Полный текст (754 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
(أمروزتو ملك الزَّمَان بأسره ... لَا شَيْء مثل علاك أَنْت الأوحد)
(أشبهت ضحاك الْبِلَاد بسطوة ... ترجى وتخشى جرخ تو وتسعد) الْكَامِل
أَقُول وللشيخ فَخر الدّين أَيْضا أشعارا كَثِيرَة بالفارسي ودوبيت
ولفخر الدّين بن الْخَطِيب من الْكتب كتاب التَّيْسِير الْكَبِير الْمُسَمّى مَفَاتِيح الْغَيْب اثْنَتَا عشر مجلدة بِخَطِّهِ الدَّقِيق سوى الْفَاتِحَة فَإِنَّهُ أفرد لَهَا كتاب تَفْسِير الْفَاتِحَة مجلدة
تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة على الْوَجْه الْعقلِيّ لَا النقلي مُجَلد
شرح وجيز الْغَزالِيّ لم يتم حصل مِنْهُ الْعِبَادَات وَالنِّكَاح فِي ثَلَاث مجلدات
كتاب الطَّرِيقَة العلائية فِي الْخلاف أَربع مجلدات
كتاب لوامع الْبَينَات فِي شرح أَسمَاء الله تَعَالَى وَالصِّفَات
كتاب الْمَحْصُول فِي علم أصُول الْفِقْه
كتاب فِي أبطال الْقيَاس
شرح كتاب الْمفصل للزمخشري فِي النَّحْو لم يتم
شرح سقط الزند لم يتم
شرح نهج البلاعة لم يتم
كتاب فَضَائِل الصَّحَابَة
كتاب مَنَاقِب الشَّافِعِي
كتاب نِهَايَة الْعُقُول فِي دراية الْأُصُول مجلدان
كتاب المحصل مُجَلد
كتاب المطالب الْعَالِيَة ثَلَاث مجلدات لم يتم وَهُوَ آخر مَا ألف
كتاب الْأَرْبَعين فِي أصُول الدّين
كتاب المعالم وَهُوَ آخر مصنفاته من الصغار
كتاب تأسيس التَّقْدِيس مُجَلد أَلفه للسُّلْطَان الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فَبعث لَهُ عَنهُ ألف دِينَار
كتاب الْقَضَاء وَالْقدر
رِسَالَة الْحُدُوث
كتاب تعجيز الفلاسفة بِالْفَارِسِيَّةِ
كتاب الْبَرَاهِين البهائية بِالْفَارِسِيَّةِ
كتاب اللطائف الغياثية
كتاب شِفَاء العيى وَالْخلاف
كتاب الْخلق والبعث
كتاب الْخمسين فِي أصُول الدّين
كتاب عُمْدَة الأنظار وزينة الأفكار
كتاب الْأَخْلَاق
كتاب الرسَالَة الصاحبية
كتاب الرسَالَة المحمدية
كتاب عصمَة الْأَنْبِيَاء
كتاب الملخص
كتاب المباحث المشرقية
كتاب الإنارات فِي شرح الإشارات
كتاب لباب الإشارات
شرح كتاب عُيُون الْحِكْمَة
الرسَالَة الكمالية فِي الْحَقَائِق الإلهية ألفها بِالْفَارِسِيَّةِ لكَمَال الدّين مُحَمَّد بن مِيكَائِيل وَوجدت شَيخنَا الإِمَام الْعَالم تَاج الدّين مُحَمَّد الأرموي قد نقلهَا إِلَى الْعَرَبِيّ فِي سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة بِدِمَشْق
رِسَالَة الْجَوْهَر الْفَرد
كتاب الرِّعَايَة
كتاب فِي الرمل
كتاب مصادرات أقليدس
كتاب فِي الهندسة
كتاب نفثة المصدور
كتاب فِي ذمّ الدُّنْيَا
كتاب الاختبارات العلائية
كتاب الاختبارات السماوية
كتاب إحكام الْأَحْكَام
كتاب الموسوم فِي السِّرّ المكتوم
كتاب الرياض المونقة
رِسَالَة فِي النَّفس
رِسَالَة فِي النبوات
كتاب الْملَل والنحل
منتخب كتاب دنكاوشا
كتاب مبَاحث الْوُجُود
كتاب نِهَايَة الإيجاز فِي دراية الإعجاز
كتاب مبَاحث الجدل
كتاب مبَاحث الْحُدُود
كتاب الْآيَات الْبَينَات
رِسَالَة فِي التَّنْبِيه على بعض الْأَسْرَار المودعة فِي بعض سور الْقُرْآن الْعَظِيم
كتاب الْجَامِع الْكَبِير لم يتم
وَيعرف أَيْضا بِكِتَاب الطِّبّ الْكَبِير
كتاب فِي النبض مُجَلد
شرح كليات القانون لم يتم وألفه للحكيم ثِقَة الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الْكَرِيم السَّرخسِيّ
كتاب التشريح من الرَّأْس إِلَى الْحلق لم يتم
كتاب الْأَشْرِبَة
مسَائِل فِي الطِّبّ
كتاب الزبدة
كتاب الفراسة
стр. 457
القطب الْمصْرِيّ
هُوَ الإِمَام قطب الدّين إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن مُحَمَّد السّلمِيّ وَكَانَ أَصله مغربيا وَإِنَّمَا انْتقل إِلَى مصر وَأقَام بهَا مُدَّة ثمَّ سَافر بعد ذَلِك إِلَى بِلَاد الْعَجم
واشتغل على فَخر الدّين بن خطيب الرّيّ واشتهر هُنَاكَ وَكَانَ من أجل تلامذة ابْن الْخَطِيب وأميزهم
وصنف كتبا كَثِيرَة فِي الطِّبّ وَالْحكمَة وَشرح الكليات بأسرها من كتاب القانون لِابْنِ سينا
وَوَجَدته فِي كِتَابه هَذَا يفضل المسيحي وَابْن الْخَطِيب على الشَّيْخ أبي عَليّ بن سينا وَهَذَا نَص قَوْله قَالَ
والمسيحي أعلم بصناعة الطِّبّ من الشَّيْخ أبي عَليّ فَإِن مَشَايِخنَا كَانُوا يرجحونه على جمع عَظِيم مِمَّن هم أفضل من أبي عَليّ فِي هَذَا الْفَنّ
وَقَالَ أَيْضا وَعبارَة المسيحي أوضح وَأبين مِمَّا قَالَه الشَّيْخ وغرضه فِي كتبه تَقْيِيد الْعبارَة من غير فَائِدَة
وَقَالَ فِي تَفْضِيل ابْن الْخَطِيب على الشَّيْخ الرئيس فَهَذَا مِمَّا تنخل من كَلَام الْإِمَامَيْنِ العظيمين الإِمَام الْمُتَقَدّم وَالْإِمَام الْمُتَأَخر عَنهُ زَمَانا الرَّاجِح عَلَيْهِ علما وَعَملا واعتقادا ومذهبا
وَقتل القطب الْمصْرِيّ بِمَدِينَة نيسابور وَذَلِكَ عِنْدَمَا استولى التتر على بِلَاد الْعَجم وَقتلُوا أَهلهَا فَكَانَ من جملَة الْقَتْلَى بنيسابور
وللقطب الْمصْرِيّ من الْكتب شرح الكليات من كتاب القانون للشَّيْخ الرئيس ابْن سينا
السموأل
هُوَ السموأل بن يحيى بن عَبَّاس المغربي كَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الرياضية عَالما بصناعة الطِّبّ وَأَصله من بِلَاد الْمغرب وَسكن مُدَّة فِي بَغْدَاد ثمَّ انْتقل إِلَى بِلَاد الْعَجم وَلم يزل بهَا إِلَى آخر عمره وَكَانَ أَبوهُ أَيْضا يشدو شَيْئا من عُلُوم الْحِكْمَة ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ قَالَ هَذَا السموأل شَاب بغدادي كَانَ يَهُودِيّا ثمَّ أسلم وَمَات شَابًّا بمراغة وَبلغ فِي العدديات مبلغا لم يصله أحد فِي زَمَانه
وَكَانَ حاد الذِّهْن جدا بلغ فِي الصِّنَاعَة الجبرية الْغَايَة القصوى
وَأقَام بديار بكر وآذربيجان وَله رسائل فِي الْجَبْر والمقابلة يرد فِيهَا على ابْن الخشاب النَّحْوِيّ
وَذَلِكَ أَن ابْن الخشاب كَانَ معاصره وَكَانَ لِابْنِ الخشاب مُشَاركَة فِي الْحساب وَنظر فِي الْجَبْر والمقابلة
وَقَالَ الصاحب جمال الدّين بن القفطي أَن السموأل هَذَا لما أَتَى إِلَى الْمشرق ارتحل مِنْهُ إِلَى آذربيجان وخدم بَيت البهلوان وأمراء دولتهم
وَأقَام بِمَدِينَة المراغة وأولد أَوْلَادًا هُنَاكَ سلكوا طَرِيقَته فِي الطِّبّ
