← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أَبُو عَليّ الْحسن بن عَليّ بن أثردى فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ جيد الْأَعْمَال حسن المعالجة وَكَانَ من المشكورين بِبَغْدَاد جمال الدّين عَليّ بن أثردى هُوَ جمال الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي الْغَنَائِم سعيد بن هبة الله بن عَليّ بن أثردى فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ عَالم بهَا متميز فِي علمهَا وعملها كَانَ همام الدّين الْعَبْدي الشَّاعِر قد اسْتعَار من جمال الدّين عَليّ بن أثردى كتاب مسَائِل حنين فَقَالَ يمدحه ويشعره بِأَن الْمسَائِل الْعَارِية قد وَقع عَلَيْهَا اخْتِيَاره على سَبِيل الدعابة وَذَلِكَ فِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة (حياك رقراق الحيا ... عني وخفاف النسيم) (فلأنت ذُو الْخلق الْكَرِيم ... وَأَنت ذُو الْخلق الوسيم) (غدق الأنامل بالندى ... لبق الشَّمَائِل بالنعيم) (مَا افتر إِلَّا فر جَيش ... دجنة اللَّيْل البهيم) (نضر الفكاهة كالحمام ... جرى على زهر الجميم) (ويسير أَوْقَات الثراء ... كثير أفراح النديم) (لَا بالملول وَلَا الْجَدْوَل ... وَلَا الجهول وَلَا المليم) (بل يشفع القَوْل اللَّطِيف ... بوافر الطول الجسيم) (نَاد الورى مستصرخا ... هَل من صديق أَو حميم) (حمال أعباء القرين ... منيع أكناف الْحَرِيم) (وادع الْكِرَام وَلنْ يُجيب ... سوى أبي الْحسن الْحَكِيم) (سمعا جمال الدّين قَول ... مصاحب الود السَّلِيم) (هَل للمسائل رَجْعَة ... يَوْمًا إِلَى الوطن الْقَدِيم) (هَيْهَات أعوز مَا يروم ... الْفَحْل إلقاح الْعَقِيم) (بيني وَبَيْنك وصلَة ... الإفضال وَالْفضل العميم) (والوصلة الْعُظْمَى حميد ... ولَايَة النبأ الْعَظِيم) (إِنَّا ليجمعنا الْوَلَاء ... على صِرَاط مُسْتَقِيم) الْكَامِل المرخل وَقَالَ أَيْضا يمدحه (سل لم جَفا جفني الوسن ... بعد بعاد من ظعن)

стр. 387

(وَمن نأى بِالصبرِ لم ... غادر فِي قلبِي الْحزن) (وَقل لمن خَال الْهوى ... قل لي على الْبعد وَطن) (لم يبعد الوجد الَّذِي ... خَلفه الْبَين وَلنْ) (وَلنْ ترى جوانحي ... سَاكِنة بعد سكن) (يَا من يظنّ الْحبّ من ... أيسر أَحْدَاث الزَّمن) (الْحبّ مَا صير ثوب ... الْمَرْء للمرء كفن) (لَا مَا أسَال مدمعا ... أَو جعل السِّرّ علن) (أما وممشوق القوام ... ناعس الطّرف أغن) (ينص جيد مطفل ... تنشد خشفا مَا شدن) (إِنِّي لاشتاق فَتى ... لَا يتبع الْمَنّ منن) (وَلنْ ترى أحسن من ... شوقي إِلَى أبي الْحسن) (مفتتن بِهِ فَتى ... لَوْلَا هَوَاهُ مَا افْتتن) (أحن شوقا وجوى ... فليته اشتاق وحن) (وَلَا أَزَال سَائِلًا ... عَنهُ فَهَل يسْأَل عَن) (هَيْهَات أَيْن ذُو خلا ... من ذِي غرام وشجن) (أَخُو الْهوى لَيْسَ لَهُ ... من أسْهم الوجد جنن) (تكَاد تجْرِي نَفسه ... لَوْلَا ارتباط بِالْبدنِ) (وَكَيف لَا أعشق معسول ... الْعَطاء واللسن) (للمجد مَا جاد بِهِ ... وللسماح مَا خزن) (فسمحه ذكاؤه ... وللسماحات فطن) (لَا ثل عرش سعده ... وَلَا وهى وَلَا وَهن) (أَحْمَده لَا طَالبا ... مِنْهُ على الْحَمد ثمن) (وَلَا وداد من نأى ... عَن الظباء والضبن) (فابق لنا مَا سجعت ... حمامة على فنن) (وامض كَمَا تُؤثر من ... نهج العلى على سنَن) (وليهنك الْعِيد الَّذِي ... بِهِ العداة لم تهن) الرجز

стр. 388

فَخر الدّين المارديني هُوَ الإِمَام فَخر الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن بن عبد السَّاتِر الْأنْصَارِيّ كَانَ أوحد زَمَانه وعلامة وقته فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة قوي الذكاء فَاضل النَّفس جيد الْمعرفَة بصناعة الطِّبّ محاولا لأعمالها كثير التَّحْقِيق نزيه النَّفس محبا للخير متقنا للغة متفننا فِي الْعَرَبيَّة مولده فِي ماردين وأجداده من الْقُدس وَكَانَ أَبوهُ قَاضِيا وَلما فتح نجم الدّين الْغَازِي بن أرتق الْقُدس بعث جده عبد الرَّحْمَن إِلَى ماردين وقطن بهَا هُوَ وَأَوْلَاده وَكَانَ شيخ فَخر الدّين المارديني فِي الْحِكْمَة نجم الدّين بن صَلَاح وَهُوَ نجم الدّين أَبُو الْفتُوح أَحْمد بن السّري وَكَانَ عجميا من همذان استدعاه حسام الدّين تمرتاش بن الْغَازِي بن ارتق وَكَانَ ابْن الصّلاح فَاضلا فِي الْحِكْمَة جيد الْمعرفَة بهَا خَبِيرا بدقائقها وأسرارها وَله تصانيف فِي الْحِكْمَة وَأقَام فِي آخر عمره بِدِمَشْق وَتُوفِّي ﵀ فِي سنة وَدفن فِي مَقَابِر الصُّوفِيَّة عِنْد نهر بانياس بِظَاهِر دمشق وَقَرَأَ فَخر الدّين المارديني صناعَة الطِّبّ على أَمِين الدولة بن التلميذ وحَدثني الْحَكِيم سديد الدّين مَحْمُود بن عمر الْمَعْرُوف بِابْن رقيقَة عَن فَخر الدّين المارديني أَنه قَرَأَ كتاب القانون لِابْنِ سينا على أَمِين الدولة بن التلميذ وباحثه فِيهِ وَبَالغ فِي تَصْحِيحه وتحريره مَعَه وَكَانَ ابْن التلميذ يقْرَأ عَلَيْهِ صناعَة الْمنطق وَمِمَّا قَرَأَ عَلَيْهِ فِي ذَلِك كتاب الْمُخْتَصر الْأَوْسَط للجرجاني لِابْنِ سينا وَأقَام فَخر الدّين بن عبد السَّلَام المارديني فِي مَدِينَة حيني سِنِين كَثِيرَة وَكَانَ فِي خدمَة نجم الدّين بن ارتق قَالَ سديد الدّين مَحْمُود بن عمر وَكَانَ قد صحب فَخر الدّين المارديني فِي مَدِينَة حيني وَقَرَأَ عَلَيْهِ صناعَة الطِّبّ ولازمه مُدَّة طَوِيلَة وَلم يكن يُفَارِقهُ فِي سَفَره وَلَا حَضَره إِن الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني ﵀ وصل إِلَى دمشق وَكنت مَعَه فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وأقرأ بهَا صناعَة الطِّبّ وَكَانَ لَهُ مجْلِس عَام للتدريس وَكَانَ من جملَة من اشْتغل عَلَيْهِ ولازمه مُدَّة مقَامه بِدِمَشْق الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الشيح مهذب الدّين بعض كتاب القانون لِابْنِ سينا وَصَححهُ مَعَه وَلم يزل الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني مُقيما بِدِمَشْق إِلَى آخر شهر شعْبَان سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة فَإِنَّهُ توجه قَاصِدا إِلَى بَلَده وَلما عزم على السّفر أَتَاهُ الشَّيْخ مهذب الدّين وَسَأَلَهُ إِن كَانَ يُمكنهُ أَن يُقيم بِدِمَشْق ليتمم عَلَيْهِ قِرَاءَة كتاب القانون وَأَن يكون يُوصل إِلَى وَكيله برسم النَّفَقَة فِي كل شهر ثلثمِائة دِرْهَم ناصرية فَلم يفعل وَقَالَ الْعلم لَا يُبَاع أصلا بل من كَانَ معي فإنني اشغله أَيْن كنت وَلم يُمكن مهذب الدّين التَّوَجُّه مَعَه وَلما سَافر فَخر الدّين المارديني من دمشق

стр. 389

وَكَانَ فِي طَرِيقه بحلب نفذ إِلَيْهِ الْملك الظَّاهِر غَازِي بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين واستحضره وَأَعْجَبهُ كَلَامه فَطلب أَن يُقيم عِنْده فَاعْتَذر إِلَيْهِ وَلم يقبل مِنْهُ الْملك الظَّاهِر ذَلِك وَأطلق لَهُ مَالا كثيرا وأنعم عَلَيْهِ وَكَانَ عَظِيم الْمنزلَة عِنْده وَبَقِي فِي خدمته نَحْو سنتَيْن ثمَّ سَافر إِلَى ماردين أَقُول وَتُوفِّي فَخر الدّين المارديني ﵀ يَوْم السبت الْحَادِي وَالْعِشْرين من ذِي الْحجَّة سنة أَربع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بآمد وَله من الْعُمر اثْنَان وَثَمَانُونَ سنة ووقف جَمِيع كتبه فِي ماردين فِي المشهد الَّذِي وَقفه حسام الدّين بن أرتق وَكَانَ حسام الدّين هَذَا فَاضلا حكيما فيلسوفا وَقد وقف أَيْضا فِي مشهده كتبا حكمِيَّة والكتب الَّتِي وَقفهَا الشَّيْخ فَخر الدّين هِيَ من أَجود الْكتب وَهِي نسخه الَّتِي كَانَ قد قَرَأَ أَكْثَرهَا على مشايخه وحررها وَقد بَالغ فِي تصحيحها واتقانها وحَدثني سديد الدّين مَحْمُود بن عمر وَكَانَ حَاضرا عِنْد الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني وَقت مَوته قَالَ لم يزل الشَّيْخ فَخر الدّين لما أحس بِالْمَوْتِ يذكر الله تَعَالَى ويمجده وَلم يفتر عَن ذَلِك إِلَى حِين قضى وَكَانَ آخر شَيْء سمعناه مِنْهُ اللَّهُمَّ إِنِّي آمَنت بك وبرسولك صدق ﷺ أَن الله يستحي من عَذَاب الشَّيْخ ولفخر الدّين المارديني من الْكتب شرح قصيدة الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا الَّتِي أَولهَا (هَبَطت إِلَيْك من الْمحل الأرفع ... ) وَكَانَ شَرحه لهَذِهِ القصيدة لما سَأَلَهُ الْأَمِير عز الدّين أَبُو الْقَاسِم الْخضر بن أبي غَالب نصر الْأَزْدِيّ الْحِمصِي ذَلِك رِسَالَة فَضَح فِيهَا بعض من اتهمه بالميل إِلَى مَذْهَب معيب أَبُو نصر بن المسيحي هُوَ أَبُو نصر سعيد بن أبي الْخَيْر بن عِيسَى بن المسيحي من المتميزين فِي صناعَة الطِّبّ والأفاضل من أَهلهَا والأعيان من أَرْبَابهَا حَدثنِي شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ قَالَ مرض الْخَلِيفَة النَّاصِر لدين الله فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة مَرضا شَدِيدا وَكَانَ الْمَرَض بالرمل وَعرض لَهُ فِي المثانة حَصَاة كَبِيرَة مفرطة فِي الْكبر وَاشْتَدَّ بِهِ الْأَلَم وَطَالَ الْمَرَض وَكَانَ طبيبه أَبُو الْخَيْر المسيحي وَكَانَ شَيخا حسنا مسنا وَقد خدمه مُدَّة طَوِيلَة وَكَانَ خَبِيرا متقنا للصناعة وَمَات وَقد قَارب الْمِائَة سنة فامتد بِهِ الْمَرَض وضجر من المعالجات فَأَشَارَ بِأَن تشق المثانة لإِخْرَاج الْحَصَاة فَسَأَلَ عَن حذاق الجرائحين فَأخْبر بِرَجُل مِنْهُم يُقَال لَهُ ابْن عكاشة من سَاكِني الكرخ بِجَانِب بَغْدَاد الغربي فأحضر وَشَاهد الْعُضْو العليل وَأمره ببطه فَقَالَ أحتاج أَن أشاور مَشَايِخ الْأَطِبَّاء فِي هَذَا فَقَالَ لَهُ من

стр. 390

تعرف بِبَغْدَاد من صالحي هَذِه الصِّنَاعَة فَقَالَ يَا مَوْلَانَا أستاذي وشيخي أَبُو نصر بن المسيحي لَيْسَ فِي الْبِلَاد بأسرها من يماثله فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَة اذْهَبْ إِلَيْهِ ومره بالحضور فَلَمَّا حضر خدم وَقبل الأَرْض أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ سَاعَة وَلم يكلمهُ وَلم يَأْمُرهُ بِشَيْء حَتَّى سكن روعه فَلَمَّا آنس مِنْهُ ذَلِك قَالَ لَهُ يَا أَبَا نصر مثل نَفسك أَنَّك قد دخلت إِلَى بيمارستان وَأَنت تباشر بِهِ مَرِيضا قد ورد من بعض الضّيَاع وَأُرِيد أَن تباشر مداواتي وتعالجني فِي هَذَا الْمَرَض كَمَا تفعل بِمن هَذِه صفته فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة وَلَكِنِّي احْتَاجَ أَن أعرف من هَذَا الطَّبِيب الْمُتَقَدّم مبادئ الْمَرَض وأحواله وتغيراته وَمَا عالج بِهِ مُنْذُ أول الْمَرَض وَإِلَى الْآن فَاحْضُرْ الشَّيْخ أَبُو الْخَيْر وَأخذ يذكر لَهُ ابتداءات الْمَرَض وتغيرات أَحْوَاله وَمَا عالج بِهِ فِي أول الْأَمر وَإِلَى آخر وَقت فَقَالَ التَّدْبِير صَالح والعلاج مُسْتَقِيم فَقَالَ الْخَلِيفَة هَذَا الشَّيْخ اخطأ وَلَا بُد لي من صلبه فَقَامَ أَبُو نصر بن المسيحي وَقبل الأَرْض وَقَالَ يَا مَوْلَانَا بِحَق نعْمَة الله عَلَيْك وبمن مضى من أسلافك الطاهرين لَا تسن على الْأَطِبَّاء هَذِه السّنة وَأما الرجل فَلم يُخطئ فِي التَّدْبِير وَلَكِن لسوء حَظه لم ينْتَه الْمَرَض فَقَالَ قد عَفَوْت عَنهُ وَلَكِن لَا يعود يدْخل عَليّ فَانْصَرف ثمَّ أَخذ أَبُو نصر فِي مداواته فَسَقَاهُ ودهن الْعُضْو بالإدهان الملينات وَقَالَ لَهُ إِن أمكن نلاطف الْأَمر بِحَيْثُ نخرج هَذِه الْحَصَاة من غير بط فَهُوَ المُرَاد وَإِن لم تخرج فَذَلِك لَا يفوتنا فَلم يزل كَذَلِك يَوْمَيْنِ وَفِي لَيْلَة الْيَوْم الثَّالِث رمى الْحَصَاة فَقيل إِنَّه كَانَ وَزنهَا سَبْعَة مَثَاقِيل وَقيل خَمْسَة وَقيل إِنَّهَا كَانَت على مِقْدَار أكبر نواة تكون من نوى الزَّيْتُون وبرأ وتتابع الشِّفَاء وَدخل الْحمام فَأمر أَن يدْخل أَبُو نصر إِلَى دَار الضَّرْب وَيحمل من الذَّهَب مهما قدر أَن يحملهُ فَفعل بِهِ ذَلِك ثمَّ أَتَتْهُ الْخلْع وَالدَّنَانِير من أم الْخَلِيفَة وَمن ولديه الأميرين مُحَمَّد وَعلي والوزير نصير الدّين أبي الْحسن ابْن مهْدي الْعلوِي الرَّازِيّ وَمن سَائِر كبار الْأُمَرَاء بالدولة فَأَما أم الْخَلِيفَة وَأَوْلَاده والوزير والشرابي نجاح فَكَانَت الدَّنَانِير من كل وَاحِد مِنْهُم ألف دِينَار وَكَذَلِكَ من أكَابِر الْأُمَرَاء والباقين على قدر أَحْوَالهم فَأخْبرت أَنه حصل من الْعين الدَّنَانِير عشْرين ألف دِينَار وَمن الثِّيَاب وَالْخلْع جملَة وافرة وألزم الْخدمَة وفرضت لَهُ الجامكية السّنيَّة والراتب وَالْإِقَامَة وَلم يزل مستمرا فِي الْحِكْمَة إِلَى أَن مَاتَ النَّاصِر قَالَ وحَدثني بعض الْأَطِبَّاء أَن ابْن عكاشة الجرائحي كَانَ قد نذر عَلَيْهِ أَنه يتَصَدَّق فِي بيعَة سوق الثُّلَاثَاء بِالربعِ مِمَّا يحصل لَهُ وَأَنه حمل إِلَى الْبيعَة مِائَتَيْنِ وَخمسين دِينَارا وَصرف أَبُو الْخَيْر المسيحي من الْخدمَة وَقد كَانَت مَنْزِلَته قبل هَذَا جليلة عِنْده وَمحله مُرْتَفع وَوَصله هبات وصلات عَظِيمَة

стр. 391

فَمن جُمْلَتهَا أَنه أعطَاهُ خزانَة كتب الْأَجَل أَمِين الدولة بن التلميذ وَكَانَ مرض النَّاصِر مرَارًا وبرأ على يَده فَحصل لَهُ فِيهَا جمل وافرة ثمَّ توفّي الشَّيْخ أَبُو الْخَيْر فِي أَيَّام النَّاصِر فَقيل لَهُ إِنَّه قد توفّي وَترك ولدا مُتَخَلِّفًا وَجُمْلَة عَظِيمَة من المَال فَقَالَ لَا يعْتَرض وَلَده فِيمَا وَرثهُ من أَبِيه فَمَا خرج عَنَّا لَا يعود إِلَيْنَا وَلأبي نصر بن المسيحي من الْكتب كتاب الاقتضاب على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب فِي الطِّبّ كتاب انتخاب الاقتضاب أَبُو الْفرج هُوَ صاعد بن هبة الله بن توما نَصْرَانِيّ من أهل بَغْدَاد وَكَانَ من الْأَطِبَّاء المتميزين والأكابر المتعينين حَدثنِي شمس الدّين مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ أَنه كَانَ طَبِيب نجم الدولة أبي الْيمن نجاح الشرابي وارتقت بِهِ الْحَال إِلَى أَن صَار وزيره وكاتبه ثمَّ دخل إِلَى النَّاصِر وَكَانَ يُشَارك من يحضر من أطبائه فِي أَوْقَات أمراضه ثمَّ حظي عِنْده الحظوة التَّامَّة وَسلم إِلَيْهِ عدَّة جِهَات يخْدم بهَا وَكَانَ بَين يَدَيْهِ فِيهَا عدَّة دواوين وَكتاب وَقتل فِي سنة عشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ سَببه أَنه أحضر جمَاعَة من الأجناد الَّذين كَانَت مَعَايشهمْ تَحت يَده وَأَنه خاطبهم بِمَا فِيهِ بعض الْمَكْرُوه فكمن لَهُ مِنْهُم اثْنَان لَيْلًا فقتلاه بالسكاكين واعترضت تركته فَأمر الْخَلِيفَة بِأَن يحمل مَا فِيهَا من المَال إِلَى الخزانة وَيبقى القماش وَالْملك لوَلَده قَالَ فَأَخْبرنِي بعض البغداديين أَنه حمل من دَاره إِلَى الخزانة من الدَّنَانِير الْعين ثَمَانمِائَة ألف وَثَلَاثَة عشر ألف دِينَار وَبَقِي الأثاث والأملاك بِمَا يُقَارب تَتِمَّة ألف ألف دِينَار فَترك لوَلَده أَقُول وَوجدت الصاحب جمال الدّين بن القفطي قد حكى من أَحْوَال صاعد بن توما الْمَذْكُور مَا هَذَا نَصه قَالَ كَانَ حكيما طيبا حسن العلاج كثير الْإِصَابَة مَيْمُون المعاناة فِي الْأَكْثَر لَهُ سَعَادَة تَامَّة فِي هَذَا الشَّأْن وَكَانَ من ذَوي المروءات والأمانات تقدم فِي أَيَّام النَّاصِر إِلَى أَن كَانَ بِمَنْزِلَة الوزراء واستوثقه على حفظ أَمْوَال خواصه وَكَانَ يودعها عِنْده ويرسله فِي أُمُور خُفْيَة إِلَى وزرائه وَيظْهر لَهُ فِي كل وَقت وَكَانَ حسن الوساطة جميل الْمحْضر قضيت على يَدَيْهِ حاجات واستكفيت بوساطته شرور وسالمته الْأَيَّام مُدَّة طَوِيلَة وَلم ير لَهُ غير شَاكر وناشر وَكَانَ الإِمَام النَّاصِر فِي آخر أَيَّامه قد ضعف بَصَره وأدركه سَهْو فِي أَكثر أوقاته لأحزان تَوَاتَرَتْ على قلبه وَلما عجز عَن النّظر فِي الْقَصَص والانهاءات استحضر امْرَأَة من النِّسَاء البغداديات تعرف بست نسيم وقربها وَكَانَت تكْتب خطا قَرِيبا من خطه وَجعلهَا بَين يَدَيْهِ تكْتب الْأَجْوِبَة والرقاع وشاركها فِي ذَلِك خَادِم اسْمه تَاج الدّين رَشِيق ثمَّ تزايد الْأَمر بالناصر فَصَارَت الْمَرْأَة تكْتب الْأَجْوِبَة بِمَا ترَاهُ فَمرَّة تصيب وَمرَّة تخطئ

