← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَهُوَ كتاب الِاسْتِيفَاء كتاب فِي أَحْدَاث الجو كتاب الرَّد على جالينوس فِي الْمحل الأول رِسَالَة إِلَى ابْن ثوابة رِسَالَة فِي الخضابات المسودة للشعر وَغير ذَلِك كتاب فِي أَن الْجُزْء يَنْقَسِم إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ كتاب فِي أَخْلَاق النَّفس كتاب سيرة الْإِنْسَان كتاب إِلَى بعض إخوانه فِي القوانين الْعَامَّة الأولى فِي الصِّنَاعَة الديالقطيقية أَي الجدلية على مَذْهَب أرسطوطاليس اخْتِصَار كتاب سوفسطيقا لأرسطوطاليس كتاب القيان أَبُو الْحسن ثَابت بن قُرَّة الْحَرَّانِي كَانَ من الصابة المقيمين بحران وَيُقَال الصابئون نسبتهم إِلَى صاب وَهُوَ طاط ابْن النَّبِي إِدْرِيس ﵇ وثابت هَذَا هُوَ ثَابت بن قُرَّة بن مَرْوَان بن ثَابت بن كرايا بن إِبْرَاهِيم بن كرايا بن مارينوس بن سالايونوس وَكَانَ ثَابت بن قُرَّة صيرفيا بحران ثمَّ استصحبه مُحَمَّد بن مُوسَى لما انْصَرف من بلد الرّوم لِأَنَّهُ رَآهُ فصيحا وَقيل إِنَّه قَرَأَ على مُحَمَّد بن مُوسَى فتعلم فِي دَاره فَوَجَبَ حَقه عَلَيْهِ فوصله بالمعتضد وَأدْخلهُ فِي جملَة المنجمين وَهُوَ أصل مَا تجدّد للصابة من الرِّئَاسَة فِي مَدِينَة السَّلَام وبحضرة الْخُلَفَاء وَلم يكن فِي زمن ثَابت بن قُرَّة من يماثله فِي صناعَة الطِّبّ وَلَا فِي غَيره من جَمِيع أَجزَاء الفلسفة وَله تصانيف مَشْهُورَة بالجودة وَكَذَلِكَ جَاءَ جمَاعَة كَثِيرَة من ذُريَّته وَمن أَهله يقاربونه فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ من حسن التخرج والتمهر فِي الْعُلُوم ولثابت أرصاد حسان للشمس تولاها بِبَغْدَاد وَجَمعهَا فِي كتاب بَين فِيهِ مذْهبه فِي سنة الشَّمْس وَمَا أدْركهُ بالرصد فِي مَوضِع أوجها وَمِقْدَار سنيها وكمية حركاتها وَصُورَة تعديلها وَكَانَ جيد النَّقْل إِلَى الْعَرَبِيّ حسن الْعبارَة وَكَانَ قوي الْمعرفَة باللغة السريانية وَغَيرهَا وَقَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة إِن الْمُوفق لما غضب على ابْنه أبي الْعَبَّاس المعتضد بِاللَّه حَبسه فِي دَار إِسْمَاعِيل بن بلبل وَكَانَ أَحْمد الْحَاجِب موكلا بِهِ وَتقدم إِسْمَاعِيل بن بلبل إِلَى ثَابت ابْن قُرَّة بِأَن يدْخل إِلَى أبي الْعَبَّاس ويؤنسه وَكَانَ عبد الله بن أسلم ملازما لأبي الْعَبَّاس فأنس أَبُو الْعَبَّاس بِثَابِت بن قُرَّة أنسا كثيرا وَكَانَ ثَابت يدْخل إِلَيْهِ إِلَى الْحَبْس فِي كل يَوْم ثَلَاث مَرَّات يحادثه ويسليه ويعرفه أَحْوَال الفلاسفة وَأمر الهندسة والنجوم وَغير ذَلِك فشغف بِهِ ولطف مِنْهُ مَحَله فَلَمَّا خرج من حَبسه قَالَ لبدر غُلَامه يَا بدر أَي رجل أفدنا بعْدك فَقَالَ من هُوَ يَا سَيِّدي فَقَالَ ثَابت بن قُرَّة وَلما تقلد الْخلَافَة اقطعه ضيَاعًا جليلة وَكَانَ يجلسه بَين يَدَيْهِ كثيرا بِحَضْرَة الْخَاص وَالْعَام وَيكون بدر غُلَام الْأَمِير قَائِما والوزيروهو جَالس بَين يَدي الْخَلِيفَة

стр. 282

قَالَ أَبُو إِسْحَق الصَّابِئ الْكَاتِب إِن ثَابتا كَانَ يمشي مَعَ المعتضد فِي الفردوس وَهُوَ بُسْتَان فِي دَار الْخَلِيفَة للرياضة وَكَانَ المعتضد قد اتكأ على يَد ثَابت وهما يتماشيان ثمَّ نتر المعتضد يَده من يَد ثَابت بِشدَّة فَفَزعَ ثَابت فَإِن المعتضد كَانَ مهيبا جدا فَلَمَّا نتر يَده من يَد ثَابت قَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحسن وَكَانَ فِي الخلوات يكنيه وَفِي الْمَلأ يُسَمِّيه سَهَوْت وَوضعت يَدي على يدك واستندت عَلَيْهَا وَلَيْسَ هَكَذَا يجب أَن يكون فَإِن الْعلمَاء يعلون وَلَا يعلون ونقلت من كتاب الْكِنَايَات للْقَاضِي أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد الْجِرْجَانِيّ قَالَ حَدثنِي أَبُو الْحسن هِلَال بن المحسن بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي جدي أَبُو إِسْحَق الصَّابِئ قَالَ حَدثنِي عمي أَبُو الْحُسَيْن ثَابت بن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن مُوسَى النوبختي قَالَ سَأَلت أَبَا الْحسن ثَابت بن قُرَّة عَن مَسْأَلَة بِحَضْرَة قوم فكره الْإِجَابَة عَنْهَا بمشهدهم وَكنت حَدِيث السن فدافعني عَن الْجَواب فَقلت متمثلا (أَلا مَا لِليْل لَا ترى عِنْد مضجعي ... بلَيْل وَلَا يجْرِي بهَا لي طَائِر) (بلَى إِن عجم الطير تجْرِي إِذا جرت ... بليلي وَلَكِن لَيْسَ للطير زاجر) الطَّوِيل فَلَمَّا كَانَ من غَد لَقِيَنِي فِي الطَّرِيق وسرت مَعَه فَأَجَابَنِي عَن الْمَسْأَلَة جَوَابا شافيا وَقَالَ زجرت الطير يَا أَبَا مُحَمَّد فأخجلني فاعتذرت إِلَيْهِ وَقلت وَالله يَا سَيِّدي مَا أردتك بالبيتين وَمن بديع حسن تصرف ثَابت بن قُرَّة فِي المعالجة مَا حَكَاهُ أَبُو الْحسن ثَابت بن سِنَان قَالَ حكى أحد أجدادي عَن جدنا ثَابت بن قُرَّة أَنه اجتاز يَوْمًا مَاضِيا إِلَى دَار الْخَلِيفَة فَسمع صياحا وعويلا فَقَالَ مَاتَ القصاب الَّذِي كَانَ فِي هَذَا الدّكان فَقَالُوا لَهُ أَي وَالله يَا سيدنَا البارحة فَجْأَة وعجبوا من ذَلِك فَقَالَ مَا مَاتَ خُذُوا بِنَا إِلَيْهِ فَعدل النَّاس مَعَه إِلَى الدَّار فَتقدم إِلَى النِّسَاء بالإمساك عَن اللَّطْم والصياح وأمرهن بِأَن يعملن مزورة وَأَوْمَأَ إِلَى بعض غلمانه بِأَن يضْرب القصاب على كَعبه بالعصا وَجعل يَده فِي مجسه وَمَا زَالَ ذَلِك يضْرب كَعبه إِلَى أَن قَالَ حَسبك واستدعى قدحا وَأخرج من شستكة فِي كمه دَوَاء فدافه فِي الْقدح بِقَلِيل مَاء وَفتح فَم القصاب وسقاه إِيَّاه فأساغه وَوَقعت الصَّيْحَة والزعقة فِي الدَّار والشارع بِأَن الطَّبِيب قد أَحْيَا الْمَيِّت فَتقدم ثَابت بغلق الْبَاب والاستيثاق مِنْهُ وَفتح القصاب عينه وأطعمه مزورة وَأَجْلسهُ وَقعد عِنْده سَاعَة وَإِذا بأصحاب الْخَلِيفَة قد جَاءُوا يَدعُونَهُ فَخرج مَعَهم وَالدُّنْيَا قد انقلبت والعامة حوله يتعادون إِلَى أَن دخل دَار الْخلَافَة وَلما مثل بَين يَدي الْخَلِيفَة قَالَ لَهُ يَا ثَابت مَا هَذِه المسيحية الَّتِي بلغتنا عَنْك قَالَ يَا مولَايَ كنت اجتاز على هَذَا القصاب وألحظه يشْرَح الكبد ويطرح عَلَيْهَا الْملح ويأكلها فَكنت أستقذر فعله أَولا ثمَّ أعلم أَن سكتة ستلحقه فصرت أراعيه وَإِذ علمت عاقبته انصرفت وَركبت للسكتة

стр. 283

دَوَاء استصحبته معي فِي كل يَوْم فَلَمَّا اجتزت الْيَوْم وَسمعت الصياح قلت مَاتَ القصاب قَالُوا نعم مَاتَ فَجْأَة البارحة فَعلمت أَن السكتة قد لحقته فَدخلت إِلَيْهِ وَلم أجد لَهُ نبضا فَضربت كَعبه إِلَى أَن عَادَتْ حَرَكَة نبضه وسقيته الدَّوَاء فَفتح عَيْنَيْهِ وَأَطْعَمته مزورة وَاللَّيْلَة يَأْكُل رغيفا بدراج وَفِي غَد يخرج من بَيته أَقُول وَكَانَ مولد ثَابت بن قُرَّة فِي سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ بحران فِي يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر وَتُوفِّي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَله من الْعُمر سبع وَسَبْعُونَ سنة وَقَالَ ثَابت ابْن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة كَانَت بَين أبي أَحْمد يحيى بن عَليّ بن يحيى بن المنجم النديم وَبَين جدي أبي الْحسن ثَابت بن قُرَّة ﵀ مَوَدَّة أكيدة وَلما مَاتَ جدي فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ رثاه أَبُو أَحْمد بِأَبْيَات هِيَ هَذِه (أَلا كل شَيْء مَا خلا الله مائت ... وَمن يغترب يُرْجَى وَمن مَاتَ فَائت) (أرى من مضى عَنَّا وخيم عندنَا ... كسفر ثووا أَرضًا فَسَار وبائت) (نعينا الْعُلُوم الفلسفيات كلهَا ... خبا نورها إِذْ قيل قد مَاتَ ثَابت) (وَأصْبح أهلوها حيارى لفقده ... وَزَالَ بِهِ ركن من الْعلم ثَابت) (وَكَانُوا إِذا ضلوا هدَاهُم لنهجها ... خَبِير بفصل الحكم للحق ناكت) (وَلما أَتَاهُ الْمَوْت لم يغن طبه ... وَلَا نَاطِق مِمَّا حواه وصامت) (وَلَا أمتعته بالغنى بَغْتَة الردى ... أَلا رب رزق قَابل وَهُوَ فَائت) (فَلَو أَنه يسطاع للْمَوْت مدفع ... لدافعه عَنهُ حماة مصالت) (ثقاة من الإخوان يصفونَ وده ... وَلَيْسَ لما يقْضِي بِهِ الله لافت) (أَبَا حسن لَا تبعدن وكلنَا ... لهلكك مفجوع لَهُ الْحزن كابت) (أآمل أَن تجلى عَن الْحق شُبْهَة ... وشخصك مقبور وصوتك خَافت) (وَقد كَانَ يسرو حسن تبيينك الْعَمى ... وكل قؤول حِين تنطق سَاكِت) (كَأَنَّك مسؤولا من الْبَحْر غارف ... ومستبدئا نطقا من الصخر ناحت) (فَلم يتفقدني من الْعلم وَاحِد ... هراق أناء الْعلم بعْدك كابت) (وَكم من محب قد أفدت وَأَنه ... لغيرك مِمَّن رام شأوك هافت) (عجبت لأرض غَيْبَتِك وَلم يكن ... ليثبت فِيهَا مثلك الدَّهْر ثَابت) (تهذبت حَتَّى لم يكن لَك مبغض ... وَلَا لَك لما اغتالك الْمَوْت شامت)

стр. 284

(وبرزت حَتَّى لم يكن لَك دَافع ... عَن الْفضل إِلَّا كَاذِب القَوْل باهت) (مضى علم الْعلم الَّذِي كَانَ مقنعا ... فَلم يبْق إِلَّا مُخطئ متهافت) الطَّوِيل وَكَانَ من تلامذة ثَابت بن قُرَّة عِيسَى بن أسيد النَّصْرَانِي وَكَانَ ثَابت يقدمهُ ويفضله وَقد نقل عِيسَى بن أسيد من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ بِحَضْرَة ثَابت وَيُوجد لَهُ كتاب جوابات ثَابت لمسائل عِيسَى ابْن أسيد وَمن كَلَام ثَابت بن قُرَّة قَالَ لَيْسَ على الشَّيْخ أضرّ من أَن يكون لَهُ طباخ حاذق وَجَارِيَة حسناء لِأَنَّهُ يستكثر من الطَّعَام فيسقم وَمن الْجِمَاع فيهرم وَقَالَ رَاحَة الْجِسْم فِي قلَّة الطَّعَام وراحة النَّفس فِي قلَّة الآثام وراحة الْقلب فِي قلَّة الاهتمام وراحة اللِّسَان فِي قلَّة الْكَلَام وَلأبي الْحسن ثَابت بن قُرَّة الْحَرَّانِي من الْكتب كتاب فِي سَبَب كَون الْجبَال مسَائِله الطبية كتاب فِي النبض كتاب وجع المفاصل والنقرس جَوَامِع كتاب باريمينياس جَوَامِع كتاب أنالوطيقا الأولى اخْتِصَار الْمنطق نَوَادِر مَحْفُوظَة من طوبيقا كتاب فِي السَّبَب الَّذِي من أَجله جعلت مياه الْبَحْر مالحة اخْتِصَار كتاب مَا بعد الطبيعة مسَائِله المشوقة إِلَى الْعُلُوم كتاب فِي أغاليط السوفسطائيين كتاب فِي مَرَاتِب الْعُلُوم كتاب فِي الرَّد على من قَالَ إِن النَّفس مزاج جَوَامِع كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب الْمرة السَّوْدَاء لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب سوء المزاج الْمُخْتَلف لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب الْأَمْرَاض الحادة لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب الْكَثْرَة لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب تشريح الرَّحِم لِجَالِينُوسَ جَوَامِع كتاب جالينوس فِي المولودين لسبعة أشهر جَوَامِع مَا قَالَه جالينوس فِي كِتَابه فِي تشريف صناعَة الطِّبّ كتاب أَصْنَاف الْأَمْرَاض كتاب تسهيل المجسطي كتاب الْمدْخل إِلَى المجسطي كتاب كَبِير فِي تسهيل المجسطي لم يتم وَهُوَ أَجود كتبه فِي ذَلِك كتاب فِي الوقفات الَّتِي فِي السّكُون الَّذِي بَين حركتي الشريان المتضايتن مقالتان صنف هَذَا الْكتاب سريانيا لِأَنَّهُ أَوْمَأ فِيهِ إِلَى الرَّد على الْكِنْدِيّ وَنَقله إِلَى الْعَرَبِيّ تلميذ لَهُ يعرف بِعِيسَى بن أسيد النَّصْرَانِي وَأصْلح ثَابت الْعَرَبِيّ وَذكر قوم أَن النَّاقِل لهَذَا الْكتاب حُبَيْش بن الْحسن الأعسم وَذَلِكَ غلط وَقد رد أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن كرنيب على ثَابت فِي هَذَا الْكتاب بعد وَفَاة ثَابت بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ وَلَا طائل وَهَذَا الْكتاب أنفذه لما صنفه إِلَى إِسْحَق بن حنين فَاسْتَحْسَنَهُ اسْتِحْسَانًا عَظِيما وَكتب فِي آخِره بِخَطِّهِ يقرظ أَبَا الْحسن ثَابتا وَيَدْعُو لَهُ ويصفه جَوَامِع كتاب الفصد لِجَالِينُوسَ جَوَامِع تَفْسِير جالينوس لكتاب أبقراط فِي الأهوية والمياه والبلدان كتاب فِي الْعَمَل بالكرة كتاب فِي الْحَصَى الْمُتَوَلد فِي الكلى والمثانة كتاب فِي الْبيَاض الَّذِي يظْهر فِي الْبدن كتاب فِي مساءلة الطَّبِيب للْمَرِيض كتاب فِي سوء المزاج الْمُخْتَلف كتاب فِي تَدْبِير الْأَمْرَاض الحادة

стр. 285

رِسَالَة فِي الجدري والحصبة اخْتِصَار كتاب النبض الصَّغِير لِجَالِينُوسَ كتاب فِي قطع الاسطوانة كتاب فِي الموسيقى رِسَالَة إِلَى عَليّ بن يحيى المنجم فِيمَا أَمر بإثباته من أَبْوَاب علم الموسيقى رِسَالَة إِلَى بعض إخوانه فِي جَوَاب مَا سَأَلَهُ عَنهُ من أُمُور الموسيقى كتاب فِي أَعمال ومسائل إِذا وَقع خطّ مُسْتَقِيم على خطين ومقالة أُخْرَى لَهُ فِي ذَلِك كتاب فِي المثلث الْقَائِم الزوايا كتاب فِي الْأَعْدَاد المتحابة كتاب فِي الشكل القطاع كتاب فِي حَالَة الْفلك كناشه الْمَعْرُوف بالذخيرة أَلفه لوَلَده سِنَان بن ثَابت جَوَابه لرسالة أَحْمد بن الطّيب إِلَيْهِ كتاب فِي التَّصَرُّف فِي أشكال الْقيَاس كتاب فِي تركيب الأفلاك وخلقتها وعددها وَعدد حركات الْجِهَات لَهَا وَالْكَوَاكِب فِيهَا ومبلغ سَيرهَا والجهات الَّتِي تتحرك إِلَيْهَا كتاب فِي جَوَامِع المسكونة كتاب القرسطيون رِسَالَة فِي مَذْهَب الصابئين ودياناتهم كتاب فِي قسْمَة الأَرْض كتاب فِي الْهَيْئَة كتاب فِي الْأَخْلَاق كتاب فِي مُقَدمَات أقليدس كتاب فِي أشكال أقليدس كتاب فِي أشكال المجسطي كتاب فِي اسْتِخْرَاج الْمسَائِل الهندسية كتاب رُؤْيَة الْأَهِلّة بالجنوب كتاب رُؤْيَة الْأَهِلّة من الجداول رِسَالَة فِي سنة الشَّمْس رِسَالَة فِي الْحجَّة المنسوبة إِلَى سقراط كتاب فِي إبطاء الْحَرَكَة فِي فلك البروج وسرعتها وتوسطها بِحَسب الْموضع الَّذِي يكون فِيهِ من الْفلك الْخَارِج المركز جَوَاب مَا سُئِلَ عَنهُ عَن البقراطيين وَكم مبلغ عَددهمْ مقَالَة فِي عمل شكل مجسم ذِي أَربع عشرَة قَاعِدَة تحيط بِهِ كرة مَعْلُومَة مقَالَة فِي الصُّفْرَة الْعَارِضَة للبدن وَعدد أصنافها وأسبابها وعلاجها مقَالَة فِي وجع المفاصل مقَالَة فِي صفة كَون الْجَنِين كتاب فِي علم مَا فِي التَّقْوِيم بالممتحن كتاب فِي الأطلال كتاب فِي وصف القرص كتاب فِي تَدْبِير الصِّحَّة كتاب فِي محنة حِسَاب النُّجُوم كتاب تَفْسِير الْأَرْبَعَة رِسَالَة فِي اخْتِيَار وَقت لسُقُوط النُّطْفَة جَوَامِع كتاب النبض الْكَبِير لِجَالِينُوسَ كتاب الْخَاصَّة فِي تشريف صناعَة الطِّبّ وترتيب أَهلهَا وتعزيز المنقوصين مِنْهُم بالنفوس وَالْأَخْبَار أَن صناعَة الطِّبّ أجل الصناعات كتب بِهِ إِلَى الْوَزير أبي الْقَاسِم عبيد الله بن سُلَيْمَان رِسَالَة فِي كَيفَ يَنْبَغِي أَن يسْلك إِلَى نيل الْمَطْلُوب من الْمعَانِي الهندسية فِيهَا ذكر آثَار ظَهرت فِي الجو وأحوال كَانَت فِي الْهَوَاء مِمَّا رصد بَنو مُوسَى وَأَبُو الْحسن ثَابت بن قُرَّة اخْتِصَار كتاب جالينوس فِي قوى الأغذية ثَلَاث مقالات مسَائِل عِيسَى بن أسيد لِثَابِت بن قُرَّة وأجوبتها الثَّابِت كتاب الْبَصَر والبصيرة فِي علم الْعين وعللها ومداواتها الْمدْخل إِلَى كتاب أقليدس وَهُوَ فِي غَايَة الْجَوْدَة كتاب الْمدْخل إِلَى الْمنطق اخْتِصَار كتاب حِيلَة الْبُرْء لِجَالِينُوسَ شرح السماع الطبيعي مَاتَ وَمَا تممه كتاب فِي المربع وقطره كتاب فِيمَا يظْهر فِي الْقَمَر من آثَار الْكُسُوف وعلاماته كتاب فِي عِلّة كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر عمل أَكْثَره وَمَات وَمَا تممه كتاب إِلَى ابْنه سِنَان فِي الْحَث على تعلم الطِّبّ وَالْحكمَة جوابان عَن كتابي مُحَمَّد بن مُوسَى بن شَاكر إِلَيْهِ فِي أَمر الزَّمَان كتاب فِي مساحة الأشكال المسطحة وَسَائِر الْبسط والأشكال كتاب فِي أَن سَبِيل الأثقال الَّتِي تعلق على عَمُود وَاحِد مُنْفَصِلَة هِيَ سَبِيلهَا إِذا جعلت ثقلا وَاحِدًا مثبوتا فِي جَمِيع العمود على تساو كتاب فِي طبائع الْكَوَاكِب وتأثيراتها مُخْتَصر فِي الْأُصُول من علم الْأَخْلَاق كتاب فِي آلَات السَّاعَات الَّتِي تسمى رخامات كتاب فِي إِيضَاح الْوَجْه الَّذِي ذكر بطليموس أَن بِهِ استخرج من تقدمه مسيرات الْقَمَر