وارتحل إِلَى الْموصل وديار بكر وَأسلم فَحسن إِسْلَامه وصنف كتابا فِي إِظْهَار معايب الْيَهُود وَكذب دعاويهم فِي التَّوْرَاة ومواضع الدَّلِيل على تبديلها واحكم مَا جمعه فِي ذَلِك وَمَات بالمراغة قَرِيبا من سنة سبعين وَخَمْسمِائة
وللسموأل بن يحيى بن عَبَّاس المغربي من الْكتب كتاب الْمُفِيد الْأَوْسَط فِي الطِّبّ صنفه فِي سنة
стр. 458
أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِبَغْدَاد للوزير مؤيد الدّين أبي إِسْمَاعِيل الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحسن بن عَليّ
رِسَالَة إِلَى ابْن خدود فِي مسَائِل حسابية جبر ومقابلة
كتاب إعجاز المهندسين صنفه لنجم الدّين أبي الْفَتْح شاه غَازِي ملك شاه بن طغرلبك وَفرغ من تصنيفه فِي صفر سنة سبعين وَخَمْسمِائة
كتاب الرَّد على الْيَهُود
كتاب القوامي فِي الْحساب الْهِنْدِيّ أَلفه فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
كتاب المثلث الْقَائِم الزاوية وَقد أحسن فِي تمثيله وتشكيله صنفه لرجل من أهل حلب يدعى الشريف
كتاب الْمِنْبَر فِي مساحة أجسام الْجَوَاهِر المختلطة لاستخراج مِقْدَار مجهولها
كتاب فِي الْمِيَاه
بدر الدّين مُحَمَّد بن بهْرَام بن مُحَمَّد القلانسي السَّمرقَنْدِي
مجيد فِي صناعَة الطِّبّ وَله عناية بِالنّظرِ فِي معالجات الْأَمْرَاض ومداواتها
وَله من الْكتب كتاب الأقرباذين وَهُوَ تِسْعَة وَأَرْبَعُونَ بَابا قد استوعب فِيهِ ذكر مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْأَدْوِيَة المركبة وَجمع أَكثر ذَلِك من الْكتب الْمُعْتَمد عَلَيْهَا كثيرا مثل القانون وَالْحَاوِي والكامل والمنصوري والذخيرة والكفاية وَذكر أَنه قد أورد مَعَ ذَلِك أَيْضا ذَروا من نسخ الإِمَام الْعَالم قوام الدّين صاعد المهني وَمن نسخ الإِمَام شرف الزَّمَان المابرسامي
نجيب الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن عَليّ بن عمر السَّمرقَنْدِي
طَبِيب فَاضل بارع وَله كتب جليلة وتصانيف مَشْهُورَة وَقتل مَعَ جملَة النَّاس الَّذين قتلوا بِمَدِينَة هراة لما دَخلهَا التتر وَكَانَ معاصر لفخر الدّين الرَّازِيّ بن الْخَطِيب
ولنجيب الدّين السَّمرقَنْدِي من الْكتب كتاب أغذية المرضى وقسمه على حسب مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي التغذية لكل وَاحِد من سَائِر الْأَمْرَاض
كتاب الْأَسْبَاب والعلامات جمعه لنَفسِهِ وَنَقله من القانون لأبي عَليّ بن سينا وَمن المعالجات البقراطية وكامل الصِّنَاعَة
كتاب الأقراباذين الْكَبِير
كتاب الأقراباذين الصَّغِير
الشريف شرف الدّين إِسْمَاعِيل
كَانَ طَبِيبا عالي الْقدر وافر الْعلم وجيها فِي الدولة
وَكَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان عَلَاء الدّين مُحَمَّد خوارزم شاه
وَله مِنْهُ الْأَنْعَام الوافر والمرتبة المكينة
وَكَانَ لَهُ مُقَرر على السُّلْطَان فِي كل شهر ألف دِينَار وَكَانَت لَهُ معالجات بديعة وآثار حَسَنَة فِي صناعَة الطِّبّ
وَتُوفِّي فِي أَيَّام خوارزمشاه بِمَدِينَة بعد أَن عمر
وَله من الْكتب كتاب الذَّخِيرَة الخوارزم شاهية فِي الطِّبّ بالفارسي اثْنَا عشر مجلدا
كتاب الْأَغْرَاض فِي الطِّبّ بالفارسي مجلدان
كتاب يادكار فِي الطِّبّ بالفارسي مُجَلد أَلفه لخوارزم شاه
стр. 459
الْبَاب الثَّانِي عشر
طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا من الْهِنْد
كنكه الْهِنْدِيّ
حَكِيم بارع من مُتَقَدِّمي حكماء الْهِنْد وأكابرهم وَله نظر فِي صناعَة الطِّبّ وقوى الْأَدْوِيَة وطبائع المولدات وخواص الموجودات وَكَانَ من أعلم النَّاس بهيئة الْعَالم وتركيب الأفلاك وحركات النُّجُوم
وَقَالَ أَبُو معشر جَعْفَر بن مُحَمَّد بن عمر الْبَلْخِي فِي كتاب الألوف إِن كنكه هُوَ الْمُقدم فِي علم النُّجُوم عِنْد جَمِيع الْعلمَاء من الْهِنْد فِي سالف الدَّهْر
ولكنكنه من الْكتب كتاب النموذار فِي الْأَعْمَار
كتاب أسرار المواليد
كتاب القرانات الْكَبِير
كتاب القرانات الصَّغِير
كتاب الطِّبّ وَهُوَ يجْرِي مجْرى كناش
كتاب فِي التَّوَهُّم
كتاب فِي إِحْدَاث الْعَالم والدور فِي الْقرَان
صنجهل
كَانَ من عُلَمَاء الْهِنْد وفضلائهم الخبيرين بِعلم الطِّبّ والنجوم
ولصنجهل من الْكتب كتاب المواليد الْكَبِير
وَكَانَ من بعد صنجهل الْهِنْدِيّ جمَاعَة فِي بِلَاد الْهِنْد وَلَهُم تصانيف مَعْرُوفَة فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي غَيرهَا من الْعُلُوم مثل باكهر راحه صَكَّة داهر أنكرزنكل جبهر اندى جارى كل هَؤُلَاءِ أَصْحَاب تصانيف وهم من حكماء الْهِنْد وأطبائهم وَلَهُم الْأَحْكَام الْمَوْضُوعَة فِي علم النُّجُوم والهند تشتغل بمؤلفات هَؤُلَاءِ فِيمَا بَينهم ويقتدون بهَا ويتناقلونها وَقد نقل كثير مِنْهَا إِلَى اللُّغَة الْعَرَبيَّة
وَوجدت الرَّازِيّ قد نقل فِي كِتَابه الْحَاوِي وَفِي غَيره عَن كتب جمَاعَة من الْهِنْد مثل كتاب شرك الْهِنْدِيّ وَهَذَا الْكتاب فسره عبد الله بن عَليّ من الْفَارِسِي إِلَى الْعَرَبِيّ لِأَنَّهُ أَولا نقل من الْهِنْدِيّ إِلَى الْفَارِسِي وَعَن
стр. 460
كتاب سسرد وَفِيه عَلَامَات الأدواء وَمَعْرِفَة علاجها وأدويتها وَهُوَ عشر مقالات أَمر يحيى بن خَالِد بتفسيره وَكتاب بدان فِي عَلَامَات أَرْبَعمِائَة وَأَرْبَعَة أدواء ومعرفتها بِغَيْر علاج وَكتاب سندهشان وَتَفْسِيره كتاب صُورَة النجح وَكتاب فِيمَا اخْتلف فِيهِ الْهِنْد وَالروم فِي الْحَار والبارد وقوى الْأَدْوِيَة وتفصيل السّنة وَكتاب تَفْسِير أَسمَاء الْعقار بأسماء عشرَة وَكتاب اسانكر الْجَامِع وَكتاب علاجات الحبالى للهند وَكتاب مُخْتَصر فِي العقاقير للهند وَكتاب نوفشل فِيهِ مائَة دَاء وَمِائَة دَوَاء وَكتاب روسي الْهِنْدِيَّة فِي علاجات النِّسَاء وَكتاب السكر للهند وَكتاب رَأْي الْهِنْدِيّ فِي أَجنَاس الْحَيَّات وسمومها وَكتاب التَّوَهُّم فِي الْأَمْرَاض والعلل لأبي قبيل الْهِنْدِيّ
شاناق
وَمن الْمَشْهُورين أَيْضا من أطباء الْهِنْد شاناق
