← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الدرْع (وبيضاء لَا للبيض والسمرقدها ... تظاهر فِي تقويمها الْحر وَالْبرد) (تجلت لنا حبا وَلم تجر فِي رَحا ... وَلَكِن تولاه لَهَا الدق وَالْبرد) (وقيت بهَا نَفسِي فَكَانَت كَأَنَّهَا ... هِيَ الشَّمْس محبوبا بهَا الْكَوْكَب الْفَرد) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الإبرة (وكاسبة رزقا سواهَا يجوزه ... وَلَيْسَ لَهَا حمد عَلَيْهِ وَلَا أجر) (مفرقة للشمل وَالْجمع دأبها ... وخادمة للنَّاس تخدمها عشر) (إِذا خطرت جرت فضول ذيولها ... سجية ذِي كبر وَلَيْسَ بهَا كبر) (ترى النَّاس طرا يلبسُونَ الَّذِي نضت ... تعمهم جودا وَلَيْسَ لَهَا وفر) (لَهَا الْبَيْت بعد الْعِزّ غير مدافع ... إِلَى بأسه تعزى المهندة البتر) (أضرّ بهَا مثلي نحول بجسمها ... وَإِن لم يرعها مثل مَا راعني هجر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي الظل (وَشَيْء من الْأَجْسَام غير مجسم ... لَهُ حركات تَارَة وَسُكُون) (يتم أواني كَونه وفساده ... وَفِي وَقت محياه المحاق يكون) (إِذا بَانَتْ الْأَنْوَار بَان لناظر ... وَأما إِذا بَانَتْ فَلَيْسَ يبين) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا مِمَّا يكْتب على حَصِير (أفرشت خدي للضيوف وَلم يزل ... خلقي التَّوَاضُع للبيب الأكيس) (فتواضعي أعلا مَكَاني بَينهم ... طورا فصرت أحل صدر الْمجْلس) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا فِي مَعْنَاهُ (رب وصل شهدته فتمتعت ... عنَاقًا بالعاشقين جَمِيعًا) (وجداني للود أَهلا وللسر ... مَكَانا وللصديق مُطيعًا) الْخَفِيف

стр. 352

وَقَالَ أَيْضا فِي مدخنة النجور (إِذا الهجر أضرم نَار الْهوى ... فقلبي يضرم للهجر نَارا) (أبوح بأسراري الْمُضْمرَات ... تبدو سرارا وتبدو جهارا) (إِذا مَا طوى خبري صَاحب ... أَبى طيب عرفي إِلَّا انتشارا) وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (كل نَار للشوق تضرم بالهجر ... وناري تشب عِنْد الْوِصَال) (فَإِذا الصد راعني سكن الوجد ... وَلم يخْطر الغرام ببالي) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (يَشكونَ المحبون الجوى ... عِنْد التَّفَرُّق والزيال) (وَأَشد مَا أصلى بِنَا ... والشوق أَوْقَات الْوِصَال) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا فِيهَا (رب حمى لَا ترام عزته ... أبحته النَّفس غير مَحْجُوب) (يُبْدِي عياني لمن تأملني ... نَار محب وَنشر مَحْبُوب) المنسرح وَقَالَ أَيْضا فِي مغسل الشّرْب (إِذا مَا خطبت الود بَين معاشر ... فَكُن لَهُم مثلي تعد أَخا صدق) (إِذا استأثروا من كل كأس بصفوها ... رضيت بِمَا أبقوه من مشرب رنق) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَا تدع رَبك أَن يعذب عَاشِقًا ... لقبيح صورتهَا بِغَيْر وصالها) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا (أكثرت حسو الْبيض ... كَيْمَا يستديم قيام أيرك) (مَا لَا يقوم ببيضتيك ... فَلَا يقوم ببيض غَيْرك) الْكَامِل

стр. 353

وَقَالَ أَيْضا يهجو إنْسَانا بِالْعينِ (مدور الْعين فاتخذه ... لتل غرس وثل عرش) (لَو رمقت عينه الثريا ... أخرجهَا فِي بَنَات نعش) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (يَا دَار لَا تنكري مني الْتِفَات فَتى ... فِرَاق أحبابه أجْرى مدامعه) (عهِدت فِيك قميرا كَانَ يؤنسني ... حينا فعيناي تستقري مطالعه) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (خَلِيل نأى عني فبدلت بعده ... مُقيم الجوى من صفو عَيْش وطيبه) (أغار عَلَيْهِ صرف دهر فغاله ... وَعَما قَلِيل سَوف يلحقني بِهِ) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَا تعجبوا من حنين قلبِي ... إِلَيْهِم واعذروا غرامي) (فالقوس مَعَ كَونهَا جمادا ... تَئِنُّ من فرقة السِّهَام) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (كَيفَ ألذ الْعَيْش فِي بَلْدَة ... سكان قلبِي غير سكانها) (لَو أَنَّهَا الْجنَّة قد أزلفت ... أرْضهَا إِلَّا برضوانها) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا يرثي (كم ذَا الْوُقُوف على غرور أماني ... أأخذت من دنياك عقد أَمَان) (هَل عيشة بعد الرضى مرضية ... كلا وَلَو كَانَت خُلُود جنان) (إِن السَّمَاء لفقده لحزينة ... فرياحها نفس الكئيب العاني) (والغيث أدمعه وَمَا برقتْ بِهِ ... نَار الجوى والرعد للأرنان)

стр. 354

(لَو ذاق فقدك من يلوم على البكا ... لزرى على التبسيم والسلوان) (تبعوك إِذا صلوا عَلَيْك وَلم تزل ... كالنجم تهديهم بِكُل مَكَان) (كنت الْمُقدم فِي الصُّفُوف لجولة ... الأقران أَو لتلاوة الْقُرْآن) (لَا تبعدن وَمَا الْبعيد بِمن نأى ... حَيا وَلَكِن الْبعيد الداني) (وَقَالَ أَيْضا يرثي الْأَمِير سيف الدولة صَدَقَة ... بن مَنْصُور دبيس الْأَسدي لما قتل) (ليبك ابْن مَنْصُور عفاة نواله ... إِذا عصفت بِالرِّيحِ نكباء حرجف) (وَيذكرهُمْ من ردهم بعبوسه ... فَتى كَانَ يلقاهم ببشر ويسعف) (وَلما سما فَوق السَّمَاء بهمة ... يغض لَهَا طرف الحسود ويطرف) (رمته اللَّيَالِي بل رمتنا برزئه ... كبدر الدجى فِي لَيْلَة التم يخسف) (عَلَيْك سَلام لَا تزَال قُلُوبنَا ... على حزن مَا هبت الرّيح توقف) (وَلَا بَرحت عين السَّمَاء بوبلها ... على جدث وأراك تهمي وتذرف) الطَّوِيل وَقَالَ يهنيء بخلعة (لَئِن شرفت مناسبها وجلت ... لقد زفت إِلَى كُفْء شرِيف) (إِلَى من زانها وأزان مِنْهَا ... كسالفة المليحة والشنوف) الوافر وَكتب إِلَيْهِ الرئيس أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَفْلح الْكَاتِب وَقد نقه من مرض كَانَ بِهِ (أَنا جوعان فانقذني ... من هذي المجاعه) (فَرجي فِي الكسرة الْخبز ... وَلَو كَانَت قطاعه) (لَا تقل لي سَاعَة تصبر ... مَالِي صَبر ساعه) (فخواي الْيَوْم مَا يقبل ... فِي الْخبز شفاعه) الرمل فَكتب إِلَيْهِ أَمِين الدولة بن التلميذ الْجَواب (هَكَذَا أضياف مثلي ... يتشكون المجاعه) (غير أَنِّي لَيْسَ عِنْدِي ... لمضر من شفاعه)

стр. 355

(فتعلل بسويق ... فَهُوَ خير من قطاعه) (بحياتي قل كَمَا ... ترسمه سمعا وطاعه) وأهدي إِلَى الْوَزير ابْن صدقه كتاب المحاضرات للراغب وَكتب مَعَه (لما تعذر أَن أكون ملازما ... لجناب مَوْلَانَا الْوَزير الصاحب) (ورغبت فِي ذكري بِحَضْرَة مجده ... اذكرته بمحاضرات الرَّاغِب) الْكَامِل وَكَانَ أَبُو الْقَاسِم بن الْفضل قد عتب على أَمِين الدولة بن التلميذ عتبا مريبا فَأَجَابَهُ أَمِين الدولة بِأَن خلع عَلَيْهِ قَمِيصًا مصمتا أسود وَكتب إِلَيْهِ (أحبك فِي السَّوْدَاء تسحب ذيلها ... خَطِيبًا وَلَكِن لَا بِذكر مثالبي) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أَتَانِي كتاب لم يزدني بَصِيرَة ... بسؤدد مهديه إِلَيّ وفضله) (فَقلت وَقد أخجلتني بابتدائه ... أَبى الْفضل إِلَّا أَن يكون لأَهله) الطَّوِيل أأأ وَكتب إِلَى الْوَزير سعد الْملك نصير الدّين فِي صدر كتاب (لَا زَالَ جدك بالإقبال مَوْصُولا ... وجد ضدك بالأذلال مغلولا) (وَلَا عدمت من الرَّحْمَن موهبة ... تعيد ربعك بالعافين مأهولا) (فَنعم منطلق الْكَفَّيْنِ أَنْت إِذا ... أضحى اللَّئِيم عَن الْمَعْرُوف مغلولا) (تجود بِالْمَالِ لَا تسْأَل يَدَاهُ وَإِن ... تسْأَل فَصَاحَته بذ الورى قيلا) (لَا يستريح إِلَى العلات معتذرا ... إِذا الضنين رأى للبخل تَأْوِيلا) (يُبَادر الْجُود سبقا للسؤال يرى ... تَعْجِيله بعد بذل الْوَجْه تأجيلا) (لَا غروان كسفت شمس الضُّحَى وبدت ... فَأكْثر النَّاس تبجيلا وتهليلا) (فَأَنت سيف غياث الدّين أغمده ... صونا وَعَاد على الْأَعْدَاء مسلولا) (فَلَا خلا الدست من غيث إِذا قَنطُوا ... ظلّ نداه لَدَى الرواد مبذولا) (فَمَا يَلِيق بِغَيْر السعد مُسْنده ... وَإِن أعاروه إعظاما وتبجيلا) (فَاسْلَمْ على الدَّهْر فِي نعماء صَافِيَة ... من النوائب مرهوبا ومأمولا) الْبَسِيط

стр. 356

وَكتب فِي صدر كتاب إِلَى جمال الرؤساء أبي الْفَتْح هبة الله بن الْفضل بن صاعد جَوَابا (مَا نشر أنفاس الرياض مَرِيضَة ... عوادها طل الندى وقطار) (بدميثة ميثاء حلى وَجههَا ... وحبا عَلَيْهَا حنوة وعرار) (كفلت بثروتها مُؤَبّدَة بهَا ... وَكفى صداها جدول مدرار) (بَكت السَّمَاء فأضحكتها مثل مَا ... أبْكِي فتضحك بِي الْغَدَاة نوار) (وَإِذا تعارضها ذكاء تشعشعت ... فتمازج النوار والنوار) (مشت الصِّبَا بفروعها مختالة ... فصبا المشوق وَغَيره استعبار) (وَإِذا تغنى الطير فِي أرجائها ... أبدى بلابل صَدره التذْكَار) (يَوْمًا بأطيب من جوارك شَاهدا ... أَو غَائِبا تَدْنُو بك الْأَخْبَار) وَكتب إِلَيْهِ جمال الْملك أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن أَفْلح فِي أثْنَاء كتاب (إِنِّي وحقك مُنْذُ ارتحلت ... نهاري حنين وليلي أَنِين) (وَمَا كنت أعرف قبلي امْرَءًا ... بجسم يُقيم وقلب يبين) (يَقُول الخلي إِذا مَا رأى ... ولوعي بذكراك لَا تستكين) (تسل فَقل دهاك الْفِرَاق ... أَتَدْرِي جوى الْبَين أَنى يكون) (وَكَيف السَّبِيل إِلَى سلوتي ... وحزني وَفِي وصبري خؤون) المتقارب فَكتب أَمِين الدولة فِي جَوَابه (وَإِنِّي وحبك مذ بنت عَنْك ... قلبِي حَزِين ودمعي هتون) (وأخلف ظَنِّي صَبر معِين ... وَشَاهد شكواي دمع معِين) (فَللَّه أيامنا الخاليات ... لَو رد سالف دهر حنين) (وَإِنِّي لأرعى عهود الصفاء ... ويكلؤها لَك ود مصون) (واحفظ ودك عَن قَادِح ... وود الأكارم علق ثمين) (وَلم لَا يكون وَنحن اليدان ... أَنْت بِفَضْلِك مِنْهَا الْيَمين) (إِذا قلت أسلوك قَالُوا الغرام ... هَيْهَات ذَلِك مَا لَا يكون) (وَهل لي فِي سلوة مطمع ... وصبري خؤون وودي أَمِين) وَكتب فِي صدر كتاب إِلَى الْعَزِيز أبي نصربن مُحَمَّد بن حَامِد مُسْتَوْفِي الممالك (لعمر أَبِيك الْخَيْر لَيْسَ لوَاحِد ... من النَّاس إِلَّا حَامِد لِابْنِ حَامِد)

