلق الله بِمِقْدَار الدَّاء والدواء جَمِيعًا
فَإِن زَوَال محرور عالجه من الْأَدْوِيَة الْبَارِدَة والأغذية المفرطة الْبرد وَبِمَا يزِيل عَنهُ تِلْكَ الْحَرَارَة ويعقب معدته وبدنه بردا يحْتَاج لَهُ إِلَى المعالجة بالأدوية والأغذية الحارة ثمَّ يفعل فِي ذَلِك كَفِعْلِهِ فِي الْعلَّة الأولى من الإفراط ليزول عَنهُ الْبرد ويعتل من حرارة مفرطة
فصاحبه أبدا عليل إِمَّا من حرارة وَإِمَّا من برودة
والأبدان تضعف عَن احْتِمَال هَذَا التَّدْبِير
وَإِنَّمَا الْغَرَض فِي اتِّخَاذ النَّاس المتطببين لحفظ صحتهم فِي أَيَّام الصِّحَّة ولخدمة طبائعهم فِي أَيَّام الْعلَّة
ويوحنا لجهله بمقادير الْعِلَل والعلاج غير قَائِم بِهَذَيْنِ الْبَابَيْنِ
وَمن لم يقم بهما فَلَيْسَ بمتطبب
قَالَ يُوسُف وأصابت إِبْرَاهِيم بن بنان أَخا سلمويه بن بنان هيضة من خوخ أكله فَأكْثر مِنْهُ فَكَادَتْ
стр. 224
تَأتي على نَفسه
فَسَقَاهُ أَخُوهُ سلمويه شهريارانا كثير السقمونيا فأسهله إسهالا كثيرا زَائِدا على الْمِقْدَار الَّذِي يجب أَن يكون مِمَّن شرب مثل مَا شرب إِبْرَاهِيم من الشهرياران
وَانْقطع مَعَ انْقِطَاع فعل الشهرياران فعل الهيضة فَقلت لَهُ أحسبك امتثلت فِيمَا فعلت بأخيك من إسقائه الدَّوَاء المسهل طَريقَة يزِيد بور فِي ثُمَامَة الْعَبْسِي
فَقَالَ مَا اسْتعْملت لَهُ طَريقَة وَلَكِنِّي اسْتعْملت فكري كَمَا اسْتعْمل فكره فنتج لي من الرَّأْي مَا نتج لَهُ
قَالَ يُوسُف وَكنت يَوْمًا عِنْد سلمويه وَقد أجرينا حَدِيث أَيَّام الْفِتْنَة بِمَدِينَة السَّلَام أَيَّام مُحَمَّد الْأمين فَقَالَ لي لقد نفعنا الله فِي تِلْكَ الْأَيَّام بجوار بشر وَبشير ابْني السميدع وَذَلِكَ أَنا كُنَّا مَعَهُمَا فِي كل حمى
ثمَّ قَالَ لي هَل لَك أَن تركب إِلَى بشير فتعوده فقد كنت يئست مِنْهُ أول من أمس ثمَّ أفرق أمس فأجبته إِلَى الرّكُوب مَعَه وركبنا
فَلَمَّا صرنا إِلَى بَاب الدَّرْب الَّذِي كَانَ بشير ينزله طلع علينا بولس بن حنون المتطبب الَّذِي هُوَ الْيَوْم متطبب أهل فلسطين وَهُوَ منصرف من عِنْد بشير
فَسَأَلَهُ عَن خَبره فَأَجَابَهُ بِكَلِمَة بالسُّرْيَانيَّة مَعْنَاهَا بئس
فَقَالَ لَهُ سلمويه ألم تُخبرنِي أمس أَنه قد أفرق فَقَالَ لَهُ بولس قد كَانَ ذَاك إِلَّا أَنه أكل البارحة دماغ جدي فعاوده الإسهال
فعطف سلمويه رَأس دَابَّته وَقَالَ انْصَرف بِنَا فَلَيْسَ يبيت بشير فِي الدُّنْيَا
فَسَأَلته عَن السَّبَب فَذكر أَنه رجل مبطون وَأَن أول آفته كَانَت فِي الْبَطن فَسَاد معدته فتطاولت أَيَّامه فِي الْبَطن بِفساد الْمعدة إِلَى أَن كَانَ ذَلِك سَببا لفساد كبده
وَأَن الدِّمَاغ الَّذِي أكله سيعلق بمعدته ويغري مَا بَين غضونها فَلَا يدخلهَا غذَاء وَلَا دَوَاء إِلَّا زلق
وانصرفنا وَلم يعده سلمويه وَلَا عدته فَمَا بَات حَتَّى توفّي
قَالَ يُوسُف وصحبت بعد وَفَاة أبي إِسْحَق أَبَا دلف
فصحبته وَقد كَانَ مبطونا قبل صحبتي إِيَّاه بِخَمْسَة عشر شهرا
وَكَانَ مجْلِس أبي دلف مجمعا للمتطببين لِأَنَّهُ كَانَ مَعَه من المرتزقة جمَاعَة مِنْهُم يُوسُف بن صليبا وَسليمَان بن داؤد بن بَابَانِ ويوسف الْقصير الْبَصْرِيّ وَلَا أحفظ نسبه وبولس بن حنون متطبب فلسطين وختن كَانَ لَهُ من اللَّجْلَاج وَالْحسن بن صَالح بن بهلة الْهِنْدِيّ
وَكَانَ يحضر مَجْلِسه من المتطببين غير المرتزقين جمَاعَة فَرُبمَا اجْتمع فِي مَجْلِسه مِنْهُم عشرُون رجلا فَكَانُوا على سَبِيل اخْتِلَاف فِي أصل علته فبعضهم كَانَ يرى أَن يسْقِيه الدرياق وَبَعْضهمْ كَانَ يرى أَن يعالجه بالأدوية الَّتِي يَقع فِيهَا الأبيون مثل المتروديطوس وَغَيره
وَكلهمْ كَانَ مجمعا على معالجته بالحمية وبالقيء فِي كل بضع عشرَة لَيْلَة لِأَنَّهُ كَانَ مَتى تقيأ صلحت حَاله ثَلَاثَة أَيَّام أَو نَحْوهَا
فأقمت مَعَه عشرَة أشهر لَا أذكر أَنِّي تشاغلت فِي يَوْم مِنْهَا بِأَمْر من أُمُور الْأَعْمَال الَّتِي أتقلدها
فَسلمت من رَسُول لَهُ يستنهضني للمسير إِلَيْهِ وللنظر فِيمَا بَين المتطببين من الِاخْتِلَاف
стр. 225
ثمَّ أَمر المعتصم حيدر بن كاوس بِالْعقدِ لأبي دلف على قزوين وزنجان ونواحيها وَإِبْرَاهِيم ابْن البحتري بتقليده خراج النَّاحِيَة وَمُحَمّد بن عبد الْملك بتقليده ضياعها
فقلد أَبُو دلف ابْنه مَعنا بن الْقَاسِم المعونة وقلدني الْخراج والضياع وأمرنا بِالْخرُوجِ
فَأتيت سلمويه مودعا ومشاورا
فَقَالَ لي انقلاعك من بلدك مَعَ رجل منحل بدنه مُنْذُ خَمْسَة وَعشْرين شهرا وَجَمِيع من يطِيف بِهِ مَعَك لَا يَجْمَعُكَ وإياهم رحم وَإِنَّمَا هم أهل الْجَبَل وأصبهان وَأَكْثَرهم صعاليك
ولعلك قد استقصيت على بَعضهم بالحضرة وَحَيْثُ كنت تأمن على نَفسك بِمَا لَا أحبه لَك لِأَنَّهُ إِن حدث بِالرجلِ حَادث كنت فِي أَرض غربَة أَسِيرًا فِي أَيدي من لَا مجانسة بَيْنك وَبينهمْ
وامتناعك على الرجل بعد أَن أَجَبْته إِلَى أَن تتقدمه تسمج
وَلَكِن استأجله فِي الْخُرُوج بعد سَبْعَة أَيَّام وأشرف فِي هَذِه الْأَيَّام على مطعمه ومشربه حَتَّى لَا يصل إِلَى جَوْفه فِي هَذَا الْأُسْبُوع مَأْكُول ومشروب إِلَّا عرفت مبلغ وَزنه على الْحَقِيقَة
ووكل من يعرف وزن مَا يخرج مِنْهُ فِي هَذَا الْأُسْبُوع من ثقل وَبَوْل وارفع وزن ذَلِك ليَوْم بعد يَوْم إِلَيْك وصر إِلَيّ بعد هَذَا الْأُسْبُوع بمبلغ وزن جَمِيع مَا دخل بَطْنه من الطَّعَام وَالشرَاب وَغير ذَلِك وَوزن مَا يخرج مِنْهُ
فعنيت بذلك غَايَة الْعِنَايَة وتعرفته حَتَّى صَحَّ عِنْدِي
فَوجدت مَا خرج من بدنه قَرِيبا من ضعف مَا دخله من مطعم ومشرب
فأعلمت ذَلِك سلمويه فَقَالَ لي لَو كَانَ خرج مِنْهُ بِوَزْن مَا دخل بدنه لدل ذَلِك على سرعَة تلفه فَكيف ترى الْحَال كائنة وَالْخَارِج مِنْهُ مثل ضعف مَا دخل بدنه الْهَرَب من التلبيس بِأَمْر هَذَا الرجل فَإِن الشوق قد جذبه
فَمَا لبث بعد هَذَا القَوْل إِلَّا بضع عشرَة لَيْلَة حَتَّى توفّي أَبُو دلف
قَالَ أَبُو عَليّ القباني حَدثنِي أبي قَالَ كَانَت بَين جدي الْحُسَيْن بن عبد الله وَبَين سلمويه المتطبب مَوَدَّة فَحَدثني أَنه دخل إِلَيْهِ يَوْمًا إِلَى دَاره وَكَانَ فِي الْحمام ثمَّ خرج وَهُوَ مكمكم والعرق يسيل من جَبينه وجاءه خَادِم بمائدة عَلَيْهَا دراج مشوي وَشَيْء أَخْضَر فِي زبدية وَثَلَاث رقاقات كزمازك وَفِي سكرجة خل
فَأكل الْجَمِيع واستدعى مَا مِقْدَاره دِرْهَمَانِ شرابًا فمزجه وشربه وَغسل يَدَيْهِ بِمَاء
ثمَّ أَخذ فِي تَغْيِير ثِيَابه البخور
فَلَمَّا فرغ أقبل يحادثني فَقلت لَهُ قبل أَن أجيبك إِلَى شَيْء عرفني مَا صنعت
فَقَالَ أَنا أعالج السل مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة لم آكل فِي جَمِيعهَا إِلَّا مَا رَأَيْت وَهُوَ دراج مشوي وهندبا مسلوقة مطجنة بدهن لوز وَهَذَا الْمِقْدَار من الْخبز
وَإِذا خرجت من الْحمام احتجت إِلَى
стр. 226
مبادرة الْحَرَارَة بِمَا يسكنهَا كَيْلا تعطف على بدني فتأخذ من رطوبته فأشغلها بالغذاء ليَكُون عطفها عَلَيْهِ ثمَّ أتفرغ لغيره
إِبْرَاهِيم بن فزارون
متطبب غَسَّان بن عباد
وَإِبْرَاهِيم بن فزارون هُوَ شيخ بني فزارون الْكتاب
قَالَ يُوسُف ابْن إِبْرَاهِيم كَانَ إِبْرَاهِيم بن فزارون قد خرج مَعَ غَسَّان عباد إِلَى السَّنَد
فَحَدثني أَن غَسَّان بن عباد مكث بِأَرْض السَّنَد من يَوْم النوروز إِلَى يَوْم المهرجان يَشْتَهِي أَن يَأْكُل قِطْعَة لحم بَارِدَة فَمَا قدر على ذَلِك
فَسَأَلته عَن السَّبَب فَقَالَ كُنَّا نطجنه فَلَا يبرد حَتَّى يروح فَيرمى بِهِ
قَالَ يُوسُف وَأَخْبرنِي إِبْرَاهِيم بن فزارون أَنه مَا أكل بِأَرْض السَّنَد لَحْمًا استطابه إِلَّا لُحُوم الطواويس وَإنَّهُ لم يَأْكُل لَحْمًا قطّ أطيب من لحم طواويس بِلَاد السَّنَد
وحَدثني إِبْرَاهِيم بن عِيسَى بن الْمَنْصُور الْمَعْرُوف بِابْن نزيهة عَن غَسَّان بن عباد فِي لُحُوم الطواويس بِمثل مَا حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن فزارون
قَالَ يُوسُف وحَدثني إِبْرَاهِيم بن فزارون أَنه رفع إِلَى غَسَّان بن عباد أَن فِي النَّهر الْمَعْرُوف بمهران بِأَرْض السَّنَد سَمَكَة تشبه الجدي وَأَنَّهَا تصاد ثمَّ يطين رَأسهَا وَجَمِيع بدنهَا إِلَى مَوضِع مخرج الثّقل مِنْهَا ثمَّ يَجْعَل مَا لم يطين مِنْهَا على الْجَمْر ويمسكها مُمْسك بِيَدِهِ حَتَّى ينشوي مِنْهَا مَا كَانَ مَوْضُوعا على الْجَمْر وينضج ثمَّ يُؤْكَل مَا نضج أَو يرْمى بِهِ وتلقى السَّمَكَة فِي المَاء مَا لم ينكسر الْعظم الَّذِي هُوَ صلب السَّمَكَة فتعيش وينبت على عظمها اللَّحْم
وَأَن غَسَّان أَمر بِحَفر بركَة فِي دَاره وملأها مَاء وَأمر بامتحان مَا بلغه
قَالَ إِبْرَاهِيم فَكُنَّا نؤتي كل يَوْم بعدة من هَذَا السّمك فنشويه على الْحِكَايَة الَّتِي ذكرت لنا ونكسر من بعضه عظم الصلب ونترك بعضه لَا نكسره فَكَانَ مَا يكسر عظمه يَمُوت وَمَا لم يكسر عظمه يسلم وينبت عَلَيْهِ اللَّحْم وَيَسْتَوِي الْجلد
إِلَّا أَن جلدَة تِلْكَ السَّمَكَة تشبه جلد الجدي الْأسود وَمَا قشرناه من لُحُوم السّمك الَّتِي شويناها ورددناها إِلَى المَاء يكون على غير لون الْجلْدَة الأولى لِأَنَّهُ يضْرب إِلَى الْبيَاض
قَالَ يُوسُف وَسَأَلت إِبْرَاهِيم بن فزارون عَن قَول من يزْعم أَن نهر مهْرَان هُوَ نهر النّيل فَقَالَ لي رَأَيْت نهر مهْرَان وَهُوَ يصب فِي الْبَحْر المالح إِلَّا أَن عُلَمَاء الْهِنْد والسند أعلموني أَن مخرج النّيل ومخرج نهر مهْرَان من عين وَاحِدَة عَظِيمَة فنهر مهْرَان يشق أَرض السَّنَد حَتَّى يصب فِي بحرها المالح وَالنّهر
стр. 227
الآخر يشق أَرض الْهِنْد وَجَمِيع أَرض السودَان حَتَّى يخرج إِلَى أَرض النّوبَة ثمَّ يصب بَاقِيه فِي أَرض مصر فيرويها ثمَّ يصب بَاقِيه فِي بَحر الرّوم
قَالَ يُوسُف وحَدثني عَنْبَسَة بن إِسْحَق الضَّبِّيّ من أَمر الْعين الَّتِي مِنْهَا يخرج نهر مهْرَان والنيل بِمثل مَا حَدثنِي بِهِ إِبْرَاهِيم وَكَانَ يحدثنا بِحَدِيث السّمك فِي كل وَقت
أَيُّوب الْمَعْرُوف بالأبرش
كَانَ لَهُ نظر فِي صناعَة الطِّبّ وَمَعْرِفَة بِالنَّقْلِ وَقد نقل كتبا من مصنفات اليونانيين إِلَى السرياني وَإِلَى الْعَرَبِيّ وَهُوَ متوسط النَّقْل وَمَا نَقله فِي آخر عمره فَهُوَ أَجود مِمَّا نَقله قبل ذَلِك
إِبْرَاهِيم بن أَيُّوب الأبرش
قَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب حَدثنِي عِيسَى بن ماسة قَالَ رَأَيْت إِبْرَاهِيم بن أَيُّوب الأبرش وَقد عالج إِسْمَاعِيل أَخا المعتز وَبرئ
فكلمت أمه قبيحة المتَوَكل أَن يُجِيزهُ فَقَالَ لَهَا لَا تجيزيه لَيْسَ عنْدك مَا تعطيه حَتَّى أعْطِيه أَنا مثله
وَإِبْرَاهِيم وَاقِف بَين أَيْدِيهِمَا فَأمرت قبيحة فأحضرت بدرة دَرَاهِم لإِبْرَاهِيم وَأمر المتَوَكل بإحضار مثل ذَلِك فأحضرت قبيحة بدرة أُخْرَى فَأمر بإحضار مثلهَا فَلم يَزَالَا يأمران بإحضار بدرة وبدرة حَتَّى أحضرت سِتّ عشرَة بدرة فأومت قبيحة إِلَى جاريتها أَن تمسك فَقَالَ لَهَا إِبْرَاهِيم سرا لَا تقطعي وَأَنا أرد عَلَيْك
فَقَالَت لَهُ املأ الله عين الآخر
فَقَالَ لَهَا المتَوَكل وَالله لَو أعطيتيه إِلَى الصَّباح لأعطيته مثل ذَلِك
فَحملت الْبَدْر إِلَى منزل إِبْرَاهِيم
وَقَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت أَن الْخلَافَة لما تأدت إِلَى المعتز بِاللَّه كَانَ أخص المتطببين عِنْده إِبْرَاهِيم ابْن الأبرش لمكانه من والدته قبيحة
وَكَانَت صلَاته أبدا واصلة إِلَيْهِ
وخلع أَبُو عبد الله المعتز بِاللَّه بسر من رأى وَقبض عَلَيْهِ صَالح بن وصيف يَوْم الِاثْنَيْنِ لثلاث بَقينَ من رَجَب سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ وحبسه خَمْسَة أَيَّام ثمَّ قتل وَقت الْعَصْر من يَوْم الْجُمُعَة لليلتين خلتا من شعْبَان من السّنة الْمَذْكُورَة وَله ثَلَاث وَعِشْرُونَ سنة
جِبْرَائِيل كَحال الْمَأْمُون
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم كَانَ الْمَأْمُون يستخف يَد جِبْرَائِيل الكحال وَيذكر أَنه مَا رأى أبدا على عين أخف من يَده
وَاتخذ مراود ومكاحل ودستجا وَدفعه إِلَيْهِ فَكَانَ أول من يدْخل
стр. 228
إِلَيْهِ فِي كل يَوْم عِنْد تَسْلِيمه فِي صَلَاة الغذاة فَيغسل أجفانه ويكحل عَيْنَيْهِ فَإِذا انتبه من قائلته فعل مثل ذَلِك
وَكَانَ يجْرِي عَلَيْهِ ألف دِرْهَم فِي كل شهر
ثمَّ سَقَطت مَنْزِلَته بعد ذَلِك فَسَأَلته عَن السَّبَب فِي ذَلِك فَأَخْبرنِي أَن الْحُسَيْن الْخَادِم اعتل فَلم يُمكن ياسرا أَخَاهُ عيادته لاشتغاله بِالْخدمَةِ إِلَى أَن وافى يَاسر بَاب الْحُجْرَة الَّتِي كَانَ فِيهَا الْمَأْمُون وَقد خرج جِبْرَائِيل من عِنْده بعد أَن برد أجفانه وكحل عَيْنَيْهِ
فَسَأَلَهُ يَاسر عَن خبر الْمَأْمُون فَأخْبرهُ أَنه أغفى فتغنم يَاسر مَا أخبرهُ بِهِ من نَومه فَصَارَ إِلَى حُسَيْن فعاده
وأنتبه الْمَأْمُون قبل انصراف يَاسر من عِنْد حُسَيْن ثمَّ انْصَرف يَاسر فَسَأَلَهُ الْمَأْمُون عَن سَبَب تخلفه فَقَالَ يَاسر أخْبرت بنوم أَمِير الْمُؤمنِينَ فصرت إِلَى حُسَيْن فعدته
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون وَمن أخْبرك برقادي فَقَالَ لَهُ يَاسر جِبْرَائِيل الكحال
قَالَ جِبْرَائِيل فأحضرني الْمَأْمُون ثمَّ قَالَ يَا جِبْرَائِيل اتخذتك كحالا لي أَو عَاملا على الْإِخْبَار عني أردد عَليّ مكاحلي وأميالي واخرج عَن دَاري
فأذكرته خدمتي فَقَالَ إِن لَهُ لحُرْمَة فليقتصر لَهُ على إِجْرَاء مائَة وَخمسين درهما فِي كل شهر وَلَا يُؤذن لَهُ فِي الدُّخُول
فَلم يخْدم الْمَأْمُون بعده حَتَّى توفّي
ماسويه أَبُو يوحنا
قَالَ فثيون الترجمان أَن ماسويه كَانَ يعْمل فِي دق الْأَدْوِيَة فِي بيمارستان جندي سَابُور وَهُوَ لَا يقْرَأ حرفا وَاحِدًا بِلِسَان من الْأَلْسِنَة إِلَّا أَنه عرف الْأَمْرَاض وعلاجها وَصَارَ بَصيرًا بانتقاد الْأَدْوِيَة فَأَخذه جِبْرَائِيل بن بختيشوع فَأحْسن إِلَيْهِ وعشق جَارِيَة لداود بن سرابيون فابتاعها جِبْرَائِيل بثمانمائة دِرْهَم ووهبها لماسويه ورزق مِنْهَا ابْنه يوحنا وأخاه ميخائيل
وَقَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسة إِن ماسويه أَبَا يوحنا كَانَ تلميذا فِي بيمارستان جندي سَابُور ثَلَاثِينَ سنة فَلَمَّا اتَّصل بِهِ مَحل جِبْرَائِيل من الرشيد قَالَ هَذَا أَبُو عِيسَى قد بلغ السها وَنحن فِي البيمارستان لَا نتجاوزه
فَبلغ ذَلِك جِبْرَائِيل وَكَانَ البيمارستان إِلَيْهِ فَأمر بِإِخْرَاجِهِ مِنْهُ وَقطع رزقه
فَبَقيَ مُنْقَطِعًا بِهِ فَصَارَ إِلَى مَدِينَة السَّلَام ليعتذر إِلَى جِبْرَائِيل ويخضع لَهُ
فَلم يزل على بَابه دهرا طَويلا فَلم يَأْذَن لَهُ
فَكَانَ إِذا ركب دَعَا لَهُ واستعطفه فَلَا يكلمهُ
فَلَمَّا ضَاقَ بِهِ الْأَمر صَار إِلَى دَار الرّوم بالجانب الشَّرْقِي فَقَالَ للقس أكرز لي فِي الْبيعَة لَعَلَّه أَن يَقع لي شَيْء فأنصرف إِلَى بلدي فَإِن أَبَا عِيسَى لَيْسَ يرضى عني وَلَا يكلمني
فَقَالَ لَهُ القس أَنْت فِي البيمارستان مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة وَلَا تحسن شَيْئا من الطِّبّ فَقَالَ بلَى وَالله أطب وأكحل وأعالج الْجِرَاحَات
فَأخْرج لَهُ صندوقا وَأَعْطَاهُ إِيَّاه ليداوي وَأَجْلسهُ بِبَاب الْحرم عِنْد قصر الْفضل بن الرّبيع وَهُوَ وَزِير الرشيد فَلم يزل هُنَاكَ يكْسب الشَّيْء بعد الشَّيْء حَتَّى حسنت حَاله
واشتكت عين خَادِم للفضل بن الرّبيع فنفذ إِلَيْهِ جِبْرَائِيل بكحالين فعالجوه بأصناف العلاج فَلم ينْتَفع بِهِ وَاشْتَدَّ وَجَعه حَتَّى عدم النّوم
فَلَمَّا اشْتَدَّ أرقه وقلقه خرج من الْقصر هائما من الضجر والقلق
فَرَأى ماسويه فَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا تصنع هُنَا إِن كنت تحسن شَيْئا فعالجني
стр. 229
وَإِلَّا فَقُمْ من هَهُنَا
فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي أحسن وأجيد
فَقَالَ لَهُ ادخل معي حَتَّى تعالجني
فَدخل مَعَه وقلب جفْنه وكحله وسكب على رَأسه وسعطه
فَنَامَ الْخَادِم وهدأ
فَلَمَّا أصبح أنفذ إِلَى ماسويه جونة فِيهَا خبز سميد وجدي ودجاجة وحلوى ودنانير ودراهم وَقَالَ لَهُ هَذَا لَك فِي كل يَوْم وَالدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير رزقك مني فِي كل شهر
فَبكى ماسويه فَرحا فَتوهم الرَّسُول أَنه قد استقله فَقَالَ لَهُ لَا تغتم فَإِنَّهُ يزيدك وَيحسن إِلَيْك
فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي رضيت مِنْهُ بِهَذَا إِن يدره على الْأَيَّام
فَلَمَّا رَجَعَ عرف الْخَادِم مَا كَانَ مِنْهُ فَعجب مِنْهُ وبرأ الْخَادِم على يَدَيْهِ
وَلم يمض إِلَّا أَيَّام يسرة حَتَّى اشتكت عين الْفضل فنفذ إِلَيْهِ جِبْرَائِيل الكحالين فَلم يزَالُوا يعالجونه فَلم ينْتَفع بهم فَأدْخل الْخَادِم ماسويه إِلَيْهِ لَيْلًا فَلم يزل يكحله إِلَى ثلث اللَّيْل ثمَّ سقَاهُ دَوَاء مسهلا فصلح بِهِ
ثمَّ حضر جِبْرَائِيل فَقَالَ لَهُ الْفضل يَا أَبَا عِيسَى أَن هَهُنَا رجلا يُقَال لَهُ ماسويه من أفره النَّاس وأعرفهم بالكحل فَقَالَ لَهُ وَمن هَذَا لَعَلَّه الَّذِي يجلس بِالْبَابِ فَقَالَ لَهُ نعم
قَالَ جِبْرَائِيل هَذَا كَانَ أكارا لي فَلم يصلح للكروث فطردته وَقد صَار الْآن طَبِيبا وَمَا عالج الطِّبّ قطّ فَإِن شِئْت فَأحْضرهُ وَأَنا حَاضر
وتوهم جِبْرَائِيل أَنه يدْخل وَيقف بَين يَدَيْهِ ويتذلل لَهُ
فَأمر الْفضل بإحضاره فَدخل وَسلم وَجلسَ بحذاء جِبْرَائِيل
فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيل يَا ماسويه أصرت طَبِيبا فَقَالَ لَهُ لم أزل طَبِيبا أَنا أخدم البيمارستان مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة تَقول لي هَذَا القَوْل فَفَزعَ جِبْرَائِيل أَن يزِيد فِي الْمَعْنى فبادر وَانْصَرف فِي الْحَال وَهُوَ خجل
وأجرى الْفضل على ماسويه فِي كل شهر سِتّمائَة دِرْهَم وعلوفة دابتين وَنزل خَمْسَة غلْمَان وَأمره أَن يحمل عِيَاله من جندي سَابُور وَأَعْطَاهُ نَفَقَة وَاسِعَة
فَحمل عِيَاله ويوحنا ابْنه حِينَئِذٍ وَهُوَ صبي
فَمَا مَضَت إِلَّا أَيَّام حَتَّى اشتكت عين الرشيد فَقَالَ لَهُ الْفضل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ طبيبي ماسويه من أحذق النَّاس بالكحل
وَشرح لَهُ قصَّته وَمَا كَانَ من أَمر خادمه وَأمر نَفسه
فَأمر الرشيد بإحضاره فأحضر ماسويه فَقَالَ لَهُ تحسن شَيْئا من الطِّبّ سوى الْكحل فَقَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَكَيف لَا أحسن وَأَنا قد خدمت المرضى بالبيمارستان مُنْذُ ثَلَاثِينَ سنة فأدناه مِنْهُ وَنظر عَيْنَيْهِ فَقَالَ الْحجام السَّاعَة
فحجمه على سَاقيه وقطر فِي عَيْنَيْهِ فبرأ بعد يَوْمَيْنِ
فَأمر بِأَن يجْرِي عَلَيْهِ ألفا دِرْهَم فِي الشَّهْر ومعونة فِي السّنة عشرُون ألف دِرْهَم وعلوفة وَنزل وألزمه الْخدمَة مَعَ جِبْرَائِيل وَسَائِر من كَانَ فِي الْخدمَة من المتطببين
وَصَارَ نظيرا لجبرائيل بل كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت يحضر بِحُضُورِهِ ويصل بوصوله ودونه فِي الرزق لِأَن جِبْرَائِيل كَانَ لَهُ فِي الشَّهْر عشرَة آلَاف دِرْهَم ومعونة فِي السّنة مائَة ألف دِرْهَم وصلات دائمة وإقطاعات
ثمَّ أَنه اعتلت بانوا أُخْت الرشيد فَلم يزل جِبْرَائِيل يعالجها بأنواع العلاج فَلم تنْتَفع فَاغْتَمَّ بهَا
стр. 230
فَقَالَ الرشيد ذَات يَوْم قد كَانَ ماسويه ذكر أَنه خدم المرضى بالمارستان وَأَنه يعالج الطبائع فَلْيدْخلْ إِلَى عليلتنا لَعَلَّ عِنْده فرجا لَهَا
فأحضر جِبْرَائِيل وماسويه فَقَالَ لَهُ ماسويه عرفني حَالهَا وَجَمِيع مَا دبرتها بِهِ إِلَى وقتنا هَذَا
فَلم يزل جِبْرَائِيل يصف لَهُ مَا عالجها بِهِ فَقَالَ ماسويه التَّدْبِير صَالح والعلاج مُسْتَقِيم وَلَكِن احْتَاجَ إِلَى أَن أَرَاهَا
فَأمر الرشيد أَن يدخلا إِلَيْهَا
فَدخل وتأملها وجس عروقها بِحَضْرَة الرشيد وَخَرجُوا من عِنْده
وَقَالَ ماسويه للرشيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يكون لَك طول الْعُمر والبقاء هَذِه تقضي بعد غَد مَا بَين ثَلَاث سَاعَات إِلَى نصف اللَّيْل
فَقَالَ جِبْرَائِيل كذب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا تَبرأ وتعيش
فَأمر الرشيد بِحَبْس ماسويه بِبَعْض دوره فِي الْقصر وَقَالَ لأسبرن مَا قَالَه وأنذرنا بِهِ فَمَا رَأينَا بِعلم الشَّيْخ بَأْسا
فَلَمَّا حضر الْوَقْت الَّذِي حَده ماسويه توفيت
فَلم يكن للرشيد همة بعد دَفنهَا إِلَّا أَن أحضر ماسويه فَسَأَلَهُ وأعجب بِكَلَامِهِ
وَكَانَ أعجمي اللِّسَان وَلكنه كَانَ بَصيرًا بالعلاج كثير التجارب فصيره نظيرا لجبرائيل فِي الرزق والنزل والعلوفة والمرتبة وعنى بِابْنِهِ يوحنا ووسع النَّفَقَة عَلَيْهِ فَبلغ الْمرتبَة الْمَشْهُورَة
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم عدت جِبْرَائِيل بن بختيشوع بالعلث فِي سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَقد كَانَ خرج مَعَ الْمَأْمُون فِي تِلْكَ السّنة حَتَّى نزل الْمَأْمُون فِي دير النِّسَاء
فَوجدت عِنْده يوحنا ابْن ماسويه وَهُوَ يناظره فِي علته وجبرائيل يستحسن استماعه وإجابته وَوَصفه
فَدَعَا جِبْرَائِيل بتحويل سنته وسألني النّظر فِيهِ وإخباره بِمَا يدل عَلَيْهِ الْحساب
فَنَهَضَ يوحنا عِنْد ابتدائي بِالنّظرِ فِي التَّحْوِيل فَلَمَّا خرج من الحراقة قَالَ لي جِبْرَائِيل لَيست بك حَاجَة إِلَى النّظر فِي التَّحْوِيل لِأَنِّي أحفظ جَمِيع قَوْلك وَقَول غَيْرك فِي هَذِه السّنة وَإِنَّمَا أردْت بدفعي التَّحْوِيل إِلَيْك أَن ينْهض يوحنا فأسألك عَن شَيْء بَلغنِي عَنهُ وَقد نَهَضَ
فأسألك بِحَق الله أهل سَمِعت يوحنا قطّ يَقُول أَنه أعلم من جالينوس بالطب فَحَلَفت لَهُ أَنِّي مَا سمعته قطّ يَدعِي ذَلِك فَمَا انْقَضى كلامنا حَتَّى رَأَيْت الحراقات تنحدر إِلَى مَدِينَة السَّلَام فانحدر الْمَأْمُون فِي ذَلِك الْيَوْم وَكَانَ يَوْم خَمِيس ووافينا مَدِينَة السَّلَام غَدَاة يَوْم السبت وَدخل النَّاس كلهم إِلَى مَدِينَة السَّلَام خلا أبي الْعَبَّاس بن الرشيد فَإِنَّهُ أَقَامَ فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالقلائين من الْجَانِب الغربي بِمَدِينَة السَّلَام وَهُوَ بازاء دَار الْفضل بن يحيى بِبَاب الشماسية الَّتِي صَار بَعْضهَا فِي خلَافَة المعتصم لأبي الْعَبَّاس بن الرشيد