وَكَانَت لَهُ معالجات وتجارب كَثِيرَة فِي صناعَة الطِّبّ وتفنن فِي الْعُلُوم وَفِي الْحِكْمَة وَكَانَ بارعا فِي علم النُّجُوم حسن الْكَلَام مُتَقَدما عِنْد مُلُوك الْهِنْد
وَمن كَلَام شاناق قَالَ فِي كِتَابه الَّذِي سَمَّاهُ منتحل الْجَوْهَر
يَا أَيهَا الْوَالِي اتَّقِ عثرات الزَّمَان واخش تسلط الإِمَام ولوعة غَلَبَة الدَّهْر
وَاعْلَم أَن الْأَعْمَال جَزَاء فَاتق عوائق الدَّهْر وَالْأَيَّام فَإِن لَهَا غدرات فَكُن مِنْهَا على حذر والأقدار مغيبات فاستعد لَهَا وَالزَّمَان مُنْقَلب فاحذر دولته لئيم الكرة فخف سطوته سريع الغزة فَلَا تأمن دولته
وَاعْلَم أَن من لم يداو نَفسه من سقام الآثام فِي أَيَّام حَيَاته فَمَا أبعده من الشِّفَاء فِي دَار لَا دَوَاء لَهَا وَمن أذلّ حواسه واستبعدها فِيمَا تقدم من خير لنَفسِهِ أبان فَضله وَأظْهر نبله وَمن لم يضْبط نَفسه وَهِي وَاحِدَة لم يضْبط حواسه وَهِي خمس
فَإِذا لم يضْبط حواسه مَعَ قلتهَا وذلتها صَعب عَلَيْهِ ضبط الأعوان مَعَ كثرتهم وخشونة جانبهم فَكَانَت عَامَّة الرّعية فِي أقاصي الْبِلَاد وأطراف المملكة أبعد من الضَّبْط
ولشاناق من الْكتب كتاب السمُوم خمس مقالات فسره من اللِّسَان الْهِنْدِيّ إِلَى اللِّسَان الْفَارِسِي منكه الْهِنْدِيّ وَكَانَ الْمُتَوَلِي لنقله بالخط الْفَارِسِي رجل يعرف بِأبي حَاتِم الْبَلْخِي فسره ليحيى بن خَالِد ابْن برمك ثمَّ نقل لِلْمَأْمُونِ على يَد الْعَبَّاس بن سعيد الجرهري مَوْلَاهُ وَكَانَ الْمُتَوَلِي قِرَاءَته على الْمَأْمُون
كتاب البيطرة
كتاب فِي علم النُّجُوم
كتاب الْمُنْتَحل الْجَوْهَر وألفه لبَعض مُلُوك زَمَانه وَكَانَ يُقَال لذَلِك الْملك ابْن قانص الْهِنْدِيّ
جودر
حَكِيم فَاضل من حكماء الْهِنْد وعلمائهم متميز فِي أَيَّامه وَله نظر فِي الطِّبّ وتصانيف فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وَله من الْكتب كتاب المواليد وَهُوَ قد نقل إِلَى الْعَرَبِيّ
стр. 461
منكه الْهِنْدِيّ
كَانَ عَالما بصناعة الطِّبّ حسن المعالجة لطيف التَّدْبِير فيلسوفا من جملَة الْمشَار إِلَيْهِم فِي عُلُوم الْهِنْد متقنا للغة الْهِنْد ولغة الْفرس وَهُوَ الَّذِي نقل كتاب شاناق الْهِنْدِيّ فِي السمُوم من اللُّغَة الْهِنْدِيَّة إِلَى الْفَارِسِي وَكَانَ فِي أَيَّام الرشيد هرون وسافر من الْهِنْد إِلَى الْعرَاق فِي أَيَّامه وَاجْتمعَ بِهِ وداواه
وَوجدت فِي بعض الْكتب أَن منكه الْهِنْدِيّ كَانَ فِي جملَة إِسْحَق بن سُلَيْمَان بن عَليّ الْهَاشِمِي وَكَانَ ينْقل من اللُّغَة الْهِنْدِيَّة إِلَى الفارسية والعربية
ونقلت من كتاب أَخْبَار الْخُلَفَاء والبرامكة أَن الرشيد اعتل عِلّة صعبة فعالجه الْأَطِبَّاء فَلم يجد من علته أفاقة
فَقَالَ لَهُ أَبُو عمر الأهجمي بِالْهِنْدِ طَبِيب يُقَال لَهُ منكه وَهُوَ أحد عبادهم وفلاسفتهم فَلَو بعث إِلَيْهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَعَلَّ أَن يهب لَهُ الشِّفَاء على يَده
قَالَ فَوجه الرشيد من حمله وَوَصله بصلَة تعينه على سَفَره فَقدم وعالج الرشيد فبرأ من علته بعلاجه
فَأجرى عَلَيْهِ رزقا وَاسِعًا وأموالا كَافِيَة
قَالَ فَبَيْنَمَا منكه مارا فِي الْخلد إِذا هُوَ بِرَجُل من المائنين قد بسط كساءه وَألقى عَلَيْهِ عقاقير كَثِيرَة وَقَامَ يصف دَوَاء عِنْده فَقَالَ فِي صفته هَذَا دَوَاء للحمى الدائمة وَحمى الغب وَحمى الرّبع ولوجع الظّهْر والركبتين والخام والبواسير والرياح ووجع المفاصل ووجع الْعَينَيْنِ ولوجع الْبَطن والصداع والشقيقة ولتقطير الْبَوْل والفالج والارتعاش وَلم يدع عِلّة فِي الْبدن إِلَّا ذكر أَن ذَلِك الدَّوَاء شفاؤها
فَقَالَ منكه لِترْجُمَانِهِ مَا يَقُول هَذَا فترجم لَهُ مَا سمع فَتَبَسَّمَ منكه وَقَالَ على كل حَال ملك الْعَرَب جَاهِل وَذَلِكَ أَنه إِن كَانَ الْأَمر على مَا قَالَ هَذَا فَلم حَملَنِي من بلدي وقطعني عَن أَهلِي وتكلف الغليظ من مؤونتي وَهُوَ يجد هَذَا نصب عينه وبإزائه وَإِن كَانَ الْأَمر لَيْسَ كَمَا يَقُول هَذَا فَلم لَا يقْتله فَإِن الشَّرِيعَة قد أَبَاحَتْ دم هَذَا وَمن أشبهه لِأَنَّهُ إِن قتل مَا هِيَ إِلَّا نفس تحيا بفنائها أنفس خلق كثير وَإِن ترك وَهَذَا الْجَهْل قتل فِي كل يَوْم نفسا
وبالحري أَن يقتل اثْنَيْنِ وَثَلَاثَة وَأَرْبَعَة فِي كل يَوْم وَهَذَا فَسَاد فِي الدّين ووهن فِي المملكة
صَالح بن بهلة الْهِنْدِيّ
متميز من عُلَمَاء الْهِنْد وَكَانَ خَبِيرا بالمعالجات الَّتِي لَهُم وَله قُوَّة وإنذارات فِي تقدمة الْمعرفَة
وَكَانَ بالعراق فِي أَيَّام الرشيد هَارُون
قَالَ أَبُو الْحسن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم الحاسب الْمَعْرُوف بِابْن الداية حَدثنِي أَحْمد بن رشيد الْكَاتِب مولى سَلام الأبرش أَن مَوْلَاهُ حَدثهُ أَن الموائد قدمت بَين يَدي الرشيد فِي بعض الْأَيَّام وجبرائيل بن بختيشوع غَائِب فَقَالَ لي أَحْمد قَالَ أَبُو سَلمَة يَعْنِي مَوْلَاهُ
стр. 462
فَأمرنِي أَمِير الْمُؤمنِينَ بِطَلَب جِبْرَائِيل ليحضر أكله على عَادَته فِي ذَلِك فَلم أدع منزلا من منَازِل الْوَلَد وَمن كَانَ يدْخل إِلَيْهِ جِبْرَائِيل من الْحرم إِلَّا طلبته فِيهِ وَلم أقع لَهُ على أثر
فأعلمت أَمِير الْمُؤمنِينَ بذلك فَطَفِقَ يلعنه ويقذفه إِذْ دخل عَلَيْهِ جِبْرَائِيل والرشيد على تِلْكَ الْحَال من قذفه ولعنه
فَقَالَ لَهُ لَو اشْتغل أَمِير الْمُؤمنِينَ بالبكاء على ابْن عَمه إِبْرَاهِيم بن صَالح وَترك مَا فِيهِ من تناولي بالسب كَانَ أشبه
فَسَأَلَهُ عَن خبر إِبْرَاهِيم فَأعلمهُ أَنه خَلفه وَبِه رَمق يَنْقَضِي بآخرة وَقت صَلَاة الْعَتَمَة فَاشْتَدَّ جزع الرشيد لما أخبرهُ بِهِ وَأَقْبل على الْبكاء
وَأمر بِرَفْع الموائد فَرفعت وَكثر ذَلِك مِنْهُ حَتَّى رَحمَه مِمَّا نزل بِهِ جَمِيع من حضر
فَقَالَ جَعْفَر بن يحيى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن طب جِبْرَائِيل طب رومي وَصَالح بن بهلة الْهِنْدِيّ فِي الْعلم بطريقة أهل الْهِنْد فِي الطِّبّ مثل جِبْرَائِيل فِي الْعلم بمقالات الرّوم فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْمر بإحضاره وتوجيهه إِلَى إِبْرَاهِيم بن صَالح لنفهم عَنهُ مَا يَقُول مثل مَا فهمنا عَن جِبْرَائِيل فعل