стр. 357

(كَأَنَّهُمْ دانوا الْإِلَه بشكرهم ... علاهُ وَلَكِن لَا كشكر ابْن ساعد) (هم خيروا عَنهُ فاثنوا بِصَالح ... وَعِنْدِي بِمَا اثنيت خير الْمشَاهد) الطَّوِيل وَكتب إِلَى ابْن أَفْلح (أَسَأْت بنفسي حِين أزمعت رحْلَة ... فهمي مَجْمُوع بشملي المفرق) (فَإِن امْرَءًا سر الْمُوفق قربه ... وفارقه طَوْعًا لغير موفق) الطَّوِيل وَكتب إِلَى موفق الدّين أبي طَاهِر الْحُسَيْن بن مُحَمَّد لما اجتازه بساوة وَدخل إِلَى دَار كتبهَا الَّتِي وَقفهَا الْمَذْكُور الْمَكْتُوب إِلَيْهِ (وفقت للخير إِذْ عممت بِهِ ... طلابه يَا موفق الدّين) (أزلفت للنَّاس جنَّة جمعت ... عُيُون فضل أشهى من الْعين) (فِيهَا ثمار الْعُقُول دانية ... قطوفها حلوة الأفانين) (لَا زلت تسمو بِكُل صَالِحَة ... بمسعدي قدرَة وتمكين) (وَيرْحَم الله كل مستمع ... مشيع دَعْوَتِي بتأمين) المنسرح ولأمين الدولة بن التلميذ من الْكتب أقراباذينه الْعشْرين بَابا وشهرته وتداول النَّاس لَهُ أَكثر من سَائِر كتبه أقراباذينه الموجز البيمارستاني وَهُوَ ثَلَاثَة عشر بَابا الْمقَالة الأمينية فِي الْأَدْوِيَة البيمارستانية اخْتِيَار كتاب الْحَاوِي للرازي اخْتِيَار كتاب مسكويه فِي الْأَشْرِبَة اخْتِصَار شرح جالينوس لكتاب الْفُصُول لأبقراط اخْتِصَار شرح جالينوس لكتاب تقدمة الْمعرفَة لأبقراط تَتِمَّة جَوَامِع الإسكندرانيين لكتاب حِيلَة الْبُرْء لِجَالِينُوسَ شرح مسَائِل حنين بن إِسْحَق على جِهَة التَّعْلِيق شرح أَحَادِيث نبوية تشْتَمل على طب كناش مُخْتَصر الْحَوَاشِي على كتاب القانون للرئيس ابْن سينا الْحَوَاشِي على كتاب الْمِائَة للمسيحي التَّعَالِيق على كتاب الْمِنْهَاج وَقيل إِنَّهَا لعَلي بن هبة الله بن أثردي الْبَغْدَادِيّ مقَالَة فِي الفصد كتاب يشْتَمل على توقيعات ومراسلات تعاليق استخرجها من كتاب الْمِائَة للمسيحي مُخْتَار من كتاب أبدال الْأَدْوِيَة لِجَالِينُوسَ أَبُو الْفرج يحيى بن التلميذ هُوَ الْأَجَل الْحَكِيم مُعْتَمد الْملك أَبُو الْفرج يحيى بن صاعد بن يحيى بن التلميذ كَانَ مُتَعَيّنا فِي الْعُلُوم الحكيمة متقنا للصناعة الطبية متحليا بالأدب بَالغا فِيهِ أَعلَى الرتب وَكَذَلِكَ أَيْضا كَانَ لأمين الدولة بن التلميذ جمَاعَة من الْأَنْسَاب كل مِنْهُم مُتَعَلق بالفضائل والآداب وَقد رَأَيْت بِخَط الْأَجَل

стр. 358

مُعْتَمد الْملك يحيى بن التلميذ مَا يدل على فَضله وعلو قدره ونبله وَكَانَ من الْمَشَايِخ الْمَشْهُورين فِي صناعَة الطِّبّ وَله تلاميذ عدَّة وَقَالَ الشريف أَبُو الْعَلَاء مُحَمَّد بن الهبارية العباسي من قصيدة يمدح الْحَكِيم أَبَا الْفرج يحيى بن صاعد ابْن التلميذ وَكَانَ ابْن الهبارية قد أَتَاهُ إِلَى أَصْبَهَان فَحصل لَهُ من الْأُمَرَاء والأكابر مَالا جزيلا يَقُول فِيهَا (وَجَمِيع مَا حصلته وَجمعته ... مِنْهُم وَكنت لَهُ بشعري كاسبا) (نعمى أبي الْفرج بن صاعد الَّذِي ... مَا زَالَ عني فِي المكاسب نَائِبا) (هُوَ لَا عدمت علاهُ حصل كَمَا مَا ... أملته ومري فَكنت الحالبا) (يحيى بن صاعد بن يحيى لم يزل ... للمكرمات إِلَى جنابي جالبا) (أَحْيَا مطامعي الَّتِي مَاتَت فَتى ... أَحْيَا الفتوة والمروءة دائبا) (مَا زَالَ ينعشني نداه حَاضرا ... وينوب عني فِي المطالب غَائِبا) (فِي بَاب سيف الدولة بن بهائها ... وَكَذَا نصير الدّين كَانَ مُخَاطبا) (كاتبته بحوائجي وهززته ... فَوَجَدته فِيهَا الحسام القاضبا) (وكذاك فِي بَاب الْأَغَر وَغَيره ... فِي الْخطب كنت لَهُ بِذَاكَ مُخَاطبا) (مَا زَالَ يغرسني يَدَاهُ وَلم أزل ... بعلاه مَا بَين الْبَريَّة خاطبا) وَمِنْهَا (لَا تحوجن أَخَاك لَا بل عَبدك الْقِنّ ... ابْن عَبدك إِن يروم أجانبا) (فلأنت أولى بِي لما عودتني ... عَمَّن غَدا لي فِي الْأُصُول مناسبا) (لَا زلت أثني بِالَّذِي أوليتني ... وعَلى المديح محافظا ومواظبا) (وَبقيت لي ذخْرا ودمت ممتعا ... بالمجد للأبراد مِنْهُ ساحبا) (ثِقَة الْخلَافَة سيد الْحُكَمَاء مُعْتَمد ... الْمُلُوك الفيلسوف الكاتبا) (لم لَا تكاتبني فكتبك نزهة ... حسنا تخال من الْجلَال كتائبا) (وَمن الملاحة واللطافة رَوْضَة ... وَمن الإفادة فِي الْبَيَان سحائبا) (مازح وطايب مَا اسْتَطَعْت فَمَا الْفَتى ... من لَا يكون ممازحا ومطايبا) (وفداك من نوب الزَّمَان وَصَرفه ... قوم يُرِيدُونَ الزَّمَان معايبا) الْكَامِل وَمن شعر أبي الْفرج يحيى بن التلميذ نقلت من كتاب زِينَة الدَّهْر لعَلي بن يُوسُف بن أبي الْمَعَالِي سعد بن عَليّ الحظيري قَالَ وجدت بِخَط الْأَجَل الْحَكِيم مُعْتَمد الْملك يحيى بن التلميذ لنَفسِهِ لغزا فِي الإبرة (وفاغرة فَمَا فِي الرجل مِنْهَا ... وَلَكِن لَا تسيغ بِهِ طَعَاما)

стр. 359

(ومخطفة الحشا فِي الرَّأْس مِنْهَا ... لِسَان لَا تطِيق بِهِ الكلاما) (تصول بشوكة تبدو وسم ... وَمَا من ذاقه يرد الحماما) (تجر وَرَاءَهَا أبدا أَسِيرًا ... كَمَا قادت يَد الْحَادِي الزماما) (منيعا ذَا قوى لَكِن ترَاهُ ... بقبضتها ذليلا مستضاما) (فتلقيه بمحبسها مُقيما ... طوال الدَّهْر لَا يَأْبَى المقاما) (أيا عجبا لَهَا سَوْدَاء خلقا ... تريك خلائقا بيضًا كراما) (غَدَتْ عُرْيَانَة من كل لبس ... وفاضل ذيلها يكسو الأناما) الوافر قَالَ وجدت بِخَطِّهِ فِي دَار جَدِيدَة بناها سيف الدولة صَدَقَة وَقعت فِيهَا نَار يَوْم الْفَرَاغ مِنْهَا (يَا بانيا دَار العلى ملأتها ... لتزيدها شرفا على كيوان) (علمت بأنك إِنَّمَا شيدتها ... للمجد والأفضال وَالْإِحْسَان) (فقفت عوائدك الْكِرَام وسابقت ... تسْتَقْبل الأضياف بالنيران) الْكَامِل وَمن شعر أبي الْفرج يحيى بن التلميذ أَيْضا قَالَ لغزا فِي الْقوس (وَمَا ذُو قامة ذَات اعوجاج ... تَئِنُّ وتنحني عِنْد الْهياج) (لَهَا الْمَكْر الْخَفي مَعَ التمطي ... كمكر الراح فِي الْقدح الزّجاج) الوافر وَقَالَ أَيْضا (علق الْفُؤَاد على خلو حبها ... علق الذبالة فِي الحشا الْمِصْبَاح) (لَا يُسْتَطَاع الدَّهْر فرقة بَينهم ... إِلَّا لحين تفرق الأشباح) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (فراقك عِنْدِي فِرَاق الْحَيَاة ... فَلَا تجهزن على مدنف) (علقتك كالنار فِي شمعها ... فَمَا أَن تفارق أَو تنطفي) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (بدا إِلَيْنَا أرج القادم ... فبرد الْغلَّة من حائم) (روح عَن قلبِي على نأيه ... وَقد يلذ الطيف للحالم) السَّرِيع

стр. 360

وَقَالَ فِي ذمّ مغن (لنا مغن إِن شدا ... تدفننا ثلوجه) (فموتنا خُرُوجه ... وبعثنا خُرُوجه) الرجز أوحد الزَّمَان أَبُو البركات هبة الله بن عَليّ ملكا الْبَلَدِي لِأَن مولده بِبَلَد ثمَّ أَقَامَ بِبَغْدَاد كَانَ يَهُودِيّا وَأسلم بعد ذَلِك وَكَانَ فِي خدمَة المستنجد بِاللَّه وتصانيفه فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَكَانَ لَهُ اهتمام بَالغ فِي الْعُلُوم وفطرة فائقة فِيهَا وَكَانَ مبدأ تعلمه صناعَة الطِّبّ أَن أَبَا الْحسن سعيد بن هبة الله بن الْحُسَيْن كَانَ من الْمَشَايِخ المتميزين فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ لَهُ تلاميذ عدَّة يتناوبونه فِي كل يَوْم للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَلم يكن يقرئ يَهُودِيّا أصلا وَكَانَ أَبُو البركات يَشْتَهِي أَن يجْتَمع بِهِ وَأَن يتَعَلَّم مِنْهُ وَثقل عَلَيْهِ بِكُل طَرِيق فَلم يقدر على ذَلِك فَكَانَ يتخادم للبواب الَّذِي لَهُ وَيجْلس فِي دهليز الشَّيْخ بِحَيْثُ يسمع جَمِيع مَا يقْرَأ عَلَيْهِ وَمَا يجْرِي مَعَه من الْبَحْث وَهُوَ كلما سمع شَيْئا تفهمه وعلقه عِنْده فَلَمَّا كَانَ بعد مُدَّة سنة أَو نَحْوهَا جرت مَسْأَلَة عِنْد الشَّيْخ وَبَحَثُوا فِيهَا فَلم يتَّجه لَهُم عَنْهَا جَوَاب وبقوا متطلعين إِلَى حلهَا فَلَمَّا تحقق ذَلِك مِنْهُم أَبُو البركات دخل وخدم الشَّيْخ وَقَالَ يَا سيدنَا عَن أَمر مَوْلَانَا أَتكَلّم فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَقَالَ قل إِن كَانَ عنْدك فِيهَا شَيْء فَأجَاب عَنْهَا بِشَيْء من كَلَام جالينوس وَقَالَ يَا سيدنَا هَذَا جرى فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ من الشَّهْر الْفُلَانِيّ فِي ميعاد فلَان وعلق بخاطري من ذَلِك الْيَوْم فَبَقيَ الشَّيْخ مُتَعَجِّبا من ذكائه وحرصه واستخبره عَن الْموضع الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ فَأعلمهُ بِهِ فَقَالَ من يكون بِهَذِهِ المثابة مَا نستحل أَن نمنعه من الْعلم وقربه من ذَلِك الْوَقْت وَصَارَ من أجل تلاميذه وَمن نَوَادِر أوحد الزَّمَان فِي المداواة أَن مَرِيضا بِبَغْدَاد كَانَ قد عرض لَهُ عِلّة الماليخوليا وَكَانَ يعْتَقد أَن على رَأسه دنا وَأَنه لَا يُفَارِقهُ أبدا فَكَانَ كلما مَشى يتحايد الْمَوَاضِع الَّتِي سقوفها قَصِيرَة وَيَمْشي بِرِفْق وَلَا يتْرك أحدا يدنو مِنْهُ حَتَّى لَا يمِيل الدن أَو يَقع عَن رَأسه وَبَقِي بِهَذَا الْمَرَض مُدَّة وَهُوَ فِي شدَّة مِنْهُ وعالجه جمَاعَة من الْأَطِبَّاء وَلم يحصل بمعالجتهم تَأْثِير ينْتَفع بِهِ وأنهى أمره إِلَى أوحد الزَّمَان ففكر أَنه مَا بَقِي شَيْء يُمكن أَن يبرأ بِهِ إِلَّا بالأمور الوهمية فَقَالَ لأَهله إِذا كنت فِي الدَّار فأتوني بِهِ ثمَّ إِن أوحد الزَّمَان أَمر أحد غلمانه بِأَن ذَلِك الْمَرِيض إِذا دخل إِلَيْهِ وَشرع فِي الْكَلَام مَعَه وَأَشَارَ إِلَى الْغُلَام بعلامة بَينهمَا إِنَّه يُسَارع بخشبة كيرة فَيضْرب بهَا فَوق رَأس الْمَرِيض على بعد مِنْهُ كَأَنَّهُ يُرِيد كسر الدن الَّذِي يزْعم أَنه على رَأسه وَأوصى غُلَاما آخر وَكَانَ قد أعد مَعَه دنا فِي أَعلَى السَّطْح أَنه مَتى رأى ذَلِك الْغُلَام قد ضرب فَوق رَأس صَاحب الماليخوليا أَن يَرْمِي الدن الَّذِي عِنْده

