← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وَقَالَ عبيد الله بن جِبْرَائِيل أَن قسطا اجتذبه سنحاريب إِلَى أرمينية وَأقَام بهَا وَكَانَ بأرمينية أَبُو الغطريف البطريق من أهل الْعلم وَالْفضل فَعمل لَهُ قسطا كتبا كَثِيرَة جليلة نافعة شريفة الْمعَانِي مختصرة الْأَلْفَاظ فِي أَصْنَاف من الْعُلُوم وَمَات هُنَاكَ فَدفن وَبني عَلَيْهِ قبَّة وَأكْرم قَبره كإكرام قُبُور الْمُلُوك ورؤساء الشَّرَائِع ولقسطا بن لوقا من الْكتب كتاب فِي أوجاع النقرس كتاب فِي الروائح وعللها رِسَالَة إِلَى أبي مُحَمَّد الْحسن بن مخلد فِي أَحْوَال الباه وأسبابه على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب كتاب فِي الْأَعْدَاء أَلفه للبطريق فَتى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب جَامع فِي الدُّخُول إِلَى علم الطِّبّ إِلَى أبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُدبر كتاب فِي النَّبِيذ وشربه فِي الولائم كتاب فِي الأسطقسات كتاب فِي السهر أَلفه لأبي الغطريف البطريق مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب فِي الْعَطش أَلفه لأبي الغطريف مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب فِي الْقُوَّة والضعف كتاب فِي الأغذية على طَرِيق القوانين الْكُلية أَلفه لبطريق البطارقة أبي غَانِم الْعَبَّاس بن سنباط كتاب فِي النبض وَمَعْرِفَة الحميات وضروب البحرانات كتاب فِي عِلّة الْمَوْت فَجْأَة أَلفه لأبي الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد كَاتب بطرِيق البطارقة كتاب فِي معرفَة الخدر وأنواعه وَعلله وأسبابه وعلاجه أَلفه لقَاضِي الْقُضَاة أبي مُحَمَّد الْحسن بن مُحَمَّد كتاب فِي أَيَّام البحران فِي الْأَمْرَاض الحادة كتاب فِي الأخلاط الْأَرْبَعَة وَمَا تشترك فِيهِ مُخْتَصر كتاب فِي الكبد وخلقتها وَمَا يعرض فِيهَا من الْأَمْرَاض رِسَالَة فِي المروحة وَأَسْبَاب الرّيح كتاب فِي مَرَاتِب قِرَاءَة الْكتب الطبية كتبه إِلَى أبي الغطريف البطريق كتاب فِي تَدْبِير الْأَبدَان فِي سفر الْحَج أَلفه لأبي مُحَمَّد الْحسن بن مخلد كتاب فِي د فع ضَرَر السمُوم كتاب فِي الْمدْخل إِلَى علم الهندسة على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب أَلفه لأبي الْحسن عَليّ بن يحيى مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كتاب آدَاب الفلاسفة كتاب فِي الْفرق بَين الْحَيَوَان النَّاطِق وَغير النَّاطِق كتاب فِي تولد الشّعْر كتاب فِي الْفرق بَين النَّفس وَالروح كتاب فِي الْحَيَوَان النَّاطِق كتاب فِي الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ كتاب فِي حَرَكَة الشريان كتاب فِي النّوم والرؤيا كتاب فِي الْعُضْو الرئيس من الْبدن كتاب فِي البلغم كتاب فِي الدَّم كتاب فِي الْمرة الصَّفْرَاء كتاب فِي الْمرة السَّوْدَاء كتاب فِي شكل الكرة والاسطوانة كتاب فِي الْهَيْئَة وتركيب الأفلاك كتاب فِي حِسَاب التلاقي على جِهَة الْجَبْر والمقابلة كتاب فِي تَرْجَمَة ديوفنطس فِي الْجَبْر والمقابلة كتاب فِي الْعَمَل بالكرة الْكَبِيرَة النجومية كتاب فِي الْآلَة الَّتِي ترسم عَلَيْهَا الْجَوَامِع وتعمل مِنْهَا النتائج كتاب فِي الْمُتْعَة كتاب فِي المرايا المحرقة كتاب فِي الأوزان والمكاييل كتاب السياسة ثَلَاث مقالات كتاب الْعلَّة فِي أسوداد الخيش وتغيره من الرش كتاب فِي القرسطون كتاب فِي الِاسْتِدْلَال بِالنّظرِ إِلَى أَصْنَاف الْبَوْل كتاب الْمدْخل إِلَى الْمنطق كتاب مَذْهَب اليونانيين رِسَالَة فِي الخضاب كتاب فِي شكوك كتاب أقليدس كتاب الفصد وَهُوَ أحد وَتسْعُونَ بَابا أَلفه لأبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الْمُدبر كتاب الْمدْخل إِلَى علم النُّجُوم كتاب الْحمام كتاب الفردوس فِي التَّارِيخ رِسَالَة فِي اسْتِخْرَاج مسَائِل عدديات من الْمقَالة الثَّالِثَة من أقليدس تَفْسِير ثَلَاث مقالات وَنصف من كتاب برفنطس فِي الْمسَائِل العددية كتاب

стр. 317

فِي عبارَة كتب الْمنطق وَهُوَ الْمدْخل إِلَى كتاب أيساغوجي كتاب أيساغوجي كتاب فِي البخار رِسَالَة إِلَى أبي عَليّ بن بنان بن الْحَرْث مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيمَا سَأَلَ عَنهُ من علل اخْتِلَاف النَّاس فِي أَخْلَاقهم وسيرهم وشهواتهم واختياراتهم مسَائِل فِي الْحُدُود على رَأْي الفلاسفة مسكويه هُوَ أَبُو فَاضل فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متميز فِيهَا خَبِير بصناعة الطِّبّ جيد فِي أُصُولهَا وفروعها ولمسكويه من الْكتب كتاب الْأَشْرِبَة كتاب الطبيخ كتاب تَهْذِيب الْأَخْلَاق أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث هُوَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْأَشْعَث كَانَ وافر الْعقل سديد الرَّأْي محبا للخير كثير السكينَة وَالْوَقار متفقها فِي الدّين وَعمر عمرا طَويلا وَله تلاميذ كَثِيرَة وَكَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متميزا فِيهَا وَله تصانيف كَثِيرَة فِي ذَلِك تدل على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْعلم وعلو الْمنزلَة وَله كتاب فِي الْعلم الإلهي فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَقد رَأَيْته بِخَطِّهِ رَحمَه الله تَعَالَى وَكَانَ عَالما بكتب جالينوس خَبِيرا بهَا متطلعا على أسرارها وَقد شرح كثيرا من كتب جالينوس وَهُوَ الَّذِي فصل كل وَاحِد من الْكتب السِّتَّة عشر الَّتِي لِجَالِينُوسَ إِلَى جمل وأبواب وفصول وَقسمهَا تقسيما لم يسْبقهُ إِلَى ذَلِك أحد غَيره وَفِي ذَلِك مَعُونَة كَثِيرَة لمن يشْتَغل بكتب الْفَاضِل جالينوس فَإِنَّهُ يسهل عَلَيْهِ كل مَا يلتمسه مِنْهَا وَتبقى لَهُ أَعْلَام تدله على مَا يُرِيد مطالعته من ذَلِك ويتعرف بِهِ كل قسم من أَقسَام الْكتاب وَمَا يشْتَمل عَلَيْهِ وَفِي أَي غَرَض هُوَ وَفصل أَيْضا كَذَلِك كثيرا من كتب أرسطوطاليس وَغَيره وَجُمْلَة مصنفات أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث فِي صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا كل مِنْهَا تَامّ فِي مَعْنَاهُ لَا يُوجد لَهُ نَظِير فِي الْجَوْدَة ونقلت من كتاب عبيد الله بن جِبْرَائِيل بن بختيشوع قَالَ ذكر لي من خبر أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ أَنه لم يكن مُنْذُ ابْتَدَأَ عمره يتظاهر بالطب بل كَانَ متصرفا وصودر وَكَانَ أَصله من فَارس فَخرج من بَلَده هَارِبا وَدخل الْموصل بِحَالَة سَيِّئَة من العري والجوع وَاتفقَ أَنه كَانَ لناصر الدولة ولد عليل فِي حَالَة من قيام الدَّم والأغراس وَكَانَ كلما عالجته الْأَطِبَّاء ازْدَادَ مَرضه فتوصل إِلَى أَن دخل عَلَيْهِ وَقَالَ لأمه أَنا أعَالجهُ وَبَدَأَ يريها غلط الْأَطِبَّاء فِي التَّدْبِير فسكنت إِلَيْهِ وعالجه فبرأ وَأعْطِي وَأحسن إِلَيْهِ وَأقَام بالموصل إِلَى آخر عمره وَاتخذ لَهُ تلاميذ عدَّة إِلَّا أَن الْخَاص بِهِ والمتقدم عِنْده كَانَ أَبُو الْفَلاح وبرع فِي صناعَة الطِّبّ أَقُول وَكَانَت وَفَاة أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ فِي سنة ثلثمِائة ونيف وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ

стр. 318

وَكَانَ لَهُ عدَّة أَوْلَاد وَالَّذِي وجدته مَشْهُورا مِنْهُم فِي صناعَة الطِّبّ مُحَمَّد وَلأَحْمَد بن أبي الْأَشْعَث من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة ثَلَاث مقالات وَكَانَ السَّبَب الْبَاعِث لَهُ على تصنيفه قوم من تلامذته سَأَلُوهُ ذَلِك وَهَذَا نَص كَلَامه فِي صدر الْكتاب قَالَ سَأَلَني أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي أَن أكتب هَذَا الْكتاب وقديما كَانَ سَأَلَني مُحَمَّد بن ثَوَاب فتكلمت فِي هَذَا الْكتاب بِحَسب طبقتهما وكتبته إِلَيْهِمَا وبدأت بِهِ فِي شهر ربيع الأول سنة ثَلَاث وَخمسين وثلثمائة وهما فِي طبقَة من تجَاوز تعلم الطِّبّ ودخلا فِي جملَة من يتفقه فِيمَا علم من هَذِه الصِّنَاعَة ويفرع ويقيس ويستخرج وَإِلَى من فِي طبقتهما من تلامذتي وَمن إئتم بكتبي فَإِن من أَرَادَ قِرَاءَة كتابي هَذَا وَكَانَ قد تجَاوز حد التَّعْلِيم إِلَى حد التفقه فَهُوَ الَّذِي ينْتَفع بِهِ ويحظى بِعِلْمِهِ وَيقدر أَن يسْتَخْرج مِنْهُ مَا هُوَ فِيهِ بِالْقُوَّةِ مِمَّا لم أذكرهُ وَأَن يفرع على مَا ذكرته ويشيد وَهَذَا قولي لجمهور النَّاس دون ذَوي القرائح الْأَفْرَاد الَّتِي يُمكنهَا تفهم هَذَا وَمَا فَوْقه بِقُوَّة النَّفس الناطقة فيهم فَإِن هَؤُلَاءِ تسهل عَلَيْهِم الْمَشَقَّة فِي الْعلم وَيقرب لديهم مَا يطول على غَيرهم كتاب الْحَيَوَان كتاب فِي الْعلم الإلهي مقالتان فرغ من تأليفه فِي ذِي الْقعدَة سنة خمس وَخمسين وثلثمائة كتاب فِي الجدري والحصبة والحميقاء مقالتان كتاب فِي السرسام والبرسام ومداواتهما ثَلَاث مقالات صنفه لتلميذه مُحَمَّد بن ثَوَاب الْموصِلِي أملاه عَلَيْهِ إملاء من لَفظه وَكتبه عَنهُ بِخَطِّهِ وَذكر تَارِيخ الْإِمْلَاء وَالْكِتَابَة فِي رَجَب سنة خمس وَخمسين وثلثمائة كتاب فِي القولنج وأصنافه ومداواته والأدوية النافعة مِنْهُ مقالتان كتاب فِي البرص والبهق ومداواتهما مقالتان كتاب فِي الصرع وَكتاب آخر فِي الصرع كتاب فِي الاسْتِسْقَاء كتاب فِي ظُهُور الدَّم مقالتان كتاب الماليخوليا كتاب تركيب الْأَدْوِيَة مقَالَة فِي النّوم واليقظة كتبهَا إِلَى أَحْمد بن الْحُسَيْن ابْن زيد بن فضَالة الْبَلَدِي بِحَسب سُؤَاله على لِسَان عزور بن الطّيب الْيَهُودِيّ الْبَلَدِي كتاب الغاذي والمغتذي مقالتان فرغ من تأليفه بقلعة برقى من أرمينية فِي صفر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وثلثمائة كتاب أمراض الْمعدة ومداواتها شرح كتاب الْفرق لِجَالِينُوسَ مقالتان فرغ مِنْهُ فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وثلثمائة شرح كتاب الحميات لِجَالِينُوسَ مُحَمَّد بن ثَوَاب الْموصِلِي هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ثَوَاب بن مُحَمَّد وَيعرف بِابْن الثلاج من أهل الْموصل فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ خَبِير بِالْعلمِ وَالْعَمَل وَشَيْخه فِي صناعَة الطِّبّ أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث لَازمه واشتغل عَلَيْهِ وتميز وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة أَحْمد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي هُوَ الشَّيْخ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن يحيى من مَدِينَة بلد وَكَانَ خَبِيرا بصناعة الطِّبّ حسن

стр. 319

العلاج والمداواة وَكَانَ من أجل تلامذة أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث لَازمه مُدَّة سِنِين واشتغل عَلَيْهِ وتميز وَلأَحْمَد بن مُحَمَّد الْبَلَدِي من الْكتب كتاب تَدْبِير الحبالى والأطفال وَالصبيان وَحفظ صحتهم ومداواة الْأَمْرَاض الْعَارِضَة لَهُم صنفه للوزير أبي الْفرج يَعْقُوب بن يُوسُف الْمَعْرُوف بِابْن كلس وَزِير الْعَزِيز بِاللَّه فِي الديار المصرية ابْن قوسين كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا فِي زَمَانه وَله دراية بصناعة الطِّبّ ومقامه بالموصل وَكَانَ يَهُودِيّا واسلم وَعمل مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود وَلابْن قوسين من الْكتب مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود عَليّ بن عِيسَى وَقيل عِيسَى بن عَليّ الكحال كَانَ مَشْهُورا بالحذق فِي صناعَة الْكحل متميزا فِيهَا وبكلامه يقْتَدى فِي أمراض الْعين ومداواتها وَكتابه الْمَشْهُور بتذكرة الكحالين هُوَ الَّذِي لَا بُد لكل من يعاني صناعَة الْكحل أَن يحفظه وَقد اقْتصر النَّاس عَلَيْهِ دون غَيره من سَائِر الْكتب الَّتِي قد ألفت فِي هَذَا الْفَنّ وَصَارَ ذَلِك مستمرا عِنْدهم وَكَلَام عَليّ بن عِيسَى فِي أَعمال صناعَة الْكحل أَجود من كَلَامه فِيمَا يتَعَلَّق بالأمور العلمية وَكَانَت وَفَاته سنة وَأَرْبَعمِائَة ولعلي بن عِيسَى من الْكتب كتاب تذكرة الكحالين ثَلَاث مقالات ابْن الشبل الْبَغْدَادِيّ هُوَ أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن يُوسُف بن شبْل مولده ومنشؤه بِبَغْدَاد وَكَانَ حكيما فيلسوفا ومتكلما فَاضلا وأديبا بارعا وشاعرا مجيدا وَكَانَت وَفَاته بِبَغْدَاد سنة أَربع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة وَمن شعر قَالَه فِي الْحِكْمَة وَهَذِه القصيدة من جيد شعره وَهِي تدل على قُوَّة اطلَاع فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة والأسرار الإلهية وَبَعض النَّاس ينسبها إِلَى ابْن سينا وَلَيْسَت لَهُ وَهِي هَذِه (بِرَبِّك أَيهَا الْفلك الْمدَار ... اقصد ذَا المير أم اضطرار) (مدارك قل لنا فِي أَي شَيْء ... فَفِي أفهامنا مِنْك ابتهار) (وفيك نرى الفضاء وَهل فضاء ... سوى هَذَا الفضاء بِهِ تدار) (وعندك ترفع الْأَرْوَاح أم هَل ... مَعَ الأجساد يُدْرِكهَا الْبَوَار) (وموج ذَا المجرة أم فرند ... على لجج الدروع لَهُ أوار) (وفيك الشَّمْس رَافِعَة شعاعا ... بأجنحة قوادمها قصار)