فَأمر الرشيد جعفرا بإحضاره وتوجيهه والمصير بِهِ إِلَيْهِ ورده بعد مُنْصَرفه من عِنْده فَفعل ذَلِك جَعْفَر وَمضى صَالح إِلَى إِبْرَاهِيم حَتَّى عاينه وجس عرقه وَصَارَ إِلَى جَعْفَر وَسَأَلَهُ عَمَّا عِنْده من الْعلم فَقَالَ لست أخبر بالْخبر غير أَمِير الْمُؤمنِينَ فَاسْتعْمل جَعْفَر مجهوده بِصَالح أَن يُخبرهُ بجملة من الْخَبَر فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك
وَدخل جَعْفَر على الرشيد فَأخْبرهُ بِحُضُور صَالح وامتناعه عَن إخْبَاره بِمَا عاين فَأمر بإحضار صَالح فَدخل ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت الإِمَام وعاقد ولَايَة الْقَضَاء للحكام وَمهما حكمت بِهِ لم يجز لحَاكم فَسخه وَأَنا أشهدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأشْهد على نَفسِي من حضرك أَن إِبْرَاهِيم ابْن صَالح إِن توفّي فِي هَذِه اللَّيْلَة أَو فِي هَذِه الْعلَّة أَن كل مَمْلُوك لصالح بن بهلة أَحْرَار لوجه الله وكل دَابَّة لَهُ فحبيس فِي سَبِيل الله وكل مَال لَهُ فصدقة على الْمَسَاكِين وكل امْرَأَة لَهُ فطالق ثَلَاثًا بتاتا
فَقَالَ لَهُ الرشيد حَلَفت وَيحك يَا صَالح على غيب
فَقَالَ صَالح كلا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا الْغَيْب مَا لَا علم لأحد بِهِ وَلَا دَلِيل لَهُ عَلَيْهِ وَلم أقل مَا قلت إِلَّا بِعلم وَاضح وَدَلَائِل بَيِّنَة
قَالَ أَحْمد بن رشيد قَالَ لي أَبُو سَلمَة فَسرِّي عَن الرشيد مَا كَانَ يجد وَطعم واحضر لَهُ الشَّرَاب فَشرب
وَلما كَانَ وَقت صَلَاة الْعَتَمَة ورد كتاب صَاحب الْبَرِيد بِمَدِينَة السَّلَام يخبر بوفاة إِبْرَاهِيم بن صَالح على الرشيد فَاسْتَرْجع وَأَقْبل على جَعْفَر بن يحيى باللوم فِي إرشاده إِيَّاه إِلَى صَالح بن بهلة
وَأَقْبل يلعن الْهِنْد وطبهم وَيَقُول واسوءتاه من الله أَن يكون ابْن عمي يتجرع غصص الْمَوْت وَأَنا أشْرب النَّبِيذ ثمَّ دَعَا برطل من النَّبِيذ بِالْمَاءِ وألفى فِيهِ شَيْئا من ملح وَأخذ يشرب ويتقيأ حَتَّى قذف مَا كَانَ فِي جَوْفه من طَعَام وشراب وَبكر إِلَى دَار إِبْرَاهِيم فقصد خدمه بالرشيد إِلَى رواق على مجَالِس لإِبْرَاهِيم على يَمِين الرواق ويساره فراشان بكراسيهما ومتكئاتهما ومساندهما وَفِيمَا بَين الفراشين نمارق فاتكأ الرشيد على سَيْفه ووقف وَقَالَ لَا يحسن الْجُلُوس فِي الْمُصِيبَة بالأحبة من الْأَهْل على أَكثر من الْبسط ارْفَعُوا هَذِه الْفرش والنمارق فَفعل ذَلِك الفراشون وَجلسَ الرشيد على الْبسَاط فَصَارَت سنة لبني الْعَبَّاس من ذَلِك الْيَوْم وَلم تكن قبله ووقف صَالح بن بهلة بَين يَدي الرشيد فَلم يناطقه أحد إِلَى أَن سطعت رَوَائِح المجامر فصاح عِنْد ذَلِك صَالح الله الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن تحكم عَليّ بِطَلَاق زَوْجَتي فتنزعها وَتَزَوجهَا
стр. 463
غَيْرِي وَأَنا رب الْفرج الْمُسْتَحق لَهُ وتنكحها من لَا تحل لَهُ وَالله الله أَن تخرجني من نعمتي وَلم يلْزَمنِي حنث وَالله الله إِن تدفن ابْن عمك حَيا فوَاللَّه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا مَاتَ فَأطلق لي الدُّخُول عَلَيْهِ وَالنَّظَر إِلَيْهِ وهتف بِهَذَا القَوْل مَرَّات فَأذن لَهُ بِالدُّخُولِ على إِبْرَاهِيم وَحده
قَالَ أَحْمد قَالَ لي أَبُو سَلمَة فأقبلنا نسْمع صَوت ضرب بدن بكف ثمَّ انْقَطع عَنَّا ذَلِك الصَّوْت ثمَّ سمعنَا تَكْبِيرا فَخرج إِلَيْنَا صَالح وَهُوَ يكبر ثمَّ قَالَ قُم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حَتَّى أريك عجبا
فَدخل إِلَيْهِ الرشيد وَأَنا ومسرور الْكَبِير وَأَبُو سليم مَعَه فَأخْرج صَالح إبرة كَانَت مَعَه فَأدْخلهَا بَين ظفر إِبْهَام يَده الْيُسْرَى ولحمه فجذب إِبْرَاهِيم بن صَالح يَده وردهَا إِلَى بدنه
فَقَالَ صَالح يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَل يحس الْمَيِّت بالوجع فَقَالَ الرشيد لَا فَقَالَ لَهُ صَالح لَو شِئْت أَن يكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ السَّاعَة لكلمه
فَقَالَ لَهُ الرشيد فَأَنا أَسأَلك أَن تفعل ذَلِك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَخَاف أَن عالجته وأفاق وَهُوَ فِي كفن فِيهِ رَائِحَة الحنوط أَن ينصدع قلبه فَيَمُوت موتا حَقِيقِيًّا فَلَا يكون لي فِي إحيائه حِيلَة وَلَكِن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تَأمر بتجريده من الْكَفَن ورده إِلَى المغتسل وإعادة الْغسْل عَلَيْهِ حَتَّى تَزُول رَائِحَة الحنوط عَنهُ ثمَّ يلبس مثل ثِيَابه الَّتِي كَانَ يلبسهَا فِي حَال صِحَّته وعلته ويطيب بِمثل ذَلِك الطّيب ويحول إِلَى فرَاش من فرشه الَّتِي كَانَ يجلس وينام عَلَيْهَا حَتَّى أعَالجهُ بِحَضْرَة أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنَّهُ يكلمهُ من سَاعَته
قَالَ أَحْمد قَالَ أَبُو سَلمَة فوكلني الرشيد بِالْعَمَلِ بِمَا حَده صَالح فَفعلت ذَلِك
ثمَّ صَار الرشيد وَأَنا مَعَه ومسرور وَأَبُو سليم وَصَالح إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ إِبْرَاهِيم ودعا صَالح بن بهلة بكندس ومنفخة من الخزانة وَنفخ من الكندس فِي أَنفه فَمَكثَ مِقْدَار ثلث سَاعَة ثمَّ اضْطربَ بدنه وعطس وَجلسَ قُدَّام الرشيد وَقبل يَده وَسَأَلَهُ عَن قصَّته فَذكر أَنه كَانَ نَائِما نوما لَا يذكر أَنه نَام مثله قطّ طيبا إِلَّا أَنه رأى فِي مَنَامه كَلْبا قد أَهْوى إِلَيْهِ فتوقاه بِيَدِهِ فعض إِبْهَام يَده الْيُسْرَى عضة انتبه وَهُوَ يحس وجعها وَأرَاهُ إبهامه الَّتِي كَانَ صَالح أَدخل فِيهَا الإبرة
وعاش إِبْرَاهِيم بعد ذَلِك دهرا ثمَّ تزوج العباسة بنت الْمهْدي وَولي مصر وفلسطين وَتُوفِّي بِمصْر وقبره بهَا
стр. 464
الْبَاب الثَّالِث عشر
طَبَقَات الْأَطِبَّاء الَّذين ظَهَرُوا فِي بِلَاد الْمغرب وَأَقَامُوا بهَا
إِسْحَق بن عمرَان
طَبِيب مَشْهُور وعالم مَذْكُور وَيعرف باسم سَاعَة