стр. 286

الدورية وَهِي المستوية كتاب فِي صفة اسْتِوَاء الْوَزْن واختلافه وشرائط ذَلِك جَوَامِع كتاب نيقوماخس فِي الأرثماطيقي مقالتان أشكال لَهُ فِي الْحِيَل جَوَامِع الْمقَالة الأولى من الْأَرْبَع لبطلميوس جَوَابه عَن مسَائِل سَأَلَهُ عَنْهَا أَبُو سهل النوبختي كتاب فِي قطع المخروط المكافي كتاب فِي مساحة الْأَجْسَام المكافية كتاب فِي مَرَاتِب قِرَاءَة الْعُلُوم اخْتِصَار كتاب أَيَّام البحران لِجَالِينُوسَ ثَلَاث مقالات اخْتِصَار كتاب الأسطقسات لِجَالِينُوسَ كتاب فِي أشكال الخطوط الَّتِي يمر عَلَيْهَا ظلّ المقياس مقَالَة فِي الهندسة ألفها لإسماعيل بن بلبل جَوَامِع كتاب جالينوس فِي الْأَدْوِيَة المنقية جَوَامِع كتاب الْأَعْضَاء الآلمة لِجَالِينُوسَ كتاب فِي الْعرُوض كتاب فِيمَا أغفله ثاون فِي حِسَاب كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر مقَالَة فِي حِسَاب خُسُوف الشَّمْس وَالْقَمَر كتاب فِي الأنواء مَا وجد من كِتَابه فِي النَّفس مقَالَة فِي النّظر فِي أَمر النَّفس كتاب فِي الطَّرِيق إِلَى اكْتِسَاب الْفَضِيلَة كتاب فِي النِّسْبَة الْمُؤَلّفَة رِسَالَة فِي الْعدَد الوفق رِسَالَة فِي تولد النَّار بَين حجرين كتاب فِي الْعَمَل بالممتحن وترجمته مَا استدركه على حُبَيْش فِي الممتحن كتاب فِي مساحة قطع الخطوط كتاب فِي آلَة الزمر كتب عدَّة لَهُ فِي الأرصاد عَرَبِيّ وسرياني كتاب فِي تشريح بعض الطُّيُور وَأَظنهُ مَالك الحزين كتاب فِي أَجنَاس مَا تَنْقَسِم إِلَيْهِ الْأَدْوِيَة صنفه بالسرياني كتاب فِي أَجنَاس مَا توزن بِهِ الْأَدْوِيَة بالسرياني كتاب فِي هجاء السرياني وَإِعْرَابه مقَالَة فِي تَصْحِيح مسَائِل الْجَبْر بالبراهين الهندسية إِصْلَاحه للمقالة الأولى من كتاب أبلونيوس فِي قطع النّسَب المحدودة وَهَذَا الْكتاب مقالتان أصلح ثَابت الأولى إصلاحا جيدا وَشَرحهَا وأوضحها وفسرها وَالثَّانيَِة لم يصلحها وَهِي غير مفهومة مُخْتَصر فِي علم النُّجُوم مُخْتَصر فِي علم الهندسة جوابات عَن مسَائِل سَأَلَهُ عَنْهَا المعتضد كَلَام فِي السياسة جَوَاب لَهُ عَن سَبَب الْخلاف بَين زيج بطلميوس وَبَين الممتحن جوابات لَهُ عَن عدَّة مسَائِل سَأَلَ عَنْهَا سَنَد بن عَليّ رِسَالَة فِي حل رموز كتاب السياسة لأفلاطن اخْتِصَار القاطيغورياس وَمِمَّا وجد لِثَابِت بن قُرَّة الْحَرَّانِي الصابي بالسُّرْيَانيَّة فِيمَا يتَعَلَّق بمذهبه رِسَالَة فِي الرسوم والفروض وَالسّنَن رِسَالَة فِي تكفين الْمَوْتَى ودفنهم رِسَالَة فِي اعْتِقَاد الصابئين رِسَالَة فِي الطَّهَارَة والنجاسة رِسَالَة فِي السَّبَب الَّذِي لأَجله الغز النَّاس فِي كَلَامهم رِسَالَة فِيمَا يصلح من الْحَيَوَان للضحايا وَمَا لَا يصلح رِسَالَة فِي أَوْقَات الْعِبَادَات رِسَالَة فِي تَرْتِيب الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة صلوَات الابتهال إِلَى الله أَبُو سعيد سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة كَانَ يلْحق بابيه فِي مَعْرفَته بالعلوم واشتغاله بهَا وتمهره فِي صناعَة الطِّبّ وَله قُوَّة بَالِغَة فِي علم الْهَيْئَة وَكَانَ فِي خدمَة المقتدر بِاللَّه والقاهر وخدم أَيْضا بصناعة الطِّبّ الراضي بِاللَّه وَقَالَ ابْن النديم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب فِي كتاب الفهرست أَن القاهر بِاللَّه أَرَادَ سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة على

стр. 287

الْإِسْلَام فهرب ثمَّ أسلم وَخَافَ من القاهر فَمضى إِلَى خُرَاسَان وَعَاد وَتُوفِّي بِبَغْدَاد مُسلما وَكَانَت وَفَاته بعلة الذرب فِي اللَّيْلَة الَّتِي صبيحتها يَوْم الْجُمُعَة مستهل ذِي الْقعدَة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَقَالَ ثَابت بن سِنَان فِي تَارِيخه أذكر وَقد وَقع الْوَزير عَليّ بن عِيسَى بن الْجراح إِلَى وَالِدي سِنَان بن ثَابت فِي أَيَّام تقلده الدَّوَاوِين من قبل المقتدر بِاللَّه وتدبير المملكة فِي أَيَّام وزارة حَامِد بن الْعَبَّاس فِي سنة كثرت فِيهَا الْأَمْرَاض جدا وَكَانَ وَالِدي إِذْ ذَاك يتقلد البيمارستانات بِبَغْدَاد وَغَيرهَا توقيعا يَقُول فِيهِ فَكرت مد الله فِي عمرك فِي أَمر من فِي الحبوس وَأَنه لَا يَخْلُو مَعَ كَثْرَة عَددهمْ وجفاء أماكنهم أَن تنالهم الْأَمْرَاض وهم معوقون عَن التَّصَرُّف فِي منافعهم ولقاء من يشاورونه من الْأَطِبَّاء فِيمَا يعرض لَهُم فَيَنْبَغِي أَن تفرد لَهُم أطباء يدْخلُونَ إِلَيْهِم فِي كل يَوْم وَتحمل إِلَيْهِم الْأَدْوِيَة والأشربة ويطوفون فِي سَائِر الحبوس ويعالجون فِيهَا المرضى ويزيحون عللهم فِيمَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من الْأَدْوِيَة والأشربة ويتقدم بِأَن تُقَام لَهُم المزورات لمن يحْتَاج إِلَيْهَا مِنْهُم فَفعل وَالِدي ذَلِك طول أَيَّامه وَورد توقيع آخر إِلَيْهِ فِيهِ فَكرت فِي من فِي السوَاد من أَهله فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَن يكون فِيهِ مرضى لَا يشرف عَلَيْهِم متطبب لخلو السوَاد من الْأَطِبَّاء فَتقدم مد الله فِي عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة للأدوية والأشربة يطوفون فِي السوَاد ويقيمون فِي كل صقع مِنْهُ مُدَّة مَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ ويعالجون من فِيهِ من المرضى ثمَّ ينتقلون إِلَى غَيره فَفعل وَالِدي ذَلِك إِلَى أَن انْتهى أَصْحَابه إِلَى سورا وَالْغَالِب على أَهلهَا الْيَهُود فَكتب إِلَى أبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى يعرفهُ وُرُود كِتَابه من أَصْحَابه من السوَاد يذكرُونَ فِيهِ كَثْرَة المرضى وَأَن أَكثر من حول نهر الْملك يهود وَأَنَّهُمْ اسْتَأْذنُوا فِي الْمقَام عَلَيْهِم وعلاجهم وَأَنه لم يعلم مَا يُجِيبهُمْ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يعرف رَأْيه فيهم وأعلمه أَن رسم البيمارستان أَن يعالج فِيهِ الملي وَالذِّمِّيّ ويسأله أَن يرسم لَهُ فِي ذَلِك مَا يعْمل عَلَيْهِ فَوَقع لَهُ توقيعا نسخته فهمت مَا كتبت بِهِ أكرمك الله وَلَيْسَ بَيْننَا خلاف فِي أَن معالجة أهل الذِّمَّة والبهائم صَوَاب وَلَكِن الَّذِي يجب تَقْدِيمه وَالْعَمَل بِهِ معالجة النَّاس قبل الْبَهَائِم وَالْمُسْلِمين قبل أهل الذِّمَّة فَإِذا أفضل عَن الْمُسلمين مَا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ صرف فِي الطَّبَقَة الَّتِي بعدهمْ فاعمل أكرمك الله على ذَلِك واكتب إِلَى أَصْحَابك بِهِ ووصهم بالتنقل فِي الْقرى والمواضع الَّتِي فِيهَا الأوباء الْكَثِيرَة والأمراض الفاشية وَإِن لم يَجدوا بذرقة توقفوا عَن الْمسير حَتَّى تصلح لَهُم الطَّرِيق وَيصِح السَّبِيل فَإِنَّهُم إِذا فعلوا هَذَا غنوا عَن السُّور إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ثَابت بن سِنَان وَكَانَت النَّفَقَة عَن البيمارستان الَّذِي لبدر المعتضدي بالمحرم من ارْتِفَاع وقف سجَاح أم المتَوَكل على الله وَكَانَ الْوَقْف فِي يَد أبي الصَّقْر وهب بن مُحَمَّد الكلوذاني وَكَانَ قسط من ارْتِفَاع هَذَا الْوَقْف يصرف إِلَى بني هَاشم وقسط مِنْهُ إِلَى نَفَقَة البيمارستان وَكَانَ أَبُو

стр. 288

الصَّقْر يروج على بني هَاشم مَالهم وَيُؤَخر مَا يصرف إِلَى نَفَقَة البيمارستان ويضيقه فَكتب وَالِدي إِلَى ابْن الْحسن عَليّ بن عِيسَى يشكو إِلَيْهِ هَذِه الْحَال ويعرفه مَا يلْحق المرضى من الضَّرَر بذلك وقصور مَا يُقَام لَهُم من الفحم والمؤن والدثار وَغير ذَلِك عَن مِقْدَار حَاجتهم فَوَقع على ظهر رقعته إِلَى أبي الصَّقْر توقيعا نسخته أَنْت أكرمك الله تقف على مَا ذكره وَهُوَ غلط جدا وَالْكَلَام فِيهِ مَعَك خَاصَّة فِيمَا يَقع مِنْك يلزمك وَمَا أحسبك تسلم من الْإِثْم فِيهِ وَقد حكيت عني فِي الهاشميين قولا لست أذكرهُ وَكَيف تصرفت الْأَحْوَال فِي زِيَادَة المَال أَو نقصانه ووفوره أَو قصوره لَا بُد من تَعْدِيل الْحَال فِيهِ بَين أَن تَأْخُذ مِنْهُ وَتجْعَل للبيمارستان قسطا بل هُوَ أَحَق بالتقديم على غَيره لضعف من يلجأ إِلَيْهِ وعظيم النَّفْع بِهِ فعرفني أكرمك الله مَا النُّكْتَة فِي قُصُور المَال ونقصانه فِي تخلف نَفَقَة البيمارستان هَذِه الشُّهُور المتتابعة وَفِي هَذَا الْوَقْت خَاصَّة مَعَ الشتَاء واشتداد الْبرد فاحتل بِكُل حِيلَة لما يُطلق لَهُم ويعجل حَتَّى يدفأ من فِي البيمارستان من المرضى والممرورين بالدثار وَالْكِسْوَة والفحم ويقام لَهُم الْقُوت ويتصل لَهُم العلاج والخدمة وأجبني بِمَا يكون مِنْك فِي ذَلِك وأنفذ لي عملا يدلني على حجتك وأعن بِأَمْر البيمارستان فضل عناية إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ ثَابت بن سِنَان أَنه لما كَانَ فِي أول يَوْم من الْمحرم سنة سِتّ وثلثمائة فتح وَالِدي سِنَان بن ثَابت بيمارستان السيدة الَّذِي اتَّخذهُ لَهَا بسوق يحيى وَجلسَ فِيهِ ورتب المتطببين وَقبل المرضى وَهُوَ كَانَ بناه على دجلة وَكَانَت النَّفَقَة عَلَيْهِ فِي كل شهر سِتّمائَة دِينَار قَالَ وَفِي هَذِه السّنة أَيْضا أَشَارَ وَالِدي على المقتدر بِاللَّه بِأَن يتَّخذ بيمارستانا ينْسب إِلَيْهِ فَأمره باتخاذه فاتخذه لَهُ فِي بَاب الشَّام وَسَماهُ البيمارستان المقتدري وَأنْفق عَلَيْهِ من مَاله فِي كل شهر مِائَتي دِينَار قَالَ ثَابت بن سِنَان وَلما كَانَ فِي سنة تسع عشرَة وثلثمائة اتَّصل بالمقتدر أَن غَلطا جرى على رجل من الْعَامَّة من بعض المتطببين فَمَاتَ الرجل فَأمر إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن بطحا بِمَنْع سَائِر المتطببين من التَّصَرُّف إِلَّا من امتحنه وَالِدي سِنَان بن ثَابت وَكتب لَهُ رقْعَة بِخَطِّهِ بِمَا يُطلق لَهُ من الصِّنَاعَة فصاروا إِلَى وَالِدي وأمتحنهم وَأطلق لكل وَاحِد مِنْهُم مَا يصلح أَن يتَصَرَّف فِيهِ وَبلغ عَددهمْ فِي جَانِبي بَغْدَاد ثَمَانمِائَة رجل ونيفا وَسِتِّينَ رجلا سوى من اسْتغنى عَن محنته باشتهاره بالتقدم فِي صناعته وَسوى من كَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان وَقَالَ أَيْضا ثَابت بن سِنَان لما مَاتَ الراضي بِاللَّه استدعى الْأَمِير أَبُو الْحُسَيْن بِحكم وَالِدي سِنَان ابْن ثَابت وَسَأَلَهُ أَن ينحدر إِلَيْهِ إِلَى وَاسِط وَلم يكن يطْمع فِي ذَلِك مِنْهُ فِي أَيَّام الراضي بِاللَّه لملازمته بخدمته فانحدر إِلَيْهِ وَالِدي فَأكْرمه وَوَصله وَقَالَ لَهُ أُرِيد أَن اعْتمد عَلَيْك فِي تَدْبِير بدني وتفقده وَالنَّظَر فِي مَصَالِحه وَفِي أَمر آخر هُوَ أهم إِلَيّ من أَمر بدني وَهُوَ أَمر أخلاقي لِثِقَتِي بعقلك وفضلك وَدينك ومحبتك فقد غمني غَلَبَة الْغَضَب والغيظ عَليّ وإفراطهما بِي حَتَّى أخرج إِلَى مَا اندم عَلَيْهِ عِنْد سكونهما من ضرب وَقتل وَأَنا أَسأَلك أَن تتفقد مَا أعمله وَإِذا وقفت لي على عيب لم تحتشم أَن تصدقني عَنهُ وتذكره لي وتنبهني عَلَيْهِ ثمَّ ترشدني إِلَى علاجه ليزول عني فَقَالَ لَهُ وَالِدي السّمع وَالطَّاعَة لما أَمر بِهِ الْأَمِير أَنا افْعَل ذَلِك وَلَكِن يستمع الْأَمِير مني بالعاجل جملَة علاج مَا أنكرهُ من نَفسه إِلَى أَن يَجِيئهُ التَّفْصِيل فِي أوقاته إعلم أَيهَا الْأَمِير أَنَّك قد أَصبَحت وَلَيْسَ فَوق

стр. 289

يدك يَد لأحد من المخلوقين وَأَنَّك مَالك لكل مَا تريده قَادر على أَن تَفْعَلهُ أَي وَقت أردته لَا يتهيأ لأحد من المخلوقين مَنعك مِنْهُ وَلَا لِأَن يحول بَيْنك وَبَين مَا تهواه أَي وَقت أردته وَأَنَّك مَتى أردْت شَيْئا بلغته أَي وَقت شِئْت لَا يفوتك أَمر تريده وَاعْلَم أَن الْغَضَب والغيظ والحرد تحدث فِي الْإِنْسَان سكرا أَشد من سكر النَّبِيذ بِكَثِير فَكَمَا أَن الْإِنْسَان يعْمل فِي وَقت السكر من النَّبِيذ مَا لَا يعقل بِهِ وَلَا يذكرهُ إِذا صَحا ويندم عَلَيْهِ إِذا حدث بِهِ ويستحيي مِنْهُ كَذَلِك يحدث لَهُ وَقت السكر من الحرد والغيظ بل أَشد فَلَمَّا يَبْتَدِئ بك الْغَضَب وتحس بِأَنَّهُ قد ابْتَدَأَ يسكرك قبل أَن يشْتَد ويقوى ويتفاقم وَيخرج الْأَمر عَن يدك فضع فِي نَفسك أَن تُؤخر الْعقُوبَة عَلَيْهِ إِلَى غَد واثقا بِأَن مَا تُرِيدُ أَن تعمله فِي الْوَقْت لَا يفوتك عمله فِي غَد وَقد قيل من لم يخف فوتا حلم فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك وَبت ليلتك وسكنت فورة غضبك فَإِنَّهُ لَا بُد لفورة الْغَضَب من أَن تبوخ وتسكن وَأَن تصحو من السكر الَّذِي أحدثه لَك الْغَضَب وَقد قيل إِن أصح مَا يكون الْإِنْسَان رَأيا إِذا استدبر ليله واستقبل نَهَاره فَإِذا صحوت من سكرك فَتَأمل الْأَمر الَّذِي أغضبك وَقدم أَمر الله أَولا وَالْخَوْف مِنْهُ وَترك التَّعَرُّض لسخطه وَلَا تشف غيظك بِمَا يؤثمك فقد قيل مَا شفى غيظه من أَثم بربه وَاذْكُر قدرَة الله عَلَيْك وَأَنَّك مُحْتَاج إِلَى رَحمته وَإِلَى أَخذه بِيَدِك فِي أَوْقَات شدائدك وَهُوَ وَقت لَا تملك لنَفسك فِيهِ شرا وَلَا نفعا وَلَا يقدر لَك عَلَيْهِ أحد من المخلوقين وَلَا يكْشف مَا قد أظلك غَيره وَاعْلَم أَن الْبشر يغلطون ويخطئون وَأَنَّك مثلهم تغلط وتخطئ وَإِن كَانَ لَا يَجْسُر أحد على أَن لَا يوافقك على ذَلِك فَكَمَا تحب أَن يغْفر الله لَك كَذَلِك غَيْرك يؤمل عطفك وعفوك وفكر بِأَيّ لَيْلَة بَات المذنب قلقا لخوفه مِنْك وَمَا يتوقعه من عُقُوبَتك ويخافه من سطوتك واعرف مِقْدَار مَا يصل إِلَيْهِ من السرُور وَزَوَال الرعب عَنهُ بعفوك وَمِقْدَار الثَّوَاب الَّذِي يحصل لَك من ذَلِك وَاذْكُر قَول الله تَعَالَى وليعفوا وليصحفوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم فَإِن كَانَ مَا أغضبك مِمَّا يجوز فِيهِ الْعَفو وَيَكْفِي فِيهِ العتاب والتوبيخ والعذل والتهديد مَتى وَقعت معاودة فَلَا تتجاوز ذَلِك واعف وَاصْفَحْ فَإِنَّهُ أحسن بك وَأقرب إِلَى الله تَعَالَى وَالله سُبْحَانَهُ يَقُول وَإِن تعفوا فَهُوَ أقرب للتقوى وَلَيْسَ يظنّ بك المذنب وَلَا غَيره أَنَّك عجزت عَن التَّقْوِيم والعقوبة وَلَا قصرت بك الْقُدْرَة وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يحْتَمل الْعَفو عَاقَبت حِينَئِذٍ على قدر الذَّنب وَلم تتجاوزه إِلَى مَا يُوقع الدّين وَيفْسد بِهِ أَمرك ويقبح عِنْد النَّاس ذكرك فَإِنَّمَا يشْتَد عَلَيْك تكلّف ذَلِك أول دفْعَة وثانية وثالثة ثمَّ يصير عَادَة لَك وخلقا وسجية ويسهل عَلَيْك فَاسْتحْسن بِحكم ذَلِك ووعد أَن يَفْعَله وَمَا زَالَت أخلاقه تصلح ووالدي ينبهه على شَيْء شَيْء مِمَّا يُنكره مِنْهُ من أخلاقه وأفعاله ويرشده إِلَى طَرِيق إِزَالَته إِلَى أَن لانت أخلاقه وكف عَن كثير مِمَّا كَانَ يسْرع إِلَيْهِ من الْقَتْل والعقوبات الغليظة واستحلى واستطاب مَا كَانَ يُشِير عَلَيْهِ من اسْتِعْمَال الْعدْل والإنصاف وَرفع الظُّلم والجور ويستصوبه وَيعْمل بِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يبين لَهُ أَن الْعدْل أربح للسُّلْطَان من الظُّلم بِكَثِير وَأَنه يحصل لَهُ بِهِ دنيا وآخرة وَإِن مواد الظُّلم وَإِن كثرت