стр. 392

ويشاركها رَشِيق فِي مثل ذَلِك وَاتفقَ أَن كتب الْوَزير القمي الْمَدْعُو بالمؤيد مطالعة وَحملهَا وَعَاد جوابها وَفِيه اختلال بَين فتوقف الْوَزير وَأنكر ثمَّ استدعى الْحَكِيم صاعد بن توما وَأسر إِلَيْهِ مَا جرى وَسَأَلَهُ عَن تَفْصِيل الْحَال فَعرفهُ مَا الْخَلِيفَة عَلَيْهِ من عدم الْبَصَر والسهو الطَّارِئ فِي أَكثر الْأَوْقَات وَمَا تعتمده الْمَرْأَة وَالْخَادِم من الْأَجْوِبَة فتوقف الْوَزير عَن الْعَمَل بِأَكْثَرَ الْأُمُور الْوَارِدَة عَلَيْهِ وَتحقّق الْخَادِم وَالْمَرْأَة ذَلِك وَقد كَانَت لَهما أغراض يُريدَان تمشيتها لأجل الدُّنْيَا واغتنام الفرصة فِي نيلها فحدسا أَن الْحَكِيم هُوَ الَّذِي دله على ذَلِك فقرر رَشِيق مَعَ رجلَيْنِ من الْجند فِي الْخدمَة أَن يغتالا الْحَكِيم ويقتلاه وهما رجلَانِ يعرفان بولدي قمر الدولة من الأجناد الواسطية وَكَانَ أَحدهمَا فِي الْخدمَة وَالْآخر بطالا فرصدا الْحَكِيم فِي بعض اللَّيَالِي إِلَى أَن أَتَى إِلَى دَار الْوَزير وَخرج عَنْهَا عَائِدًا إِلَى دَار الْخلَافَة وتبعاه إِلَى أَن وصل بَاب درب الْغلَّة الْمظْلمَة ووثبا عَلَيْهِ بسكينيهما فقتلاه وَكَانَ بَين يَدَيْهِ مشعل وَغُلَام وَانْهَزَمَ الْحَكِيم لما وَقع إِلَى الأَرْض بحرارة الضَّرْب إِلَى أَن وصل إِلَى بَاب خربة الهراس والقاتلان تابعان لَهُ فبصرهما وَاحِد وَصَاح خذوهم فعادا إِلَيْهِ وقتلاه وجرحا النفاط الَّذِي بَين يَدي الْحَكِيم وَحمل الْحَكِيم إِلَى منزله مَيتا وَدفن بداره فِي ليلته وَنفذ من البدرية من حفظ دَاره وَكَذَلِكَ من دَار الْوَزير لأجل الودائع الَّتِي كَانَت عِنْده للحرم والحشم الْخَاص وَبحث عَن القاتلين فَأمر بِالْقَبْضِ عَلَيْهِمَا وَتَوَلَّى الْقَبْض والبحث إِبْرَاهِيم بن جميل بمفرده وحملهما إِلَى منزله وَلما كَانَ فِي بكرَة تِلْكَ اللَّيْلَة أخرجَا إِلَى مَوضِع الْقَتْل وشق بطناهما وصلبا على بَاب المذبح المحاذي لباب الْغلَّة الَّتِي جرح بهَا الْحَكِيم وَكَانَ موت الْحَكِيم وَقَتله فِي لَيْلَة الْخَمِيس ثامن عشر جُمَادَى الأولى سنة عشْرين وسِتمِائَة أَبُو الْحُسَيْن صاعد بن هبة الله بن المؤمل كَانَ نَصْرَانِيّا وَأَصله من الحظيرة وَنزل إِلَى بَغْدَاد وَكَانَ اسْمه أَيْضا مارى وَهُوَ من أَسمَاء الْكَنِيسَة عِنْد النَّصَارَى فَإِنَّهُم يسمون أَوْلَادهم عِنْد الْولادَة بأسماء فَإِذا عمدوهم سموهم عِنْد المعمودية باسم من أَسمَاء الصَّالِحين مِنْهُم وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْن هَذَا طَبِيبا فَاضلا وخدم بِالدَّار العزيزة الناصرية الإمامية وتقرب قربا كثيرا وَكسب بخدمته وصحبته الْأَمْوَال وَكَانَت لَهُ الْحُرْمَة الوافرة والجاه الْعَظِيم وَكَانَ قد قَرَأَ الْأَدَب على أبي الْحسن عَليّ بن عبد الرَّحِيم العصار وعَلى أبي مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد بن الخشاب النَّحْوِيّ وعَلى شرف الْكتاب بن حَيا وَغَيرهم وَله معرفَة تَامَّة بالْمَنْطق والفلسفة وأنواع الْحِكْمَة وَكَانَ فِيهِ كبر وحمق وتيه وعجرفة وينسب إِلَى ظلم مفرط وَلم يزل على أمره ينْسَخ بِخَطِّهِ كتب الْحِكْمَة ويتصرف فِيمَا هُوَ بصدده من الطِّبّ وعَلى حَالَته فِي الْقرب إِلَى أَن مَاتَ فِي يَوْم الْعشْرين من ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِبَغْدَاد وَدفن ببيعة النَّصَارَى بهَا

стр. 393

ابْن المارستانية هُوَ أَبُو بكر عبيد الله بن أبي الْفرج عَليّ بن نصر بن حَمْزَة عرف بِابْن المارستانية حَدثنِي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن مُحَمَّد بن الْكَرِيم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب أَن ابْن المارستانية كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ وأعمالها وَسمع شَيْئا من الحَدِيث وَكَانَ عِنْده تميز وأدب وَعمل خطبا قَالَ وَكَانَ يعرضهَا على شَيخنَا أبي الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن العكبري وَكَانَ يستجيدها وَتَوَلَّى النّظر بالبيمارستان العضدي ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَحبس بِهِ سنتَيْن ثمَّ أفرج عَنهُ وَعمل تَارِيخا لمدينة السَّلَام سَمَّاهُ ديوَان الْإِسْلَام الْأَعْظَم وَكتب مِنْهُ كثيرا وَلم يتممه وَندب من الدِّيوَان فِي صفر سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة للرسالة إِلَى تفليس وخلع عَلَيْهِ خلعة سَوْدَاء وطيلسان وَتوجه إِلَى هُنَاكَ فَأدى الرسَالَة وَعَاد إِلَى بَغْدَاد فَتوفي قبل وُصُوله بِموضع يعرف بجرخ بند فِي لَيْلَة ذِي الْحجَّة سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة فَدفن هُنَاكَ ابْن سدير هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد بن عبد الله من أهل الْمَدَائِن يعرف بِابْن سدير وسدير لقب لِأَبِيهِ وَكَانَ طَبِيبا عَالما بصناعة الطِّبّ والمداواة وَيَقُول الشّعْر وَكَانَ فِيهِ دماثة ودعابة وَتُوفِّي بِالْمَدَائِنِ فَجْأَة فِي الْعشْر الْأَخير من رَمَضَان سنة سِتَّة وسِتمِائَة وَمن شعر ابْن سدير قَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سعيد بن يحيى بن الدبيثي الوَاسِطِيّ فِي كِتَابه أَنْشدني ابْن سدير لنَفسِهِ (أيا منقذي من معشر زَاد لؤمهم ... فأعيا دوائي واستكان لَهُ طبي) (إِذا اعتل مِنْهُم وَاحِد فَهُوَ صحتي ... وَإِن ظلّ حَيا كدت أَقْْضِي بِهِ نحبي) (أداويهم إِلَّا من اللؤم إِنَّه ... ليعيي علاق الحاذق الفطن الطِّبّ) الطَّوِيل مهذب الدّين بن هُبل هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ بن هُبل الْبَغْدَادِيّ وَيعرف أَيْضا بالخلاطي كَانَ أوحد وقته وعلامة زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متميزا فِي صناعَة الْأَدَب وَله شعر حسن وألفاظ بليغة وَكَانَ متقنا لحفظ الْقُرْآن ولد بِبَغْدَاد فِي بَاب الأزج بدرب ثمل فِي ثَالِث وَعشْرين ذِي الْقعدَة

стр. 394

من سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَنَشَأ بِبَغْدَاد وَقَرَأَ الْأَدَب والطب وَسمع بهَا من أبي الْقَاسِم إِسْمَاعِيل ابْن أَحْمد بن السَّمرقَنْدِي ثمَّ صَار إِلَى الْموصل واستوطنها إِلَى حِين وَفَاته وحَدثني عفيف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن عدنان النَّحْوِيّ الْموصِلِي قَالَ كَانَ الشَّيْخ مهذب الدّين بن هُبل من بَغْدَاد وَأقَام بالموصل ثمَّ بخلاط عِنْد شاه أرمن صَاحب خلاط وَبَقِي عِنْده مُدَّة وَحصل من جِهَته من المَال الْعين مبلغا عَظِيما وَقبل رحيله من خلاط بعث جملَة مَا لَهُ من المَال الْعين إِلَى الْموصل إِلَى مُجَاهِد الدّين قيماز الزيني وَدِيعَة عِنْده وَكَانَ ذَلِك نَحْو مائَة وَثَلَاثِينَ ألف دِينَار ثمَّ أَقَامَ ابْن هُبل بماردين عِنْد بدر الدّين لُؤْلُؤ والنظام إِلَى أَن قَتلهمَا نَاصِر الدّين بن أرتق صَاحب ماردين وَكَانَ بدر الدّين لُؤْلُؤ متزوجا بِأم نَاصِر الدّين وَعمي مهذب الدّين بن هُبل بِمَاء نزل فِي عَيْنَيْهِ عَن ضَرْبَة وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك خمْسا وَسبعين سنة ثمَّ توجه إِلَى الْموصل وحصلت لَهُ زمانة فَلَزِمَ منزله بسكة أبي نجيح وَكَانَ يجلس على سَرِير ويقصده كل أحد من المشتغلين عَلَيْهِ بالطب وَغَيره أَقُول وَكَانَ أَيْضا يسمع الحَدِيث وَمن ذَلِك حَدثنِي الْحَكِيم بدر الدّين أَبُو الْعِزّ يُوسُف بن أبي مُحَمَّد ابْن الْمَكِّيّ الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف بِابْن السنجاري قَالَ حَدثنَا مهذب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن هُبل الْبَغْدَادِيّ الْمَعْرُوف بالخلاطي أخبرنَا الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن عمر ابْن الْأَشْعَث السَّمرقَنْدِي أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْكِنَانِي أخبرنَا أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن أبي نصر وَأَبُو الْقَاسِم تَمام بن مُحَمَّد الرَّازِيّ وَالْقَاضِي مُحَمَّد بن أَحْمد بن هرون الغساني الْمَعْرُوف بِابْن الجندي وَأَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن عَليّ بن أبي الْعقب وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبيد الله بن يحيى الْقطَّان قَالُوا أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم ابْن أبي الْعقب حَدثنَا أَبُو زرْعَة عبد الرَّحْمَن بن عمر بن عبد الله بن صَفْوَان الْبَصْرِيّ حَدثنَا عَليّ ابْن عَيَّاش حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْخَيل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَكَانَ شيخ مهذب الدّين بن هُبل فِي صناعَة الطِّبّ أوحد الزَّمَان وَكَانَ بن هُبل فِي أول أمره قد اجْتمع بِعَبْد الله بن أَحْمد بن أَحْمد بن أَحْمد بن الخشاب النَّحْوِيّ وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من النَّحْو وَتردد أَيْضا إِلَى النظامية وَقَرَأَ الْفِقْه ثمَّ اشْتهر بعد ذَلِك بصناعة الطِّبّ وفَاق بهَا أَكثر أهل زَمَانه من الْأَطِبَّاء وَتُوفِّي مهذب الدّين بن هُبل ﵀ بالموصل لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر محرم سنة عشر وسِتمِائَة وَدفن بظاهرها بِبَاب الميدان بمقبرة الْمعَافى بن عمرَان بِالْقربِ من الْقُرْطُبِيّ وَمن شعر مهذب الدّين بن هُبل قَالَ (أيا أَثلَاث بالعراق ألفتها ... عَلَيْك سَلام لَا يزَال يفوح)

стр. 395

(لقد كنت جلدا ثاويا بفنائها ... فقد عَاد مَكْتُوم الْفُؤَاد يبوح) (فَمَا أحسن الْأَيَّام فِي ظلّ أُنْسُهَا ... قبيل طُلُوع الشَّمْس حِين تلوح) (وَقد غرد الْقمرِي فِي غسق الدجى ... وراعى حمام فِي الْأُصُول ينوح) (ذكرت لَيَال بالصراط وطيبها ... نطير لَهَا شوقا وَنحن جموح) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أيا دوحة هام الْفُؤَاد بذكرها ... عَلَيْك سَلام الله يَا دوحة الْإِنْس) (رمتني النَّوَى بالبعد مِنْك وقربها ... وَقد كنت جارا لاصقا لَك بالْأَمْس) (فيا لَيْت أَنِّي بعد بعد أحبتي ... نقلت كَرِيمًا راضي النَّفس بالرمس) (وَألا فليت الدَّهْر يُمكن مِنْهُم ... بقبضي حبال الْوَصْل بالأنمل الْخمس) (إِذا جال طرفِي فِي الْعرَاق وُجُوه ... كَأَنِّي نظرت الْأُفق من مطلع الشَّمْس) (تبدل تقليبي اليراع مَعَ القنا ... بتقلب مطبوع بلقب بالفلس) (واعتضت ثوبا كَانَ للمجد شَامِلًا ... بِثَوْب رجال كَانَ أشبه بالحلس) (فَمن لَا يرى سوء الْقَضَاء وَقدره ... بعقل رصين لَا يقايس باللمس) (يَعش تائها فِي الْخلق أعمى مشوها ... بعيد المرامي أليق الْخلق بالنكس) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لقد سبتني غَدَاة الْخيف غانية ... قد حازت الْحسن فِي دلّ بهَا وصبا) (قَامَت تميس كخوط البان غازلة ... مَعَ الأصائل ريحي شمأل وصبا) (يكَاد من دقة خصر تدل بِهِ ... يشكو إِلَى ردفها من ثقله وصبا) (لَو لم يكن أقحوان الثغر مبسمها ... مَا هام قلبِي بحبيها هوى وصبا) ولمهذب الدّين بن هُبل من الْكتب كتاب الْمُخْتَار فِي الطِّبّ وَهُوَ كتاب جليل يشْتَمل على علم وَعمل كتاب الطِّبّ الجمالي صنفه لجمال الدّين مُحَمَّد الْوَزير الْمَعْرُوف بالجواد وَكَانَ تصنيفه للمختار سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة بالموصل

стр. 396

شمس الدّين بن هُبل هُوَ شمس الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مهذب الدّين أبي الْحسن عَليّ بن أَحْمد بن عَليّ بن هُبل مولده فِي يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة انْشِقَاق الصُّبْح قبل طُلُوع الشَّمْس وَكَانَ مشتغلا بصناعة الطِّبّ متميزا فِي الْأَدَب وجيها فِي الدولة وسافر إِلَى بِلَاد الرّوم وأكرمه صَاحب الرّوم الْملك الْغَالِب كيكاوس بن كيخسرو إِكْرَاما كثيرا وَبَقِي عِنْده قَلِيلا وَتُوفِّي هُنَاكَ ﵀ ثمَّ حمل إِلَى الْموصل وَدفن بهَا وَكَانَ لشمس الدّين بن هُبل ولدان من أَعْيَان الْفُضَلَاء وأكابرهم وهما فِي وقتنا هَذَا مقيمان بِمَدِينَة الْموصل كَمَال الدّين بن يُونُس هُوَ كَمَال الدّين أَبُو عمرَان مُوسَى بن يُونُس بن مُحَمَّد بن مَنْعَة عَلامَة زَمَانه وأوحد أَوَانه وقدوة الْعلمَاء وَسيد الْحُكَمَاء قد اتقن الْحِكْمَة وتميز فِي سَائِر الْعُلُوم وَكَانَ عَظِيما فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَالْفِقْه وَكَانَ مدرسا فِي الْمدرسَة بالموصل وَيقْرَأ الْعُلُوم بأسرها من الفلسفة والطب والتعاليم وَغير ذَلِك وَله مصنفات فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَلم يزل مُقيما بِمَدِينَة الْموصل إِلَى أَن توفّي إِلَى رَحْمَة الله حَدثنِي القَاضِي نجم الدّين عمر بن مُحَمَّد بن الكريدي قَالَ وَكَانَ ورد إِلَى الْموصل كتاب الْإِرْشَاد للعميدي وَهُوَ يشْتَمل على قُوَّة من خلاف علم الجدل وَهُوَ الَّذِي يسمونه الْعَجم جست أَي الشطار فَلَمَّا احضر إِلَى الشَّيْخ كَمَال الدّين بن يُونُس نظر فِيهِ وَقَالَ علم مليح مَا قصر فِيهِ مُؤَلفه وَبَقِي عِنْده يَوْمَيْنِ حَتَّى حرر جَمِيع مَعَانِيه ثمَّ أَنه أقرأه الْفُقَهَاء وَشرح لَهُم فِيهِ أَشْيَاء مَا ذكرهَا أحد سواهُ وَقيل إِن كَمَال الدّين بن يُونُس كَانَ يعرف علم السيمياء من ذَلِك حَدثنِي أَيْضا القَاضِي نجم الدّين بن الكريدي قَالَ حَدثنِي القَاضِي جلال الدّين الْبَغْدَادِيّ تلميذ كَمَال الدّين بن يُونُس وَكَانَ الْجلَال مُقيما عِنْد ابْن يُونُس فِي الْمدرسَة قَالَ كَانَ قد ورد إِلَى الْملك الرَّحِيم بدر الدّين لُؤْلُؤ صَاحب الْموصل من عِنْد الأنبرور ملك الفرنج وَكَانَ متفننا فِي الْعُلُوم رَسُول وَبِيَدِهِ مسَائِل فِي علم النُّجُوم وَغير ذَلِك وَقصد إِن كَمَال الدّين بن يُونُس يرد أجوبتها فَبعث صَاحب الْموصل إِلَى ابْن يُونُس يعرفهُ بذلك وَيَقُول لَهُ أَن يتجمل فِي لبسه وزيه وَيجْعَل لَهُ مَجْلِسا بأبهة لأجل