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل أَن إِسْحَق بن عمرَان مُسلم النحلة وَكَانَ بغدادي الأَصْل وَدخل أفريقية فِي دولة زِيَادَة الله بن الْأَغْلَب التَّمِيمِي وَهُوَ استجلبه وَأَعْطَاهُ شُرُوطًا ثَلَاثَة لم يَفِ لَهُ بأحدها
بعث إِلَيْهِ عِنْد وُرُوده عَلَيْهِ رَاحِلَة أقلته وَألف دِينَار لنفقته وَكتاب أَمَان بِخَط يَده أَنه مَتى أحب الِانْصِرَاف إِلَى وَطنه انْصَرف
وَبِه ظهر الطِّبّ بالمغرب وَعرفت الفلسفة
وَكَانَ طَبِيبا حاذقا متميزا بتأليف الْأَدْوِيَة المركبة بَصيرًا بتفرقة الْعِلَل أشبه الْأَوَائِل فِي علمه وجودة قريحته
استوطن القيروان حينا وَألف كتبا مِنْهَا كِتَابه الْمَعْرُوف بنزهة النَّفس وَكتابه فِي دَاء المالنخوليا لم يسْبق إِلَى مثله وَكتابه فِي الفصد وَكتابه فِي النبض
ودارت لَهُ مَعَ زِيَادَة الله بن الْأَغْلَب محنة أوجبت الوجدة بَينهمَا حَتَّى صلبه ابْن الْأَغْلَب
وَكَانَ إِسْحَق قد استأذنه فِي الِانْصِرَاف إِلَى بَغْدَاد فَلم يَأْذَن لَهُ وَكَانَ إِسْحَق يُشَاهد أكل ابْن الْأَغْلَب فَيَقُول لَهُ كل هَذَا ودع هَذَا
حَتَّى ورد على ابْن الْأَغْلَب حدث يَهُودِيّ أندلسي فاستقربه وخف عَلَيْهِ وأشهده أكله فَكَانَ إِسْحَق إِذا قَالَ لَهُ اترك هَذَا لَا تَأْكُله قَالَ الإسرائيلي يصعبه عَلَيْك
وَكَانَ بِابْن الْأَغْلَب عِلّة النَّسمَة وَهِي ضيق النَّفس فَقدم بَين يَدَيْهِ لَبَنًا مريبا فهم بِأَكْلِهِ فَنَهَاهُ أسحق وَسَهل عَلَيْهِ الإسرائيلي فوافقه بِالْأَكْلِ فَعرض لَهُ فِي اللَّيْل ضيق النَّفس
стр. 465
حَتَّى أشرف على الْهَلَاك فَأرْسل إِلَى إِسْحَق
وَقيل لَهُ هَل عنْدك من علاج فَقَالَ قد نهيته فَلم يقبل مني لَيْسَ عِنْدِي علاج
فَقيل لإسحق هَذِه خَمْسمِائَة مِثْقَال وعالجه فَأبى حَتَّى بلغ إِلَى ألف مِثْقَال فَأَخذهَا وَأمر بإحضار الثَّلج وَأمره بِالْأَكْلِ مِنْهُ حَتَّى تملأ ثمَّ قيأه فَخرج جَمِيع اللَّبن قد تجبن بِبرد الثَّلج
فَقَالَ إِسْحَق أَيهَا الْأَمِير لَو دخل هَذَا اللَّبن إِلَى أنابيب رئتك ولحج فِيهِ أهْلكك بضيقة النَّفس وَلَكِنِّي أجهدته وأخرجته قبل وُصُوله
فَقَالَ زِيَادَة الله بَاعَ إِسْحَق روحي فِي البدء اقْطَعُوا رزقه
فَلَمَّا قطع عَنهُ الرزق خرج إِلَى مَوضِع فسيح من رحاب القيروان وَوضع هُنَالك كرسيا ودواة وقراطيس فَكَانَ يكْتب الصِّفَات كل يَوْم بِدَنَانِير
فَقيل لزِيَادَة الله عرضت لإسحق الْغنى فَأمر بضمه إِلَى السجْن فَتَبِعَهُ النَّاس هُنَالك
ثمَّ أخرجه بِاللَّيْلِ إِلَى نَفسه وَكَانَت لَهُ مَعَه حكايات ومعاتبات احنقته عَلَيْهِ لفرط جوره وسخف رَأْيه
فَأمر بفصده فِي ذِرَاعَيْهِ جَمِيعًا وسال دَمه حَتَّى مَاتَ ثمَّ أَمر بِهِ فصلب وَمكث مصلوبا زَمَانا طَويلا حَتَّى عشش فِي جَوْفه طَائِر
وَكَانَ مِمَّا قَالَ لزِيَادَة الله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَالله إِنَّك لتدعى بِسَيِّد الْعَرَب وَمَا أَنْت لَهَا بِسَيِّد وَلَقَد سقيتك مُنْذُ دهر دَوَاء ليفعلن فِي عقلك وَكَانَ زِيَادَة الله مَجْنُونا فتمخل وَمَات
ولإسحق بن عمرَان من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة
كتاب العنصر والتمام فِي الطِّبّ
مقَالَة فِي الاسْتِسْقَاء
مقَالَة وجيزة كتب بهَا إِلَى سعيد ابْن توفيل المتطبب فِي الْإِبَانَة عَن الْأَشْيَاء الَّتِي يُقَال أَنَّهَا تشفي الأسقام وفيهَا يكون الْبُرْء مِمَّا أَرَادَ إتحافه بِهِ من نَوَادِر الطِّبّ ولطائف الْحِكْمَة
كتاب نزهة النَّفس
كتاب فِي المالنخوليا
كتاب فِي الفصد
كتاب فِي النبض
مقَالَة فِي علل القولنج وأنواعه وَشرح أدويته وَهِي الرسَالَة الَّتِي كتب بهَا إِلَى الْعَبَّاس وَكيل إِبْرَاهِيم بن الْأَغْلَب
كتاب فِي الْبَوْل من كَلَام أبقراط وجالينوس وَغَيرهمَا
كتاب جمع فِيهِ أقاويل جالينوس فِي الشَّرَاب
مسَائِل لَهُ مَجْمُوعَة فِي الشَّرَاب على معنى مَا ذهب إِلَيْهِ أبقراط وجالينوس فِي الْمقَالة الثَّالِثَة من كتاب تَدْبِير الْأَمْرَاض الحادة وَمَا ذكر فِيهَا من الْخمر
كَلَام لَهُ فِي بَيَاض الْمعدة ورسوب الْبَوْل وَبَيَاض المنى
إِسْحَق بن سُلَيْمَان
الإسرائيلي كَانَ طَبِيبا فَاضلا بليغا عَالما مَشْهُورا بالحذق والمعرفة جيد التصنيف عالي الهمة ويكنى أيا يَعْقُوب
وَهُوَ الَّذِي شاع ذكره وانتشرت مَعْرفَته بالإسرائيلي
وَهُوَ من أهل مصر وَكَانَ يكحل من أوليته
ثمَّ سكن القيروان ولازم إِسْحَق بن عمرَان وتتلمذ لَهُ
وخدم الإِمَام أَبَا مُحَمَّد عبيد الله الْمهْدي صَاحب إفريقية بصناعة الطِّبّ
وَكَانَ إِسْحَق ابْن سُلَيْمَان مَعَ فَضله فِي صناعَة الطِّبّ بَصيرًا بالْمَنْطق متصرفا فِي ضروب المعارف
وَعمر عمرا طَويلا إِلَى أَن نَيف على مائَة سنة
стр. 466
وَلم يتَّخذ امْرَأَة وَلَا أعقب ولدا
وَقيل لَهُ أَيَسُرُّك أَن لَك ولدا قَالَ أما إِذا صَار لي كتاب الحميات فَلَا
يَعْنِي أَن بَقَاء ذكره بِكِتَاب الحميات أَكثر من بَقَاء ذكره بِالْوَلَدِ
ويروى أَنه قَالَ لي أَرْبَعَة كتب تحيي ذكري أَكثر من الْوَلَد وَهِي كتاب الحميات وَكتاب الأغذية والأدوية وَكتاب الْبَوْل وَكتاب الاسطقسات وَتُوفِّي قَرِيبا من سنة عشْرين وثلثمائة
وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن أبي خَالِد الْمَعْرُوف بِابْن الجزار فِي كتاب أَخْبَار الدولة يَعْنِي ابْتِدَاء دولة الإِمَام أبي مُحَمَّد عبيد الله الْمهْدي الَّذِي ظهر من الْمغرب حَدثنِي إِسْحَاق بن سُلَيْمَان المتطبب قَالَ لما قدمت من مصر على زِيَادَة الله بن الْأَغْلَب وجدته مُقيما بالجيوش فِي الأريس فرحلت إِلَيْهِ فَلَمَّا بلغه قدومي وَقد كَانَ بعث فِي طلبي وَأرْسل إِلَيّ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وتقويت بهَا على السّفر فأدخلت إِلَيْهِ سَاعَة وصولي فَسلمت بالإمرة وَفعلت مَا يجب أَن يفعل للملوك من التَّعَبُّد فَرَأَيْت مَجْلِسه قَلِيل الْوَقار وَالْغَالِب عَلَيْهِ حب اللَّهْو وكل مَا حرك الضحك
فابتدأني بالْكلَام ابْن خُنَيْس الْمَعْرُوف باليوناني فَقَالَ لي تَقول إِن الملوحة تجلو قلت نعم
قَالَ وَتقول إِن الْحَلَاوَة تجلو قلت نعم
قَالَ لي فالحلاوة هِيَ الملوحة والملوحة هِيَ الْحَلَاوَة فَقلت إِن الْحَلَاوَة تجلو بلطف وملاءمة والملوحة تجلو بعنف