فَكنت وَجَمَاعَة مِمَّن يُرِيد الْمصير إِلَى أبي الْعَبَّاس مِمَّن مَنَازِلهمْ فِي قنطرة البردان ونهر الْمهْدي لَا نجشم أَنْفُسنَا الْمصير إِلَى الجسر ثمَّ الْمصير إِلَى القلائين لبعد الشقة فنصير إِلَى قصر الْفضل بن يحيى ونقف بِإِزَاءِ مضرب أبي الْعَبَّاس وَكَانَت الزبيديات توافينا فتعبر بِنَا
стр. 231
فاجتمعت ويوحنا بن ماسويه عِنْد أبي الْعَبَّاس بعد موافاة الْمَأْمُون بِمَدِينَة السَّلَام بِثَلَاثَة أَيَّام
وجمعتنا الزبيدية عِنْد انصرافنا فَسَأَلَنِي عَن عهدي بجبرائيل فأعلمته إِنِّي لم أره مُنْذُ اجْتَمَعنَا بالعلث ثمَّ قلت لَهُ قد شنعت عِنْده
فَقَالَ
بِمَاذَا فَقلت لَهُ بلغه أَنَّك تَقول أَنا أعلم من جالينوس
فَقَالَ على من ادّعى عَليّ هَذِه الدعْوَة لَعنه الله وَالله مَا صدق مؤدي هَذَا الْخَبَر وَلَا بر
فسرى ذَلِك من قَوْله مَا كَانَ فِي قلبِي وأعلمته أَنِّي أزيل عَن قلب جِبْرَائِيل مَا تأدى إِلَيْهِ من الْخَبَر الأول
فَقَالَ لي افْعَل نشدتك الله وَقرر عِنْده مَا أَقُول وَهُوَ مَا كنت أقوله فحرف عِنْده
فَسَأَلته عَنهُ فَقَالَ إِنَّمَا قلت لَو أَن بقراط وجالينوس عاشا إِلَى أَن يسمعا قولي فِي الطِّبّ وصفاتي لسألا ربهما أَن يبدلهما بِجَمِيعِ حواسهما من الْبَصَر والشم والذوق واللمس حسا سمعيا يضيفانه إِلَى مَا مَعَهُمَا من حس السّمع ليسمعا حكمي ووصفي
فأسألك بِاللَّه أما أدّيت هَذَا القَوْل عني إِلَيْهِ
فاستعفيته من إِلْقَاء هَذَا الْخَبَر عَنهُ فَلم يعفني
فأديت إِلَى جِبْرَائِيل الْخَبَر وَقد كَانَ أصبح فِي ذَلِك الْيَوْم مفرقا من علته فتداخله من الغيظ والضجر مَا تخوفت عَلَيْهِ مِنْهُ النكسة وَأَقْبل يَدْعُو على نَفسه وَيَقُول هَذَا جَزَاء من وضع الصنيعة فِي غير موضعهَا وَهَذَا جَزَاء من اصْطنع السّفل وَأدْخل فِي مثل هَذِه الصِّنَاعَة الشَّرِيفَة من لَيْسَ من أَهلهَا
ثمَّ قَالَ هَل عرفت السَّبَب فِي يوحنا وَأَبِيهِ فَأَخْبَرته أَنِّي لَا أَعْرفهُمَا
فَقَالَ لي إِن الرشيد أَمرنِي باتخاذ بيمارستان وأحضرت دهشتك رَئِيس بيمارستان جندي سَابُور لتقليده البيمارستان الَّذِي أمرت باتخاذه فَامْتنعَ من ذَلِك
وَذكر أَن السُّلْطَان لَيست لَهُ عَلَيْهِ أرزاق جَارِيَة وَأَنه إِنَّمَا يقوم ببيمارستان جندي سَابُور وميخائيل ابْن أَخِيه حسبَة
وَتحمل عَليّ بطيمانيوس الجاثليق فِي إعفاءه وَابْن أَخِيه فأعفيتهما
فَقَالَ لي أما إِذْ قد أعفيتني فَإِنِّي أهدي إِلَيْك هَدِيَّة ذَات قدر يحسن بك قبُولهَا وتكثر مَنْفَعَتهَا لَك فِي هَذَا البيمارستان
فَسَأَلته عَن الْهَدِيَّة فَقَالَ لي إِن صَبيا كَانَ مِمَّن يدق الْأَدْوِيَة عندنَا مِمَّن لَا يعرف لَهُ أَب وَلَا قرَابَة أَقَامَ فِي البيمارستان أَرْبَعِينَ سنة وَقد بلغ الْخمسين سنة أَو جاوزها وَهُوَ لَا يقْرَأ حرفا وَاحِدًا بِلِسَان من الْأَلْسِنَة إِلَّا أَنه قد عرف الأدواء دَاء دَاء وَمَا يعالج بِهِ كل دَاء
وَهُوَ أعلم خلق الله بانتقاد الْأَدْوِيَة وَاخْتِيَار جيدها وَنفي رديها
فَأَنا أهديه لَك فاضممه إِلَى من أَحْبَبْت من تلامذتك
ثمَّ قلد تلميذك البيمارستان فَإِن أُمُوره تخرج على أحسن من مخرجها لَو قلدتني هَذَا البيمارستان
فأعلمته أَنِّي قد قبلت الْهَدِيَّة وَانْصَرف دهشتك إِلَى بَلَده وأنفذ إِلَيّ الرجل فَأدْخل عَليّ فِي زِيّ الرهبان وكشفته فَوَجَدته على مَا حكى لي عَنهُ
وَسَأَلته عَن اسْمه فَأَخْبرنِي أَن اسْمه ماسويه
وَكنت فِي خدمَة الرشيد وداؤد بن سرابيون مَعَ أم جَعْفَر
وَكَانَ الْمنزل الَّذِي ينزله ماسويه يبعد عَن منزلي وَيقرب من منزل داؤد بن سرابيون
وَكَانَ فِي داؤد دعابة وبطالة وَكَانَ فِي ماسويه ضعف من ضعف السّفل فيستطيبه كل بطال
فَمَا مضى بمساويه إِلَّا يسير حَتَّى صَار إِلَيّ وَقد غير زيه وَلبس الثِّيَاب الْبيض فَسَأَلته عَن خَبره فَأَعْلمنِي أَنه قد عشق جَارِيَة لداؤد بن سرابيون صقلبية يُقَال لَهَا رِسَالَة وسألني ابتياعها لَهُ فابتعتها لَهُ بثمانمائة دِرْهَم ووهبتها لَهُ فأولدها يوحنا وأخاه
ثمَّ رعيت لماسويه ابتياعي لَهُ رِسَالَة وَطَلَبه مِنْهَا النَّسْل وصيرت وَلَده كَأَنَّهُمْ ولد قرَابَة لي وعنيت بِرَفْع أقدارهم وتقديمهم على أَبنَاء أَشْرَاف أهل هَذِه المهنة وعلمائهم ثمَّ رتبت ليوحنا وَهُوَ غُلَام الْمرتبَة الشَّرِيفَة ووليته البيمارستان وَجَعَلته رَئِيس تلامذتي فَكَانَت
стр. 232
مثوبتي مِنْهُ هَذِه الدَّعْوَى الَّتِي لَا يسمع بهَا أحد إِلَّا قذف من خرجه ونوه باسمه وَأطلق لِسَانه بِمثل مَا أطلقهُ بِهِ
ولمثل مَا خرج إِلَيْهِ هَذِه السفلة كَانَت الْأَعَاجِم تمنع جَمِيع النَّاس من الِانْتِقَال عَن صناعات آبَائِهِم وتحظر ذَلِك غَايَة الْخطر وَالله الْمُسْتَعَان
يوحنا بن ماسويه
كَانَ طَبِيبا ذكيا فَاضلا خَبِيرا بصناعة الطِّبّ وَله كَلَام حسن وتصانيف مَشْهُورَة وَكَانَ مبجلا حظيا عِنْد الْخُلَفَاء والملوك
قَالَ إِسْحَق بن عَليّ الرهاوي فِي كتاب أدب الطَّبِيب عَن عِيسَى بن ماسه الطَّبِيب قَالَ أَخْبرنِي أَبُو زَكَرِيَّا يوحنا بن ماسويه أَنه اكْتسب من صناعَة الطِّبّ ألف ألف دِرْهَم وعاش بعد قَوْله هَذَا ثَلَاث سِنِين أخر
وَكَانَ الواثق مشغوفا ضنينا بِهِ فَشرب يَوْمًا عِنْده فَسَقَاهُ الساقي شرابًا غير صَاف وَلَا لذيذ على مَا جرت بِهِ الْعَادة وَهَذَا من عَادَة السقاة إِذا قصر فِي برهم
فَلَمَّا شرب الْقدح الأول قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أما المذاقات فقد عرفتها واعتدتها ومذاقة هَذَا الشَّرَاب فخارجة عَن طبع المذاقات كلهَا فَوجدَ أَمِير الْمُؤمنِينَ على السقاة وَقَالَ يسقون أطبائي وَفِي مجلسي مثل هَذَا الشَّرَاب وَأمر ليوحنا بِهَذَا السَّبَب وَفِي ذَلِك الْوَقْت بِمِائَة ألف دِرْهَم ودعا بسمانة الْخَادِم فَقَالَ لَهُ احْمِلْ إِلَيْهِ المَال السَّاعَة
فَلَمَّا كَانَ وَقت الْعَصْر سَأَلَ سمانة هَل حمل مَال الطَّبِيب أم لَا فَقَالَ لَا بعد فَقَالَ يحمل إِلَيْهِ مِائَتَا ألف دِرْهَم السَّاعَة
فَلَمَّا صلوا الْعشَاء سَأَلَ عَن حمل المَال فَقيل لَهُ لم يحمل بعد فَدَعَا بسمانة وَقَالَ احْمِلْ إِلَيْهِ ثلثمِائة ألف دِرْهَم
فَقَالَ سمانة لخازن بَيت المَال احملوا مَال يوحنا وَإِلَّا لم يبْق فِي بَيت المَال شَيْء
فَحمل إِلَيْهِ من سَاعَته
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان كَانَ يوحنا بن ماسويه مسيحي الْمَذْهَب سريانيا قَلّدهُ الرشيد تَرْجَمَة الْكتب الْقَدِيمَة مِمَّا وجد بأنقره وعمورية وَسَائِر بِلَاد الرّوم حِين سباها الْمُسلمُونَ وَوَضعه أَمينا على التَّرْجَمَة
وخدم هَارُون والأمين والمأمون وَبَقِي على ذَلِك إِلَى أَيَّام المتَوَكل
قَالَ وَكَانَت مُلُوك بني هَاشم لَا يتناولون شَيْئا من أطعمتهم إِلَّا بِحَضْرَتِهِ
وَكَانَ يقف على رؤوسهم وَمَعَهُ البراني بالجوارشنات الهاضمة المسخنة الطابخة المقوية للحرارة الغريزية فِي الشتَاء وَفِي الصَّيف بالأشربة الْبَارِدَة والجوارشنات
وَقَالَ ابْن النديم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب إِن يوحنا بن ماسويه خدم بصناعة الطِّبّ الْمَأْمُون والمعتصم والواثق والمتوكل
стр. 233
وَقَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم كَانَ مجْلِس يوحنا بن ماسويه أعمر مجْلِس كنت أرَاهُ بِمَدِينَة السَّلَام لمتطبب أَو مُتَكَلم أَو متفلسف لِأَنَّهُ كَانَ يجْتَمع فِيهِ كل صنف من أَصْنَاف أهل الْأَدَب
وَكَانَ فِي يوحنا دعابة شَدِيدَة يحضر بعض من يحضر من أجلهَا
وَكَانَ من ضيق الصَّدْر وَشدَّة الحدة على أَكثر مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ جِبْرَائِيل بن يختيشوع
وَكَانَت الحدة تخرج مِنْهُ ألفاظا مضحكة وَكَانَ أطيب مَا يكون مَجْلِسه فِي وَقت نظره فِي قَوَارِير المَاء وَكنت وَابْن حمدون بن عبد الصَّمد بن عَليّ الملقب بِأبي العيرطرد وَإِسْحَق بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الملقب ببيض الْبَغْل قد توكلنا بِهِ بِحِفْظ نوادره وأظهرت لَهُ التلمذة فِي قِرَاءَة كتب الْمنطق عَلَيْهِ وأظهروا لَهُ التلمذة بقراءتهما كتب جالينوس فِي الطِّبّ عَلَيْهِ
قَالَ يُوسُف فمما حفظت من نوادره فِي وَقت نظره أَن امْرَأَة أَتَتْهُ فَقَالَت لَهُ إِن فُلَانَة وفلانة وفلانة يقْرَأن عَلَيْك السَّلَام فَقَالَ لَهَا أَنا بأسماء أهل قسطنطينية وعمورية أعلم مني بأسماء هَؤُلَاءِ الَّذين سميتهن فاظهري بولك حَتَّى أنظر لَك فِيهِ
قَالَ يُوسُف وحفظت عَلَيْهِ أَن رجلا شكى إِلَيْهِ عِلّة كَانَ شفاؤه مِنْهَا الفصد فَأَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ لم أَعْتَد الفصد فَقَالَ لَهُ وَلَا أَحسب أحدا اعتاده فِي بطن أمه
وَكَذَلِكَ لم تَعْتَد الْعلَّة قبل أَن تعتل وَقد حدثت بك فاختر مَا شِئْت من الصَّبْر على مَا أحدثت لَك الطبيعة من الْعلَّة أَو اعتياد الفصد لتسلم مِنْهَا
قَالَ يُوسُف وشكى إِلَيْهِ رجل بحضرتي جربا قد أضرّ بِهِ فَأمره بفصد الأكحل من يَده الْيُمْنَى فَأعلمهُ أَنه قد فعل
فَأمر بفصد الأكحل أَيْضا من يَده الْيُسْرَى فَذكر أَنه قد فعل
فَأمره بِشرب الْمَطْبُوخ فَقَالَ قد فعلت فَأمره بِشرب الأصمخيقون فَأعلمهُ أَنه قد فعل
فَأمره بِشرب مَاء الْجُبْن أسبوعا وَشرب مخيض الْبَقر أسبوعين فَأعلمهُ أَنه قد فعل
فَقَالَ لَهُ لم يبْق شَيْء مِمَّا أَمر بِهِ المتطببون إِلَّا وَقد ذكرت أَنَّك فعلته وَبَقِي شَيْء مِمَّا لم يذكرهُ بقراط وَلَا جالينوس وَقد رَأَيْنَاهُ يعْمل على التجربة كثيرا فَاسْتَعْملهُ فَإِنِّي أَرْجُو أَن ينجح علاجك إِن شَاءَ الله
فَسَأَلَهُ مَا هُوَ فَقَالَ ابتع زَوجي قَرَاطِيس وقطعهما رِقَاعًا صغَارًا واكتب فِي كل رقْعَة رحم الله من دَعَا لمبتلى بالعافية وألق نصفهَا فِي الْمَسْجِد الشَّرْقِي بِمَدِينَة السَّلَام وَالنّصف الآخر فِي الْمَسْجِد الغربي وفرقها فِي الْمجَالِس يَوْم الْجُمُعَة فَأَنِّي أَرْجُو أَن ينفعك الله بِالدُّعَاءِ إِذْ لم ينفعك العلاج
قَالَ يُوسُف وَصَارَ إِلَيْهِ وَأَنا حَاضر قسيس الْكَنِيسَة الَّتِي يتَقرَّب فِيهَا يوحنا وَقَالَ لَهُ قد فَسدتْ عَليّ معدتي
فَقَالَ لَهُ اسْتعْمل جوارشن الخوزبي فَقَالَ قد فعلت
فَقَالَ لَهُ يوحنا فَاسْتعْمل السقمونيا قَالَ قد أكلت مِنْهُ أرطالا فَأمره بِاسْتِعْمَال المقداذيقون فَقَالَ قد شربت
стр. 234
مِنْهُ جرة
قَالَ لَهُ فَاسْتعْمل المروسيا فَقَالَ قد فعلت وَأَكْثَرت
فَغَضب وَقَالَ لَهُ إِن أردْت أَن تَبرأ فَأسلم فَإِن الْإِسْلَام يصلح الْمعدة
قَالَ يُوسُف واشتدت على يوحنا عِلّة كَانَ فِيهَا حَتَّى يئس مِنْهُ أَهله وَمن عَادَة النَّصَارَى إِحْضَار من يئس مِنْهُ أَهله جمَاعَة من الرهبان والقسيسين والشمامسة يقرؤون حوله فَفعل مثل ذَلِك بيوحنا
فأفرق والرهبان حوله يقرؤون فَقَالَ لَهُم يَا أَوْلَاد الْفسق مَا تَصْنَعُونَ فِي بَيْتِي فَقَالُوا لَهُ كُنَّا نَدْعُو رَبنَا فِي التفضل عَلَيْك بالعافية
فَقَالَ لَهُم يوحنا قرص ورد أفضل من صلوَات جَمِيع أهل النَّصْرَانِيَّة مُنْذُ كَانَت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة اخْرُجُوا من منزلي فَخَرجُوا