стр. 397

الرَّسُول وَذَلِكَ لما يعرفهُ من ابْن يُونُس أَنه كَانَ يلبس ثيابًا رثَّة بِلَا تكلّف وَمَا عِنْده خبر من أَحْوَال الدُّنْيَا فَقَالَ نعم حكى جلال الدّين قَالَ فَكنت عِنْده وَقد قيل لَهُ هَذَا رَسُول الفرنج قد أَتَى وَقرب من الْمدرسَة فَبعث من الْفُقَهَاء من تَلقاهُ فَلَمَّا حضر عِنْد الشَّيْخ نَظرنَا فَوَجَدنَا الْموضع فِيهِ بسط من أحسن مَا يكون من الْبسط الرومية الفاخرة وَجَمَاعَة مماليك وقُوف بَين يَدَيْهِ وخدام وشارة حَسَنَة وَدخل الرَّسُول وتلقاه الشَّيْخ وَكتب لَهُ الْأَجْوِبَة عَن تِلْكَ الْمسَائِل بأسرها وَلما رَاح الرَّسُول غَابَ عَنَّا جَمِيع مَا كُنَّا نرَاهُ فَقلت للشَّيْخ يَا مَوْلَانَا مَا أعجب مَا رَأينَا من سَاعَة من تِلْكَ الأبهة والحشمة فَتَبَسَّمَ وَقَالَ يَا بغدادي هُوَ علم وَقَالَ جلال الدّين وَكَانَ للشَّيْخ كَمَال الدّين عِنْد بدر الدّين لُؤْلُؤ حَاجَة فَركب عِنْد الصُّبْح ليلقاه فِيهَا وَكَانَت عَادَة بدر الدّين أَن يركب الْخَيل وَالْبِغَال السريعة الْمَشْي فَلَمَّا قدمُوا فِي السحر فرسا وَركبهُ لم ينبعث فِي الْمَشْي فَنزل عَنهُ وَركب غَيره فَلم يقدر على الْمَشْي خطْوَة فَبَقيَ متحيرا فِي أمره وَإِذا بالشيخ قد وصل إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ عَن حَاجته فقضاها لَهُ ثمَّ قَالَ مَا كَانَ الْفرس امْتنعت من الْمَشْي إِلَّا حَتَّى تقدم فَقَالَ يَا مَوْلَانَا هَذَا من همة الْمَشَايِخ وَعَاد وَسَار بدر الدّين لُؤْلُؤ وَتَبعهُ الْعَسْكَر حَدثنِي نجم الدّين حَمْزَة بن عَابِد الصرخدي أَن نجم الدّين القمراوي وَشرف الدّين المتاني وقمراومتان هما قَرْيَتَانِ من قرى صرخد قَالَ كَانَا قد اشتغلا بالعلوم الشَّرْعِيَّة والحكمية وتميزا واشتهر فضلهما وَكَانَا قد سافرا إِلَى الْبِلَاد فِي طلب الْعلم وَلما جَاءَا إِلَى الْموصل قصدا الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن يُونُس وَهُوَ فِي الْمدرسَة يلقِي الدَّرْس فسلما وقعدا مَعَ الْفُقَهَاء وَلما جرت مسَائِل فقهية تكلما فِي ذَلِك وبحثا فِي الْأُصُول وَبَان فضلهما على أَكثر الْجَمَاعَة فأكرمهما الشَّيْخ وأدناهما وَلما كَانَ آخر النَّهَار سألاه أَن يريهما كتابا لَهُ كَانَ قد أَلفه فِي الْحِكْمَة وَفِيه لغز فَامْتنعَ وَقَالَ هَذَا كتاب لم أجد أحدا يقدر على حلّه وَأَنا ضنين بِهِ فَقَالَا لَهُ نَحن قوم غرباء وَقد قصدناك ليحصل لنا الْفَوْز بنظرك وَالْوُقُوف على هَذَا الْكتاب وَنحن بائتون عنْدك فِي الْمدرسَة وَمَا نُرِيد نطالعه سوى هَذِه اللَّيْلَة وبالغداة يَأْخُذهُ مَوْلَانَا وتلطفا لَهُ حَتَّى انْعمْ لَهما وَأخرج الْكتاب فقعدا فِي بَيت من بيُوت الْمدرسَة وَلم يناما أصلا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة بل كل وَاحِد مِنْهُمَا يملي على الآخر وَهُوَ يكْتب حَتَّى فرغا من كِتَابَته وقابلاه ثمَّ كررا النّظر فِيهِ مَرَّات وَلم يتَبَيَّن لَهما حلّه إِلَى آخر وَقت وَقد طلع النَّهَار فَظهر لَهما حل شَيْء مِنْهُ من آخِره واتضح أَولا فأولا حَتَّى انحل لَهما اللغز وعرفاه فحملا الْكتاب إِلَى الشَّيْخ وَهُوَ فِي الدَّرْس فَجَلَسَا وَقَالا يَا مَوْلَانَا مَا طلبنا إِلَّا كتابك الْكَبِير الَّذِي فِيهِ اللغز الَّذِي يعسر حلّه وَأما هَذَا الْكتاب فَنحْن نَعْرِف مَعَانِيه من زمَان واللغز الَّذِي فِيهِ علمه عندنَا قديم وَإِن شِئْت أوردناه فَقَالَ قولا حَتَّى اسْمَع فَتقدم النَّجْم القمراوي وَتَبعهُ الآخر وأوردا جَمِيع مَعَانِيه من أول الْكتاب إِلَى آخِره وذكرا حل اللغز بِعِبَارَة حَسَنَة فصيحة فَعجب مِنْهُمَا وَقَالَ

стр. 398

من أَيْن تَكُونَانِ قَالَا من الشَّام قَالَ من أَي مَوضِع مِنْهُ قَالَا من حوران فَقَالَ لَا أَشك أَن أَحَدكُمَا النَّجْم القمراوي وَالْآخر الشّرف المتاني قَالَا نعم فَقَامَ لَهما الشَّيْخ وأضافهما عِنْده وأكرمهما غَايَة الْإِكْرَام واشتغلا عَلَيْهِ مُدَّة ثمَّ سافرا أَقُول وَكَانَ عمي رشيد الدّين بن خَليفَة وَهُوَ فِي أول شبيبته قصد السّفر إِلَى الْموصل ليجتمع بالشيخ كَمَال الدّين بن يُونُس ويشتغل عَلَيْهِ لما بلغه من علمه وفضله الَّذِي لم يلْحقهُ فِيهِ أحد وتجهز للسَّفر فَلَمَّا علمت بذلك والدته جدتي بَكت وتضرعت إِلَيْهِ أَن لَا يفارقها وَكَانَ يَأْخُذ بقلبها فَلم يُمكنهُ مخالفتها وأبطل الرواح إِلَيْهِ ولكمال الدّين بن يُونُس أَوْلَاد بِمَدِينَة الْموصل قد اتقنوا الْفِقْه وَسَائِر الْعُلُوم وهم من سَادَات المدرسين وأفاضل المصنفين وَمن شعر كَمَال الدّين بن يُونُس قَالَ (مَا كنت مِمَّن يُطِيع عذالي ... وَلَا جرى هجره على بالي) (حلت كَمَا حلت غادرا وكما ... أرخصت أرخصت قدرك الغالي) المنسرح وَقَالَ (حَتَّى وَمَتى لي وَعدكُم لي زور ... مطل واف ونائل منزور) (فِي قلبِي حب حبكم مبذور ... زوروا فَعَسَى يُثمر وصلا زوروا) دو بَيت ولكمال الدّين بن يُونُس من الْكتب بِكِتَاب كشف المشكلات وإيضاح المعضلات فِي تفسر الْقُرْآن شرح كتاب التَّنْبِيه فِي الْفِقْه مجلدان كتاب مُفْرَدَات أَلْفَاظ القانون كتاب فِي الْأُصُول كتاب عُيُون الْمنطق كتاب لغز فِي الْحِكْمَة كتاب الْأَسْرَار السُّلْطَانِيَّة فِي النُّجُوم

стр. 399

الْبَاب الْحَادِي عشر طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين ظَهَرُوا فِي بِلَاد الْعَجم تيادورس كَانَ نَصْرَانِيّا وَله معرفَة جَيِّدَة بصناعة الطِّبّ ومحاولة لأعمالها وَبنى لَهُ سَابُور ذُو الأكتاف البيع فِي بَلَده وَيُقَال أَن الَّذِي بنى لَهُ البيع بهْرَام جور ولتيادورس من الْكتب كناش برزويه قيل إِنَّه كَانَ عَالما بصناعة الطِّبّ موسوما بهَا متميزا فِي زَمَانه فَاضلا فِي عُلُوم الْفرس والهند وَأَنه هُوَ الَّذِي جلب كتاب كليلة ودمنة من الْهِنْد إِلَى أنوشروان بن قباذ بن فَيْرُوز ملك الْفرس وترجمه لَهُ من اللُّغَة الْهِنْدِيَّة إِلَى الفارسية ثمَّ تَرْجمهُ فِي الْإِسْلَام عبد الله بن المقفع الْخَطِيب من اللُّغَة الفارسية إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة أَقُول وَهَذَا الْكتاب كَمَا قد عظمت شهرته أَنه فِي إصْلَاح الْأَخْلَاق وتهذيب النُّفُوس لَا نَظِير لَهُ فِي مَعْنَاهُ وَكَانَ عبد الله بن المقفع الْخَطِيب فارسيا أَيْضا وَكَانَ كَاتب أبي جَعْفَر الْمَنْصُور وَترْجم أَيْضا من كتب أرسطوطاليس كتاب قاطيغورياس وَكتاب باريمينياس وَكتاب أنالوطيقا وَترْجم مَعَ ذَلِك الْمدْخل إِلَى كتب الْمنطق الْمَعْرُوف بأيساغوجي فرفوريوس الصُّورِي وَعبارَته فِي التَّرْجَمَة عبارَة سهلة قريبَة المأخذ وَلابْن المقفع أَيْضا تواليف حسان مِنْهَا رسَالَته فِي الْأَدَب والسياسة وَمِنْهَا رسَالَته

стр. 400

الْمَعْرُوفَة باليتيمة فِي طَاعَة السُّلْطَان ربن الطَّبَرِيّ قَالَ الصاحب جمال الدّين بن القفطي فِي كِتَابه أَن هَذَا ربن الطَّبَرِيّ كَانَ يَهُودِيّا طَبِيبا منجما من أهل طبرستان وَكَانَ متميزا فِي الطِّبّ عَالما بالهندسة وأنواع الرياضة وَحل كتبا حكمِيَّة من لُغَة إِلَى لُغَة أُخْرَى قَالَ وَكَانَ وَالِده عَليّ بن ربن طَبِيبا مَشْهُورا انْتقل من طبرستان إِلَى الْعرَاق وَسكن سر من رأى وربن هَذَا كَانَ لَهُ تقدم فِي علم الْيَهُود والربن والربين والراب أَسمَاء لمقدمي شَرِيعَة الْيَهُود وَسُئِلَ أَبُو معشر عَن مطارح الشعاع فَذكرهَا وسَاق الحَدِيث إِلَى أَن قَالَ إِن المترجمين لنسخ المجسطي المخرجة من لُغَة يونان مَا ذكرُوا الشعاع وَلَا مطارحه وَلَا يُوجد ذَلِك إِلَّا فِي النُّسْخَة الَّتِي ترجمها ربن المتطبب الطَّبَرِيّ وَلم يُوجد فِي النّسخ الْقَدِيمَة مطرح شُعَاع بطليموس وَلم يعرفهُ ثَابت وَلَا حنين القلوسي وَلَا الْكِنْدِيّ وَلَا أحد من هَؤُلَاءِ التراجمة الْكِبَار وَلَا أحد من ولد نوبخت ابْن ربن الطَّبَرِيّ هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن سهل بن ربن الطَّبَرِيّ وَقَالَ ابْن النديم الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب عَليّ بن ربل بِاللَّامِ وَقَالَ عَنهُ أَنه كَانَ يكْتب للمازيار بن قَارن فَلَمَّا أسلم على يَد المعتصم قربه وَظهر فَصله بالحضرة وَأدْخلهُ المتَوَكل فِي جملَة ندمائه وَكَانَ بِموضع من الْأَدَب وَهُوَ معلم الرَّازِيّ صناعَة الطِّبّ وَكَانَ مولده ومنشؤه بطبرستان وَمن كَلَامه قَالَ الطَّبِيب الْجَاهِل مستحث الْمَوْت وَلابْن ربن الطَّبَرِيّ من الْكتب كتاب فردوس الْحِكْمَة وَجعله سَبْعَة أَنْوَاع والأنواع تحتوي على ثَلَاثِينَ مقَالَة والمقالات تحتوي على ثلثمِائة وَسِتِّينَ بَابا كتاب أرفاق الْحَيَاة كتاب تحفة الْمُلُوك كتاب كناش الحضرة كتاب مَنَافِع الْأَطْعِمَة والأشربة والعقاقير كتاب حفظ الصِّحَّة كتاب فِي الْحجامَة كتاب فِي تَرْتِيب الأغذية أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ مولده ومنشؤه بِالريِّ وسافر إِلَى بَغْدَاد وَأقَام بهَا مُدَّة وَكَانَ قدومه إِلَى بَغْدَاد وَله من الْعُمر نَيف وَثَلَاثُونَ سنة وَكَانَ من صغره مشتهيا للعلوم الْعَقْلِيَّة مشتغلا بهَا وبعلم الْأَدَب وَيَقُول الشّعْر وَأما صناعَة الطِّبّ فَإِنَّمَا تعلمهَا وَقد كبر وَكَانَ الْمعلم لَهُ فِي ذَلِك عَليّ بن ربن الطَّبَرِيّ وَقَالَ أَبُو سعيد زاهد الْعلمَاء فِي كِتَابه فِي البيمارستانات سَبَب تعلم أبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ صناعَة الطِّبّ أَنه

стр. 401

عِنْد دُخُوله مَدِينَة السَّلَام بَغْدَاد دخل إِلَى البيمارستان العضدي ليشاهده فاتفق لَهُ أَن ظفر بِرَجُل شيخ صيدلاني البيمارستان فَسَأَلَهُ عَن الْأَدْوِيَة وَمن كَانَ الْمظهر لَهَا فِي البدء فَأَجَابَهُ بِأَن قَالَ إِن أول مَا عرف مِنْهَا كَانَ حَيّ الْعَالم وَكَانَ سَببه أفلولن سليلة أسقليبيوس وَذَلِكَ أَن أفلولن كَانَ بِهِ ورم حَار فِي ذراعه مؤلم ألما شَدِيدا فَلَمَّا أشفي مِنْهُ ارتاحت نَفسه إِلَى الْخُرُوج إِلَى شاطئ نهر فَأمر غلمانه فَحَمَلُوهُ إِلَى شاطئ نهر كَانَ عَلَيْهِ هَذَا النَّبَات وَأَنه وَضعه عَلَيْهِ تبردا بِهِ فخف ألمه بذلك فاستطال وضع يَده عَلَيْهِ وَأصْبح من غَد فعل مثل ذَلِك فبرأ فَلَمَّا رأى النَّاس سرعَة برئه وَعَلمُوا أَنه إِنَّمَا كَانَ بِهَذَا الدَّوَاء سموهُ حَيَاة الْعَالم وتداولته الألسن وخففته فَسُمي حَيّ الْعَالم فَلَمَّا سمع الرَّازِيّ ذَلِك أعجب بِهِ وَدخل تَارَة أُخْرَى إِلَى هَذَا البيمارستان فَرَأى صَبيا مولودا بِوَجْهَيْنِ وَرَأس وَاحِد فَسَأَلَ الْأَطِبَّاء عَن سَبَب ذَلِك فَأخْبر بِهِ فأعجبه مَا سمع وَلم يزل يسْأَل عَن شَيْء شَيْء وَيُقَال لَهُ وَهُوَ يعلق بِقَلْبِه حَتَّى تصدى لتعلم الصِّنَاعَة وَكَانَ مِنْهُ جالينوس الْعَرَب هَذِه حِكَايَة أبي سعيد وَقَالَ بَعضهم إِن الرَّازِيّ كَانَ فِي جملَة من اجْتمع على بِنَاء هَذَا البيمارستان العضدي وَأَن عضد الدولة استشاره فِي الْموضع الَّذِي يجب أَن يبْنى فِيهِ المارستان وَأَن الرَّازِيّ أَمر بعض الغلمان أَن يعلق فِي كل نَاحيَة من جَانِبي بَغْدَاد شقة لحم ثمَّ اعْتبر الَّتِي لم يتَغَيَّر وَلم يسهك فِيهَا اللَّحْم بِسُرْعَة فَأَشَارَ بِأَن ببني فِي تِلْكَ النَّاحِيَة وَهُوَ الْموضع الَّذِي بني فِيهِ البيمارستان وحَدثني كَمَال الدّين أَبُو الْقَاسِم بن أبي تُرَاب الْبَغْدَادِيّ الْكَاتِب أَن عضد الدولة لما بنى البيمارستان العضدي الْمَنْسُوب إِلَيْهِ قصد أَن يكون فِيهِ جمَاعَة من أفاضل الْأَطِبَّاء وأعيانهم فَأمر أَن يحضروا لَهُ ذكر الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين حِينَئِذٍ بِبَغْدَاد وأعمالها فَكَانُوا متوافرين على الْمِائَة فَاخْتَارَ مِنْهُم نَحْو خمسين بِحَسب مَا علم من جودة أَحْوَالهم وتمهرهم فِي صناعَة الطِّبّ فَكَانَ الرَّازِيّ مِنْهُم ثمَّ إِنَّه اقْتصر من هَؤُلَاءِ أَيْضا على عشرَة فَكَانَ الرَّازِيّ مِنْهُم ثمَّ اخْتَار من الْعشْرَة ثَلَاثَة فَكَانَ الرَّازِيّ أحدهم ثمَّ أَنه ميز فِيمَا بَينهم فَبَان لَهُ أَن الرَّازِيّ أفضلهم فَجعله ساعور البيمارستان العضدي أَقُول وَالَّذِي صَحَّ عِنْدِي أَن الرَّازِيّ كَانَ أقدم زَمَانا من عضد الدولة بن بويه وَإِنَّمَا كَانَ تردده إِلَى البيمارستان من قبل أَن يجدده عضد الدولة وللرازي كتاب فِي صِفَات البيمارستان وَفِي كل مَا كَانَ يجده من أَحْوَال المرضى الَّذين كَانُوا يعالجون فِيهِ وَقَالَ عبيد الله بن جبرئيل أَنه لما عمر عضد الدولة البيمارستان الْجَدِيد الَّذِي على طرف الجسر من الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد كَانَت الْأَطِبَّاء الَّذين جمعهم فِيهِ من كل مَوضِع وَأمر الرَّاتِب مِنْهُ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ طَبِيبا وَكَانَ من جُمْلَتهمْ أَبُو الْحسن عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن بكس وَكَانَ دأبه أَن يدرس فِيهِ الطِّبّ لِأَنَّهُ كَانَ محجوبا وَكَانَ مِنْهُم أَبُو الْحسن بن كشكرايا الْمَعْرُوف بتلميذ سِنَان وَأَبُو يَعْقُوب