فتمادى على المكابرة وَأحب المغالطة
فَلَمَّا رَأَيْت ذَلِك قلت لَهُ تَقول أَنْت حَيّ قَالَ نعم
قلت وَالْكَلب حَيّ قَالَ نعم
قلت فَأَنت الْكَلْب وَالْكَلب أَنْت
فَضَحِك زِيَادَة الله ضحكا شَدِيدا فَعلمت أَن رغبته فِي الْهزْل أَكثر من رغبته فِي الْجد
قَالَ إِسْحَاق فَلَمَّا وصل أَبُو عبد الله دَاعِي الْمهْدي إِلَى رقادة أدناني وَقرب منزلتي وَكَانَت بِهِ حَصَاة فِي الكلى وَكنت أعَالجهُ بدواء فِيهِ العقارب المحرقة
فَجَلَست ذَات يَوْم مَعَ جمَاعَة من كتامة فسألوني عَن صنوف من الْعِلَل فَكلما أَجَبْتهم فَلم يفقهوا قولي
فَقلت لَهُم إِنَّمَا أَنْتُم بقر وَلَيْسَ مَعكُمْ من الإنسانية إِلَّا الِاسْم
فَبلغ الْخَبَر إِلَى أبي عبد الله فَلَمَّا دخلت إِلَيْهِ قَالَ لي تقَابل إِخْوَاننَا الْمُؤمنِينَ من كتامة بِمَا لَا يجب وَبِاللَّهِ الْكَرِيم لَوْلَا أَنَّك عذرك بأنك جَاهِل بحقهم وبقدر مَا صَار إِلَيْهِم من معرفَة الْحق وَأهل الْحق لَأَضرِبَن عُنُقك
قَالَ لي إِسْحَاق فَرَأَيْت رجلا شَأْنه الْجد فِيمَا قصد إِلَيْهِ وَلَيْسَ للهزل عِنْده سوق
ولإسحاق بن سُلَيْمَان من الْكتب كتاب الحميات خمس مقالات وَلم يُوجد فِي هَذَا الْمَعْنى كتاب أَجود مِنْهُ ونقلت من خطّ أبي الْحسن عَليّ بن رضوَان عَلَيْهِ مَا هَذَا مِثَاله أَقُول أَنا عَليّ بن رضوَان الطَّبِيب إِن هَذَا الْكتاب نَافِع وَجمع رجل فَاضل وَقد عملت بِكَثِير مِمَّا فِيهِ فَوَجَدته لَا مزِيد عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق والمعونة
كتاب الْأَدْوِيَة المفردة والأغذية
كتاب الْبَوْل اخْتِصَار كِتَابه فِي الْبَوْل
كتاب الاسطقسات
كتاب الْحُدُود والرسوم
كتاب بُسْتَان الْحَكِيم وَفِيه مسَائِل من الْعلم الإلهي
стр. 467
كتاب الْمدْخل إِلَى الْمنطق
كتاب الْمدْخل إِلَى صناعَة الطِّبّ
كتاب فِي النبض
كتاب فِي الترياق
كتاب فِي الْحِكْمَة وَهُوَ أحد عشر ميمرا
ابْن الجزار
هُوَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن أبي خَالِد وَيعرف بِابْن الجزار من أهل القيروان طَبِيب ابْن طَبِيب وَعَمه أَبُو بكر طَبِيب وَكَانَ مِمَّن لَقِي إِسْحَاق بن سُلَيْمَان وَصَحبه وَأخذ عَنهُ
وَكَانَ ابْن الجزار من أهل الْحِفْظ والتطلع والدراسة للطب وَسَائِر الْعُلُوم حسن الْفَهم لَهَا
وَقَالَ سُلَيْمَان بن حسان الْمَعْرُوف بِابْن جلجل إِن أَحْمد بن أبي خَالِد كَانَ قد أَخذ لنَفسِهِ مأخذا عجيبا فِي سمته وهديه وتعدده وَلم يحفظ عَنهُ بالقيروان زلَّة قطّ وَلَا أخلد إِلَى لَذَّة
وَكَانَ يشْهد الْجَنَائِز والعرائس وَلَا يَأْكُل فِيهَا وَلَا يركب قطّ إِلَى أحد من رجال أفريقية وَلَا إِلَى سلطانهم إِلَّا إِلَى أبي طَالب عَم معد وَكَانَ لَهُ صديقا قَدِيما فَكَانَ يركب إِلَيْهِ يَوْم جُمُعَة لَا غير
وَكَانَ ينْهض فِي كل عَام إِلَى رابطة على الْبَحْر المستنير وَهُوَ مَوضِع مرابطة مَشْهُور الْبركَة مَذْكُور فِي الْأَخْبَار على سَاحل الْبَحْر الرُّومِي فَيكون هُنَالك طول أَيَّام القيظ ثمَّ ينْصَرف إِلَى أفريقية
وَكَانَ قد وضع على بَاب دَاره سَقِيفَة أقعد فِيهَا غُلَاما لَهُ يُسمى برشيق أعد بَين يَدَيْهِ جَمِيع المعجونات والأشربة والأدوية فَإِذا رأى الْقَوَارِير بِالْغَدَاةِ أَمر بِالْجَوَازِ إِلَى الْغُلَام وَأخذ الْأَدْوِيَة مِنْهُ نزاهة بِنَفسِهِ أَن يَأْخُذ من أحد شَيْئا
قَالَ ابْن جلجل حَدثنِي عَنهُ من أَثِق بِهِ قَالَ كنت عِنْده فِي دهليزه وَقد غص بِالنَّاسِ إِذْ أقبل ابْن أخي النُّعْمَان القَاضِي وَكَانَ حَدثا جَلِيلًا بأفريقية يستخلفه القَاضِي إِذا مَنعه مَانع عَن الحكم فَلم يجد فِي الدهليز موضعا يجلس فِيهِ إِلَّا مجْلِس أبي جَعْفَر فَخرج أَبُو جَعْفَر فَقَامَ لَهُ ابْن أخي القَاضِي على قدم فَمَا أقعده وَلَا أنزلهُ وَأرَاهُ قَارُورَة مَاء كَانَت مَعَه لِابْنِ عَمه ولد النُّعْمَان
وَاسْتوْفى جَوَابه عَلَيْهَا وَهُوَ وَاقِف ثمَّ نَهَضَ وَركب وَمَا كدح ذَلِك فِي نَفسه وَجعل يتَكَرَّر إِلَيْهِ بِالْمَاءِ فِي كل يَوْم حَتَّى برِئ العليل
قَالَ قَالَ الَّذِي حَدثنِي فَكنت عِنْده ضحوة نَهَار إِذْ أقبل رَسُول النُّعْمَان القَاضِي بِكِتَاب شكره فِيهِ على مَا تولى من علاج ابْنه وَمَعَهُ منديل بكسوة وثلثمائة مِثْقَال
فَقَرَأَ الْكتاب وجاوبه شاكرا وَلم يقبض المَال وَلَا الْكسْوَة فَقلت لَهُ يَا أَبَا جَعْفَر رزق سَاقه الله إِلَيْك
قَالَ لي وَالله لَا كَانَ لرجال معد قبلي نعْمَة
وعاش أَحْمد بن الجزار نيفا وَثَمَانِينَ سنة وَمَات عتيا بالقيروان وَوجد لَهُ أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألف دِينَار وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ قِنْطَارًا من كتب طبية وَغَيرهَا
وَكَانَ قد هم بالرحلة إِلَى الأندلس وَلم ينفذ ذَلِك
وَكَانَ فِي دولة معد
وَقَالَ كشاجم يمدح أَبَا جَعْفَر أَحْمد بن الجزار ويصف كِتَابه الْمَعْرُوف بزاد الْمُسَافِر
стр. 468
(أَبَا جَعْفَر أبقيت حَيا وَمَيتًا ... مفاخر فِي طهر الزَّمَان عظاما)
(رَأَيْت على زَاد الْمُسَافِر عندنَا ... من الناظرين العارفين زحاما)
(فأيقنت أَن لَو كَانَ حَيا لوقته ... يحنا لما سمى التَّمام تَمامًا)
(سأحمد أفعالا لِأَحْمَد لم تزل ... مواقعها عِنْد الْكِرَام كراما) الطَّوِيل
وَلابْن الجزار من الْكتب كتاب فِي علاج الْأَمْرَاض وَيعرف بزاد الْمُسَافِر مجلدان
كتاب فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَيعرف باعتماد كتاب فِي الْأَدْوِيَة المركبة وَيعرف بالبغية كتاب الْعدة لطول الْمدَّة وَهُوَ أكبر كتاب وَجَدْنَاهُ لَهُ فِي الطِّبّ
وَحكى الصاحب جمال الدّين القفطي أَنه رأى لَهُ بقفط كتابا كَبِيرا فِي الطِّبّ اسْمه قوت الْمُقِيم وَكَانَ عشْرين مجلدا
كتاب التَّعْرِيف بِصَحِيح التَّارِيخ وَهُوَ تَارِيخ مُخْتَصر يشْتَمل على وفيات عُلَمَاء زَمَانه وَقطعَة جميلَة من أخبارهم
رِسَالَة فِي النَّفس وَفِي ذكر اخْتِلَاف الْأَوَائِل فِيهَا كتاب فِي الْمعدة وأمراضها ومداواتها
كتاب طب الْفُقَرَاء