стр. 320

(وطوق فِي النُّجُوم من اللَّيَالِي ... هلالك أم يَد فِيهَا سوار) (وشهب ذَا الخواطف أم ذبال ... عَلَيْهَا المرخ يقْدَح والعفار) (وترصيع نجومك أم حباب ... تؤلف بَينه اللجج الغزار) (تمد رقومها لَيْلًا وتطوي ... نَهَارا مثل مَا طوى الأزار) (فكم بصقالها صدي البرايا ... وَمَا يصدى لَهَا أبدا غرار) (تباري ثمَّ تخنس راجعات ... وتكنس مثل ماكنس الصوار) (فَبينا الشرق يقدمهَا صعُودًا ... تلقاها من الغرب انحدار) (على ذَا مَا مضى وَعَلِيهِ يمْضِي ... طوال منى وآجال قصار) (وَأَيَّام تعرفنا مداها ... لَهَا أنفاسنا أبدا شفار) (ودهر ينثر الْأَعْمَار نثرا ... كَمَا للغصن بالورد انتثار) (وَدُنْيا كلما وضعت جَنِينا ... غذاه من نوائبها ظؤار) (هِيَ العشواء مَا خبطت هشيم ... هِيَ العجماء مَا جرحت جَبَّار) (فَمن يَوْم بِلَا أمس ليَوْم ... بِغَيْر غَد إِلَيْهِ بِنَا يسَار) (وَمن نفسين فِي أَخذ ورد ... لروع الْمَرْء فِي الْجِسْم انتشار) (وَكم من بعد مَا ألفت نفوس ... حسوما عَن مجاثمها تطار) (ألم تَكُ بالجوارح آنسات ... فكم بِالْقربِ عَاد لَهَا نفار) (فَإِن يَك آدم أَشْقَى بنيه ... بذنب مَاله مِنْهُ اعتذار) (وَلم يَنْفَعهُ بالأسماء علم ... وَمَا نفع السُّجُود وَلَا الْجوَار) (فَاخْرُج ثمَّ أهبط ثمَّ أودي ... فترب السافيات لَهُ شعار) (فأدركه بِعلم الله فِيهِ ... من الْكَلِمَات للذنب اغتفار) (وَلَكِن بعد غفران وعفو ... يعير مَا تَلا لَيْلًا نَهَار) (لقد بلغ الْعَدو بِنَا مناه ... وَحل بِآدَم وبنا الصغار) (وتهنا ضَائِعين كقوم مُوسَى ... وَلَا عجل أضلّ وَلَا خوار)

стр. 321

(فيا لَك أَكلَة مَا زَالَ مِنْهَا ... علينا نقمة وَعَلِيهِ عَار) (تعاقب فِي الظُّهُور وَمَا ولدنَا ... ويذبح فِي حَشا ألام الحوار) (وننتظر الرزايا والبلايا ... وَبعد فبالوعيد لنا انْتِظَار) (وَنخرج كارهين كَمَا دَخَلنَا ... خُرُوج الضَّب أحوجه الوجار) (فَمَاذَا الامتنان على وجود ... لغير الموجدين بِهِ الْخِيَار) (وَكَانَت أنعما لَو أَن كونا ... نخير قبله أَو نستشار) (أَهَذا الدَّاء لَيْسَ لَهُ دَوَاء ... وَهَذَا الْكسر لَيْسَ لَهُ انجبار) (تحير فِيهِ كل دَقِيق فهم ... وَلَيْسَ لعمق جرحهم انسبار) (إِذا التكوير غال الشَّمْس عَنَّا ... وغال كواكب اللَّيْل انتثار) (وبدلنا بهذي الأَرْض أَرضًا ... وطوح بالسموات انفطار) (وأذهلت المراضع عَن بنيها ... لحيرتها وعطلت العشار) (وغشى الْبَدْر من فرق وذعر خُسُوف للتوعد لَا سرار) (وسيرت الْجبَال فَكُن كثبا ... مهيلات وسجرت الْبحار) (فَأَيْنَ ثبات ذِي الْأَلْبَاب منا ... وَأَيْنَ مَعَ الرجوم لنا اصطبار) (وَأَيْنَ عقول ذِي الأفهام مِمَّا ... يُرَاد بِنَا وَأَيْنَ الِاعْتِبَار) (وَأَيْنَ يغيب لب كَانَ فِينَا ... ضياؤك من سناه مستعار) (وَمَا أَرض عصته وَلَا سَمَاء ... فَفِيمَ يغول أنجمها انكدار) (وَقد وافته طَائِعَة وَكَانَت ... دخانا مَا لقاتره شرار) (قَضَاهَا سَبْعَة وَالْأَرْض مهدا ... دحاها فَهِيَ للأموات دَار) (فَمَا لسمو مَا أعلا انْتِهَاء ... وَلَا لسمو مَا أرسى قَرَار) (وَلَكِن كل ذَا التهويل فِيهِ ... لذِي الْأَلْبَاب وعظ وازدجار) الوافر وَقَالَ يرثي أَخَاهُ أَحْمد (غَايَة الْحزن وَالسُّرُور انْقِضَاء ... مَا لحى من بعد ميت بَقَاء)

стр. 322

(لَا لبيد باربد مَاتَ حزنا ... وسلت عَن شقيقها الخنساء) (مثل مَا فِي التُّرَاب يبْلى الْفَتى ... فالحزن يبْلى من بعده والبكاء) (غير أَن الْأَمْوَات زَالُوا وأبقوا ... غصصا لَا يسيغه الْأَحْيَاء) (إِنَّمَا نَحن بَين ظفر وناب ... من خطوب أسودهن ضراء) (نتمنى وَفِي المنى قصر الْعُمر ... فنغذو بِمَا نسر نسَاء) (صِحَة الْمَرْء للسقام طَرِيق ... وَطَرِيق الفناء هَذَا الْبَقَاء) (بِالَّذِي نغتذي نموت ونحيا ... أقتل الدَّاء للنفوس الدَّوَاء) (مَا لَقينَا من غدر دنيا فَلَا كَانَت ... وَلَا كَانَ أَخذهَا وَالعطَاء) (رَاجع جودها عَلَيْهَا فمهما ... يهب الصُّبْح يسْتَردّ الْمسَاء) (لَيْت شعري حلما تمر بِنَا الْأَيَّام ... أم لَيْسَ تعقل الْأَشْيَاء) (من فَسَاد يجنيه للْعَالم الْكَوْن ... فَمَا للنفوس مِنْهُ اتقاء) (قبح الله لَذَّة لأذانا ... نالها الْأُمَّهَات والآباء) (نَحن لَوْلَا الْوُجُود لم نألم الْفَقْد ... فإيجادنا علينا بلَاء) (وقليلا مَا تصْحَب المهجة الْجِسْم ... فَفِيمَ الأسى وفيم العناء) (وَلَقَد أيد الْإِلَه عقولا ... حجَّة الْعود عِنْدهَا الأبداء) (غير دَعْوَى قوم على الْمَيِّت شَيْئا ... أنكرته الْجُلُود والأعضاء) (وَإِذا كَانَ فِي العيان خلاف ... كَيفَ بِالْغَيْبِ يستبين الخفاء) (مَا دهانا من يَوْم أَحْمد إِلَّا ... ظلمات وَلَا استبان ضِيَاء) (يَا أخي عَاد بعْدك المَاء سما ... وسموما ذَاك النسيم الرخَاء) (والدموع الغزار عَادَتْ من الأنفاس ... نَارا تثيرها الصعداء) (وَأعد الْحَيَاة عذرا وَإِن كَانَت ... حَيَاة يرضى بهَا الْأَعْدَاء) (أَيْن تِلْكَ الْخلال والخرم أَيْن الْعَزْم ... أَيْن السناء أَيْن الْبَهَاء) (كَيفَ أودى النَّعيم من ذَلِك الظل ... وشيكا وَزَالَ ذَاك الْغناء) (أَيْن مَا كنت تنتضي من لِسَان ... فِي مقَام للمواضي انتضاء) (كَيفَ أَرْجُو شِفَاء مَا بِي وَمَا بِي ... دون سكناي فِي ثراك شِفَاء) (أَيْن ذَاك الرواء والمنطق المونق ... أَيْن الْحيَاء أَيْن الأباء) (أَن محا حسنك التُّرَاب فَمَا للدمع ... يَوْمًا من صحن خدي انمحاء) (أَو تبن لم يبن قديم وداد ... أَو تمت لم يمت عَلَيْك الثَّنَاء)

стр. 323

(شطر نَفسِي دفنت والشطر بَاقٍ ... يتَمَنَّى وَمن مناه الفناء) (إِن تكن قَدمته أبدي المنايا ... فَإلَى السَّابِقين تمْضِي البطاء) (يدْرك الْمَوْت كل حَيّ وَلَو ... أخفته عَنهُ فِي برجها الجوزاء) (لَيْت شعري وللبلى كل ذِي ... الْخلق بِمَاذَا تميز الْأَنْبِيَاء) (موت ذَا الْعَالم الْمفضل بالنطق ... وَذَا السارح البهيم سَوَاء) (لَا غوي لفقده تَبَسم الأَرْض ... وَلَا للتقي تبْكي السَّمَاء) (كم مصابيح أوجه أطفأتها ... تَحت أطباق رمسها الْبَيْدَاء) (كم بدور وَكم شموس وَكم أطواد حلم ... أَمْسَى عَلَيْهَا العفاء) (كم محا غرَّة الْكَوَاكِب صبح ... ثمَّ حطت ضياءها الظلماء) (إِنَّمَا النَّاس قادم أثر مَاض ... بَدْء قوم للآخرين انْتِهَاء) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (وكأنما الْإِنْسَان فِيهِ غَيره ... متكونا وَالْحسن فِيهِ معار) (متصرفا وَله الْقَضَاء مصرف ... ومكلفا وَكَأَنَّهُ مُخْتَار) (طورا تصوبه الحظوظ وَتارَة ... خطأ تحيل صَوَابه الأقدار) (تعمى بصيرته ويبصر بَعْدَمَا ... لَا يسْتَردّ الْفَائِت استبصار) (فتراه يُؤْخَذ قلبه من صَدره ... وَيرد فِيهِ وَقد جرى الْمِقْدَار) (فيظل يضْرب بالملامة نَفسه ... ندما إِذا لعبت بِهِ الأفكار) (لَا يعرف الإفراط فِي إِيرَاده ... حَتَّى يُبينهُ لَهُ الإصدار) الوافر وَقَالَ من أَبْيَات (إِذا أخنى الزَّمَان على كريم ... أعَار صديقه قلب الْعَدو) الوافر وَقَالَ أَيْضا (تلق بِالصبرِ ضيف الْهم ترحله ... إِن الهموم ضيوف أكلهَا المهج) (فالخطب مَا زَاد إِلَّا وَهُوَ منتقص ... وَالْأَمر مَا ضَاقَ إِلَّا وَهُوَ منفرج) (فَروح النَّفس بِالتَّعْلِيلِ ترض بِهِ ... عَسى إِلَى سَاعَة من سَاعَة فرج) الْبَسِيط

стр. 324

وَقَالَ أَيْضا (تسل عَن كل شَيْء بِالْحَيَاةِ فقد ... يهون بعد بَقَاء الْجَوْهَر الْعرض) (يعوض الله مَالا أَنْت متلفه ... وَمَا عَن النَّفس أَن أتلفتها عوض) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (وعَلى قدر عقله فاعتب الْمَرْء ... وحاذر برا يصير عقوقا) (كم صديق بالعتب صَار عدوا ... وعدو بالحلم صَار صديقا) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (ليكفيكم مَا فِيكُم من جوى نلقى ... فمهلا بِنَا مهلا ورفقا بِنَا رفقا) (وَحُرْمَة ودي لَا سلوت هواكم ... وَلَا رمت مِنْهُ لَا فكاكا وَلَا عتقا) (سأزجر قلبا رام فِي الْحبّ سلوة ... وأهجره إِن لم يمت بكم عشقا) (عذبت الْهوى يَا صَاح حَتَّى ألفته ... فأضناه لي أشفى وأفناه لي أبقى) (فَلَا الصَّبْر مَوْجُود وَلَا الشوق بارح ... وَلَا أدمعي تطفي اللهيب وَلَا ترقا) (أَخَاف إِذا مَا اللَّيْل مد سدوله ... على كَبِدِي حرقا وَمن مقلتي غرقا) (أيجمل أَن أجزى عَن الْوَصْل بالجفا ... وينعم طرفِي والفؤاد بكم يشقى) (أحظي هَذَا أم كَذَا كل عاشق ... يضام فَلَا يُعْفَى ويظمى فَلَا يسقى) (سل الدَّهْر عل الدَّهْر يجمع بَيْننَا ... فَلم أر مخلوقا على حَالَة يبْقى) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (إِن تكن تجزع من دمعي ... إِذا فاض فصنه) (أَو تكن أَبْصرت يَوْمًا ... سيدا يعْفُو فكنه) (أَنا لَا أَصْبِر عَمَّن ... لَا يحل الصَّبْر عَنهُ) (كل ذَنْب فِي الْهوى يغْفر ... لي مَا لم أخنه) الرمل

стр. 325

وَقَالَ أَيْضا (ثقلت زجاجات أتتنا فرغا ... حَتَّى إِذا ملئت بِصَرْف الراح) (خفت فَكَادَتْ أَن تطير بِمَا حوت ... وَكَذَا الجسوم تخف بالأرواح) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا القناعة عز والكفاف غنى ... والذل والعار حرص النَّفس والطمع) (صَدقْتُمْ من رِضَاهُ سد جوعته ... إِن لم يصبهُ بِمَاذَا عَنهُ يقتنع) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (احفظ لسَانك لَا تبح بِثَلَاثَة ... سر وَمَال مَا اسْتَطَعْت وَمذهب) (فعلى الثَّلَاثَة تبتلى بِثَلَاثَة ... بمكفر وبحاسد ومكذب) الْكَامِل وَفِي هَذَا الْمَعْنى قد قَالَ بَعضهم نثرا وَفِيه جناس الرجل يخفي ذهبه ومذهبه وذهابه وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا وَقد مَاتَ مَحْبُوب فجعت بِهِ ... وبالصبا وَأَرَادُوا عَنهُ سلواني) (ثَانِيه فِي الْحسن مَوْجُود فَقلت لَهُم ... من أَيْن لي فِي الْهوى الثَّانِي صبا ثَانِي) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (وَفِي الْيَأْس إِحْدَى الراحتين لذِي الْهوى ... على أَن إِحْدَى الراحتين عَذَاب) (أعف وَبِي وجد وأسلو وَبِي جوى ... وَلَو ذاب مني أعظم وأهاب) (وآنف أَن تعتاق همي خريدة ... بلحظ وَأَن يروي صداي رضاب) (فَلَا تنكري عز الْكَرِيم على الْأَذَى ... فحين تجوع الضاربات تهاب) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (بِنَا إِلَى الدَّيْر من درتا صبابات ... فَلَا تلمني فَمَا تغني الملامات) (لَا تبعدن وَإِن طَال الزَّمَان بِهِ ... أَيَّام لَهو عهدناه وليلات)