стр. 361

بِسُرْعَة إِلَى الأَرْض وَلما كَانَ أوحد الزَّمَان فِي دَاره وَأَتَاهُ الْمَرِيض شرع فِي الْكَلَام مَعَه وحادثه وَأنكر عَلَيْهِ حمله للدن وَأَشَارَ إِلَى الْغُلَام الَّذِي عِنْده من غير علم الْمَرِيض فَأقبل إِلَيْهِ وَقَالَ وَالله لَا بُد لي أَن أكسر هَذَا الدن وأريحك مِنْهُ ثمَّ أدَار تِلْكَ الْخَشَبَة الَّتِي مَعَه وَضرب بهَا فَوق رَأسه بِنَحْوِ ذِرَاع وَعند ذَلِك رمى الْغُلَام الآخر الدن من أَعلَى السَّطْح فَكَانَت لَهُ جلبة عَظِيمَة وتكسر قطعا كَثِيرَة فَلَمَّا عاين الْمَرِيض مَا فعل بِهِ وَرَأى الدن المنكسر تأوه لكسرهم إِيَّاه وَلم يشك أَنه الَّذِي كَانَ على رَأسه بِزَعْمِهِ وَأثر فِيهِ الْوَهم أثرا برِئ من علته تِلْكَ وَهَذَا بَاب عَظِيم فِي المداواة وَقد جرى أَمْثَال ذَلِك لجَماعَة من الْأَطِبَّاء الْمُتَقَدِّمين مثل جالينوس وَغَيره فِي مداواتهم بالأمور الوهمية وَقد ذكرت كثيرا من ذَلِك فِي غير هَذَا الْكتاب وحَدثني الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس المطران قَالَ حَدثنِي الأوحد بن التقي قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا عبد الْوَدُود الطَّبِيب قَالَ حَدثنِي أَبُو الْفضل تلميذ أبي البركات الْمَعْرُوف بأوحد الزَّمَان قَالَ كُنَّا فِي خدمَة أوحد الزَّمَان فِي معسكر السُّلْطَان فَفِي يَوْم جَاءَهُ رجل بِهِ داحس إِلَّا أَن الورم كَانَ نَاقِصا وَكَانَ يسيل مِنْهُ صديد قَالَ فحين رأى ذَلِك أوحد الزَّمَان بَادر إِلَى سلامية أُصْبُعه فقطعها قَالَ فَقُلْنَا لَهُ يَا سيدنَا لقد أجحفت فِي المداواة وَكَانَ يُغْنِيك أَن تداويه بِمَا يداوي بِهِ غَيْرك وتبقي عَلَيْهِ إصبعه ولمناه وَهُوَ لَا ينْطق بِحرف قَالَ وَمضى ذَلِك الْيَوْم وَجَاء فِي الْيَوْم الثَّانِي رجل آخر مثل ذَلِك سَوَاء فَأَوْمأ إِلَيْنَا بمداواته وَقَالَ افعلوا فِي هَذَا مَا تَرَوْنَهُ صَوَابا قَالَ فداويناه بِمَا يداوي بِهِ الداحس فاتسع الْمَكَان وَذهب الظفر وتعدى الْأَمر إِلَى ذهَاب السلامية الأولى من سلاميات الإصبع وَمَا تركنَا دَوَاء إِلَّا وداويناه بِهِ وَلَا علاجا إِلَّا وعالجناه وَلَا لطوخا إِلَّا ولطخناه وَلَا مسهلا إِلَّا وسقيناه وَهُوَ مَعَ ذَلِك يزِيد وَيَأْكُل الإصبع أسْرع أكل وَآل أمره إِلَى الْقطع فَعلمنَا أَن فَوق كل ذِي علم عليم قَالَ وَفَشَا هَذَا الْمَرَض فِي تِلْكَ السّنة وغفل جمَاعَة مِنْهُم عَن الْقطع فتأدى أَمر بَعضهم إِلَى الْيَد وَبَعْضهمْ إِلَى هَلَاك أنفسهم ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ فِيمَا ذكره عَن ابْن الدهان المنجم قَالَ قَالَ كَانَ الشَّيْخ أَبُو البركات قد عمي فِي آخر عمره وَكَانَ يملي على جمال الدّين بن فضلان وعَلى ابْن الدهان المنجم وعَلى يُوسُف وَالِد الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف وعَلى الْمُهَذّب بن النقاش كتاب الْمُعْتَبر وَقيل إِن أوحد الزَّمَان كَانَ سَبَب إِسْلَامه أَنه دخل يَوْمًا إِلَى الْخَلِيفَة فَقَامَ جَمِيع مَا حضر إِلَّا قَاضِي الْقُضَاة فَإِنَّهُ كَانَ حَاضرا وَلم ير أَنه يقوم مَعَ الْجَمَاعَة لكَونه ذِمِّيا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 362

إِن كَانَ القَاضِي لم يُوَافق الْجَمَاعَة لكَونه يرى إِنِّي على غير مِلَّته فَأَنا أسلم بَين يَدي مَوْلَانَا وَلَا أتركه ينتقصني بِهَذَا وَأسلم وحَدثني الشَّيْخ سعد الدّين أَبُو سعيد بن أبي السهل الْبَغْدَادِيّ العواد وَكَانَ فِي أول أمره يَهُودِيّا أَنه كَانَ يسكن بِبَغْدَاد فِي محلّة الْيَهُود قَرِيبا من دَار أوحد الزَّمَان وَأَنه لم يحقه كثيرا بل كَانَ وَهُوَ صَغِير يدْخل إِلَى دَاره وَقَالَ وَكَانَ لأوحد الزَّمَان بَنَات ثَلَاث وَلم يخلف ولدا ذكرا وعاش نَحْو ثَمَانِينَ سنة وحَدثني القَاضِي نجم الدّين عمر بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الكريدي قَالَ كَانَ أوحد الزَّمَان وَأمين الدولة بن التلميذ بَينهمَا معاداة وَكَانَ أوحد الزَّمَان لما أسلم يتنصل كثيرا من الْيَهُود ويلعنهم ويسبهم فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام فِي مجْلِس بعض الْأَعْيَان الأكابر وَعِنْده جمَاعَة وَفِيهِمْ أَمِين الدولة بن التلميذ وَجرى ذكر الْيَهُود فَقَالَ أوحد الزَّمَان لعن الله الْيَهُود فَقَالَ أَمِين الدولة نعم وَأَبْنَاء الْيَهُود فَوَجَمَ لَهَا أوحد الزَّمَان وَعرف أَنه عناه بِالْإِشَارَةِ وَلم يتَكَلَّم وَمن كَلَام أوحد الزَّمَان حَدثنِي بدر الدّين أَبُو الْعِزّ يُوسُف بن مكي قَالَ حَدثنِي مهذب الدّين ابْن هُبل قَالَ سَمِعت أوحد الزَّمَان يَقُول الشَّهَوَات أجر تستخدم بهَا النُّفُوس فِي عمَارَة عَالم الطبيعة لتذهل عَمَّا يلْزمهَا من التَّعَب ويلحقها من الكلال فأعملها فِي ذَلِك أخسها وأزهدها أحسها ولأوحد الزَّمَان من الْكتب كتاب الْمُعْتَبر وَهُوَ من أجل كتبه وأشهرها فِي الْحِكْمَة مقَالَة فِي سَبَب ظُهُور الْكَوَاكِب لَيْلًا واختفائها نَهَارا ألفها للسُّلْطَان الْمُعظم غياث الدّين أبي شُجَاع مُحَمَّد بن ملك شاه اخْتِصَار التشريح اخْتَصَرَهُ من كَلَام جالينوس ولخصه بأوجز عبارَة كتاب الأقراباذين ثَلَاث مقالات مقَالَة فِي الدَّوَاء الَّذِي أَلفه الْمُسَمّى برشعثا استقصى فِيهِ صفته وَشرح أدويته مقَالَة فِي معجون آخر أَلفه وَسَماهُ أَمِين الْأَرْوَاح رِسَالَة فِي الْعقل وماهيته البديع الأصطرلابي هُوَ بديع الزَّمَان أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحُسَيْن بن أَحْمد الْبَغْدَادِيّ من الْحُكَمَاء الْفُضَلَاء والأدباء النبلاء طَبِيب عَالم وفيلسوف مُتَكَلم وغلبت عَلَيْهِ الْحِكْمَة وَعلم الْكَلَام والرياضي وَكَانَ متقنا لعلم النُّجُوم والرصد وَكَانَ البديع الاصطرلابي صديقا لأمين الدولة بن التلميذ وَحكي أَنه اجْتمع على أَمِين الدولة بأصبهان فِي سنة عشرَة وَخَمْسمِائة وحَدثني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي قَالَ كَانَ البديع الاصطرلابي أوحد زَمَانه فِي علم الاصطرلاب وَعَمله وإتقان صَنعته فَعرف بذلك

стр. 363

أَقُول وَكَانَ وَالِد مهذب الدّين أبي نصر من طبرستان وَهُوَ الْمَعْرُوف بالبرهان المنجم وَكَانَ عَلامَة وقته فِي أَحْكَام النُّجُوم وَله حكايات عَجِيبَة فِي ذَلِك وَقد ذكرت أَشْيَاء مِنْهَا فِي كتاب إصابات المنجمين وَكَانَ قد اجْتمع بالبديع الإصطرلابي وَصَاحبه مُدَّة وللبديع الإصطرلابي نظم جيد حسن الْمعَانِي وَمن شعر البديع الإصطرلابي وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْحلَبِي قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني البديع الإصطرلابي لنَفسِهِ (يَا ابْن الَّذين مضوا على دين الْهدى ... والطاعنين مقاعد الإعدام) (فوجوههم قبل العلى وأكفهم ... سحب الندى ومنابر الأقلام) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (أهْدى لمجلسك الشريف وَإِنَّمَا ... أهدي لَهُ مَا حزت من نعمائه) (كالبحر يمطره السَّحَاب وَمَاله ... من عَلَيْهِ لِأَنَّهُ من مَائه) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (قَامَ إِلَى الشَّمْس بآلاته ... لينْظر السعد من النحس) (فَقلت أَيْن الشَّمْس قَالَ الْفَتى ... فِي الثور قلت الثور فِي الشَّمْس) السَّرِيع وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (قيل لي قد عشقته أَمْرَد الخد ... وَقد قيل إِنَّه نكريش) (قلت فرخ الطاووس أحسن مَا كَانَ ... إِذا مَا علا عَلَيْهِ الريش) الْخَفِيف وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (هَل عثرت أَقْلَام خطّ العذار ... فِي مشقها فالخال نقط العثار) (أم اسْتَدَارَ الْخط لما غَدَتْ ... نقطته مَرْكَز ذَاك الْمدَار) (وريقة الْخمر فَهَل ثغره ... در حباب نظمته الْعقار) السَّرِيع

стр. 364

وَقَالَ أَيْضا (وَذُو هَيْئَة يزهو بخال مهندس ... أَمُوت بِهِ فِي كل وَقت وأبعث) (مُحِيط بأوصاف الملاحة وَجهه ... كَانَ بِهِ أقليدس يتحدث) (فعارضه خطّ اسْتِوَاء وخاله ... بِهِ نقطة والخد شكل مثلث) الطَّوِيل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني وَالِدي قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ جَوَابا عَن قصيدة كتبهَا إِلَيْهِ القيسراني أَولهَا (أعرب الْفضل من بديع الزَّمَان ... عَن معَان عزت على يونان) (مَا تَلَاهَا لما تَلَاهَا وَلَكِن ... فاتها حائزا خِصَال الرِّهَان) الْخَفِيف قَالَ مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد فَرد جوابها قصيدة لم يبْق على ذكري مِنْهَا شَيْء سوى هَذِه الأبيات (أَيهَا السَّيِّد الَّذِي أطراني ... بمديح كَالدَّارِ قد أطغاني) (وَالَّذِي زَاد فِي محلي وقدري ... وأذل الشاني بتعظيم شاني) (فتعنفقت أَي بِأَنِّي كَمَا ... قَالَ مُجيب الطباع سهل الْجنان) (وترشحت للجواب فأعياني ... وانسل هَارِبا شيطاني) (مجبلا مجبلا يَقُول اتَّقِ الله ... فَمَالِي بِمَا تروم اليدان) (أتظن الوهاد مثل الروابي ... أم تخال الهجين مل الهجان) (أم تجاري طرفا يفوت مدى الطّرف ... إِذا مَا تجاريا فِي مَكَان) (بِحِمَار يفوتهُ الزَّمن المقعد ... إِن أرسلا غَدَاة الرِّهَان) (فاكتنفني سترا فشعري بخطى ... حِين يَبْدُو لناظر عورتان) وَمن شعر البديع الإسطرلابي أَيْضا قَالَ فِي غُلَام معذر (كن كَيفَ شِئْت فإنني ... قد صغت قلبا من حَدِيد) (وَقَعَدت انْتظر الْكُسُوف ... وَلَيْسَ ذَلِك من بعيد) الْكَامِل المرفل وَقَالَ أَيْضا (تقسم قلبِي فِي محبَّة معشر ... بِكُل فَتى مِنْهُم هواي مَنُوط) (كَانَ فُؤَادِي مَرْكَز وهم لَهُ ... مُحِيط وأهوائي إِلَيْهِ خطوط) الطَّوِيل

стр. 365

وَقَالَ أَيْضا (وشادن فِي حبه سنة ... قد جعلت حبي لَهُ فرضا) (أرْضى بِأَن أجعَل خدي لَهُ ... إِذا مَشى منتعلا أَرضًا) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (أذاقني خمرة المنايا ... لما اكتسى خضرَة العذار) (وَقد تبدى السوَاد فِيهِ ... وكارتي بعد فِي الْعيار) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (هجرت النكاريش ثمَّ انثنيت ... اعنف من بَات يهواهم) (وَمَا زلت فِي المرد ألحاهم ... إِلَى أَن بليت بألحاهم) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (تاه على النَّاس يإغرائه ... أَي فاحذروني إِنَّنِي ملسن) (إِن كَانَ فِي أَقْوَاله معربا ... فَإِنَّهُ فِي فعله يلحن) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا يهجو (مستيقظ فَإِذا استضيف ... بِهِ يصير من النيام) (وتراه فِي عدد الطغام ... إِذا رأى مضغ الطَّعَام) (تبدو مصائبه الْعِظَام ... أَو أَن تَجْرِيد الْعِظَام) الْكَامِل المرفل وَقَالَ يهجو فاصدا (وفاصد مبضعه مشرع ... كَأَنَّهُ جَاءَ إِلَى حَرْب) (فصد بِلَا نفع فَمَا حَاصِل ... غير دم يخرج من ثقب) (لَو مر فِي الشَّارِع من خَارج ... لمات من فِي دَاخل الدَّرْب) (خُذْهُ إِذا جَاشَتْ عَلَيْك العدا ... فوحده يُغْنِيك عَن حَرْب) السَّرِيع