رِسَالَة فِي إِبْدَال الْأَدْوِيَة
كتاب فِي الْفرق بَين الْعِلَل الَّتِي تشتبه أَسبَابهَا وتختلف أعراضها
رِسَالَة فِي التحذر من إِخْرَاج الدَّم من غير حَاجَة دعت إِلَى إِخْرَاجه
رِسَالَة فِي الزُّكَام وأسبابه وعلاجه
رِسَالَة فِي النّوم واليقظة
مجربات فِي الطِّبّ مقَالَة فِي الجذام وأسبابه وعلاجه
كتاب الْخَواص
كتاب نصائح الْأَبْرَار
كتاب المختبرات
كتاب فِي نعت الْأَسْبَاب المولدة للوباء فِي مصر وَطَرِيق الْحِيلَة فِي دفع ذَلِك وعلاج مَا يتخوف مِنْهُ رِسَالَة إِلَى بعض إخوانه فِي الاستهانة بِالْمَوْتِ
رِسَالَة فِي المقعدة وأوجاعها
كتاب المكلل فِي الْأَدَب
كتاب الْبلْغَة فِي حفظ الصِّحَّة
مقَالَة فِي الحمامات
كتاب أَخْبَار الدولة يذكر فِيهِ ظُهُور الْمهْدي بالمغرب
كتاب الْفُصُول فِي سَائِر الْعُلُوم والبلاغات
ابْن السمينة
وَمن أطباء الأندلس يحيى بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن السمينة من أهل قرطبة
قَالَ القَاضِي صاعد ابْن أَحْمد بن صاعد فِي كتاب التَّعْرِيف فِي طَبَقَات الْأُمَم أَنه كَانَ بَصيرًا بِالْحِسَابِ والنجوم والطب متصرفا فِي الْعُلُوم متفننا فِي ضروب المعارف بارعا فِي علم النَّحْو واللغة وَالْعرُوض ومعاني الشّعْر وَالْفِقْه والْحَدِيث وَالْأَخْبَار والجدل
وَكَانَ معتزلي الْمَذْهَب
ورحل إِلَى الْمشرق ثمَّ انْصَرف
وَتُوفِّي سنة خمس عشرَة وثلثمائة
أَبُو الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد
الْمَعْرُوف بالمرحيطي من أهل قرطبة وَكَانَ فِي زمن الحكم
وَقَالَ القَاضِي صاعد فِي كتاب
стр. 469
التَّعْرِيف فِي طَبَقَات الْأُمَم أَنه كَانَ إِمَام الرياضيين بالأندلس فِي وقته وَأعلم من كَانَ قبله بِعلم الأفلاك وحركات النُّجُوم وَكَانَت لَهُ عناية بأرصاد الْكَوَاكِب وشغف بتفهم كتاب بطليموس الْمَعْرُوف بالمجسطي
وَله كتاب حسن فِي تَمام علم الْعدَد الْمَعْرُوف عندنَا بالمعاملات
وَكتاب اختصر فِيهِ تَعْدِيل الْكَوَاكِب من زيج البتاني وعنى بزيج مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ وَصرف تَارِيخه الْفَارِسِي إِلَى التَّارِيخ الْعَرَبِيّ وَوضع أوساط الْكَوَاكِب فِيهِ لأوّل تَارِيخ الْهِجْرَة وَزَاد فِيهِ جداول حَسَنَة على أَنه اتبعهُ على خطئه فِيهِ
وَلم يُنَبه على مَوَاضِع الْغَلَط مِنْهُ
وَقد نبهت على ذَلِك فِي كتابي الْمُؤلف فِي إصْلَاح حركات الْكَوَاكِب والتعريف بخطأ الراصدين
وَتُوفِّي أَبُو الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد قبل مبعث الْفِتْنَة فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة
وَقد أَنْجَب تلاميذ جلة لم ينجب عَالم بالأندلس مثلهم
فَمن أشهرهم ابْن السَّمْح وَابْن الصفار والزهراوي والكرماني وَابْن خلدون
وَلأبي الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد من الْكتب كتاب الْمُعَامَلَات اخْتِصَار تَعْدِيل الْكَوَاكِب من زيج البتاني
ابْن السَّمْح
هُوَ أَبُو الْقَاسِم أصبغ بن مُحَمَّد بن السَّمْح المهندس الغرناطي وَكَانَ فِي زمن الحكم
قَالَ القَاضِي صاعد أَن ابْن السَّمْح كَانَ محققا لعلم الْعدَد والهندسة مُتَقَدما فِي علم هَيْئَة الأفلاك وحركات النُّجُوم
وَكَانَت لَهُ مَعَ ذَلِك عناية بالطب وَله تآليف حسان مِنْهَا كتاب الْمدْخل إِلَى الهندسة فِي تَفْسِير كتاب إقليدس
وَمِنْهَا كتاب ثمار الْعدَد الْمَعْرُوف بالمعاملات وَمِنْهَا كتاب طبيعة الْعدَد وَمِنْهَا كِتَابه الْكَبِير فِي الهندسة يقْضِي فِيهِ أجزاءها من الْخط الْمُسْتَقيم والمقوس والمنحني وَمِنْهَا كِتَابَانِ فِي الْآلَة الْمُسَمَّاة بالإسطرلاب أَحدهمَا فِي التَّعْرِيف بِصُورَة صنعتها وَهُوَ مقسوم على مقالتين
وَالْآخر فِي الْعَمَل بهَا والتعريف بجوامع ثَمَرَتهَا وَهُوَ مقسم على مائَة وَثَلَاثِينَ بَابا
وَمِنْهَا زيجه الَّذِي أَلفه على أحد مَذَاهِب الْهِنْد الْمَعْرُوف بالسند هِنْد وَهُوَ كتاب كَبِير مقسم على جزأين أَحدهمَا فِي الجداول وَالْآخر فِي رسائل الجداول
قَالَ القَاضِي صاعد وَأَخْبرنِي عَنهُ تِلْمِيذه أَبُو مَرْوَان سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عِيسَى بن الناشي المهندس أَنه توفّي بِمَدِينَة غرناطة قَاعِدَة ملك الْأَمِير حبوس بن ماكسن بن زيري بن مُنَاد الصنهاجي لَيْلَة الثُّلَاثَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت لرجب سنة سِتّ وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ ابْن سِتّ وَخمسين سنة شمسية
وَلابْن السَّمْح من الْكتب كتاب الْمدْخل إِلَى الهندسة
كتاب الْمُعَامَلَات
كتاب طبيعة الْعدَد
стр. 470
كتاب كَبِير فِي الهندسة يقْضِي فِيهِ أجزاءها من الْخط الْمُسْتَقيم والمقوس والمنحني
كتاب التَّعْرِيف بِصُورَة صَنْعَة الاسطرلاب مقالتان
كتاب الْعَمَل بالاسطرلاب والتعريف بجوامع ثَمَرَته
زيج على أحد مَذَاهِب الْهِنْد الْمَعْرُوف بالسندهند وَهُوَ كتاب كَبِير مقسم على جزءين أَحدهمَا فِي الجداول وَالْآخر فِي رسائل الجداول
ابْن الصفار
هُوَ أَبُو الْقَاسِم أَحْمد بن عبد الله بن عمر كَانَ أَيْضا متحققا بِعلم الْعدَد والهندسة والنجوم
وَقعد فِي قرطبة لتعليم ذَلِك
وَله زيج مُخْتَصر على مَذْهَب السندهند وَكتاب فِي الْعَمَل بالاسطرلاب موجز حسن الْعبارَة قريب المأخذ وَكَانَ من جملَة تلامذة أبي الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد المرحيطي
وَخرج ابْن الصفار عَن قرطبة بعد أَن مضى صدر من الْفِتْنَة وَاسْتقر بِمَدِينَة دانية قَاعِدَة الْأَمِير مُجَاهِد العامري من سَاحل بَحر الأندلس الشَّرْقِي وَتُوفِّي بهَا ﵀
وَقد انجب من أهل قرطبة جمَاعَة وَكَانَ لَهُ أَخ يُسمى مُحَمَّدًا مَشْهُور بِعَمَل الاسطرلاب لم يكن بالأندلس قبله أجمل صنعا لَهَا مِنْهُ
وَلابْن الصفار من الْكتب زيج مُخْتَصر على مَذْهَب السَّنَد هِنْد
كتاب فِي الْعَمَل بالاسطرلاب
أَبُو الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الزهراوي
كَانَ عَالما بِالْعدَدِ والهندسة معتنيا بِعلم الطِّبّ
وَله كتاب شرِيف فِي الْمُعَامَلَات على طَرِيق الْبُرْهَان وَهُوَ الْكتاب الْمُسَمّى بِكِتَاب الْأَركان