قَالَ يُوسُف وشكى بحضرتي إِلَى يوحنا رجل من التُّجَّار جربا بِهِ فِي أَيَّام الشتَاء فَقَالَ لَيست هَذِه من أَيَّام علاج مَا تَجِد وَإِنَّمَا علاج دائك هَذَا فِي أَيَّام الرّبيع فتنكب أكل المعفنات كلهَا وطري السّمك ومالحه صغَار ذَلِك وكباره وكل حريف من الأبزار والبقول وَمَا يخرج من الضَّرع
فَقَالَ لَهُ الرجل هَذِه أَشْيَاء لست أعْطى صبرا على تَركهَا
فَقَالَ لَهُ يوحنا فَإِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكرت فأدمن أكلهَا وحك بدنك فَلَو نزل الْمَسِيح لَك خَاصَّة لما انتفعت بدعائه لما تصف بِهِ نَفسك من الشره
قَالَ يُوسُف وعاتبه النَّصَارَى على اتِّخَاذ الْجَوَارِي وَقَالُوا لَهُ خَالَفت ديننَا وَأَنت شماس فَأَما إِن كنت على سنتنا واقتصرت على امْرَأَة وَاحِدَة وَكنت شماسا لنا وَإِمَّا أخرجت نَفسك من الشماسية واتخذت مَا بدا لَك من الْجَوَارِي فَقَالَ إِنَّمَا أمرنَا فِي مَوضِع وَاحِد أَن لَا نتَّخذ امْرَأتَيْنِ وَلَا ثَوْبَيْنِ فَمن جعل الجاثليق العاض بظر أمه أولى أَن يتَّخذ عشْرين ثوبا من يوحنا الشقي فِي اتِّخَاذ أَربع جوَار فَقولُوا لجاثليقكم أَن يلْزم قانون دينه حَتَّى نلزمه مَعَه وَإِن خَالفه خالفناه
قَالَ يُوسُف وَكَانَ بختيشوع بن جِبْرَائِيل يداعب يوحنا كثيرا فَقَالَ لَهُ يَوْمًا فِي مجْلِس أبي إِسْحَق وَنحن فِي عَسْكَر المعتصم بِالْمَدَائِنِ فِي سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ أَنْت يَا أَبَا زَكَرِيَّا أخي لأبي فَقَالَ يوحنا لأبي إِسْحَق أشهد أَيهَا الْأَمِير على إِقْرَاره فوَاللَّه لأقاسمنه مِيرَاثه من أَبِيه فَقَالَ لَهُ بختيشوع أَن أَوْلَاد الزِّنَا لَا يَرِثُونَ وَلَا يورثون وَقد حكم دين الْإِسْلَام للعاهر بِالْحجرِ فَانْقَطع يوحنا وَلم يحر جَوَابا
قَالَ يُوسُف وَكَانَت دَار الطيفوري فِي دَار الرّوم من الْجَانِب الشَّرْقِي بِمَدِينَة السَّلَام لصيقة دَار يوحنا بن ماسويه وَكَانَ للطيفوري ابْن قد علم الطِّبّ علما حسنا يُقَال لَهُ دانيل ثمَّ ترهب بعد ذَلِك فَكَانَ يدْخل مَدِينَة السَّلَام عِنْد تأدي الْخَبَر إِلَيْهِ بعلة وَالِده أَو مَا أشبه ذَلِك
وَكَانَ ليوحنا طَاوُوس كَانَ يقف على الْحَائِط الَّذِي فِيمَا بَين دَاره وَدَار الطيفوري فَقدم دانيل مَدِينَة السَّلَام لَيْلًا فِي
стр. 235
الشَّهْر الْمَعْرُوف بآب وَهُوَ شهر شَدِيد الْحر كثير الرمد فَكَانَ الطاووس كلما اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحر صَاح فأنبه دانيل وَهُوَ فِي ثِيَاب صوف من ثِيَاب الرهبان فطرده مَرَّات فَلم ينفع ذَلِك فِيهِ ثمَّ رفع مرزبته فَضرب بهَا رَأس الطاووس فَوَقع مَيتا
واستتر الْخَبَر عَن يوحنا إِلَى أَن ركب وَرجع فصادف عِنْد مُنْصَرفه طاووسه مَيتا على بَاب دَاره فَأقبل يقذف بالحدود من قَتله
فَخرج إِلَيْهِ دانيل فَقَالَ لَا تَشْتُم من قَتله فَإِنِّي أَنا قتلته وَلَك عَليّ مَكَانَهُ عدَّة طواويس
فَقَالَ لَهُ يوحنا بحضرتي لَيْسَ يُعجبنِي رَاهِب لَهُ سَنَام وَطول ذكر
إِلَّا أَنه قَالَ ذَلِك بفحش
فَقَالَ لَهُ دانيل وَكَذَلِكَ لَيْسَ يُعجبنِي شماس لَهُ عدَّة نسَاء وَاسم رئيسة نِسَائِهِ قَرَاطِيس وَهُوَ اسْم رومي لَا عَرَبِيّ
وَمعنى قَرَاطِيس عِنْد الرّوم القرنانة وَلَيْسَ تكون الْمَرْأَة قرنانة حَتَّى تنْكح غير بَعْلهَا
فَخَجِلَ يوحنا وَدخل منزلَة مَفْعُولا
قَالَ يُوسُف وحَدثني بِمصْر أَحْمد بن هرون الشرابي أَن المتَوَكل على الله حَدثهُ فِي خلَافَة الواثق أَن يوحنا بن ماسويه كَانَ مَعَ الواثق على دكان كَانَ للواثق فِي دجلة وَمَعَ الواثق قَصَبَة فِيهَا شص وَقد أَلْقَاهَا فِي دجلة ليصيد بهَا السّمك فَحرم الصَّيْد فَالْتَفت إِلَى يوحنا وَكَانَ على يَمِينه فَقَالَ قُم يَا مشؤوم عَن يَمِيني
فَقَالَ لَهُ يوحنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تَتَكَلَّم بمحال يوحنا بن ماسويه الخوزي وَأمه رِسَالَة الصقلبية المبتاعة بثمانمائة دِرْهَم أَقبلت بِهِ السَّعَادَة إِلَى أَن صَار نديم الْخُلَفَاء وسميرهم وعشيرهم وَحَتَّى غمرته الدُّنْيَا فنال مِنْهَا مَا لم يبلغهُ أمله
فَمن أعظم محَال أَن يكون هَذَا مشؤوما وَلَكِن إِن أحب أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أخبرهُ بالمشؤوم من هُوَ أخْبرته
فَقَالَ وَمن هُوَ فَقَالَ من وَلدته أَربع خلفاء ثمَّ سَاق الله إِلَيْهِ الْخلَافَة فَترك خِلَافَته وقصورها وبساتينها وَقعد فِي دكان مِقْدَار عشْرين ذِرَاعا فِي مثلهَا فِي وسط دجلة لَا يَأْمَن عصف الرّيح عَلَيْهِ فيغرقه
ثمَّ تشبه بأفقر قوم فِي الدُّنْيَا وشرهم وهم صيادو السّمك
قَالَ لي أَحْمد بن هرون قَالَ لي المتَوَكل فَرَأَيْت الْكَلَام قد أنجع فِيهِ إِلَّا أَنه أمسك لمكاني
قَالَ يُوسُف وحَدثني أَحْمد بن هرون أَن الواثق قَالَ فِي هَذَا ليوحنا وَهُوَ على هَذِه الدّكان يَا يوحنا أَلا أعْجبك من خلة قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ إِن الصياد ليطلب السّمك مِقْدَار سَاعَة فيصيد من السَّمَكَة مَا تَسَاوِي الدِّينَار أَو مَا أشبه ذَلِك
وَأَنا أقعد مذ غدْوَة إِلَى اللَّيْل فَلَا أصيد مَا يُسَاوِي درهما
فَقَالَ لَهُ يوحنا وضع أَمِير الْمُؤمنِينَ التَّعَجُّب فِي غير مَوْضِعه إِن رزق الصياد من صيد السّمك فرزقه يَأْتِيهِ لِأَنَّهُ قوته وقوت عِيَاله ورزق أَمِير الْمُؤمنِينَ بالخلافة فَهُوَ غَنِي عَن أَن يرْزق بِشَيْء من السّمك وَلَو كَانَ رزقه جعل فِي الصَّيْد لوافاه رزقه مِنْهُ مثل مَا يوافي الصياد
قَالَ يُوسُف وحَدثني إِبْرَاهِيم بن عَليّ متطبب أَحْمد بن طولون أَنه كَانَ فِي دهليز يوحنا بن ماسويه
стр. 236
ينْتَظر رُجُوع يوحنا من دَار السُّلْطَان فَانْصَرف وَقد أسلم فِي ذَلِك الْوَقْت عِيسَى بن إِبْرَاهِيم بن نوح بن أبي نوح كَاتب الْفَتْح بن خاقَان
قَالَ إِبْرَاهِيم فَقُمْت إِلَيْهِ وَجَمَاعَة من الرهبان فَقَالَ لنا اخْرُجُوا يَا أَوْلَاد الزِّنَا من دَاري واذهبوا أَسْلمُوا فقد أسلم الْمَسِيح السَّاعَة على يَد المتَوَكل
قَالَ يُوسُف وَقدم جرجة بن زَكَرِيَّا عَظِيم النّوبَة فِي شهر رَمَضَان سنة إِحْدَى وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ إِلَى سر من رأى وَأهْدى إِلَى المعتصم هَدَايَا فِيهَا قردة
فَإِنِّي عِنْد يوحنا فِي الْيَوْم الثَّانِي من شَوَّال من هَذِه السّنة وَأَنا أعاتبه على تخلفه عَن حُضُور الدَّار فِي ذَلِك الْوَقْت لِأَنِّي رَأَيْت سلمويه وبختيشوع والجريش المتطببين وَقد وصلوا إِذْ دخل علينا غُلَام من الأتراك الْخَاصَّة وَمَعَهُ قرد من القرود الَّتِي أهداها ملك النّوبَة لَا أذكر إِنِّي رَأَيْت أكبر مِنْهُ جثة وَقَالَ لَهُ يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ زوج هَذَا القرد من حماحم قردتك وَكَانَ ليوحنا قردة يسميها حماحم كَانَ لَا يصبر عَنْهَا سَاعَة
فَوَجَمَ لذَلِك ثمَّ قَالَ للرسول قل لأمير الْمُؤمنِينَ اتخاذي لهَذِهِ القردة غير مَا توهمه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا دبرت تشريحها وَوضع كتاب على مَا وضع جالينوس فِي التشريح يكون جمال وضعي إِيَّاه لأمير الْمُؤمنِينَ وَكَانَ فِي جسمها قلَّة تكون الْعُرُوق فِيهَا والأوراد والعصب دقاقا فَلم أطمع فِي اتضاح الْأَمر فِيهَا مثل اتضاحه فِيمَا عظم جِسْمه
فتركتها لتكبر ويغلظ جسمها فَأَما إِذْ قد وافى هَذَا القرد فسيعلم أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنِّي سأضع لَهُ كتابا لم يوضع فِي الْإِسْلَام مثله
ثمَّ فعل ذَلِك بالقرد فَظهر لَهُ مِنْهُ كتاب حسن استحسنه أعداؤه فضلا عَن أصدقائه
قَالَ يُوسُف وَدخل يوحنا على مُحَمَّد بن أبي أَيُّوب بن الرشيد وَكَانَت بِهِ حمى مُثَلّثَة وَهِي الَّتِي تَأْخُذ غبا فَنظر إِلَى مَائه وجس عرقه وَسَأَلَهُ عَن خَبره كَيفَ كَانَ فِي أمسه ومبيته وصباحه إِلَى أَن وافاه
فَأخْبرهُ بذلك فَقَالَ يوحنا حماك هَذِه من أسهل الحميات مَا لم يخلط صَاحبهَا لِأَن أقْصَى حَقّهَا سَبْعَة أدوار وَأكْثر ذَلِك يتْرك فِي الدّور الرَّابِع
وَأَن خلط فِيهَا العليل انْتَقَلت فَرُبمَا تطاولت بِهِ الْعلَّة وَرُبمَا تلفت نَفسه
فَقَالَ ابْن أبي أَيُّوب قف بِي على مَا رَأَيْت فَأَنِّي لَا أخالفك
فَأمره أَن يقْتَصر على لباب الْخبز المغسول بِالْمَاءِ الْحَار ثَلَاث غسلات ثمَّ يَأْكُل اللّبَاب إِن كَانَت شَهْوَته للطعام ضَعِيفَة وعَلى المزورات من الطَّعَام مثل الماس والقرع والسرمق وَالْخيَار وَمَا أشبه ذَلِك إِن كَانَت شَهْوَته قَوِيَّة وَإِن يرفع يَده عَن الطَّعَام وَهُوَ يشتهيه
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد فَهَذَا مَا أمرت بِأَكْلِهِ فدلني على مَا لَا آكل
فَقَالَ لَهُ أول مَا أَنهَاك عَن أكله فيوحنا بن ماسويه ثمَّ بغلة الجاثليق فَإِن حَقه على أهل النَّصْرَانِيَّة وَاجِب ثمَّ الزنبريتان وهما السفينتان اللَّتَان فِي الجسر فِي الْجَانِب الشَّرْقِي فَإِن الجسر لَا يصلح إِلَّا بهما
ثمَّ نَهَضَ مغضبا وَهُوَ يَدْعُو عَليّ لِأَنِّي كنت السَّبَب فِي مصيره إِلَى مُحَمَّد بن أبي أَيُّوب
стр. 237
قَالَ يُوسُف واعتل مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن الْهَادِي الْمَعْرُوف بِابْن مشغوف عِلّة تطاولت بِهِ وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس بن الرشيد يلْزم يوحنا تعاهده وَكَانَ مُحَمَّد ابْن سُلَيْمَان رُبمَا يزِيد فِي الحَدِيث أَشْيَاء لَا يخيل باطلها على سامعها
فَدخل إِلَيْهِ يَوْمًا وَأَنا عِنْده فَاسْتَشَارَهُ فِيمَا يَأْخُذ
فَقَالَ يوحنا قد كنت أُشير عَلَيْك بِمَا تَأْخُذ فِي كل يَوْم وَأَنا أحسبك تحب الصِّحَّة والعافية فَأَما إِذْ صَحَّ عِنْدِي أَنَّك تكره الْعَافِيَة وتحب الْعلَّة فلست اسْتحلَّ أَن أُشير عَلَيْك بِشَيْء
فَقَالَ لَهُ ابْن مشغوف يَا جَاهِل من يكره الْعَافِيَة وَيُحب الْعلَّة فَقَالَ لَهُ يوحنا أَنْت والبرهان على ذَلِك أَن الْعَافِيَة فِي الْعَالم تشبه الْحق والسقم يشبه الْكَذِب وَأَنت تَتَكَلَّم أَكثر دهرك بِالْكَذِبِ فَيكون كَذبك مَادَّة لسقمك فَمَتَى تَبرأ أَنْت من عِلّة متطاولة وَأَنت تمدها أَكثر دهرك بِالْكَذِبِ الزَّائِد فِيهَا فَالْزَمْ الصدْق ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا تكذب فِيهَا فيوحنا بَرِيء من الْمَسِيح إِن لم تخرج من هَذِه الْعلَّة قبل انْقِضَاء هَذِه الثَّلَاثَة أَيَّام
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم وَكَانَ ليوحنا بن ماسويه ابْن يُقَال لَهُ ماسويه أمه بنت الطيفوري جد إِسْرَائِيل متطبب الْفَتْح بن خاقَان
وَكَانَ ماسويه هَذَا أشبه خلق الله بِأَبِيهِ فِي خلقه وَلَفظه وحركاته
إِلَّا أَنه كَانَ بليدا لَا يكَاد يفهم شَيْئا إِلَّا بعد مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ ينسى ذَلِك فِي أسْرع من اللحظ
فَكَانَ يوحنا يظْهر محبَّة ابْنه تقية من أَلْسِنَة الطيفوري وَولده
وَكَانَ أَشد بغضا لَهُ مِنْهُ أسهل الكوسج الَّذِي هتكه بإدعائه أَنه وَضعه فِي فرج أمه
قَالَ يُوسُف واعتل فِي أول سنة سبع عشرَة وَمِائَتَيْنِ صَالح بن شيخ بن عميرَة بن حَيَّان بن سراقَة الْأَسدي عِلّة أشرف مِنْهَا فَأَتَيْته عَائِدًا فَوَجَدته قد أفرق بعض الأفراق فدارت بَيْننَا أَحَادِيث كَانَ مِنْهَا أَن عميرَة جده أُصِيب بِأَخ لَهُ من أَبَوَيْهِ وَلم يخلف ولدا فعظمت عَلَيْهِ الْمُصِيبَة