стр. 366

وَقَالَ أَيْضا وَقد جَاءَ بالعراق وفر كثير يَعْنِي بالوفر الثَّلج (يَا صُدُور الزَّمَان لَيْسَ بوفر ... مَا رَأَيْنَاهُ فِي نواحي الْعرَاق) (إِنَّمَا عَم ظلمكم سَائِر الأَرْض ... فشابت ذوائب الْآفَاق) الْخَفِيف وَقَالَ فِي مغسل الشَّرَاب وَهُوَ جردان (إِنِّي إِذا مَا حضرت فِي مَلأ ... عددت من بعض آلَة الْفَرح) (إِذا تصدرت فِي مجَالِسهمْ ... تنغصوا لي بفاضل الْقدح) المنسرح وللبديع الإسطرلابي من الْكتب اخْتِصَار ديوَان أبي عبد الله الْحُسَيْن بن الْحجَّاج زيج سَمَّاهُ المعرب المحمودي أَلفه للسُّلْطَان مَحْمُود أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْفضل بغدادي المولد والمنشأ وَكَانَ يعاني صناعَة الطِّبّ ويباشر أَعمالهَا ويعد من جملَة الموصوفين بهَا وَكَانَ أَيْضا يكحل إِلَّا أَن الشّعْر كَانَ أغلب عَلَيْهِ وَكَانَ كثير النَّوَادِر خَبِيث اللِّسَان وَله ديوَان شعر وَكَانَ بَينه وَبَين الْأَمِير أبي الفوارس سعد بن مُحَمَّد بن الصيفي الشَّاعِر الْمُسَمّى حيص بيص شنآن وتهاتر وَكَانَا قد يصطلحان وقتا ثمَّ يعودان إِلَى مَا كَانَا فِيهِ وَسبب تَسْمِيَة الحيص بيص بِهَذَا إِنَّه كَانَ الْعَسْكَر بِبَغْدَاد قد هم بِالْخرُوجِ إِلَى السُّلْطَان السلجوقي وَذَلِكَ فِي أَيَّام المقتفي لأمر الله فَكَانَ النَّاس من ذَلِك فِي حَدِيث كثير وحركة زَائِدَة فَقَالَ مَا لي أرى النَّاس فِي حيص بيص فلقب بذلك وَكَانَ الَّذِي ألصق بِهِ هَذَا النَّعْت أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْفضل وَكَانَ الحيص بيص يقْصد فِي كَلَامه أبدا وَفِي رسائله الفصاحة البليغة والألفاظ الغريبة من اللُّغَة وَمن ذَلِك حَدثنِي بعض الْعِرَاقِيّين أَن الحيص بيص كَانَ قد نقه من مرض عَاده فِيهِ أَبُو الْقَاسِم ابْن الْفضل فوصف لَهُ أكل الدراج فَمضى غُلَامه وَاشْترى دَرَّاجًا واجتاز على بَاب أَمِير وَبِه غلْمَان ترك أصاغر يَلْعَبُونَ فخطف أحدهم الدراج من الْغُلَام وَمضى فَأتى الْغُلَام إِ ليه فَأخْبرهُ الْخَبَر فَقَالَ لَهُ ائْتِنِي بِدَوَاةٍ وبيضاء فَأَتَاهُ بهما فَكتب لَو كَانَ مبتر دراجه فتخاء كاسر وقف بهَا السغب

стр. 367

بَين التدوين والتمطر فَهِيَ تعقى وتسف وَكَانَ بِحَيْثُ تنقب أَخْفَاف الْإِبِل لوَجَبَ الإغذاذ إِلَى نصرته فَكيف وَهُوَ ببحبوحة كرمك وَالسَّلَام ثمَّ قَالَ لغلامه امْضِ بهَا وَأحسن السفارة فِي وصلتها إِلَى الْأَمِير فَمضى وَدفعهَا لحاجبه فَدَعَا الْأَمِير بكاتبه وناوله الرقعة فقرأها ثمَّ فكر ليعبر لَهُ عَن الْمَعْنى فَقَالَ لَهُ الْأَمِير مَا هُوَ فَقَالَ مَضْمُون الْكَلَام إِن غُلَاما من غلْمَان الْأَمِير أَخذ دَرَّاجًا من غُلَامه فَقَالَ اشْتَرِ لَهُ قفصا مملوءا دَرَّاجًا فاحمله إِلَيْهِ فَفعل وحَدثني شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ أَن حيص بيص الشَّاعِر بِبَغْدَاد كَانَ قد كتب إِلَى أَمِين الدولة بن التلميذ ورقة يقْصد فِيهَا أَن ينفذ إِلَيْهِ شياف أبار وَهِي أزكنك أَيهَا الطِّبّ اللب الآسي النطاسي النفيس النقريس أرجنت عنْدك أم خنور وسكعت عَنْك أم هوير إِنِّي مستأخذ أشعر فِي حنادري رطسا لَيْسَ كاسب شبوة وَلَا كنخر المنصحة وَلَا كنكز الحضب بل كسفع الزخيخ فَأَنا من التباشير إِلَى الغباشير لَا أعرف ابْن سمير من ابْن جمير وَلَا أحسن صَفْوَان من همام بل آونة أرجحن شاصيا وفينة أحبنطي مقلوليا وَتارَة أعر نزم وطورا وأسلنقي كل ذَلِك مَعَ أح وَأَخ وحس وتهم قرونتي أَن ارْفَعْ عقيرتي بيعاط عاط إِلَى هياط ومياط وهالي أول وأهون وجبار ودبار ومؤنس وعروبة وشيار وَلَا أحيص وَلَا أكيص وَلَا اغرندي وَلَا أسرندي فتبادرني بشياف الْأَبَّار النافع لعلتي الناقع لغلتي قَالَ فَلَمَّا قَرَأَ أَمِين الدولة الورقة نَهَضَ لوقته وَأخذ حفْنَة شياف أبار وَقَالَ لبَعض أَصْحَابه أوصله إِيَّاهَا عَاجلا وَلَا نتكلف قِرَاءَة ورقة ثَانِيَة وَكتب الحيص بيص إِلَى المقتفي لأمر الله سبع رقاع عِنْد طلبه بعقوبا مِنْهُ الأولى أَنَّهَا لطايا وَلَاء حملت سفر ثَنَاء غرد بهَا حادي رَجَاء والمنزل الفناء الثَّانِيَة أجري جِيَاد حمد فِي ساحات مجد إِجْرَاء ممطر نهد من غير باعثة وَجهد منتجعا

стр. 368

غب الْغَايَة كرماء الثَّالِثَة جد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بوفر دثر لَا بكي وَلَا نزر لمفصح شعر يمم لجة بَحر يرتاد عتاد دهر فالقافية سحر وَالسَّامِع حبر وَالعطَاء غمر الرَّابِعَة أَن الْموصل واليغاران هما اقطاع ملكَيْنِ سلجوقيين وكانتا جائزتين لشاعرين طائيين من إمامين مرضيين أَحدهمَا معتصم بِاللَّه وَالْآخر متوكل على الله وَالْبناء الْأَشْرَف أعظم وعطاؤه أرزم فعلام الحرمان الْخَامِسَة خَامِسَة من الخدم فِي انتجاع شابيب الْكَرم من الْقُدس الْأَعْظَم حلوان قافية تجْرِي كناجية بمخترق بادية تهدي سفرا وتسهل وعرا والرأي بنجح آمالها أَحْرَى السَّادِسَة أَن وَرَاء الْحجاب المسدل لَا يهم طود وخضم يم مخرس خطب وَقَاتل جَدب جلّ فبهر وَعز فقهر ونال فغمر صلوَات الله عَلَيْهِ مَا هبت الرّيح وَنبت الشيج السَّابِعَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مائَة بَيت شعر أَو سبع رقاع نثر اتذاد عَن النجح ذياد الحائمات كلا إِن الأعراق لبوية والمكارم عباسية والفطنة لوذعية وَكفى بالمجد محاسبا (مَاذَا أَقُول إِذا الروَاة ترنموا ... بفصيح شعري فِي الإِمَام الْعَادِل) (وَاسْتحْسن الفصحاء شَأْن قصيدة ... لأجل ممدوح وأفصح قَائِل) (وترنحت أعطافهم فَكَأَنَّمَا ... فِي كل قافية سلافة بابل) (ثمَّ انثنوا غب القريض وَضَمنَهُ ... يتساءلون عَن الندى والنائل) (هَب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بأنني ... قصّ الفصاحة مَا جَوَاب السَّائِل) الْكَامِل وَكَانَت وَفَاة أبي الْقَاسِم بن الْفضل فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَخَمْسمِائة وَمن شعر أبي الْقَاسِم هبة الله أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم الْحلَبِي قَالَ أَنْشدني بديع الدّين أَبُو الْفَتْح مَنْصُور بن أبي الْقَاسِم بن عبد الله بن عبد الدَّائِم الوَاسِطِيّ الْمَعْرُوف بِابْن سَواد الْعين قَالَ أَنْشدني أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْفضل لنَفسِهِ (فِي الْعَسْكَر الْمَنْصُور نَحن عِصَابَة ... مرذولة أخسس بِنَا من معشر) (خُذ عقلنا من عَقدنَا فِيمَا ترى ... من خسة ورقاعة وتهور) (تكريت تعجزنا وَنحن بجهلنا ... نمضي لنأخذ ترمذا من سنجر)

стр. 369

(أما الحويزي الدعي فَإِنَّهُ ... دلو يشوب تكبرا بتمسخر) (يكنى أَبَا الْعَبَّاس وَهُوَ بذلة ... حكمت عَلَيْهِ وأسجلت بِمَعْمَر) (فِي كف وَالِده وَفِي أقدامه ... آثَار نيل لَا يزَال وعصفر) (يمشي إِلَى حجر القيان بنشطة ... ويدب فِي الْمِحْرَاب نَحْو الْمِنْبَر) (وَحَدِيثه فِي الْحق أَو فِي بَاطِل ... لم يخله من وَحْشَة وتمهزر) (وَإِذا رأى البركيل يرعد خيفة ... ذِي الهاشمية أَصْلهَا من خَيْبَر) (نسب إِلَى الْعَبَّاس لَيْسَ شبيهه ... فِي الضعْف غير الباقلاء الْأَخْضَر) (والحيص بيص مبارز بقناته ... وَأَنا بشعشعتي طَبِيب الْعَسْكَر) (هذاك لَا يخْشَى لتقل بعوضة ... وَأَنا فَلَا أَرْجَى لبرء مُدبر) (أجري بمبضعي الدِّمَاء وسيفه ... فِي الْعمد لم يعرض لظفر الْخِنْصر) (لقرينه فِي الْحَرْب طول سَلامَة ... وصريع تدبيري بِوَجْه مُدبر) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع أَبُو الْفَتْح الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ يمدح سديد الدولة أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن الْأَنْبَارِي كَاتب الْإِنْشَاء بِبَغْدَاد (يَا من هجرت فَمَا تبالي ... هَل ترجع دولة الْوِصَال) (مَا أطمع يَا عَذَاب قلبِي ... أَن ينعم فِي هَوَاك بالي) (الطّرف من الصدود باك ... والجسم كَمَا تَرين بالي) (وَالْقلب كَمَا عهِدت صاب ... باللوعة والغرام صالي) (والشوق بخاطري مُقيم ... مَا يُؤذن عَنهُ بارتحال) (يَا من نكأت صميم قلبِي ... بالحزن وَصُورَة الخبال) (هَيْهَات وَقد سلبت غمضي ... أَن أظفر مِنْك بالخيال) (لَو شِئْت وقفت عِنْد حد ... لَا يسمح مِنْك فِي الدَّلال) (مَا ضرك أَن تعلليني ... فِي الْوَصْل بموعد محَال) (أهواك وَأَنت حَظّ غَيْرِي ... يَا قاتلتي فَمَا احتيالي) (وَالْقَتْل لظاهري شعار ... أَن أَنْت عززت باختيال) (ذَا الحكم عَليّ من قُضَاة ... من أرخصني لكل غالي)

стр. 370

(أَيَّام عنائي فِيك سود ... مَا أشبههن بالليالي) (واللوم فِيك يزجروني ... عَن حبك مَا لَهُم وَمَالِي) (الْعِشْق بِهِ الشغاف أضحى ... عَن ذكر سواك فِي اشْتِغَال) (وَالنَّار وَإِن خبت لظاها ... فِي الصَّدْر تشب باشتعال) (يَا ملزمي السلو عَنْهُمَا ... الصب أَنا وَأَنت سالي) (وَالْقَوْل بِتَرْكِهَا صَوَاب ... مَا أحْسنه لَو اسْتَوَى لي) (دَعْنِي وتغزلي بخود ... ترنو وتغن عَن غزال) (حوراء لطرفها سِهَام ... أمضى وأمض من نبال) (فِي الْقلب لوقعها جراح ... لَا برْء لَهَا من اغتيال) (فَارْحَمْ قلقا بهَا وقيذا ... واعذره فَمَا العذار خَالِي) (مَا يجمل أَن تلوم صبا ... إِن هام بربة الْجمال) (إياك وخلني وويلي ... فِي الوجد مُسلما لحالي) (إِن كنت تعده صلاحا ... دَعْنِي فهداي فِي ضلالي) (فِي طاعتها بِلَا اخْتِيَاري ... قد صَحَّ بعشقها اختلالي) (طلقت تجلدي ثَلَاثًا ... والصبوة بعد فِي حبالي) (من أَيْن وَكَيف لي بصبر ... عَن حسن بعيدَة الْمِثَال) (لم أحظ بطائل لَدَيْهَا ... إِلَّا بزخارف الْمحَال) (كم قد نكلت عقيب عهد ... فالقلب لذاك فِي نكال) (كَمَا غرني الخداع مِنْهَا ... فِي القاع على ظمأ الزلَال) (هلا صدقت كأريحي ... من أكْرم معشر وَآل) (راجية لَدَيْهِ فِي جناب ... بالأنعم سابغ الظلال) (مَا الْغَيْث يسح من يَدَيْهِ ... كالغيث يسح فِي الفعال) (من موئله ذرى سديد ... الدولة ذِي الندى المدال) (لَا تطمع أَن تنَال مِنْهُ ... بالضيم مرادها اللَّيَالِي) (والغدر لَعَلَّه حمام ... قد رقن لَهُ بِلَا المنذال) (تسقيه يَد النجاح مِنْهَا ... مَا شَاءَ ببارد زلال) (فِي ربع مهنأ العطايا ... فِي الأزمة مُسبل العزالي) (أستصرخ مِنْهُ حِين أَشْقَى ... بالشدة أرْحم الموَالِي)