стр. 290

وتعجلت سريعة الْفساد والفناء والانقطاع ممحوقة لَا يُبَارك فِيهَا وتحدث حوادث تتجرمها ثمَّ تعود بخراب الدُّنْيَا وَفَسَاد الْآخِرَة ومواد الْعدْل تنمى وتزيد وتدوم وتتصل ويبارك فِيهَا وتعود بصلاح الدُّنْيَا وعمارتها وَحُصُول الْآخِرَة والفوز فِيهَا وَحسن الذّكر مَا بَقِي الدَّهْر فَتبين ذَلِك وَعرف صِحَّته وابتدأ بِالْعَمَلِ بِهِ وَعمل بواسط فِي وَقت المجاعة دَار ضِيَافَة وببغداد بيمارستانا يعالج فِيهِ الْفُقَرَاء ويعللون وَأنْفق فِي ذَلِك جملَة ورفه الرّعية وأرفقها وَعدل فِيهَا وأنصف فِي معاملاتها وَأحسن إِلَيْهَا وَرَأى مَا يجب إِلَّا أَن مدَّته فِي ذَلِك لم تطل وَقتل عَن قرب وَللَّه أَمر هُوَ بالغه وَلأبي سعيد سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة من الْكتب وَهُوَ مِمَّا نقل من خطّ أبي عَليّ المحسن بن إِبْرَاهِيم ابْن هِلَال الصَّابِئ رِسَالَة فِي تَارِيخ مُلُوك السريانيين رِسَالَة فِي الاسْتوَاء رِسَالَة فِي سُهَيْل رِسَالَة إِلَى بِحكم رِسَالَة إِلَى ابْن رايق رِسَالَة إِلَى أبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى رَحمَه الله تَعَالَى الرسائل السلطانيات والإخوانيات السِّيرَة وَهِي فِي أَجزَاء تعرف بِكِتَاب النَّاجِي صنفه لعضد الدولة وتاج الْملَّة تشْتَمل على مفاخره ومفاخر الديلم وأنسابهم وَذكر أصولهم وأسلافهم رِسَالَة فِي النُّجُوم رِسَالَة فِي شرح مَذْهَب الصابئين رِسَالَة فِي قسْمَة أَيَّام الْجُمُعَة على الْكَوَاكِب السَّبْعَة كتبهَا إِلَى أبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم ابْن هِلَال وَرجل آخر رِسَالَة فِي الْفرق بَين المترسل والشاعر رِسَالَة فِي أَخْبَار آبَائِهِ وأجداده وسلفه وَنقل إِلَى الْعَرَبِيّ نواميس هرمس والسور والصلوات الَّتِي يُصَلِّي بهَا الصابئون إِصْلَاحه لكتاب فِي الْأُصُول الهندسية وَزَاد فِي هَذَا الْكتاب شَيْئا كثيرا مقَالَة أنفذها إِلَى الْملك عضد الدولة فِي الأشكال ذَوَات الخطوط المستقيمة الَّتِي تقع فِي الدائرة وَعَلَيْهَا استخراجه للشَّيْء الْكثير من الْمسَائِل الهندسية إِصْلَاحه لعبارة أبي سهل الكوهي فِي جَمِيع كتبه لِأَن أَبَا سهل سَأَلَهُ ذَلِك إِصْلَاحه وتهذيبه لشَيْء نَقله من كتاب يُوسُف القس من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ من كتاب أرشميدس فِي المثلثات أَبُو الْحسن ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة كَانَ طَبِيبا فَاضلا يلْحق بِأَبِيهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَقَالَ فِي التَّارِيخ الَّذِي عمله وَهَذَا التَّارِيخ ذكر فِيهِ الوقائع والحوادث الَّتِي جرت فِي زَمَانه وَذَلِكَ من أَيَّام المقتدر بِاللَّه إِلَى أَيَّام الْمُطِيع لله أَنه كَانَ وَولده فِي خدمَة الراضي بِاللَّه وَقَالَ بعد ذَلِك أَيْضا عَن نَفسه أَنه خدم بصناعة الطِّبّ المتقي بن المقتدر بِاللَّه وخدم أَيْضا المستكفي بِاللَّه والمطيع لله قَالَ وَفِي سنة ثَلَاث

стр. 291

عشرَة وثلثمائة قلدني الْوَزير الخاقاني البيمارستان الَّذِي اتَّخذهُ ابْن الْفُرَات بدرب الْمفضل وَقَالَ أَيْضا فِي تَارِيخه أَنه لما سلم أَبُو عَليّ بن مقلة إِلَى الْوَزير أبي عَليّ عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى من جِهَة الراضي بِاللَّه فِي سنة أَربع وَعشْرين وثلمثائة حمله إِلَى دَاره فِي يَوْم الْخَمِيس لثلاث لَيَال خلون من جُمَادَى الْآخِرَة وَضرب أَبُو عَليّ بن مقلة بالمقارع فِي دَار الْوَزير عبد الرَّحْمَن وَأخذ خطه بِأَلف ألف دِينَار وَكَانَ الَّذِي تولى ذَلِك مِنْهُ بنان الْكَبِير من الحجرية ثمَّ سلم إِلَى أبي الْعَبَّاس الحصيني ووكل بِهِ ماكرد وبنان الْكَبِير ورد الحصيني مناظرته إِلَى أبي الْقَاسِم عبيد الله بن عبد الله الإسكافي الْمَعْرُوف بِأبي نعرة ومطالبته إِلَى الدستواني فجرت عَلَيْهِ مِنْهُ من المكاره وَالتَّعْلِيق وَالضَّرْب والدهق أَمر عَظِيم وَالَّذِي شاهدت أَنا من أمره أَن أَبَا الْعَبَّاس الحصيني كلفني يَوْمًا الدُّخُول إِلَيْهِ لمعْرِفَة خَبره من شَيْء تشكاه وَقَالَ إِن كَانَ يحْتَاج إِلَى الفصد فَتقدم إِلَى من يفصده بحضرتك فَدخلت إِلَيْهِ فَوَجَدته مطروحا على حَصِير خلق على بَارِية ومخدة وسخة خليعة تَحت رَأسه وَهُوَ عُرْيَان بسراويل فَوجدت بدنه من رَأسه إِلَى أَطْرَاف أَصَابِع رجلَيْهِ كلون الباذنجان سَوَاء لَيْسَ مِنْهُ عقد سليم وَوجدت بِهِ ضيق نفس شَدِيد لِأَن الدستواني كَانَ قد دهق صَدره فَعرفت الحصيني أَنه شَدِيد الْحَاجة إِلَى الفصد فَقَالَ لي يحْتَاج أَن يلْحقهُ كد فِي الْمُطَالبَة فَكيف نعمل بِهِ قلت لَا أَدْرِي إِلَّا أَنه أَن ترك وَلم يفصد مَاتَ وَإِن فصد ولحقه مَكْرُوه بعده تلف فَقَالَ لأبي الْقَاسِم بن أبي نعرة الإسكافي ادخل إِلَيْهِ وَقل لَهُ إِن كنت تظن أَنه يلحقك ترفيه إِذا افتصدت فبئس مَا تظن فافتقصد وضع فِي نَفسك أَن الْمُطَالبَة لابد مِنْهَا ثمَّ قَالَ لي أحب أَن تدخل إِلَيْهِ مَعَه فاستعفيته من ذَلِك فَلم يعفني فَدخلت مَعَه وَأدّى الرسَالَة بحضرتي فَقَالَ إِذا كَانَ الْأَمر على هَذَا فلست أُرِيد أَن افتصد وَأَنا بَين يَدي الله فعدنا إِلَيْهِ وعرفناه مَا قَالَ فَقَالَ لي أَي شَيْء عنْدك وَمَا الَّذِي ترى قلت الَّذِي أرى أَن يفصد وَإِن يرفه فَقَالَ افْعَل فعدت إِلَيْهِ وفصد بحضرتي ورفه يَوْمه وخف مَا بِهِ ويتوقع الْمَكْرُوه من غَد وَهُوَ برعب طَائِر الْعقل فاتفق سَبَب للحصيني أحوجه إِلَى الاستتار فِي ذَلِك الْيَوْم وَبَقِي ابْن مقلة مرفها لَيْسَ أحد يُطَالِبهُ وَكفى أَمر عدوه من حَيْثُ لم يحْتَسب وَرجعت نَفسه إِلَيْهِ وَحضر ابْن فراية فضمن مَا عَلَيْهِ وتسلمه وَقد كَانَ أدّى قبل ذَلِك إِلَى الحصيني نيفا وَخمسين ألف دِينَار وَأشْهد عَلَيْهِ الْعُدُول بِأَنَّهُ قد بَاعَ جَمِيع ضيَاعه وضياع أَوْلَاده وأسبابه من السُّلْطَان وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من كِتَابه هَذَا أَنه لما قطعت يَد ابْن مقلة استدعاني الراضي بِاللَّه فِي آخر

стр. 292

النَّهَار وَأَمرَنِي بِالدُّخُولِ إِلَيْهِ وعلاجه فصرت إِلَيْهِ يَوْم قطع يَده فَوَجَدته مَحْبُوسًا فِي القلاية الَّتِي فِي صحن الشَّجَرَة وَالْبَاب مقفل عَلَيْهِ فَفتح الْخَادِم الْبَاب عَنهُ وَدخلت إِلَيْهِ فَوَجَدته جَالِسا على قَاعِدَة من بعض أساطين القلاية ولونه كلون الرصاص الَّذِي هُوَ جَالس عَلَيْهِ وَقد ضعف جدا وَهُوَ فِي نِهَايَة القلق من ضَرْبَان ساعده وَرَأَيْت لَهُ فِي القلاية قبَّة خيش نصبت لَهُ وَعَلَيْهَا طاقان من الخيش وَفِيهِمَا مصلى ومخاد طبري وحول الْمصلى أطباق كَثِيرَة بفاكهة حَسَنَة فَلَمَّا رَآنِي بَكَى وشكى حَاله وَمَا نزل بِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ من الضربان وَوجدت ساعده قد ورم ورما شَدِيدا وعَلى مَوضِع الْقطع خرقَة غَلِيظَة قردواني كحلية مشدودة بخيط قنب فخاطبته بِمَا يحب وسكنت مِنْهُ وحللت الْخَيط ونحيت الْخِرْقَة فَوجدت تحتهَا على مَوضِع الْقطع سرجين الدَّوَابّ فَأمرت بِأَن ينفض عَنهُ فنفض وَإِذا رَأس الساعد أَسْفَل الْقطع مشدود بخيط قنب وَقد غاص فِي ذراعه لشدَّة الورم وَقد ابْتَدَأَ ساعده يسود وعرفته أَن سَبِيل الْخَيط أَن يحل وَأَن يَجْعَل مَوضِع السرجين كافور ويطلى ذراعه بالصندل وَمَاء الْورْد والكافور فَقَالَ يَا سَيِّدي افْعَل مَا رَأَيْت فَقَالَ الْخَادِم الَّذِي معي احْتَاجَ أَن اسْتَأْذن مَوْلَانَا فِي ذَلِك وَدخل ليستأذن وَخرج وَمَعَهُ مخزنة كَبِيرَة مَمْلُوءَة كافورا وَقَالَ قد أذن لَك مَوْلَانَا أَن تعْمل مَا ترى وَأمر بِأَن ترفق بِهِ وتوفر الْعِنَايَة عَلَيْهِ وَتلْزَمهُ إِلَى أَن يهب الله عافيته فحللت الْخَيط وفرغت المخزنة فِي مَوضِع الْقطع وطليت ساعده فَعَاشَ واستراح وَسكن الضربان وَسَأَلته هَل اغتذى فَقَالَ وَكَيف ينساغ لي طَعَام فتقدمت بإحضار طَعَام فأحضر وَامْتنع من الْأكل فرفقت بِهِ ولقمته بيَدي فَحصل لَهُ نَحْو عشْرين درهما خبْزًا وَمن لحم فروج نَحْو ذَلِك وَحلف أَنه لَا يقدر أَن يبلع شَيْئا آخر وَشرب مَاء بَارِدًا وَعَاشَتْ روحه وانصرفت وقفل الْبَاب عَلَيْهِ وَبَقِي وَحده ثمَّ أَدخل عَلَيْهِ من غَد خَادِم أسود يَخْدمه وَحبس مَعَه وترددت إِلَيْهِ أَيَّامًا كَثِيرَة وَعرض لَهُ فِي رجله الْيُسْرَى عِلّة النقرس ففصدته وَكَانَ يتألم من يَده الْيُمْنَى الَّتِي قطعت وَمن رجله الْيُسْرَى وَلَا ينَام اللَّيْل من شدَّة الْأَلَم ثمَّ عوفي وَكنت إِذا دخلت إِلَيْهِ يَبْتَدِئ بِالْمَسْأَلَة عَن خبر ابْنه أبي الْحُسَيْن فَإِذا عَرفته سَلَامَته سكن غَايَة السّكُون ثمَّ ناح على نَفسه وَبكى على يَده وَقَالَ يَد خدمت بهَا الْخلَافَة ثَلَاث دفعات لثَلَاثَة خلفاء وكتبت بهَا الْقُرْآن دفعتين تقطع كَمَا تقطع أَيدي اللُّصُوص تذكر وَأَنت تَقول لي أَنْت فِي آخر نكبة وَأَن الْفرج قريب قلت بلَى فَقَالَ قد ترى مَا حل بِي فَقلت مَا بَقِي بعد هَذَا شَيْء والآن يَنْبَغِي أَن نتوقع الْفرج فَإِنَّهُ قد عمل بك مَا لَا يعْمل بنظير لَك وَهَذَا انْتِهَاء الْمَكْرُوه وَلَا يكون بعد الِانْتِهَاء إِلَّا الانحطاط فَقَالَ لَا تفعل فَإِن المحنة قد تشبثت بِي تشبثا ينقلني من حَال إِلَى حَال إِلَى أَن تؤديني إِلَى التّلف كَمَا تتشبث حمى الدق

стр. 293

بالأعضاء فَلَا تفارق صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدِّيه إِلَى الْمَوْت ثمَّ تمثل بِهَذَا الْبَيْت (إِذا مَا مَاتَ بعضك فأبك بَعْضًا ... فبعض الشَّيْء من بعض قريب) الوافر فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ وَلما قرب بِحكم من بَغْدَاد نقل ابْن مقلة من ذَلِك الْموضع إِلَى مَوضِع أغمض مِنْهُ فَلم يُوقف لَهُ على خبر وحجبت عَنهُ ثمَّ قطع لِسَانه وَبَقِي فِي الْحَبْس مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ لحقه ذرب وَلم يكن لَهُ من يعالجه وَلَا من يَخْدمه حَتَّى بَلغنِي أَنه كَانَ يَسْتَسْقِي المَاء لنَفسِهِ بِيَدِهِ يجتذب الْحَبل بِيَدِهِ الْيُسْرَى ويمسكه بفمه ولحقه شقاء عَظِيم إِلَى أَن مَاتَ وَكَانَ ثَابت بن سِنَان الْمَذْكُور خَال هِلَال بن المحسن بن إِبْرَاهِيم الصَّابِئ الْكَاتِب البليغ ولثابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة من الْكتب كتاب التَّارِيخ ذكر فِيهِ الوقائع والحوادث الَّتِي جرت فِي زَمَانه وَذَلِكَ من سنة خمس وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ إِلَى حِين وَفَاته وَوَجَدته بِخَطِّهِ وَقد أبان فِيهِ عَن فضل وَكَانَت وَفَاة ثَابت بن سِنَان فِي شهور سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلثمائة أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة كَانَ كَامِلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية مُتَقَدما فِي زَمَانه حسن الْكِتَابَة وافر الذكاء مولده فِي سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الْأَحَد النّصْف من الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة بِبَغْدَاد وَكَانَت الْعلَّة الَّتِي مَاتَ فِيهَا ورم فِي كبده أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن زهرون الْحَرَّانِي كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا وافر الْعلم فِي صناعَة الطِّبّ جيد الْأَعْمَال حسن الْمُعَامَلَة وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من صفر سنة تسع وثلثمائة بِبَغْدَاد أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي هُوَ أَبُو الْحسن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن زهرون الْحَرَّانِي كَانَ طَبِيبا فَاضلا كثير الدِّرَايَة وافر الْعلم بارعا فِي الصِّنَاعَة موفقا فِي المعالجة مطلعا على أسرار الطِّبّ وَكَانَ مَعَ ذَلِك ضنينا بِمَا يحسن نقلت من خطّ ابْن بطلَان فِي مقَالَته فِي عِلّة نقل الْأَطِبَّاء المهرة تَدْبِير أَكثر الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت

стр. 294

تعالج قَدِيما بالأدوية الحارة إِلَى التَّدْبِير الْمبرد قَالَ كَانَ قد أسكت الْوَزير أَبُو طَاهِر بن بقيه فِي دَاره الشاطئة على الجسر بِبَغْدَاد وَقد حضر الْأَمِير معز الدولة بختيار والأطباء مجمعون على أَنه قد مَاتَ فَتقدم أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي وَكنت أَصْحَبهُ يَوْمئِذٍ فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير إِذا كَانَ قد مَاتَ فَلَنْ يضرّهُ الفصاد فَهَل تَأذن فِي فصده قَالَ لَهُ افْعَل يَا أَبَا الْحسن ففصده فرشح مِنْهُ دم يسير ثمَّ لم يزل يقوى الرشح إِلَى أَن صَار الدَّم يجْرِي فأفاق الْوَزير فَلَمَّا خلوت بِهِ سَأَلته عَن الْحَال وَكَانَ ضنينا بِمَا يَقُول فَقَالَ إِن من عَادَة الْوَزير أَن يستفرغ فِي كل ربيع دَمًا كثيرا من عروق الْمعدة وَفِي هَذَا الْفَصْل انْقَطع عَنهُ فَلَمَّا فصدته ثَابت الطبيعة من خناقها وَقَالَ عبد الله بن جِبْرَائِيل لما دخل عضد الدولة ﵀ إِلَى بَغْدَاد كَانَ أول من لقِيه من الْأَطِبَّاء أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي وَكَانَ شَيخا مسنا وَسنَان وَكَانَ أَصْغَر من أبي الْحسن وَكَانَا عَالمين فاضلين وَكَانَا جمعيا يسعران المرضى ويمضيان إِلَى دَار السُّلْطَان فَحسن ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمَا وَلما دخلا إِلَى عضد الدولة قَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا الْأَطِبَّاء قَالَ نَحن فِي عَافِيَة وَمَا بِنَا حَاجَة إِلَيْهِم فانصرفا خجلين فَلَمَّا خرجا إِلَى الدهليز قَالَ سِنَان لأبي الْحسن يجمل أَن ندخل إِلَى هَذَا الْأسد وَنحن شَيخا بَغْدَاد فيفترسنا قَالَ لَهُ أَبُو الْحسن فَمَا الْحِيلَة قَالَ نرْجِع إِلَيْهِ وَأَنا أَقُول مَا عِنْدِي وَنَنْظُر إيش الْجَواب قَالَ افْعَل فَاسْتَأْذَنا ودخلا فَقَالَ سِنَان أَطَالَ الله بَقَاء مَوْلَانَا الْملك مَوْضُوع صناعتنا حفظ الصِّحَّة لَا مداواة الْأَمْرَاض وَالْملك أحْوج النَّاس إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ عضد الدولة صدقت وَقرر لَهما الْجَارِي السّني وصارا ينوبان مَعَ أطبائه قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَلَهُمَا أَحَادِيث كَثِيرَة حَسَنَة مِنْهَا حَدِيث قلاء الكبود وَذَلِكَ أَنه كَانَ بِبَاب الأزج إِنْسَان يقلي الكبود فَكَانَا إِذا اجتازا عَلَيْهِ دَعَا لَهما وشكرهما وَقَامَ لَهما حَتَّى ينصرفا عَنهُ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام اجتازا فَلم يرياه فظنا أَنه قد شغل عَنْهُمَا وَمن غَد سَأَلَا عَنهُ فَقيل لَهما أَنه الْآن قد مَاتَ فعجبا من ذَلِك وَقَالَ أَحدهمَا للْآخر لَهُ علينا حق يُوجب علينا قَصده ومشاهدته فمضيا جَمِيعًا وشاهداه فَلَمَّا نظرا إِلَيْهِ تشاورا فِي فصده وسألا أَهله أَن يؤخروه سَاعَة وَاحِدَة ليفكروا فِي أمره فَفَعَلُوا ذَلِك وأحضروا فصادا ففصده فصدة وَاسِعَة فَخرج مِنْهُ دم غليظ وَكَانَ كلما خرج الدَّم خف عَنهُ حَتَّى تكلم وسقياه مَا يصلح وانصرفا عَنهُ وَلما كَانَ فِي الْيَوْم الثَّالِث خرج إِلَى دكانه فَكَانَ هَذَا من المعجز لَهما فسئلا عَن ذَلِك فَقَالَا سَببه أَنه كَانَ إِذا قلى الكبود يَأْكُل مِنْهَا وبدنه ممتلىء دَمًا غليظا وَهُوَ لَا يحس حَتَّى فاض من الْعُرُوق إِلَى الأوعية وغمر الْحَرَارَة الغريزية وخنقها كَمَا يخنق الزَّيْت الْكثير الفتيلة الَّتِي تكون فِي السراج فَلَمَّا بدروه بالفصد نقص الدَّم وخف عَن الْقُوَّة الْحمل الثقيل وانتشرت الْحَرَارَة وَعَاد الْجِسْم إِلَى الصِّحَّة

стр. 295

وَهَذَا الامتلاء قد يكون من البلغم أَيْضا وَقد ذكر أَسبَابه الْفَاضِل جالينوس فِي كِتَابه فِي تَحْرِيم الدّفن قبل أَربع وَعشْرين سَاعَة قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَمن أحسن مَا سَمِعت عَن أبي الْحسن الْحَرَّانِي أَنه دخل إِلَى قرَابَة الشريف الْجَلِيل مُحَمَّد بن عمر ﵀ وَكَانَ إنْسَانا نبيل الْقدر قد عَارضه ضيق نفس شَدِيد صَعب فَأخذ نبضه وَأَشَارَ بِمَا يَسْتَعْمِلهُ فشاوره فِي الفصد فَقَالَ لَهُ لَا أرَاهُ وَإِن كَانَ يُخَفف الْمَرَض تَخْفِيفًا بَينا وَانْصَرف وجاءه أَبُو مُوسَى الْمَعْرُوف ببقة الطَّبِيب وَأبْصر نبضه وقارورته وَأَشَارَ بالفصد فَقَالَ لَهُ الشريف قد كَانَ عِنْدِي أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي السَّاعَة وشاورته فِي الفصد فَذكر أَنه لَا يرَاهُ صَوَابا فَقَالَ بقة أَبُو الْحسن أعرف وَانْصَرف فَجَاءَهُ بعض الْأَطِبَّاء الَّذين هم دون هَذِه الطَّبَقَة فَقَالَ يفصد سيدنَا فَإِنَّهُ فِي الْحَال يسكن وقوى عزمه على الفصد وَلم يبرح حَتَّى فصده فعندما فصده خف عَنهُ مَا كَانَ يجده خفا بَينا ونام وَسكن عَنهُ واغتدى وَهُوَ فِي عَافِيَة فَعَاد إِلَيْهِ أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي آخر النَّهَار فَوَجَدَهُ سَاكِنا قارا فَقَالَ لَهُ لما رَآهُ على تِلْكَ الْحَال قد فصدت فَقيل كَيفَ كنت أفعل مَا لم تَأْمُرنِي بِهِ قَالَ مَا هُوَ هَذَا السّكُون إِلَّا للفصد فَقَالَ لَهُ الشريف لما علمت بِهَذَا لم لَا تفصدني قَالَ لَهُ أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي إِذْ قد فصد سيدنَا فليبشر بحمى ربع سبعين دورا وَلَو أَن أبقراط وجالينوس عِنْده مَا تخلص إِلَّا بعد انْقِضَائِهَا واستدعى دَوَاة ودرجا ورتب تَدْبيره لسَبْعين نوبه وَدفعه إِلَيْهِ وَقَالَ هَذَا تدبيرك فَإِذا انْقَضى ذَلِك جِئْت إِلَيْك وَانْصَرف فَمَا مضى أَيَّام حَتَّى جَاءَت الْحمى وَبقيت كَمَا قَالَ فَمَا خَالف تَدْبيره حَتَّى برِئ قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَمن أخباره أَنه كَانَ للحاجب الْكَبِير غُلَام وَكَانَ مشغوفا بِهِ وَاتفقَ أَن الْحَاجِب صنع دَعْوَة كَبِيرَة كَانَ فِيهَا أجلاء الدولة وَلما اشْتغل بِأَمْر الدعْوَة حم الْغُلَام حمى حادة فورد على قلب الْحَاجِب من ذَلِك موردا عَظِيما وقلق قلقا كثيرا واستدعى أَبَا الْحسن الْحَرَّانِي فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحسن أُرِيد الْغُلَام يخدمني فِي غَدَاة غَد تعْمل كل مَا تقدر عَلَيْهِ وَأَنا أكافئك بِمَا يضاهي فعلك فَقَالَ لَهُ يَا حَاجِب إِن تركت الْغُلَام يَسْتَوْفِي أَيَّام مَرضه عَاشَ وَإِلَّا فيمكنني من ملازمته أَن يقوم فِي غَد لخدمتك وَلَكِن إِذا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل فِي مثل هَذَا الْيَوْم يحم حمى حادة وَلَو كَانَ من كَانَ عِنْده من الْأَطِبَّاء لم تنجع فِيهِ مداواته وَيَمُوت إِمَّا فِي البحران الأولى أَو الثَّانِي فَانْظُر أَيهمَا أحب إِلَيْك فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب أُرِيد أَن يخدمني فِي غَدَاة غَد وَإِلَى الْعَام الْمقبل فرج ظنا مِنْهُ أَن هَذَا القَوْل من الْأَحَادِيث المدفوعة فلازمه أَبُو الْحسن وَلما كَانَ فِي غَد أَفَاق وَقَامَ فِي الْخدمَة وَأعْطى الْحَاجِب لأبي الْحسن خلعة سنية ومالا كثيرا وَصَارَ يُكرمهُ غَايَة الْإِكْرَام فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَام الْمقبل فِي مثل الْيَوْم الَّذِي حم فِيهِ الْغُلَام عاودته الْحمى فَأَقَامَ محموما سَبْعَة أَيَّام وَمَات فَعظم فِي نفس الْحَاجِب وَجَمَاعَة من النَّاس قَول أبي الْحسن وَكبر لديهم مَحَله وَكَانَ هَذَا مِنْهُ كالمعجز وَقَالَ هِلَال بن المحسن بن إِبْرَاهِيم الصَّابِئ الْكَاتِب حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن الْحُسَيْن النوبختي قَالَ حَدثنِي الشريف أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عمر بن يحيى أَنه أَرَادَ ابتياع جَارِيَة عَاقِلَة من دور بني

стр. 296

خاقَان بِأحد عشر ألف دِرْهَم وَكَانَ الْوَسِيط فِي ذَلِك أَبُو الْمسيب فَهد بن سُلَيْمَان فَقَالَ لأبي الْمسيب أحب أَن تستشير لي فِي أمرهَا أَبَا الْحسن الْحَرَّانِي بعد أَن تكلفه مشاهدتها فَمضى إِلَيْهِ وَسَأَلَهُ الرّكُوب مَعَه إِلَى دَار الْقَوْم ليرى الْجَارِيَة وَكَانَت متشكية وشاهدها أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي وَأخذ مجسها وَتَأمل قارورتها ثمَّ قَالَ لَهُ سرا إِن كَانَت أكلت البارحة من سماقية أَو حصرمية وقثاء أَو خِيَار فاشترها وَإِلَّا فَلَا تعترض لَهَا فسألنا عَمَّا أَكلته فِي لَيْلَتهَا فَقيل لنا بعض مَا قَالَه أَبُو الْحسن فابتاعها فعجبنا من ذَلِك وَعجب من سمع وَقَالَ المحسن بن إِبْرَاهِيم كَانَ أَوْلَاد أبي جَعْفَر بن الْقَاسِم بن عبيد الله يشنعون على أبي الْحسن الْحَرَّانِي عمنَا بِأَنَّهُ قتل أباهم فَسَأَلت أَبَا إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال وَالِدي عَن ذَلِك فَقَالَ كَانَ أَبُو جَعْفَر عدوا لأبي الْحسن عمي وعازما على قَتله لأمور نقمها عَلَيْهِ وَقد قبض عَلَيْهِ وحبسه فاتفق أَن اعتل أَبُو جَعْفَر علته الَّتِي مَاتَ فِيهَا فأشير عَلَيْهِ بمشاورة أبي الْحسن وَهُوَ فِي حَبسه فَقَالَ لَا أَثِق بِهِ وَلَا أسكن إِلَيْهِ مَعَ مَا يُعلمهُ من سوء رَأْيِي فِيهِ وعول على غَيره من الْأَطِبَّاء فَدخل بعض إخْوَان أبي الْحسن إِلَيْهِ وَشرح لَهُ مَا يدبر بِهِ أَبُو جَعْفَر فِي مَرضه فَقَالَ أَبُو الْحسن وَكَانَ يأتمنه أَنْت تعرف رَأْي هَذَا الرجل فِي وَمَتى اسْتمرّ على هَذَا التَّدْبِير هلك بِلَا محَالة وكفينا كِفَايَة عاجلة فَأحب أَن تَمنعهُ مشاورتي وتصوبه على رَأْيه فِي الْعُدُول عني واشتدت الْعلَّة بِأبي جَعْفَر وَمضى لسبيله بعد قبض القاهر بِاللَّه عَلَيْهِ بِعشْرَة أَيَّام وَقَالَ المحسن أَيْضا أصابتني حمى حادة كَانَ هجومها عَليّ بَغْتَة فَحَضَرَ أَبُو الْحسن عمنَا وَأخذ مجسي سَاعَة ثمَّ نَهَضَ وَلم يقل شَيْئا فَقَالَ لَهُ وَالِدي مَا عنْدك يَا عمي فِي هَذِه الْحمى فَقَالَ لَهُ سرا لَا تَسْأَلنِي عَن ذَلِك إِلَى أَن يجوزه خمسين يَوْمًا فوَاللَّه لقد فارقتني فِي الْيَوْم الثَّالِث وَالْخمسين وَحكى أَبُو عَليّ بن مكنجا النَّصْرَانِي الْكَاتِب قَالَ لما وافى عضد الدولة فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وثلثمائة إِلَى مَدِينَة السَّلَام استدعاني أَبُو مَنْصُور نصر بن هرون وَكَانَ قد ورد مَعَه إِذْ ذَاك وسألني عَن أطباء بَغْدَاد فاجتمعت مَعَ عبد يشوع الجاثليق وَسَأَلته عَنْهُم فَقَالَ هَهُنَا جمَاعَة لَا يعول عَلَيْهِم والمنظور إِلَيْهِم مِنْهُم أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي وَهُوَ رجل عَاقل لَا مثل لَهُ فِي صناعته وَهُوَ قَلِيل التَّحْصِيل وَأَبُو الْحسن صديقي وَأَنا أبعثه إِلَى الْخدمَة وأوافقه عَلَيْهَا وأشير عَلَيْهِ بالملازمة لَهَا وخاطب الجاثليق أَبَا الْحسن على قصد أبي مَنْصُور نصر بن هرون فقصده وَتقدم إِلَيْهِ بِأَن يحضر دَار عضد الدولة ويتأمل حَاله وَمَا يدبر بِهِ أمره فَتلقى ذَلِك بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَشرط أَن يعرف صورته فِي مأكله ومشربه وبواطن أمره وطالع أَبُو مَنْصُور عضد الدولة بالصورة وَحضر أَبُو الْحسن الدَّار وَعرف جَمِيع مَا سَأَلَ عَنهُ وَتردد أَيَّامًا ثمَّ انْقَطع وَاجْتمعَ مَعَ الجاثليق فَعَاتَبَهُ على انْقِطَاعه وعرفه وُقُوع الْإِنْكَار لَهُ فَقَالَ لَهُ لَا فَائِدَة فِي مضيي وَلست أرَاهُ صَوَابا لنَفْسي وللملك أطباء فضلاء عقلاء عُلَمَاء وَقد عرفُوا من طبعه وتدبيره مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن غَيرهم فِي ملازمته وخدمته فألح

стр. 297

الجاثليق عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن عِلّة مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفِعْل والاحتجاج فِيهِ بِمثل هَذَا الْعذر فَقَالَ لَهُ هَذَا الْملك مَتى أَقَامَ بالعراق سنة فسد عقله وَلست أوثر أَن يجْرِي ذَلِك على يَدي وَأَنا مدبره وطبيبه وَمَتى أنهى الجاثليق هَذَا القَوْل عني جحدته وَحلفت بِاللَّه والبراءة من ديني مَا قلته وَكَانَ عَلَيْك فِي ذَلِك مَا تعلمه فَأمْسك الجاثليق وكتم هَذَا الحَدِيث فَلَمَّا عَاد عضد الدولة إِلَى الْعرَاق فِي الدفعة الثَّانِيَة كَانَ الْأَمر على مَا أنذر بِهِ فِيهِ وَتُوفِّي أَبُو الْحسن الْحَرَّانِي فِي الْحَادِي عشر من ذِي الْقعدَة سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة لِلْهِجْرَةِ بِبَغْدَاد وَكَانَ مولده بالرقة لَيْلَة يَوْم الْخَمِيس لليلتين بَقِيَتَا من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلأبي الْحسن الْحَرَّانِي من الْكتب إصْلَاح مقالات من كناش يوحنا بن سرابيون جوابات مسَائِل سُئِلَ عَنْهَا ابْن وصيف الصَّابِئ كَانَ طَبِيبا عَالما بعلاج أمراض الْعين وَلم يكن فِي زَمَانه أعلم مِنْهُ فِي ذَلِك وَلَا أَكثر مزاولة قَالَ سُلَيْمَان بن حسان حَدثنِي أَحْمد بن يُونُس الْحَرَّانِي قَالَ حضرت بَين يَدي أَحْمد بن وصيف الصَّابِئ وَقد أحضر سَبْعَة أنفس لقدح أعينهن وَفِي جُمْلَتهمْ رجل من أهل خُرَاسَان أقعده بَين يَدَيْهِ وَنظر إِلَى عَيْنَيْهِ فَرَأى مَاء متهيأ للقدح فسامه على ذَلِك فَطلب إِلَيْهِ فِيهِ وَاتفقَ مَعَه على ثَمَانِينَ درهما وَحلف أَنه لَا يملك غَيرهَا فَلَمَّا حلف الرجل اطْمَأَن وضمه إِلَى نَفسه وَرفع يَده على عضده فَوجدَ بهَا نطاقا صَغِيرا فِيهِ دَنَانِير فَقَالَ لَهُ ابْن وصيف مَا هَذَا فَتَلَوَّنَ الْخُرَاسَانِي فَقَالَ ابْن وصيف حَلَفت بِاللَّه حانثا وَأَنت ترجو رُجُوع بَصرك إِلَيْك وَالله لَا عالجتك إِذْ خادعت رَبك فَطلب إِلَيْهِ فِيهِ فَأبى أَن يقدحه وَصرف إِلَيْهِ الثَّمَانِينَ درهما وَلم يقْدَح عينه غَالب طَبِيب المعتضد شهر بِخِدْمَة المعتضد بِاللَّه وَكَانَ أَولا عِنْد الْمُوفق طَلْحَة بن المتَوَكل لِأَنَّهُ خدمه مُنْذُ أَيَّام المتَوَكل واختص بِهِ وارتضع سَائِر أَبنَاء المتَوَكل من لبن أَوْلَاد غَالب فَكَانَ يسر بهم فَلَمَّا تمكن الْمُوفق من الْأَمر أقطعه ونوله وأغناه وَكَانَ لَهُ مثل الْوَالِد ينادمه ويغلفه بِيَدِهِ وعالج الْمُوفق من سهم كَانَ أَصَابَهُ فِي ثندوته وبرأ فَأعْطَاهُ مَالا كثيرا وأقطعه وخلع عَلَيْهِ وَقَالَ لِغِلْمَانِهِ من أَرَادَ إكرامي فليكرمه وَليصل غَالِبا فَوجه إِلَيْهِ مسرور بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَمِائَة ثوب وَوجه إِلَيْهِ سَائِر الغلمان مثل ذَلِك وَصَارَ إِلَيْهِ مَال عَظِيم وَلما قبض على صاعد وعبدون أَخذ لعبدون عدَّة غلْمَان نَصَارَى مماليك فَمن أسلم مِنْهُم أجري لَهُ رزق وَترك وَمن لم يسلم مِنْهُم بَعثه إِلَى غَالب وَكَانَ

стр. 298

عدد من أنفذ إِلَيْهِ سبعين غُلَاما أزمة وَغَيرهَا فَلَمَّا ورد عَلَيْهِ مَعَهم رَسُول من قبل الْحَاجِب قَالَ غَالب أَي شَيْء أعمل بهؤلاء وَركب من وقته إِلَى الْمُوفق فَقَالَ هَؤُلَاءِ يستغرقون مَال ضيعتي مَعَ رِزْقِي فَضَحِك الْمُوفق وَتقدم إِلَى إِسْمَاعِيل زِيَادَة فِي إقطاعه الحرسيات وَكَانَت ضيَاعًا جليلة تغل سَبْعَة آلَاف دِينَار وأجرها لَهُ بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم فِي السّنة وَبعد الْمُوفق طَلْحَة خدم لوَلَده المعتضد بِاللَّه أبي الْعَبَّاس أَحْمد وَكَانَ مكينا عِنْده حظيا فِي أَيَّامه وَكَانَ المعتضد يحسن الظَّن بِهِ ويعتمد على مداواته قَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت أَن غَالِبا الطَّبِيب توفّي مَعَ المعتضد بِاللَّه بآمد وَكَانَ كَبِيرا عِنْده وَكَانَ سعيد بن غَالب مَعَ المعتضد بِاللَّه بآمد وَكَانَ يأنس إِلَيْهِ ويقدمه على جَمِيع المتطببين واتصل الْخَبَر بوفاة غَالب بالمعتضد قبل وقُوف سعيد ابْنه على ذَلِك فَلَمَّا دخل سعيد عَلَيْهِ ابتدأه المعتضد وَعَزاهُ وَقَالَ لَهُ يَا سعيد طول الْبَقَاء لَك لما تمّ عَلَيْك فَانْصَرف سعيد إِلَى مضربه كئيبا حَزينًا فَأتبعهُ المعتضد بخفيف السَّمرقَنْدِي وبنان الرصاصي وبسرخاب الْكسْوَة وَكَانُوا أجل خدم السُّلْطَان وجلسوا مَعَه طَويلا وَعرف الْخَبَر فَلم يبْق أحد من أهل الدولة إِلَّا صَار إِلَى سعيد بن غَالب وَعَزاهُ بِأَبِيهِ من الْوَزير الْقَاسِم بن عبيد الله ومؤنس الْخَادِم وَمن بعدهمَا من الأستاذين والأمراء والقواد والأولياء على طبقاتهم ثمَّ أنفذ إِلَيْهِ المعتضد وَقت الظّهْر بجون طَعَام وَتقدم إِلَيْهِ أَن لَا يبرح أَو يطعمهُ وَيطْعم دانيل كَاتب مؤنس وسعدون كَاتب يانس وَكَانَا صهريه على أختيه فَفعل ذَلِك وَلم يزل يحضرهُ فِي كل يَوْم ويشاغله بِالْحَدِيثِ ويصرفه ويتبعه بجون الطَّعَام مُدَّة سَبْعَة أَيَّام ورد إِلَيْهِ مَا كَانَ إِلَى أَبِيه من أَمر الجراية والتلامذة وَأقر فِي يَده إقطاعاته وضياعه وَلم يزل ذَلِك لَهُ ولولده إِلَى آخر عمره أَبُو عُثْمَان سعيد بن غَالب كَانَ طَبِيبا عَارِفًا حسن المداواة مَشْهُورا فِي صناعَة الطِّبّ خدم المعتضد بِاللَّه وحظي عِنْده وَكَانَ كثير الْإِحْسَان إِلَيْهِ والإنعام عَلَيْهِ وَتُوفِّي أَبُو عُثْمَان سعيد بن غَالب فِي يَوْم الْأَحَد لست بَقينَ من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع وثلثمائة بِبَغْدَاد عَبدُوس كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا بِبَغْدَاد حسن المعالجة جيد التَّدْبِير وَيعرف كثيرا من الْأَدْوِيَة المركبة وَله تجارب حميدة وتصرفات بليغة فِي صناعَة الطِّبّ قَالَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فِي