ثمَّ ظهر حَبل بِجَارِيَة كَانَت لَهُ بعد وَفَاته فَسرِّي عَنهُ بعض مَا دخله من الْغم وحولها إِلَى بَيته وقدمها على حرم نَفسه فَوضعت ابْنة فتبنى بهَا وقدمها على ذُكُور وَلَده وإناثهم
فَلَمَّا ترعرعت رغب لَهَا فِي كُفْء يُزَوّجهَا مِنْهُ
فَكَانَ لَا يخطبها إِلَيْهِ خَاطب إِلَّا فرغ نَفسه للتفتيش عَن حَسبه والتفتيش عَن أخلاقه فَكَانَ بعض من نزع إِلَيْهِ خاطبا لَهَا ابْن عَم لخَالِد بن صَفْوَان بن الْأَهْتَم التَّمِيمِي وَكَانَ عميرَة عَارِفًا بِوَجْه الْفَتى وبنسبه
فَقَالَ يَا بني أما نسبك فلست أحتاج إِلَى التفتيش عَنهُ وَأَنَّك لكفء بابنة أخي من جِهَة الشّرف وَلكنه لَا سَبِيل إِلَى عقد عقدَة النِّكَاح على ابْنَتي دون معرفتي بأخلاق من أعقد الْعقْدَة لَهُ فَإِن سهل عَلَيْك الْمقَام عِنْدِي وَفِي دَاري سنة أكشف فِيهَا أخلاقك كَمَا أكشف أَحْسَاب وأخلاق غَيْرك فأقم فِي الرحب وَالسعَة وَأَن لم يسهل ذَلِك عَلَيْك فَانْصَرف إِلَى أهلك فقد أمرنَا بتجهيزك وَحمل جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ مَعَك إِلَى موافاتك بصرتك
قَالَ صَالح بن شيخ حَدثنِي أبي عَن جدي أَنه كَانَ لَا يبيت لَيْلَة إِلَّا أَتَاهُ عَن ذَلِك الرجل أَخْلَاق متناقضة
فواصف لَهُ بِأَحْسَن الْأُمُور وواصف لَهُ بأسمجها
فأضطره تنَاقض أخباره إِلَى التَّكْذِيب بكلها وَأَن يتْرك الْأَمر على أَن مادحه مايله وَأَن عائبه تحامل عَلَيْهِ
стр. 238
فَكتب إِلَى خَالِد أما بعد فَإِن فلَانا قدم علينا خاطبا لابنَة أَخِيك فُلَانَة بنت فلَان فَإِن كَانَت أخلاقه تشاكل حَسبه فَفِيهِ الرَّغْبَة لزوجته والحظ لوَلِيّ عقد نِكَاحه
فَإِن رَأَيْت عَليّ بِمَا ترى الْعَمَل بِهِ فِي ابْن عمك وَابْنَة أَخِيك فَإِن المستشار مؤتمن فعلت إِن شَاءَ الله
فَكتب إِلَيْهِ خَالِد قد فهمت كتابك وَكَانَ أَبُو ابْن عمي هَذَا أحسن أَهلِي خلقا وأسمجهم خلقا وَأَحْسَنهمْ عَمَّن أَسَاءَ بِهِ صفحا وأسخاهم كفا إِلَّا أَنه مبتل بالعهار وسماجة الْخلق
وَكَانَت أمه من أحسن خلق الله وَجها وأعفهم فرجا إِلَّا أَنَّهَا من سوء الْخلق وَالْبخل وَقلة الْعقل على مَا لَا أعرف أحدا على مثله
وَابْن عمي هَذَا فقد تقبل من أَبَوَيْهِ مساويهما وَلم يتَقَبَّل شَيْئا من محاسنهما
فَإِن رغبت فِي تَزْوِيجه على مَا شرحت لَك من خَبره فَأَنت وَذَاكَ
وَأَن كرهته رَجَوْت أَن يُخَيّر الله لابنَة أخينا إِن شَاءَ الله
قَالَ صَالح فَلَمَّا قَرَأَ جدي الْكتاب أَمر بإعداد طَعَام للرجل فَلَمَّا أدْرك حمله على نَاقَة مهرية ووكل بِهِ من أخرجه من الْكُوفَة
فَأَعْجَبَنِي هَذَا الحَدِيث وحفظته
وَكَانَ اخْتِيَاري فِي منصرفي من عِنْد صَالح بن شيخ على دَار هرون بن سُلَيْمَان بن الْمَنْصُور فَدخلت عَلَيْهِ مُسلما وصادفت عِنْده ابْن ماسويه
فَسَأَلَنِي هرون عَن خبري وَعَمن لقِيت
فَحَدَّثته بِمَا كَانَ عِنْد صَالح بن شيخ
فَقَالَ لقد كنت فِي معادن الْأَحَادِيث الطّيبَة الحسان
وسألني هَل حفظت عَنهُ حَدِيثا فَحَدَّثته بِهَذَا الحَدِيث
فَقَالَ يوحنا عَلَيْهِ وَعَلِيهِ أَن لم يكن شبه هَذَا الحَدِيث بحديثي وَحَدِيث ابْني أَكثر من شبه ابْني بِي
بليت بطول الْوَجْه وارتفاع قحف الرَّأْس وَعرض الجبين وزرقة الْعين وَرزقت ذكاء وحفظا لكل مَا يَدُور فِي مسامعي
وَكَانَت بنت الطيفوري أحسن أُنْثَى رَأَيْتهَا أَو سَمِعت بهَا إِلَّا أَنَّهَا كَانَت ورهاء بلهاء لَا تعقل مَا تَقول وَلَا تفهم مَا يُقَال لَهَا
فَتقبل ابْنهَا مسامجنا جَمِيعًا وَلم يرْزق من محاسننا شَيْئا
وَلَوْلَا كَثْرَة فضول السُّلْطَان ودخوله فِيمَا لَا يعنيه لشرحت ابْني هَذَا حَيا مثل مَا كَانَ جالينوس يشْرَح القرود وَالنَّاس
فَكنت أعرف بتشريحه الْأَسْبَاب الَّتِي كَانَت لَهَا بلادته وأريح النَّاس من خلقته وأكسب أَهلهَا بِمَا أَضَع فِي كتابي فِي صفة تركيب بدنه ومجاري عروقه وأوراده وعصبه علما وَلَكِن السُّلْطَان يمْنَع من ذَلِك
وَكَأَنِّي بِأبي الْحُسَيْن يُوسُف قد حدث الطيفوري وَولده بِهَذَا الحَدِيث فَألْقى لنا شرا ومنازعات ليضحك مِمَّا يَقع بَيْننَا فَكَانَ الْأَمر على مَا توهم
واعتل ماسويه بن يوحنا بعد هَذَا بِليَال قَلَائِل وَقد ورد رَسُول المعتصم من دمشق أَيَّام كَانَ بهَا مَعَ الْمَأْمُون فِي إشخاص يوحنا إِلَيْهِ فَرَأى يوحنا فصده وَرَأى الطيفوري وأبناه زَكَرِيَّا ودانيل خلاف مَا رأى يوحنا
ففصده يوحنا وَخرج فِي الْيَوْم الثَّانِي إِلَى الشَّام وَمَات ماسويه فِي الْيَوْم الثَّالِث من مخرجه
فَكَانَ الطيفوري وَولده يحلفُونَ فِي جنازتة أَن يوحنا تعمد قَتله ويحتجون بِمَا حدثتهم بِهِ من كَلَامه الَّذِي كَانَ فِي منزل هرون بن سُلَيْمَان
ونقلت من كتاب الْهَدَايَا والتحف لأبي بكر وَأبي عُثْمَان الخالديين قَالَا حَدثنَا أَبُو يحيى
стр. 239
قَالَ افتصد المتَوَكل فَقَالَ لخاصته وندمائه اهدوا إِلَى يَوْم فصدي فاحتفل كل وَاحِد مِنْهُم فِي هديته
وَأهْدى إِلَيْهِ الْفَتْح بن خاقَان جَارِيَة لم ير الراؤون مثلهَا حسنا وظرفا وكمالا فَدخلت إِلَيْهِ وَمَعَهَا جَام ذهب فِي نِهَايَة الْحسن وَدَن بلور لم ير مثله فِيهِ شراب يتَجَاوَز الصِّفَات ورقعة فِيهَا مَكْتُوب
(إِذا خرج الإِمَام من الدَّوَاء ... وأعقب بالسلامة والشفاء)
(فَلَيْسَ لَهُ دَوَاء غير شرب ... بِهَذَا الْجَام من هَذَا الطلاء)
(وفض الْخَاتم المهدى إِلَيْهِ ... فَهَذَا صَالح بعد الدَّوَاء) الوافر
واستظرف المتَوَكل ذَلِك وَاسْتَحْسنهُ وَكَانَ بِحَضْرَتِهِ يوحنا بن ماسويه
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْفَتْح وَالله أطب مني فَلَا تخَالف مَا أَشَارَ بِهِ
أَقُول وَمن نَوَادِر يوحنا بن ماسويه أَن المتَوَكل على الله قَالَ لَهُ يَوْمًا بِعْت بَيْتِي بقصرين
فَقَالَ لَهُ أخر الْغَدَاء يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَرَادَ المتَوَكل تعشيت فضرني لِأَنَّهُ تصحيفها فَأَجَابَهُ ابْن ماسويه بِمَا تضمن العلاج
وعتب ابْن حمدون النديم ابْن ماسويه بِحَضْرَة المتَوَكل فَقَالَ لَهُ ابْن ماسويه لَو أَن مَكَان مَا فِيك من الْجَهْل عقلا ثمَّ قسم على مائَة خنفساء لكَانَتْ كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ أَعقل من أرسطوطاليس
وَوجدت فِي كتاب جراب الدولة قَالَ دخل ابْن ماسويه المتطبب إِلَى المتَوَكل فَقَالَ المتَوَكل لخادم لَهُ خُذ بَوْل فلَان فِي قَارُورَة وائت بِهِ إِلَى ابْن ماسويه
فَأتى بِهِ فَلَمَّا نظر إِلَيْهِ قَالَ هَذَا بَوْل بغل لَا محَالة
فَقَالَ لَهُ المتَوَكل كَيفَ علمت أَنه بَوْل بغل قَالَ ابْن ماسويه أحضرني صَاحبه حَتَّى أرَاهُ ويتبين كذبي من صدقي
فَقَالَ المتَوَكل هاتوا الْغُلَام
فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ ابْن ماسويه أيش أكلت البارحة قَالَ خبز شعير وَمَاء قراح فَقَالَ ابْن ماسويه هَذَا وَالله طَعَام حماري الْيَوْم
ونقلت من خطّ الْمُخْتَار بن الْحسن بن بطلَان أَن أَبَا عُثْمَان الجاحظ ويوحنا بن ماسويه قَالَ اجْتمعَا بغالب ظَنِّي على مائدة إِسْمَاعِيل بن بلبل الْوَزير
وَكَانَ فِي جملَة مَا قدم مضيرة بعد سمك فَامْتنعَ يوحنا من الْجمع بَينهمَا
قَالَ لَهُ أَبُو عُثْمَان أَيهَا الشَّيْخ لَا يَخْلُو أَن يكون السّمك من طبع اللَّبن أَو مضادا لَهُ فَإِن كَانَ أَحدهمَا ضد الآخر فَهُوَ دَوَاء لَهُ وَإِن كَانَا من طبع وَاحِد فلنحسب أَنا قد أكلنَا من أَحدهمَا إِلَى أَن اكتفينا
فَقَالَ يوحنا وَالله مَالِي خبْرَة بالْكلَام وَلَكِن كل يَا
стр. 240
أَبَا عُثْمَان وَانْظُر مَا يكون فِي غَد
فَأكل أَبُو عُثْمَان نصْرَة لدعواه ففلج فِي ليلته فَقَالَ هَذِه وَالله نتيجة الْقيَاس الْمحَال
وَالَّذِي ضلل أَبَا عُثْمَان اعْتِقَاده أَن السّمك من طبع اللَّبن
وَلَو سامحناه فِي أَنَّهُمَا من طبع وَاحِد لَكَانَ لامتزاجهما قُوَّة لَيست لأَحَدهمَا
وَقَالَ الشَّيْخ أَحْمد بن عَليّ ثَابت الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ عَن الْحُسَيْن بن فهم قَالَ قدم علينا مُحَمَّد بن سَلام صَاحب طَبَقَات الشُّعَرَاء وَهُوَ الجُمَحِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ فاعتل عِلّة شَدِيدَة فَمَا تخلف عَنهُ أحد وَأهْدى إِلَيْهِ أجلاء أطبائهم فَكَانَ ابْن ماسويه مِمَّن أهدي إِلَيْهِ فَلَمَّا جسه وَنظر إِلَيْهِ قَالَ مَا أرى من الْعلَّة مَا أرى من الْجزع
فَقَالَ وَالله مَا ذَاك لحرص على الدُّنْيَا مَعَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة وَلَكِن الْإِنْسَان فِي غَفلَة حَتَّى يوقظ بعلة وَلَو وقفت بِعَرَفَات وَقْفَة وزرت قبر رَسُول الله ﷺ زورة وقضيت أَشْيَاء فِي نَفسِي لرأيت مَا اشْتَدَّ عَليّ من هَذَا قد سهل
فَقَالَ لَهُ ابْن ماسويه فَلَا تجزع فقد رَأَيْت فِي عرقك من الْحَرَارَة الغريزية وقوتها مَا أَن سلمك الله من هَذِه الْعَوَارِض بلغك عشر سِنِين أُخْرَى
قَالَ الْحُسَيْن بن فهم فَوَافَقَ كَلَامه قدرا فَعَاشَ عشر سِنِين بعد ذَلِك
وَحدث الصولي فِي كتاب الأوراق قَالَ كَانَ الْمَأْمُون نازلا على البدندون نهر من أَعمال طرسوس فَجَلَسَ يَوْمًا وَأَخُوهُ المعتصم عَلَيْهِ وَجعلا أرجلهما فِيهِ استبرادا لَهُ وَكَانَ أبرد المَاء وأرقه وألذه
فَقَالَ الْمَأْمُون للمتعصم أَحْبَبْت السَّاعَة من أزاذ الْعرَاق آكله وأشرب من هَذَا المَاء الْبَارِد عَلَيْهِ وَسمع صَوت حَلقَة الْبَرِيد وأجراسه فَقيل هَذَا يزِيد بن مقبل بريد الْعرَاق فأحضر طبقًا من فضَّة فِيهِ رطب أزاذ فَعجب من تمنيه وَمَا تمّ لَهُ
فأكلا وشربا من المَاء ونهضا وتودع الْمَأْمُون وَأقَام ثمَّ نَهَضَ محموما وفصد فظهرت فِي رقبته نفخة كَانَت تعتاده ويراعيها الطَّبِيب إِلَى أَن تنضج وتفتح وتبرأ
فَقَالَ المعتصم للطبيب وَهُوَ ابْن ماسويه مَا أطرف مَا نَحن فِيهِ تكون الطَّبِيب الْمُفْرد المتوحد فِي صناعتك وَهَذِه النفخة تعتاد أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَا تزيلها عَنهُ وتتلطف فِي حسم مادتها حَتَّى لَا ترجع إِلَيْهِ وَالله لَئِن عَادَتْ هَذِه الْعلَّة عَلَيْهِ لَأَضرِبَن عُنُقك
فاستطرق ابْن ماسويه لقَوْل المعتصم وَانْصَرف فَحدث بِهِ بعض من يَثِق بِهِ ويأنس إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ تَدْرِي مَا قصد المعتصم قَالَ لَا
قَالَ قد أَمرك بقتْله حَتَّى لَا تعود النفخة إِلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ يعلم أَن الطَّبِيب لَا يقدر على دفع الْأَمْرَاض عَن الْأَجْسَام وَإِنَّمَا قَالَ لَك لَا تَدعه يعِيش ليعود الْمَرَض عَلَيْهِ
فتعالل ابْن ماسويه وَأمر تلميذا لَهُ بمشاهدة النفخة والتردد إِلَى الْمَأْمُون نِيَابَة عَنهُ والتلميذ يَجِيئهُ كل يَوْم ويعرفه حَال الْمَأْمُون وَمَا تجدّد لَهُ فَأمره بِفَتْح النفخة فَقَالَ لَهُ أُعِيذك بِاللَّه مَا أحمرت وَلَا بلغت إِلَى حد الْجرْح فَقَالَ لَهُ امْضِ وافتحها كَمَا أَقُول لَك وَلَا تراجعني فَمضى وَفتحهَا وَمَات الْمَأْمُون ﵀
أَقُول إِنَّمَا فعل ابْن ماسويه ذَلِك لكَونه عديما للمروءة وَالدّين وَالْأَمَانَة وَكَانَ على غير مِلَّة