стр. 371

(من جود يَدَيْهِ لي كَفِيل ... فِي الْقَحْط براتب الْعِيَال) (لَا ينظر فِي سوى صلاحي ... إِن أبصرني بِسوء حَال) (مَا زَالَ وَلَا يزَال طبعا ... يُعْطي كرما وَلَا يُبَالِي) (لَا يُعجبهُ ملام ناه ... فِي الذب عَن العلى بِمَال) (فالسؤدد شَمله جَمِيع ... فِي دَار مفرق النوال) (من يلق مُحَمَّدًا بمدح ... يحمده بِأَحْسَن الْخلال) (والوجد بغادة رداح ... فالأعظم مِنْهُ كالخلال) (والجود بكف ذِي سماح ... من خير مَنَاقِب الرِّجَال) (مولَايَ نِدَاء مستجير ... يَدْعُوك لدائه العضال) (يَا أكْرم منعم عَلَيْهِ ... فِي دفع مآربي اتكالي) (دبر محني لَعَلَّ جرحي ... يجْبرهُ نداك باندمال) (كم أوقفني غَرِيم سوء ... فِي حَال وُقُوفه حيالي) (كالمفلس من يهود هطرى ... فِي قَبْضَة عَامل الجوالي) (مَا صَحَّ لي الْخَلَاص مِنْهُ ... إِلَّا بصحاحك الثقال) (وَالْعَادَة فِي صَلَاح عدمي ... فِي الْعود لمثلهَا سُؤَالِي) (تقريظك مَا حييت دأبي ... بالظاء على فرَاغ بالي) (مَا أكحل بالهجاء لَكِن ... بِالْقَصْدِ لكفك اشتغالي) (فالعرض أرده سمينا ... والكيس محالف الهزال) (من دبر هَكَذَا مزاجا ... بالحذق لصورة الْكَمَال) (فالصبغ إِذا أَتَاهُ عفوا ... وافاه برزقه الْحَلَال) (يَا خير مُؤَمل إِلَيْهِ ... شددت بمدائحي رحالي) (لم يقضك خاطري حقوقا ... مذ أصبح ظَاهر الكلال) (أَن أثن عَلَيْك أبدا عَجزا ... عَن نعت مُعظم الْجلَال) (أوصافك فِي الفخار جَازَت ... فِي الْكَثْرَة عدَّة الرمال) (فالخط طوالها قصار ... عَن خطك سَاعَة النزال) (كم رَاع بك القنا يراع ... فِي كفك وَاسع المجال) (أقلامك أسْهم قواض ... والنقش لَهُنَّ كالنصال) (تقضي ثعل لَهَا بفخر ... والقارة سَاعَة النضال) (لَو شاجرت الرماح كَانَت ... فِي الروع لكفها العوالي)

стр. 372

(أَو صافحت الصفاح فَلت ... غربي متشعشع الصقال) (أَو حبرت المثالث أبدت ... مَا دق وَجل عَن مِثَال) (تملى فقرا من الْمعَانِي ... سددن مفاقر الْمَعَالِي) (ينفثن على الصَّباح لَيْلًا ... ناهيك بسحرها الْحَلَال) (كتب ضمنت بِلَا اشْتِرَاط ... تمزيق كتائب جلال) (هاروت إِذا أَتَتْهُ ولى ... لَا يخْطر بابلا ببال) (فِيهَا سبح على لجين ... أَسْنَى قيمًا من اللآلي) (فِي النشر كأوجه العذارى ... غلفن بفاخر الغوالي) (ألفاظك للوعول حطت ... مستنزلة من الفلال) (بالكيد تقتل الأعادي ... فِي السّلم لَهَا بِلَا قتال) (كم رضت من الورى جموحا ... لِلْعَقْلِ فَعَاد فِي عقال) (لَا زلت موفق المساعي ... بالجد مُشَفع السُّؤَال) (تنقاد لَك الْأُمُور طَوْعًا ... يَا خير بَقِيَّة الرِّجَال) (يَا أكْرم وَالِد لنجل ... يتلوه مهذب الْخلال) (أكْرم بفتاك من ولي ... للدولة مخلص موَالٍ) (إِن جاد يخجل الغوادي ... أَو قَالَ أَجَاد فِي الْمقَال) (يَا شمس علا زهت ببدر ... حاشاه يُقَاس بالهلال) (لَا زَالَ مشرقا منيرا ... فِي ظلك دَائِم الْكَمَال) (مَا عادك بالسرور عيد ... ترعاه بِأَحْسَن اشْتِمَال) (فِي أَسْبغ نعْمَة وعيش ... بالطيبة دَائِم التوالي) (لَا زَالَ علاك فِي ثبات ... لَا يُسلمهُ إِلَى زوالي) (عَن أخْلص نِيَّة بِصدق ... فِي طول بقائك ابتهالي) (مَا يلتبس الصَّحِيح يَوْمًا ... تالله عَلَيْك بالمحال) وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (لَا أمدح الْيَأْس وَلكنه ... أروح للقلب من المطمع) (أَفْلح من أبْصر عشب المنى ... يرْعَى فَلم يرع وَلم يرتع) السَّرِيع

стр. 373

وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (يَا معشر النَّاس النفير النفير ... قد جلس الهردب فَوق السرير) (وَصَارَ فِينَا آمرا ناهيا ... وَكنت أَرْجُو أَنه لَا يصير) (فَكلما قلت قذى ينجلي ... وظلمة عَمَّا قَلِيل تنير) (فتحت عَيْني فَإِذا الدولة ... الدولة وَالشَّيْخ الْوَزير الْوَزير) السَّرِيع وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ وَقَالَ فِي الحيص بيص الشَّاعِر وَكَانَت قد نبحت عَلَيْهِ كلبة مجرية فَقتل جروا لَهَا بِالسَّيْفِ (يَا أَيهَا النَّاس إِن الحيص بيص أَتَى ... بفعلة أورثته الخزي فِي الْبَلَد) (هُوَ الجبان الَّذِي أبدى شجاعته ... على جري ضَعِيف الْبَطْش وَالْجَلد) (فأنشدت أمه من بَعْدَمَا احتسبت ... دم الابليق عِنْد الْوَاحِد الصَّمد) (أَقُول للنَّفس تأساء وتعزية ... إِحْدَى يَدي أصابتني وَلم ترد) (كِلَاهُمَا خلف من فقد صَاحبه ... هَذَا أخي حِين أَدْعُوهُ وَذَا وَلَدي) الْبَسِيط وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ (يَا ابْن المرخم صرت فِينَا حَاكما ... خرف الزَّمَان ترَاهُ أم جن الْفلك) (إِن كنت تحكم بالنجوم فَرُبمَا ... أما شَرِيعَة أَحْمد من أَيْن لَك) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني البديع الوَاسِطِيّ قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ يهجو البديع الاصطرلابي (لَا غرو أَن دهي الحجيج وَإِن ... رموا مِنْهُ بنكبه) (حج البديع وعرسه ... وفتاه فَانْظُر أَي عصبَة) (فَثَلَاثَة من منزل ... علق وقواد وقحبة) الْكَامِل المرفل وَمن شعر أبي الْقَاسِم هبة الله بن الْفضل أَيْضا قَالَ يهجو أَمِين الدولة بن التلميذ (هَذَا تواضعك الْمَشْهُور عَن ضعة ... قد صرت فِيهِ بِفضل اللؤم مُتَّهم)

стр. 374

(قعدت عَن أمل الراجى وَقمت لَهُ ... هَذَا وثوب على القصاد لَا لَهُم) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (غزال قطّ لَا يهوى ... سوى المطبوعة التبر) (وَلَا يُعجبهُ المطبوع ... من نظمي وَلَا نثري) الهزج وَقَالَ أَيْضا (أَحْسَنت يَا عَسْكَر دين الْهدى ... مُنْهَزِمًا فِي خَمْسمِائَة ألف) (كَأَنَّهُ الحبال فِي سيره ... يزْدَاد إقداما إِلَى خلف) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (أَلا قل ليحيى وَزِير الْأَنَام ... محوت الشَّرِيعَة محو السطور) (كسرت الصِّحَاح بتصحيحها ... وأصبحت تضربها فِي الجذور) (وَمَا أَن قصدت لتهذيبها ... وَلَكِن لتهذي بهَا فِي الصُّدُور) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (وَقَالُوا قد تحجب عَنْك مولى ... وَصَارَ لَهُ مَكَان مستخص) (فَقلت سيفتح الأقفال شعري ... ويدخلها فَإِن الْبرد لص) الوافر وَقَالَ يمدح الدَّوَاء الْمَعْرُوف ببر شعثا لما ألف تركيبه أوحد الزَّمَان (تجرعت برشعثا وحالي أَشْعَث ... فَمَا نزلت بِي بعده عِلّة شعثا) (وَلَو بعد عِيسَى جَازَ إحْيَاء ميت ... لَا صبح يحيا كل ميت ببرشعثا) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (هَذَا يَقُول اسْتَرَحْنَا ... وَذَا يَقُول عصينا) (ويكذبان ويهذي ... الَّذِي يصدق منا) المجتث وَقَالَ أَيْضا (كم ترددت مرَارًا ... وتجرعت مراره)

стр. 375

(ثمَّ لما وفْق الله ... وَوَقعت بكاره) (لم يكن فِيهَا من الْحِنْطَة ... مَا تقْرض فاره) الرمل وَقَالَ أَيْضا (أمدحه طورا وأهذي بِهِ ... طورا وَلَا أطمع فِي رفده) (مثل إِمَام بَين أهل الْقرى ... صلى بهم وَالزَّيْت من عِنْده) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (يَا خَائِف الهجو على نَفسه ... كن فِي أَمَان الله من مَسّه) (أَنْت بِهَذَا الْعرض بَين الورى ... مثل الخرا يمْنَع من نَفسه) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (كلما قلت قد تبغدد ... قومِي تحمصصوا) (لَيْسَ إِلَّا ستر يشال ... وَبَاب مجصص) (والغواشي على الرؤوس ... عَلَيْهَا المقرنص) (وَأَنا الْكَلْب كل يَوْم ... لقرد أبصبص) (كلما صفق الزَّمَان ... لَهُم قُمْت أرقص) (فَمَتَى اسْمَع النداء ... وَقد جَاءَ مخلص) الْخَفِيف وَلأبي الْقَاسِم هبة الله من الْكتب تعاليق طبية مسَائِل وأجوبتها فِي الطِّبّ ديوَان شعره العنتري هُوَ أَبُو الْمُؤَيد مُحَمَّد بن المجلي بن الصَّائِغ الْجَزرِي كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا وعالما مَذْكُورا حسن المعالجة جيد التَّدْبِير وافر الْفضل فيلسوفا متميزا فِي علم الْأَدَب وَله شعر كثير فِي الْحِكْمَة وَغَيرهَا

стр. 376

وحَدثني الْحَكِيم سديد الدّين مَحْمُود بن عمر ﵀ أَن العنتري كَانَ فِي أول أمره يكْتب أَحَادِيث عنتر الْعَبْسِي فَصَارَ مَشْهُورا بنسبته إِلَيْهِ وَمن كَلَامه فِي الْحِكْمَة قَالَ بني تعلم الْعُلُوم فَلَو لم تنَلْ من الدُّنْيَا إِلَّا الْغنى عَمَّن يستعبدك بِحَق أَو بباطل وَقَالَ بني أَن الْحِكْمَة الْعَقْلِيَّة تريك الْعَالم يقادون بأزمة الْجَهْل إِلَى الْخَطَأ وَالصَّوَاب وَقَالَ الْجَاهِل عبد لَا يعْتق رقّه إِلَّا بالمعرفة وَقَالَ الْحِكْمَة سراج النَّفس فَمَتَى عدمتها عميت النَّفس عَن الْحق وَقَالَ الْجَاهِل سَكرَان لَا يفِيق إِلَّا بالمعرفة وَقَالَ الْحِكْمَة غذَاء النَّفس وجمالها وَالْمَال غذَاء الْجَسَد وجماله فَمَتَى اجْتمعَا للمرء زَالَ نَقصه وَتمّ كَمَاله وَنعم باله وَقَالَ الْحِكْمَة دَوَاء من الْمَوْت الأبدي وَقَالَ كَون الشَّخْص بِلَا علم كالجسد بِلَا روح وَقَالَ الْحِكْمَة شرف من لَا شرف لَهُ قديم وَقَالَ الْأَدَب أزين للمرء من نسبه وَأولى بِالْمَرْءِ من حَسبه وأدفع عَن عرضه من مَاله وَأَرْفَع لذكره من جماله وَقَالَ من أحب أَن يُنَوّه باسمه فليكثر من الْعِنَايَة بِعِلْمِهِ وَقَالَ الْعَالم المحروم أشرف من الْجَاهِل المرزوق وَقَالَ عدم الْحِكْمَة هُوَ العقم الْعَظِيم وَقَالَ الْجَاهِل يطْلب المَال والعالم يطْلب الْكَمَال وَقَالَ الْغم ليل الْقلب وَالسُّرُور نَهَاره وَشرب السم أَهْون من معاناة الْهم وَمن شعر أَبُو الْمُؤَيد مُحَمَّد بن المجلي بن الصَّائِغ الْمَعْرُوف بالعنتري أَنْشدني إِيَّاه الْحَكِيم سديد الدّين مَحْمُود بن عمر بن رقيقَة قَالَ أَنْشدني مؤيد الدّين ولد العنتري قَالَ أَنْشدني وَالِدي لنَفسِهِ (احفظ بني وصيتي واعمل بهَا ... فالطب مَجْمُوع بِنَصّ كَلَامي) (قدم على طب الْمَرِيض عناية ... فِي حفظ قوته مَعَ الْأَيَّام) (بالشبه تحفظ صِحَة مَوْجُودَة ... والضد فِيهِ شِفَاء كل سقام) (أقلل نكاحك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهُ ... مَاء الْحَيَاة يراق فِي الْأَرْحَام) (وَاجعَل طَعَامك كل يَوْم مرّة ... وَاحْذَرْ طَعَاما قبل هضم طَعَام) (لَا تحقر الْمَرَض الْيَسِير فَإِنَّهُ ... كالنار يصبح وَهِي ذَات ضرام) (وَإِذا تغير مِنْك حَال خَارج ... فاحتل لرجعة حل عقد نظام)