стр. 402

الْأَهْوَازِي وَأَبُو عِيسَى بَقِيَّة والقس الرُّومِي وَبَنُو حسنون وَجَمَاعَة طبائعيون قَالَ عبيد الله وَكَانَ وَالِدي جِبْرَائِيل قد أصعد مَعَ عضد الدولة من شيراز ورتب فِي جملَة الطبائعيين فِي البيمارستان وَفِي جملَة الْأَطِبَّاء الْخَواص قَالَ وَكَانَ فِي البيمارستان مَعَ هَؤُلَاءِ من الكحالين الْفُضَلَاء أَبُو نصر بن الدحلي وَمن الجرائحيين أَبُو الْخَيْر وَأَبُو الْحسن بن تفاح وجماعته وَمن المجبرين الْمشَار إِلَيْهِم أَبُو الصَّلْت وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان أَن الرَّازِيّ كَانَ مُتَوَلِّيًا لتدبير مارستان الرّيّ زَمَانا قبل مزاولته فِي البيمارستان العضدي وَقَالَ أَن الرَّازِيّ كَانَ فِي ابْتِدَاء نظره يضْرب بِالْعودِ ثمَّ أَنه أكب على النّظر فِي الطِّبّ والفلسفة فبرع فيهمَا براعة الْمُتَقَدِّمين وَقَالَ القَاضِي صاعد فِي كتاب التَّعْرِيف بطبقات الْأُمَم أَن الرَّازِيّ لم يوغل فِي الْعلم الإلهي وَلَا فهم غَرَضه الْأَقْصَى فاضطرب لذَلِك رَأْيه وتقلد آراء سخيفة وَانْتَحَلَ مَذَاهِب خبيثة وذم أَقْوَامًا لم يفهم عَنْهُم وَلَا اهْتَدَى لسبيلهم وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق النديم الْمَعْرُوف بِأبي الْفرج بن أبي يَعْقُوب فِي كتاب الفهرست أَن الرَّازِيّ كَانَ ينْتَقل فِي الْبلدَانِ وَبَينه وَبَين مَنْصُور بن إِسْمَاعِيل صداقة وَألف لَهُ كتاب المنصوري قَالَ وَأَخْبرنِي مُحَمَّد بن الْحسن الْوراق قَالَ قَالَ لي رجل من أهل الرّيّ شيخ كَبِير سَأَلته عَن الرَّازِيّ فَقَالَ كَانَ شَيخا كَبِير الرَّأْس مسفطه وَكَانَ يجلس فِي مَجْلِسه ودونه التلاميذ ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ أخر فَكَانَ يَجِيء الرجل فيصف مَا يجد لأوّل من يلقاه فَإِن كَانَ عِنْدهم علم وَإِلَّا تعداهم إِلَى غَيرهم فَإِن أَصَابُوا وَإِلَّا تكلم الرَّازِيّ فِي ذَلِك وَكَانَ كَرِيمًا متفضلا بارا بِالنَّاسِ حسن الرأفة بالفقراء والإعلاء حَتَّى كَانَ يجْرِي عَلَيْهِم الجرايات الواسعة ويمرضهم وَلم يكن يُفَارق المدارج والنسخ مَا دخلت عَلَيْهِ قطّ إِلَّا رَأَيْته ينْسَخ أما يسود أَو يبيض وَكَانَ فِي بَصَره رُطُوبَة لِكَثْرَة أكله الباقلاء وَعمي فِي آخر عمره وَكَانَ يَقُول إِنَّه قَرَأَ الفلسفة على الْبَلْخِي قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق النديم وَكَانَ الْبَلْخِي من أهل بَلخ يطوف الْبِلَاد ويجول الأَرْض حسن الْمعرفَة بالفلسفة والعلوم الْقَدِيمَة وَقد يُقَال إِن الرَّازِيّ ادّعى كتبه فِي ذَلِك وَرَأَيْت بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرا فِي عُلُوم كَثِيرَة مسودات ودساتير لم يخرج مِنْهَا إِلَى النَّاس كتاب تَامّ وَقيل إِن بخراسان كتبه مَوْجُودَة قَالَ وَكَانَ فِي زمَان الرَّازِيّ رجل يعرف بِشَهِيد بن الْحُسَيْن ويكنى أَبَا الْحسن يجْرِي مجْرى فلسفته فِي الْعلم وَلَكِن هَذَا الرجل كتب مصنفة وَبَينه وَبَين الرَّازِيّ مناظرات وَلكُل وَاحِد مِنْهُمَا نقوض على صَاحبه أَقُول وَكَانَ الرَّازِيّ ذكيا فطنا رؤوفا بالمرضى مُجْتَهدا فِي علاجهم وَفِي برئهم بِكُل وَجه يقدر عَلَيْهِ مواظبا للنَّظَر فِي غوامض صناعَة الطِّبّ والكشف عَن حقائقها وأسرارها وَكَذَلِكَ فِي غَيرهَا من الْعُلُوم بِحَيْثُ أَنه لم يكن لَهُ دأب وَلَا عناية فِي جلّ أوقاته إِلَّا فِي الِاجْتِهَاد والتطلع فِيمَا قد دونه الأفاضل من الْعلمَاء فِي كتبهمْ حَتَّى وجدته يَقُول فِي بعض كتبه إِنَّه كَانَ لي صديق نبيل يسامرني على قِرَاءَة كتب بقراط وجالينوس وللرازي أَخْبَار كَثِيرَة وفوائد مُتَفَرِّقَة فِيمَا حصل لَهُ من التمهر فِي صناعَة الطِّبّ وَفِيمَا تفرد بِهِ فِي مداواة المرضى وَفِي الِاسْتِدْلَال على أَحْوَالهم من تقدمة الْمعرفَة وَفِيمَا خَبره من الصِّفَات والأدوية الَّتِي لم يصل إِلَى عَملهَا كثير من الْأَطِبَّاء وَله فِي ذَلِك حكايات كَثِيرَة وَقعت لَهُ قد تضمنها كثير من كتبهَا وَقد ذكر من ذَلِك جملا فِي بَاب مُفْرد من كِتَابه الْحَاوِي وَفِي كِتَابه

стр. 403

فِي سر الطِّبّ وَمِمَّا حُكيَ عَنهُ من بَدَائِع وَصفه وجودة استدلاله قَالَ القَاضِي أَبُو عَليّ المحسن بن عَليّ بن أبي جهم التنوخي فِي كتاب الْفرج بعد الشدَّة حَدثنِي مُحَمَّد بن عَليّ بن الْخلال الْبَصْرِيّ أَبُو الْحُسَيْن أحد أُمَنَاء الْقُضَاة قَالَ حَدثنِي بعض أهل الطِّبّ الثقاة أَن غُلَاما من بَغْدَاد قدم الرّيّ وَهُوَ ينفث الدَّم وَكَانَ لحقه ذَلِك فِي طَرِيقه فاستدعى أَبَا بكر الرَّازِيّ الطَّبِيب الْمَشْهُور بالحذق صَاحب الْكتب المصنفة فَأرَاهُ مَا ينفث وَوصف مَا يجد فَأخذ الرَّازِيّ مجسته وَرَأى قارورته واستوصف حَاله مُنْذُ بَدَأَ ذَلِك بِهِ فَلم يقم لَهُ دَلِيل على سل وَلَا قرحَة وَلم يعرف الْعلَّة فاستنظر الرجل ليتفكر فِي الْأَمر فَقَامَتْ على العليل الْقِيَامَة وَقَالَ هَذَا يأس لي من الْحَيَاة لحذق المتطبب وجهله بِالْعِلَّةِ فازداد مَا بِهِ وَولد الْفِكر للرازي أَن أعَاد عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَن الْمِيَاه الَّتِي شربهَا فِي طَرِيقه فَأخْبرهُ أَنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج فَقَامَ فِي نفس أبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ المتطبب الرَّأْي بحدة الخاطر وجودة الذكاء أَن علقَة كَانَت فِي المَاء فحصلت فِي معدته وَأَن ذَلِك النفث الدَّم من فعلهَا فَقَالَ لَهُ إِذا كَانَ فِي غَد جئْتُك فعالجتك وَلم أنصرف أَو تَبرأ وَلَكِن بِشَرْط تَأمر غلمانك أَن يطيعوني فِيك بِمَا آمُرهُم بِهِ فَقَالَ نعم وَانْصَرف الرَّازِيّ فَتقدم فَجمع لَهُ ملْء مركنين كبيرين من طحلب أَخْضَر فأحضرهما من غَد مَعَه وَأرَاهُ إيَّاهُمَا وَقَالَ لَهُ ابلغ جَمِيع مَا فِي هذَيْن المركنين فَبَلع الرجل شَيْئا يَسِيرا ثمَّ وقف فَقَالَ ابلع فَقَالَ لَا أَسْتَطِيع فَقَالَ للغلمان خذوه فأنيموه على قَفاهُ فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِك وطرحوه على قَفاهُ وفتحوا فَاه وَأَقْبل الرَّازِيّ يدس الطحلب فِي حلقه ويكبسه كبسا شَدِيدا ويطالبه ببلعه شَاءَ أم أَبى ويتهدده بِالضَّرْبِ إِلَى أَن بلعه كَارِهًا أحد المركنين بأسره وَالرجل يستغيث فَلَا يَنْفَعهُ مَعَ الرَّازِيّ شَيْء إِلَى أَن قَالَ السَّاعَة اقذف فَزَاد الرَّازِيّ فِيمَا يكبسه فِي حلقه فذرعه الْقَيْء فقذف وَتَأمل الرَّازِيّ قذفه فَإِذا فِيهِ علقَة وَإِذا هِيَ لما وصل إِلَيْهَا الطحلب قرمت إِلَيْهِ بالطبع وَتركت موضعهَا والتفت على الطحلب فَلَمَّا قذف الرجل خرجت مَعَ الطحلب ونهض الرجل معافى قَالَ القَاضِي التنوخي وحَدثني أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد الرَّازِيّ الْمَعْرُوف بِابْن حمدون قَالَ حَدثنِي أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الرَّازِيّ الْفَقِيه قَالَ سَمِعت أَبَا بكر بن قَارن الرَّازِيّ الطَّبِيب

стр. 404

وَكَانَ محذقا فِي الطِّبّ قَالَ أَبُو بكر بن حمدون وَقد رَأَيْت هَذَا الرجل وَكَانَ يحسن علوما كَثِيرَة مِنْهَا الحَدِيث وَيَرْوِيه ويكتبه النَّاس عَنهُ ويوهونه وَلم أسمع هَذَا مِنْهُ قَالَ القَاضِي التنوخي وَلم يتَّفق لي مَعَ كَثْرَة ملاقاة أبي بكر الرَّازِيّ أَن أسمع هَذَا الْخَبَر مِنْهُ قَالَ ابْن قَارن الرَّازِيّ وَكَانَ تلميذا لأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب فِي الطِّبّ سَمِعت أَبَا بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب بعد رُجُوعه من عِنْد أَمِير خُرَاسَان لما استدعاه فعالجه من عِلّة صعبة قَالَ اجتزت فِي طريقي بنيسابور بيقام وَهِي النّصْف من طَرِيق نيسابور إِلَى الرّيّ فأستقبلني رئيسها فأنزلني دَاره وخدمني أتم خدمَة وسألني أَن أَقف على ابْن لَهُ بِهِ استسقاء فَأَدْخلنِي إِلَى دَار قد أفردها لَهُ فشاهدت العليل فَلم أطمع فِي برئه فعللت القَوْل بمشهد من العليل فَلَمَّا انْفَرَدت أَنا بِأَبِيهِ سَأَلَني أَن أصدقه فصدقته وآيسته من حَيَاة ابْنه وَقلت لَهُ مكنه من شهواته فَإِنَّهُ لَا يعِيش وَخرجت من خُرَاسَان وعدت مِنْهَا بعد اثْنَي عشر شهرا فاجتزت بِهِ فأستقبلني الرجل بعد عودتي فَلَمَّا لَقيته استحييت مِنْهُ غَايَة الْحيَاء وَلم أشكك فِي وَفَاة ابْنه وَإِنِّي كنت نعيته إِلَيْهِ وخشيت من تثقله بِي فأنزلني دَاره فَلم أجد عِنْده مَا يدل على ذَلِك وكرهت مَسْأَلته عَن ابْنه لِئَلَّا أجدد عَلَيْهِ حزنا فَقَالَ لي يَوْمًا تعرف هَذَا الْفَتى وَأَوْمَأَ إِلَى شَاب حسن الْوَجْه وَالصِّحَّة كثير الدَّم وَالْقُوَّة قَائِم مَعَ الغلمان يخدمنا فَقلت لَا فَقَالَ هَذَا وَلَدي الَّذِي آيستني مِنْهُ عِنْد مضيك إِلَى خُرَاسَان فتحيرت وَقلت عرفني سَبَب برئه فَقَالَ لي إِنَّه بعد قيامك من عِنْده فطن إِنَّك آيستني مِنْهُ فَقَالَ لي لست أَشك أَن هَذَا الرجل وَهُوَ أوحد فِي الطِّبّ فِي عصره هَذَا قد آيسك مني وَالَّذِي أَسأَلك أَن تمنع هَؤُلَاءِ الغلمان يَعْنِي غلماني الَّذين كنت أخدمه إيَّاهُم فَإِنَّهُم أترابي وَإِذا رَأَيْتهمْ معافين وَقد علمت إِنِّي ميت تجدّد على قلبِي حمى تعجل لي الْمَوْت فأرحني من هَذَا بِأَن لَا أَرَاهُم وأفرد لخدمتي فُلَانُهُ دايتي فَفعلت مَا سَأَلَ وَكَانَ يحمل إِلَى الداية فِي كل يَوْم مَا تَأْكُله وَإِلَيْهِ مَا يطْلب على غير حمية فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام حمل إِلَى الداية مضيرة لتأكل فتركتها بِحَيْثُ يَقع عَلَيْهَا نظر وَلَدي وَمَضَت فِي شغل لَهَا فَذكرت أَنَّهَا لما عَادَتْ وجدت ابْني قد أكل أَكثر مِمَّا كَانَ فِي الغضارة وَبَقِي فِي الغضارة شَيْء يسير مغير اللَّوْن قَالَت الْعَجُوز فَقلت لَهُ مَا هَذَا فَقَالَ لَا تقربي الغضارة وجذبها إِلَيْهِ وَقَالَ رَأَيْت أَفْعَى عَظِيما وَقد خرج من مَوضِع ودب إِلَيْهَا فَأكل مِنْهَا ثمَّ قذف فَصَارَ لَوْنهَا كَمَا تَرين فَقلت أَنا ميت وَلَا أود أَن يلحقني ألم شَدِيد وَمَتى أظفر بِمثل هَذَا وأكلت من الغضارة مَا اسْتَطَعْت لَا موت عَاجلا وأستريح فَلَمَّا لم استطع زِيَادَة أكل رجعت إِلَى موضعي وَجئْت أَنْت قَالَت وَرَأَيْت المضيرة على يَده وفمه فَصحت فَقَالَ لَا تعملي شَيْئا أَو تدفني الغضارة بِمَا فِيهَا

стр. 405

لِئَلَّا يأكلها إِنْسَان فَيَمُوت أَو حَيَوَان فيلسع إنْسَانا فيقتله فَفعلت مَا قَالَ وَخرجت إِلَيّ فَلَمَّا عَرفتنِي ذَلِك ذهب عَليّ أَمْرِي وَدخلت إِلَى ابْني فَوَجَدته نَائِما فَقلت لَا توقظوه حَتَّى نَنْظُر مَا يكون من أمره فانتبه آخر النَّهَار وَقد عرق عرقا شَدِيدا وَهُوَ يطْلب المستحم فأنهض إِلَيْهِ فَانْدفع بَطْنه وَقَامَ من ليلته وَمن غَد أَكثر من مائَة مجْلِس فازداد يأسنا مِنْهُ وَقل الطَّعَام بعد أَن اسْتمرّ أَيَّامًا وَطلب فراريج فَأكل وَلم تزل قوته تثوب إِلَيْهِ وَقد كَانَ بَطْنه الْتَصق بظهره وَقَوي طمعنا فِي عافيته فمنعناه من التَّخْلِيط فتزايدت قوته إِلَى أَن صَار كَمَا ترى فعجبت من ذَلِك وَذكرت أَن الْأَوَائِل قَالَت أَن المستسقي إِذا أكل من لحم حَيَّة عتيقة مزمنة لَهَا مئون سِنِين برأَ وَلَو قلت لَك إِن هَذَا علاجه لظَنَنْت إِنِّي أدافعك وَمن أَيْن نعلم كم سنوحيه إِذا وجدناها فَسكت عَنْك أَقُول وللرازي أَمْثَال هَذَا من الحكايات أَشْيَاء كَثِيرَة جدا مِمَّا جرى لَهُ وَقد ذكرت من ذَلِك جملَة وافرة فِي كتاب حكايات الْأَطِبَّاء فِي علاجات الأدواء وَكَانَ أَكثر مقَام الرَّازِيّ بِبِلَاد الْعَجم وَذَلِكَ لكَونهَا موطنه وموطن أَهله وأخيه وخدم بصناعة الطِّبّ الأكابر من مُلُوك الْعَجم وصنف هُنَالك كتبا كَثِيرَة فِي الطِّبّ وَغَيره وصنف كِتَابه المنصوري للمنصور بن إِسْمَاعِيل بن خاقَان صَاحب خُرَاسَان وَمَا وَرَاء النَّهر وَكَذَلِكَ صنف كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ الملوكي لعَلي ابْن صَاحب طبرستان وَكَانَ الرَّازِيّ أَيْضا مشتغلا بالعلوم الْحكمِيَّة فائقا فِيهَا وَله فِي ذَلِك تصانيف كَثِيرَة يسْتَدلّ بهَا على جودة مَعْرفَته وارتفاع مَنْزِلَته وَكَانَ فِي أول أمره قد عَنى بِعلم السمياء والكمياء وَمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْفَنّ وَله تصانيف أَيْضا فِي ذَلِك ونقلت من خطّ بلمظفر بن معرف قَالَ كَانَ الرَّازِيّ يَقُول أَنا لَا أسمي فيلسوفا إِلَّا من كَانَ قد علم صَنْعَة الكيمياء لِأَنَّهُ قد اسْتغنى عَن التكسب من أوساخ النَّاس وتنزه عَمَّا فِي أَيْديهم وَلم يحْتَج إِلَيْهِم وحَدثني بعض الْأَطِبَّاء أَن الرَّازِيّ كَانَ قد بَاعَ لقوم من الرّوم سبائك ذهب وَسَارُوا بهَا إِلَى بِلَادهمْ ثمَّ إِنَّهُم بعد ذَلِك بسنين عدَّة وجدوها وَقد تغير لَوْنهَا بعض التَّغَيُّر وَتبين لَهُم زيفها فَجَاءُوا بهَا إِلَيْهِ وألزم يردهَا وَقَالَ غَيره أَن الْوَزير كَانَ أَضَافَهُ الرَّازِيّ فَأكل عِنْده أَطْعِمَة لذيذة لَا يُمكن أَن يَأْكُل بأطيب مِنْهَا ثمَّ إِن الْوَزير تحيل بعد ذَلِك حَتَّى اشْترى إِحْدَى الْجَوَارِي الَّتِي تطبخ الْأَطْعِمَة عِنْد الرَّازِيّ ظنا مِنْهُ أَن تطبخ مثل ذَلِك الطَّعَام فَلَمَّا صنعت لَهُ أَطْعِمَة لم يجدهَا كَمَا وجدهَا عِنْد الرَّازِيّ فَلَمَّا سَأَلَهَا عَن ذَلِك ذكرت لَهُ أَن الطبيخ وَاحِد بل إننا كُنَّا نجد الْقُدُور الَّتِي عِنْد الرَّازِيّ جَمِيعًا ذَهَبا وَفِضة فَسبق إِلَى وهمه حِينَئِذٍ أَن جودة الْأَطْعِمَة إِنَّمَا هِيَ من ذَلِك وَإِن الرَّازِيّ قد حصلت لَهُ معرفَة الكيمياء فَاسْتَحْضر الْوَزير الرَّازِيّ وَسَأَلَهُ أَن يعرفهُ مَا قد حصل لَهُ من معرفَة الكيمياء فَلَمَّا لم يذكر لَهُ الرَّازِيّ شَيْئا من ذَلِك وَأنكر مَعْرفَته خنقه سرا بِوتْر