стр. 299

تَارِيخه حُكيَ عَن داؤد بن دَيْلَم وَعَن عَبدُوس المتطببين قَالَ لما غلظت عِلّة المعتضد وَكَانَت من استسقاء وَفَسَاد مزاج من علل يتنقل مِنْهَا وَخَافَ على نَفسه أحضرنا وَجَمِيع الْأَطِبَّاء فَقَالَ لنا أَلَيْسَ تَقولُونَ أَن الْعلَّة إِذا عرفت عرف دواؤها فَإِذا أعطي العليل ذَلِك الدَّوَاء صلح قُلْنَا لَهُ بلَى قَالَ فعلتي عرفتموها ودواءها أم لم تعرفوها قُلْنَا قد عرفناها قَالَ فَمَا بالكم تعالجوني وَلست أصلح وظننا أَنه قد عزم على الْإِيقَاع بِنَا فَسَقَطت قوانا فَقَالَ لَهُ عَبدُوس يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نَحن على مَا قُلْنَا فِي هَذَا الْبَاب إِلَّا أَن فِي الْأَمر شَيْء وَهُوَ أَنا لَا نَعْرِف مِقْدَار أَجزَاء الْعلَّة فنقابلها من الدَّوَاء بِمثل أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا نعمل فِي هَذَا على الحدس ونبتدئ بالأقرب فَالْأَقْرَب وَنحن نَنْظُر فِي هَذَا الْبَاب ونقابل الْعلَّة بِمَا ينجع فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ فَأمْسك عَنَّا وخلونا فتشاورنا على أَن نرميه بالعابة وَهِي التَّنور فأحميناه لَهُ ورميناه فِيهِ فعرق وخف مَا كَانَ بِهِ لدُخُول الْعلَّة إِلَى بَاطِن جِسْمه ثمَّ ارتقت إِلَى قلبه فَمَاتَ بعد أَيَّام وخلصنا مِمَّا كُنَّا أَشْرَفنَا عَلَيْهِ وَكَانَت وَفَاة المعتضد لَيْلَة الثُّلَاثَاء لسبع بَقينَ من شهر ربيع الآخر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ولعبدوس من الْكتب كتاب التَّذْكِرَة فِي الطِّبّ صاعد بن بشر بن عَبدُوس ويكنى أَبَا مَنْصُور كَانَ فِي أول أمره فاصدا فِي البيمارستان بِبَغْدَاد ثمَّ إِنَّه بعد ذَلِك اشْتغل فِي صناعَة الطِّبّ وتميز حَتَّى صَار من الأكابر من أَهلهَا والمتعينين من أَرْبَابهَا نقلت من خطّ الْمُخْتَار ابْن حسن بن بطلَان فِي مقَالَته فِي عِلّة نقل الْأَطِبَّاء المهرة تَدْبِير أَكثر الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت تعالج قَدِيما بالأدوية الحارة إِلَى التَّدْبِير الْمبرد كالفالج واللقوة والاسترخاء وَغَيرهَا ومخالفتهم فِي ذَلِك لمسطور القدماء قَالَ إِن أول من فطن لهَذِهِ الطَّرِيق وَنبهَ عَلَيْهَا بِبَغْدَاد وَأخذ المرضى فِي المداواة بهَا وأطرح مَا سواهَا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور صاعد بن بشر الطَّبِيب ﵀ فَإِنَّهُ أَخذ المرضى بالفصد والتبريد والترطيب وَمنع المرضى من الْغذَاء فانجح تَدْبيره وَتقدم فِي الزَّمَان بعد إِن كَانَ فاصدا فِي البيمارستان وانتهت الرياسة إِلَيْهِ فعول الْمُلُوك فِي تدبيرهم عَلَيْهِ فَرفع عَن البيمارستان المعاجين الحارة والأدوية الحادة وَنقل تَدْبِير المرضى إِلَى مَاء الشّعير ومياه البزور فأظهر فِي المداواة عجائب من ذَلِك مَا حَكَاهُ لي بميافارقين الرئيس أَبُو يحيى ولد الْوَزير أبي الْقَاسِم المغربي قَالَ عرض للوزير بالأنبار قولنج صَعب أَقَامَ لأَجله فِي الْحمام واحتقن عدَّة حقن وَشرب عدَّة شربات فَلم ير صلاحا فأنفذنا رَسُولا إِلَى صاعد فَلَمَّا جَاءَ وَرَآهُ على تِلْكَ الْحَال وَلسَانه قد قصر من الْعَطش وَشرب المَاء الْحَار وَالسكر وجسمه يتوقد من مُلَازمَة الْحمام ومداومة المعاجين الحارة والحقن

стр. 300

الحادة استدعى كوز مَاء مثلوج فَأعْطَاهُ الْوَزير فتوقف عَن شربه ثمَّ أَنه جمع بَين الشَّهْوَة وَترك الْمُخَالفَة وشربه فَقَوِيت فِي الْحَال نَفسه ثمَّ استدعى فاصدا ففصده وَأخرج لَهُ دَمًا كثير الْمِقْدَار وسقاه مَاء البزور ولعابا وسكنجبينا وَنَقله من حجرَة الْحمام إِلَى الخيش وَقَالَ لَهُ إِن الْوَزير أدام الله عافيته سينام من بعد الفصد ويعرق وينتبه فَيقوم عدَّة مجَالِس وَقد تفضل الله بعافيته ثمَّ تقدم بِصَرْف الخدم لينام فَقَامَ الْوَزير إِلَى مرقده وَقد وجد خفا من بعد الفصد فَنَامَ مِقْدَار خمس سَاعَات وانتبه يَصِيح بالفراش فَقَالَ صاعد للْفراش إِذا قَامَ من الصَّيْحَة فَقَالَ لَهُ يعاود النّوم حَتَّى لَا يَنْقَطِع الْعرق فَلَمَّا خرج الْفراش من عِنْده قَالَ وجدت ثِيَابه كَأَنَّهَا قد صبغت بِمَاء الزَّعْفَرَان وَقد قَامَ مَجْلِسا ونام ثمَّ لَا زَالَ الْوَزير يتَرَدَّد دفعات إِلَى آخر النَّهَار مجَالِس عدَّة وَمن بعْدهَا غذاه بمزورة وسقاه ثَلَاثَة أَيَّام مَاء الشّعير فبرأ برأَ تَاما فَكَانَ الْوَزير أبدا يَقُول طُوبَى لمن سكن بَغْدَاد دَارا شاطئة وَكَانَ طبيبه أَبُو مَنْصُور وكاتبه أَبُو عَليّ بن موصلايا فَبَلغهُ الله أمانيه فِيمَا طلب ونقلت أَيْضا من خطّ ابْن بطلَان أَن صاعد الطَّبِيب عالج الْأَجَل المرتضى ﵁ من لسب عقرب بِأَن ضمد الْمَكَان بكافور فسكن عَنهُ الْأَلَم فِي الْحَال ونقلت من خطّ أبي سعيد الْحسن بن أَحْمد بن عَليّ فِي كتاب ورطة الأجلاء من هفوة الْأَطِبَّاء قَالَ كَانَ الْوَزير عَليّ بن بلبل بِبَغْدَاد وَكَانَ لَهُ ابْن أُخْت فلحقته سكتة دموية وخفي حَاله على جَمِيع الْأَطِبَّاء بِبَغْدَاد وَكَانَ بَينهم صاعد بن بشر حَاضرا فَسكت حَتَّى أقرّ جَمِيع الْأَطِبَّاء بِمَوْتِهِ وَوَقع الْيَأْس من حَيَاته وَتقدم الْوَزير فِي تَجْهِيزه وَاجْتمعَ الْخلق فِي العزاء وَالنِّسَاء فِي اللَّطْم والنياح وَلم يبرح صاعد بن بشر من مجْلِس الْوَزير فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ الْوَزير لصاعد بن بشر الطَّبِيب هَل لَك حَاجَة فَقَالَ لَهُ نعم يَا مَوْلَانَا إِن رسمت وَأمرت لي ذكرت ذَلِك فَقَالَ لَهُ تقدم وَقل مَا يلج فِي صدرك فَقَالَ صاعد هَذِه سكتة دموية وَلَا مضرَّة فِي إرْسَال مبضع وَاحِد وَنَنْظُر فَإِن نجح كَانَ المُرَاد وَإِن تكن الْأُخْرَى فَلَا مضرَّة فِيهِ ففرح الْوَزير وَتقدم بأبعاد النِّسَاء وأحضر مَا وَجب من التمريخ والنطول والبخور والنشوق وَاسْتعْمل مَا يجب ثمَّ شدّ عضد الْمَرِيض وَأَقْعَدَهُ فِي حضن بعض الْحَاضِرين وَأرْسل المبضع بعد التَّعْلِيق على الْوَاجِب من حَاله فَخرج الدَّم وَوَقعت البشائر فِي الدَّار وَلم يزل يخرج الدَّم حَتَّى تمم ثلثمِائة دِرْهَم من الدَّم فانفتحت الْعين وَلم ينْطق بعد فَشد الْيَد الْأُخْرَى ونشقه مَا وَجب تنشيقه ثمَّ فصده ثَانِيًا وَأخرج مثلهَا من الدَّم وَأكْثر فَتكلم ثمَّ أَسْقِي وَأطْعم مَا وَجب فبرئ من ذَلِك وَصَحَّ جِسْمه وَركب فِي الرَّابِع إِلَى الْجَامِع وَمِنْه إِلَى ديوَان الْخَلِيفَة ودعا لَهُ ونثر عَلَيْهِ من الدَّرَاهِم

стр. 301

وَالدَّنَانِير الْكَثِيرَة وَحصل لصاعد بن بشر الطَّبِيب مَال عَظِيم وحشمه الْخَلِيفَة والوزير وَقدمه وزكاه وَتقدم على جَمِيع من كَانَ فِي زَمَانه أَقُول وَوجدت صاعد بن بشر قد ذكر فِي مقَالَته فِي مرض المراقيا مَا عاينه فِي ذَلِك الزَّمَان من أهوال وجدهَا ومخاوف شَاهدهَا مَا هَذَا نَصه قَالَ وَإنَّهُ عرض لنا من تضايق الزَّمَان علينا والتشاغل بالتماس الْأَمر الضَّرُورِيّ وَلما قد شملنا من الْخَوْف والحذر والفزع وَاخْتِلَاف السلاطين وَمَا قد بلينا بِهِ مَعَ ذَلِك من التنقل فِي الْمَوَاضِع وضياع كتبنَا وسرقتها وَلما قد أظلنا من الْأُمُور المذعرة المخوفة الَّتِي لَا نرجو فِي كشفها إِلَّا الله تقدس اسْمه هَذَا مَا ذكره وَمَا كَانَ فِي أَيَّامه إِلَّا اخْتِلَاف مُلُوك الْإِسْلَام بَعضهم مَعَ بعض وَكَانَ النَّاس سَالِمين فِي أنفسهم آمِنين من الْقَتْل والسبي فَكيف لَو شَاهد مَا شَاهَدْنَاهُ وَنظر مَا نظرناه فِي زَمَاننَا من التتار الَّذين أهلكوا الْعباد وأخربوا الْبِلَاد وكونهم إِذا أَتَوا إِلَى مَدِينَة فَمَا لَهُم هم إِلَّا قتل جَمِيع من فِيهَا من الرِّجَال وَسبي الْأَوْلَاد وَالنِّسَاء وَنهب الْأَمْوَال وتخريب القلاع والمدن لَكَانَ استصغر مَا ذكره واستقل مَا عاينه وحقره وَلَكِن مَا طامة إِلَّا فَوْقهَا طامة أعظم مِنْهَا وَلَا حَادِثَة إِلَّا وَغَيرهَا تكبر عَنْهَا وَللَّه الْحَمد على السَّلامَة والعافية ولصاعد بن بشر من الْكتب مقَالَة فِي مرض المراقيا ومداواته ألفها لبَعض إخوانه دَيْلَم كَانَ من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين بِبَغْدَاد الْمُتَقَدِّمين فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْحسن بن مخلد وَزِير الْمُعْتَمد ويخدمه وَوجدت فِي بعض التواريخ أَن الْمُعْتَمد على الله وَهُوَ أَحْمد بن المتَوَكل أَرَادَ أَن يفتصد فَقَالَ لِلْحسنِ بن مخلد اكْتُبْ لي جَمِيع من فِي خدمتنا من الْأَطِبَّاء حَتَّى أتقدم بِأَن تصل كل وَاحِد مِنْهُم على قدره فَكتب الْأَسْمَاء وَأدْخل فِيهَا اسْم دَيْلَم المتطبب وَكَانَ دَيْلَم يخْدم الْحسن بن مخلد فَوَقع تَحت الْأَسْمَاء بالصلات فَقَالَ دَيْلَم إِنِّي لجالس فِي منزلي حَتَّى وافى رَسُول بَيت المَال وَمَعَهُ كيس فِيهِ ألف دِينَار فسلمه إِلَيّ وَانْصَرف فَلم أدر مَا السَّبَب فِيهِ فبادرت بالركوب إِلَى الْحسن بن مخلد وَهُوَ حِينَئِذٍ الْوَزير فعرفته ذَلِك فَقَالَ لي افتصد أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَمرَنِي بِأَن أكتب أَسمَاء الْأَطِبَّاء لِيَتَقَدَّم بصلاتهم فأدخلت اسْمك مَعَهم فَخرج لَك ألف دِينَار داؤد بن دَيْلَم كَانَ من الْأَطِبَّاء المتميزين بِبَغْدَاد المجيدين فِي المعالجة وخدم المعتضد بِاللَّه وَخص بِهِ فَكَانَت

стр. 302

التوقيعات تخرج بِخَط ابْن دَيْلَم لمحله مِنْهُ ومكانته وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى دور المعتضد وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والأنعام الوافر وَكَانَت وَفَاة داؤد بن دَيْلَم يَوْم السبت لخمس خلون من الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وثلثمائة بِبَغْدَاد أَبُو عُثْمَان سعيد بن يَعْقُوب الدِّمَشْقِي كَانَ من الْأَطِبَّاء الْمَذْكُورين بِبَغْدَاد وَنقل كتبا كَثِيرَة إِلَى الْعَرَبيَّة من كتب الطِّبّ وَغَيره وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَليّ بن عِيسَى وَقَالَ ثَابت بن سِنَان المتطبب أَن أَبَا الْحسن عَليّ ين عِيسَى الْوَزير فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلثمائة اتخذ البيمارستان بالحربية وَأنْفق عَلَيْهِ من مَاله وقلده أَبَا عُثْمَان سعيد بن يَعْقُوب الدِّمَشْقِي متطببه مَعَ سَائِر البيمارستانات بِبَغْدَاد وَمَكَّة وَالْمَدينَة وَمن كَلَام أبي عُثْمَان سعيد بن يَعْقُوب الدِّمَشْقِي قَالَ الصَّبْر قُوَّة من قوى الْعقل وبحسب قُوَّة الْعقل تكون قُوَّة الصَّبْر وَلأبي عُثْمَان الدِّمَشْقِي من الْكتب مسَائِل جمعهَا من كتاب جالينوس فِي الْأَخْلَاق مقَالَة فِي النبض مشجرة وَهِي جوامعه لكتاب النبض الصَّغِير لِجَالِينُوسَ الرقي هُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْخَلِيل الرقي كَانَ فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية عَارِفًا بأصولها وفروعها جيد التَّعْلِيم حسن المعالجة وَهُوَ أول من وَجَدْنَاهُ فسر مسَائِل حنين بن إِسْحَق فِي الطِّبّ وَكَانَ تَفْسِيره لهَذَا الْكتاب فِي سنة ثَلَاثِينَ وثلثمائة قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَقيل عَنهُ أَنه مَا كَانَ يُفَسر إِلَّا سَكرَان وَكَانَ فِي هَذَا نَادرا قَالَ وَقد شاهدت إنْسَانا كَانَ يتعاطى الشّعْر وَكَانَ إِذا أَرَادَ عمله احتال فِي تَحْصِيل نَبِيذ فيشربه وَيجْلس فَيعْمل حِينَئِذٍ الشّعْر وَسبب ذَلِك أَن الدِّمَاغ يكون مائلا إِلَى الْبرد فَإِذا اسخنه ببخار النَّبِيذ تحرّك وَقَوي على الْفِعْل وللرقي من الْكتب شرح مسَائِل حنين فِي الطِّبّ قويري واسْمه إِبْرَاهِيم ويكنى أَبَا إِسْحَق فَاضل فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَهُوَ مِمَّن أَخذ عَنهُ علم الْمنطق

стр. 303

وَكَانَ مُفَسرًا وَعَلِيهِ قَرَأَ أَبُو بشر مَتى بن يونان وَكتب قويري مطرحة مجفوة لِأَن عباراته كَانَت عفطية غلقة ولقويري من الْكتب كتاب تَفْسِير قاطيغورياس مشجر كتاب باريمينياس مشجر كتاب أنالوطيقا الأولى مشجر كتاب أنالوطيقا الثَّانِيَة مشجر ابْن كرنيب هُوَ أَبُو أَحْمد الْحُسَيْن بن أبي الْحُسَيْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن زيد الْكَاتِب وَيعرف بِابْن كرنيب وَكَانَ من جلة الْمُتَكَلِّمين وَيذْهب مَذْهَب الفلاسفة الطبيعيين وَكَانَ فِي نِهَايَة الْفضل والمعرفة والاطلاع بالعلوم الطبيعية الْقَدِيمَة وَلأبي أَحْمد بن كرنيب من الْكتب كتاب الرَّد على أبي الْحسن ثَابت بن قُرَّة فِي نَفْيه وجوب وجود السكونين بَين كل حركتين متساويتين مقَالَة فِي الْأَجْنَاس والأنواع وَهِي الْأُمُور العامية كتاب كَيفَ يعلم مَا مضى من النَّهَار من سَاعَة من قبل الِارْتفَاع أَبُو يحيى الْمروزِي كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا بِمَدِينَة السَّلَام متميزا فِي الْحِكْمَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَبُو بشر مَتى بن يونان وَكَانَ فَاضلا وَلكنه كَانَ سريانيا وَجَمِيع مَا لَهُ من الْكتب فِي الْمنطق وَغَيره بالسُّرْيَانيَّة مَتى بن يونان كَانَ أَبُو بشر مَتى بن يونان من أهل ديرقني مِمَّن نَشأ فِي أسكول مرماري قَرَأَ على قويري وعَلى روفيل وبنيامين وَيحيى الْمروزِي وعَلى أبي أَحْمد بن كرنيب وَله تَفْسِير من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة المنطقيين فِي عصره وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَتُوفِّي بِبَغْدَاد يَوْم السبت لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت من شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة ولمتى من الْكتب مقَالَة فِي مُقَدمَات صدر بهَا كتاب أنالوطيقا كتاب المقاييس الشّرطِيَّة شرح كتاب أيساغوجي لفرفوريوس يحيى بن عدي وَأَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن حميد بن زَكَرِيَّا المنطقي وَإِلَيْهِ انْتَهَت الرِّئَاسَة وَمَعْرِفَة الْعُلُوم الْحكمِيَّة فِي