стр. 326

(فكم قضيت لبانات الشَّبَاب بهَا ... غنما وَكم بقيت عِنْدِي لبانات) (مَا أمكنت دولة الأفراح مقبلة ... فأنعم ولذ فَإِن الْعَيْش تارات) (قبل ارتجاع اللَّيَالِي وَهِي عَارِية ... وَإِنَّمَا لَذَّة الدُّنْيَا أعارات) (قُم فأجل فِي فلك الظلماء شمس ضحى ... بروجها الدَّهْر طاسات وجامات) (لَعَلَّه إِن دَعَا دَاعِي الْحمام بِنَا ... نقضي وأنفسنا منا رويات) (بِمَ التعلل لَوْلَا ذَاك من زمن ... أحياؤه باعتياد الْهم أموات) (دارت تحيي فقابلنا تحيتها ... وَفِي حشاها لفزع المزج روعات) (عذراء أخْفى لنا بدور صورتهَا ... لم يبْق من روحها إِلَّا حشاشات) (مدت سرادق برق من أبارقها ... على مقابلها مِنْهَا بلالات) (فلاح فِي أَذْرع السَّاقَيْن أسورة ... تبرا وَفَوق نحور الشّرْب جامات) (قد وَقع الدَّهْر سطرا فِي صَحِيفَته ... لَا فَارَقت شَارِب الْخمر المسرات) (خُذ مَا تعجل واترك مَا وعدت بِهِ ... فعل اللبيب فللتأخيرآفات) (وللسعادة أَوْقَات ميسرَة ... تُعْطِي السرُور وللأحزان أَوْقَات) الْبَسِيط ابْن بختويه هُوَ أَبُو الْحُسَيْن عبد الله بن عِيسَى بن بختويه كَانَ طَبِيبا وخطيبا من أهل وَاسِط لَدَيْهِ معرفَة وَكَلَامه فِي صناعَة الطِّبّ كَلَام مطلع على تصانيف القدماء وَله نظر فِيهَا ودراية لَهَا وَكَانَ وَالِده أَيْضا طَبِيبا وَلأبي الْحُسَيْن بن بختويه من الْكتب كتاب الْمُقدمَات وَيعرف أَيْضا بكنز الْأَطِبَّاء أَلفه لوَلَده فِي سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة كتاب الزّهْد فِي الطِّبّ كتاب الْقَصْد إِلَى معرفَة الفصد أَبُو الْعَلَاء صاعد بن الْحسن من الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ والمتميزين من أَهلهَا وَكَانَ ذكيا بليغا ومقامه بِمَدِينَة الرحبة وَله من الْكتب كتاب التشويق الطبي صنفه بِمَدِينَة الرحبة فِي رَجَب سنة أَربع وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة

стр. 327

زاهد الْعلمَاء هُوَ أَبُو سعيد مَنْصُور بن عِيسَى وَكَانَ نَصْرَانِيّا نسطوريا وَأَخُوهُ مطران نَصِيبين الْمَشْهُور بِالْفَضْلِ وخدم زاهد الْعلمَاء بصناعة الطِّبّ نصير الدولة بن مَرْوَان الَّذِي ألف لَهُ ابْن بطلَان دَعْوَة الْأَطِبَّاء وَكَانَ نصير الدولة مُحْتَرما لزاهد الْعلمَاء مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فِي صناعته محسنا إِلَيْهِ وزاهد الْعلمَاء هُوَ الَّذِي بنى بيمارستان ميافارقين وحَدثني الشَّيْخ سديد الدّين بن رقيقَة الطَّبِيب إِن سَبَب بِنَاء بيمارستان ميافارقين هُوَ أَن نصير الدولة بن مَرْوَان لما كَانَ بهَا مَرضت ابْنة لَهُ وَكَانَ يرى لَهَا كثيرا فآلى على نَفسه أَنَّهَا مَتى بَرِئت أَن يتَصَدَّق بوزنها دَرَاهِم فَلَمَّا عالجها زاهد الْعلمَاء وصلحت أَشَارَ على نصير الدولة أَن يَجْعَل جملَة هَذِه الدَّرَاهِم الَّتِي يتَصَدَّق بهَا تكون فِي بِنَاء بيمارستان ينْتَفع النَّاس بِهِ وَيكون لَهُ بذلك أجر عَظِيم وَسُمْعَة حَسَنَة قَالَ فَأمره بِبِنَاء البيمارستان وَأنْفق عَلَيْهِ أَمْوَالًا كَثِيرَة وقف لَهُ أملاكا تقوم بكفايته وَجعل فِيهَا من الْآلَات وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ شَيْئا كثيرا جدا فجَاء لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الْجَوْدَة ولزاهد الْعلمَاء من الْكتب كتاب البيمارستانات كتاب فِي الْفُصُول والمسائل والجوابات وَهِي جزآن الأول يتَضَمَّن مَا أثْبته الْحسن بن سهل مِمَّا وجده فِي خزانته رقاع وكراريس وأدراج وَغير ذَلِك من الْمسَائِل والجوابات والجزء الثَّانِي على جِهَة الْفُصُول والمسائل وجوابات أجَاب عَنْهَا فِي مجْلِس الْعلم الْمُقَرّر فِي البيمارستان الفارقي كتاب فِي المنامات والرؤيا كتاب فِيمَا يجب على المتعلمين لصناعة الطِّبّ تَقْدِيم علمه كتاب فِي أمراض الْعين ومداواتها المقبلي هُوَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن يُوسُف المقبلي فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ من المتميزين فِيهَا والأعيان من أَرْبَابهَا وللمقبلي من الْكتب مقَالَة فِي الشَّرَاب تَلْخِيص كتاب الْمسَائِل لحنين بن إِسْحَق النيلي هُوَ أَبُو سهل سعيد بن عبد الْعَزِيز النيلي مَشْهُور بِالْفَضْلِ عَالم بصناعة الطِّبّ جيد التصنيف متفنن فِي الْعُلُوم الأدبية بارع فِي النّظم والنثر وَمن شعره (يَا مفدى العذار والخد وَالْقد بنفسي ... وَمَا أَرَاهَا كثيرا)

стр. 328

(ومعيري من سقم عَيْنَيْهِ سقما ... دمت مضنى بِهِ ودمت معيرا) (اسْقِنِي الراح تشف لوعة قلب ... بَات مذ بنت للهموم سميرا) (هِيَ فِي الكاس خمرة فَإِذا مَا ... أفرغت فِي الحشا استخالت سُرُورًا) الْخَفِيف وللنيلي من الْكتب اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين تَلْخِيص شرح جالينوس لكتاب الْفُصُول مَعَ نكت من شرح الرَّازِيّ إِسْحَاق بن عَليّ الرهاوي كَانَ طَبِيبا متميزا عَالما بِكَلَام جالينوس وَله أَعمال جَيِّدَة فِي صناعَة الطِّبّ ولإسحاق بن عَليّ الرهاوي من الْكتب كتاب أدب الطَّبِيب كناش جمعه من عشر مقالات لِجَالِينُوسَ الْمَعْرُوفَة بالميامر فِي تركيب الْأَدْوِيَة بِحَسب أمراض الْأَعْضَاء من الرَّأْس إِلَى الْقدَم جَوَامِع جمعهَا من أَرْبَعَة كتب جالينوس الَّتِي رتبها الإسكندرانيون فِي أَوَائِل كتبه وَهِي كتاب الْفرق وَكتاب الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة وَكتاب النبض الصَّغِير وَكتابه إِلَى أغلوتن وَجعل هَذِه الْجَوَامِع على طَرِيق الْفُصُول وأوائل فصولها أَعلَى حُرُوف المعجم سعيد بن هبة الله هُوَ أَبُو الْحسن سعيد بن هبة الله بن الْحُسَيْن من الْأَطِبَّاء المتميزين فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ أَيْضا فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة مشتهرا بهَا وَكَانَ فِي أَيَّام الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله وخدمه بصناعة الطِّبّ وخدم أَيْضا وَلَده المستظهر بِاللَّه وَقَالَ أَبُو الْخطاب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي طَالب فِي كتاب الشَّامِل فِي الطِّبّ أَن الطِّبّ انْتهى فِي عصرنا إِلَى أبي الْحسن سعيد بن هبة الله بن الْحُسَيْن وَولد فِي لَيْلَة السبت الثَّالِث وَالْعِشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَقَرَأَ على أبي الْعَلَاء بن التلميذ وعَلى أبي الْفضل كتيفات وعَلى عَبْدَانِ الْكَاتِب وَألف كتبا كَثِيرَة طبية ومنطقية وفلسفية وَغير ذَلِك وَمَات لَيْلَة الْأَحَد سادس شهر ربيع الأول سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وعاش سِتا وَخمسين سنة وَخلف من التلاميذ جمَاعَة موجودين وحَدثني الْحَكِيم رشيد الدّين أَبُو سعيد بن يَعْقُوب النَّصْرَانِي أَن أَبَا الْحسن سعيد بن هبة الله كَانَ يتَوَلَّى مداواة المرضى فِي البيمارستان العضدي وَأَنه كَانَ يَوْمًا فِي البيمارستان وَقد أَتَى إِلَى قاعة الممرورين

стр. 329

لتفقد أَحْوَالهم ومعالجتهم وَإِذا بِامْرَأَة قد أَتَت إِلَيْهِ واستفتته فِيمَا تعالج بِهِ ولدا لَهَا فَقَالَ يَنْبَغِي أَن تلازميه بتناول الْأَشْيَاء المبردة المرطبة فهزأ بِهِ بعض من كَانَ مُقيما فِي تِلْكَ القاعة من الممرورين وَقَالَ هَذِه صفة يصلح أَن تَقُولهَا لأحد تلامذتك مِمَّن يكون قد اشْتغل بالطب وَعرف أَشْيَاء من قوانينه وَأما هَذِه الْمَرْأَة فَأَي شَيْء تَدْرِي مَا هُوَ من الْأَشْيَاء المبردة المرطبة وَإِنَّمَا سَبيله أَن تصف لَهَا شَيْئا معينا تعتمد عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ بعد ذَلِك وَلَا ألومك فِي قَوْلك هَذَا فَإنَّك قد فعلت مَا هُوَ أعجب مِنْهُ فَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَقَالَ صنفت كتابا مُخْتَصرا وسميته الْمُغنِي فِي الطِّبّ ثمَّ إِنَّك صنفت كتابا آخر فِي الطِّبّ بسيطا يكون على قدر أَضْعَاف كَثِيرَة من ذَلِك الْكتاب الأول وسمتيه الْإِقْنَاع وَكَانَ الْوَاجِب أَن يكون الْأَمر على خلاف مَا فعلته من التَّسْمِيَة فاعترف بذلك لمن حَضَره وَقَالَ وَالله لَو أمكنني تَبْدِيل اسْم كل وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ لفَعَلت وَإِنَّمَا قد تناقل النَّاس الْكِتَابَيْنِ وَعرف كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَا سميته بِهِ أَقُول وَكَانَ أَبُو الْحسن سعيد بن هبة الله مَوْجُودا فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة لِأَنِّي وجدت خطه فِي ذَلِك التَّارِيخ على كِتَابه التَّلْخِيص النظامي وَقد قَرَأَهُ عَلَيْهِ أَبُو البركات ولسعيد بن هبة الله من الْكتب كتاب الْمُغنِي فِي الطِّبّ صنفه للمقتدي بِأَمْر الله مقَالَة فِي صِفَات تراكيب الْأَدْوِيَة الْمحَال عَلَيْهَا فِي كتاب الْمُغنِي كتاب الْإِقْنَاع كتاب التخليص النظامي كتاب خلق الْإِنْسَان كتاب فِي اليرقان مقَالَة فِي ذكر الْحُدُود والفروق مقَالَة فِي تَحْدِيد مبادئ الْأَقَاوِيل الملفوظ بهَا وتعديدها جوابات عَن مسَائِل طبية سُئِلَ عَنْهَا ابْن جزلة هُوَ يحيى بن عِيسَى بن عَليّ بن جزلة وَكَانَ فِي أَيَّام الْمُقْتَدِي بِأَمْر الله وَقد جعل باسمه كثيرا من الْكتب الَّتِي صنفها وَكَانَ من الْمَشْهُورين فِي علم الطِّبّ وَعَمله وَهُوَ تلميذ أبي الْحسن سعيد بن هبة الله وَلابْن جزلة أَيْضا نظر فِي علم الْأَدَب وَكَانَ يكْتب خطا جيدا مَنْسُوبا وَقد رَأَيْت بِخَطِّهِ عدَّة كتب من تصانيفه وَغَيرهَا تدل على فَضله وتعرب عَن مَعْرفَته وَكَانَ نَصْرَانِيّا ثمَّ أسلم وَألف رِسَالَة فِي الرَّد على النَّصَارَى وَكتب بهَا إِلَى إليا القس وَلابْن جزلة من الْكتب كتاب تَقْوِيم الْأَبدَان وصنفه للمقتدي بِأَمْر الله كتاب منهاج الْبَيَان فِي مَا يَسْتَعْمِلهُ الْإِنْسَان وصنفه أَيْضا للمقتدي بِأَمْر الله كتاب الْإِشَارَة فِي تَلْخِيص الْعبارَة وَمَا يسْتَعْمل من القوانين الطبية فِي تَدْبِير الصِّحَّة وَحفظ الْبدن لخصه من كتاب تَقْوِيم الْأَبدَان رِسَالَة فِي مدح الطِّبّ وموافقته الشَّرْع وَالرَّدّ على من طعن عَلَيْهِ رِسَالَة كتب بهَا لما أسلم إِلَى إليا القس وَذَلِكَ فِي سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة أَبُو الْخطاب هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي طَالب مقَامه بِبَغْدَاد وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على أبي الْحسن سعيد بن هبة

стр. 330

الله وَكَانَ متميزا فِي الطِّبّ وَعَمله وَرَأَيْت خطه على كتاب من تصنيفه قد قرئَ عَلَيْهِ وَهُوَ كثير اللّحن يدل على أَنه لم يشْتَغل بِشَيْء من الْعَرَبيَّة وَكَانَ تَارِيخه لذَلِك فِي تَاسِع شهر رَمَضَان سنة خَمْسمِائَة وَلأبي الْخطاب من الْكتب كتاب الشَّامِل فِي الطِّبّ جعله على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب فِي الْعلم وَالْعَمَل وَهُوَ يشْتَمل على ثَلَاث وَسِتِّينَ مقَالَة ابْن الوَاسِطِيّ كَانَ طَبِيبا للمستظهر بِاللَّه وَكَانَ عِنْده رفيع الْمنزلَة فاتفق أَن أَبَا سعيد بن المعوج تولى صَاحب ديوَان وَاسْتقر عَلَيْهِ قَرْيَة مبلغها ثَلَاثَة آلَاف دِينَار فوزن مِنْهَا ألفي دِينَار وَبَقِي عَلَيْهِ ألف دِينَار فَسَأَلَ أنظاره بهَا سنة إِلَى أَن يصل المستغل فَلَمَّا حل الْمبلغ نكبت الْغلَّة وَالثَّمَرَة وَلم يحصل لَهُ من ملكه مَا يصرفهُ فِي ذَلِك وَكَانَ حَاجِبه وخاصته مظفر بن الدواتي فَأَشَارَ إِلَيْهِ بالمضي إِلَى ابْن الوَاسِطِيّ الطَّبِيب ويقصده فِي دَاره ويسأله أَن يُخَاطب الْخَلِيفَة المستظهر بِاللَّه فِي إنظاره إِلَى سنة أُخْرَى إِلَى أَن تدخل الْغلَّة فَلَمَّا نَهَضَ من الدِّيوَان أَشَارَ إِلَى أَصْحَابه بِالْعودِ وَأَنه يُريدَان يمْضِي إِلَى دَاره فَلَمَّا عَادوا مضى هُوَ والحاجب مظفر بن الدواتي فَحَيْثُ وصل اسْتَأْذن عَلَيْهِ فَخرج وَقبل يَده وَقَالَ الله الله يَا مَوْلَانَا وَمن ابْن الوَاسِطِيّ حَتَّى يَجِيء مَوْلَانَا إِلَى دَاره فَلَمَّا دخل جلس بَين يَدَيْهِ فَأَشَارَ ابْن المعوج إِلَى الْحَاجِب مظفر وَقَالَ لَهُ تصرف الْجَمَاعَة للخلوة وتعود أَنْت بمفردك فَلَمَّا صَارُوا بالدهليز قَالَ لَهُ تصون الْبَاب فَفعل فَلَمَّا عَاد قَالَ لَهُ أَتَقول للحكيم فيماذا أَتَيْنَا فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب أَن مَوْلَانَا جَاءَ إِلَيْك يعرفك أَنه كَانَ قد اسْتَقر عَلَيْهِ قربَة مبلغها ثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَأَنه صَحَّ مِنْهَا ألفا دِينَار وتخلف عَلَيْهِ ألف دِينَار وَكَانَ سَأَلَ الْخَلِيفَة انظاره إِلَى أَوَان الْغلَّة فَلم يتَحَصَّل لَهُ من ملكه فِي هَذِه السّنة شَيْء وَقد أنفذ الدِّيوَان وضايق على ذَلِك وَقد رهن كتب دَاره على خَمْسمِائَة دِينَار وَهُوَ يَسْأَلك أَن تسْأَل الْخَلِيفَة أَن يُؤَخر إِلَى سنة أُخْرَى بِالْبَاقِي إِلَى حِين أَوَان الْغلَّة فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة أخدم وأبالغ وَأَقُول مَا يتَعَيَّن فَنَهَضَ من عِنْده فَلَمَّا كَانَ من الْغَد عَنهُ نهوضه من الدِّيوَان صرف الْحَاشِيَة على الْعَادة وَقَالَ يَا مظفر نمضي إِلَيْهِ فَإِن كَانَ قد خَاطب الْخَلِيفَة سمعنَا الْجَواب وَإِن لم يكن خاطبه فَيكون على سَبِيل الإذكار فَمضى إِلَيْهِ وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأذن لَهُ وَخرج إِلَى الْبَاب وَقبل يَده مثل ذَلِك ودعا لَهُ فَلَمَّا دخل وَجلسَ أخرج لَهُ خطّ الْخَلِيفَة بوصول الْخَمْسمِائَةِ دِينَار وَقَالَ لَهُ هَذِه كتب الدَّار الَّتِي رَهنهَا مَوْلَانَا يقبلهَا من الْخَادِم وَكَانَ قد استفكها من مَاله فشكره وَقبض الْكتب والخط وَانْصَرف فَلَمَّا جَاوز الدهليز صَاح بالحاجب مظفر واخرج لَهُ منشفة فِيهَا جُبَّة خارا وبقيار قصب وقميص