стр. 406

وَقيل إِن الرَّازِيّ كَانَ فِي أول أمره صيرفيا وَمِمَّا يُحَقّق ذَلِك أنني وجدت نُسْخَة من المنصوري قديمَة قد سقط آخرهَا وَاحْتَرَقَ أَكْثَرهَا من عتقهَا وَهِي مترجمة بذلك الْخط على هَذَا الْمِثَال كناش المنصوري تأليف مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الصَّيْرَفِي وَأَخْبرنِي من هِيَ عِنْده أَنَّهَا خطّ الرَّازِيّ وَكَانَ الرَّازِيّ معاصرا لإسحق بن حنين وَمن كَانَ مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت وَعمي فِي آخر عمره بِمَاء نزل فِي عَيْنَيْهِ فَقيل لَهُ لَو قدحت فَقَالَ لَا قد نظرت من الدُّنْيَا حَتَّى مللت فَلم يسمح بِعَيْنيهِ للقدح وَقَالَ أَبُو الْخَيْر الْحسن بن سوار بن بَابا وَكَانَ قريب الْعَهْد مِنْهُ إِن الرَّازِيّ توفّي فِي سنة نَيف وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ أَو ثلثمِائة وَكسر قَالَ وَالشَّكّ مني ونقلت من خطّ بلمظفر بن معرف أَن الرَّازِيّ توفّي فِي سنة عشْرين وثلثمائة وَقَالَ عبيد الله بن جبرئيل كَانَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ لَهُ الْمنزلَة الجليلة بِالريِّ وَسَائِر بِلَاد الْجَبَل قَالَ وعاش إِلَى أَن لحقه ابْن العميد أستاذ الصاحب بن عباد وَهُوَ كَانَ سَبَب إِظْهَار كِتَابه الْمَعْرُوف بالحاوي لِأَنَّهُ كَانَ حصل بِالريِّ بعد وَفَاته فَطَلَبه من أُخْت أبي بكر وبذل لَهَا دَنَانِير كَثِيرَة حَتَّى أظهرت لَهُ مسودات الْكتاب فَجمع تلاميذه الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا بِالريِّ حَتَّى رتبوا الْكتاب وَخرج على مَا هُوَ عَلَيْهِ من الِاضْطِرَاب وَمن كَلَام أبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ قَالَ الْحَقِيقَة فِي الطِّبّ غَايَة لَا تدْرك والعلاج بِمَا تنصه الْكتب دون أَعمال الماهر الْحَكِيم بِرَأْيهِ خطر وَقَالَ الاستكثار من قِرَاءَة كتب الْحُكَمَاء والأشراف على أسرارهم نَافِع لكل حَكِيم عَظِيم الْخطر وَقَالَ الْعُمر يقصر عَن الْوُقُوف على فعل كل نَبَات فِي الأَرْض فَعَلَيْك بِالْأَشْهرِ مِمَّا اجْمَعْ عَلَيْهِ ودع الشاذ وَاقْتصر على مَا جربت وَقَالَ من لم يعن بالأمور الطبيعية والعلوم الفلسفية والقوانين المنطقية وَعدل إِلَى اللَّذَّات الدنيائية فاتهمه فِي علمه لَا سِيمَا فِي صناعَة الطِّبّ وَقَالَ مَتى اجْتمع جالينوس وأرسطوطاليس على معنى فَذَلِك هُوَ الصَّوَاب وَمَتى اخْتلفَا صَعب على الْعُقُول إِدْرَاك صَوَابه جدا وَقَالَ الْأَمْرَاض الحارة اقْتُل من الْبَارِدَة لسرعة حَرَكَة النَّار وَقَالَ الناقهون من الْمَرَض إِذا اشتهوا من الطَّعَام مَا يضرهم فَيجب للطبيب أَن يحتال فِي تَدْبِير ذَلِك الطَّعَام وَصَرفه إِلَى كَيْفيَّة مُوَافقَة وَلَا يمنعهُم مَا يشتهون بتة وَقَالَ يَنْبَغِي للطبيب أَن يُوهم الْمَرِيض أبدا الصِّحَّة ويرجيه بهَا وَإِن كَانَ غير واثق بذلك فمزاج الْجِسْم تَابع لأخلاق النَّفس

стр. 407

وَقَالَ الْأَطِبَّاء الأميون والمقلدون والأحداث الَّذين لَا تجربة لَهُم وَمن قلت عنايته وَكَثُرت شهواته قتالون وَقَالَ يَنْبَغِي للطبيب أَن لَا يدع مساءلة الْمَرِيض عَن كل مَا يُمكن أَن تتولد عَنهُ علته من دَاخل وَمن خَارج ثمَّ يقْضِي بالأقوى وَقَالَ يَنْبَغِي للْمَرِيض أَن يقْتَصر على وَاحِد مِمَّن يوثق بِهِ من الْأَطِبَّاء فخطؤه فِي جنب صَوَابه يسير جدا وَقَالَ من تطبب عِنْد كثيرين من الْأَطِبَّاء يُوشك أَن يَقع فِي خطأ كل وَاحِد مِنْهُم وَقَالَ مَتى كَانَ اقْتِصَار الطَّبِيب على التجارب دون الْقيَاس وَقِرَاءَة الْكتب خذل وَقَالَ لَا يَنْبَغِي أَن يوثق بالْحسنِ الْعِنَايَة فِي الطِّبّ حَتَّى يبلغ الأشد ويجرب وَقَالَ يَنْبَغِي أَن تكون حَالَة الطَّبِيب معتدلة لَا مُقبلا على الدُّنْيَا كُلية وَلَا معرضًا عَن الْآخِرَة كُلية فَيكون بَين الرَّغْبَة والرهبة وَقَالَ بانتقال الْكَوَاكِب الثَّابِتَة فِي الطول وَالْعرض تنْتَقل الْأَخْلَاق والمزاجات وَقَالَ باخْتلَاف عرُوض الْبلدَانِ تخْتَلف المزاجات والأخلاق والعادات وطباع الْأَدْوِيَة والأغذية حَتَّى يكون مَا فِي الدرجَة الثَّانِيَة من الْأَدْوِيَة فِي الرَّابِعَة وَمَا فِي الرَّابِعَة فِي الثَّانِيَة وَقَالَ إِن اسْتَطَاعَ الْحَكِيم أَن يعالج بالأغذية دون الْأَدْوِيَة فقد وَافق السَّعَادَة وَقَالَ مَا اجْتمع الْأَطِبَّاء عَلَيْهِ وَشهد عَلَيْهِ الْقيَاس وعضدته التجربة فَلْيَكُن أمامك وبالضد وَمن شعر أبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ قَالَ (لعمري مَا أَدْرِي وَقد آذن البلى ... بعاجل ترحال إِلَى أَيْن ترحالي) (وَأَيْنَ مَحل الرّوح بعد خُرُوجه ... من الهيكل المنحل والجسد الْبَالِي) الطَّوِيل وَلأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ من الْكتب كتاب الْحَاوِي وَهُوَ أجل كتبه وَأَعْظَمهَا فِي صناعَة الطِّبّ وَذَلِكَ أَنه جمع فِيهِ كل مَا وجده مُتَفَرقًا فِي ذكر الْأَمْرَاض ومداواتها من سَائِر الْكتب الطبية للْمُتَقَدِّمين وَمن أَتَى بعدهمْ إِلَى زَمَانه وَنسب كل شَيْء نَقله فِيهِ إِلَى قَائِله هَذَا مَعَ أَن الرَّازِيّ توفّي وَلم يفسح لَهُ فِي الْأَجَل أَن يحرر هَذَا الْكتاب كتاب الْبُرْهَان مقالتان الأولى سَبْعَة عشر فصلا وَالثَّانيَِة اثْنَا عشر فصلا كتاب الطِّبّ الروحاني وَيعرف أَيْضا بطب النُّفُوس غَرَضه فِيهِ إصْلَاح أَخْلَاق النَّفس وَهُوَ عشرُون فصلا كتاب فِي أَن للْإنْسَان خَالِقًا متقنا حكيما وَفِيه دَلَائِل من التشريح وَمَنَافع الْأَعْضَاء تدل على أَن خلق الْإِنْسَان لَا يُمكن أَن يَقع بالِاتِّفَاقِ كتاب سمع

стр. 408

الكيان غَرَضه فِيهِ أَن يكون مدخلًا إِلَى الْعلم الطبيعي ومسهلا للمتعلم لُحُوق الْمعَانِي المتفرفة فِي الْكتب الطبيعية كتاب أيساغوجي وَهُوَ الْمدْخل إِلَى الْمنطق جمل مَعَاني قاطيغورياس جمل مَعَاني باريمينياس جمل مَعَاني أنالوطيقا الأولى إِلَى تَمام القياسات الحملية كتاب هَيْئَة الْعَالم غَرَضه أَن يبين أَن الأَرْض كرية وَأَنَّهَا فِي وسط الْفلك وَهُوَ ذُو قطبين يَدُور عَلَيْهِمَا وَأَن الشَّمْس أعظم من الأَرْض وَالْقَمَر أَصْغَر مِنْهَا وَمَا يتبع ذَلِك من هَذَا الْمَعْنى كتاب فِيمَن اسْتعْمل تَفْضِيل الهندسة من الموسومين بالهندسة ويوضح فِيهِ مقدارها ومنفعتها وَيرد على من رَفعهَا فَوق قدرهَا مقَالَة فِي السَّبَب فِي قتل ريح السمُوم لأكْثر الْحَيَوَان كتاب فِيمَا جرى بَينه وَبَين سيسن المناني يرِيه خطأ مَوْضُوعَاته وَفَسَاد ناموسه فِي سبع مبَاحث كتاب فِي اللَّذَّة غَرَضه فِيهِ أَن يبين أَنَّهَا دَاخِلَة تَحت الرَّاحَة مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا صَار الخريف ممرضا وَالربيع بالضد على أَن الشَّمْس فِي هذَيْن الزمانين فِي مدَار وَاحِد صنفها لبَعض الْكتاب كتاب فِي الْفرق بَين الرُّؤْيَا المنذرة وَبَين سَائِر ضروب الرُّؤْيَا كتاب الشكوك والمناقضات الَّتِي فِي كتب جالينوس كتاب فِي كَيْفيَّة الْأَبْصَار يبين فِيهِ أَن الْأَبْصَار لَيْسَ يكون بشعاع يخرج من الْعين وينقض فِيهِ أشكالا من كتاب أقليدس فِي المناظر كتاب فِي الرَّد على الناشيء فِي مسَائِله الْعشْر الَّتِي رام بهَا نقض الطِّبّ كتاب فِي علل المفاصل والنقرس وعرق النسا وَهُوَ اثْنَان وَعِشْرُونَ فصلا كتاب آخر صَغِير فِي وجع المفاصل الاثنا عشر كتابا فِي الصَّنْعَة الأول كتاب الْمدْخل التعليمي الثَّانِي كتاب الْمدْخل البرهاني الثَّالِث كتاب الْإِثْبَات الرَّابِع كتاب التَّدْبِير الْخَامِس كتاب الْحجر السَّادِس كتاب الأكسير عشرَة أَبْوَاب السَّابِع كتاب شرف الصِّنَاعَة وفضلها الثَّامِن كتاب التَّرْتِيب التَّاسِع كتاب التدابير الْعَاشِر كتاب الشواهد ونكت الرموز الْحَادِي عشر كتاب الْمحبَّة الثَّانِي عشر كتاب الْحِيَل كتاب الْأَحْجَار يبين فِيهِ الْإِيضَاح عَن الشَّيْء الَّذِي يكون فِي هَذَا الْعَمَل كتاب الْأَسْرَار كتاب سر الْأَسْرَار كتاب التَّبْوِيب كتاب رِسَالَة الْخَاصَّة كتاب الْحجر الْأَصْفَر كتاب رسائل الْمُلُوك كتاب الرَّد على الْكِنْدِيّ فِي إِدْخَاله صناعَة الكيمياء فِي الْمُمْتَنع كتاب فِي أَن الحمية المفرطة والمبادرة إِلَى الْأَدْوِيَة والتقليل من الأغذية لَا يحفظ الصِّحَّة بل يجلب الْأَمْرَاض مقَالَة فِي أَن جهال الْأَطِبَّاء يشددون على المرضى فِي مَنعهم من شهواتهم وَإِن لم يكن الْإِنْسَان كثير مرض جهلا وجزافا كتاب سيرة الْحُكَمَاء مقَالَة فِي أَن الطين المتنقل بِهِ فِيهِ مَنَافِع ألفها لأبي حَازِم القَاضِي مقَالَة فِي الجدري والحصبة أَرْبَعَة عشر بَابا مقَالَة فِي الْحَصَى فِي الْكُلِّي والمثانة كتاب إِلَى من لَا يحضرهُ طَبِيب وغرضه إِيضَاح الْأَمْرَاض وَتوسع فِي القَوْل وَيذكر فِيهِ عِلّة عِلّة وَأَنه يُمكن أَن يعالج بالأدوية الْمَوْجُودَة وَيعرف أَيْضا بِكِتَاب طب الْفُقَرَاء كتاب الْأَدْوِيَة الْمَوْجُودَة بِكُل مَكَان يذكر فِيهِ أدوية لَا يحْتَاج الطَّبِيب الحاذق مَعهَا إِلَى غَيرهَا إِذا ضم إِلَيْهَا مَا يُوجد فِي المطابخ والبيوت كتاب فِي الرَّد على الجاحظ فِي نقض صناعَة الطِّبّ كتاب فِي تنَاقض قَول الجاحظ فِي كِتَابه فِي فَضِيلَة الْكَلَام وَمَا غلط فِيهِ على الفلاسفة كتاب التَّقْسِيم والتشجير يذكر فِيهَا تقاسيم الْأَمْرَاض وأسبابها وعلاجها بالشرح وَالْبَيَان على سَبِيل تَقْسِيم وتشجير كتاب الطِّبّ الملوكي فِي الْعِلَل وعلاج الْأَمْرَاض كلهَا بالأغذية

стр. 409

ودس الْأَدْوِيَة فِي الأغذية حَيْثُ لَا بُد مِنْهَا وَمَا لَا يكرههُ العليل كتاب فِي الفالج كتاب فِي اللقوة كتاب فِي هَيْئَة الْعين كتاب فِي هَيْئَة الكبد كتاب فِي هَيْئَة الْأُنْثَيَيْنِ كتاب فِي هَيْئَة الْقلب كتاب فِي هَيْئَة الصماخ كتاب فِي هَيْئَة المفاصل أقراباذين كتاب فِي الانتقاد والتحرير على الْمُعْتَزلَة كتاب فِي الْخِيَار المر كتاب فِي كَيْفيَّة الاغتذاء وَهُوَ جَوَامِع ذكر الْأَدْوِيَة المعدنية كتاب فِي أثقال الْأَدْوِيَة المركبة كتاب فِي خَواص الْأَشْيَاء كتاب كَبِير فِي الهيولى كتاب فِي سَبَب وقُوف الأَرْض وسط الْفلك على استدارة كتاب فِي نقض الطِّبّ الروحاني على ابْن الْيَمَان كتاب فِي أَن الْعَالم لَا يُمكن أَن يكون إِلَّا على مَا نشاهده كتاب فِي الْحَرَكَة وَأَنَّهَا لَيست مرئية بل مَعْلُومَة مقَالَة فِي أَن للجسم تحريكا من ذَاته وَأَن الْحَرَكَة مبدأ طبيعي قصيدة فِي المنطقيات قصيدة فِي الْعلم الإلهي قصيدة فِي العظة اليونانية كتاب الْكرَى ومقادير مُخْتَصره كتاب فِي إِيضَاح الْعلَّة الَّتِي بهَا تدفع الْهَوَام بالتغذي وَمرَّة بِالتَّدْبِيرِ كتاب فِي الْجَبْر وَكَيف يسكن ألمه وَمَا علاقَة الْحر فِيهِ وَالْبرد مقَالَة فِي الْأَسْبَاب المميلة لقلوب أَكثر النَّاس عَن أفاضل الْأَطِبَّاء إِلَى أخسائهم مقَالَة فِيمَا يَنْبَغِي أَن يقدم من الأغذية والفواكه وَمَا يُؤَخر مِنْهَا مقَالَة فِي الرَّد على أَحْمد بن الطّيب السَّرخسِيّ فِيمَا رد بِهِ على جالينوس فِي أَمر الطّعْم المر كتاب فِي الرَّد على المسمعي الْمُتَكَلّم فِي رده على أَصْحَاب الهيولى كتاب فِي الْمدَّة وَهِي الزَّمَان وَفِي الْخَلَاء وَالْمَلَأ وهما الْمَكَان مقَالَة أبان فِيهَا خطأ جرير الطَّبِيب فِي إِنْكَاره مشورته على الْأَمِير أَحْمد بن إِسْمَاعِيل فِي تنَاول التوت الشَّامي على أثر الْبِطِّيخ فِي حَاله وإيضاح عذره فِيهَا كتاب فِي نقض كتاب أنابو إِلَى فرفوريوس فِي شرح مَذَاهِب أرسطوطاليس فِي الْعلم الإلهي كتاب فِي الْعلم الإلهي كتاب فِي الهيولى الْمُطلقَة والجزئية كتاب إِلَى أبي الْقَاسِم الْبَلْخِي وَالزِّيَادَة على جَوَابه وَجَوَاب هَذَا الْجَواب كتاب فِي الْعلم الإلهي على رَأْي أفلاطون كتاب فِي الرَّد على أبي الْقَاسِم الْبَلْخِي فِيمَا نَاقض بِهِ فِي الْمقَالة الثَّانِيَة من كِتَابه فِي الْعلم الإلهي كتاب فِي محنة الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْمِيزَان الطبيعي كتاب فِي الثُّبُوت فِي الْحِكْمَة كتاب فِي عذر من اشْتغل بالشطرنج كتاب فِي حِكْمَة النَّرْد كتاب فِي حيل النمس كتاب فِي أَن للْعَالم خَالِقًا حكيما كتاب فِي الباه يبين فِيهِ الأمزاج وَمَنَافع الباه ومضاره كتاب الزِّيَادَة الَّتِي زَادهَا فِي الباه كتاب المنصوري أَلفه للأمير مَنْصُور بن إِسْحَق بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد صَاحب خُرَاسَان وتحرى فِيهِ الِاخْتِصَار والإيجاز مَعَ جمعه لجمل وجوامع ونكت وعيون من صناعَة الطِّبّ علمهَا وعملها وَهُوَ عشر مقالات الْمقَالة الأولى فِي الْمدْخل إِلَى الطِّبّ وَفِي شكل الْأَعْضَاء وخلقها الْمقَالة الثَّانِيَة فِي تعرف مزاج الْأَبدَان وهيئتها والأخلاط الْغَالِبَة عَلَيْهَا واستدلالات وجيزة جَامِعَة من الفراسة الْمقَالة الثَّالِثَة فِي قوى الأغذية والأدوية الْمقَالة الرَّابِعَة فِي حفظ الصِّحَّة الْمقَالة الْخَامِسَة فِي الزِّينَة الْمقَالة السَّادِسَة فِي تَدْبِير الْمُسَافِرين الْمقَالة السَّابِعَة جمل وجوامع فِي صناعَة الْجَبْر والجراحات والقروح الْمقَالة الثَّامِنَة فِي السمُوم والهوام الْمقَالة التَّاسِعَة فِي الْأَمْرَاض الْحَادِثَة من الْقرن إِلَى الْقدَم الْمقَالة الْعَاشِرَة فِي الحميات وَمَا يتبع ذَلِك مِمَّا يحْتَاج إِلَى مَعْرفَته فِي تَحْدِيد علاجها مقَالَة أضافها إِلَى كتاب المنصوري وَهِي فِي الْأُمُور الطبيعية كتاب الْجَامِع وَيُسمى حاصر صناعَة الطِّبّ وغرضه فِي هَذَا الْكتاب جمع مَا وَقع إِلَيْهِ وأدركه من