стр. 377

(لَا تهجرن الْقَيْء واهجر كل مَا ... كيموسه سَبَب إِلَى الإسقام) (إِن الْحمى عون الطبيعة مسعد ... شاف من الْأَمْرَاض والألام) (لَا تشربن بعقب أكل عَاجلا ... أَو تأكلن بعقب شرب مدام) (والقيء يقطع وَالْقِيَام كِلَاهُمَا ... بهما وَلَيْسَ بِنَوْع كل قيام) (وَخذ الدَّوَاء إِذا الطبيعة كررت ... بالاحتلام وَكَثْرَة الأحلام) (وَإِذا الطبيعة مِنْك نقت بَاطِنا ... فدواء مَا فِي الْجلد بالحمام) (إياك تلْزم أكل شَيْء وَاحِد ... فتقود طبعك للأذى بزمام) (وتزيد فِي الأخلاط أَن نقصت بِهِ ... زَادَت فنقص فَضلهَا بقوام) (والطب جملَته إِذا حققته ... حل وَعقد طبيعة الْأَجْسَام) (ولعقل تَدْبِير المزاج فَضِيلَة ... يشفى الْمَرِيض بهَا وبالأوهام) الْكَامِل أَقُول وَهَذِه القصيدة تنْسب أَيْضا إِلَى الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا وتنسب إِلَى الْمُخْتَار بن الْحسن بن بطلَان وَالصَّحِيح أَنَّهَا لمُحَمد بن المجلي لما قَدمته من إنشاد سديد الدّين مَحْمُود بن عمر لي مِمَّا أنْشدهُ مؤيد الدّين بن العنتري لوالده مِمَّا سَمعه مِنْهُ وَوجدت العنتري أَيْضا ذكرهَا فِي كِتَابه الْمُسَمّى بِالنورِ المجتنى وَقَالَ أَنَّهَا لَهُ وَقَالَ أَيْضا أنشدنيها سديد الدّين (وجودي بِهِ من كل نوع مركب ... من الْعَالم الْمَعْقُول والمتركب) (فذهني مشكاة وَنَفْسِي زجاجة ... تضيء بمصباح الحجا المتلهب) (ونوري من النُّور الإلهي دَائِما ... يصب على ذاتي بِغَيْر تسكب) (وزيتي من الزيتونة العذب دهنها ... تنزه عَن وصف بشرق ومغرب) (كَأَنِّي فِي وصفي مَنَارَة رَاهِب ... بقنديلها الشفاف أشرف كَوْكَب) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (إِذا إِن غَدا وَالنَّفس مِنْهُ كجنة ... يغرد فِي أرجائها كل طَائِر) (تدبرت السَّبع الطباق وَفَارَقت ... على شرف مِنْهَا سجون العناصر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (كأننا ممتزج لم يزل ... من عَالم النير والمظلم) (فبعضنا يختارها دَاره ... وبعضنا يرقى إِلَى الأنجم) السَّرِيع

стр. 378

وَقَالَ أَيْضا (الْحق يُنكره الجهول لِأَنَّهُ ... عدم التَّصَوُّر فِيهِ والتصديقا) (فَهُوَ الْعُدُول لكل مَا هُوَ جَاهِل ... فَإِذا تصَوره يعود صديقا) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (لَو كنت تعلم كل مَا علم الورى ... جمعا لَكُنْت صديق كل الْعَالم) (لَكِن جهلت فصرت تحسب كل من ... يهوى خلاف هَوَاك لَيْسَ بعالم) (استحبي أَن الْعقل أصبح ضَاحِكا ... مِمَّا تَقول وَأَنت مثل النَّائِم) (لَو كنت تسمع مَا سَمِعت وعالما ... مَا قد علمت خجلت خجلة نادم) (وضع الْإِلَه الْخلف فِي كل الورى ... بالطبع حَتَّى صَار ضَرْبَة لَازم) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أبلغ الْعَالمين عني بِأَنِّي ... كل علمي تصور وَقِيَاس) (قد كشفت الْأَشْيَاء بِالْفِعْلِ حَتَّى ... ظَهرت لي وَلَيْسَ فِيهَا التباس) (وَعرفت الرِّجَال بِالْعلمِ لما ... عرف الْعلم بِالرِّجَالِ النَّاس) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا رضيت وَأَنت اعْلَم ذَا الورى ... بحقائق الْأَشْيَاء عَن باريها) (تجتاب أَبْوَاب الخمول فَقلت عَن ... كره وَلست بجاهل راضيها) (لي همة مأسورة لي صادفت ... سَعْدا بِغَيْر عوائق تثنيها) (ضَاقَ الفضاء بهَا فَلَا يسطيعها ... لعلوها الأفلاك أَن تحويها) (مَا للمقاصد جمة ومقاصدي ... ناط الْقَضَاء بهَا الفضا والتيها) (أطوي اللَّيَالِي بالمنى وصروفها ... تنشرنني أَضْعَاف مَا أطويها) (إِنِّي على نوب الزَّمَان لصابر ... أما سيفنى الْعُمر أَو يفنيها) (أما الَّذِي يبْقى فقد أحرزته ... والفانيات فَمَا أفكر فِيهَا) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (بني كن حَافِظًا للْعلم مطرحا ... جَمِيع مَا النَّاس فِيهِ تكتسب نسبا) (فقد يسود الْفَتى من غير سَابِقَة ... للْأَصْل بِالْعلمِ حَتَّى يبلغ الشهبا) (غذ الْعُلُوم بتذكار تزد أبدا ... فَالنَّار تخمد مهما لم تَجِد حطبا) (إِنِّي أرى عدم الْإِنْسَان أصلح من ... عمر بِهِ لم ينل علما وَلَا نسبا)

стр. 379

(قضى الْحَيَاة فَلَمَّا مَاتَ شيعه ... جهل وفقر فقد قضاهما نصبا) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (كن غَنِيا إِن اسْتَطَعْت وَإِلَّا ... كن حكيما فَمَا عدا ذين غفل) (إِنَّمَا سؤدد الْفَتى المَال وَالْعلم ... وَمَا سَاد قطّ فقر وَجَهل) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (أقسم الْعُمر ثَلَاثًا واستمع ... يَا بني النصح مني والرشادا) (فاطلب الْحِكْمَة فِي أَوله ... واحرز الْعلم وَجب فِيهِ البلادا) (واكسب الْأَمْوَال فِي الثَّانِي وكل ... واشرح الراح وَلَا تَبْغِ الفسادا) (وترقب آخر الْعُمر فَإِن ... جَاءَك الْمَوْت فقد نلْت المرادا) (وَإِن إعتاقك فِي إِحْدَاهمَا ... طَارق الْمَوْت فقد حزت الجهادا) (هَذِه سيرة مَسْعُود بهَا ... نَالَ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْأُخْرَى السدادا) الرمل وَقَالَ أَيْضا (بني تعلم حِكْمَة النَّفس أَنَّهَا ... طَرِيق إِلَى رشد الْفَتى وَدَلِيل) (وَلَا تطلب الدُّنْيَا فَإِن كثيرها ... قَلِيل وَعَما رقدة فتزول) (فَمن كَانَ فِي الدُّنْيَا حَرِيصًا فَإِنَّهُ ... يظل كئيب الْقلب وَهُوَ ذليل) (وَمن يتْرك الدُّنْيَا وَأصْبح رَاهِبًا ... فَمَا للأذى يَوْمًا إِلَيْهِ سَبِيل) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (نَفسِي تطالبني بِمَا فِي طبعها ... وَالْعقل يزجرها عَن الشَّهَوَات) (وَالنَّفس تعلم أَن ذَلِك وَاجِب ... والطبع يجذبها إِلَى الْعَادَات) (والطبع يقصر عَن مُرَاد كليهمَا ... فكلاهما وقف على الحسرات) (وَالنَّفس من خمر الْحَيَاة وسكرها ... ستفيق بَين عَسَاكِر الْأَمْوَات) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (لَا تدنين فَتى يودك ظَاهرا ... حبا وضد وداده فِي طبعه) (واهجر صديقك أَن تنكر وده ... فالعضو يحسم داؤه فِي قطعه) الْكَامِل

стр. 380

وَقَالَ أَيْضا (من لزم الصمت اكتسى هَيْبَة ... تخفي عَن النَّاس مساويه) (لِسَان من يعقل فِي قلبه ... وقلب من يجهل فِي فِيهِ) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (عدل مزاجك مَا اسْتَطَعْت وَلَا تكن ... كمسوف أودى بِهِ التَّخْلِيط) (واحفظ عَلَيْك حرارة برطوبة ... تبقى فتركك حفظهَا تَفْرِيط) (وَاعْلَم بأنك كالسراج بَقَاؤُهُ ... مَا دَامَ فِي طرف الذبال سليط) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (ثقلة الْجِسْم يستمد غذاه ... طلبا مِنْهُ للبقا والدوام) (هُوَ لما رأى التَّحَلُّل طبعا ... أخلف الْمثل بالغذا وَالطَّعَام) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (ومخطف الخصر زارنا سحرًا ... فِي غنج عَيْنَيْهِ سحر هاروت) (يحمل تفاحة موردة ... كدرة رصعت بياقوت) (كَأَنَّهَا النَّجْم فِي توقده ... قَارن بدر السَّمَاء فِي حوت) المنسرح وَقَالَ أهْدى إِلَيّ بالرحبة بشر بن عبد الله الْكَاتِب طبقًا من تفاح لم أشاهد مثله حمرَة وندا فَكتبت إِلَيْهِ وَقد كَانَ طلب مني تَشْبِيها فِي التفاح فَقلت لَهُ إِذا حضر عملت فِيهِ تَشْبِيها فنفذ ذَلِك فَكتبت إِلَيْهِ (هبا فَإِن الديك هَب وصاحا ... جنح الظلام واسقياني الراحا) (رَاح تريح من الهموم وطبعها ... يَنْفِي السقام وينعش الأرواحا) (أهدي الرئيس وَفِي نداه سجية ... تهدي النفائس غدْوَة ورواحا) (طبقًا من التفاح إِنِّي لم أزل ... أَهْوى الثِّمَار وأعشق التفاحا) (إِن الطبيعة والمزاج تشاركا ... فِي الْكَوْن لما أوجداه سماحا) (صاغاه كالكافور لَكِن جلده ... قد ألبساه من النجيع وشاحا) (فَكَأَنَّهُ من لون حبي قابس ... وَكَأَنَّهُ من نشر بشر فاحا) الْكَامِل

стр. 381

وَقَالَ فِي النارنج (سقياني من مخدرات الدنان ... بنت كرم حَمْرَاء كالأرجوان) (وأدرها فِي مجْلِس ارهجته ... نغمات النايات والعيدان) (وَكَأن الكؤوس فِيهِ نُجُوم ... أطلعتها أَيدي البدور الحسان) (وابتدت بعد قطعهَا فلك السعد ... جَمِيعًا تغيب فِي الْأَبدَان) (وَكَأن النارنج بَين الندامى ... أكرا مثلت من الزَّعْفَرَان) الْخَفِيف وَقَالَ فِي الرُّمَّان الحامض (وشادن أَبْلَج كالبدر ... نادمته لَيْلًا إِلَى الْفجْر) (بَات بِهِ يصرف عَنهُ الْأَذَى ... بنهل كاسات من الْخمر) (ينْتَقل الرُّمَّان فِي أَثَرهَا ... مَخَافَة من ضَرَر السكر) (كَأَنَّهُ وَهُوَ خَبِير بِهِ ... يكسر الْيَاقُوت بالدر) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (وبابلي اللحاظ كَالْقَمَرِ ... أصبح فِي الأَرْض فتْنَة الْبشر) (أولاه فيض الْجمال أجمعه ... وَالْحسن والظرف واهب الصُّور) (خشيت من عقرب بِهِ قمر ... فَكيف بالعقربين فِي قمر) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (ومفهف يغشى الْعُيُون غريقه ... فِي لج مَاء الْحسن مِنْهُ وموجه) (قلم الطبيعة خطه وَالْمُشْتَرِي ... يملي عَلَيْهِ عُطَارِد من أوجه) الْكَامِل وَقَالَ فِي غلْمَان يسبحون بدجلة (وسرب غيد بشاطئ دجلة خَرجُوا ... عَن الثِّيَاب وألقوا سَائِر الكلف) (كَأَنَّهُمْ وسط لج المَاء أجمعهم ... در تجرد فِي بَحر عَن الصدف) الْبَسِيط وَقَالَ فِي غُلَام فِي الْحمام (جردته الْحمام من كل ثوب ... وأرتني مِنْهُ الَّذِي كَانَ قصدي) (بدنا كالصباح من تَحت ليل ... حالك اللَّوْن أسود غير جعد)