стр. 331

تحتاني أنطاكي ولباس دمياطي وَفِيه تكة إبريسم وصرة فِيهَا خَمْسُونَ دِينَارا وَقَالَ لَهُ أُرِيد من أنعام مَوْلَانَا يلبس هَذِه الثِّيَاب وأراها عَلَيْهِ وَهَذِه الْخَمْسُونَ دِينَارا برسم الْحمام وَأعْطى الْحَاجِب جُبَّة عتابي وَعشْرين دِينَارا وَأعْطى الدواتي جُبَّة عتابي وَخَمْسَة دَنَانِير وَأعْطى الركابي دينارين وَقَالَ اسْأَل مَوْلَانَا أَن يشرف الْخَادِم بِقبُول ذَلِك فَمضى الْحَاجِب بِالْجَمِيعِ إِلَى ابْن المعوج وَشرح لَهُ الْحَال فَقبله مِنْهُ أَبُو طَاهِر بن البرخشي هُوَ موفق الدّين أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْعَبَّاس يعرف بِابْن البرخشي من أهل وَاسِط فَاضل فِي الصِّنَاعَة الطبية كَامِل فِي الْفُنُون الأدبية وَقد رَأَيْت من خطه مَا يدل على رزانة عقله وغزارة فَضله وَكَانَ فِي أَيَّام المسترشد بِاللَّه حَدثنِي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ قَالَ حَدثنِي أَحْمد بن بدر الوَاسِطِيّ قَالَ كَانَ الْحَكِيم أَبُو طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد البرخشي بواسط يعالج مَرِيضا بِهِ أحد أَنْوَاع الاسْتِسْقَاء فطال بِهِ الْمَرَض وَلم ينجع فِيهِ علاج وَعبر حد الحمية فسهل لَهُ فِي اسْتِعْمَال مهما طلبته النَّفس ومالت إِلَيْهِ الطبيعة من المآكل والأغذية فَأطلق الْمَرِيض يَده ثمَّ أكل مَا تهَيَّأ لَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام اجتاز بِهِ إِنْسَان يَبِيع الْجَرَاد المسلوق فِي المَاء وَالْملح فمالت إِلَيْهِ نفس الْمَرِيض فَطَلَبه ثمَّ اشْترى مِنْهُ وَأكل فَعرض لَهُ من ذَلِك إسهال مفرط وَانْقطع الْحَكِيم عَنهُ لما رأى بِهِ من الإفراط فِي الإسهال ثمَّ أَفَاق مِنْهُ بعد أَيَّام وَأخذ المزاج فِي الصّلاح وابتدأ بِهِ الْبُرْء وتدرجت حَاله إِلَى كَمَال الصِّحَّة والحكيم قد أيس من صَلَاحه فَلَمَّا علم الْحَال أَتَاهُ وَسَأَلَهُ عَمَّا اسْتعْمل ومم وجد الْخُف فَقَالَ لَا أعرف إِلَّا أنني مُنْذُ أكلت الْجَرَاد المسلوق شرعت فِي الْعَافِيَة ففكر الْحَكِيم فِي ذَلِك طَويلا ثمَّ قَالَ لَيْسَ هَذَا من فعل الْجَرَاد وَلَا من خاصته وَسَأَلَ الْمَرِيض عَن بَائِع الْجَرَاد فَقَالَ لَا أعلم بمكانه وَلَكِنِّي إِن رَأَيْته عَرفته فشرع الْحَكِيم فِي الْبَحْث وَالسُّؤَال عَن كل من يَبِيع الْجَرَاد وَهُوَ يحضرهُ إِلَى الْمَرِيض وَاحِدًا بعد وَاحِد إِلَّا أَن عرف صَاحبه الَّذِي اشْترى مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْحَكِيم أتعرف الْموضع الَّذِي صدت مِنْهُ الْجَرَاد الَّذِي أكل مِنْهُ هَذَا الْمَرِيض قَالَ نعم قَالَ امْضِ بِنَا إِلَيْهِ فمضيا جَمِيعًا إِلَى الْمَكَان وَإِذا هُنَاكَ حشيشة يرعاها الْجَرَاد فَأخذ الْحَكِيم من تِلْكَ الحشيشة ثمَّ كَانَ يداوي بهَا من الاسْتِسْقَاء وَأَبْرَأ بهَا جمَاعَة من هَذَا الْمَرَض وَذَلِكَ مَعْرُوف مَشْهُور بواسط أَقُول وَهَذِه هِيَ حِكَايَة قديمَة قد جرى ذكرهَا وَإِن تِلْكَ الحشيشة الَّتِي كَانَ الْجَرَاد يرعاها هِيَ

стр. 332

المازريون وَقد ذكرهَا أَيْضا القَاضِي التنوخي فِي كتاب الْفرج بعد الشدَّة وَكَانَ أَبُو طَاهِر بن البرخشي حَيا بواسط فِي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ عِنْده أدب بارع وَمَعْرِفَة فِي النّظم والنثر وَمن شعره قَالَ فِي غُلَام ناول خلالا (وناولني من كَفه مثل خصره ... وَمثل محب ذاب من طول هجره) (وَقَالَ خلالي قلت كل حميدة ... سوى قتل صب حَار فِيك بأسره) الطَّوِيل وَقَالَ فِي إِنْسَان سوء حج من بعض قرى وَاسِط (لما حججْت استبشرت وَاسِط ... وقولياثا وفتى مرشد) (وانتقل الويل إِلَى مَكَّة ... وركنها وَالْحجر الْأسود) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا وَقد رأى إنْسَانا يكْتب كتابا إِلَى صديق لَهُ فَكتب فِي صَدره الْعَالم (لما انمحت سنَن المكارم والعلى ... وَغدا الْأَنَام بِوَجْه جهل قاتم) (وَرَضوا بأسماء وَلَا معنى لَهَا ... مثل الصّديق تكاتبوا بالعالم) الْكَامِل وَكتب إِلَيْهِ نجم الدّين أَبُو الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَليّ بن الْمعلم الهرثي الشَّاعِر الوَاسِطِيّ وَقد أبل من مرض وألزمه الحمية وَمنعه الْغذَاء (صبحت فخرا بالمنى واغتدى ... قدرك فَوق النَّجْم مَرْفُوعا) (يَا منقذي من حلقات الردى ... حاشاك أَن تقتلني جوعا) السَّرِيع فَكتب ابْن البرخشي إِلَيْهِ الْجَواب (تبِعت مرسومك يَا ذَا العلى ... لَا زَالَ مرسومك متبوعا) (لَكِن إشفاقي على من بِهِ ... أَمْسَى غَرِيب القَوْل مسموعا) (أوجب تَأْخِيرا الغذا يَوْمنَا ... وَفِي غَد نستدرك الجوعا) (أَصْبِر فَمَا أقصرها مُدَّة ... وَإِن تلكأت فاسبوعا) فَأَجَابَهُ هُوَ (يَا عَالما ايْنَ ثوى ر حلّه ... أجْرى من الْعلم ينابيعا) (لم عنْدك الْأَعْمَار مَوْصُولَة ... يضحى ويمسي الرزق مَقْطُوعًا)

стр. 333

(وَالله إِن بت وَلم يجدني ... شعري يَا ذَا الْفضل منفوعا) (ليخلعن الْجُوع مني الحيا ... وأوسعن الْعلم تقطيعا) ابْن صَفِيَّة هُوَ أَبُو غَالب بن صَفِيَّة وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَقَالَ بعض الْعِرَاقِيّين أَن أَبَا المظفر يُوسُف المستنجد بِاللَّه كَانَ خَليفَة صَارِمًا متيقظا فتاكا وَكَانَ وزيره أَبُو المظفر يحيى بن هُبَيْرَة ثمَّ توفّي فاستوزر شرف الدّين بن الْبَلَدِي وَكَانَ يجْرِي مجْرَاه وَكَانَ فِي الدولة أُمَرَاء أكَابِر كَانَ مُتَقَدم الْجَمَاعَة قطب الدّين قايماز وَكَانَ أَصله أرمنيا وَقد عظم شَأْنه وَعلا مَكَانَهُ وَاسْتولى على الْبِلَاد وتحكم فِي الدولة وَلم يبْق لَهُ ضد وَلَا مناو وَعمد إِلَى أكَابِر أُمَرَاء الدولة فزوجهم ببناته وَكَانَ بَينه وَبَين الْوَزير مماراة ثمَّ إِن الْخَلِيفَة مرض وَكَانَ طبيبه ابْن صَفِيَّة أَبُو غَالب النَّصْرَانِي وَكَانَ الْوَزير ابْن الْبَلَدِي يحذر الْخَلِيفَة ويخوفه من استطالة قطب الدّين وَمن يجْرِي مَعَه من الْأُمَرَاء فَاطلع الطَّبِيب على بعض الْأَحْوَال وَأَرَادَ التَّقَرُّب عِنْد الْأَمِير قطب الدّين فَنقل إِلَيْهِ الحَدِيث وَاسْتمرّ الْحَال على ذَلِك فَلَمَّا مرض الْخَلِيفَة عزم فِي الْقَبْض على قطب الدّين وجماعته واطلع ابْن صَفِيَّة على ذَلِك فَمضى على قطب الدّين وعرفه الْحَال وَقَالَ لَهُ قد جرى من الْوَزير كَذَا وَكَذَا فتغد بِهِ قبل أَن يتعشى بك فَأخذ قطب الدّين يعْمل فكرته ورأيه فِي التَّدْبِير فِي مكايد الْوَزير وَثقل الْخَلِيفَة فِي الْمَرَض واشتغل عَمَّا كَانَ قد دبره مَعَ الْوَزير فِي الْقَبْض على الْأُمَرَاء فأجمع قطب الدّين رَأْيه على قتل الْخَلِيفَة ثمَّ يتفرغ لهلاك الْوَزير فأسفر رَأْيه على أَنه قرر مَعَ ابْن صَفِيَّة الطَّبِيب أَن يصف للخليفة الْحمام فَدخل الْحَكِيم إِلَى الْخَلِيفَة وَأَشَارَ بالحمام والخليفة يعلم من نَفسه الضعْف فَأبى ذَلِك فَدخل قطب الدّين وَبَعض الْجَمَاعَة وَقَالَ يَا مَوْلَانَا الْحَكِيم قد أَشَارَ بالحمام فَقَالَ قد رَأينَا أَن نؤخره فغلبوا على رَأْيه وأدخلوه الْحمام وَقد كَانَ أوقد عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن وردوا عَلَيْهِ بَاب الْحمام سَاعَة فَمَاتَ وأظهروا الْحزن الْعَظِيم وَأتوا إِلَى وَلَده أبي مُحَمَّد الْحسن فاستخلفوه على مَا أَرَادوا وَبَايَعُوهُ ولقب بالمستضيء بِأَمْر الله وَأقَام مُدَّة وَفِي نَفسه شَيْء مِمَّا فعلوا وَكَانَ قد استوزر عضد الدّين أَبَا الْفرج ابْن رَئِيس الرؤساء وَكَانَ ابْن صَفِيَّة الطَّبِيب على حَاله ملازم الْخدمَة فشرع الْخَلِيفَة فِي الاستبداد بالأمور مَعَ وزيره وَكَانَ قطب الدّين قايماز وَابْن صَفِيَّة مهما اطلع عَلَيْهِ من الْأَحْوَال نَقله إِلَى قطب الدّين وَهُوَ مُتَرَدّد

стр. 334

إِلَى الدَّار وَلَا يمْنَع لكَونه طَبِيب الْخدمَة فَاسْتَحْضرهُ الْخَلِيفَة لَيْلًا وَقَالَ لَهُ يَا حَكِيم عِنْدِي من أكره رُؤْيَته وَأُرِيد إبعاده بِوَجْه لطيف غير شَفِيع فَقَالَ لَهُ نرتب لَهُ شربة قَوِيَّة بَالِغَة يشْربهَا وَقد حصل الْخَلَاص مِنْهُ كَمَا تُؤثر فَمضى وَركب شربة كَمَا وصف وأحضرها لَيْلًا وَدخل بهَا إِلَى عِنْد الْخَلِيفَة فَفَتحهَا وَنظر إِلَيْهَا وَقَالَ يَا حَكِيم استف هَذِه الشربة حَتَّى نجرب فعلهَا فتلوى من ذَلِك وَقَالَ الله الله يَا مَوْلَانَا فِي فَقَالَ لَهُ الطَّبِيب مَتى تعدى حَده وَتجَاوز طوره وَقع فِي مثل هَذَا وَلَيْسَ لَك من هَذَا خلاص إِلَّا السَّيْف فاستف الْحَكِيم الشربة الَّتِي ركبهَا وفر من الْهَلَاك إِلَى الْهَلَاك ثمَّ خرج من دَار الْخَلِيفَة وَكتب إِلَى الْأَمِير قطب الدّين يشعره بِالْحَال وَيَقُول لَهُ والانتقال من أَمْرِي إِلَى أَمركُم ثمَّ هلك وَأما قطب الدّين فعزم أَن يُوقع بالخليفة فَرد الله سُبْحَانَهُ كَيده إِلَيْهِ ونهبت أَمْوَاله وهرب من بَغْدَاد بِنَفسِهِ وَمضى إِلَى الشَّام إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فَلم يقبله وَعَاد على طَرِيق الْبَريَّة إِلَى الْموصل فَمَرض فِي الطَّرِيق ثمَّ دخل الْموصل فَمَاتَ بهَا أَقُول وضد هَذِه الْحِكَايَة مَا حَدثنِي بِهِ شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ عَن بعض الْمَشَايِخ بِبَغْدَاد قَالَ كَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَحْمُود خوارزمشاه قد حضر بَغْدَاد فِي سنة وَخَمْسمِائة فَمَرض وَهُوَ بعسكره ظَاهر الْبَلَد وَمرض الْخَلِيفَة المقتفي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن المستظهر بِبَغْدَاد فانفذ السُّلْطَان يلْتَمس الرئيس أَمِين الدولة بن التلميذ فَاخْرُج إِلَى ظَاهر الْمَدِينَة فَكَانَ يداويه بِظَاهِر بَغْدَاد ويداوي الْخَلِيفَة بِبَغْدَاد فَقَالَ لَهُ وَزِير السُّلْطَان أَيهَا الرئيس إِنَّنِي قد كنت عِنْد السُّلْطَان وَذكرت لَهُ من فضلك وأدبك ورآستك وَقد أَمر لَك بِعشْرَة آلَاف دِينَار فَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا قد أَمر لي من بَغْدَاد بأثني عشر ألف دِينَار أفيأذن لي فِي قبُولهَا السُّلْطَان يَا مَوْلَانَا أَنا رجل طَبِيب لَا أتجاوز وظائف الْأَطِبَّاء وَمَا يلْزمهُم وَلَا أعرف إِلَّا مَاء الشّعير والنقوع وشراب البنفسج والنيلوفر وَمَتى أخرجت عَن هَذَا لَا أعرف شَيْئا وَكَانَ الْوَزير قد عرض لَهُ فِي حَدِيثه بِمَا مَعْنَاهُ أَنه يدبر فِي إِتْلَاف الْخَلِيفَة وَقدر الله سُبْحَانَهُ برْء الْخَلِيفَة وَالسُّلْطَان وَوَقع الصُّلْح بَينهمَا على مَا اقترحه الْخَلِيفَة وَهَذَا كَانَ من عقل الرئيس أَمِين الدولة وَدينه وأمانته فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول لَا يَنْبَغِي للطبيب أَن يداخل الْمُلُوك فِي أسرارهم وَلَا يتَجَاوَز كَمَا