стр. 410

كتاب طب قديم أَو مُحدث إِلَى مَوضِع وَاحِد فِي كل بَاب وَهُوَ يَنْقَسِم اثْنَي عشر قسما الْقسم الأول فِي حفظ الصِّحَّة وعلاج الْأَمْرَاض والوثي والجبر والعلاجات الْقسم الثَّانِي فِي قوى الأغذية والأدوية وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التَّدْبِير فِي الطِّبّ الْقسم الثَّالِث فِي الْأَدْوِيَة المركبة فِيهِ ذكر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا على سَبِيل الأقراباذين الْقسم الرَّابِع فِيمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الطِّبّ فِي سحق الْأَدْوِيَة وإحراقها وتصعيداتها وغسلها واستخراج قواها وحفظها وَمِقْدَار بَقَاء كل دَوَاء مِنْهَا وَمَا أشبه ذَلِك الْقسم الْخَامِس فِي صيدلية الطِّبّ فِيهِ صفة الْأَدْوِيَة وألوانها وطعومها وروائحها ومعادنها وجيدها ورديها وَنَحْو ذَلِك من علل الصيدلة الْقسم السَّادِس فِي الْإِبْدَال يذكر فِيهِ مَا يَنُوب عَن كل دَوَاء أَو غذَاء إِذا لم يُوجد الْقسم السَّابِع فِي تَفْسِير الْأَسْمَاء والأوزان والمكاييل الَّتِي للعقاقير وَتَسْمِيَة الْأَعْضَاء والأدواء باليونانية والسريانية والفارسية والهندية والعربية على سَبِيل الْكتب الْمُسَمَّاة بشقشماهي الْقسم الثَّامِن فِي التشريح وَمَنَافع الْأَعْضَاء الْقسم التَّاسِع فِي الْأَسْبَاب الطبيعية من صناعَة الطِّبّ غَرَضه فِيهِ أَن يبين أَسبَاب الْعِلَل بِالْأَمر الطبيعي الْقسم الْعَاشِر فِي الْمدْخل إِلَى صناعَة الطِّبّ وَهُوَ مقالتان الأولى مِنْهُمَا فِي الْأَشْيَاء الطبيعية وَالثَّانيَِة فِي أَوَائِل الطِّبّ الْقسم الْحَادِي عشر جمل علاجات وصفات وَغير ذَلِك الْقسم الثَّانِي عشر فِيمَا استدركه من كتب جالينوس وَلم يذكرهَا حنين وَلَا هِيَ فِي فهرست جالينوس أَقُول هَذَا التَّقْسِيم الْمَذْكُور هَهُنَا لَيْسَ هُوَ لكتابه الْمَعْرُوف بالحاوي وَلَا هُوَ تقسم مرضِي وَيُمكن أَن هَذِه كَانَت مسودات كتاب وجدت للرازي بعد مَوته وَهِي مَجْمُوعَة على هَذَا التَّرْتِيب فحسبت أَنَّهَا كتاب وَاحِد وَإِلَى غايتي هَذِه مَا رَأَيْت نُسْخَة لهَذَا الْكتاب وَلَا وجدت من أخبر أَنه رَآهُ كتاب الفاخر فِي الطِّبّ أَقُول وَإِنَّمَا أثبت هَذَا الْكتاب فِي جملَة كتبه لكَونه قد نسب إِلَيْهِ واشتهر أَنه لَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كتاب جيد قد استوعب فِيهِ مُؤَلفه ذكر الْأَمْرَاض ومداواتها وَاخْتِيَار معالجتها على أتم مَا يكون وأفضله وَجُمْهُور مَا فِيهِ مَنْقُول من كتاب التَّقْسِيم والتشجير للرازي وَمن كناش ابْن مرابيون وكل مَا فِيهِ من كَلَام الرَّازِيّ فأوله قَالَ مُحَمَّد ولأمين الدولة بن التلميذ حَاشِيَة على هَذَا الْكتاب وَأَنه للرازي قَالَ الَّذِي كثيرا مَا يذكرهُ الرَّازِيّ فِي كتاب الفاخر قَالَ مُحَمَّد هُوَ الْمَعْرُوف بالْحسنِ طَبِيب المقتدر كَانَ طَبِيبا بِبَغْدَاد ماهرا فِي علم الطِّبّ وَكَانَ بَيته بَيت الطِّبّ وَكَانَ لَهُ ثَلَاث أخوة أحدهم كَحال حاذق يعرف بِسُلَيْمَان وَآخر طَبِيب لَيْسَ فِي رتبته يعرف بهرون وَالثَّالِث صيدلاني كَبِير الصيت بِبَغْدَاد فِي الحرفة وَله كناش عَجِيب فِي تجاريبه لكنه قَلِيل الْوُجُود إِلَّا بِبَغْدَاد المحروسة كتاب فِي الْعلَّة الَّتِي صَار لَهَا مَتى انْقَطع من الْبدن شَيْء حَتَّى يتبرأ مِنْهُ أَنه لَا يلتصق بِهِ وَإِن كَانَ صَغِيرا ويلصق بِهِ من الْجِرَاحَات الْعَظِيمَة الْقدر غير المتبرئة مِمَّا هُوَ أعظم من ذَلِك كثيرا رِسَالَة فِي المَاء الْمبرد على الثَّلج والمبرد من غير أَن يطْرَح فِيهِ الثَّلج وَالَّذِي يغلى ثمَّ يبرد فِي الجليد والثلج كتاب فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا صَار السّمك الطري معطشا رِسَالَة فِي أَنه لَا يُوجد شراب غير مُسكر يَفِي بِجَمِيعِ أَفعَال الشَّرَاب الْمُسكر الْمَحْمُود فِي الْبدن كتاب فِي عَلَامَات إقبال الدولة كتاب فِي فضل الْعين على سَائِر الْحَواس رِسَالَة فِي أَن غرُوب الشَّمْس وَسَائِر الْكَوَاكِب عَنَّا وطلوعها علينا لَيْسَ من أجل حَرَكَة الأَرْض بل من حَرَكَة الْفلك كتاب فِي الْمنطق يذكر فِيهِ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهُ بِأَلْفَاظ متكلمي الْإِسْلَام كتاب فِي فسخ ظن

стр. 411

من يتَوَهَّم أَن الْكَوَاكِب لَيست فِي نِهَايَة الاستدارة وَغير ذَلِك كتاب فِي أَنه لَا يتَصَوَّر لمن لَا دربة لَهُ بالبرهان إِن الأَرْض كرية وَأَن النَّاس حولهَا رِسَالَة يبْحَث فِيهَا عَن الأَرْض الطبيعية طين هِيَ أم حجر دَاخل سمع الكيان كتاب يُوضح فِيهِ أَن التَّرْكِيب نَوْعَانِ وَغير ذَلِك مقَالَة فِي الْعَادة وَأَنَّهَا تكون طبيعية مقَالَة فِي الْمَنْفَعَة فِي أَطْرَاف الأجفان دَائِما مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا تضيق النواظر فِي النُّور وتتسع فِي الظلمَة مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا تزْعم الْجُهَّال أَن الثَّلج يعطش مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا يحرق الثَّلج ويقرح كتاب أَطْعِمَة المرضى مقَالَة فِيمَا استدركه من الْفَصْل فِي الْكَلَام فِي الْقَائِلين بحدوث الْأَجْسَام وعَلى الْقَائِلين بقدمها كتاب فِي أَن الْعِلَل الْيَسِيرَة بَعْضهَا أعْسر تعرفا وعلاجا وَغير ذَلِك كتاب الْعلَّة الَّتِي لَهَا تذم الْعَوام الْأَطِبَّاء الحذاق رِسَالَة فِي الْعِلَل المشكلة وَعذر الطَّبِيب وَغير ذَلِك رِسَالَة فِي الْعِلَل القائلة لعظمها والقاتلة لظهورها بَغْتَة مِمَّا لَا يقدر الطَّبِيب على صَلَاحهَا وعذره فِي ذَلِك كتاب فِي أَن الطَّبِيب الحاذق لَيْسَ هُوَ من قدر على إِبْرَاء جَمِيع الْعِلَل فَإِن ذَلِك لَيْسَ فِي الوسع وَلَا فِي صناعَة أبقراط وَأَنه قد يسْتَحق أَن يشْكر الطَّبِيب ويمدح وَأَن تعظم صناعَة الطِّبّ وتشرف وَإِن هُوَ لم يقدر على ذَلِك بعد أَن يكون مُتَقَدما لأهل بَلَده وعصره رِسَالَة فِي أَن الصَّانِع المتعرف بصناعته مَعْدُوم فِي جلّ الصناعات لَا فِي الطِّبّ خَاصَّة وَالْعلَّة الَّتِي من أجلهَا صَار ينجح جهال الْأَطِبَّاء والعوام وَالنِّسَاء فِي المدن فِي علاج بعض الْأَمْرَاض أَكثر من الْعلمَاء وَعذر الطَّبِيب فِي ذَلِك كتاب الممتحن فِي الطِّبّ على سَبِيل كناش كتاب فِي أَن النَّفس لَيست بجسم كتاب فِي الْكَوَاكِب السَّبْعَة فِي الْحِكْمَة رِسَالَة إِلَى الْحسن بن إِسْحَق بن محارس القمي كتاب فِي النَّفس المغترة كتاب فِي النَّفس الْكَبِيرَة مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي من أجلهَا يعرض الزُّكَام لأبي زيد الْبَلْخِي فِي فصل الرّبيع عِنْد شمه الْورْد رِسَالَة فِي محنة الطَّبِيب وَكَيف يَنْبَغِي أَن يكون حَاله فِي نَفسه وبدنه وَسيرَته وأدبه رِسَالَة فِي مِقْدَار مَا يُمكن أَن يسْتَدرك من أَحْكَام النُّجُوم على رَأْي الفلاسفة الطبيعيين وَمن لم يقل مِنْهُم أَن الْكَوَاكِب أَحيَاء وَمَا يُمكن أَن تستدرك على رَأْي من قَالَ أَنَّهَا أَحيَاء كتاب فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا صَار يحدث النّوم فِي رُؤُوس بعض النَّاس شَبِيها بالزكام كتاب فِي الشكوك الَّتِي على برقلس كتاب فِي تَفْسِير كتاب أفلوطرخس لكتاب طيماوس رِسَالَة فِي عِلّة خلق السبَاع والهوام كتاب فِي إتْمَام مَا نَاقض بِهِ الْقَائِلين بالهيولي كتاب فِي أَن المناقضة الَّتِي بَين أهل الدَّهْر وَأهل التَّوْحِيد فِي سَبَب أَحْدَاث الْعَالم إِنَّمَا جَازَ من نُقْصَان السمة فِي أَسبَاب الْفِعْل بعضه على التمادية وَبَعضه على الْقَائِلين بقدم الْعَالم كتاب فِي نقضه على عَليّ بن شَهِيد الْبَلْخِي فِيمَا ناقضه بِهِ فِي أَمر اللَّذَّة كتاب فِي الرياضة كتاب فِي النَّقْض على الكيال فِي الْإِمَامَة كتاب فِي إِنَّه لَا يجوز أَن يكون سُكُون وافتراق كتاب فِي إتْمَام كتاب أفلوطرخس كتاب فِي نقض كتاب التَّدْبِير اخْتِصَار كتاب حلية الْبُرْء لِجَالِينُوسَ اخْتِصَار كتاب النبض الْكَبِير لِجَالِينُوسَ تَلْخِيص كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ تَلْخِيص كتاب الْأَعْضَاء الآلمة لِجَالِينُوسَ كتاب الانتقاد على أهل الاعتزال كتاب فِي نقض كتاب الْبَلْخِي لكتاب الْعلم الإلهي وَالرَّدّ عَلَيْهِ كتاب فِي أَنه يجوز أَن يكون سُكُون واجتماع وَلَا يجوز أَن يكون حَرَكَة واجتماع لم يزل رِسَالَة

стр. 412

فِي أَن قطر المربع لَا يُشَارك الضلع من غير هندسة كتاب فِي الاشفاق على أهل التَّحْصِيل من الْمُتَكَلِّمين بالفلسفة وغرضه يبين مَذْهَب الفلاسفة فِي الْعلم الإلهي لِمَعْنى الْقَارئ بذلك عَن المتحرك إِلَيْهِم كتاب فِي السِّيرَة الفاضلة وسيرة أهل الْمَدِينَة الفاضلة كتاب فِي وجوب الدُّعَاء والدعاوى كتاب الْحَاصِل وغرضه فِيهِ مَا يحمل من الْعلم الإلهي من طَرِيق الْأَخْذ بالحرص وَطَرِيق الْبُرْهَان رِسَالَة لَطِيفَة فِي الْعلم الإلهي كتاب مَنَافِع الأغذية وَدفع مضارها وَهُوَ مقالتان يذكر فِي الأولى مِنْهُمَا مَا يدْفع بِهِ ضَرَر الْأَطْعِمَة فِي كل وَقت ومزاج وَحَال وَفِي الثَّانِيَة قَولَانِ اسْتِعْمَال الأغذية وَدفع التخم ومضارها أَلفه للأمير أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ كتاب إِلَى عَليّ بن شَهِيد الْبَلْخِي فِي تثبيت الْمعَاد غَرَضه فِيهِ النَّقْد على من أبطل الْمعَاد وَيثبت أَن معادا كتاب عِلّة جذب حجر المغنطيس للحديد وَفِيه كَلَام كثير فِي الْخَلَاء كتاب كَبِير فِي النَّفس كتاب صَغِير فِي النَّفس كتاب ميزَان الْعقل كتاب فِي الشَّرَاب الْمُسكر وَهُوَ مقالتان مقَالَة فِي السكنجبين ومنافعه ومضاره كتاب فِي القولنج مقَالَة فِي القولنج الْحَار وَهُوَ الْمَعْرُوف بِكِتَاب القولنج الصَّغِير كتاب فِي تَفْسِير كتاب جالينوس لفصول أبقراط كتاب فِي الأبنة وعلاجها وتبيينها كتاب فِي نقض كتاب الْوُجُود الْمَنْصُور بن طَلْحَة كتاب فِيمَا يرومه من إِظْهَار مَا يَدعِي من عُيُوب الْأَوْلِيَاء أَقُول وَهَذَا الْكتاب إِن كَانَ قد ألف وَالله أعلم فَرُبمَا أَن بعض الأشرار المعادين للرازي قد أَلفه وَنسبه إِلَيْهِ ليسيء من يرى ذَلِك الْكتاب أَو يسمع بِهِ الظَّن بالرازي وَإِلَّا فالرازي أجل من أَن يحاول هَذَا الْأَمر وَأَن يصنف فِي هَذَا الْمَعْنى وَحَتَّى إِن بعض من يذم الرَّازِيّ بل يكفره كعلي بن رضوَان الْمصْرِيّ وَغَيره يسمون ذَلِك الْكتاب كتاب الرَّازِيّ فِي مخاريق الْأَنْبِيَاء كتاب فِي آثَار الإِمَام الْفَاضِل الْمَعْصُوم كتاب فِي استفراغ المحمومين قبل النضج كتاب الإِمَام وَالْمَأْمُوم المحقين كتاب خَواص التلاميذ كتاب شُرُوط النّظر كتاب الآراء الطبيعية كتاب خطأ غَرَض الطَّبِيب أشعار فِي الْعلم الإلهي صفة مداد معجون لَا نَظِير لَهُ نقل كتاب الآس لجَابِر إِلَى الشّعْر رِسَالَة فِي التَّرْكِيب رِسَالَة فِي كَيْفيَّة النَّحْو رِسَالَة فِي الْعَطش وازدياد الْحَرَارَة لذَلِك كتاب فِي جمل الموسيقى كتاب فِي الأوهام والحركات النفسانية كتاب فِي الْعَمَل بالحديد والجبر كتاب فِيمَا يَعْتَقِدهُ رَأيا كتاب فِيمَا أغفلته الفلاسفة كتاب السِّرّ فِي الْحِكْمَة كتاب مَنَافِع الْأَعْضَاء كتاب الْكَافِي فِي الطِّبّ كتاب فِي المتنقل كتاب الأقراباذين الْمُخْتَصر كتاب فِي الْبُرْء يُوضح فِيهِ أَن التَّرْكِيب نَوْعَانِ إِمَّا تركيب أجسام مُخْتَلفَة وَإِمَّا تركيب الْأَجْسَام المتشابهة الْأَجْزَاء وَأَنه لَيْسَ وَاحِد على الْحَقِيقَة الْأُخْرَى كتاب إِلَى أبي الْقَاسِم بن دلف فِي الْحِكْمَة كتاب إِلَى عَليّ بن وهبان فِيهِ بَاب وَاحِد فِي الشَّمْس كتاب إِلَى ابْن أبي الساج فِي الْحِكْمَة كتاب إِلَى الدَّاعِي الأطروش فِي الْحِكْمَة كتاب سر الْأَسْرَار فِي الْحِكْمَة كتاب سر الطَّبِيب كتاب فِي شرف الفصد عِنْد الاستفراغات الامتلائية رداءة وكمية وفضله على سَائِر الاستفراغات والإبانة على أَن الفصد لَا يمنعهُ عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَيْهِ شَيْء أَلْبَتَّة أَلفه للأمير أبي عَليّ أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد كتاب المرشد وَيُسمى كتاب الْفُصُول رِسَالَة فِي أَن الْعِلَل المستكملة الَّتِي لَا يقدر الإعلاء أَن يعبروا عَنْهَا وَيحْتَاج الطَّبِيب إِلَى لُزُوم العليل وَإِلَى اسْتِعْمَال بعض التجربة لاستخراجها وَالْوُقُوف عَلَيْهَا وتحير الطَّبِيب كتاب مُخْتَصر فِي اللَّبن

стр. 413

كَلَام جرى بَينه وَبَين المَسْعُودِيّ فِي حُدُوث الْعَالم كتاب الْمدْخل إِلَى الطِّبّ مقَالَة فِي المذاقات مقَالَة فِي البهق والبرص كتاب زِينَة الْكتاب كتاب برْء سَاعَة أَلفه للوزير أبي الْقَاسِم ابْن عبد الله مقَالَة فِي البواسير والشقاق فِي المقعدة كَلَام فِي الفروق بَين الْأَمْرَاض مقَالَة فِي الحرقة الكائنة فِي الاحليل والمثانة كتاب طب الْفُقَرَاء رِسَالَة إِلَى الْوَزير أبي الْحسن عَليّ ابْن عِيسَى بن داؤد بن الْجراح القنائي فِي الأعلال الْحَادِثَة على ظَاهر الْجَسَد رِسَالَة إِلَى تِلْمِيذه يُوسُف بن يَعْقُوب فِي أدوية الْعين وعلاجها ومداواتها وتركيب الْأَدْوِيَة لما يحْتَاج إِلَيْهِ من ذَلِك كتاب صيدلة الطِّبّ كتاب فِي جَوَاهِر الْأَجْسَام كتاب فِي سيرته مقَالَة فِي الزُّكَام والنزلة وامتلاء الرَّأْس وَمنع النزلة إِلَى الصَّدْر وَالرِّيح الَّتِي تسد المنخرين وَمنع التنفس بهما مقَالَة فِي إِبْدَال الْأَدْوِيَة المستعملة فِي الطِّبّ والعلاج وقوانينها وجهة اسْتِعْمَالهَا كتاب صفة البيمارستان مقَالَة فِي الأغذية مُخْتَصر مقَالَة فِيمَا سُئِلَ عَنهُ فِي أَنه لم صَار من قل جمَاعَة من الْإِنْسَان طَال عمره ألفها للأمير أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ مقَالَة فِي الْعلَّة الَّتِي لَهَا إِذا أكلت الْحَيَوَانَات سخنت أبدانها مَا خلا الْإِنْسَان فَإِنَّهُ يجد عِنْد أكله فتورا مقَالَة فِي الكيفيات رِسَالَة فِي الْحمام ومنافعه ومضاره كتاب فِي الدَّوَاء المسهل والمقيء مقَالَة فِي علاج الْعين بالحديد أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ من أهل طبرستان فَاضل عَالم بصناعة الطِّبّ وَكَانَ طَبِيب الْأَمِير ركن الدولة وَلأَحْمَد بن مُحَمَّد الطَّبَرِيّ من الْكتب الكناش الْمَعْرُوف بالمعالجات البقراطية وَهُوَ من أجل الْكتب وأنفعها وَقد استقصى فِيهِ ذكر الْأَمْرَاض ومداواتها على أتم مَا يكون وَهُوَ يحتوي على مقالات كَثِيرَة أَبُو سُلَيْمَان السجسْتانِي هُوَ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن بهْرَام السجسْتانِي المنطقي كَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متقنا لَهَا مطلعا على دقائقها وَاجْتمعَ بِيَحْيَى بن عدي بِبَغْدَاد وَأخذ عَنهُ وَكَانَ لأبي سُلَيْمَان المنطقي السجسْتانِي أَيْضا نظر فِي الْأَدَب وَالشعر وَمن شعره قَالَ (لَا تحسدن على تظاهر نعْمَة ... شخصا تبيت لَهُ الْمنون بِمَرْصَد) (أَو لَيْسَ بعد بُلُوغه آماله ... يُفْضِي إِلَى عدم كَانَ لم يُوجد) (لَو كنت أحسد مَا تجَاوز خاطري ... حسد النُّجُوم على بَقَاء مرصد) الْكَامِل