стр. 241
الْإِسْلَام وَلَا لَهُ تمسك بِدِينِهِ أَيْضا كَمَا حكى عَنهُ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم فِي أخباره الْمُتَقَدّمَة
وَمن لَيْسَ لَهُ دين يتَمَسَّك بِهِ ويعتقد فِيهِ فَالْوَاجِب أَن لَا يدانيه عَاقل وَلَا يركن إِلَيْهِ حَازِم
وَكَانَت وَفَاة يوحنا بن ماسويه بسر من رأى يَوْم الِاثْنَيْنِ لأَرْبَع خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ فِي خلَافَة المتَوَكل
وَمن كَلَام يوحنا بن ماسويه أَنه سُئِلَ عَن الْخَيْر الَّذِي لَا شَرّ مَعَه فَقَالَ شرب الْقَلِيل من الشَّرَاب الصافي
ثمَّ سُئِلَ عَن الشَّرّ الَّذِي لَا خير مَعَه فَقَالَ نِكَاح الْعَجُوز
وَقَالَ أكل التفاح يرد النَّفس
وَقَالَ عَلَيْك من الطَّعَام بِمَا حدث وَمن الشَّرَاب بِمَا عتق
وليوحنا بن ماسويه من الْكتب كتاب الْبُرْهَان ثَلَاثُونَ بَابا كتاب البصيرة كتاب الْكَمَال والتمام كتاب الحميات مشجر كتاب فِي الأغذية كتاب فِي الْأَشْرِبَة كتاب المنجح فِي الصِّفَات والعلاجات كتاب فِي الفصد والحجامة كتاب فِي الجذام لم يسْبقهُ أحد إِلَى مثله
كتاب الْجَوَاهِر كتاب الرجحان كتاب فِي تركيب الْأَدْوِيَة المسهلة وإصلاحها وخاصة كل دَوَاء مِنْهَا ومنفعته كتاب دفع مضار الأغذية كتاب فِي غير مَا شَيْء مِمَّا عجز عَنهُ غَيره كتاب السِّرّ الْكَامِل كتاب فِي دُخُول الْحمام ومنافعها ومضرتها
كتاب السمُوم وعلاجها كتاب الديباج كتاب الْأَزْمِنَة كتاب الطبيخ كتاب فِي الصداع وَعلله وأوجاعه وَجَمِيع أدويته والسدد والعلل المولدة لكل نوع مِنْهُ وَجَمِيع علاجه أَلفه لعبد الله بن طَاهِر
كتاب الصَّدْر والدوار كتاب لم امْتنع الْأَطِبَّاء من علاج الْحَوَامِل فِي بعض شهور حَملهنَّ كتاب محنة الطَّبِيب كتاب معرفَة محنة الكحالين كتاب دغل الْعين كتاب مجسة الْعُرُوق كتاب الصَّوْت والبحة كتاب مَاء الشّعير كتاب الْمرة السَّوْدَاء كتاب علاج النِّسَاء اللواتي لَا يحبلن حَتَّى يحبلن كتاب الْجَنِين كتاب تَدْبِير الأصحاء كتاب فِي السِّوَاك والسنونات كتاب الْمعدة كتاب القولنج كتاب النَّوَادِر الطبية كتاب التشريح كتاب فِي تَرْتِيب سقِِي الْأَدْوِيَة المسهلة بِحَسب الْأَزْمِنَة وبحسب الأمزجة وَكَيف يَنْبَغِي أَن يسقى وَلمن وَمَتى وَكَيف يعان الدَّوَاء إِذا احْتبسَ وَكَيف يمْنَع الإسهال إِذا أفرط
كتاب تركيب خلق الْإِنْسَان وأجزائه وَعدد أَعْضَائِهِ ومفاصله وعظامه وعروقه وَمَعْرِفَة أَسبَاب الأوجاع أَلفه لِلْمَأْمُونِ
كتاب الأبدال فُصُول كتبهَا لحنين ابْن إِسْحَق بعد أَن سَأَلَهُ الْمَذْكُور ذَلِك
كتاب الماليخوليا وأسبابها وعلاماتها وعلاجها
كتاب جَامع الطِّبّ مِمَّا اجْتمع عَلَيْهِ أطباء فَارس وَالروم كتاب الْحِيلَة للبرء
ميخائيل بن ماسويه
متطبب الْمَأْمُون وميخائيل هَذَا هُوَ أَخُو يوحنا بن ماسويه
стр. 242
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم مولى إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي كَانَ هَذَا المتطبب لَا يمتع بِالْحَدِيثِ وَلَا يحْتَج فِي شَيْء يَقُوله بِحجَّة وَلَا يُوَافق أحدا من المتطببين على شَيْء أحدث من مِائَتي سنة فَلم يكن يسْتَعْمل السكنجبين والورد المربى إِلَّا بالعسل وَلَا يسْتَعْمل الْجلاب الْمُتَّخذ بِمَاء الْورْد وَلَا يَتَّخِذهُ إِلَّا من الْورْد المسلوق بِالْمَاءِ الْحَار وَلَا يَتَّخِذهُ بالسكر وَلَا يسْتَعْمل شَيْئا لم يَسْتَعْمِلهُ الْأَوَائِل
وَلَقَد سَأَلته يَوْمًا عَن رَأْيه فِي الموز فَقَالَ لم أر لَهُ ذكرا فِي كتب الْأَوَائِل وَمَا كَانَت هَذِه حَاله لم أقدم على أكله وَلَا على طَعَامه للنَّاس
وَكَانَ الْمَأْمُون بِهِ معجبا وَله على جِبْرَائِيل بن بختيشوع مقدما حَتَّى كَانَ يَدعُوهُ بالكنية أَكثر مِمَّا يَدعُوهُ بِالِاسْمِ
وَكَانَ لَا يشرب الْأَدْوِيَة إِلَّا مِمَّا تولى تركيبه وإصلاحه لَهُ
وَكنت أرى جَمِيع المتطببين بِمَدِينَة السَّلَام يبجلونه تبجيلا لم يَكُونُوا يظهرونه لغيره
قَالَ يُوسُف وَحضر فِي النّصْف من شَوَّال سنة عشْرين وَمِائَتَيْنِ دَار إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي مَعَ جمَاعَة من وُجُوه المتطببين وَكَانَت شكْلَة عليلة فَوجه المعتصم المتطببين إِلَيْهَا ليرجعوا إِلَيْهِ بخبرها وَقد كَانُوا صَارُوا إِلَيْهَا قبل ذَلِك الْيَوْم بِيَوْم فنظروا إِلَى مَائِهَا وجسوا عرقها وعاودوا النّظر فِي الْيَوْم الثَّانِي فِي أمرهَا فَقَالُوا كلهم إِنَّهَا أَصبَحت صَالِحَة وَأَنَّهُمْ لَا يَشكونَ فِي إفراقها
فَسبق إِلَى وهمي أَنهم أَو أَكْثَرهم أحب أَن يسر أَبَا إِسْحَق بِمَا ذكرُوا من الْعَافِيَة
فَلَمَّا نهضوا اتبعتهم فَسَأَلت وَاحِدًا وَاحِدًا عَمَّا عِنْده من الْعلم بِحَالِهَا فكلهم قَالَ لي مثل مقَالَته لأبي إِسْحَق إِلَّا سلمويه بن بنان فَإِنَّهُ قَالَ لي هِيَ الْيَوْم أصعب حَالا مِنْهَا أمس
وَقَالَ لي ميخائيل قد ظهر أمس بِالْقربِ من قَلبهَا ورم لم نره فِي يَوْمنَا هَذَا افترى ذَلِك الورم ساخ فِي الأَرْض أَو ارْتَفع إِلَى السَّمَاء انْصَرف فأعد لهَذِهِ الْمَرْأَة جهازها فَلَيْسَتْ تبيت فِي الْأَحْيَاء فَتُوُفِّيَتْ وَقت صَلَاة الْعشَاء الْآخِرَة بعد أَن ألْقى إِلَيّ ميخائيل مَا ألْقى سَاعَات عشرا أَو نَحْوهَا
قَالَ يُوسُف وحَدثني ميخائيل بن ماسويه أَنه لما قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد نادم طَاهِر بن الْحُسَيْن فَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَبَين أَيْديهم نَبِيذ قطر بلي يَا أَبَا الطّيب هَل رَأَيْت مثل هَذَا الشَّرَاب قَالَ نعم قَالَ مثله فِي اللَّوْن والطعم والرائحة قَالَ نعم
قَالَ أَيْن قَالَ ببوشنج
قَالَ فاحمل إِلَيْنَا مِنْهُ
فَكتب طَاهِر إِلَى وَكيله فَحمل مِنْهُ وَرفع الْخَبَر من النهروان إِلَى الْمَأْمُون أَن لطفا وافى طَاهِرا من بوشنج فَعلم الْخَبَر وتوقع حمل طَاهِر لَهُ فَلم يفعل
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون بعد أَيَّام يَا أَبَا الطّيب لم يواف النَّبِيذ فِيمَا وافى
فَقَالَ أعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه من أَن يقيمني مقَام خزي وفضيحة
قَالَ وَلم قَالَ ذكرت لأمير الْمُؤمنِينَ شرابًا شربته وَأَنا صعلوك وَفِي قَرْيَة كنت أَتَمَنَّى أَن أملكهَا فَلَمَّا
стр. 243
ملكني الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَكثر مِمَّا كنت أَتَمَنَّى وَحضر ذَلِك الشَّرَاب وجدته فضيحة من الفضائح
قَالَ فاحمل إِلَيْنَا مِنْهُ على كل حَال فَحمل مِنْهُ فَأمر أَن يصير فِي الخزانة وَيكْتب عَلَيْهِ الطاهري ليمازحه بِهِ من إفراط رداءته فَأَقَامَ سنتَيْن وَاحْتَاجَ الْمَأْمُون إِلَى أَن يتقيأ فَقَالُوا يتقيأ بنبيذ رَدِيء فَقَالَ بَعضهم لَا يُوجد فِي الْعرَاق أردأ من الطاهري وَأخرج فَوجدَ مثل الْقطر بلي أَو أَجود وَإِذا هَوَاء الْعرَاق قد أصلحه كَمَا يصلح مَا نبت وعصر فِيهِ
عِيسَى بن ماسة
من الْأَطِبَّاء الْفُضَلَاء فِي وقته وَكَانَ أحد المتميزين من أَرْبَاب هَذِه الصِّنَاعَة لَهُ طَريقَة حَسَنَة فِي علاج المرضى
ولعيسى بن ماسة من الْكتب كتاب قوى الأغذية
كتاب من لَا يحضرهُ طَبِيب
مسَائِل فِي النَّسْل والذرية
كتاب الرُّؤْيَا
يخبر فِيهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي امْتنع بِهِ من معالجة الْحَوَامِل وَغير ذَلِك
كتاب فِي طُلُوع الْكَوَاكِب الَّتِي ذكرهَا بقراط
كتاب فِي الفصد والحجامة
رِسَالَة فِي اسْتِعْمَال الْحمام
حنين بن إِسْحَق
هُوَ أَبُو زيد حنين بن إِسْحَق الْعَبَّادِيّ بِفَتْح الْعين وَتَخْفِيف الْبَاء والعباد بِالْفَتْح قبائل شَتَّى من بطُون الْعَرَب اجْتَمعُوا على النَّصْرَانِيَّة بِالْحيرَةِ وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم عبَادي قَالَ الشَّاعِر
(يسقيكها من بني الْعباد رشا ... منتسب عيده إِلَى الْأَحَد) المنسرح
وَكَانَ حنين بن إِسْحَق فصيحا لسنا بارعا شَاعِرًا
وَأقَام مُدَّة فِي الْبَصْرَة وَكَانَ شَيْخه فِي الْعَرَبيَّة الْخَلِيل بن أَحْمد
ثمَّ بعد ذَلِك انْتقل إِلَى بَغْدَاد واشتغل بصناعة الطِّبّ
قَالَ يُوسُف بن إِبْرَاهِيم أول مَا حصل لحنين بن إِسْحَق من الِاجْتِهَاد والعناية فِي صناعَة الطِّبّ هُوَ أَن مجْلِس يوحنا بن ماسويه كَانَ من أَعم مجْلِس يكون فِي التصدي لتعليم صناعَة الطِّبّ وَكَانَ يجْتَمع فِيهِ أَصْنَاف أهل الْأَدَب
قَالَ يُوسُف وَذَلِكَ أَنِّي كنت أَعهد حنين بن إِسْحَق الترجمان يقْرَأ على يوحنا ابْن ماسويه كتاب فرق الطِّبّ الموسوم بِاللِّسَانِ الرُّومِي والسرياني بهراسيس وَكَانَ حنين إِذْ ذَاك صَاحب سُؤال وَذَلِكَ يصعب على يوحنا
وَكَانَ يباعده أَيْضا من قلبه أَن حنينا كَانَ من أَبنَاء الصيارفة من
стр. 244
أهل الْحيرَة وَأهل جندي سَابُور خَاصَّة ومتطببوها ينحرفون عَن أهل الْحيرَة ويكرهون أَن يدْخل فِي صناعتهم أَبنَاء التُّجَّار
فَسَأَلَهُ حنين فِي بعض الْأَيَّام عَن بعض مَا كَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ مَسْأَلَة مستفهم لما يقْرَأ فحرد يوحنا وَقَالَ مَا لأهل الْحيرَة ولتعلم صناعَة الطِّبّ صر إِلَى فلَان قرابتك حَتَّى يهب لَك خمسين درهما تشتري مِنْهَا قفافا صغَارًا بدرهم وزرنيخا بِثَلَاثَة دَرَاهِم واشتر بِالْبَاقِي قلوسا كوفية وقادسية
وزرنخ الْقَادِسِيَّة فِي تِلْكَ القفاف واقعد على الطَّرِيق وَصَحَّ القلوس الْجِيَاد للصدقة وَالنَّفقَة
ربع القلوس فَإِنَّهُ أَعُود عَلَيْك من هَذِه الصِّنَاعَة
ثمَّ أَمر بِهِ فَأخْرج من دَاره فَخرج حنين باكيا مكروبا
وَغَابَ عَنَّا حنين فَلم نره سنتَيْن
وَكَانَ للرشيد جَارِيَة رُومِية يُقَال لَهَا خرشى وَكَانَت ذَات قدر عِنْده محلهَا مِنْهُ مَحل الخوازن
وَكَانَت لَهَا أُخْت أَو بنت أُخْت رُبمَا أَتَت الرشيد بالكسوة أَو بالشَّيْء مِمَّا خرشى خازنة عَلَيْهِ
فافتقدها الرشيد فِي بعض الاوقات وَسَأَلَ خرشي عَنْهَا فأعلمته انها زوجتها من قرَابَة لَهَا فَغَضب من ذَلِك وَقَالَ كَيفَ أقدمت على تَزْوِيج قرَابَة لَك أصل ابتياعك إِيَّاهَا من مَالِي فَهِيَ مَال من مَالِي بِغَيْر أُذُنِي
وَأمر سَلاما الأبرش بتعرف أَمر من تزَوجهَا وبتأديبه
فتعرف سَلام الْخَبَر حَتَّى وَقع على الزَّوْج فَلم يكلمهُ حِين ظفر بِهِ حَتَّى خصاه فبلي بالخصاء بعد أَن علقت الْجَارِيَة مِنْهُ
وَولدت الْجَارِيَة عِنْد مخرج الرشيد إِلَى طوس
وَكَانَت وَفَاة الرشيد بعد ذَلِك فتبنت خرشى ذَلِك الْغُلَام وأدبته بآداب الرّوم وَقِرَاءَة كتبهمْ
فتعلم اللِّسَان اليوناني علما كَانَت لَهُ فِيهِ رياسة
وَهُوَ إِسْحَق الْمَعْرُوف بِابْن الْخصي
فَكُنَّا نَجْتَمِع فِي مجَالِس أهل الْأَدَب كثيرا فَوَجَبَ لذَلِك حَقه وذمامه واعتل إِسْحَق ابْن الْخصي عِلّة فَأَتَيْته عَائِدًا فَإِنِّي لفي منزلَة إِذْ بصرت بِإِنْسَان لَهُ شَعْرَة قد جللته وَقد ستر وَجهه عني بِبَعْضِهَا وَهُوَ يتَرَدَّد وينشد شعرًا بالرومية لأوميرس رَئِيس شعراء الرّوم فشبهت نغمته بنغمة حنين
وَكَانَ الْعَهْد بحنين قبل ذَلِك الْوَقْت بِأَكْثَرَ من سنتَيْن فَقلت لإسحق بن الْخصي هَذَا حنين فَأنْكر ذَلِك إنكارا يشبه الْإِقْرَار فهتفت بحنين فَاسْتَجَاب لي