стр. 335

تقدم ذكره مَاء الشّعير والنقوع وَالشرَاب فَمَتَى جَاوز هَذَا تلف وَكَانَ سَبَب هَلَاكه وَكَانَ ينشد (وَإِذا أنبت الْمُهَيْمِن للنمل ... جنَاحا أطارها للتردي) (وَلكُل امْرِئ من النَّاس حد ... وهلاك الْفَتى جَوَاز الْحَد) الْخَفِيف أَمِين الدولة بن التلميذ هُوَ الْأَجَل موفق الْملك أَمِين الدولة أَبُو الْحسن هبة الله بن أبي الْعَلَاء صاعد بن إِبْرَاهِيم بن التلميذ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي مُبَاشرَة أَعمالهَا وَيدل على ذَلِك مَا هُوَ مَشْهُور من تصانيفه وحواشيه على الْكتب الطبية وَكَثْرَة من رَأَيْنَاهُ مِمَّن قد شَاهده وَكَانَ ساعور البيمارستان العضدي بِبَغْدَاد إِلَى حِين وَفَاته وَكَانَ فِي أول أمره قد سَافر إِلَى بِلَاد الْعَجم وَبَقِي بهَا وَهُوَ فِي الْخدمَة سنينا كَثِيرَة وَكَانَ جيد الْكِتَابَة يكْتب خطا مَنْسُوبا وَقد رَأَيْت كثيرا من خطه وَهُوَ فِي نِهَايَة الْحسن وَالصِّحَّة وَكَانَ خَبِيرا بِاللِّسَانِ السرياني والفارسي متبحرا فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة وَله شعر مستطرف حسن الْمعَانِي إِلَّا أَن أَكثر مَا يُوجد لَهُ البيتان أَو الثَّلَاثَة وَأما القصائد فَلم أجد لَهُ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيل وَكَانَ أَيْضا يترسل وَله ترسل كثير جيد وَقد رَأَيْت لَهُ من ذَلِك مجلدا ضخما كُله يحتوي على إنْشَاء ومراسلات وَأكْثر أَهله كتاب وَكَانَ وَالِد أَمِين الدولة وَهُوَ أَبُو الْعَلَاء صاعد طَبِيبا فَاضلا مَشْهُورا وَكَانَ أَمِين الدولة وأوحد الزَّمَان أَبُو البركات فِي خدمَة المستضيء بِأَمْر الله وَكَانَ أَبُو البركات أفضل من ابْن التلميذ فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَله فِيهَا كتب جليلة وَلَو لم يكن لَهُ إِلَّا كِتَابه الْمَعْرُوف بالمعتبر لكفى فَأَما ابْن التلميذ فَكَانَ أَكثر تبصره بصناعة الطِّبّ واشتهر بهَا وَكَانَ بَينهمَا شنآن وعداوة إِلَّا أَن ابْن التلميذ كَانَ أوفر عقلا وأخير طباعا من أبي البركات وَمن ذَلِك أَن أوحد الزَّمَان كَانَ قد كتب رقْعَة يذكر فِيهَا عَن ابْن التلميذ أَشْيَاء يبعد جدا أَن تصدر عَن مثله ووهب لبَعض الخدم شَيْئا واستسره أَن يرميها فِي بعض الطّرق الْخَلِيفَة من حَيْثُ لَا يعلم بذلك أحد وَهَذَا مِمَّا يدل على شَرّ عَظِيم وَأَن الْخَلِيفَة لما وجد تِلْكَ الرقعة صَعب عَلَيْهِ جدا فِي أول أمره وهم أَن يُوقع بأمين الدولة ثمَّ أَنه بعد ذَلِك رَجَعَ إِلَى رَأْيه وأشير عَلَيْهِ أَن يبْحَث ويستأصل عَن ذَلِك وَأَن يسْتَقرّ من الخدم من يتهمه بِهَذَا الْفِعْل وَلما فعل ذَلِك انْكَشَفَ لَهُ أَن أوحد الزَّمَان كتبهَا للوقيعة بِابْن التلميذ فحنق عَلَيْهِ حنقا عَظِيما ووهب دَمه وَجَمِيع مَاله وَكتبه لأمين الدولة بن التلميذ ثمَّ إِن أَمِين الدولة كَانَ عِنْده من كرم الطباع وَكَثْرَة الْخَيْرِيَّة أَنه لم يتَعَرَّض لَهُ بِشَيْء وَبعد أوحد الزَّمَان بذلك عَن الْخَلِيفَة وانحطت مَنْزِلَته وَمن مطبوع مَا لأمين الدولة فِيهِ قَوْله (لنا صديق يَهُودِيّ حماقته ... إِذا تكلم تبدو فِيهِ من فِيهِ)

стр. 336

(يتيه وَالْكَلب أَعلَى مِنْهُ منزلَة ... كَأَنَّهُ بعد لم يخرج من التيه) الْبَسِيط ولبعضهم فِي أَمِين الدولة وأوحد الزَّمَان (أَبُو الْحسن الطَّبِيب ومقتفيه ... أَبُو البركات فِي طرفِي نقيض) (فَهَذَا بالتواضع فِي الثريا ... وَهَذَا بالتكبر فِي الحضيض) الوافر ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ فِيمَا حَكَاهُ عَن الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ قَالَ كَانَ أَمِين الدولة حسن الْعشْرَة كريم الْأَخْلَاق عِنْده سخاء ومروءة وأعمال فِي الطِّبّ مَشْهُورَة وحدوس صائبة مِنْهَا أَنه أحضرت إِلَيْهِ امْرَأَة مَحْمُولَة لَا يعرف أَهلهَا فِي الْحَيَاة هِيَ أم فِي الْمَمَات وَكَانَ الزَّمَان شتاء فَأمر بتجريدها وصب المَاء الْمبرد عَلَيْهَا صبا مُتَتَابِعًا كثيرا ثمَّ أَمر بنقلها إِلَى مجْلِس دفئ قد بخر بِالْعودِ والند ودثرت بأصناف الْفراء سَاعَة فعطست وتحركت وَقَعَدت وَخرجت مَاشِيَة مَعَ أَهلهَا إِلَى منزلهَا قَالَ وَدخل إِلَيْهِ رجل منزف يعرق دَمًا فِي زمن الصَّيف فَسَأَلَ تلاميذه وَكَانُوا قدر خمسين نفسا فَلم يعرفوا الْمَرَض فَأمره أَن يَأْكُل خبز شعير مَعَ باذنجان مشوي فَفعل ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام فبرأ فَسَأَلَهُ أَصْحَابه عَن الْعلَّة فَقَالَ إِن دَمه قد رق ومسامه قد تفتحت وَهَذَا الْغذَاء من شَأْنه تَغْلِيظ الدَّم وتكثيف المسام قَالَ وَمن مروءته أَن ظهر دَاره كَانَ يَلِي النظامية فَإِذا مرض فَقِيه نَقله إِلَيْهِ وَقَامَ فِي مَرضه عَلَيْهِ فَإِذا أبل وهب لَهُ دينارين وَصَرفه وَمِمَّا حَكَاهُ أَيْضا عَن أَمِين الدولة بن التلميذ وَكَأَنَّهُ قد تجَاوز فِي هَذِه الْحِكَايَة قَالَ وَكَانَ أَمِين الدولة لَا يقبل عَطِيَّة إِلَّا من خَليفَة أَو سُلْطَان فَعرض لبَعض الْمُلُوك النائية دَاره مرض مزمن فَقيل لَهُ لَيْسَ لَك إِلَّا ابْن التلميذ وَهُوَ لَا يقْصد أحدا فَقَالَ أَنا أتوجه إِلَيْهِ فَلَمَّا وصل أفرد لَهُ ولغلمانة دورا وأفاض عَلَيْهِ من الجرايات قدر الْكِفَايَة ولبث مُدَّة فبرئ الْملك وَتوجه إِلَى بِلَاده وَأرْسل إِلَيْهِ مَعَ بعض التُّجَّار أَرْبَعَة آلَاف دِينَار وَأَرْبَعَة تخوت عتابي وَأَرْبَعَة مماليك وَأَرْبَعَة أَفْرَاس فَامْتنعَ من قبُولهَا وَقَالَ عَليّ يَمِينا أَن لَا أقبل من أحد شَيْئا فَقَالَ التَّاجِر هَذَا مِقْدَار كثير قَالَ لما حَلَفت مَا استثنيت وَأقَام شهرا يراوده وَلَا يزْدَاد إِلَّا إباء فَقَالَ لَهُ عِنْد الْوَدَاع هَا أَنا أسافر وَلَا أرجع إِلَى صَاحِبي واتمتع بِالْمَالِ فتتقلد منته وتفوتك منفعَته وَلَا يعلم أحد بأنك رَددته فَقَالَ أَلَسْت اعْلَم فِي نَفسِي أَنِّي لم أقبله فنفسي تشرف بذلك علم النَّاس أَو جهلوا وحَدثني الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي الشَّيْخ موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن

стр. 337

المطران قَالَ حَدثنِي أبي حَدثنِي إِسْمَاعِيل بن رشيد قَالَ حَدثنِي أَبُو الْفرج بن توما وَأَبُو الْفرج المسيحي قَالَا كَانَ الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ جَالِسا وَنحن بَين يَدَيْهِ إِذا اسْتَأْذَنت عَلَيْهِ امْرَأَة وَمَعَهَا صبي صَغِير فأدخلت عَلَيْهِ فحين رَآهُ بدرها فَقَالَ إِن صبيك هَذَا بِهِ حرقة الْبَوْل وَهُوَ يَبُول الرمل فَقَالَت نعم قَالَ فيستعمل كَذَا وَكَذَا وانصرفت قَالَا فَسَأَلْنَاهُ عَن الْعَلامَة الدَّالَّة على أَن بِهِ ذَلِك وَأَنه لَو أَن الآفة فِي الكبد أَو الطحال لَكَانَ اللَّوْن من الِاسْتِدْلَال مطابقا فَقَالَ حِين دخل رَأَيْته يولع بأحليله ويحكه وَوجدت أنامل يَدَيْهِ مشققة قاحلة فَعلمت أَن الحكة لأجل الرمل وَإِن تِلْكَ الْمَادَّة الحادة الْمُوجبَة للحكة وَالْحَرَكَة رُبمَا لامست أنامله عِنْد ولوعه بالقضيب فتقحل وتشقق فحكمت بذلك وَكَانَ مُوَافقا وَمن نَوَادِر أَمِين الدولة وَحسن إِشَارَته إِنَّه كَانَ يَوْمًا عِنْد المستضيء بِأَمْر الله وَقد أسن أَمِين الدولة فَلَمَّا نَهَضَ للْقِيَام توكأ على رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة كَبرت يَا أَمِين الدولة فَقَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وتكسرت قواريري ففكر الْخَلِيفَة فِي قَول أَمِين الدولة وَعلم أَنه لم يقلهُ إِلَّا لِمَعْنى قد قَصده وَسَأَلَ عَن ذَلِك فَقيل لَهُ إِن الإِمَام المستنجد بِاللَّه كَانَ قد وهبه ضَيْعَة تسمى قَوَارِير وَبقيت فِي يَده زَمَانا ثمَّ من مُدَّة ثَلَاث سِنِين حط الْوَزير يَده عَلَيْهَا فتعجب الْخَلِيفَة من حسن أدب أَمِين الدولة وَأَنه لم ينْه أمرهَا إِلَيْهِ وَلَا عرض بطلبها ثمَّ أَمر الْخَلِيفَة بِإِعَادَة الضَّيْعَة إِلَى أَمِين الدولة وَأَن لَا يُعَارض فِي شَيْء من ملكه وَمن نوادره أَن الْخَلِيفَة كَانَ قد فوض إِلَيْهِ رئاسة الطِّبّ بِبَغْدَاد وَلما اجْتمع إِلَيْهِ سَائِر الْأَطِبَّاء ليرى مَا عِنْد كل وَاحِد مِنْهُم من هَذِه الصِّنَاعَة كَانَ من جملَة من حَضَره شيخ لَهُ هَيْئَة ووقار وَعِنْده سكينَة فَأكْرمه أَمِين الدولة وَكَانَت لذَلِك الشَّيْخ دربة مَا بالمعالجة وَلم يكن عِنْده من علم صناعَة الطِّبّ إِلَّا التظاهر بهَا فَلَمَّا انْتهى الْأَمر إِلَيْهِ قَالَ لَهُ أَمِين الدولة مَا السَّبَب فِي كَون الشَّيْخ لم يُشَارك الْجَمَاعَة فِيمَا يبحثون فِيهِ حَتَّى نعلم مَا عِنْده من هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ يَا سيدنَا وَهل شَيْء مِمَّا تكلمُوا فِيهِ إِلَّا وَأَنا أعلمهُ وَقد سبق إِلَى فهمي أَضْعَاف ذَلِك مَرَّات كَثِيرَة فَقَالَ لَهُ أَمِين الدولة فعلى من كنت قد قَرَأت هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ الشَّيْخ يَا سيدنَا إِذا صَار الْإِنْسَان إِلَى هَذِه السن مَا يبْقى يَلِيق بِهِ إِلَّا أَن يسْأَل كم لَهُ من التلاميذ وَمن هُوَ المتميز فيهم وَأما الْمَشَايِخ الَّذين قَرَأت عَلَيْهِم فقد مَاتُوا من زمَان طَوِيل فَقَالَ لَهُ أَمِين الدولة يَا شيخ هَذَا شَيْء قد جرت الْعَادة بِهِ وَلَا يضر ذكره وَمَعَ هَذَا فَمَا علينا أَخْبرنِي أَي شَيْء قد قرأته من الْكتب الطبيبة وَكَانَ قصد أَمِين الدولة أَن يتَحَقَّق مَا عِنْده فَقَالَ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم صرنا إِلَى حد مَا يسْأَل عَنهُ الصّبيان وَأي شَيْء قد قرأته من الْكتب يَا سيدنَا لمثلي مَا يُقَال إِلَّا أَي شَيْء صنفته فِي صناعَة الطِّبّ وَكم لَك فِيهَا من الْكتب والمقالات وَلَا بُد أنني أعرفك بنفسي ثمَّ إِنَّه نَهَضَ إِلَى أَمِين الدولة ودنا مِنْهُ وَقعد عِنْده وَقَالَ