стр. 304

وقته قَرَأَ على أبي بشر مَتى وعَلى أبي نصر الفارابي وعَلى جمَاعَة أخر وَكَانَ أوحد دهره ومذهبه من مَذَاهِب النَّصَارَى اليعقوبية وَكَانَ جيد الْمعرفَة بِالنَّقْلِ وَقد نقل من اللُّغَة السريانية إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَكَانَ كثير الْكِتَابَة وَوجدت بِخَطِّهِ عدَّة كتب قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق النديم الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب الفهرست قَالَ لي يحيى بن عدي يَوْمًا فِي الوراقين وَقد عاتبته على كَثْرَة نسخه فَقَالَ لي من أَي شَيْء تعجب فِي هَذَا الْوَقْت من صبري قد نسخت بخطي نسختين من التَّفْسِير للطبري وحملتهما إِلَى مُلُوك الْأَطْرَاف وَقد كتبت من كتب الْمُتَكَلِّمين مَا لَا يُحْصى ولعهدي بنفسي وَأَنا أكتب فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة مائَة ورقة وَأَقل وَقَالَ الْأَمِير أَبُو الْوَفَاء المبشر بن فاتك حَدثنِي شَيْخي أَبُو الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن الْآمِدِيّ أَنه سمع من أبي عَليّ إِسْحَق بن زرْعَة يَقُول أَن أَبَا زَكَرِيَّا يحيى بن عدي وصّى إِلَيْهِ أَن يكْتب على قَبره حِين حَضرته الْوَفَاة وَهُوَ فِي بيعَة مرتوما بقطيعة الدَّقِيق هذَيْن الْبَيْتَيْنِ (رب ميت قد صَار بِالْعلمِ حَيا ... ومبقى قد مَاتَ جهلا وعيا) (فاقتنوا الْعلم كي تنالوا خلودا ... لَا تعدوا الْحَيَاة فِي الْجَهْل شيا) الْخَفِيف وليحيى بن عدي من الْكتب رِسَالَة فِي نقض حجج أنفذها الرئيس فِي نصْرَة قَول الْقَائِلين بِأَن الْأَفْعَال خلق لله واكتساب للْعَبد تَفْسِير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس مقَالَة فِي البحوث الْأَرْبَعَة مقَالَة فِي سياسة النَّفس مقَالَة فِي أهمية صناعَة الْمنطق وماهيتها وأوليتها مقَالَة فِي المطالب الْخَمْسَة للرؤوس الثَّمَانِية كتاب فِي مَنَافِع الباه ومضاره وجهة اسْتِعْمَاله بِحَسب اقتراح الشريف أبي طَالب نَاصِر بن إِسْمَاعِيل صَاحب السُّلْطَان الْمُقِيم فِي القسطنطينة أَبُو عَليّ بن زرْعَة هُوَ أَبُو على عِيسَى بن إِسْحَق بن زرْعَة بن مرقس بن زرْعَة بن يوحنا أحد الْمُتَقَدِّمين فِي علم الْمنطق وعلوم الفلسفة والنقلة الْمُجْرمين ومولده بِبَغْدَاد فِي ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَسبعين وثلثمائة وَنَشَأ بهَا وَكَانَ كثير الصُّحْبَة والملازمة ليحيى بن عدي نقلت من خطّ الْمُخْتَار بن الْحسن بن بطلَان فِي مقَالَته فِي عِلّة نقل الْأَطِبَّاء المهرة تَدْبِير أَكثر الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت تعالج قَدِيما بالأدوية الحارة إِلَى التَّدْبِير الْمبرد كالفالج واللقوة

стр. 305

والاسترخاء وَغَيرهَا ومخالفتهم فِي ذَلِك لمسطور القدماء قَالَ إِن أول من فطن لهَذِهِ الطَّرِيق وَنبهَ عَلَيْهَا بِبَغْدَاد وَأخذ المرضى فِي المداواة بهَا واطرح مَا سواهَا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور صاعد بن بشر الطَّبِيب ﵀ فإنني سمعته يَقُول أول مَا خطر لي النَّقْل فِي الفالج الَّذِي عرض لشَيْخِنَا أبي عَليّ ابْن زرْعَة ﵀ وَذَلِكَ أَن أَبَا عَليّ كَانَ رجلا منحف الْجِسْم حاد الخاطر محداثا مليح الْمجْلس ملازما للتدريس وَالنَّقْل والتصنيف محبا للبوارد المحرفات والمطجنات ومليح الأسماك وَمَا عمل من البوارد بالخردل ثمَّ أَنه حرص فِي آخر عمره على عمل مقَالَة فِي بَقَاء النَّفس فَأَقَامَ نَحوا من سنة يفكر فِيهَا ويسهر لَهَا حرصا على عَملهَا وَكَانَ أَيْضا مفتونا بِالتِّجَارَة إِلَى بلد الرّوم وَله فِيهَا أضداد من تجار السريان قد سعوا بِهِ دفعات إِلَى السُّلْطَان وصودر على أَمْوَال وَلَحِقتهُ عدَّة نكبات فالتام عَلَيْهِ حرارة المزاج الْأَصْلِيّ وَفَسَاد الأغذية وكد الخاطر بالتصنيف ومداراة السلاطين فعرضت لَهُ مرضة حادة واختلاط أبحر فِيهَا بفالج كَمَا يبحر المرضى بأورام وَنَحْوهَا وَكَانَ النَّاس يعظمونه للْعلم فَاجْتمع إِلَيْهِ مَشَايِخ الْأَطِبَّاء كَابْن بكس وَابْن كشكرايا وتلميذ سِنَان وَابْن كزورا والحراني فَمَضَوْا فِي تَدْبيره بِحَسب المسطور فِي الكنانيش وَأَنا أَقُول من حَيْثُ لَا قدرَة لي على مجاهرتهم بالمخالفة لتقدمهم فِي الزَّمَان وَالله إِنَّهُم لمخطئون لِأَنَّهُ فالج تَابع لمَرض حاد لشخص حَار المزاج ثمَّ أَنهم سئموا من تَدْبيره فنقلته إِلَى المرطبات فخف قَلِيلا وشارف الصّلاح وَبعد زمَان مَاتَ فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة من فرط مَا دبر بِهِ من الْحَار الْيَابِس بالجمود الْحَادِث فِي مُؤخر الدِّمَاغ عَن خلط سوداوي وَلأبي عَليّ بن زرْعَة من الْكتب اخْتِصَار كتاب أرسطوطاليس فِي الْمَعْمُور من الأَرْض كتاب أغراض كتب أرسطوطاليس المنطقية مقَالَة فِي مَعَاني كتاب أيساغوجي مقَالَة فِي مَعَاني قِطْعَة من الْمقَالة الثَّالِثَة من كتاب السَّمَاء مقَالَة فِي الْعقل رِسَالَة فِي عِلّة اسْتِنَارَة الْكَوَاكِب مَعَ أَنَّهَا والكرات الحاملة لَهَا من جَوْهَر وَاحِد بسائط رِسَالَة أَنْشَأَهَا إِلَى بعض أوليائه فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلثمائة أَقُول وَفِي هَذِه الرسَالَة معَان يرد بهَا على الْيَهُود وَوجدت لبشر بن بيشى الْمَعْرُوف بِابْن عنايا الإسرائيلي رِسَالَة يرد فِيهَا على عِيسَى بن إِسْحَق بن زرْعَة وَقد أجَاب فِيهَا عَن رسَالَته هَذِه مُوسَى بن سيار هُوَ أَبُو ماهر مُوسَى بن يُوسُف بن سيار من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين بالحذق وجودة الْمعرفَة بصناعة الطِّبّ ولموسى بن سيار من الْكتب مقَالَة فِي الفصد الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا على كناش الْخُف لإسحق بن حنين عَليّ بن الْعَبَّاس الْمَجُوسِيّ من الأهواز وَكَانَ طَبِيبا مجيدا متميزا فِي صناعَة الطِّبّ وَهُوَ الَّذِي صنف الْكتاب الْمَشْهُور الَّذِي

стр. 306

يعرف بالملكي صنفه للْملك عضد الدولة فناخسرو بن ركن الدولة أبي عَليّ حسن بن بويه الديلمي وَهُوَ كتاب جليل مُشْتَمل على أَجزَاء الصِّنَاعَة الطبية علمهَا وعملها وَكَانَ عَليّ بن الْعَبَّاس الْمَجُوسِيّ قد اشْتغل بصناعة الطِّبّ على أبي ماهر مُوسَى بن سيار وتتلمذ لَهُ ولعلي بن الْعَبَّاس الْمَجُوسِيّ من الْكتب كتاب الملكي فِي الطِّبّ عشرُون مقَالَة عِيسَى طَبِيب القاهر كَانَ القاهر بِاللَّه وَهُوَ أَبُو مَنْصُور مُحَمَّد بن المعتضد يعْتَمد على طبيبه هَذَا عِيسَى ويركن إِلَيْهِ ويفضي إِلَيْهِ بأسراره وَتُوفِّي عِيسَى طَبِيب القاهر بِاللَّه فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة بِبَغْدَاد وَكَانَ كف قبل مَوته بِسنتَيْنِ قَالَ ثَابت بن سِنَان فِي تَارِيخه وأعلمني أَن مولده كَانَ فِي النّصْف من جمادي الأولى سنة إِحْدَى وَسبعين وَمِائَتَيْنِ دانيال المتطبب قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل كَانَ دانيال المتطبب لطيف الْخلقَة ذميم الْأَعْضَاء متوسط الْعلم لَهُ إنسة بالمعالجة وَكَانَت فِيهِ غَفلَة وتبدد وَكَانَ قد استخصه معز الدولة لخدمته فَدخل عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ يَا دانيال فَقَالَ لبيْك أَيهَا الْأَمِير قَالَ أَلَيْسَ عنْدكُمْ أَن السفرجل إِذا أكل قبل الطَّعَام أمسك الطَّبْع وَإِذا أكل بعد الطَّعَام أسهل قَالَ بلَى قَالَ فَأَنا أَكلته بعد الطَّعَام عصمني قَالَ لَهُ دانيال لَيْسَ هَذَا الطَّبْع للنَّاس فلكمه معز الدولة بِيَدِهِ فِي صَدره وَقَالَ لَهُ قُم تعلم أدب خدمَة الْمُلُوك وتعال فَخرج من بَين يَدَيْهِ وَنَفث الدَّم وَلم يزل كَذَلِك مُدَّة مديدة حَتَّى مَاتَ قَالَ عبيد الله وَهَذِه من غلطات الْعلمَاء الَّتِي تهْلك وَإِلَّا مثل هَذَا لَا يخفى لِأَن هُنَاكَ معدا ضَعِيفَة لَا يُمكنهَا دفع مَا فِيهَا فَإِذا وردهَا السفرجل قواها وأعانها على دفع مَا فِيهَا فتجيب الطبيعة وَقد شاهدت إنْسَانا إِذا أَرَادَ الْقَيْء شرب الشَّرَاب الْمحلي أَو سكنجبين السفرجل فتقيأ مهما أَرَادَ قَالَ وَحكى وَالِدي جِبْرَائِيل إِنَّه كَانَ الْأَمِير أَبُو مَنْصُور مهذب الدولة ﵀ إِذا شرب شراب السفرجل أسهله وَهَذِه أُمُور أَسبَابهَا مَعْرُوفَة وَإِنَّمَا كَانَت غلطة من دانيال حَتَّى هلك

стр. 307

إِسْحَق بن شليطا كَانَ هَذَا طَبِيبا بغداديا لَهُ يَد فِي الطِّبّ تقدم بهَا إِلَى أَن انْتقل إِلَى خدمَة الْمُطِيع لله واختص بِهِ إِلَى أَن مَاتَ فِي حَيَاة الْمُطِيع وَخلف على مَوْضِعه أَبُو الْحُسَيْن عمر بن عبد الله الدحلي وَقد كَانَ إِسْحَق مشاركا فِي طب الْمُطِيع لِثَابِت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة الْحَرَّانِي الصَّابِئ أَبُو الْحُسَيْن عمر بن الدحلي كَانَ متطببا للمطيع لله وَكَانَ شَدِيد التَّمَكُّن مِنْهُ والاختصاص بِهِ قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل حَدثنِي من أَثِق بِهِ إِنَّه كَانَ لَا يحتشمه فِي شَيْء جملَة وَلما صرف الْمُطِيع لله أَبَا مُحَمَّد الصلحي كَاتبه توَسط أَبُو الْحُسَيْن بن الدحلي لأبي سعيد وهب بن إِبْرَاهِيم حَتَّى تقلد كتبه الْخَلِيفَة وَبَقِي مُدَّة ثمَّ شرع أَبُو الْحُسَيْن صهر أبي بشر البقري فتقلده وَكَانَ أَبُو سعيد وهب بَقِي إِلَى أَن صَارَت الْخلَافَة إِلَى الطائع وَقبض عَلَيْهِ وَبَقِي فِي الْحَبْس إِلَى أَن دخل بختيار وعضد الدولة إِلَى بَغْدَاد وهرب الْخَلِيفَة وَخرج من الْحَبْس عِنْد كسر أَبْوَاب الحبوس فنون المتطبب كَانَ مُتَقَدما يخْتَص بِخِدْمَة بختيار وَكَانَ يُكرمهُ ويعزه أمرا عَظِيما قَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل وَمن أخباره مَعَه أَنه رمدت عين بختيار فِي بعض الْأَوْقَات فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا نصر لَيْسَ وَالله تَبْرَح من عِنْدِي أَو تبرئ عَيْني وأريدها تَبرأ فِي يَوْم وَاحِد وأبرمه قَالَ فَسمِعت أَبَا نصر يتحدث أَنه قَالَ لَهُ إِن أردْت أَن تَبرأ فَتقدم إِلَى الفراشين والغلمان أَن يأتمروني دُونك فِي هَذَا الْيَوْم وأخلفك وَمن خالفني فِي أَمْرِي قتلته فَفعل بختيار ذَلِك فَأمر أَبُو نصر أَن يحضروا أجانة مَمْلُوءَة عسل الطبرزد فَلَمَّا حضر غمس يَدي بختيار فِي الْعَسَل ثمَّ بَدَأَ يداوي عَيْنَيْهِ بالأشياف الْأَبْيَض الْأَبْيَض وَمَا يصلح الرمد وَجعل بختيار يَصِيح بالغلمان فَلَا يجِيبه أحد وَلم يزل كَذَلِك يكحله إِلَى آخر النَّهَار فبرئ وَكَانَ هُوَ السفير بَين بختيار والخليفة وَإِذا خرجت الْخلْع فعلى يَدَيْهِ تخرج وَله فِيهَا السهْم الأوفر أَبُو الْحُسَيْن بن كشكرايا كَانَ طَبِيبا عَالما مَشْهُورا بِالْفَضْلِ والإتقان لصناعة الطِّبّ وجودة المزاولة لأعمالها وَكَانَ فِي خدمَة

стр. 308

الْأَمِير سيف الدولة بن حمدَان وَلما بنى عضد الدولة البيمارستان الْمَنْسُوب إِلَيْهِ بِبَغْدَاد استخدمه فِيهِ وَزَاد حَاله وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن كشكرايا كثير الْكَلَام يحب أَن يخجل الْأَطِبَّاء بالمساءلة والتهجم وَكَانَ لَهُ أَخ رَاهِب وَله حقنة تَنْفَع من قيام الأغراس والمواد الحادة وَيعرف بِصَاحِب الحقنة وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن كشكرايا قد اشْتغل بصناعة الطِّبّ على سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة وَكَانَ من أجل تلامذته وَلأبي الْحُسَيْن بن كشكرايا من الْكتب كناشه الْمَعْرُوف بالحاوي كناش آخر باسم من وَضعه إِلَيْهِ أَبُو يَعْقُوب الْأَهْوَازِي كَانَ مشكورا فِي صناعَة الطِّبّ جميل الطريفة وَكَانَ من جملَة الْأَطِبَّاء الَّذين جعلهم عضد الدولة فِي البيمارستان الَّذِي أنشأه بِبَغْدَاد وَيعرف بِهِ وَلأبي يَعْقُوب الْأَهْوَازِي من الْكتب مقَالَة فِي أَن السكنجبين الْبزورِي أحر من الترياق نظيف القس الرُّومِي كَانَ خَبِيرا باللغات وَكَانَ ينْقل من اليوناني إِلَى الْعَرَبِيّ وَكَانَ يعد من الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ واستخدمه عضد الدولة فِي البيمارستان الَّذِي أنشأه بِبَغْدَاد وَكَانَ عضد الدولة يتطير مِنْهُ وَكَانَ النَّاس يولعون بِهِ إِذا دخل إِلَى مَرِيض حَتَّى حُكيَ فِي بعض الْأَوْقَات أَن عضد الدولة أنفذه إِلَى بعض القواد فِي مرض كَانَ عرض لَهُ فَلَمَّا خرج من عِنْد الْقَائِد استدعى بِثِقَتِهِ وأنفذه إِلَى حَاجِب عضد الدولة يستعلم مِنْهُ نِيَّة الْملك فِيهِ وَيَقُول إِن كَانَ ثمَّ تغير نِيَّة فليأخذ لَهُ الْأذن فِي الِانْصِرَاف والبعد فقد قلق لما جرى فَسَأَلَ الْحَاجِب عَن ذَلِك وَسَببه فَقَالَ الْغُلَام مَا أعرف أَكثر من أَنه جَاءَهُ نظيف الطَّبِيب وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا الْملك أنفذني لعيادتك فَمضى الْحَاجِب وَأعَاد بِحَضْرَة الْملك عضد الدولة هَذَا الحَدِيث فَضَحِك وَأمره أَن يمْضِي إِلَيْهِ ويعلمه بِحسن نِيَّته فِيهِ وَإِن ذَلِك أشغل قلبه بِهِ فأنفذه إِلَيْهِ ليعوده وحملت إِلَيْهِ خلع سنية فسكنت بهَا نَفسه وَزَالَ عَنهُ مَا كَانَ أضمره من شغل الْقلب وَكَانَ دَائِما يولع بِهِ بِسَبَبِهَا أَبُو سعيد اليمامي كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ والمعرفة متقنا لصناعة الطِّبّ جيدا فِي أُصُولهَا وفروعها حسن التصنيف وَلأبي سعيد اليمامي من الْكتب شرح مسَائِل حنين مقَالَة فِي امتحان الْأَطِبَّاء وَكَيْفِيَّة التَّمْيِيز بَين طبقاتهم

стр. 309

أَبُو الْفرج بن أبي سعيد الْيَمَانِيّ كَانَ فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية متميزا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة اجْتمع بالشيخ الرئيس ابْن سينا وَجَرت بَينهمَا مسَائِل كَثِيرَة فِي صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا وَلأبي الْفرج بن أبي سعيد اليمامي من الْكتب رِسَالَة فِي مَسْأَلَة طبية دارت بَينه وَبَين الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا أَبُو الْفرج يحيى بن سعيد بن يحيى كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا عَالما بصناعة الطِّبّ جيدا فِي أَعمالهَا نقلت من خطّ ابْن بطلَان فِي مقَالَته فِي عِلّة نقل الْأَطِبَّاء المهرة تَدْبِير أَكثر الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت تعالج قَدِيما بالأدوية الحارة إِلَى التَّدْبِير الْمبرد كالفالج واللقوة والاسترخاء وَغَيرهَا ومخالفتهم فِي ذَلِك لمسطور القدماء قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ الْفَاضِل أَبُو الْفرج يحيى بن سعيد بن يحيى الطَّبِيب بأنطاكية قَالَ وَهَذَا السَّيِّد فِي زَمَاننَا علم فِي الْعلم مقدم فِي الدّيانَة والمروءة وَله تصانيف جليلة قَالَ قَالَ ورد من القسطنطينة غُلَام للْملك رومي شَاب بِهِ سوء مزاج حَار وجسأ فِي طحاله وسحنته حائلة لغلبت الصَّفْرَاء وَكَانَ مَاؤُهُ أَحْمَر فِي أَكثر الْأَوْقَات وَبِه عَطش فَسَقَاهُ طَبِيب دَوَاء مسهلا ثمَّ فصده وسقاه دَوَاء مقيئا فَسَاءَتْ حَاله وَأدْخلهُ طَبِيب رومي الْحمام ولطخ جَمِيع جِسْمه بالنورة ولطخه بعد ذَلِك بِعَسَل نحل وألزم معدته ضمادا حارا فاحتد مزاجه وَكثر عطشه وَبَطلَت شَهْوَته وَعرض لَهُ فِي الْحَال فالج فِي الشق الْأَيْمن فسقي مَاء الشّعير كثيرا فصلحت حَاله من الاسترخاء فِي تَمام الْأَرْبَعين ثمَّ وقف طبعه فحقن فَقَامَ دفعات وجاءه دم أسود غليظ فَلم يجد لَهُ نفعا ثمَّ انْقَطَعت شَهْوَته وَاسْتولى عَلَيْهِ الْقيام والسهر فَمَاتَ فِي السِّتين أَبُو الْفرج بن الطّيب هُوَ الفيلسوف الإِمَام الْعَالم أَبُو الْفرج عبد الله بن الطّيب وَكَانَ كَاتب الجاثليق ومتميزا فِي النَّصَارَى بِبَغْدَاد وَيقْرَأ صناعَة الطِّبّ فِي البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فِيهِ وَوجدت شَرحه لكتاب جالينوس إِلَى أغلوتن وَقد قرئَ عَلَيْهِ وَعَلِيهِ الْخط بِالْقِرَاءَةِ فِي البيمارستان العضدي فِي يَوْم الْخَمِيس الْحَادِي عشر من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ عَظِيم الشَّأْن جليل الْمِقْدَار وَاسع الْعلم كثير التصنيف خَبِيرا بالفلسفة كثير الِاشْتِغَال فِيهَا وَقد شرح كتبا كَثِيرَة من كتب أرسطوطاليس فِي الْحِكْمَة وَشرح أَيْضا كتبا كَثِيرَة من كتب أبقراط وجالينوس فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَت لَهُ مقدرَة قَوِيَّة فِي التصنيف وَأكْثر مَا يُوجد من تصانيفه كَانَت تنقل عَنهُ إملاء من لَفظه وَكَانَ معاصرا للشَّيْخ الرئيس بن سينا وَكَانَ الشَّيْخ الرئيس يحمد