стр. 414

وَقَالَ أَيْضا (الْجُوع يدْفع بالرغيف الْيَابِس ... فعلام أَكثر حسرتي ووساوسي) (وَالْمَوْت أنصف حِين سَاوَى حكمه ... بَين الْخَلِيفَة وَالْفَقِير البائس) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَذَّة الْعَيْش فِي بهيمية اللَّذَّة لَا ... مَا يَقُوله الفلسفي) (حكم كاس الْمنون أَن يتساوى ... فِي حساها الغبي والألمعي) (وَيحل البليد تَحت ثرى الأَرْض ... كَمَا حل تحتهَا اللوذعي) (أصبحا رمة تزايل عَنْهَا ... فصلها الْجَوْهَرِي والعرضي) (وتلاشى كيانها الحيواني ... وأودى تمييزها المنطقي) (فاسأل الأَرْض عَنْهُمَا أَن أَزَال الشَّك ... والمرية الْجَواب الْخَفي) (بطلت تلكم الصِّفَات جَمِيعًا ... ومحال أَن يبطل الأزلي) الْخَفِيف وَلأبي سُلَيْمَان السجسْتانِي من الْكتب مقَالَة فِي مَرَاتِب قوى الْإِنْسَان وَكَيْفِيَّة الإنذارات الَّتِي تنذر بهَا النَّفس فِيمَا يحدث فِي عَالم الْكَوْن كَلَام فِي الْمنطق مسَائِل عدَّة سُئِلَ عَنْهَا وجواباته لَهَا تعاليق حكمِيَّة وملح ونوادر مقَالَة فِي أَن الأجرام العلوية طبيعتها طبيعة خَامِسَة وَأَنَّهَا ذَات أنفس وَأَن النَّفس الَّتِي لَهَا هِيَ النَّفس الناطقة أَبُو الْخَيْر الْحسن بن سوار ابْن بَابا بن بهنام الْمَعْرُوف بِابْن الْخمار وبهنام لَفْظَة فارسية مركبة من كَلِمَتَيْنِ وَهِي بِهِ خير ونام اسْم أَي اسْم الْخَيْر وَكَانَ هَذَا أَبُو الْخَيْر الْحسن نَصْرَانِيّا عَالما بأصول صناعَة الطِّبّ وفروعها خَبِيرا بغوامضها كثير الدِّرَايَة لَهَا ماهرا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَله مصنفات جليلة فِي صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا وَكَانَ خَبِيرا بِالنَّقْلِ وَقد نقل كتبا كَثِيرَة من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ وَوجدت بِخَطِّهِ شَيْئا من ذَلِك وَقد أَجَاد فِيهَا وَقَرَأَ الْحِكْمَة على يحيى بن عدي وَكَانَ فِي نِهَايَة الذكاء والفطنة ومولده فِي شهر ربيع الأول سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وَقَالَ أَبُو الْخطاب مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي طَالب فِي كتاب الشَّامِل فِي الطِّبّ أَن أَبَا الْخَيْر الْحسن ابْن سوار كَانَ مَوْجُودا فِي سنة ثَلَاثِينَ وثلثمائة وَقد ذكر أَبُو الْحسن عَليّ بن رضوَان عَنهُ فِي كتاب

стр. 415

حل شكوك الرَّازِيّ على جالينوس مَا هَذَا نَصه قَالَ كَمَا فعل فِي عصرنا هَذَا الْحسن بن بَابا الْمَعْرُوف بِابْن الْخمار فَإِنَّهُ وصل بالطب إِلَى أَن قيل لَهُ مَحْمُود الْملك للْأَرْض وَكَانَ الْملك مَحْمُود عَظِيما جدا وَذَلِكَ أَن هَذَا الرجل كَانَ فيلسوفا حسن التعقل حسن الْمعرفَة وَقَالَ عَنهُ أَنه كَانَ حسن السياسة لفقهاء النَّاس ورؤساء الْعَوام والعظماء والملوك وَذَلِكَ أَنه كَانَ إِذا دَعَاهُ من أظهر الْعِبَادَة والزهد مَشى إِلَيْهِ رَاجِلا وَقَالَ لَهُ جعلت هَذَا الْمَشْي كَفَّارَة لمروري إِلَى أهل الْفسق والجبابرة فَإِذا دَعَاهُ السُّلْطَان ركب إِلَيْهِ فِي زِيّ الْمُلُوك والعظماء حَتَّى أَنه رُبمَا حجبه فِي هَذِه الْحَال ثلثمِائة غُلَام تركي بالخيول الْجِيَاد والهيئة البهية ووفى صناعته حَقّهَا بالتواضع للضعفاء وبالتعاظم على العظماء وَهَكَذَا كَانَ طَرِيق بقراط وجالينوس وَغَيرهمَا من الْحُكَمَاء فَمنهمْ من تواضع وَلزِمَ الزّهْد والتصاون وَمِنْهُم من أظهر من حكمته مَا ظَهرت بِهِ محَاسِن الْحِكْمَة قَالَ أَبُو الْفرج بن هندو فِي كتاب مِفْتَاح الطِّبّ أَنه رأى فِي بِلَاد الْعَجم جمَاعَة كَانُوا ينفون من صناعَة الطِّبّ قَالَ وَقد كَانَ زعيم الْفرْقَة النافية للطب يعادي أستاذي أَبَا الْخَيْر بن الْخمار الفيلسوف ويغري الْعَامَّة بإيذائه فاشتكى الزعيم رَأسه واستفتى أَبَا الْخَيْر فِي دوائه فَقَالَ يَنْبَغِي أَن يضع تَحت رَأسه كِتَابه الْفُلَانِيّ الَّذِي نفى فِيهِ فعل الطِّبّ ليشفيه الله وَلم يداوه وَلأبي الْخَيْر الْحسن بن سوار بن بَابا من الْكتب مقَالَة فِي الهيولى كتاب الْوِفَاق بَين رَأْي الفلاسفة وَالنَّصَارَى ثَلَاث مقالات كتاب تَفْسِير أيساغوجي مشروح كتاب تَفْسِير أيساغوجي مُخْتَصر مقَالَة فِي الصّديق والصداقة مقَالَة فِي سيرة الفيلسوف مقَالَة فِي الأثار المخيلة فِي الجو الْحَادِثَة عَن البخار المائي وَهِي الهالة والقوس والضباب على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب مقَالَة فِي السَّعَادَة مقَالَة فِي الإفصاح عَن رَأْي القدماء فِي الْبَارِي تَعَالَى وَفِي الشَّرَائِع ومورديها مقَالَة فِي امتحان الْأَطِبَّاء صنفها للأمير خوارزمشاه أبي الْعَبَّاس مَأْمُون بن مَأْمُون كتاب فِي خلق الْإِنْسَان وتركيب أَعْضَائِهِ أَربع مقالات كتاب تَدْبِير الْمَشَايِخ وَقد ذكر فِي أَوله أَن حنين بن إِسْحَق كَانَ قد ألف ذَلِك بالسرياني وَجمع من كَلَام جالينوس وروفس فِي تَدْبِير الْمَشَايِخ مَا الْحَاجة دَاعِيَة إِلَى مَعْرفَته مَعَ زيادات ذكر أَنه زَادهَا من عِنْده وصير ذَلِك على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب وَإِن أَبَا الْخَيْر بسط القَوْل وأوضحه من غير مَسْأَلَة وَجَوَاب وَجعله سِتَّة وَعشْرين بَابا كتاب تصفح مَا جرى بَين أبي زَكَرِيَّا يحيى بن عدي وَبَين أبي إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن بكوس فِي سُورَة النَّار وَتبين فَسَاد مَا ذهب إِلَيْهِ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر فِي صور الاسطقسات مقَالَة فِي الْمَرَض الْمَعْرُوف بالكاهني وَهُوَ الصرع تقاسيم أيساغوجي وقاطيغورياس لألينوس الإسْكَنْدراني مِمَّا نَقله من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ الْحسن بن سوار بن بَابا وَشَرحه على طَرِيق الْحَوَاشِي نقلت ذَلِك من الدستور من خطّ الْحسن بن سوار أَبُو الْفرج بن هندو هُوَ الْأُسْتَاذ السَّيِّد الْفَاضِل أَبُو الْفرج عَليّ بن الْحُسَيْن بن هندو من الأكابر المتميزين فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة والأمور الطبية والفنون الأدبية لَهُ الْأَلْفَاظ الرائقة والأشعار الفائقة والتصانيف الْمَشْهُورَة

стр. 416

والفضائل الْمَذْكُورَة وَكَانَ أَيْضا كَاتبا مجيدا وخدم بِالْكِتَابَةِ وَتصرف وَكَانَ اشْتِغَاله بصناعة الطِّبّ والعلوم الْحكمِيَّة على الشَّيْخ أبي الْخَيْر الْحسن بن سوار بن بَابا الْمَعْرُوف بِابْن الْخمار وتتلمذ لَهُ وَكَانَ من أجل تلاميذه وَأفضل المشتغلين عَلَيْهِ قَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي فِي كتاب يتيمة الدَّهْر فِي وصف أبي الْفرج بن هندو قَالَ هُوَ مَعَ ضربه فِي الأداب والعلوم بِالسِّهَامِ الفائزة وَملكه رق البلاعة والبراعة فَرد الدَّهْر فِي الشّعْر وأوحد أهل الْفضل فِي صيد الْمعَانِي الشوارد ونظم الفرائد فِي القلائد مَعَ تَهْذِيب الْأَلْفَاظ البليغة وتقريب الْأَغْرَاض الْبَعِيدَة وتذكير الَّذين يسمعُونَ ويرون أفسحر هَذَا أم أَنْتُم لَا تبصرون قَالَ أَبُو مَنْصُور الثعالبي وَكَانَ قد اتّفق لي معنى بديع لم أقدر أَنِّي سبقت إِلَيْهِ وَهُوَ قولي آخر هَذِه الأبيات (قلبِي وجدا مشتعل ... على الهموم مُشْتَمل) (وَقد كستني فِي الْهوى ... ملابس الصب الْغَزل) (إنسانة فتانة ... بدر الدجى مِنْهَا خجل) (إِذا زنت عَيْني بهَا ... فبالدموع تَغْتَسِل) الرجز حَتَّى أَنْشدني لأبي الْفرج بن هندو (يَقُولُونَ لي مَا بَال عَيْنك مذ رَأَتْ ... محَاسِن هَذَا الظبي أدمعها هطل) (فَقلت زنت عَيْني بطلعة وَجهه ... فَكَانَ لَهَا من صوب أدمعها غسل) الطَّوِيل فَعرفت أَن السَّبق لَهُ وَمن شعر أبي الْفرج بن هندو قَالَ (قوض خيامك من أَرض تضام بهَا ... وجانب الذل أَن الذل يجْتَنب) (وأرحل إِذا كَانَت الأوطان منقصة ... فمندل الْهِنْد فِي أوطانه حطب) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (أَطَالَ بَين الْبِلَاد بحوالي ... قُصُور مَالِي وَطول آمالي) (إِن رحت عَن بَلْدَة غَدَوْت إِلَى ... أُخْرَى فَمَا تَسْتَقِر احمالي)

стр. 417

(كأنني فكرة الموسوس لَا ... تبقى مدى لَحْظَة على حَال) المنسرح وَقَالَ فِي الْحَث على الْحَرَكَة وَالسَّعْي (خليلي لَيْسَ الرَّأْي مَا تريان ... فشأنكما أَنِّي ذهبت لشاني) (خليلي لَوْلَا أَن فِي السَّعْي رفْعَة ... لما كَانَ يَوْمًا يدأب القمران) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (وحقك مَا أخرت كتبي عَنْكُم ... لقالة واش أَو كَلَام محرش) (وَلَكِن دمعي أَن كتبت مشوش ... كتابي وَمَا نفع الْكتاب المشوش) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا فِي النَّهْي عَن اتِّخَاذ الْعِيَال وَالْأَمر بالوحدة (مَا للمعيل وللمعالي إِنَّمَا ... يسمو إلَيْهِنَّ الوحيد الفارد) (فالشمس تجتاب السَّمَاء فريدة ... وَأَبُو بَنَات النعش فِيهَا راكد) الطَّوِيل وَقَالَ فِي الصَّبْر (تصبر إِذا الْهم أسرى إِلَيْك ... فَلَا الْهم يبْقى وَلَا صَاحبه) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا اشْتغل عَنْهُم يَوْمًا بغيرهم ... وخادع النَّفس أَن النَّفس تنخدع) (قد صِيغ قلبِي على مِقْدَار حبهم ... فَمَا لحب سواهُم فِيهِ متسع) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (عَارض ورد الغصون وجنته ... فاتفقا فِي الْجمال وَاخْتلفَا) (يزْدَاد بالقطف ورد وجنته ... وَينْقص الْورْد كلما قطفا) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (قولا لهَذَا الْقَمَر البادي ... مَالك إصلاحي وإفسادي)

стр. 418

(زود فؤادا راحلا بقبلة ... لَا بُد للراحل من زَاد) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (تمنيت من أَهْوى فَلَمَّا لَقيته ... بهت فَلم أملك لِسَانا وَلَا طرفا) (وأطرقت إجلالا لَهُ ومهابة ... وحاولت أَن يخفى الَّذِي بِي فَلم يخفا) (وَقد كَانَ فِي قلبِي دفاتر عَتبه ... فَلَمَّا الْتَقَيْنَا مَا فهمت وَلَا حرفا) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (عابوه لما التحى فَقُلْنَا ... عبتم وَغِبْتُمْ عَن الْجمال) (هَذَا غزال وَلَا عجب ... تولد الْمسك فِي الغزال) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا فِي العذار (أوحى لعارضه العذار فَمَا ... أبقى على ورعي وَلَا نسكي) (فَكَأَن نملا قد دببن بِهِ ... غمست أكارعهن فِي مسك) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا صَحا قلب الْمُحب وَمَا صَحا ... ومحا العذار سنا الحبيب وَمَا محا) (مَا ضره شعر العذار وَإِنَّمَا ... وافى يسلسل حسنه أَن يبرحا) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا فِي خطّ العذار (الْآن قد صحت لدي شَهَادَة ... أَن لَيْسَ مثل جماله لمصور) (خطّ يَكْتُبهُ حوالي خَدّه ... قلم الْإِلَه بنقش مسك أذفر) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (يَا من محياه كاسمه حسن ... إِن نمت عني فَلَيْسَ لي وَسن) (قد كنت قبل العذار فِي محن ... حَتَّى تبدى فزادت المحن) (يَا شَعرَات جَمِيعهَا فتن ... يتيه فِي كنه وصفهَا الفطن)

стр. 419

(مَا عيروا من عذاره سفها ... قد كَانَ غصنا فأورق الْغُصْن) المنسرح وَقَالَ فِي ذمّ العذار (كفى فُؤَادِي عذاره حرقه ... فَكف عينا بدمعها غرقه) (مَا خطّ حرف من العذار بِهِ ... إِلَّا محا من جماله ورقه) المنسرح وَقَالَ فِي الشَّرَاب (أرى الْخمر نَارا والنفوس جواهرا ... فَإِن شربت أبدت طباع الْجَوَاهِر) (فَلَا تفضحن النَّفس يَوْمًا بشربها ... إِذا لم تثق مِنْهَا بِحسن السرائر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أوصى الْفَقِيه العسكري ... بِأَن أكف عَن الشَّرَاب) (فعصيته أَن الشَّرَاب ... عمَارَة الْبَيْت الخراب) الْكَامِل المرفل وَقَالَ لبَعض الرؤساء وَقد انصبت الْخمر على كمه فِي مجْلِس الشَّرَاب (انصبت الْخمر على كمه ... تلثم مِنْهُ كمه خدمه) (لَو لم ترد خدمته بِالَّتِي ... قد فعلت مَا خصصت كمه) السَّرِيع وَقَالَ وكتبها على عود (رَأَيْت الْعود مشتقا ... من الْعود باتقان) (فَهَذَا طيب آناف ... وَهَذَا طيب آذان) الهزج وَقَالَ أَيْضا (ودوحة أنس أَصبَحت ثمراتها ... أغاريد تجنيها ندامى وجلاس) (تغنى عَلَيْهَا الطير وَهِي رطيبة ... فَلَمَّا عست غنى على عودهَا النَّاس) الطَّوِيل وَقَالَ فِي الآذريون (رب روض خلت آذر ... يونه لما توقد)

стр. 420

ذَهَبا أشعل مسكا ... فِي كوانين زبرجد) الرمل وَقَالَ فِي عز الْكَمَال (فَإِذا رَأَيْت الْفضل فَازَ بِهِ الْفَتى ... فَاعْلَم بِأَن هُنَاكَ نقصا خافيا) (وَالله أكمل قدرَة من أَن يرى ... لكماله مِمَّن ترَاهُ ثَانِيًا) الْكَامِل وَقَالَ فِي الشكوى (ضعت بِأَرْض الرّيّ فِي أَهلهَا ... ضيَاع حرف الرَّاء فِي اللثغه) (صرت بهَا بعد بُلُوغ المنى ... يُعجبنِي أَن أبلغ البلغه) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (لنا ملك مَا فِيهِ للْملك آلَة ... سوى إِنَّه يَوْم السِّلَاح متوج) (أقيم لإِصْلَاح الورى وَهُوَ فَاسد ... وَكَيف اسْتِوَاء الظل وَالْعود أَعْوَج) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (عجبت لقولنج هَذَا الْأَمِير ... وأنى وَمن أَيْن قد جَاءَهُ) (وَفِي كل يَوْم لَهُ حقنة ... تفرغ بالزب أمعاءه) المتقارب وَقَالَ فِي مدح الجرب وملح وظرف (بهيج مسرتي جرب بكفي ... إِذا مَا عد فِي الكرب الْعِظَام) (تجنبني اللئام لذاك حَتَّى ... كفيت بِهِ مصافحة اللئام) الوافر وَقَالَ فِي مُرَاجعَة الشّعْر بعد تَركه إِيَّاه (وَكنت تركت الشّعْر آنف من خنا ... وأكبر عَن مدح وأزهد عَن غزل) (فَمَا زَالَ بِي حبيك حَتَّى تطلعت ... خواطر شعر كَانَ طالعه أفل) (تزل القوافي عَن لساني كَأَنَّهَا ... يفاع يزل السَّيْل مِنْهُ على عجل) (فَأصْبح شعر الأعشيين من العشا ... لَدَيْهِ وَشعر الأخطلين من الخطل) الطَّوِيل

стр. 421

وَلأبي الْفرج بن هندو من الْكتب الْمقَالة الموسومة بمفتاح الطِّبّ ألفها لإخوانه من المتعلمين وَهِي عشرَة أَبْوَاب الْمقَالة المشوقة فِي الْمدْخل إِلَى علم الفلسفة كتاب الْكَلم الروحانية من الحكم اليونانية ديوَان شعره رِسَالَة هزلية مترجمة بالوساطة بَين الزناة واللاطة الْحسن الْفَسَوِي كَانَ طَبِيبا مَعْرُوفا من أَرض فَارس من مَدِينَة فسا متميزا فِي الطِّبّ وَالْقِيَام بِهِ والتقدم بِسَبَبِهِ خدم الدولة البويهية واختص مِنْهَا بِخِدْمَة الْملك بهاء الدّين بن عضد الدولة وَصَحبه فِي أَسْفَاره وتقدر عِنْده وَلما مرض أَمِير الْأُمَرَاء أَبُو مَنْصُور بويه بن بهاء الدولة فِي رَجَب سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة مَعَ وَالِده بِالْبَصْرَةِ وعزم بهاء الدولة على التَّوَجُّه من الْبَصْرَة إِلَى تستر للصَّيْد والفرجة وَكَانَ شَدِيد الاشفاق على وَلَده من هَذَا الْمَرَض كثير الاحتراس مِنْهُ خَائفًا من جَانِبه مَانِعا للجند من لِقَائِه وَهُوَ مَعَ أَبِيه كالمحصور يمنعهُ من جمع مُرَاده وَاتفقَ أَن حم هَذَا الْوَلَد فِي رَجَب حمى أضعفت قوته قبل الْيَوْم الَّذِي أَرَادَ بهاء الدولة أَبوهُ الْمسير فِيهِ فَقَالَ الْأَثِير لبهاء الدولة أَمِير الْأُمَرَاء مَحْمُوم وَلَا فضل فِيهِ لحركة والرأي تَركه فَقَالَ لَا يحمل من فوره وَيخرج قولا وَاحِدًا فَقَالَ لَهُ هُوَ إِذا انزعج هلك وَمُدَّة مقَامه بَعدنَا لَا تطول فَلم يرجع إِلَى مقَال الْأَثِير وَتقدم إِلَى الْحسن الطَّبِيب الْفَسَوِي هَذَا بالمضي إِلَيْهِ وَالْعود بِخَبَرِهِ لِثِقَتِهِ بِمَا يَقُول فَمضى إِلَيْهِ وَشَاهده وَعَاد وَقَالَ الصَّوَاب فِي تَركه وتأخيره فَنزل وأشعر الْملك سرا بخطر مَرضه وعرفه أعراضه وآيسه من حَيَاته فَحِينَئِذٍ تقدم بِتَرْكِهِ واستمرت عَلَيْهِ الْحمى وَأَشْيَاء أُخْرَى حدثت لَهُ فَتوفي فِي يَوْم الْأَحَد ثَانِي شعْبَان سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة أَبُو مَنْصُور الْحسن بن نوح الْقمرِي كَانَ سيد وقته وأوحد زَمَانه مَشْهُورا بالجودة فِي صناعَة الطِّبّ مَحْمُود الطَّرِيقَة فِي أَعمالهَا فَاضلا فِي أُصُولهَا وفروعها وَكَانَ ﵀ حسن المعالجة جيد المداواة متميزا عِنْد الْمُلُوك فِي زَمَانه كثيري الاحترام لَهُ وحَدثني الشَّيْخ الإِمَام شمس الدّين عبد الحميد بن عِيسَى الخسر وشاهي أَن الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا

стр. 422

كَانَ قد لحق هَذَا وَهُوَ شيخ كَبِير وَكَانَ يحضر مَجْلِسه ويلازم دروسه وانتفع بِهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَلأبي مَنْصُور الْحسن بن نوح الْقمرِي من الْكتب كتاب غنى وَمنى وَهُوَ كناش حسن وَقد استقصى فِيهِ ذكر الْأَمْرَاض ومداواتها على أفضل مَا يكون ولخص فِيهِ جملا من أَقْوَال المتعينين فِي صناعَة الطِّبّ وخصوصا مَا ذكره الرَّازِيّ مُتَفَرقًا فِي كتبه كتاب علل الْعِلَل أَبُو سهل المسيحي هُوَ أَبُو سهل عِيسَى بن يحيى المسيحي الْجِرْجَانِيّ طَبِيب فَاضل بارع فِي صناعَة الطِّبّ علمهَا وعملها فصيح الْعبارَة جيد التصنيف وَكَانَ حسن الْخط متقنا للعربية وَقد رَأَيْت بِخَطِّهِ كِتَابه فِي أظهار حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلق الْإِنْسَان وَهُوَ فِي نِهَايَة الصِّحَّة والإتقان وَالْإِعْرَاب والضبط وَهَذَا الْكتاب من أجل كتبه وأنفعها فَأَنَّهُ قد أَتَى فِيهِ بجمل مَا ذكره جالينوس وَغَيره فِي مَنَافِع الْأَعْضَاء بأفصح عبارَة وأوضحها مَعَ زيادات نفيسة من قبله تدل على فضل باهر وَعلم غزير وَلذَلِك يَقُول فِي أول كِتَابه هَذَا وَلَيْسَ يعرف فَضِيلَة مَا أوردناه على مَا أوردوا إِلَّا من قَابل بَين كلامنا هَذَا وَكَلَامهم مَعَ دراية وإنصاف مِنْهُ فَإِن من لَا يدْرِي مَا يعتبره لم يصلح للْحكم فِيهِ وَمن لَا إنصاف فِيهِ لم يحكم للأفضل وَلم يؤثره فَمن اعْتبر من يصلح للاعتبار وَهُوَ الْعَالم الْمنصف بعناية واستقصاء مِنْهُ مَا أوردناه وَمَا أوردوا رأى كَيفَ صححنا مَا أوردوه وهذبناه وأتممناه وسهلناه ورتبناه ترتيبا أفضل لجملة الْكَلَام وَلكُل فصل مِنْهُ وأسقطنا من هَذَا الصِّنْف من الْعلم مَا لَيْسَ مِنْهُ ثمَّ كم زِدْنَا من عندنَا مَعَاني دقيقة عَجِيبَة كَانَت قد خفيت عَلَيْهِم للطفها وجلالة رتبتها وَكَيف جعلنَا البيانات من الْأَشْيَاء الْمُتَقَدّمَة على الْأَشْيَاء الْمُتَأَخِّرَة بِالْعَكْسِ مِمَّا فَعَلُوهُ ليَكُون بَيَانا للشَّيْء بمباديه وأسبابه فَيكون برهانا حَقِيقِيًّا وَسمعت من الشَّيْخ الإِمَام الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ وَهُوَ يَقُول أنني لم أجد أحدا من الْأَطِبَّاء النَّصَارَى الْمُتَقَدِّمين والمتأخرين أفْصح عبارَة وَلَا أَجود لفظا وَلَا أحسن معنى من كَلَام أبي سهل المسيحي وَقيل إِن المسيحي هُوَ معلم الشَّيْخ الرئيس صناعَة الطِّبّ وَإِن كَانَ الشَّيْخ الرئيس بعد ذَلِك تميز فِي صناعَة الطِّبّ وَمهر فِيهَا وَفِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة حَتَّى صنف كتبا للمسيحي وَجعلهَا باسمه وَقَالَ عبيد الله بن جبرئيل إِن المسيحي كَانَ بخراسان وَكَانَ مُتَقَدما عِنْد سلطانها وَأَنه مَاتَ وَله من الْعُمر أَرْبَعُونَ سنة وَمن كَلَام المسيحي قَالَ نومَة بِالنَّهَارِ بعد أَكلَة خير من شربة دَوَاء نَافِع وَلأبي سهل المسيحي من الْكتب كتاب الْمِائَة فِي الطِّبّ وَهُوَ من أَجود كتبه وأشهرها ولأمين الدولة بن التلميذ حَاشِيَة عَلَيْهِ قَالَ يجب أَن يعْتَمد على هَذَا الْكتاب فَإِنَّهُ كثير التَّحْقِيق قَلِيل التّكْرَار

стр. 423

وَاضح الْعبارَة منتخب العلاج كتاب إِظْهَار حِكْمَة الله تَعَالَى فِي خلق الْإِنْسَان كتاب فِي الْعلم الطبيعي كتاب الطِّبّ الْكُلِّي مقالتان مقَالَة فِي الجدري اخْتِصَار كتاب المجسطي كتاب تَعْبِير الرُّؤْيَا كتاب فِي الوباء أَلفه للْملك الْعَادِل خوارزمشاه أبي الْعَبَّاس مَأْمُون بن مَأْمُون الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا هُوَ أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن عبد الله بن عَليّ بن سينا وَهُوَ أَن كَانَ أشهر من أَن يذكر وفضائله أظهر من أَن تسطر فَإِنَّهُ قد ذكر من أَحْوَاله وَوصف من سيرته مَا يُغني غَيره عَن وَصفه وَلذَلِك أننا نقتصر من ذَلِك على مَا قد ذكره هُوَ عَن نَفسه نَقله عَنهُ أَبُو عبيد الجوجزاني قَالَ قَالَ الشَّيْخ الرئيس إِن أبي كَانَ رجلا من أهل بَلخ وانتقل مِنْهَا إِلَى بُخَارى فِي أَيَّام نوح بن مَنْصُور واشتغل بِالتَّصَرُّفِ وَتَوَلَّى الْعَمَل فِي أثْنَاء أَيَّامه بقرية يُقَال لَهَا خرميثن من ضيَاع بُخَارى وَهِي من أُمَّهَات الْقرى وبقربها قَرْيَة يُقَال لَهَا أفشنة وَتزَوج أبي مِنْهَا بوالدتي وقطن بهَا وَسكن وَولدت مِنْهَا بهَا ثمَّ ولدت أخي ثمَّ انتقلنا إِلَى بُخَارى وأحضرت معلم الْقُرْآن ومعلم الْأَدَب وأكملت الْعشْر من الْعُمر وَقد أتيت على الْقُرْآن وعَلى كثير من الْأَدَب حَتَّى كَانَ يقْضى مني الْعجب وَكَانَ أبي مِمَّن أجَاب دَاعِي المصريين ويعد من الإسماعيلية وَقد سمع مِنْهُم ذكر النَّفس وَالْعقل على الْوَجْه الَّذِي يَقُولُونَهُ ويعرفونه هم وَكَذَلِكَ أخي وَكَانُوا رُبمَا تَذَاكَرُوا بَينهم وَأَنا أسمعهم وَأدْركَ مَا يَقُولُونَهُ وَلَا تقبله نَفسِي وابتدأوا يدعونني أَيْضا إِلَيْهِ ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة وحساب الْهِنْد وَأخذ يوجهني إِلَى رجل كَانَ يَبِيع البقل وَيقوم بِحِسَاب الْهِنْد حَتَّى أتعلمه مِنْهُ ثمَّ جَاءَ إِلَى بُخَارى أَبُو عبد الله النائلي وَكَانَ يدعى المتفلسف وأنزله أبي دَارنَا رَجَاء تعلمي مِنْهُ وَقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتردد فِيهِ إِلَى إِسْمَاعِيل الزَّاهِد وَكنت من أَجود السالكين وَقد ألفت طرق الْمُطَالبَة ووجوه الِاعْتِرَاض على الْمُجيب على الْوَجْه الَّذِي جرت عَادَة الْقَوْم بِهِ ثمَّ ابتدأت بِكِتَاب أيساغوجي على النائلي وَلما ذكر لي حد الْجِنْس أَنه هُوَ الْمَقُول على كثيرين مُخْتَلفين بالنوع فِي جَوَاب مَا هُوَ فَأخذت فِي تَحْقِيق هَذَا الْحَد بِمَا لم يسمع بِمثلِهِ وتعجب مني كل الْعجب وحذر وَالِدي من شغلي بِغَيْر الْمعلم وَكَانَ أَي مَسْأَلَة قَالَهَا لي أتصورها خيرا مِنْهُ حَتَّى قَرَأت ظواهر الْمنطق عَلَيْهِ وَأما دقائقه فَلم يكن عِنْده مِنْهَا خبْرَة ثمَّ أخذت أَقرَأ الْكتب على نَفسِي وأطالع

стр. 424

الشُّرُوح حَتَّى أحكمت علم الْمنطق وَكَذَلِكَ كتاب أقليدس فَقَرَأت من أَوله خَمْسَة أشكال أَو سِتَّة عَلَيْهِ ثمَّ توليت بنفسي حل بَقِيَّة الْكتاب بأسره ثمَّ انْتَقَلت إِلَى المجسطي وَلما فرغت من مقدماته وانتهيت إِلَى الأشكال الهندسية قَالَ لي النائلي تول قرَاءَتهَا وحلها بِنَفْسِك ثمَّ اعرضها عَليّ لأبين لَك صَوَابه من خطئه وَمَا كَانَ الرجل يقوم بِالْكتاب وَأخذت أحل ذَلِك الْكتاب فكم من شكل مَا عرفه إِلَى وَقت مَا عرضته عَلَيْهِ ومهمته إِيَّاه ثمَّ فارقني النائلي مُتَوَجها إِلَى كركانج واشتغلت أَنا بتحصيل الْكتب من النُّصُوص والشروح من الطبيعي والإلهي وَصَارَت أَبْوَاب الْعلم تنفتح عَليّ ثمَّ رغبت فِي علم الطِّبّ وصرت اقْرَأ الْكتب المصنفة فِيهِ وَعلم الطِّبّ لَيْسَ من الْعُلُوم الصعبة فَلَا جرم أَنِّي برزت فِيهِ فِي أقل مُدَّة حَتَّى بَدَأَ فضلاء الطِّبّ يقرأون عَليّ علم الطِّبّ وتعهدت المرضى فانفتح عَليّ من أَبْوَاب المعالجات المقتبسة من التجربة مَا لَا يُوصف وَأَنا مَعَ ذَلِك اخْتلف إِلَى الْفِقْه وأناظر فِيهِ وَأَنا فِي هَذَا الْوَقْت من أَبنَاء سِتّ عشرَة سنة ثمَّ توفرت على الْعلم وَالْقِرَاءَة سنة وَنصفا فَأَعَدْت قِرَاءَة الْمنطق وَجَمِيع أَجزَاء الفلسفة وَفِي هَذِه الْمدَّة مَا نمت لَيْلَة وَاحِدَة بِطُولِهَا وَلَا اشتغلت النَّهَار بِغَيْرِهِ وجمعت بَين يَدي ظهورا فَكل حجَّة كنت أنظر فِيهَا أثبت مُقَدمَات قياسية ورتبتها فِي تِلْكَ الظُّهُور ثمَّ نظرت فِيمَا عساها تنْتج وراعيت شُرُوط مقدماته حَتَّى تحقق لي حَقِيقَة الْحق فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة وَكلما كنت أتحير فِي مَسْأَلَة وَلم أكن أظفر بِالْحَدِّ الْأَوْسَط فِي قِيَاس ترددت إِلَى الْجَامِع وَصليت وابتهلت إِلَى مبدع الْكل حَتَّى فتح لي المنغلق وتيسر المتعسر وَكنت أرجع بِاللَّيْلِ إِلَى دَاري وَاضع السراج بَين يَدي واشتغل بِالْقِرَاءَةِ وَالْكِتَابَة فمهما غلبني النّوم أَو شَعرت بِضعْف عدلت إِلَى شرب قدح من الشَّرَاب ريثما تعود إِلَيّ قوتي ثمَّ أرجع إِلَى الْقِرَاءَة وَمهما أَخَذَنِي أدنى نوم أحلم بِتِلْكَ الْمسَائِل بِأَعْيَانِهَا حَتَّى أَن كثيرا من الْمسَائِل اتَّضَح لي وجوهها فِي الْمَنَام وَكَذَلِكَ حَتَّى استحكم معي جَمِيع الْعُلُوم ووقفت عَلَيْهَا بِحَسب الْإِمْكَان الإنساني وكل مَا عَلمته فِي ذَلِك الْوَقْت فَهُوَ كَمَا عَلمته الْآن لم ازدد فِيهِ إِلَى الْيَوْم حَتَّى أحكمت على الْمنطق والطبيعي والرياضي ثمَّ عدلت إِلَى الإلهي وقرأت كتاب مَا بعد الطبيعة فَمَا كنت أفهم مَا فِيهِ والتبس عَليّ غَرَض وَاضعه حَتَّى أعدت قِرَاءَته أَرْبَعِينَ مرّة وَصَارَ لي مَحْفُوظًا وَأَنا مَعَ ذَلِك لَا أفهمهُ وَلَا الْمَقْصُود بِهِ وأيست من نَفسِي وَقلت هَذَا كتاب لَا سَبِيل إِلَى فهمه وَإِذا أَنا فِي يَوْم من الْأَيَّام حضرت وَقت الْعَصْر فِي الوراقين وبيد دلال مُجَلد يُنَادي عَلَيْهِ فعرضه عَليّ فرددته رد متبرم مُعْتَقد أَن لَا فَائِدَة من هَذَا الْعلم فَقَالَ لي اشْتَرِ مني هَذَا فَإِنَّهُ رخيص أبيعكه بِثَلَاث دَرَاهِم وَصَاحبه مُحْتَاج إِلَى ثمنه واشتريته فَإِذا هُوَ كتاب لأبي نصر الفارابي فِي أغراض كتاب مَا بعد الطبيعة وَرجعت إِلَى بَيْتِي وأسرعت قِرَاءَته فانفتح عَليّ فِي الْوَقْت أغراض ذَلِك الْكتاب بِسَبَب أَنه كَانَ لي مَحْفُوظًا على ظهر الْقلب وفرحت بذلك وتصدقت فِي ثَانِي يَوْمه بِشَيْء كثير على الْفُقَرَاء شكرا لله تَعَالَى وَكَانَ سُلْطَان بُخَارى فِي ذَلِك الْوَقْت نوح بن مَنْصُور وَاتفقَ لَهُ مرض أتلج الْأَطِبَّاء فِيهِ

стр. 425

وَكَانَ اسْمِي اشْتهر بَينهم بالتوفر على الْقِرَاءَة فأجروا ذكري بَين يَدَيْهِ وسألوه إحضاري فَحَضَرت وشاركتهم فِي مداواته وتوسمت بخدمته فَسَأَلته يَوْمًا الْإِذْن لي فِي دُخُول دَار كتبهمْ ومطالعتها وَقِرَاءَة مَا فِيهَا من كتب الطِّبّ فَأذن لي فَدخلت دَارا ذَات بيُوت كَثِيرَة فِي كل بَيت صناديق كتب منضدة بَعْضهَا على بعض فِي بَيت مِنْهَا كتب الْعَرَبيَّة وَالشعر وَفِي آخر الْفِقْه وَكَذَلِكَ فِي كل بَيت كتب علم مُفْرد فطالعت فهرست كتب الْأَوَائِل وَطلبت مَا احتجب إِلَيْهِ مِنْهَا وَرَأَيْت من الْكتب مَا لم يَقع اسْمه إِلَى كثير من النَّاس قطّ وَمَا كنت رَأَيْته من قبل وَلَا رَأَيْته أَيْضا من بعد فَقَرَأت تِلْكَ الْكتب وظفرت بفوائدها وَعرفت مرتبَة كل رجل فِي علمه فَلَمَّا بلغت ثَمَانِي عشرَة سنة من عمري فرغت من هَذِه الْعُلُوم كلهَا وَكنت إِذْ ذَاك للْعلم احفظ وَلكنه الْيَوْم معي انضج وَإِلَّا فالعلم وَاحِد لم يَتَجَدَّد لي بعده شَيْء وَكَانَ فِي جواري رجل يُقَال لَهُ أَبُو الْحُسَيْن الْعَرُوضِي فَسَأَلَنِي أَن أصنف لَهُ كتابا جَامعا فِي هَذَا الْعلم فصنفت لَهُ الْمَجْمُوع وسميته بِهِ وأتيت فِيهِ على سَائِر الْعُلُوم سوى الرياضي ولي إِذْ ذَاك إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة من عمري وَكَانَ فِي جواري أَيْضا رجل يُقَال لَهُ أَبُو بكر البرقي خوارزمي المولد فَقِيه النَّفس متوحد فِي الْفِقْه وَالتَّفْسِير والزهد مائل إِلَى هَذِه الْعُلُوم فَسَأَلَنِي شرح الْكتب لَهُ فصنفت لَهُ كتاب الْحَاصِل والمحصول فِي قريب من عشْرين مجلدة وصنفت لَهُ فِي الْأَخْلَاق كتابا سميته كتاب الْبر وَالْإِثْم وَهَذَانِ الكتابان لَا يوجدان إِلَّا عِنْده فَلم يعر أحدا ينْسَخ مِنْهُمَا ثمَّ مَاتَ وَالِدي وتصرفت بِي الْأَحْوَال وتقلدت شَيْئا من أَعمال السُّلْطَان ودعتني الضَّرُورَة إِلَى الْإِخْلَال ببخاري والانتقال إِلَى كركانج وَكَانَ أَبُو الْحُسَيْن السهلي الْمُحب لهَذِهِ الْعُلُوم بهَا وزيرا وقدمت إِلَى الْأَمِير بهَا وَهُوَ عَليّ بن مَأْمُون وَكنت على زِيّ الْفُقَهَاء إِذْ ذَاك بطيلسان وَتَحْت الحنك واثبتوا لي مشاهرة دارة بكفاية مثلي ثمَّ دعت الضَّرُورَة إِلَى الِانْتِقَال إِلَى نسا وَمِنْهَا إِلَى باورد وَمِنْهَا إِلَى طوس وَمِنْهَا إِلَى شقان وَمِنْهَا إِلَى سمنيقان وَمِنْهَا إِلَى جاجرم رَأس حد خُرَاسَان وَمِنْهَا إِلَى جرجان وَكَانَ قصدي الْأَمِير قَابُوس فاتفق فِي أثْنَاء هَذَا أَخذ قَابُوس وحبسه فِي بعض القلاع وَمَوته هُنَاكَ ثمَّ مضيت إِلَى دهستان ومرضت بهَا مَرضا صعبا وعدت إِلَى جرجان فاتصل أَبُو عبيد الْجوزجَاني بِي وأنشأت فِي حَالي قصيدة فِيهَا بَيت الْقَائِل (لما عظمت فَلَيْسَ مصر واسعي ... لما غلا ثمني عدمت المُشْتَرِي) الْكَامِل
следующие страницы →