стр. 338

لَهُ فِيمَا بَينهمَا يَا سَيِّدي اعْلَم أنني قد شخت وَأَنا أوسم بِهَذِهِ الصِّنَاعَة وَمَا عِنْدِي مِنْهَا إِلَّا معرفَة اصْطِلَاحَات مَشْهُورَة فِي المداواة وعمري كُله أتكسب بهَا وَعِنْدِي عائلة فسألتك بِاللَّه يَا سيدنَا مشي حَالي وَلَا تفضحني بَين هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة فَقَالَ أَمِين الدولة على شريطة وَهِي أَنَّك لَا تهجم على مَرِيض بِمَا تعلمه وَلَا تُشِير بفصد وَلَا بدواء مسهل إِلَّا لما قرب من الْأَمْرَاض فَقَالَ الشَّيْخ هَذَا مذهبي مُنْذُ كنت مَا تعديت السكنجبين والجلاب ثمَّ ان أَمِين الدولة قَالَ لَهُ مُعْلنا وَالْجَمَاعَة تسمع يَا شيخ اعذرنا فإننا مَا كُنَّا نعرفك والآن فقد عرفناك اسْتمرّ فِيمَا أَنْت فِيهِ فَإِن أحدا مَا يعارضك ثمَّ إِنَّه عَاد بعد ذَلِك فِيمَا هُوَ فِيهِ مَعَ الْجَمَاعَة وَقَالَ لبَعْضهِم على من قَرَأت هَذِه الصِّنَاعَة وَشرع فِي امتحانه فَقَالَ يَا سيدنَا أَنا من تلامذة هَذَا الشَّيْخ الَّذِي قد عَرفته وَعَلِيهِ كنت قد قَرَأت صناعَة الطِّبّ فَفطن أَمِين الدولة بِمَا أَرَادَ من التَّعْرِيض بقوله وَتَبَسم ثمَّ امتحنه بعد ذَلِك وَكَانَ لأمين الدولة بن التلميذ أَصْحَاب وَجَمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام أُتِي إِلَيْهِ ثَلَاثَة منجم ومهندس وَصَاحب أدب فسألوا عَن أَمِين الدولة غُلَامه قنبر فَذكر لَهُم أَن سَيّده لَيْسَ فِي الدَّار وَأَنه لم يَأْتِ فِي ذَلِك الْوَقْت فراحوا ثمَّ إِنَّهُم عَادوا فِي وَقت آخر وسألوه عَنهُ فَذكر لَهُم مثل قَوْله الأول وَكَانَ لَهُم ذوق من الشّعْر فَتقدم المنجم وَكتب على الْحَائِط عِنْد بَاب الدَّار (قد بلينا فِي دَار أسعد قوم بمدبر ... ) ثمَّ كتب المهندس بعده (بقصير مطول ... وطويل مقصر) ثمَّ تقدم صَاحب الْأَدَب وَكَانَ عِنْده مجون فَكتب (كم تَقولُونَ قنبرا ... دحرجوا رَأس قنبر) الْخَفِيف ومضوا فَلَمَّا جَاءَ أَمِين الدولة قَالَ لَهُ قنبر يَا سَيِّدي جَاءَ ثَلَاثَة إِلَى هَهُنَا يطلبونك وَلما لم يجدوك كتبُوا هَذَا على الْحَائِط فَلَمَّا قَرَأَهُ أَمِين الدولة قَالَ لمن مَعَه يُوشك أَن يكون هَذَا الْبَيْت الأول خطّ فلَان المنجم وَهَذَا الْبَيْت الثَّانِي خطّ فلَان المهندس وَهَذَا الثَّالِث خطّ فلَان صاحبنا فَإِن كل بَيت يدل على شَيْء مِمَّا يعانيه صَاحبه وَكَانَ الْأَمر كَمَا حدسه أَمِين الدولة سَوَاء وَكَانَت دَار أَمِين الدولة هَذِه يسكنهَا بِبَغْدَاد فِي سوق الْعطر مِمَّا يَلِي بَابه المجاور لباب الغربة من دَار الْخلَافَة المعظمة بالمشرعة النَّازِلَة إِلَى شاطئ دجلة وَقَالَ أَمِين الدولة بن التلميذ فَكرت يَوْمًا فِي أَمر الْمذَاهب فَرَأَيْت هاتفا فِي النّوم وَهُوَ ينشدني (أعوم فِي بحرك عَليّ أرى ... فِيهِ لما أطلبه قعرا)

стр. 339

(فَمَا أرى فِيهِ سوى موجة ... تدفعني عَنْهَا إِلَى أُخْرَى) السَّرِيع وحَدثني سعد الدّين بن أبي السهل الْبَغْدَادِيّ العواد وَكَانَ قد عمر قَالَ رَأَيْت أَمِين الدولة بن التلميذ وَاجْتمعت بِهِ وَكَانَ شَيخا ربع الْقَامَة عريض اللِّحْيَة حُلْو الشَّمَائِل كثير النادرة قَالَ وَكَانَ يحب صناعَة الموسيقى وَله ميل إِلَى أَهلهَا وحَدثني سديد الدّين مَحْمُود بن عَمْرو ﵀ قَالَ حَدثنِي الإِمَام فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام المارديني وَكَانَ صديقا لأمين الدولة وعاشره مُدَّة قَالَ كَانَ الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ من المتميزين فِي الْعَرَبيَّة وَكَانَ يحضر مَجْلِسه فِي صناعَة الطِّبّ خلق كثير يقرأون عَلَيْهِ وَكَانَ اثْنَان من النُّحَاة يلازمان مَجْلِسه وَلَهُمَا مِنْهُ الْأَنْعَام والافتقاد فَكَانَ من يجده من المشتغلين عَلَيْهِ يلحن كثيرا فِي قِرَاءَته أَو هُوَ ألكن يتْرك أحد ذَيْنك النَّحْوِيين يقْرَأ عَنهُ وَهُوَ يسمع ثمَّ يَأْمر ذَلِك التلميذ أَيْضا بِأَن يُقرر للنحوي شَيْئا يعيطه إِيَّاه عَن قِرَاءَته عَنهُ وَكَانَ لأمين الدولة ولد وَلم يكن مدْركا لصناعة الطِّبّ وَكَانَ فِي سَائِر أَحْوَاله بَعيدا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَمِين الدولة ولأمين الدولة فِيهِ (أَشْكُو إِلَى الله صاحبا شكسا ... تسعفه النَّفس وَهُوَ يعسفها) (فَنحْن كَالشَّمْسِ والهلال مَعًا ... تكسبه النُّور وَهُوَ يكسفها) المنسرح وَكَانَ أَمِين الدولة يؤنب وَلَده أَيْضا بِهَذَا الْبَيْت (وَالْوَقْت أنفس مَا عنيت بحفظه ... وَأرَاهُ أسهل مَا عَلَيْك يضيع) الْكَامِل وحَدثني الشَّيْخ الإِمَام رَضِي الدّين الطَّبِيب الرَّحبِي ﵀ قَالَ اجْتمعت فِي بَغْدَاد بِابْن أَمِين الدولة فَلَمَّا جرى بَيْننَا حَدِيث قَالَ فِي سِيَاقَة كَلَامه أَن فِي السَّمَاء من الْجَانِب الجنوبي مثقبا تطلع فِيهِ الأدخنة وتنزل مِنْهُ الْأَرْوَاح وبدت مِنْهُ أَشْيَاء كَثِيرَة من هَذَا الْقَبِيل ظهر بهَا أَن لَيْسَ عِنْده شَيْء من تَحْقِيق الْعلم وَلَا لَهُ فطْرَة سليمَة وحَدثني الشَّيْخ السّني البعلبكي الطَّبِيب قَالَ رَاح من عندنَا من دمشق ثَلَاثَة من أطباء النَّصَارَى إِلَى بَغْدَاد سماهم فَلَمَّا أَقَامُوا بهَا سمعُوا بِابْن أَمِين الدولة فَقَالُوا سمعة وَالِده عَظِيمَة والمصلحة أننا نروح إِلَيْهِ ونسلم عَلَيْهِ ونخدمه ونكون قد اجْتَمَعنَا بِهِ قبل السّفر إِلَى الشَّام فقصدوا دَاره ودخلوا إِلَيْهِ وسلموا وعرفوه أَنهم نَصَارَى وَأَن قصدهم التشرف بِرُؤْيَتِهِ فأكرمهم وأجلسهم عِنْده قَالَ السّني فحدثوني أَنه تبين لَهُم سخافة عقل وَضعف رَأْي وَذَلِكَ أَنه من جملَة مَا

стр. 340

حَدثهمْ أَنه قَالَ يَقُولُونَ إِن الشَّام مليح ودمشق طيبَة وَأَنا قد عزمت أَن أبصرهَا إِلَّا أنني أعمل من حَيْثُ الْعلم والهندسة شَيْئا أكون إِذا سَافَرت إِلَيْهَا يكون بسهولة وَلَا أجد كلفة قَالُوا فَقُلْنَا لَهُ يَا سيدنَا كَيفَ تعْمل فَقَالَ أما تعلمُونَ أَن الشَّام منخفض عَن أقليم بَغْدَاد وَأَنه مُسْتَقل عَنهُ وَذَلِكَ مَذْكُور فِي علم الْهَيْئَة وارتفاع الْمَوَاضِع بَعْضهَا على بعض فَقُلْنَا نعم يَا سيدنَا فَقَالَ اسْتعْمل عجلا من الْخشب ببكر كبار وَيكون فَوْقهم دفوف مبسوطة مسمرة وَاجعَل فَوْقهم جَمِيع مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ وَإِذا أطلقنا الْعجل تروح بالبكر بِسُرْعَة فِي الانحدار وَلَا نزال كَذَلِك إِلَى أَن نصل إِلَى دمشق بِأَهْوَن سعي قَالُوا فتعجبنا من غفلته وجهله ثمَّ قَالَ وَالله مَا تروحون حَتَّى أضيفكم وتأكلون عِنْدِي طَعَاما وَصَاح بالفراش فأحضر سفرة فاخرة وَمد عَلَيْهَا رقاقا رفيعا أَبيض لَا يكون شَيْء أحسن مِنْهُ كَأَنَّهُ النصافي البغدادية وهنابا فِيهِ خل وهندبا منقاة جعلهَا حواليه ثمَّ قَالَ بِسم الله كلوا قَالُوا فأكلنا شَيْئا يَسِيرا إِذْ هُوَ على خلاف عادتنا فِي الْأكل ثمَّ رفع يَدَيْهِ وَقَالَ يَا غُلَام هَات الطست فَاحْضُرْ طستا مفضضا وَقطعَة صابون رقي كَبِيرَة وسكب عَلَيْهِ المَاء وَهُوَ يغسل يَدَيْهِ فأرغى الصابون ثمَّ مسح بِهِ فَمه وَوَجهه ولحيته حَتَّى بقيت عَيناهُ وَوَجهه ملآن من ذَلِك الصابون وَهُوَ أَبيض وَنظر إِلَيْنَا قَالُوا وَكَانَ منا فلَان لم يَتَمَالَك أَن ضحك وَزَاد عَلَيْهِ وَقَامَ فَخرج من عِنْده فَقَالَ مَا لهَذَا فَقُلْنَا لَهُ يَا سيدنَا هَذَا فِيهِ خفَّة عقل وَهَذِه عَادَته فَقَالَ لَو أَقَامَ عندنَا داويناه فتعجبنا مِنْهُ ثمَّ ودعناه وانصرفنا وَنحن نسْأَل الله الْعَافِيَة مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْجَهْل وَحدث بعض الْعِرَاقِيّين إِن أَمِين الدولة مَاتَ لصديق لَهُ ولد وَكَانَ ذَا أدب وَعلم وَلم يعزه أَمِين الدولة فَلَمَّا اجْتمع بِهِ بعد ذَلِك عتب عَلَيْهِ إِذْ لم يعزه عَن وَلَده للمودة الَّتِي بَينهمَا فَقَالَ أَمِين الدولة لَا تلمني فِي هَذَا فوَاللَّه أَنا أَحَق بالتعزية مِنْك إِذْ مَاتَ ولدك وَبَقِي مثل وَلَدي وَوجدت كلَاما لأمين الدولة فِي ضمن رِسَالَة كتبهَا إِلَى وَلَده وَكَانَ يعرف برضي الدولة أبي نصر قَالَ والتفت بذهنك عَن هَذِه الترهات إِلَى تَحْصِيل مَفْهُوم تتَمَيَّز بِهِ وَخذ نَفسك من الطَّرِيقَة بِمَا كررت تنبيهك عَلَيْهِ وإرشادك إِلَيْهِ واغتنم الْإِمْكَان واعرف قِيمَته وتشاغل بشكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ وفز بحظ نَفِيس من الْعلم تثق من نَفسك بِأَن عقلته وملكته لاقرأته ورويته فَإِن بَقِيَّة الحظوظ تتبع هَذَا الْحَظ الْمَذْكُور وَتلْزم صَاحبه وَمن طلبَهَا من دونه فَأَما أَن لَا يجدهَا وَأما إِن لَا يعْتَمد عَلَيْهَا إِذا وجدهَا وَلَا يَثِق بدوامها وَأَعُوذ بِاللَّه أَن ترْضى لنَفسك إِلَّا بِمَا يَلِيق بمثلك أَن يتسامى إِلَيْهِ بعلو همته وَشدَّة أنفته وغيرته على نَفسه وَمِمَّا قد كررت عَلَيْك الوصاة بِهِ أَن لَا تحرص على أَن تَقول شَيْئا لَا يكون مهذبا فِي مَعْنَاهُ وَلَفظه وَيتَعَيَّن عَلَيْك إِيرَاده فَأَما مُعظم حرصك فتصرفه إِلَى أَن تسمع مَا تستفيده لَا مَا يُلْهِيك ويلذ للإغمار وَأهل الْجَهَالَة نزهك الله