وَقَالَ ذكر ابْن رِسَالَة الفاعلة أَنه من الْمحَال أَن يتَعَلَّم الطِّبّ عبَادي وَهُوَ بَرِيء من دين النَّصْرَانِيَّة أَنه رَضِي أَن يتَعَلَّم الطِّبّ حَتَّى يحكم اللِّسَان اليوناني إحكاما لَا يكون فِي دهره من يحكمه أَحْكَامه
وَمَا أطلع عَليّ أحد غير أخي هَذَا وَلَو علمت أَنَّك تفهمني لاستترت عَنْك لكني عملت على أَن حيلتي قد تَغَيَّرت فِي عَيْنك وَأَنا أَسأَلك أَن تستر أَمْرِي فَبَقيت أَكثر من ثَلَاث سِنِين وَإِنِّي لأظنها أَرْبعا لم أره
ثمَّ إِنِّي دخلت يَوْمًا على جِبْرَائِيل بن بختيشوع وَقد انحدر من معسكر الْمَأْمُون قبل وَفَاته بِمدَّة يسيرَة فَوجدت عِنْده حنينا وَقد ترْجم لَهُ أقساما قسمهَا بعض الرّوم فِي كتاب من كتب جالينوس
стр. 245
فِي التشريح وَهُوَ يخاطبه بالتبجيل وَيَقُول لَهُ يَا ربن حنين وَتَفْسِيره ربن الْمعلم
فأعظمت مَا رَأَيْت وَتبين ذَلِك جِبْرَائِيل فِي فَقَالَ لي لَا تستكثرن مَا ترى من تبجيلي هَذَا الْفَتى فوَاللَّه لَئِن مد لَهُ فِي الْعُمر ليفضحن سرجس وسرجس هَذَا الَّذِي ذكره جِبْرَائِيل هُوَ الرَّأْس عَيْني وَهُوَ أول من نقل شَيْئا من عُلُوم الرّوم إِلَى اللِّسَان السرياني وليفضحن غَيره من المترجمين
وَخرج من عِنْده حنين وأقمت طَويلا ثمَّ خرجت فَوجدت حنينا بِبَابِهِ ينْتَظر خروجي فَسلم عَليّ وَقَالَ لي قد كنت سَأَلتك ستر خبري والآن فَأَنا أَسأَلك إِظْهَاره وَإِظْهَار مَا سَمِعت من أبي عِيسَى وَقَوله فِي
فَقلت لَهُ أَنا مسود وَجه يوحنا بِمَا سَمِعت من مدح أبي عِيسَى لَك فَأخْرج من كمه نُسْخَة مَا كَانَ دَفعه إِلَى جِبْرَائِيل وَقَالَ لي تَمام سَواد وَجه يوحنا يكون بدفعك إِلَيْهِ هَذِه النُّسْخَة وسترك عَنهُ علم من نقلهَا فَإِذا رَأَيْته قد اشْتَدَّ عجبه بهَا أعلمهُ أَنه إخراجي
فَفعلت ذَلِك من يومي وَقبل انتهائي إِلَى منزلي
فَلَمَّا قَرَأَ يوحنا تِلْكَ الْفُصُول وَهِي الَّتِي تسميها اليونانيون الفاعلات كثر تعجبه وَقَالَ أَتَرَى الْمَسِيح أوحى فِي دَهْرنَا هَذَا إِلَى أحد فَقلت لَهُ فِي جَوَاب قَوْله مَا أوحى فِي هَذَا الدَّهْر وَلَا فِي غَيره إِلَى أحد وَلَا كَانَ الْمَسِيح إِلَّا أحد من يُوحى إِلَيْهِ
فَقَالَ لي دَعْنِي من هَذَا القَوْل لَيْسَ هَذَا الْإِخْرَاج إِلَّا إِخْرَاج مؤيد بِروح الْقُدس
فَقلت لَهُ هَذَا إِخْرَاج حنين بن إِسْحَق الَّذِي طردته من مَنْزِلك وأمرته أَن يَشْتَرِي قلوسا
فَحلف بِأَن مَا قلت لَهُ محَال
ثمَّ صدق القَوْل بعد ذَلِك وَأفضل عَلَيْهِ إفضالا كثيرا وَأحسن إِلَيْهِ وَلم يزل مبجلا لَهُ حَتَّى فَارَقت الْعرَاق
فِي سنة خمس وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ
هَذَا جملَة مَا ذكره يُوسُف بن إِبْرَاهِيم
أَقُول ثمَّ أَن حنينا لَازم يوحنا بن ماسويه مُنْذُ ذَلِك الْوَقْت وتتلمذ لَهُ واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وَنقل حنين لِابْنِ ماسويه كتبا كَثِيرَة وخصوصا من كتب جالينوس بَعْضهَا إِلَى اللُّغَة السريانية وَبَعضهَا إِلَى الْعَرَبيَّة وَكَانَ حنين أعلم أهل زَمَانه باللغة اليونانية والسريانية والفارسية والدراية فيهم مِمَّا لَا يعرفهُ غَيره من النقلَة الَّذين كَانُوا فِي زَمَانه مَعَ مَا دأب أَيْضا فِي إتقان الْعَرَبيَّة والاشتغال بهَا حَتَّى صَار من جملَة المتميزين فِيهَا
وَلما رأى الْمَأْمُون الْمَنَام الَّذِي أخبر بِهِ أَنه رأى فِي مَنَامه كَأَن شَيخا بهي الشكل جَالس على مِنْبَر وَهُوَ يخْطب وَيَقُول أَنا أرسطوطاليس انتبه من مَنَامه وَسَأَلَ عَن أرسطوطاليس فَقيل لَهُ رجل حَكِيم من اليونانيين
فأحضر حنين بن إِسْحَق إِذْ لم يجد من يضاهيه فِي نَقله وَسَأَلَهُ نقل كتب الْحُكَمَاء اليونانيين إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وبذل لَهُ من الْأَمْوَال والعطايا شَيْئا كثيرا
ونقلت من خطّ الْحسن بن الْعَبَّاس الْمَعْرُوف بالصناديقي ﵀ قَالَ قَالَ أَبُو سُلَيْمَان سَمِعت يحيى بن عدي يَقُول قَالَ الْمَأْمُون رَأَيْت فِيمَا يرى النَّائِم كَانَ رجلا على كرْسِي جَالِسا فِي الْمجْلس الَّذِي أَجْلِس فِيهِ فتعاظمته وتهيبته وَسَأَلت عَنهُ فَقيل هُوَ أرسطوطاليس فَقلت أسأله عَن شَيْء
стр. 246
فَسَأَلته فَقلت مَا الْحسن فَقَالَ مَا استحسنته الْعُقُول
فَقلت ثمَّ مَاذَا قَالَ مَا استحسنته الشَّرِيعَة
قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ مَا استحسنه الْجُمْهُور
قلت ثمَّ مَاذَا قَالَ ثمَّ لَا ثمَّ
فَكَانَ هَذَا الْمَنَام من أوكد الْأَسْبَاب فِي إِخْرَاج الْكتب فَإِن الْمَأْمُون كَانَ بَينه وَبَين ملك الرّوم مراسلات وَقد استظهر عَلَيْهِ الْمَأْمُون فَكتب إِلَى ملك الرّوم يسْأَله الْإِذْن فِي إِنْفَاذ مَا يخْتَار من الْعُلُوم الْقَدِيمَة المخزونة بِبَلَد الرّوم فَأجَاب إِلَى ذَلِك بعد امْتنَاع
فَأخْرج الْمَأْمُون لذَلِك جمَاعَة مِنْهُم الْحجَّاج ابْن مطر وَابْن البطريق وسلما صَاحب بَيت الْحِكْمَة وَغَيرهم فَأخذُوا مِمَّا وجدوا مَا اخْتَارُوا فَلَمَّا حملوه إِلَيْهِ أَمرهم بنقله فَنقل
وَقد قيل إِن يوحنا بن ماسويه مِمَّن نفذ إِلَى بلد الرّوم
وأحضر الْمَأْمُون أَيْضا حنين ابْن إِسْحَق وَكَانَ فتي السن وَأمره بِنَقْل مَا يقدر عَلَيْهِ من كتب الْحُكَمَاء اليونانيين إِلَى الْعَرَبِيّ وَإِصْلَاح مَا يَنْقُلهُ غَيره فامتثل أمره
وَمِمَّا يحْكى عَنهُ أَن الْمَأْمُون كَانَ يُعْطِيهِ من الذَّهَب زنة مَا يَنْقُلهُ من الْكتب إِلَى الْعَرَبِيّ مثلا بِمثل
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان المنطقي السجتاني أَن بني شَاكر وهم مُحَمَّد وَأحمد وَالْحسن كَانُوا يرْزقُونَ جمَاعَة من النقلَة مِنْهُم حنين بن إِسْحَق وحبيش بن الْحسن وثابت بن قُرَّة وَغَيرهم فِي الشَّهْر نَحْو خَمْسمِائَة دِينَار للنَّقْل والملازمة
وَقَالَ حنين بن إِسْحَق أَنه سَافر إِلَى بِلَاد كَثِيرَة وَوصل إِلَى أقْصَى بِلَاد الرّوم لطلب الْكتب الَّتِي قصد نقلهَا
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق النديم فِي كتاب الفهرست سَمِعت إِسْحَق بن شهرام يحدث فِي مجْلِس عَام أَن بِبَلَد الرّوم هيكلا قديم الْبناء عَلَيْهِ بَاب لم ير قطّ أعظم مِنْهُ بمصراعين من حَدِيد كَانَ اليونانيون فِي الْقَدِيم عِنْد عِبَادَتهم الْكَوَاكِب والأصنام يعظمونه وَيدعونَ فِيهِ
قَالَ فَسَأَلت ملك الرّوم أَن يَفْتَحهُ لي فَامْتنعَ من ذَلِك لِأَنَّهُ أغلق مُنْذُ وَقت تنصرت الرّوم
فَلم أزل أراسله وأسأله شفاها عَن حضوري مَجْلِسه فَتقدم بفتحه فَإِذا ذَلِك الْبَيْت من المرمر والصخور الْعِظَام ألوانا وَعَلِيهِ من الكتابات والنقوش مَا لم أسمع بِمثلِهِ كَثْرَة وحسنا
وَفِي هَذَا الهيكل من الْكتب الْقَدِيمَة مَا يحمل على عدَّة أجمال وَكثر ذَلِك حَتَّى قَالَ ألف جمل بعض ذَلِك قد أخلق وَبَعضه على حَاله وَبَعضه قد أَكلته الأرضة
قَالَ وَرَأَيْت فِيهِ من آلَات القرابين من الذَّهَب وَغَيره أَشْيَاء ظريفة
قَالَ وأغلق الْبَاب بعد خروجي وامتن عَليّ بِمَا فعل معي وَذَلِكَ كَانَ فِي أَيَّام سيف الدولة بن حمدَان وَزعم أَن الْبَيْت على ثَلَاثَة أَيَّام من الْقُسْطَنْطِينِيَّة والمجاورون لذَلِك الْبَيْت قوم من الصابئة والكلدانيين وَقد أقرتهم الرّوم على مذاهبهم وَتَأْخُذ مِنْهُم الْجِزْيَة
أَقُول وَكَانَ كَاتب حنين رجل يعرف بالأزرق
وَقد رَأَيْت أَشْيَاء كَثِيرَة من كتب جالينوس وَغَيره بِخَطِّهِ وَبَعضهَا عَلَيْهِ تنكيت بِخَط حنين بن إِسْحَق باليوناني وعَلى تِلْكَ الْكتب عَلامَة الْمَأْمُون
стр. 247
وَقَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن بختيشوع فِي مَنَاقِب الْأَطِبَّاء أَن حنينا لما قوي أمره وانتشر ذكره بَين الْأَطِبَّاء واتصل خَبره بالخليفة أَمر بإحضاره
فَلَمَّا حضر اقْطَعْ إقطاعات حَسَنَة وَقرر لَهُ جَار جيد وَكَانَ يشعره بزبور الرّوم
وَكَانَ الْخَلِيفَة يسمع بِعِلْمِهِ وَلَا يَأْخُذ بقوله دَوَاء يصفه حَتَّى يشاور فِيهِ غَيره وَأحب امتحانه حَتَّى يَزُول مَا فِي نَفسه عَلَيْهِ ظنا مِنْهُ أَن ملك الرّوم رُبمَا كَانَ عمل شَيْئا من الْحِيلَة بِهِ
فاستدعاه يَوْمًا وَأمر بِأَن يخلع عَلَيْهِ وأحضر توقيعا فِيهِ إقطاع يشْتَمل على خمسين ألف دِرْهَم
فَشكر لَهُ حنين هَذَا الْفِعْل ثمَّ قَالَ بعد أَشْيَاء جرت أُرِيد أَن تصف لي دَوَاء يقتل عدوا نُرِيد قَتله وَلم يُمكن إشهاره ونريده سرا
فَقَالَ حنين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لم أتعلم إِلَّا الْأَدْوِيَة النافعة وَمَا علمت أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يطْلب مني غَيرهَا فَإِن أحب أَن أمضي وأتعلم فعلت ذَلِك
فَقَالَ هَذَا شَيْء يطول ورغبه وهدده وَهُوَ لَا يزِيد على مَا قَالَه إِلَى أَن أَمر بحبسه فِي بعض القلاع ووكل بِهِ من يُوصل خَبره إِلَيْهِ وقتا بِوَقْت وَيَوْما بِيَوْم
فَمَكثَ سنة فِي حَبسه دأبه النَّقْل وَالتَّفْسِير والتصنيف وَهُوَ غير مكترث بِمَا هُوَ فِيهِ
فَلَمَّا كَانَ بعد سنة أَمر الْخَلِيفَة بإحضاره وإحضار أَمْوَال يرغبه فِيهَا وأحضر سَيْفا ونطعا وَسَائِر آلَات الْعُقُوبَات
فَلَمَّا حضر قَالَ هَذَا شَيْء قد كَانَ وَلَا بُد مِمَّا قلته لَك
فَإِن أَنْت فعلت فقد فزت بِهَذَا المَال وَكَانَ لَك عِنْدِي أضعافه
وَأَن امْتنعت قابلتك بشر مُقَابلَة وقتلتك شَرّ قتلة
فَقَالَ حنين قد قلت لأمير الْمُؤمنِينَ إِنِّي لم أحسن إِلَّا الشَّيْء النافع وَلم أتعلم غَيره
فَقَالَ الْخَلِيفَة فَإِنِّي أَقْتلك
قَالَ حنين لي رب يَأْخُذ بحقي غَدا فِي الْموقف الْأَعْظَم
فَإِن اخْتَار أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يظلم نَفسه فَلْيفْعَل
فَتَبَسَّمَ الْخَلِيفَة وَقَالَ لَهُ يَا حنين طب نفسا وثق إِلَيْنَا
فَهَذَا الْفِعْل كَانَ منا لامتحانك لأَنا حذرنا من كيد الْمُلُوك وإعجابنا لننتفع بعلمك
فَقبل حنين الأَرْض وشكر لَهُ فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة يَا حنين مَا الَّذِي مَنعك من الْإِجَابَة مَعَ مَا رَأَيْته من صدق عزيمتنا فِي الْحَالين فَقَالَ حنين شَيْئَانِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
قَالَ وَمَا هما قَالَ الدّين والصناعة
قَالَ فَكيف قَالَ الدّين يَأْمُرنَا بِفعل الْخَيْر والجميل مَعَ أَعْدَائِنَا فَكيف أَصْحَابنَا وأصدقائنا وَيبعد وَيحرم من لم يكن كَذَا
والصناعة تَمْنَعنَا من الْإِضْرَار بأبناء الْجِنْس لِأَنَّهَا مَوْضُوعَة لنفعهم ومقصورة على مصالحهم
وَمَعَ هَذَا فقد جعل الله فِي رِقَاب الْأَطِبَّاء عهدا مؤكدا بأيمان مُغَلّظَة أَن لَا يُعْطوا دَوَاء قتالا وَلَا مَا يُؤْذِي
فَلم أر أَن أُخَالِف هذَيْن الْأَمريْنِ من الشريعتين
ووطنت نَفسِي على الْقَتْل فَإِن الله مَا كَانَ يضيع من بذل نَفسه فِي طَاعَته وَكَانَ يثيبني
فَقَالَ الْخَلِيفَة إنَّهُمَا لشريعتان جليلتان
وَأمر بِالْخلْعِ فخلعت عَلَيْهِ وَحمل المَال بَين يَدَيْهِ وَخرج من عِنْده وَهُوَ أحسن النَّاس حَالا وجاها
أَقُول وَكَانَ لحنين ولدان داؤد وَإِسْحَق
وصنف لَهما كتبا طبية فِي المبادي والتعليم وَنقل لَهما كتبا كَثِيرَة من كتب جالينوس