стр. 382

(سكب المَاء فَوق جسم حكى ... الْفضة حَتَّى اكتسى غلالة ورد) الْخَفِيف وَقَالَ وكتبها إِلَى صديق (جَاءَ شعْبَان منذرا بالصيام ... فاسقياني رَاحا بِمَاء الْغَمَام) (خندريسا كَأَنَّهَا الشَّمْس لونا ... وضياء أسفى من الأوهام) (واسقني من يَمِين أغيد ريم ... من بني التّرْك مثل بدر التَّمام) (فَكَأَن الصَّهْبَاء فِي الْحسن والساقي ... بهَا والحباب فَوق المدام) (شمس ظهر فِي كف بدر عَلَيْهَا ... سمط در حكى نُجُوم الظلام) (سِيمَا وَالربيع بالورد عاف ... يَوْمه يشترى بسبعين عَام) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (كتبت وَبِي من لاعج الشوق والأسى ... إِلَيْك جوى يوهي القوى والقوادما) (وَلَوْلَا الرجا أَن يجمع الله بَيْننَا ... كأحسن مَا كُنَّا أَتَيْتُك قادما) (ولكنني أَدْعُو إِلَى الْوَاحِد الَّذِي ... يرى كل شَيْء أَن يردك سالما) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (يَا من تربع جلقا وَغدا ... يدعى من السُّعَدَاء عش أبدا) (لَا تَطْلُبن بغَيْرهَا بَدَلا ... هِيَ جنَّة الله الَّتِي وَعدا) (قض الزَّمَان وَلَا تبع طَمَعا ... نَقْدا بوعد ترتجيه غَدا) (واشرب بهَا صفراء صَافِيَة ... تَنْفِي الهموم وتسلب الكمدا) (رَاحا إِذا بزلت بانية ... قذفت على حافاتها الزبدا) (فالعاقل الفطن اللبيب إِذا ... نَالَ المنى فِي منزل قعدا) (إِنِّي لَا هوى شرب صَافِيَة ... مقطوبة فِي الكأس من بردى) (من كف من يهوى الْفُؤَاد بهَا ... تسْعَى بهَا وَاللَّيْل قد بردا) (تَسْقِي ندامي كَالنُّجُومِ غدوا ... بيض الْوُجُوه تخالها بردا) (مَا نَلْتَقِي إِلَّا حَلِيف حجى ... يلقِي الْعُلُوم وشاديا غردا) الْكَامِل

стр. 383

وَقَالَ أَيْضا (سَلام كأنفاس الرياض بعالج ... يبلغهُ ريح الصِّبَا أَرض جلق) (إِلَى سَاكن فِيهَا وَفِي الْقلب مثله ... مُقيما بِهِ عقلا إِلَى حِين نَلْتَقِي) (إِلَى جنَّة الدُّنْيَا جَمِيعًا وليتني ... أنخت بهَا يَوْمًا من الدَّهْر أينقي) (وَأَنت بهَا فالراح غير لذيذة ... بِغَيْر نديم خَالص الود مُشفق) (سميع مُطِيع للأخلاء قد صفا ... بِغَيْر قذى صفو الشَّرَاب الْمُعْتق) (وَإِنِّي ليدعوني الْهوى كل سَاعَة ... إِلَيْك وتغريد الْحمام المطوق) (سَلام من الشعرى الْيَمَانِيّ دَائِما ... إِلَى تربها الشامية المتألق) (وَإِن مزق الدَّهْر المعاند شملنا ... فَإِن ودادي لَيْسَ بالمتمزق) (وبدلني بالصد مِنْك فحالتي ... كحالة مأسور بغربة موثق) (وَمن نكد الدَّهْر الغشوم وَصَرفه ... يجاور رغما فيلسوف لأحمق) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (يَا حجَّة الدّين سر بِاللَّه معتصما ... وَلَا تكن لفراق حم ذَا أَسف) (فللكواكب عذر فِي تنقلها ... عَن الْبيُوت لكَي تحتل بالشرف) (الدّرّ لَوْلَا نحور الغيد مَا خرجت ... بِهِ الْمَقَادِير أَحْيَانًا من الصدف) (فَأقبل إِلَى ملك مَا نَالَ غَايَته ... وَمَا حواه مُلُوك الأَرْض فِي السّلف) (هُوَ الهيولى وَأَنت الْجِسْم تقبل ... أَصْنَاف الْمَعَالِي قبولا غير مُخْتَلف) الْبَسِيط وَقَالَ استدعاني الرِّضَا وَزِير الجزيرة فِي لَيْلَة ممطرة فَكتبت إِلَيْهِ مَعَ الْغُلَام (قل للوزير أدام الله نعْمَته ... فِي دولة أمرهَا فِي الْحَضَر والبادي) (بعثت فِي طلبي والغيث منسكب ... والوحل قد كف سير الرَّائِح الغادي) (وَقد رددت الَّذِي نفذت فِي طلبي ... فَابْعَثْ إِلَيّ بمركوب ولباد) الْبَسِيط فَبعث إِلَيْهِ مَا أَرَادَ وَقَالَ وَكتبه إِلَى بعض الْكتاب (دَعْنِي من المطل الَّذِي لَا يَنْقَضِي ... أبدا وسقم الْقلب بِالتَّعْلِيلِ)

стр. 384

(قل لي نعم أَو لَا بِغَيْر توقف ... فاليأس أروح لي من التَّطْوِيل) (لأَكُون من طمعي الكذوب كمن رأى ... أضغاث أَحْلَام بِلَا تَأْوِيل) الْكَامِل وَقَالَ يهجو عَليّ بن مسْهر الشَّاعِر (مَا ولدت سعلاء من جن عبقر ... بأقبح شخص من عَليّ بن مسْهر) (لَهُ هَامة صلعاء من فَوق قامة ... مقوسة حدباء فِي دور خنصر) (بهَا جعل مَا بَين فَكَّيْهِ كامن يَزُجّ ... الخرا من فِيهِ فِي كل محْضر) (وَلما شكى دَاء قَدِيما بدبره ... إِلَى وداء من فَم مِنْهُ ابخر) (فَقلت دَوَاء الدبر طعنه أجرد ... عريض الْقَفَا عُرْيَان أَقرع أَعور) (تناك بِهِ من بَين فَخذي موسوس ... بِهِ جنَّة كالعير هوج أير) (وَمَا يشتكي فوك الْخَبيث دواؤه ... بمسواك جعس مجه حجر خيبري) (وكل من جوارشن الْبُطُون فَإِنَّهُ ... لدائك أشفى من جوارشن قَيْصر) (ففيك من العاهات مَا لَو تقسمت ... على الْخلق جمعا لم تَجِد غير مُدبر) الطَّوِيل وَقَالَ فِي الْمَرْأَة (قد أَقبلت غولة الصبايا ... تنظر عَن معلم النقاب) (فَقلت من أعظم الرزايا ... قفل على منزل خراب) (أحسن مَا كنت فِي عباة ... ملفوفة الرَّأْس فِي جراب) الْبَسِيط وَقَالَ يمتدح فَضِيلَة الشَّرْع (أَن الشَّرِيعَة ألفت بصلاحها ... للْعَالم المتضادد المتمازج) (الشَّرْع أصلح كل غاو مارد ... وأمات شرة كل جَان مارج) (لَوْلَا الشَّرِيعَة مَا تجمع واستوى ... شَمل الورى ومنوا بشر هائج) (أَن الشَّرِيعَة حِكْمَة وَمَنَافع ... لمداخل ومصالح لمخارج) (وَالْعقل نور الله إِلَّا أَنه ... للْعَالم المحسوس غير ممازج) (فَمَتَى اكتفيت بِفعل عقل دَاخل ... فَسدتْ أمورك كلهَا من خَارج) (الْأَنْبِيَاء كواكب تهدي إِلَى ... سبل الْهدى لِذَوي السرى والدالج) الْكَامِل

стр. 385

وَقَالَ حِين ترك الْخمر وَتَابَ عَنهُ وَعَن الْمَدْح بالشعر (نَار الحميا ونار الْفِكر مذ نهكا ... جسمي تركت الحميا خشيَة النَّار) (والكاس بالطبع تصدي عقل شاربها ... وَالسكر يسلب مِنْهُ حِكْمَة الْبَارِي) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (صددت عَن الصَّهْبَاء لما وَجدتهَا ... منافرة مني طباعي وأخلاقي) (وعوضت عَنْهَا النَّفس كاسات حِكْمَة ... تعللتها فازددت شوقا إِلَى الساقي) الطَّوِيل وللعنتري من الْكتب كتاب النُّور المجتنى من روض الندما وتذكار الْفُضَلَاء الحكما ونزهة الْحَيَاة الدُّنْيَا رُتْبَة على فُصُول السّنة وَضَمنَهُ إشعارا وفوائد حَسَنَة لجَماعَة من الأدباء ولنفسه أَيْضا وَأَبَان فِيهِ عَن فضل كتاب الجمانة فِي الْعلم الطبيعي والإلهي كتاب الأقراباذين وَهُوَ أقراباذين كَبِير استقصى فِيهِ ذكر الْأَدْوِيَة المركبة وأجاد فِي تأليفه رِسَالَة الشعرى اليمانية إِلَى الشعرى الشامية كتبهَا إِلَى عَرَفَة النَّحْوِيّ بِدِمَشْق جَوَابا عَن رِسَالَة كتبهَا إِلَيْهِ من دمشق رِسَالَة حَرَكَة الْعَالم يهنئ بهَا وزيرا استدعي إِلَى وزارة بلد آخر وَهُوَ حجَّة الدّين مَرْوَان لما وزره أتابك زنكي بن آق سنقر رِسَالَة الْفِرَاق مَا بَين الدَّهْر وَالزَّمَان وَالْكفْر وَالْإِيمَان رِسَالَة الْعِشْق الإلهي والطبيعي أَبُو الْغَنَائِم هبة الله بن عَليّ بن الْحُسَيْن بن أثردى من أهل بَغْدَاد متميز فِي الْحِكْمَة فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ مَشْهُور بالجودة فِي الْعلم وَالْعَمَل وَلأبي الْغَنَائِم هبة الله بن عَليّ بن أثردى من الْكتب تعاليق طبية وفلسفية مقَالَة فِي أَن اللَّذَّة فِي النّوم فِي أَي وَقت تُوجد مِنْهُ وَألف هَذِه الْمقَالة لأبي نصر التكريتي طَبِيب الْأَمِير ابْن مران عَليّ بن هبة الله بن أثردى هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن هبة الله بن عَليّ بن أثردى من أهل بَغْدَاد طَبِيب فَاضل مَشْهُور بالتقدم فِي صناعَة الطِّبّ وجودة الْمعرفَة لَهَا حسن المعالجة جيد التصنيف ولعلي بن هبة الله بن أثردى من الْكتب شرح كتاب دَعْوَة الْأَطِبَّاء أَلفه لأبي الْعَلَاء مَحْفُوظ بن المسيحي المتطبب سعيد بن أثردى هُوَ أَبُو الْغَنَائِم سعيد بن هبة الله بن أثردى من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين بِبَغْدَاد وَكَانَ ساعور البيمارستان العضدي ومتقدما فِي أَيَّام المقتفي بِأَمْر الله

стр. 386

أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن أثردى فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ جيد الْأَعْمَال حسن المعالجة وَكَانَ من المشكورين بِبَغْدَاد جمال الدّين عَليّ بن أثردى هُوَ جمال الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي الْغَنَائِم سعيد بن هبة الله بن عَليّ بن أثردى فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ عَالم بهَا متميز فِي علمهَا وعملها كَانَ همام الدّين الْعَبْدي الشَّاعِر قد اسْتعَار من جمال الدّين عَليّ بن أثردى كتاب مسَائِل حنين فَقَالَ يمدحه ويشعره بِأَن الْمسَائِل الْعَارِية قد وَقع عَلَيْهَا اخْتِيَاره على سَبِيل الدعابة وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة (حياك رقراق الحيا ... عني وخفاف النسيم) (فلأنت ذُو الْخلق الْكَرِيم ... وَأَنت ذُو الْخلق الوسيم) (غدق الأنامل بالندى ... لبق الشَّمَائِل بالنعيم) (مَا افتر إِلَّا فر جَيش ... دجنة اللَّيْل البهيم) (نضر الفكاهة كالحمام ... جرى على زهر الجميم) (ويسير أَوْقَات الثراء ... كثير أفراح النديم) (لَا بالملول وَلَا الْجَدْوَل ... وَلَا الجهول وَلَا المليم) (بل يشفع القَوْل اللَّطِيف ... بوافر الطول الجسيم) (نَاد الورى مستصرخا ... هَل من صديق أَو حميم) (حمال أعباء القرين ... منيع أكناف الْحَرِيم) (وادع الْكِرَام وَلنْ يُجيب ... سوى أبي الْحسن الْحَكِيم) (سمعا جمال الدّين قَول ... مصاحب الود السَّلِيم) (هَل للمسائل رَجْعَة ... يَوْمًا إِلَى الوطن الْقَدِيم) (هَيْهَات أعوز مَا يروم ... الْفَحْل إلقاح الْعَقِيم) (بيني وَبَيْنك وصلَة ... الإفضال وَالْفضل العميم) (والوصلة الْعُظْمَى حميد ... ولَايَة النبأ الْعَظِيم) (إِنَّا ليجمعنا الْوَلَاء ... على صِرَاط مُسْتَقِيم) الْكَامِل المرخل وَقَالَ أَيْضا يمدحه (سل لم جَفا جفني الوسن ... بعد بعاد من ظعن)