стр. 341

عَن طبقتهم فَإِن الْأَمر كَمَا قَالَ أفلاطن الْفَضَائِل مرّة الْورْد حلوة الصَّدْر والرذائل حلوة الْورْد مرّة الصَّدْر وَقد زَاد أرسطوطاليس فِي هَذَا الْمَعْنى فَقَالَ إِن الرذائل لَا تكون حلوة الْورْد عِنْد ذِي فطْرَة فائقة بل يُؤْذِيه تصور قبحها أَذَى يفْسد عَلَيْهِ مَا يستلذه غَيره مِنْهَا وَكَذَلِكَ يكون صَاحب الطَّبْع الْفَائِق قَادِرًا بِنَفسِهِ على معرفَة مَا يتوخى وَمَا يجْتَنب كالتام الصِّحَّة يَكْفِي حسه فِي تَعْرِيفه النافع والضار فَلَا ترض لنَفسك حفظك الله إِلَّا بِمَا تعلم أَنه يُنَاسب طبقَة أمثالك وأغلب خطرات الْهوى بعزمات الرِّجَال الرَّاشِدين واطمح بِنَفْسِك إِلَيْهَا تتركك فِي طَاعَة عقلك فَإنَّك تسر بِنَفْسِك وتراها فِي كل يَوْم مَعَ اعْتِمَاد ذَلِك فِي رُتْبَة علية ومرقاة من سَمَاء فِي السَّعَادَة وَكَانَت وَفَاة أَمِين الدولة بِبَغْدَاد فِي الثَّامِن وَالْعِشْرين من شهر ربيع الأول سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة وَله من الْعُمر أَربع وَتسْعُونَ سنة وَمَات نَصْرَانِيّا وَخلف نعما كَثِيرَة وأموالا جزيلة وكتبا لَا نَظِير لَهَا فِي الْجَوْدَة فورث جَمِيع ذَلِك وَلَده وَبَقِي مُدَّة ثمَّ إِن ولد أَمِين الدولة خنق فِي دهليز دَاره الثُّلُث الأول من اللَّيْل وَأخذ مَاله ونقلت كتبه على اثْنَي عشر جملا إِلَى دَار الْمجد بن الصاحب وَكَانَ ابْن أَمِين الدولة قد أسلم قبل مَوته وَقيل إِنَّه كَانَ شَيخا قد ناهز الثَّمَانِينَ سنة وَوجدت فِي أثْنَاء كتاب كتبه السَّيِّد النَّقِيب الْكَامِل بن الشريف الْجَلِيل إِلَى أَمِين الدولة بن التلميذ وَهُوَ يمتدحه فِيهِ بِهَذِهِ القصيدة (أَمِين الدولة أسلم للأيادي ... عَليّ رغم الْمَنَاوِيّ والمعادي) (وللمعروف تنشره إِذا مَا ... طواه تناوب النوب الشداد) (فَأَنت الْمَرْء تلفى حِين تدعى ... جوادا بالطريف وبالتلاد) (وصُولا للخليل على التنائي ... ودودا لَا يحول عَن الوداد) (سديد الرَّأْي والأقوال تأبى ... نَهَاهُ أَن يمِيل عَن السداد) (سأشكر مَا صنعت من الأيادي ... إِلَيّ على التداني والبعاد) (وأثني وَالثنَاء عَلَيْك حق ... بِمَا أوليتني فِي كل نَادِي) (وَهل شكري على مر اللَّيَالِي ... ينَال مدى ولائي واعتقادي) (دعوتك وَالزَّمَان بِهِ حران ... فأمسى وهولي سهل القياد) (أناديه فيسمعني وقدما ... تجانب لي أَصمّ عَن الْمُنَادِي) (وَكم من منَّة لَك لَا توازي ... بِلَا من لدي وَلَا اعْتِدَاد) (وَمن بَيْضَاء قد عمرت بقلبي ... محلك مِنْهُ فِي أقْصَى سَواد) (أرى الأشواق نَحْوك فِي فُؤَادِي ... كَمثل النَّار فِي حجر الزِّنَاد) (مَتى ولعت بِهِ ذكراك كَادَت ... لحر الوجد تلفظني بلادي) (تحن ركائبي وأحن شوقا ... إِذا خطر اللِّقَاء على فُؤَادِي)

стр. 342

(وأطمع فِي الرقاد رَجَاء زور ... يلم وَأَيْنَ طرفِي والرقاد) (سأبعثها تثير البيد وخدا ... وتعتسف الظلام بِغَيْر هادي) (لَو أَن النَّجْم جاراها دَلِيلا ... تحير أَو شكا طول السهاد) (تلفت بِي إِلَى الزَّوْرَاء زورا ... كَمَا التفتت إِلَى المَاء الصوادي) (وَلَو أَن الزَّمَان جرى وَمن لي ... بِأَن يجْرِي الزَّمَان على مرادي) (وأمكنني المزار لما عدتني ... وحقك عَن زيارتك العوادي) (فَمن لي أَن تسيرني المطايا ... إِلَيْك وَلَو سريت بِغَيْر زَاد) (أَقُول لصَاحب لم يدر جهلا ... أغيي مَا تحاول أم رشادي) (إِذا واليت فَانْظُر من توالي ... وَإِن عاديت فَانْظُر من تعادي) (فَإِن أَحْبَبْت تعرف مَا التناهي ... من الْأَشْيَاء فَانْظُر فِي المبادي) (وَدعنِي وَالثنَاء على مبر ... عرفت بِهِ صلاحي من فسادي) (على متوحد فِي الْفضل سَام ... إِلَى أمد العلى مَبْنِيّ الأيادي) (أخي حكم شواهدها عَلَيْهِ ... بواد فِي الحواضر والبوادي) (إِذا مَا قيس قصر عَنهُ قس ... وَقس مَا علمنَا فِي أياد) (وَإِن جاورته جَاوَرت غيثا ... يذوب نداه فِي الْعَام الجماد) (أَو استنجدته أعداك مِنْهُ ... أَخُو عزم على الْأَيَّام عادي) (جواد بِالَّذِي تحوي يَدَاهُ ... إِذا نُودي أَلا هَل من جواد) (يجيبك قبل أَن تَدْعُو نداه ... وَيَكْفِي كل حَادِثَة بنادي) (أَخُو كرم يقل العتب فِيهِ ... وإفضال تقر بِهِ الأعادي) (وأخلاق كَمثل الراح شيبت ... بمشمول من الصفو البراد) (بِأَدْنَى سَعْيه حَاز الْمَعَالِي ... وأخفق غَيره بعد اجْتِهَاد) (وَفِي الغايات أَن لز المذاكي ... تبين المقرفات من الْجِيَاد) (أَبَا الْحسن اسْتمع مني ثَنَاء ... حلا فَخَلا من الْمَعْنى الْمعَاد) (كأنفاس الرياض سرت عَلَيْهَا ... صبا فتعطرت غب العهاد) (أنادي فِيهِ بِاسْمِك والقوافي ... تؤرج لَا بسعدى أَو سعاد) (وَقد عرضته لَك مستجيرا ... بعدلك فِيهِ من جور انتقاد)

стр. 343

(وَمثلك من رأى قصد القوافي ... إِلَيْهِ وَقَالَ فِيهَا باقتصاد) (جزيت الصَّالِحَات فَأَنت أهل ... لَهَا وسقيت أنواء الغوادي) (ودمت على الزَّمَان وكل شَيْء ... على مر الزَّمَان إِلَى نفاد) وَقَالَ الشريف أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الهبارية العباسي من قصيدة يمدح بهَا الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ يَقُول فِيهَا (يَا بني التلميذ لَو وافيتكم ... لم تكن نَفسِي بأهلي شغفه) (وتسليت بكم عَن صبيتي ... وَغدا وسطي ثقيل المنصفة) (إِنَّمَا طلقت كرمان بكم ... إِنَّكُم لي عوض مَا أشرفه) (برئيس الْحُكَمَاء المرتجى ... أَنه لي جنَّة مخترفه) (عوقتني عَن عميد الْملك ... دنياي ودنياي ظلوم مجحفه) (لَو رَآنِي هبة الله أَبُو الْحسن ... الأوحد كَانَت متحفه) (فَهُوَ من نَخْلَة دهري طلعة ... حلوة الطّعْم وكل حشفه) (غَدَتْ الدُّنْيَا وَمن فِيهَا مَعًا ... لعلاه بالعلى معترفه) (فأماني الورى كلهم ... من أيادي جوده مغترفه) (وبأبراد معالي ظله ... من تصاريف الردى ملتحفه) (شمس مجد لَا ترَاهَا أبدا ... عَن سموات العلى منكسفه) (جلّ أَن يدْرك وَصفا مجده ... أَنه أكبر من كل صفه) (فَهُوَ غدر الدَّهْر بل إحسانه ... والبرايا يبسات قشفه) (لَو تمكنت لكَانَتْ جملتي ... فِي زَوَايَا دَاره مُعْتَكفه) (سنّ فِي دنيا الْمَعَالِي سننا ... أَصبَحت معجبة مستظرفه) (فِيهِ تفتخر الدُّنْيَا الَّتِي ... أَصبَحت من غَيره مستنكفه) (سَيِّدي كم غمَّة جليتها ... فغدت ظلمتها منكشفه) (وأياد جمة أوليتها ... بيد مَا بَرحت مرتشفه) (نثرت مِنْك بروق لم تكن ... حِين شمناها بروقا مخلفه) (وتراءى مِنْك بر شكره ... معجز كل لِسَان وشفه) (إِنَّمَا أحبو بني التلميذ بالمدح ... إِذْ كلهم ذُو معرفه) (فَابْن يحيى مِنْهُم محيي الندى ... زَاد فِي الْجُود على من خَلفه) (وَهُوَ فِي الْفضل لَهُ الْفضل على ... كل من أنكرهُ أَو عرفه)

стр. 344

(حقق الكنية من وَالِده ... كرما فِيهِ وطبعا أَلفه) (وهم من صاعد عَن سادة ... بِأبي مجدهم مَا أنظفه) (لَا تقسهم بالورى كلهم ... فتقس لَيْث الشرى بالجعدفه) (فَابْن إِبْرَاهِيم لاهوت العلى ... من دَعَاهُ بشرا مَا أنصفه) (يَا رَئِيس الْحُكَمَاء استجلها ... من بَنَات الْفِكر بكرا مترفه) (إِنَّنِي انفذت نخلي قَاصِدا ... أشتكي دهرا قَلِيل النصفه) (وبأنعامك قد عللتها ... إِنَّه يجلو الخطوب المغدفه) (فأبق للمجد ثمالا مَا رغت ... لغبا جسرة سَار موجفه) (كم لكم من نعْمَة تالدة ... تترجى أُخْتهَا المطرفه) (جددوا إيرادها يَا سادتي ... بأياد مِنْكُم مؤتنفه) الرمل وَكتب أَبُو إِسْمَاعِيل الطغرائي إِلَى أَمِين الدولة بن التلميذ (يَا سَيِّدي وَالَّذِي مودته ... عِنْدِي روح يحيا بهَا الْجَسَد) (من ألم الظّهْر أستغيث وَهل ... يألم ظهر إِلَيْك يسْتَند) المنسرح وَكَانَ مُحَمَّد بن جكينا قد مرض وزاره أَمِين الدولة فَقَالَ فِيهِ ابْن جكينا (قصدت ربعي فتعالى بِهِ ... قدري فدتك النَّفس من قَاصد) (فَمَا رأى الْعَالم من قبلهَا ... بحرا مَشى قطّ إِلَى وَارِد) السَّرِيع وَكَانَ بعض الشُّعَرَاء بِبَغْدَاد أَتَى إِلَى أَمِين الدولة وشكى حَاله واستوصفه فوصف مَا يصلح للمرض الَّذِي شكاه ثمَّ دفع لَهُ صرة فِيهَا دَنَانِير وَقَالَ لَهُ هَذِه تصلح بهَا مزورة زيرباج فَأَخذهَا وبرأ بعد أَيَّام فَكتب إِلَيْهِ (أَتَيْته اشتكي وَبِي مرض ... إِلَى التَّدَاوِي والرفد مُحْتَاج) (فَقلت إِذْ برني وأبراني ... هَذَا طَبِيب عَلَيْهِ زرباج) المنسرح

стр. 345

وَمن كَلَام أَمِين الدولة بن التلميذ حَدثنِي سديد الدّين بن رقيقَة قَالَ حَدثنِي فَخر الدّين المارديني قَالَ كَانَ يَقُول لنا أَمِين الدولة لَا تقدروا أَن أَكثر الْأَمْرَاض تحيطون بهَا خبْرَة فَإِن مِنْهَا مَا يأتيكم من طَرِيق السماوة وَكَانَ يَقُول أَيْضا مَتى رَأَيْت شَوْكَة فِي الْبدن وَنِصْفهَا ظَاهر فَلَا تشْتَرط أَنَّك تقلعها فَإِنَّهَا رُبمَا انْكَسَرت وَمن كَلَامه قَالَ يَنْبَغِي للعاقل أَن يخْتَار من اللبَاس مَا لَا تحسده عَلَيْهِ الْعَامَّة وَلَا تحقره فِيهِ الْخَاصَّة وَمن شعر الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي مِمَّا سَمعه من وَالِده قَالَ أَنْشدني أَمِين الدولة بن التلميذ لنَفسِهِ (حبي سعيدا جَوْهَر ثَابت ... وحبه لي عرض زائل) (بِهِ جهاتي السِّت مَشْغُولَة ... وَهُوَ إِلَى غَيْرِي بهَا مائل) السَّرِيع وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (إِذا وجد الشَّيْخ فِي نَفسه ... نشاطا فَذَلِك موت خَفِي) (أَلَسْت ترى أَن ضوء السراج ... لَهُ لَهب قبل أَن ينطفي) المتقارب وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (تعس الْقيَاس فللغرام قَضِيَّة ... لَيست على نهج الحجى تنقاد) (مِنْهَا بَقَاء الشوق وَهُوَ بعرفنا ... عرض وتفنى دونه الأجساد) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ فِي الْوَزير الدركزيني (قَالُوا فلَان قد وزر ... فَقلت كلا لَا وزر) (وَالله لَو حكمت فِيهِ ... جعلته يرْعَى الْبَقر) الرجز وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (قَالَ الْأَنَام وَقد رَأَوْهُ ... مَعَ الحداثة قد تصدر) (من ذَا المجاوز قدره ... قلت الْمُقدم بالمؤخر) الْكَامِل المرفل

стр. 346

وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (قد قلت للشَّيْخ الْجَلِيل ... الأريحي أبي المظفر) (ذكر فلَان الدّين بِي ... قَالَ الْمُؤَنَّث لَا يذكر) الْكَامِل المرفل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ لغزا فِي السّمك (لبسن الجواشن خوف الردى ... وعلين فَوق الرؤوس الخوذ) (فَلَمَّا أَتَاهَا الردى أهلكت ... بشم نسيم الْهوى المستلذ) المتقارب وَمن شعر أَمِين الدولة بن التلميذ أَيْضا قَالَ (سُقْ النَّفس بِالْعلمِ نَحْو الْكَمَال ... تواف السَّعَادَة من بَابهَا) (وَلَا ترج مَا لم تسبب لَهُ ... فَإِن الْأُمُور بأسبابها) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (لَوْلَا حجاب أَمَام النَّفس يمْنَعهَا ... عَن الْحَقِيقَة فِيمَا كَانَ فِي الْأَزَل) (لأدركت كل شَيْء عز مطلبه ... حَتَّى الْحَقِيقَة فِي الْمَعْلُول والعلل) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (الْعلم للرجل اللبيب زِيَادَة ... ونقيصة للأحمق الطياش) (مثل النَّهَار يزِيد أبصار الورى ... نورا ويغشي أعين الخفاش) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (بزجاجتين قطعت عمري ... وَعَلَيْهِمَا عولت دهري) (بزجاجة ملئت بحبر ... وزجاج ملئت بِخَمْر) (فبذي أثبت حكمتي ... وبذي أزيل هموم صَدْرِي) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا (تواضع كالبدر استنار لناظر ... على صفحات المَاء وَهُوَ رفيع) (وَمن دونه يسمو إِلَى الْمجد صاعدا ... سمو دُخان النَّار وَهُوَ وضيع) وَقَالَ أَيْضا (إِذا كنت مَحْمُودًا فَإنَّك مرمد ... عُيُون الورى فأكحلهم بالتواضع) الطَّوِيل

стр. 347

وَقَالَ أَيْضا (لَا تحقرن عدوا لَان جَانِبه ... وَلَو يكون قَلِيل الْبَطْش وَالْجَلد) (فللذبابة فِي الْجرْح الممد يَد ... تنَال مَا قصرت عَنهُ يَد الْأسد) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (نفس الْكَرِيم الْجواد بَاقِيَة ... فِيهِ وَإِن مس جلده العجف) (وَالْحر حر وَإِن ألم بِهِ ... الضّر فَفِيهِ العفاف وَالْأنف) (والنذل لَا يَهْتَدِي لمكرمة ... لِأَن ذَاك المزاج منحرف) (فالقطر سم إِن احتواه فَم الصل ... ودر أَن ضمه الصدف) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (كَانَت بلهنية الشبيبة سكرة ... فصحوت فاستأنفت سيرة مُجمل) (وَقَعَدت أرتقب الفناء كراكب ... عرف الْمحل فَبَاتَ دون الْمنزل) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا شباب الْفَتى خؤون ... والشيب واف فَلَيْسَ يرحل) (فَقلت أبعدتم قِيَاسا ... ذَاك حبيب وَذَا مُوكل) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (وَأرى عُيُوب الْعَالمين وَلَا أرى ... عَيْبا لنَفْسي وَهُوَ مني قريب) (كالطرف يستجلي الْوُجُوه وَوَجهه ... مِنْهُ قريب وَهُوَ عَنهُ مغيب) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أجدك إِن من شيم اللَّيَالِي ... العنيفة أَن تجور على اللهيف) (كَمثل الْخَلْط أغلب مَا ترَاهُ ... يصب أَذَاهُ فِي الْعُضْو الضَّعِيف) الوافر