стр. 310

كَلَامه فِي الطِّبّ وَأما فِي الْحِكْمَة فَكَانَ يذمه وَمن ذَلِك قَالَ فِي مقَالَته فِي الرَّد عَلَيْهِ مَا هَذَا نَصه إِنَّه كَانَ يَقع إِلَيْنَا كتب يعملها الشَّيْخ أَبُو الْفرج أَبُو الطّيب فِي الطِّبّ ونجدها صَحِيحَة مرضية خلاف تصانيفه الَّتِي فِي الْمنطق والطبيعيات وَمن يجْرِي مَعهَا وحَدثني الشَّيْخ موفق الدّين يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن القف النَّصْرَانِي إِن رجلَيْنِ من بِلَاد الْعَجم كَانَا قد قصدا بَغْدَاد للاجتماع بِأبي الْفرج بن الطّيب وَالْقِرَاءَة عَلَيْهِ والاشتغال عِنْده وَلما وصلا دخلا بَغْدَاد وسألا عَن منزل أبي الْفرج فَقيل لَهما أَنه فِي الْكَنِيسَة للصَّلَاة فتوجها نَحوه ودخلا الْكَنِيسَة فَلَمَّا قيل لَهما إِنَّه ذَلِك الشَّيْخ وَكَانَ ابْن الطّيب فِي ذَلِك الْوَقْت لابسا ثوب صوف وَهُوَ مَكْشُوف الرَّأْس وَبِيَدِهِ مبخرة بسلاسل وفيهَا نَار وبخور وَهُوَ يَدُور بهَا فِي نواحي الْكَنِيسَة ويبخر تأملاه وتحدثا بِالْفَارِسِيَّةِ وبقيا يديمان النّظر إِلَيْهِ ويتعجبان مِنْهُ أَنه على هَذِه الْهَيْئَة وَيفْعل هَذَا الْفِعْل وَهُوَ من أجل الْحُكَمَاء وسمعته فِي أقاصي الْبِلَاد بالفلسفة والطب وَفهم عَنْهُمَا مَا هما فِيهِ وَلما فرغ وَقت الصَّلَاة وَخرج النَّاس من الْكَنِيسَة خرج أَبُو الْفرج بن الطّيب وَلبس ثِيَابه الْمُعْتَاد لبسهَا وقدمت لَهُ البغلة فَركب والغلمان حوله وتبعاه أُولَئِكَ الْعَجم إِلَى دَاره وعرفاه إنَّهُمَا قاصدان إِلَيْهِ من بِلَاد الْعَجم للاشتغال وَأَن يَكُونَا من جملَة تلامذته فاستحضرهما فِي مَجْلِسه وسمعا كَلَامه ودروس المشتغلين عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهما كنتما حججتما قطّ قَالَا لَا فماطلهما بِالْقِرَاءَةِ إِلَى أَوَان الْحَج وَكَانَ الْوَقْت قَرِيبا مِنْهُ فَلَمَّا نُودي لِلْحَجِّ قَالَ لَهما إِن كنتما تريدان أَن تقرآ عَليّ وَأَن أكون شيخكما فحجا وَإِذا جئتما مَعَ السَّلامَة إِن شَاءَ الله يكون كل مَا تريدان مني فِي الِاشْتِغَال عَليّ فَقبلا أمره وحجا وَلما عَاد الْحَاج جَاءَا إِلَيْهِ من أثر الْحَج وهما أقرعان وَقد غلب الشحوب عَلَيْهِمَا من حر الشَّمْس وَالطَّرِيق فَسَأَلَهُمَا عَن مَنَاسِك الْحَج وَمَا فعلا فِيهَا فذكرا لَهُ سُورَة الْحَال وَقَالَ لَهما لما رَأَيْتُمَا الْجمار بقيتما عُرَاة موشحين وبأيديكما الْحِجَارَة وأنتما تهرولان وترميان بهَا قَالَا نعم فَقَالَ هَكَذَا الْوَاجِب أَن الْأُمُور الشَّرْعِيَّة تُؤْخَذ نقلا لَا عقلا وَمَا كَانَ قَصده بذلك وَأَنه أَمرهمَا بِالْحَجِّ إِلَّا حِين يتَبَيَّن لَهما أَن الْحَال الَّتِي رأياه عَلَيْهَا وتعجبا من فعله أَن ذَلِك رَاجع إِلَى الْأَوَامِر الشَّرْعِيَّة وَهِي فَإِنَّمَا تُؤْخَذ من أَرْبَابهَا متسلمة ممتثلة فِي سَائِر الْملَل ثمَّ اشتغلا عَلَيْهِ بعد ذَلِك إِلَّا أَن تميزا وَكَانَا من أجل تلاميذه وَقَالَ أَبُو الْخطاب مُحَمَّد بن مُحَمَّد أبي طَالب فِي كتاب الشَّامِل فِي الطِّبّ أَن أَبَا الْفرج بن الطّيب أَخذ عَن ابْن الْخمار وَخلف من التلاميذ أَبَا الْحسن بن بطلَان وَابْن بدرج والهروي وَبني حيون وَأَبا الْفضل كتيفات وَابْن أثردي وعبدان وَابْن مصوصا وَابْن العليق قَالَ وَكَانَ فِي عصر أبي الْفرج من الْأَطِبَّاء صاعد بن عَبدُوس وَابْن تفاح وَحسن الطَّبِيب وبنوسنان والنائلي وَعنهُ أَخذ ابْن سينا وَأَبُو سعيد الْفضل بن عِيسَى اليمامي وَذكر لي أَنه من تلامذته ابْن سينا وَعِيسَى بن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن هِلَال الْكَاتِب وَأَظنهُ يكنى بكس وَعلي بن عِيسَى الكحال وَأَبُو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ ورجاء الطَّبِيب من أهل خُرَاسَان وزهرون

стр. 311

وَلأبي الْفرج بن الطَّبِيب من الْكتب تَفْسِير كتاب قاطيغورياس لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب باريمينياس لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أنالوطيقا لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أنالوطيقا الثَّانِيَة لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب طوبيقا لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب سوفسطيقا لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الخطابة لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الشّعْر لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب الْحَيَوَان لأرسطوطاليس تَفْسِير كتاب أبيديميا لأبقراط تَفْسِير كتاب الْفُصُول لأبقراط تَفْسِير كتاب طبيعة الْإِنْسَان لأبقراط تَفْسِير كتاب الأخلاط لأبقراط تَفْسِير كتاب الْفرق لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب النبض الصَّغِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب أغلوتن لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الأسطقسات لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب المزاج لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب القوى الطبيعية لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب التشريح الصَّغِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب تعرف علل الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب النبض الْكَبِير لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب الحميات لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب البحران لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب أَيَّام البحران لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب حَملَة الْبُرْء لِجَالِينُوسَ تَفْسِير كتاب تدابير الأصحاء لِجَالِينُوسَ ثمار السِّتَّة عشر كتابا لِجَالِينُوسَ وَهُوَ اخْتِصَار الْجَوَامِع شرح ثمار مسَائِل حنين بن إِسْحَق أملاه سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة كتاب النكت وَالثِّمَار الطبية والفلسفية تَفْسِير كتاب أيساغوجي لفرفوريوس مقَالَة فِي القوى الطبيعية مقَالَة فِي الْعلَّة لم جعل لكل خلط دَوَاء يستفرغه وَلم لم يَجْعَل للدم دَوَاء يستفرغه مثل سَائِر الأخلاط تعاليق فِي الْعين مقَالَة فِي الأحلام وتفصيل الصَّحِيح مِنْهَا من السقيم على مَذْهَب الفلسفة مقَالَة فِي عراف أخبر بِمَا ضَاعَ وَذكر الدَّلِيل على صِحَّته بِالشَّرْعِ والطب والفلسفة مقَالَة أملاها فِي جَوَاب مَا سُئِلَ عَنهُ من أبطال الِاعْتِقَاد فِي الْأَجْزَاء الَّتِي لَا تَنْقَسِم وَهَذَا السُّؤَال سَأَلَهُ إِيَّاه ظافر بن جَابر السكرِي وَوجدت بِخَط ظافر بن جَابر السكرِي على هَذِه الْمقَالة مَا هَذَا مِثَاله قَالَ هَذِه الكراسة بِخَط سيدنَا الْأُسْتَاذ الْأَجَل أبي نصر مُحَمَّد بن عَليّ بن برزج تلميذ الشَّيْخ أبي الْفرج أملاها الشَّيْخ أَبُو الْفرج أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ونكب أعداءه عَلَيْهِ بِبَغْدَاد وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي الطَّبِيب وَهِي الدستور بِعَينهَا شرح كتاب مَنَافِع الْأَعْضَاء لِجَالِينُوسَ مقَالَة مختصرة فِي الْمحبَّة شرح الْإِنْجِيل ابْن بطلَان هُوَ أَبُو الْحسن الْمُخْتَار بن الْحسن بن عبدون بن سعدون بن بطلَان نَصْرَانِيّ من أهل بَغْدَاد وَكَانَ قد اشْتغل على أبي الْفرج عبد الله بن الطّيب وتتلمذ لَهُ وأتقن عَلَيْهِ قِرَاءَة كثير من الْكتب الْحكمِيَّة وَغَيرهَا ولازم أَيْضا أَبَا الْحسن ثَابت بن إِبْرَاهِيم بن زهرون الْحَرَّانِي الطَّبِيب واشتغل عَلَيْهِ وانتفع بِهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي مزاولة أَعمالهَا وَكَانَ ابْن بطلَان معاصرا لعَلي بن رضوَان الطَّبِيب الْمصْرِيّ وَكَانَت بَين ابْن بطلَان وَابْن رضوَان

стр. 312

المراسلات العجيبة والكتب البديعة الغريبة وَلم يكن أحد مِنْهُم يؤلف كتابا وَلَا يبتدع رَأيا إِلَّا وَيرد الآخر عَلَيْهِ ويسفه رَأْيه فِيهِ وَقد رَأَيْت أَشْيَاء من المراسلات الَّتِي كَانَت فِيمَا بَينهم ووقائع بَعضهم فِي بعض وسافر ابْن بطلَان من بَغْدَاد إِلَى ديار مصر قصدا مِنْهُ إِلَى مُشَاهدَة عَليّ بن رضوَان والاجتماع بِهِ وَكَانَ سَفَره من بَغْدَاد فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَلما وصل فِي طَرِيقه إِلَى حلب أَقَامَ بهَا مُدَّة وَأحسن إِلَيْهِ معز الدولة ثمال بن صَالح بهَا وأكرمه أكراما كثيرا وَكَانَ دُخُوله الْفسْطَاط فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَأقَام بهَا ثَلَاث سِنِين وَذَلِكَ فِي دولة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه من الْخُلَفَاء المصريين وَجَرت بَين ابْن بطلَان وَابْن رضوَان وقائع كَثْرَة فِي ذَلِك الْوَقْت ونوادر ظريفة لَا تَخْلُو من فَائِدَة وَقد تضمن كثيرا من هَذِه الْأَشْيَاء كتاب أَلفه ابْن بطلَان بعد خُرُوجه من ديار مصر واجتماعه بِابْن رضوَان وَلابْن رضوَان كتاب فِي الرَّد عَلَيْهِ وَكَانَ ابْن بطلَان أعذب ألفاظا وَأكْثر ظرفا وأميز فِي الْأَدَب وَمَا يتَعَلَّق بِهِ وَمِمَّا يدل على ذَلِك مَا ذكره فِي رسَالَته الَّتِي وسمها دَعْوَة الْأَطِبَّاء وَكَانَ ابْن رضوَان أطب وَأعلم بالعلوم الْحكمِيَّة وَمَا يتَعَلَّق بهَا وَكَانَ ابْن رضوَان أسود اللَّوْن وَلم يكن بالجميل الصُّورَة وَله مقَالَة فِي ذَلِك يرد فِيهَا على من عيره بقبح الْخلقَة وَقد بَين فِيهَا بِزَعْمِهِ أَن الطَّبِيب الْفَاضِل لَا يجب أَن يكون وَجهه جميلا وَكَانَ ابْن بطلَان أَكثر مَا يَقع فِي عَليّ بن رضوَان من هَذَا الْقَبِيل وأشباهه وَلذَلِك يَقُول فِيهِ فِي الرسَالَة الَّتِي وسمها دَعْوَة الْأَطِبَّاء (فَلَمَّا تبدى للقوابل وَجهه ... نكصن على أعقابهن من النَّدَم) (وقلن وأخفين الْكَلَام تسترا ... أَلا ليتنا كُنَّا تَرَكْنَاهُ فِي الرَّحِم) الطَّوِيل وَكَانَ يلقبه بتمساح الْجِنّ وسافر ابْن بطلَان من ديار مصر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأقَام بهَا سنة وَعرضت فِي زَمَنه أوباء كَثِيرَة ونقلت من خطه فِيمَا ذكره من ذَلِك مَا هَذَا مِثَاله قَالَ وَمن مشاهير الأوباء فِي زَمَاننَا الَّذِي عرض عِنْد طُلُوع الْكَوْكَب الأثاري فِي الجوزاء من سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة فَإِن فِي تِلْكَ السّنة دفن فِي كَنِيسَة لوقا بعد أَن امْتَلَأت جَمِيع المدافن الَّتِي فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة أَرْبَعَة عشر ألف نسمَة فِي الخريف فَلَمَّا توَسط الصَّيف فِي سنة سبع وَأَرْبَعين لم يوف النّيل فَمَاتَ فِي الْفسْطَاط وَالشَّام أَكثر أَهلهَا وَجَمِيع الغرباء إِلَّا من شَاءَ الله وانتقل الوباء إِلَى الْعرَاق فَأتى على أَكثر أَهله وَاسْتولى عَلَيْهِ

стр. 313

الخراب بطروق العساكر المتعادية واتصل ذَلِك بهَا إِلَى سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَعرض للنَّاس فِي أَكثر الْبِلَاد قُرُوح سوداوية وأورام الطحال وَتغَير تَرْتِيب نَوَائِب الحميات واضطرب نظام البحارين فَاخْتلف علم الْقَضَاء فِي تقدمة الْمعرفَة وَقَالَ أَيْضا بعد ذَلِك وَلِأَن هَذَا الْكَوْكَب الأثاري طلع فِي برج الجوزاء وَهُوَ طالع مصر أوقع الوباء فِي الْفسْطَاط بِنُقْصَان النّيل فِي وَقت ظُهُوره فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَصَحَّ إنذار بطليموس الْقَائِل الويل لأهل مصر إِذا طلع أحد ذَوَات الذوائب وأنجهم فِي الجوزاء وَلما نزل زحل برج السرطان تَكَامل خراب الْعرَاق والموصل والجزيرة واختلت ديار بكر وَرَبِيعَة وَمُضر وَفَارِس وكرمان وبلاد الْمغرب واليمن والفسطاط وَالشَّام واضطربت أَحْوَال مُلُوك الأَرْض وَكَثُرت الحروب والغلاء والوباء وَصَحَّ حكم بطليموس فِي قَوْله إِن زحل والمريخ مَتى اقترنا فِي السرطان زلزل الْعَالم ونقلت أَيْضا من خطّ بن بطلَان فِيمَا ذكره من الأوباء الْعَظِيمَة الْعَارِضَة للغلم بفقد الْعلمَاء فِي زَمَانه قَالَ مَا عرض فِي مُدَّة بضع عشرَة سنة بوفاة الْأَجَل المرتضى وَالشَّيْخ أبي الْحسن الْبَصْرِيّ والفقيه أبي الْحسن الْقَدُورِيّ وأقضى الْقُضَاة الْمَاوَرْدِيّ وَابْن الطّيب الطَّبَرِيّ على جَمَاعَتهمْ رضوَان الله وَمن أَصْحَاب عُلُوم القدماء أَبُو عَليّ بن الْهَيْثَم وَأَبُو سعيد اليمامي وَأَبُو عَليّ بن السَّمْح وصاعد الطَّبِيب وَأَبُو الْفرج عبد الله بن الطّيب وَمن مُتَقَدِّمي عُلُوم الْأَدَب وَالْكِتَابَة عَليّ ابْن عِيسَى الربعِي وَأَبُو الْفَتْح النَّيْسَابُورِي ومهيار الشَّاعِر وَأَبُو الْعَلَاء بن نزيك وَأَبُو عَليّ ابْن موصلايا والرئيس أَبُو الْحسن الصَّابِئ وَأَبُو الْعَلَاء المعري فانطفأت سرج الْعلم وَبقيت

стр. 314

الْعُقُول بعدهمْ فِي الظلمَة أَقُول ولأبن بطلَان أشعار كَثِيرَة ونواد ظريفة وَقد ضمن مِنْهَا أَشْيَاء فِي رسَالَته الَّتِي وسمها دَعْوَة الْأَطِبَّاء وَفِي غَيرهَا من كتبه وَتُوفِّي ابْن بطلَان وَلم يتَّخذ امْرَأَة وَلَا خلف ولدا وَلذَلِك يَقُول من أَبْيَات (وَلَا أحد إِن مت يبكي لميتتي ... سوى مجلسي فِي الطِّبّ والكتب باكيا) الطَّوِيل وَلابْن بطلَان من الْكتب كناش الأديرة والرهبان كتاب شِرَاء العبيد وتقليب المماليك والجواري كتاب تَقْوِيم الصِّحَّة مقَالَة فِي شرب الدَّوَاء المسهل مقَالَة فِي كَيْفيَّة دُخُول الْغذَاء فِي الْبدن وهضمه وَخُرُوج فضلاته وَسقي الْأَدْوِيَة المسهلة وتركيبها مقَالَة إِلَى عَليّ بن رضوَان عِنْد وُرُوده الْفسْطَاط فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة جَوَابا عَمَّا كتبه إِلَيْهِ مقَالَة فِي عِلّة نقل الْأَطِبَّاء المهرة تَدْبِير أَكثر الْأَمْرَاض الَّتِي كَانَت تعالج قَدِيما بالأدوية الحارة إِلَى التَّدْبِير الْمبرد كالفالج واللقوة والاسترخاء وَغَيرهَا ومخالفتهم فِي ذَلِك لمسطور القدماء فِي الكنانيش والأقراباذينات وتدرجهم فِي ذَلِك بالعراق وَمَا والاها على اسْتِقْبَال سنة سبع وَسبعين وثلثمائة وَإِلَى سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وصنف ابْن بطلَان هَذِه الْمقَالة بأنطاكية فِي سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت قد أهل لبِنَاء بيمارستان أنطاكية مقَالَة فِي الِاعْتِرَاض على من قَالَ إِن الفرخ أحر من الْفروج بطرِيق منطقية ألفها بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة كتاب الْمدْخل إِلَى الطِّبّ كتاب دَعْوَة الْأَطِبَّاء ألفها للأمير نصير الدولة أبي نصر أَحْمد بن مَرْوَان ونقلت من خطّ ابْن بطلَان وَهُوَ يَقُول فِي آخرهَا فرغت من نسخهَا أَنا مصنفها بوانيس الطَّبِيب الْمَعْرُوف بالمختار بن الْحسن بن عبدون بدير الْملك المتيح قسطنطين بِظَاهِر الْقُسْطَنْطِينِيَّة فِي آخر أيلول من سنة خمس وَسِتِّينَ وثلثمائة وَألف هَذَا قَوْله وَيكون ذَلِك بالتاريخ الإسلامي من سنة خمسين وَأَرْبَعمِائَة كتاب دَعْوَة الْأَطِبَّاء كتاب دَعْوَة القسوس مقَالَة فِي مداواة صبي عرضت لَهُ حَصَاة الْفضل بن جرير التكريتي كَانَ كثير الِاطِّلَاع فِي الْعُلُوم فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ حسن العلاج وخدم بصناعة الطِّبّ للأمير نصير الدولة بن مَرْوَان وللفضل بن جرير التكريتي من الْكتب مقَالَة فِي أَسمَاء الْأَمْرَاض واشتقاقاتها كتبهَا إِلَى بعض إخوانه وَهُوَ يوحنا بن عبد الْمَسِيح أَبُو نصر يحيى بن جرير التكريتي كَانَ كأخيه فِي الْعلم وَالْفضل وَالتَّمَيُّز فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ مَوْجُودا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة

стр. 315

وليحيى بن جرير التكريتي من الْكتب كتاب الاختبارات فِي علم النُّجُوم كتاب فِي الباه وَمَنَافع الْجِمَاع ومضاره رِسَالَة كتبهَا لكافي الكفاة أبي نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن جهير فِي مَنَافِع الرياضة وجهة اسْتِعْمَالهَا ابْن دِينَار كَانَ بميافارقين فِي أَيَّام الْأَمِير نصير الدولة بن مَرْوَان وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ جيد المداواة خَبِيرا بتأليف الْأَدْوِيَة وَوجدت لَهُ أقراباذينا بديع التَّأْلِيف بليغ التصنيف حسن الاختبار مرضِي الْأَخْبَار وَابْن دِينَار هَذَا هُوَ الَّذِي ألف الشَّرَاب الْمَنْسُوب إِلَيْهِ الْمَعْرُوف بشراب الديناري المتداول اسْتِعْمَاله الْمَشْهُور بَين الْأَطِبَّاء وَغَيرهم وَذَلِكَ مَذْكُور فِي كِتَابه هَذَا يَقُول أَنه الَّذِي أَلفه وَلابْن دِينَار من الْكتب كتاب الأقراباذين إِبْرَاهِيم بن بكس كَانَ ماهرا فِي علم الطِّبّ وَنقل كتبا كَثِيرَة إِلَى الْعَرَبِيّ ثمَّ كف بَصَره وَكَانَ مَعَ ذَلِك يحاول صناعَة الطِّبّ ويزاولها بِحَسب مَا هُوَ عَلَيْهِ وَكَانَ يدرس صناعَة الطِّبّ فِي البيمارستان العضدي لما بناه عضد الدولة وَكَانَ لَهُ مِنْهُ مَا يقوم بكفايته ولإبراهيم بن بكس من الْكتب كناشه كتاب الأقرباذين الملحق بالكناش مقَالَة بِأَن المَاء القراح أبرد من مَاء الشّعير مقَالَة فِي الجدري عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن بكس كَانَ طَبِيبا فَاضلا عَالما بصناعة الطِّبّ مَشْهُورا بهَا جيد الْمعرفَة بِالنَّقْلِ وَقد نقل كتبا كَثِيرَة إِلَى الْعَرَبِيّ قسطا بن لوقا البعلبكي قَالَ سُلَيْمَان بن حسان أَنه مسيحي النحلة طَبِيب حاذق نبيل فيلسوف منجم عَالم بالهندسة والحساب قَالَ وَكَانَ فِي أَيَّام المقتدر بِاللَّه وَقَالَ ابْن النديم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب أَن قسطا كَانَ بارعا فِي عُلُوم كَثِيرَة مِنْهَا الطِّبّ والفلسفة والهندسة والأعداد والموسيقى لَا مطْعن عَلَيْهِ فصيحا فِي اللُّغَة اليونانية جيد الْعبارَة بِالْعَرَبِيَّةِ وَتُوفِّي بأرمينية عِنْد بعض مُلُوكهَا وَمن ثمَّ أجَاب أَبَا عِيسَى ابْن المنجم عَن رسَالَته فِي نبوة مُحَمَّد ﷺ وَثمّ عمل كتاب الفردوس فِي التَّارِيخ أَقُول وَنقل قسطا كتبا كَثِيرَة من كتب اليونانيين إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَكَانَ جيد النَّقْل فصيحا بِاللِّسَانِ اليوناني والسرياني والعربي وَأصْلح نقولا كَثِيرَة وَأَصله يوناني وَله رسائل وَكتب كَثِيرَة فِي صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا وَكَانَ حسن الْعبارَة جيد القريحة

стр. 316

وَقَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل أَن قسطا اجتذبه سنحاريب إِلَى أرمينية وَأقَام بهَا وَكَانَ بأرمينية أَبُو الغطريف البطريق من أهل الْعلم وَالْفضل فَعمل لَهُ قسطا كتبا كَثِيرَة جليلة نافعة شريفة الْمعَانِي مختصرة الْأَلْفَاظ فِي أَصْنَاف من الْعُلُوم وَمَات هُنَاكَ فَدفن وَبني عَلَيْهِ قبَّة وَأكْرم قَبره كإكرام قُبُور الْمُلُوك ورؤساء الشَّرَائِع ولقسطا بن لوقا من الْكتب كتاب فِي أوجاع النقرس كتاب فِي الروائح وعللها رِسَالَة إِلَى أبي مُحَمَّد الْحسن بن مخلد فِي أَحْوَال الباه وأسبابه على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب كتاب فِي الْأَعْدَاء أَلفه للبطريق فَتى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب جَامع فِي الدُّخُول إِلَى علم الطِّبّ إِلَى أبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُدبر كتاب فِي النَّبِيذ وشربه فِي الولائم كتاب فِي الأسطقسات كتاب فِي السهر أَلفه لأبي الغطريف البطريق مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب فِي الْعَطش أَلفه لأبي الغطريف مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب فِي الْقُوَّة والضعف كتاب فِي الأغذية على طَرِيق القوانين الْكُلية أَلفه لبطريق البطارقة أبي غَانِم الْعَبَّاس بن سنباط كتاب فِي النبض وَمَعْرِفَة الحميات وضروب البحرانات كتاب فِي عِلّة الْمَوْت فَجْأَة أَلفه لأبي الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد كَاتب بطرِيق البطارقة كتاب فِي معرفَة الخدر وأنواعه وَعلله وأسبابه وعلاجه أَلفه لقَاضِي الْقُضَاة أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد كتاب فِي أَيَّام البحران فِي الْأَمْرَاض الحادة كتاب فِي الأخلاط الْأَرْبَعَة وَمَا تشترك فِيهِ مُخْتَصر كتاب فِي الكبد وخلقتها وَمَا يعرض فِيهَا من الْأَمْرَاض رِسَالَة فِي المروحة وَأَسْبَاب الرّيح كتاب فِي مَرَاتِب قِرَاءَة الْكتب الطبية كتبه إِلَى أبي الغطريف البطريق كتاب فِي تَدْبِير الْأَبدَان فِي سفر الْحَج أَلفه لأبي مُحَمَّد الْحسن بن مخلد كتاب فِي د فع ضَرَر السمُوم كتاب فِي الْمدْخل إِلَى علم الهندسة على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب أَلفه لأبي الْحسن عَليّ بن يحيى مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب آدَاب الفلاسفة كتاب فِي الْفرق بَين الْحَيَوَان النَّاطِق وَغير النَّاطِق كتاب فِي تولد الشّعْر كتاب فِي الْفرق بَين النَّفس وَالروح كتاب فِي الْحَيَوَان النَّاطِق كتاب فِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ كتاب فِي حَرَكَة الشريان كتاب فِي النّوم والرؤيا كتاب فِي الْعُضْو الرئيس من الْبدن كتاب فِي البلغم كتاب فِي الدَّم كتاب فِي الْمرة الصَّفْرَاء كتاب فِي الْمرة السَّوْدَاء كتاب فِي شكل الكرة والاسطوانة كتاب فِي الْهَيْئَة وتركيب الأفلاك كتاب فِي حِسَاب التلاقي على جِهَة الْجَبْر والمقابلة كتاب فِي تَرْجَمَة ديوفنطس فِي الْجَبْر والمقابلة كتاب فِي الْعَمَل بالكرة الْكَبِيرَة النجومية كتاب فِي الْآلَة الَّتِي ترسم عَلَيْهَا الْجَوَامِع وتعمل مِنْهَا النتائج كتاب فِي الْمُتْعَة كتاب فِي المرايا المحرقة كتاب فِي الأوزان والمكاييل كتاب السياسة ثَلَاث مقالات كتاب الْعلَّة فِي أسوداد الخيش وتغيره من الرش كتاب فِي القرسطون كتاب فِي الِاسْتِدْلَال بِالنّظرِ إِلَى أَصْنَاف الْبَوْل كتاب الْمدْخل إِلَى الْمنطق كتاب مَذْهَب اليونانيين رِسَالَة فِي الخضاب كتاب فِي شكوك كتاب أقليدس كتاب الفصد وَهُوَ أحد وَتسْعُونَ بَابا أَلفه لأبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُدبر كتاب الْمدْخل إِلَى علم النُّجُوم كتاب الْحمام كتاب الفردوس فِي التَّارِيخ رِسَالَة فِي اسْتِخْرَاج مسَائِل عدديات من الْمقَالة الثَّالِثَة من أقليدس تَفْسِير ثَلَاث مقالات وَنصف من كتاب برفنطس فِي الْمسَائِل العددية كتاب

стр. 317

فِي عبارَة كتب الْمنطق وَهُوَ الْمدْخل إِلَى كتاب أيساغوجي كتاب أيساغوجي كتاب فِي البخار رِسَالَة إِلَى أبي عَليّ بن بنان بن الْحَرْث مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا سَأَلَ عَنهُ من علل اخْتِلَاف النَّاس فِي أَخْلَاقهم وسيرهم وشهواتهم واختياراتهم مسَائِل فِي الْحُدُود على رَأْي الفلاسفة مسكويه هُوَ أَبُو فَاضل فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متميز فِيهَا خَبِير بصناعة الطِّبّ جيد فِي أُصُولهَا وفروعها ولمسكويه من الْكتب كتاب الْأَشْرِبَة كتاب الطبيخ كتاب تَهْذِيب الْأَخْلَاق أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث هُوَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْأَشْعَث كَانَ وافر الْعقل سديد الرَّأْي محبا للخير كثير السكينَة وَالْوَقار متفقها فِي الدّين وَعمر عمرا طَويلا وَله تلاميذ كَثِيرَة وَكَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متميزا فِيهَا وَله تصانيف كَثِيرَة فِي ذَلِك تدل على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْعلم وعلو الْمنزلَة وَله كتاب فِي الْعلم الإلهي فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَقد رَأَيْته بِخَطِّهِ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ عَالما بكتب جالينوس خَبِيرا بهَا متطلعا على أسرارها وَقد شرح كثيرا من كتب جالينوس وَهُوَ الَّذِي فصل كل وَاحِد من الْكتب السِّتَّة عشر الَّتِي لِجَالِينُوسَ إِلَى جمل وأبواب وفصول وَقسمهَا تقسيما لم يسْبقهُ إِلَى ذَلِك أحد غَيره وَفِي ذَلِك مَعُونَة كَثِيرَة لمن يشْتَغل بكتب الْفَاضِل جالينوس فَإِنَّهُ يسهل عَلَيْهِ كل مَا يلتمسه مِنْهَا وَتبقى لَهُ أَعْلَام تدله على مَا يُرِيد مطالعته من ذَلِك ويتعرف بِهِ كل قسم من أَقسَام الْكتاب وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ وَفِي أَي غَرَض هُوَ وَفصل أَيْضا كَذَلِك كثيرا من كتب أرسطوطاليس وَغَيره وَجُمْلَة مصنفات أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث فِي صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا كل مِنْهَا تَامّ فِي مَعْنَاهُ لَا يُوجد لَهُ نَظِير فِي الْجَوْدَة ونقلت من كتاب عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن بختيشوع قَالَ ذكر لي من خبر أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ أَنه لم يكن مُنْذُ ابْتَدَأَ عمره يتظاهر بالطب بل كَانَ متصرفا وصودر وَكَانَ أَصله من فَارس فَخرج من بَلَده هَارِبا وَدخل الْموصل بِحَالَة سَيِّئَة من العري والجوع وَاتفقَ أَنه كَانَ لناصر الدولة ولد عليل فِي حَالَة من قيام الدَّم والأغراس وَكَانَ كلما عالجته الْأَطِبَّاء ازْدَادَ مَرضه فتوصل إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ وَقَالَ لأمه أَنا أعَالجهُ وَبَدَأَ يريها غلط الْأَطِبَّاء فِي التَّدْبِير فسكنت إِلَيْهِ وعالجه فبرأ وَأعْطِي وَأحسن إِلَيْهِ وَأقَام بالموصل إِلَى آخر عمره وَاتخذ لَهُ تلاميذ عدَّة إِلَّا أَن الْخَاص بِهِ والمتقدم عِنْده كَانَ أَبُو الْفَلاح وبرع فِي صناعَة الطِّبّ أَقُول وَكَانَت وَفَاة أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ فِي سنة ثلثمِائة ونيف وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ

стр. 318

وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد وَالَّذِي وجدته مَشْهُورا مِنْهُم فِي صناعَة الطِّبّ مُحَمَّد وَلأَحْمَد بن أبي الْأَشْعَث من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة ثَلَاث مقالات وَكَانَ السَّبَب الْبَاعِث لَهُ على تصنيفه قوم من تلامذته سَأَلُوهُ ذَلِك وَهَذَا نَص كَلَامه فِي صدر الْكتاب قَالَ سَأَلَني أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي أَن أكتب هَذَا الْكتاب وقديما كَانَ سَأَلَني مُحَمَّد بن ثَوَاب فتكلمت فِي هَذَا الْكتاب بِحَسب طبقتهما وكتبته إِلَيْهِمَا وبدأت بِهِ فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وهما فِي طبقَة من تجَاوز تعلم الطِّبّ ودخلا فِي جملَة من يتفقه فِيمَا علم من هَذِه الصِّنَاعَة ويفرع ويقيس ويستخرج وَإِلَى من فِي طبقتهما من تلامذتي وَمن إئتم بكتبي فَإِن من أَرَادَ قِرَاءَة كتابي هَذَا وَكَانَ قد تجَاوز حد التَّعْلِيم إِلَى حد التفقه فَهُوَ الَّذِي ينْتَفع بِهِ ويحظى بِعِلْمِهِ وَيقدر أَن يسْتَخْرج مِنْهُ مَا هُوَ فِيهِ بِالْقُوَّةِ مِمَّا لم أذكرهُ وَأَن يفرع على مَا ذكرته ويشيد وَهَذَا قولي لجمهور النَّاس دون ذَوي القرائح الْأَفْرَاد الَّتِي يُمكنهَا تفهم هَذَا وَمَا فَوْقه بِقُوَّة النَّفس الناطقة فيهم فَإِن هَؤُلَاءِ تسهل عَلَيْهِم الْمَشَقَّة فِي الْعلم وَيقرب لديهم مَا يطول على غَيرهم كتاب الْحَيَوَان كتاب فِي الْعلم الإلهي مقالتان فرغ من تأليفه فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَخمسين وثلثمائة كتاب فِي الجدري والحصبة والحميقاء مقالتان كتاب فِي السرسام والبرسام ومداواتهما ثَلَاث مقالات صنفه لتلميذه مُحَمَّد بن ثَوَاب الْموصِلِي أملاه عَلَيْهِ إملاء من لَفظه وَكتبه عَنهُ بِخَطِّهِ وَذكر تَارِيخ الْإِمْلَاء وَالْكِتَابَة فِي رَجَب سنة خمس وَخمسين وثلثمائة كتاب فِي القولنج وأصنافه ومداواته والأدوية النافعة مِنْهُ مقالتان كتاب فِي البرص والبهق ومداواتهما مقالتان كتاب فِي الصرع وَكتاب آخر فِي الصرع كتاب فِي الاسْتِسْقَاء كتاب فِي ظُهُور الدَّم مقالتان كتاب الماليخوليا كتاب تركيب الْأَدْوِيَة مقَالَة فِي النّوم واليقظة كتبهَا إِلَى أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن زيد بن فضَالة الْبَلَدِي بِحَسب سُؤَاله على لِسَان عزور بن الطّيب الْيَهُودِيّ الْبَلَدِي كتاب الغاذي والمغتذي مقالتان فرغ من تأليفه بقلعة برقى من أرمينية فِي صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة كتاب أمراض الْمعدة ومداواتها شرح كتاب الْفرق لِجَالِينُوسَ مقالتان فرغ مِنْهُ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلثمائة شرح كتاب الحميات لِجَالِينُوسَ مُحَمَّد بن ثَوَاب الْموصِلِي هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ثَوَاب بن مُحَمَّد وَيعرف بِابْن الثلاج من أهل الْموصل فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ خَبِير بِالْعلمِ وَالْعَمَل وَشَيْخه فِي صناعَة الطِّبّ أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث لَازمه واشتغل عَلَيْهِ وتميز وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى من مَدِينَة بلد وَكَانَ خَبِيرا بصناعة الطِّبّ حسن

стр. 319

العلاج والمداواة وَكَانَ من أجل تلامذة أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث لَازمه مُدَّة سِنِين واشتغل عَلَيْهِ وتميز وَلأَحْمَد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي من الْكتب كتاب تَدْبِير الحبالى والأطفال وَالصبيان وَحفظ صحتهم ومداواة الْأَمْرَاض الْعَارِضَة لَهُم صنفه للوزير أبي الْفرج يَعْقُوب بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن كلس وَزِير الْعَزِيز بِاللَّه فِي الديار المصرية ابْن قوسين كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا فِي زَمَانه وَله دراية بصناعة الطِّبّ ومقامه بالموصل وَكَانَ يَهُودِيّا واسلم وَعمل مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود وَلابْن قوسين من الْكتب مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود عَليّ بن عِيسَى وَقيل عِيسَى بن عَليّ الكحال كَانَ مَشْهُورا بالحذق فِي صناعَة الْكحل متميزا فِيهَا وبكلامه يقْتَدى فِي أمراض الْعين ومداواتها وَكتابه الْمَشْهُور بتذكرة الكحالين هُوَ الَّذِي لَا بُد لكل من يعاني صناعَة الْكحل أَن يحفظه وَقد اقْتصر النَّاس عَلَيْهِ دون غَيره من سَائِر الْكتب الَّتِي قد ألفت فِي هَذَا الْفَنّ وَصَارَ ذَلِك مستمرا عِنْدهم وَكَلَام عَليّ بن عِيسَى فِي أَعمال صناعَة الْكحل أَجود من كَلَامه فِيمَا يتَعَلَّق بالأمور العلمية وَكَانَت وَفَاته سنة وَأَرْبَعمِائَة ولعلي بن عِيسَى من الْكتب كتاب تذكرة الكحالين ثَلَاث مقالات ابْن الشبل الْبَغْدَادِيّ هُوَ أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن يُوسُف بن شبْل مولده ومنشؤه بِبَغْدَاد وَكَانَ حكيما فيلسوفا ومتكلما فَاضلا وأديبا بارعا وشاعرا مجيدا وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَمن شعر قَالَه فِي الْحِكْمَة وَهَذِه القصيدة من جيد شعره وَهِي تدل على قُوَّة اطلَاع فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة والأسرار الإلهية وَبَعض النَّاس ينسبها إِلَى ابْن سينا وَلَيْسَت لَهُ وَهِي هَذِه (بِرَبِّك أَيهَا الْفلك الْمدَار ... اقصد ذَا المير أم اضطرار) (مدارك قل لنا فِي أَي شَيْء ... فَفِي أفهامنا مِنْك ابتهار) (وفيك نرى الفضاء وَهل فضاء ... سوى هَذَا الفضاء بِهِ تدار) (وعندك ترفع الْأَرْوَاح أم هَل ... مَعَ الأجساد يُدْرِكهَا الْبَوَار) (وموج ذَا المجرة أم فرند ... على لجج الدروع لَهُ أوار) (وفيك الشَّمْس رَافِعَة شعاعا ... بأجنحة قوادمها قصار)

стр. 320

(وطوق فِي النُّجُوم من اللَّيَالِي ... هلالك أم يَد فِيهَا سوار) (وشهب ذَا الخواطف أم ذبال ... عَلَيْهَا المرخ يقْدَح والعفار) (وترصيع نجومك أم حباب ... تؤلف بَينه اللجج الغزار) (تمد رقومها لَيْلًا وتطوي ... نَهَارا مثل مَا طوى الأزار) (فكم بصقالها صدي البرايا ... وَمَا يصدى لَهَا أبدا غرار) (تباري ثمَّ تخنس راجعات ... وتكنس مثل ماكنس الصوار) (فَبينا الشرق يقدمهَا صعُودًا ... تلقاها من الغرب انحدار) (على ذَا مَا مضى وَعَلِيهِ يمْضِي ... طوال منى وآجال قصار) (وَأَيَّام تعرفنا مداها ... لَهَا أنفاسنا أبدا شفار) (ودهر ينثر الْأَعْمَار نثرا ... كَمَا للغصن بالورد انتثار) (وَدُنْيا كلما وضعت جَنِينا ... غذاه من نوائبها ظؤار) (هِيَ العشواء مَا خبطت هشيم ... هِيَ العجماء مَا جرحت جَبَّار) (فَمن يَوْم بِلَا أمس ليَوْم ... بِغَيْر غَد إِلَيْهِ بِنَا يسَار) (وَمن نفسين فِي أَخذ ورد ... لروع الْمَرْء فِي الْجِسْم انتشار) (وَكم من بعد مَا ألفت نفوس ... حسوما عَن مجاثمها تطار) (ألم تَكُ بالجوارح آنسات ... فكم بِالْقربِ عَاد لَهَا نفار) (فَإِن يَك آدم أَشْقَى بنيه ... بذنب مَاله مِنْهُ اعتذار) (وَلم يَنْفَعهُ بالأسماء علم ... وَمَا نفع السُّجُود وَلَا الْجوَار) (فَاخْرُج ثمَّ أهبط ثمَّ أودي ... فترب السافيات لَهُ شعار) (فأدركه بِعلم الله فِيهِ ... من الْكَلِمَات للذنب اغتفار) (وَلَكِن بعد غفران وعفو ... يعير مَا تَلا لَيْلًا نَهَار) (لقد بلغ الْعَدو بِنَا مناه ... وَحل بِآدَم وبنا الصغار) (وتهنا ضَائِعين كقوم مُوسَى ... وَلَا عجل أضلّ وَلَا خوار)
следующие страницы →