فَأَما داؤد فَإِنِّي لم أجد لَهُ شهرة بِنَفسِهِ بَين الْأَطِبَّاء وَلَا يُوجد لَهُ من الْكتب مَا يدل على براعته وَعلمه وَإِن كَانَ الَّذِي يُوجد لَهُ إِنَّمَا هُوَ كناش وَاحِد
وَمَا إِسْحَق فَإِنَّهُ اشْتهر وتميز فِي صناعَة الطِّبّ وَله تصانيف كَثِيرَة
وَنقل إِسْحَق من الْكتب
стр. 248
اليونانية إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة كتبا كَثِيرَة إِلَّا أَن جلّ عنايته كَانَت مصروفة إِلَى نقل الْكتب الْحكمِيَّة مثل كتب أرسطوطاليس وَغَيره من الْحُكَمَاء
وَأما حنين أَبوهُ فَكَانَ مهتما بِنَقْل الْكتب الطبية وخصوصا كتب جالينوس حَتَّى أَنه فِي غَالب الْأَمر لَا يُوجد شَيْء من كتب جالينوس إِلَّا وَهِي بِنَقْل حنين أَو بإصلاحه لما نقل غَيره
فَإِن رُؤِيَ شَيْء مِنْهَا وَقد تفرد بنقله غَيره من النقلَة مثل أسطاث وَابْن بكس والبطريق وَأبي سعيد عُثْمَان الدِّمَشْقِي وَغَيرهم فَإِنَّهُ لَا يعتنى بِهِ وَلَا يرغب فِيهِ كَمَا يكون بِنَقْل حنين وإصلاحه
وَإِنَّمَا ذَلِك لفصاحته وبلاغته ولمعرفته أَيْضا بآراء جالينوس ولتمهره فِيهَا
وَوجدت بعض الْكتب السِّت عشرَة لِجَالِينُوسَ وَقد نقلهَا من الرومية إِلَى السريانية سرجس المتطبب ونقلها من السريانية إِلَى الْعَرَبيَّة مُوسَى بن خَالِد الترجمان فَلَمَّا طالعتها وتأملت ألفاظها تبين لي بَين نقلهَا وَبَين السِّت عشرَة الَّتِي هِيَ نقل حنين تبَاين كثير وتفاوت بَين
وَأَيْنَ الألكن من البليغ وَالثَّرَى من الثريا
وَكَانَ حنين أَيْضا ماهرا فِي صناعَة الْكحل وَله تصانيف مَشْهُورَة بالجودة فِيهَا
وحَدثني الشيح شهَاب الدّين عبد الْحق الصّقليّ النَّحْوِيّ أَن حنين بن إِسْحَق كَانَ يشْتَغل فِي الْعَرَبيَّة مَعَ سِيبَوَيْهٍ وَغَيره مِمَّن كَانُوا يشتغلون على الْخَلِيل بن أَحْمد وَهَذَا لَا يبعد فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي وَقت وَاحِد على زمَان الْمَأْمُون
وإننا نجد فِي كَلَامه وَفِي نَقله مَا يدل على فَصَاحَته وفضله فِي الْعَرَبيَّة وَعلمه بهَا حَتَّى أَن لَهُ تصانيف فِي ذَلِك
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان أَن حنينا نَهَضَ من بَغْدَاد إِلَى أَرض فَارس وَكَانَ الْخَلِيل بن أَحْمد النَّحْوِيّ بِأَرْض فَارس فَلَزِمَهُ حنين حَتَّى برع فِي لِسَان الْعَرَب وَأدْخل كتاب الْعين بَغْدَاد ثمَّ اختير للتَّرْجَمَة وأؤتمن عَلَيْهَا وَكَانَ المتخير لَهُ المتَوَكل على الله
وَوضع لَهُ كتابا نحارير عَالمين بالترجمة كَانُوا يترجمون ويتصفح مَا ترجموا كاصطفن بن بسيل ومُوسَى بن خَالِد الترجمان
قَالَ وخدم حنين بالطب المتَوَكل على الله وحظي فِي أَيَّامه وَكَانَ يلبس زنارا وَتعلم لِسَان اليونانيين بالإسكندرية وَكَانَ جَلِيلًا فِي تَرْجَمته وَهُوَ الَّذِي أوضح مَعَاني كتب أبقراط وجالينوس ولخصها أحسن تَلْخِيص وكشف مَا استغلق مِنْهَا وأوضح مشكلها
وَله تواليف نافعة مثقفة بارعه
وَعمد إِلَى كتب جالينوس فاحتذى فِيهَا حَذْو الإسكندرانيين وصنعها على سَبِيل الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب فَأحْسن فِي ذَلِك
وَقَالَ حنين بن إِسْحَق عَن نَفسه أَن جَمِيع مَا قد كَانَ يملكهُ من الْكتب ذهب حَتَّى لم يبْق عِنْده مِنْهَا وَلَا كتاب وَاحِد ذكر ذَلِك فِي مقَالَته فِي فهرست كتب جالينوس
وَقَالَ أَبُو عَليّ القباني كَانَ حنين فِي كل يَوْم عِنْد نُزُوله من الرّكُوب يدْخل الْحمام فَيصب عَلَيْهِ المَاء
стр. 249
وَيخرج فيلتف بقطيفة وَقد أعد لَهُ هناب من فضَّة فِيهِ رَطْل شراب وكعكة مثرودة فيأكلها وَيشْرب الشَّرَاب ويطرح نَفسه حَتَّى يَسْتَوْفِي عرقه
وَرُبمَا نَام ثمَّ يقوم ويتبخر وَيقدم لَهُ طَعَامه وَهُوَ فروج كَبِير مسمن قد طبخ زيرباجه ورغيف فِيهِ مِائَتَا دِرْهَم فيحسو من المرق ثمَّ يَأْكُل الْفروج وَالْخبْز وينام
فَإِذا انتبه شرب أَرْبَعَة أَرْطَال شرابًا عتيقا وَلم يذقْ غير هَذَا طول عمره
فَإِذا اشْتهى الْفَاكِهَة الرّطبَة أكل التفاح الشَّامي وَالرُّمَّان والسفرجل
وَقَالَ أَحْمد بن الطّيب السَّرخسِيّ فِي كتاب اللَّهْو والملاهي قَالَ حنين المتطبب وافاني فِي بعض اللَّيَالِي أَيَّام المتَوَكل رسل من دَار الْخَلِيفَة يطلبوني وَيَقُولُونَ الْخَلِيفَة يُرِيدُكَ ثمَّ وافت بعدهمْ طَائِفَة ثمَّ وافاني زرافة فَأَخْرجنِي من فِرَاشِي وَمضى بِي ركضا حَتَّى أدخلني إِلَى الْخَلِيفَة
فَقَالَ يَا سَيِّدي هوذا حنين
قَالَ فَقَالَ ادفعوا إِلَى زرافة مَا ضمنا لَهُ
قَالَ فَدفع إِلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم
ثمَّ أقبل عَليّ فَقَالَ أَنا جَائِع فَمَا ترى فِي الْعشَاء فَقلت لَهُ فِي ذَلِك قولا
فَلَمَّا فرغ من أكله سَأَلت عَن الْخَبَر
فَقيل لي أَن مغنيا غناهُ صَوتا فَسَأَلَهُ لمن هُوَ فَقَالَ لحنين بن بلوع الْعَبَّادِيّ
فَأمر زرافة بإحضار حنين بن بلوع الْعَبَّادِيّ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا أعرفهُ
فَقَالَ لَا بُد مِنْهُ وَأَن أحضرته فلك ثَلَاثُونَ ألف دِرْهَم
قَالَ فأحضرني وَنسي المتَوَكل السَّبَب بِمَا كَانَ فِي رَأسه من النَّبِيذ وَحَضَرت وَقد جَاع فأشرت عَلَيْهِ بِأَن يقطع النَّبِيذ ويتعشى وينام فَفعل
أَقُول وَكَانَ مولد حنين فِي سنة مائَة وَأَرْبع وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَتُوفِّي فِي زمَان الْمُعْتَمد على الله وَذَلِكَ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء أول كانون الأول من سنة ألف وَمِائَة وثمان وَثَمَانِينَ للإسكندر وَهُوَ لست خلون من صفر سنة مِائَتَيْنِ وَأَرْبع وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ وَكَانَت مُدَّة حَيَاته سبعين سنة وَقيل إِنَّه مَاتَ بالذرب
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل أَن حنين بن إِسْحَق مَاتَ بالغم من ليلته فِي أَيَّام المتَوَكل
قَالَ حَدثنِي بذلك وَزِير أَمِير الْمُؤمنِينَ الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه قَالَ قَالَ كنت مَعَ أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَنْصر فَجرى الحَدِيث فَقَالَ أتعلمون كَيفَ كَانَ موت حنين بن إِسْحَق قُلْنَا لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
قَالَ خرج المتَوَكل على الله يَوْمًا وَبِه خمار فَقعدَ فِي مَقْعَده فَأَخَذته الشَّمْس وَكَانَ بَين يَدَيْهِ الطيفوري النَّصْرَانِي الطَّبِيب وحنين بن إِسْحَق
فَقَالَ لَهُ الطيفوري يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الشَّمْس تضر بالخمار فَقَالَ المتَوَكل لحنين مَا عنْدك فِيمَا قَالَ فَقَالَ حنين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تضر بالخمار
فَلَمَّا تناقضا بَين يَدَيْهِ طلب كشفهما عَن صِحَة أحد الْقَوْلَيْنِ
فَقَالَ حنين يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْخمار حَال للمخمور وَالشَّمْس لَا تضر بالخمار إِنَّمَا تضر المخمور
فَقَالَ المتَوَكل لقد أحرز من طبائع الْأَلْفَاظ وتحديد الْمعَانِي مَا فاق بِهِ نظراءه
فَوَجَمَ لَهَا الطيفوري فَلَمَّا كَانَ فِي غَد ذَلِك الْيَوْم أخرج حنين من كمه كتابا فِيهِ
стр. 250
صُورَة الْمَسِيح مصلوبا وصور نَاس حوله فَقَالَ لَهُ الطيفوري يَا حنين هَؤُلَاءِ صلبوا الْمَسِيح قَالَ نعم فَقَالَ لَهُ ابصق عَلَيْهِم
قَالَ حنين لَا أفعل
قَالَ الطيفوري وَلم قَالَ لأَنهم لَيْسُوا الَّذين صلبوا الْمَسِيح إِنَّمَا هِيَ صور فَاشْتَدَّ ذَلِك على الطيفوري وَرَفعه إِلَى المتَوَكل يسْأَله إِبَاحَة الحكم عَلَيْهِ بديانة النَّصْرَانِيَّة
فَبعث إِلَى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عَن ذَلِك فأوجبوا اللَّعْنَة على حنين فلعن سبعين لعنة بِحَضْرَة الْمَلأ من النَّصَارَى وَقطع زناره وَأمر المتَوَكل أَن لَا يصل إِلَيْهِ دَوَاء من قبل حنين حَتَّى يستشرف على عمله الطيفوري
وَانْصَرف حنين إِلَى دَاره فَمَاتَ من ليلته
فَيُقَال مَاتَ غما وأسفا
أَقُول هَذِه حِكَايَة ابْن جلجل وَكَذَلِكَ أَيْضا وجدت أَحْمد بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم قد ذكر فِي رسَالَته فِي الْمُكَافَأَة مَا يُنَاسب هَذِه الْحِكَايَة عَن حنين
وَالأَصَح فِي ذَلِك أَن بختيشوع بن جِبْرَائِيل كَانَ يعادي حنين بن إِسْحَق ويحسده على علمه وفضله وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من جودة النَّقْل وعلو الْمنزلَة
فاحتال عَلَيْهِ بخديعة عِنْد المتَوَكل وَتمّ مكره عَلَيْهِ حَتَّى أوقع المتَوَكل بِهِ وحبسه
ثمَّ إِن الله تَعَالَى فرج عَنهُ وَظهر مَا كَانَ احتال بِهِ عَلَيْهِ بختيشوع بن جِبْرَائِيل وَصَارَ حنين حظيا عِنْد المتَوَكل وفضله على بختيشوع وعَلى غَيره من سَائِر المتطببين
وَلم يزل على ذَلِك فِي أَيَّام المتَوَكل إِلَى أَن مرض حنين فِيمَا بعد الْمَرَض الَّذِي توفّي فِيهِ وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
وَتبين لي جملَة مَا يحْكى عَن حنين من ذَلِك وَصَحَّ عِنْدِي من رِسَالَة وجدت حنين بن إِسْحَق قد ألفها فِيمَا أَصَابَهُ من المحن والشدائد من الَّذين ناصبوه الْعَدَاوَة من أشرار أطباء زَمَانه الْمَشْهُورين
وَهَذَا نَص قَوْله
قَالَ حنين بن إِسْحَق إِنَّه لَحِقَنِي من أعدائي ومضطهدي الْكَافرين بنعمتي الجاحدين لحقي الظَّالِمين لي المتعدين عَليّ من المحن والمصائب والشرور مَا مَنَعَنِي من النّوم وأسهر عَيْني وأشغلني عَن مهماتي
وكل ذَلِك من الْحَسَد لي على علمي وَمَا وهبه الله لي من علو الْمرتبَة على أهل زماني
وَأكْثر أُولَئِكَ أَهلِي وأقربائي فَإِنَّهُم أول شروري وَابْتِدَاء محني
ثمَّ من بعدهمْ الَّذِي عَلَّمْتهمْ وأقرأتهم وأحسنت إِلَيْهِم وأرقدتهم وفضلتهم على جمَاعَة أهل الْبَلَد من أهل الصِّنَاعَة وَقربت إِلَيْهِم عُلُوم الْفَاضِل جالينوس فكافأوني عوض المحاسن مساوئ بِحَسب مَا أوجبته طباعهم
وبلغوا بِي إِلَى أقبح مَا يكون من إذاعة أوحش الْأَخْبَار وكتمان جليل الْأَسْرَار حَتَّى ساءت بِي الظنون وامتدت إِلَيّ الْعُيُون وَوضع عَليّ الرصد حَتَّى أَنه كَانَ يحصي عَليّ ألفاظي وَيكثر إتهامي بِمَا دق مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ غرضي فِيهِ مَا أومأوا إِلَيْهِ فأوقعوا بغضتي فِي نفوس سَائِر أهل الْملَل فضلا عَن أهل مذهبي
وعملت لي الْمجَالِس بالتأويلات الرذلة
وَكلما اتَّصل ذَلِك بِي حمدت الله حمدا جَدِيدا وَصَبَرت على مَا قد دفعت إِلَيْهِ
فآلت الْقَضِيَّة بِي إِلَى أَن بقيت بِأَسْوَأ مَا يكون من الْحَال من الْإِضَافَة والضر مَحْبُوسًا مضيقا عَليّ مُدَّة من الزَّمَان لَا تصل يَدي إِلَى شَيْء من ذهب وَلَا فضَّة وَلَا كتاب
وَبِالْجُمْلَةِ وَلَا ورقة انْظُر فِيهَا
ثمَّ إِن الله نظر إِلَيّ بِعَين رَحمته فجدد لي نعمه وردني إِلَى مَا كنت عَارِفًا بِهِ من فَضله
وَكَانَ سَبَب رد نعمتي إِلَيّ بعض من كَانَ قد الْتزم عَدَاوَتِي واختص بهَا
وَمن هَهُنَا صَحَّ مَا قَالَه جالينوس أَن الأخيار من النَّاس قد يَنْتَفِعُونَ بأعدائهم الأشرار فلعمري لقد كَانَ ذَلِك أفضل الْأَعْدَاء
وَأَنا الْآن مبتدئ بِذكر مَا جرى على مِمَّا تقدم ذكره فَأَقُول
следующие страницы →