стр. 348

وَقَالَ أَيْضا (كأس يطفي لَهب الأوام ... ثَان يعين هاضم الطَّعَام) (وللسرور ثَالِث المدام ... وَالْعقل يَنْفِيه مزِيد جَام) الرجز وَقَالَ أَيْضا (يَا من رماني عَن قَوس فرقته ... بِسَهْم هجر غلا تلافيه) (أَرض لمن غَابَ عَنْك غيبته ... فَذَاك ذَنْب عِقَابه فِيهِ) (لَو لم ينله من الْعَذَاب سوى ... بعْدك عَنهُ لَكَانَ يَكْفِيهِ) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (عاتبت إِذْ لم يزر خيالك ... وَالنَّوْم بشوقي إِلَيْهِ مسلوب) (فزارني منعما وعاتبني ... كَمَا يُقَال الْمَنَام مقلوب) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (لسيف جفونك فضل على ... مواضي السيوف الَّتِي فِي الجفون) (فَتلك مَعَ الْقَتْل لَا تَسْتَطِيع ... رَجَعَ النُّفُوس بِدفع الْمنون) (وعيناك يقتلني شزرها ... وَأَحْيَا بإيماضها فِي سُكُون) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (تمت محاسنه سوى كلف ... حُلْو المواقع زانه بشر) (وَسموا بِهِ لألآء غرته ... عمدا ليعلم أَنه بدر) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (لَا تحسبن سَواد الْخَال عَن خلل ... من الطبيعة أَو إحداثه غَلطا) (وَإِنَّمَا قلم التَّصْوِير حِين جرى ... بنُون حَاجِبه فِي خَدّه نقطا) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (أبصره عاذلي عَلَيْهِ ... وَلم يكن قبله رَآهُ) (فَقَالَ لي لَو عشقت هَذَا ... مَا لامك النَّاس فِي هَوَاهُ)

стр. 349

(قل لي إِلَى من عدلت عَنهُ ... وَلَيْسَ أهل الْهوى سواهُ) (فظل من حَيْثُ لَيْسَ يدْرِي ... يَأْمر بالعشق من نَهَاهُ) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (يَا من لبست عَلَيْهِ أَثوَاب الضنا ... صفرا مشهرة بحمر الأدمع) (أدْرك بَقِيَّة مهجة لَو لم تذب ... شوقا إِلَيْك نفيتها عَن أضلعي) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أَنْت شغلي فِي كل حَال فنومي ... بخيال ويقظتي بادكار) (طَال ليلِي بطول هجرك لَا دَامَ ... وشوقي إِلَى اللَّيَالِي الْقصار) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (براني الْهوى بري المدى فأذابني ... صدودك حَتَّى صرت أنحل من أمس) (وَلست أرى حَتَّى أَرَاك وَإِنَّمَا ... يبين هباء الذَّر فِي أفق الشَّمْس) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (وغزال فاق الغزالة حسنا ... فاتر الطّرف ذِي جفون مراض) (قَالَ إِذْ رمته أنالك سخطا ... ليته قَالَهَا بصفحة رَاض) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (لَئِن تعوضت عَن وَصلي بمطرف ... فَلَا تَظنن إِنِّي غير معتاض) (إِنِّي بعزة نفس أَنْت تعرفها ... لسابق سلوة السالي بإعراض) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (قد كنت اعْتد حينا ... لقياك أنفس ربح) (فقد بَدَت عَن سلو ... سَمَاء عَقْلِي تصحي) (مَالِي أهيم بِحسن ... يكون عِلّة قبح) المجتث

стр. 350

وَقَالَ أَيْضا (لَو كَانَ يحسن غضن البان مشيتهَا ... تأودا لمشاها غير محتشم) (فِي صدرها كوكبا نور أقلهما ... ركنان لم يدنوا من كشف مستلم) (صانتهما فِي حَرِير من غلائلها ... فَنحْن فِي الْحل والركنان فِي الْحرم) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (عانقتها وظلام اللَّيْل منسدل ... ثمَّ انْتَبَهت بِبرد الْحلِيّ فِي الْغَلَس) (فَبت أحميه خوفًا أَن ينبهها ... وأتقي أَن أذيب العقد بِالنَّفسِ) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (لَا تظني تجنبي لملال ... أَنْت من خوف سلوتي فِي أَمَان) (رب هجر يكون أدعى إِلَى الْوَصْل ... وَوصل أدعى إِلَى الهجران) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (وَكَانَ عِذَارَيْ عِنْدهَا عذر وَصلهَا ... فشاب فَصَارَ الْعذر فِي صدها عِنْدِي) (فأعجب بِأَمْر أَمْسَى دَاعِيَة الْهوى ... يحول فيضحي الْيَوْم دَاعِيَة الصد) الطَّوِيل وَقَالَ لغزا فِي السَّحَاب (وهاجم لَيْسَ لَهُ من عدوى ... مستبدل بِكُل مثوى مثوى) (بكاؤه وضحكه فِي معنى ... إِذا بَكَى أضْحك أهل الدُّنْيَا) الرجز وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الْمِيزَان (مَا وَاحِد مُخْتَلف الْأَهْوَاء ... يعدل فِي الأَرْض وَفِي السَّمَاء) (يحكم بِالْقِسْطِ بِلَا رِيَاء ... أعمى يرى الرشاد كل رائي) (أخرس لَا من عِلّة وداء ... يُغني عَن التَّصْرِيح بالأيماء) (يُجيب إِن ناداه ذُو امتراء ... بِالرَّفْع والخفض عَن النداء) الرجز

стр. 351

وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الدرْع (وبيضاء لَا للبيض والسمرقدها ... تظاهر فِي تقويمها الْحر وَالْبرد) (تجلت لنا حبا وَلم تجر فِي رَحا ... وَلَكِن تولاه لَهَا الدق وَالْبرد) (وقيت بهَا نَفسِي فَكَانَت كَأَنَّهَا ... هِيَ الشَّمْس محبوبا بهَا الْكَوْكَب الْفَرد) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الإبرة (وكاسبة رزقا سواهَا يجوزه ... وَلَيْسَ لَهَا حمد عَلَيْهِ وَلَا أجر) (مفرقة للشمل وَالْجمع دأبها ... وخادمة للنَّاس تخدمها عشر) (إِذا خطرت جرت فضول ذيولها ... سجية ذِي كبر وَلَيْسَ بهَا كبر) (ترى النَّاس طرا يلبسُونَ الَّذِي نضت ... تعمهم جودا وَلَيْسَ لَهَا وفر) (لَهَا الْبَيْت بعد الْعِزّ غير مدافع ... إِلَى بأسه تعزى المهندة البتر) (أضرّ بهَا مثلي نحول بجسمها ... وَإِن لم يرعها مثل مَا راعني هجر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الظل (وَشَيْء من الْأَجْسَام غير مجسم ... لَهُ حركات تَارَة وَسُكُون) (يتم أواني كَونه وفساده ... وَفِي وَقت محياه المحاق يكون) (إِذا بَانَتْ الْأَنْوَار بَان لناظر ... وَأما إِذا بَانَتْ فَلَيْسَ يبين) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا مِمَّا يكْتب على حَصِير (أفرشت خدي للضيوف وَلم يزل ... خلقي التَّوَاضُع للبيب الأكيس) (فتواضعي أعلا مَكَاني بَينهم ... طورا فصرت أحل صدر الْمجْلس) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا فِي مَعْنَاهُ (رب وصل شهدته فتمتعت ... عنَاقًا بالعاشقين جَمِيعًا) (وجداني للود أَهلا وللسر ... مَكَانا وللصديق مُطيعًا) الْخَفِيف

стр. 352

وَقَالَ أَيْضا فِي مدخنة النجور (إِذا الهجر أضرم نَار الْهوى ... فقلبي يضرم للهجر نَارا) (أبوح بأسراري الْمُضْمرَات ... تبدو سرارا وتبدو جهارا) (إِذا مَا طوى خبري صَاحب ... أَبى طيب عرفي إِلَّا انتشارا) وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (كل نَار للشوق تضرم بالهجر ... وناري تشب عِنْد الْوِصَال) (فَإِذا الصد راعني سكن الوجد ... وَلم يخْطر الغرام ببالي) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (يَشكونَ المحبون الجوى ... عِنْد التَّفَرُّق والزيال) (وَأَشد مَا أصلى بِنَا ... والشوق أَوْقَات الْوِصَال) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (رب حمى لَا ترام عزته ... أبحته النَّفس غير مَحْجُوب) (يُبْدِي عياني لمن تأملني ... نَار محب وَنشر مَحْبُوب) المنسرح وَقَالَ أَيْضا فِي مغسل الشّرْب (إِذا مَا خطبت الود بَين معاشر ... فَكُن لَهُم مثلي تعد أَخا صدق) (إِذا استأثروا من كل كأس بصفوها ... رضيت بِمَا أبقوه من مشرب رنق) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَا تدع رَبك أَن يعذب عَاشِقًا ... لقبيح صورتهَا بِغَيْر وصالها) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا (أكثرت حسو الْبيض ... كَيْمَا يستديم قيام أيرك) (مَا لَا يقوم ببيضتيك ... فَلَا يقوم ببيض غَيْرك) الْكَامِل

стр. 353

وَقَالَ أَيْضا يهجو إنْسَانا بِالْعينِ (مدور الْعين فاتخذه ... لتل غرس وثل عرش) (لَو رمقت عينه الثريا ... أخرجهَا فِي بَنَات نعش) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (يَا دَار لَا تنكري مني الْتِفَات فَتى ... فِرَاق أحبابه أجْرى مدامعه) (عهِدت فِيك قميرا كَانَ يؤنسني ... حينا فعيناي تستقري مطالعه) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (خَلِيل نأى عني فبدلت بعده ... مُقيم الجوى من صفو عَيْش وطيبه) (أغار عَلَيْهِ صرف دهر فغاله ... وَعَما قَلِيل سَوف يلحقني بِهِ) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَا تعجبوا من حنين قلبِي ... إِلَيْهِم واعذروا غرامي) (فالقوس مَعَ كَونهَا جمادا ... تَئِنُّ من فرقة السِّهَام) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (كَيفَ ألذ الْعَيْش فِي بَلْدَة ... سكان قلبِي غير سكانها) (لَو أَنَّهَا الْجنَّة قد أزلفت ... أرْضهَا إِلَّا برضوانها) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا يرثي (كم ذَا الْوُقُوف على غرور أماني ... أأخذت من دنياك عقد أَمَان) (هَل عيشة بعد الرضى مرضية ... كلا وَلَو كَانَت خُلُود جنان) (إِن السَّمَاء لفقده لحزينة ... فرياحها نفس الكئيب العاني) (والغيث أدمعه وَمَا برقتْ بِهِ ... نَار الجوى والرعد للأرنان)

стр. 354

(لَو ذاق فقدك من يلوم على البكا ... لزرى على التبسيم والسلوان) (تبعوك إِذا صلوا عَلَيْك وَلم تزل ... كالنجم تهديهم بِكُل مَكَان) (كنت الْمُقدم فِي الصُّفُوف لجولة ... الأقران أَو لتلاوة الْقُرْآن) (لَا تبعدن وَمَا الْبعيد بِمن نأى ... حَيا وَلَكِن الْبعيد الداني) (وَقَالَ أَيْضا يرثي الْأَمِير سيف الدولة صَدَقَة ... بن مَنْصُور دبيس الْأَسدي لما قتل) (ليبك ابْن مَنْصُور عفاة نواله ... إِذا عصفت بِالرِّيحِ نكباء حرجف) (وَيذكرهُمْ من ردهم بعبوسه ... فَتى كَانَ يلقاهم ببشر ويسعف) (وَلما سما فَوق السَّمَاء بهمة ... يغض لَهَا طرف الحسود ويطرف) (رمته اللَّيَالِي بل رمتنا برزئه ... كبدر الدجى فِي لَيْلَة التم يخسف) (عَلَيْك سَلام لَا تزَال قُلُوبنَا ... على حزن مَا هبت الرّيح توقف) (وَلَا بَرحت عين السَّمَاء بوبلها ... على جدث وأراك تهمي وتذرف) الطَّوِيل وَقَالَ يهنيء بخلعة (لَئِن شرفت مناسبها وجلت ... لقد زفت إِلَى كُفْء شرِيف) (إِلَى من زانها وأزان مِنْهَا ... كسالفة المليحة والشنوف) الوافر وَكتب إِلَيْهِ الرئيس أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَفْلح الْكَاتِب وَقد نقه من مرض كَانَ بِهِ (أَنا جوعان فانقذني ... من هذي المجاعه) (فَرجي فِي الكسرة الْخبز ... وَلَو كَانَت قطاعه) (لَا تقل لي سَاعَة تصبر ... مَالِي صَبر ساعه) (فخواي الْيَوْم مَا يقبل ... فِي الْخبز شفاعه) الرمل فَكتب إِلَيْهِ أَمِين الدولة بن التلميذ الْجَواب (هَكَذَا أضياف مثلي ... يتشكون المجاعه) (غير أَنِّي لَيْسَ عِنْدِي ... لمضر من شفاعه)

стр. 355

(فتعلل بسويق ... فَهُوَ خير من قطاعه) (بحياتي قل كَمَا ... ترسمه سمعا وطاعه) وأهدي إِلَى الْوَزير ابْن صدقه كتاب المحاضرات للراغب وَكتب مَعَه (لما تعذر أَن أكون ملازما ... لجناب مَوْلَانَا الْوَزير الصاحب) (ورغبت فِي ذكري بِحَضْرَة مجده ... اذكرته بمحاضرات الرَّاغِب) الْكَامِل وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم بن الْفضل قد عتب على أَمِين الدولة بن التلميذ عتبا مريبا فَأَجَابَهُ أَمِين الدولة بِأَن خلع عَلَيْهِ قَمِيصًا مصمتا أسود وَكتب إِلَيْهِ (أحبك فِي السَّوْدَاء تسحب ذيلها ... خَطِيبًا وَلَكِن لَا بِذكر مثالبي) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أَتَانِي كتاب لم يزدني بَصِيرَة ... بسؤدد مهديه إِلَيّ وفضله) (فَقلت وَقد أخجلتني بابتدائه ... أَبى الْفضل إِلَّا أَن يكون لأَهله) الطَّوِيل أأأ وَكتب إِلَى الْوَزير سعد الْملك نصير الدّين فِي صدر كتاب (لَا زَالَ جدك بالإقبال مَوْصُولا ... وجد ضدك بالأذلال مغلولا) (وَلَا عدمت من الرَّحْمَن موهبة ... تعيد ربعك بالعافين مأهولا) (فَنعم منطلق الْكَفَّيْنِ أَنْت إِذا ... أضحى اللَّئِيم عَن الْمَعْرُوف مغلولا) (تجود بِالْمَالِ لَا تسْأَل يَدَاهُ وَإِن ... تسْأَل فَصَاحَته بذ الورى قيلا) (لَا يستريح إِلَى العلات معتذرا ... إِذا الضنين رأى للبخل تَأْوِيلا) (يُبَادر الْجُود سبقا للسؤال يرى ... تَعْجِيله بعد بذل الْوَجْه تأجيلا) (لَا غروان كسفت شمس الضُّحَى وبدت ... فَأكْثر النَّاس تبجيلا وتهليلا) (فَأَنت سيف غياث الدّين أغمده ... صونا وَعَاد على الْأَعْدَاء مسلولا) (فَلَا خلا الدست من غيث إِذا قَنطُوا ... ظلّ نداه لَدَى الرواد مبذولا) (فَمَا يَلِيق بِغَيْر السعد مُسْنده ... وَإِن أعاروه إعظاما وتبجيلا) (فَاسْلَمْ على الدَّهْر فِي نعماء صَافِيَة ... من النوائب مرهوبا ومأمولا) الْبَسِيط
следующие страницы →