стр. 387

(وَمن نأى بِالصبرِ لم ... غادر فِي قلبِي الْحزن) (وَقل لمن خَال الْهوى ... قل لي على الْبعد وَطن) (لم يبعد الوجد الَّذِي ... خَلفه الْبَين وَلنْ) (وَلنْ ترى جوانحي ... سَاكِنة بعد سكن) (يَا من يظنّ الْحبّ من ... أيسر أَحْدَاث الزَّمن) (الْحبّ مَا صير ثوب ... الْمَرْء للمرء كفن) (لَا مَا أسَال مدمعا ... أَو جعل السِّرّ علن) (أما وممشوق القوام ... ناعس الطّرف أغن) (ينص جيد مطفل ... تنشد خشفا مَا شدن) (إِنِّي لاشتاق فَتى ... لَا يتبع الْمَنّ منن) (وَلنْ ترى أحسن من ... شوقي إِلَى أبي الْحسن) (مفتتن بِهِ فَتى ... لَوْلَا هَوَاهُ مَا افْتتن) (أحن شوقا وجوى ... فليته اشتاق وحن) (وَلَا أَزَال سَائِلًا ... عَنهُ فَهَل يسْأَل عَن) (هَيْهَات أَيْن ذُو خلا ... من ذِي غرام وشجن) (أَخُو الْهوى لَيْسَ لَهُ ... من أسْهم الوجد جنن) (تكَاد تجْرِي نَفسه ... لَوْلَا ارتباط بِالْبدنِ) (وَكَيف لَا أعشق معسول ... الْعَطاء واللسن) (للمجد مَا جاد بِهِ ... وللسماح مَا خزن) (فسمحه ذكاؤه ... وللسماحات فطن) (لَا ثل عرش سعده ... وَلَا وهى وَلَا وَهن) (أَحْمَده لَا طَالبا ... مِنْهُ على الْحَمد ثمن) (وَلَا وداد من نأى ... عَن الظباء والضبن) (فابق لنا مَا سجعت ... حمامة على فنن) (وامض كَمَا تُؤثر من ... نهج العلى على سنَن) (وليهنك الْعِيد الَّذِي ... بِهِ العداة لم تهن) الرجز

стр. 388

فَخر الدّين المارديني هُوَ الإِمَام فَخر الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن بن عبد السَّاتِر الْأنْصَارِيّ كَانَ أوحد زَمَانه وعلامة وقته فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة قوي الذكاء فَاضل النَّفس جيد الْمعرفَة بصناعة الطِّبّ محاولا لأعمالها كثير التَّحْقِيق نزيه النَّفس محبا للخير متقنا للغة متفننا فِي الْعَرَبيَّة مولده فِي ماردين وأجداده من الْقُدس وَكَانَ أَبوهُ قَاضِيا وَلما فتح نجم الدّين الْغَازِي بن أرتق الْقُدس بعث جده عبد الرَّحْمَن إِلَى ماردين وقطن بهَا هُوَ وَأَوْلَاده وَكَانَ شيخ فَخر الدّين المارديني فِي الْحِكْمَة نجم الدّين بن صَلَاح وَهُوَ نجم الدّين أَبُو الْفتُوح أَحْمد بن السّري وَكَانَ عجميا من همذان استدعاه حسام الدّين تمرتاش بن الْغَازِي بن ارتق وَكَانَ ابْن الصّلاح فَاضلا فِي الْحِكْمَة جيد الْمعرفَة بهَا خَبِيرا بدقائقها وأسرارها وَله تصانيف فِي الْحِكْمَة وَأقَام فِي آخر عمره بِدِمَشْق وَتُوفِّي ﵀ فِي سنة وَدفن فِي مَقَابِر الصُّوفِيَّة عِنْد نهر بانياس بِظَاهِر دمشق وَقَرَأَ فَخر الدّين المارديني صناعَة الطِّبّ على أَمِين الدولة بن التلميذ وحَدثني الْحَكِيم سديد الدّين مَحْمُود بن عمر الْمَعْرُوف بِابْن رقيقَة عَن فَخر الدّين المارديني أَنه قَرَأَ كتاب القانون لِابْنِ سينا على أَمِين الدولة بن التلميذ وباحثه فِيهِ وَبَالغ فِي تَصْحِيحه وتحريره مَعَه وَكَانَ ابْن التلميذ يقْرَأ عَلَيْهِ صناعَة الْمنطق وَمِمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك كتاب الْمُخْتَصر الْأَوْسَط للجرجاني لِابْنِ سينا وَأقَام فَخر الدّين بن عبد السَّلَام المارديني فِي مَدِينَة حيني سِنِين كَثِيرَة وَكَانَ فِي خدمَة نجم الدّين بن ارتق قَالَ سديد الدّين مَحْمُود بن عمر وَكَانَ قد صحب فَخر الدّين المارديني فِي مَدِينَة حيني وَقَرَأَ عَلَيْهِ صناعَة الطِّبّ ولازمه مُدَّة طَوِيلَة وَلم يكن يُفَارِقهُ فِي سَفَره وَلَا حَضَره إِن الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني ﵀ وصل إِلَى دمشق وَكنت مَعَه فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وأقرأ بهَا صناعَة الطِّبّ وَكَانَ لَهُ مجْلِس عَام للتدريس وَكَانَ من جملَة من اشْتغل عَلَيْهِ ولازمه مُدَّة مقَامه بِدِمَشْق الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الشيح مهذب الدّين بعض كتاب القانون لِابْنِ سينا وَصَححهُ مَعَه وَلم يزل الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني مُقيما بِدِمَشْق إِلَى آخر شهر شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَإِنَّهُ توجه قَاصِدا إِلَى بَلَده وَلما عزم على السّفر أَتَاهُ الشَّيْخ مهذب الدّين وَسَأَلَهُ إِن كَانَ يُمكنهُ أَن يُقيم بِدِمَشْق ليتمم عَلَيْهِ قِرَاءَة كتاب القانون وَأَن يكون يُوصل إِلَى وَكيله برسم النَّفَقَة فِي كل شهر ثلثمِائة دِرْهَم ناصرية فَلم يفعل وَقَالَ الْعلم لَا يُبَاع أصلا بل من كَانَ معي فإنني اشغله أَيْن كنت وَلم يُمكن مهذب الدّين التَّوَجُّه مَعَه وَلما سَافر فَخر الدّين المارديني من دمشق

стр. 389

وَكَانَ فِي طَرِيقه بحلب نفذ إِلَيْهِ الْملك الظَّاهِر غَازِي بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين واستحضره وَأَعْجَبهُ كَلَامه فَطلب أَن يُقيم عِنْده فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَلم يقبل مِنْهُ الْملك الظَّاهِر ذَلِك وَأطلق لَهُ مَالا كثيرا وأنعم عَلَيْهِ وَكَانَ عَظِيم الْمنزلَة عِنْده وَبَقِي فِي خدمته نَحْو سنتَيْن ثمَّ سَافر إِلَى ماردين أَقُول وَتُوفِّي فَخر الدّين المارديني ﵀ يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بآمد وَله من الْعُمر اثْنَان وَثَمَانُونَ سنة ووقف جَمِيع كتبه فِي ماردين فِي المشهد الَّذِي وَقفه حسام الدّين بن أرتق وَكَانَ حسام الدّين هَذَا فَاضلا حكيما فيلسوفا وَقد وقف أَيْضا فِي مشهده كتبا حكمِيَّة والكتب الَّتِي وَقفهَا الشَّيْخ فَخر الدّين هِيَ من أَجود الْكتب وَهِي نسخه الَّتِي كَانَ قد قَرَأَ أَكْثَرهَا على مشايخه وحررها وَقد بَالغ فِي تصحيحها واتقانها وحَدثني سديد الدّين مَحْمُود بن عمر وَكَانَ حَاضرا عِنْد الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني وَقت مَوته قَالَ لم يزل الشَّيْخ فَخر الدّين لما أحس بِالْمَوْتِ يذكر الله تَعَالَى ويمجده وَلم يفتر عَن ذَلِك إِلَى حِين قضى وَكَانَ آخر شَيْء سمعناه مِنْهُ اللَّهُمَّ إِنِّي آمَنت بك وبرسولك صدق ﷺ أَن الله يستحي من عَذَاب الشَّيْخ ولفخر الدّين المارديني من الْكتب شرح قصيدة الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا الَّتِي أَولهَا (هَبَطت إِلَيْك من الْمحل الأرفع ... ) وَكَانَ شَرحه لهَذِهِ القصيدة لما سَأَلَهُ الْأَمِير عز الدّين أَبُو الْقَاسِم الْخضر بن أبي غَالب نصر الْأَزْدِيّ الْحِمصِي ذَلِك رِسَالَة فَضَح فِيهَا بعض من اتهمه بالميل إِلَى مَذْهَب معيب أَبُو نصر بن المسيحي هُوَ أَبُو نصر سعيد بن أبي الْخَيْر بن عِيسَى بن المسيحي من المتميزين فِي صناعَة الطِّبّ والأفاضل من أَهلهَا والأعيان من أَرْبَابهَا حَدثنِي شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ قَالَ مرض الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة مَرضا شَدِيدا وَكَانَ الْمَرَض بالرمل وَعرض لَهُ فِي المثانة حَصَاة كَبِيرَة مفرطة فِي الْكبر وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَلَم وَطَالَ الْمَرَض وَكَانَ طبيبه أَبُو الْخَيْر المسيحي وَكَانَ شَيخا حسنا مسنا وَقد خدمه مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ خَبِيرا متقنا للصناعة وَمَات وَقد قَارب الْمِائَة سنة فامتد بِهِ الْمَرَض وضجر من المعالجات فَأَشَارَ بِأَن تشق المثانة لإِخْرَاج الْحَصَاة فَسَأَلَ عَن حذاق الجرائحين فَأخْبر بِرَجُل مِنْهُم يُقَال لَهُ ابْن عكاشة من سَاكِني الكرخ بِجَانِب بَغْدَاد الغربي فأحضر وَشَاهد الْعُضْو العليل وَأمره ببطه فَقَالَ أحتاج أَن أشاور مَشَايِخ الْأَطِبَّاء فِي هَذَا فَقَالَ لَهُ من

стр. 390

تعرف بِبَغْدَاد من صالحي هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ يَا مَوْلَانَا أستاذي وشيخي أَبُو نصر بن المسيحي لَيْسَ فِي الْبِلَاد بأسرها من يماثله فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة اذْهَبْ إِلَيْهِ ومره بالحضور فَلَمَّا حضر خدم وَقبل الأَرْض أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ سَاعَة وَلم يكلمهُ وَلم يَأْمُرهُ بِشَيْء حَتَّى سكن روعه فَلَمَّا آنس مِنْهُ ذَلِك قَالَ لَهُ يَا أَبَا نصر مثل نَفسك أَنَّك قد دخلت إِلَى بيمارستان وَأَنت تباشر بِهِ مَرِيضا قد ورد من بعض الضّيَاع وَأُرِيد أَن تباشر مداواتي وتعالجني فِي هَذَا الْمَرَض كَمَا تفعل بِمن هَذِه صفته فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة وَلَكِنِّي احْتَاجَ أَن أعرف من هَذَا الطَّبِيب الْمُتَقَدّم مبادئ الْمَرَض وأحواله وتغيراته وَمَا عالج بِهِ مُنْذُ أول الْمَرَض وَإِلَى الْآن فَاحْضُرْ الشَّيْخ أَبُو الْخَيْر وَأخذ يذكر لَهُ ابتداءات الْمَرَض وتغيرات أَحْوَاله وَمَا عالج بِهِ فِي أول الْأَمر وَإِلَى آخر وَقت فَقَالَ التَّدْبِير صَالح والعلاج مُسْتَقِيم فَقَالَ الْخَلِيفَة هَذَا الشَّيْخ اخطأ وَلَا بُد لي من صلبه فَقَامَ أَبُو نصر بن المسيحي وَقبل الأَرْض وَقَالَ يَا مَوْلَانَا بِحَق نعْمَة الله عَلَيْك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين لَا تسن على الْأَطِبَّاء هَذِه السّنة وَأما الرجل فَلم يُخطئ فِي التَّدْبِير وَلَكِن لسوء حَظه لم ينْتَه الْمَرَض فَقَالَ قد عَفَوْت عَنهُ وَلَكِن لَا يعود يدْخل عَليّ فَانْصَرف ثمَّ أَخذ أَبُو نصر فِي مداواته فَسَقَاهُ ودهن الْعُضْو بالإدهان الملينات وَقَالَ لَهُ إِن أمكن نلاطف الْأَمر بِحَيْثُ نخرج هَذِه الْحَصَاة من غير بط فَهُوَ المُرَاد وَإِن لم تخرج فَذَلِك لَا يفوتنا فَلم يزل كَذَلِك يَوْمَيْنِ وَفِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث رمى الْحَصَاة فَقيل إِنَّه كَانَ وَزنهَا سَبْعَة مَثَاقِيل وَقيل خَمْسَة وَقيل إِنَّهَا كَانَت على مِقْدَار أكبر نواة تكون من نوى الزَّيْتُون وبرأ وتتابع الشِّفَاء وَدخل الْحمام فَأمر أَن يدْخل أَبُو نصر إِلَى دَار الضَّرْب وَيحمل من الذَّهَب مهما قدر أَن يحملهُ فَفعل بِهِ ذَلِك ثمَّ أَتَتْهُ الْخلْع وَالدَّنَانِير من أم الْخَلِيفَة وَمن ولديه الأميرين مُحَمَّد وَعلي والوزير نصير الدّين أبي الْحسن ابْن مهْدي الْعلوِي الرَّازِيّ وَمن سَائِر كبار الْأُمَرَاء بالدولة فَأَما أم الْخَلِيفَة وَأَوْلَاده والوزير والشرابي نجاح فَكَانَت الدَّنَانِير من كل وَاحِد مِنْهُم ألف دِينَار وَكَذَلِكَ من أكَابِر الْأُمَرَاء والباقين على قدر أَحْوَالهم فَأخْبرت أَنه حصل من الْعين الدَّنَانِير عشْرين ألف دِينَار وَمن الثِّيَاب وَالْخلْع جملَة وافرة وألزم الْخدمَة وفرضت لَهُ الجامكية السّنيَّة والراتب وَالْإِقَامَة وَلم يزل مستمرا فِي الْحِكْمَة إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر قَالَ وحَدثني بعض الْأَطِبَّاء أَن ابْن عكاشة الجرائحي كَانَ قد نذر عَلَيْهِ أَنه يتَصَدَّق فِي بيعَة سوق الثُّلَاثَاء بِالربعِ مِمَّا يحصل لَهُ وَأَنه حمل إِلَى الْبيعَة مِائَتَيْنِ وَخمسين دِينَارا وَصرف أَبُو الْخَيْر المسيحي من الْخدمَة وَقد كَانَت مَنْزِلَته قبل هَذَا جليلة عِنْده وَمحله مُرْتَفع وَوَصله هبات وصلات عَظِيمَة
следующие страницы →