وَكَانَ قد أَخذ كثيرا من الْعُلُوم الرياضية عَن أبي الْقَاسِم مسلمة ابْن أَحْمد الْمَعْرُوف بالمرحيطي وَصَحبه مُدَّة
وَلأبي الْحسن عَليّ بن سُلَيْمَان الزهراوي من الْكتب كتاب فِي الْمُعَامَلَات على طَرِيق الْبُرْهَان وَهُوَ الْكتاب الْمُسَمّى بِكِتَاب الْأَركان
الْكرْمَانِي
هُوَ أَبُو الحكم عَمْرو بن أَحْمد بن عَليّ الْكرْمَانِي من أهل قرطبة أحد الراسخين فِي علم الْعدَد والهندسة
قَالَ القَاضِي صاعد أَخْبرنِي عَن الْكرْمَانِي تِلْمِيذه الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن يحيى المهندس المنجم أَنه مَا لَقِي أحدا يجاريه فِي علم الهندسة
وَلَا يشق غباره فِي فك غامضها وتبيين مشكلها وَاسْتِيفَاء أَجْزَائِهَا
ورحل إِلَى ديار الْمشرق وانْتهى مِنْهَا إِلَى حران من بِلَاد الجزيرة وعني هُنَاكَ بِطَلَب الهندسة والطب ثمَّ رَجَعَ إِلَى الأندلس واستوطن مَدِينَة سرقسطة من ثغرها وجلب مَعَه الرسائل الْمَعْرُوفَة
стр. 471
برسائل إخْوَان الصفاء
وَلَا نعلم أحدا أدخلها الأندلس قبله
وَله عناية بالطب ومجربات فاضلة فِيهِ ونفوذ مَشْهُور فِي الكي وَالْقطع والشق والبط وَغير ذَلِك من أَعمال الصِّنَاعَة الطبية
قَالَ وَلم يكن بَصيرًا بِعلم النُّجُوم التعليمي وَلَا بصناعة الْمنطق أَخْبرنِي عَنهُ بذلك أَبُو الْفضل حسداي بن يُوسُف بن حسداي الإسرائيلي وَكَانَ خَبِيرا بِهِ
وَمحله فِي الْعُلُوم النظرية الْمحل الَّذِي لَا يجارى فِيهِ عندنَا بالأندلس
وَتُوفِّي أَبُو الحكم الْكرْمَانِي ﵀ بسرقسطة سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَقد بلغ تسعين سنة أَو جاوزها بِقَلِيل
ابْن خلدون
هُوَ أَبُو مُسلم عمر بن أَحْمد بن خلدون الْحَضْرَمِيّ من أَشْرَاف أهل أشبيلية وَمن جملَة تلامذة أبي الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد أَيْضا وَكَانَ متصرفا فِي عُلُوم الفلسفة مَشْهُورا بِعلم الهندسة والنجوم والطب مشبها بالفلاسفة فِي إصْلَاح أخلاقه
وتعديل سيرته وتقويم طَرِيقَته
وَتُوفِّي فِي بَلَده سنة تسع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
وَكَانَ من أشهر تلامذة أبي مُسلم بن خلدون أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الصفار المتطبب
أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن خَمِيس بن عَامر بن دميح
من أهل طليطلة أحد المعتنين بِعلم الهندسة والنجوم والطب وَله مُشَاركَة فِي عُلُوم اللِّسَان وحظ صَالح من الشّعْر وَهُوَ من أَقْرَان القَاضِي أبي الْوَلِيد هِشَام بن أَحْمد بن هِشَام
حمدين بن أبان
كَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الْأَوْسَط وَكَانَ طَبِيبا حاذقا مجربا وَكَانَ صهر بني خَالِد وَله بقرطبة أصُول ومكاسب
وَكَانَ لَا يركب الدَّوَابّ إِلَّا من نتاجه وَلَا يَأْكُل إِلَّا من زرعه وَلَا يلبس إِلَّا من كتَّان ضيعته وَلَا يستخدم إِلَّا بتلاده من أَبنَاء عبيده
جواد الطَّبِيب النَّصْرَانِي
كَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد أَيْضا وَله اللعوق الْمَنْسُوب إِلَى جواد وَله دَوَاء الراهب والشرابات والسفوفات المنسوبة إِلَيْهِ وَإِلَى حمدين وَبني حمدين كلهَا شجارية
خَالِد بن يزِيد بن رُومَان النَّصْرَانِي
كَانَ بارعا فِي الطِّبّ ناهضا فِي زَمَانه فِيهِ
وَكَانَ بقرطبة وسكنه عِنْد بيعَة سبت أخلج
وَكَانَت
стр. 472
دَاره الدَّار الْمَعْرُوفَة بدار ابْن السطخيري الشَّاعِر
وَكسب بالطب مبلغا جَلِيلًا من الْأَمْوَال وَالْعَقار
وَكَانَ صانعا بِيَدِهِ عَالما بالأدوية الشجارية وَظَهَرت مِنْهُ فِي الْبَلَد مَنَافِع
وَكتب إِلَيْهِ نسطاس بن جريج الطَّبِيب الْمصْرِيّ رِسَالَة فِي الْبَوْل
وأعقب خَالِد ابْنا سَمَّاهُ يزِيد وَلم يبرع فِي الطِّبّ براعة أَبِيه
ابْن ملوكة النَّصْرَانِي
كَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير عبيد الله وَأول دولة الْأَمِير عبد الرَّحْمَن النَّاصِر وَكَانَ يصنع بِيَدِهِ ويفصد الْعُرُوق
وَكَانَ على بَاب دَاره ثَلَاثُونَ كرسيا لقعود النَّاس
عمرَان بن أبي عَمْرو
كَانَ طَبِيبا نبيلا خدم الْأَمِير عبد الرَّحْمَن بالطب وَهُوَ الَّذِي ألف لَهُ حب الأنيسون وَكَانَ عَالما فهما
ولعمران بن أبي عَمْرو من الْكتب كناش
مُحَمَّد بن فتح طملون
كَانَ مولى لعمران بن أبي عَمْرو وبرع فِي الطِّبّ براعة علا بهَا من كَانَ فِي زَمَانه
وَلم يخْدم بالطب وَطلب ليلحق فاستعفى من ذَلِك واستعان على الْأَمِير حَتَّى عُفيَ وَلم يكن أحد من الْأَشْرَاف فِي وقته إِلَّا وَهُوَ يحْتَاج إِلَيْهِ
قَالَ ابْن جلجل حَدثنِي أَبُو الْأَصْبَغ بن حوى قَالَ كنت عِنْد الْوَزير عبد الله ابْن بدر وَقد عرض لِابْنِهِ مُحَمَّد قرح شَمل بدنه وَبَين يَدَيْهِ جمَاعَة من الْأَطِبَّاء فيهم طملون فَتكلم كل وَاحِد مِنْهُم فِي تِلْكَ القروح وطملون سَاكِت
فَقَالَ لَهُ الْوَزير مَا عنْدك فِي هَذَا فَإِنِّي أَرَاك ساكتا فَقَالَ عِنْدِي مرهم ينفع هَذِه القروح من يَوْمه
فَمَال إِلَى كَلَامه وَأمره بإحضار المرهم فَأحْضرهُ وطلى على القروح فجفت من لَيْلَتهَا فوصله عبد الله بن بدر بِخَمْسِينَ دِينَارا وَانْصَرف الْأَطِبَّاء دونه بِغَيْر شَيْء
الْحَرَّانِي
الَّذِي ورد من الْمشرق كَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَت عِنْده مجربات حسان بالطب فاشتهر بقرطبة وَحَازَ الذّكر فِيهَا
قَالَ ابْن جلجل رَأَيْت حِكَايَة عِنْد أبي الْأَصْبَغ الرَّازِيّ بِخَط أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَنْصر وَهِي أَن هَذَا الْحَرَّانِي أَدخل الأندلس معجونا كَانَ يَبِيع الشربة مِنْهُ بِخَمْسِينَ دِينَارا لأوجاع الْجوف فكسب بِهِ مَالا
فَاجْتمع خَمْسَة من الْأَطِبَّاء مثل حمدين وجواد
стр. 473
وَغَيرهمَا وجمعوا خمسين دِينَارا واشتروا مِنْهُ شربة من ذَلِك الدَّوَاء وَانْفَرَدَ كل وَاحِد مِنْهُم بِجُزْء يشمه ويذوقه وَيكْتب مَا تأدى إِلَيْهِ مِنْهُ بحسه
ثمَّ اجْتَمعُوا وَاتَّفَقُوا على مَا حدسوه وَكَتَبُوا ذَلِك
ثمَّ نهضوا إِلَى الْحَرَّانِي وَقَالُوا لَهُ قد نفعك الله بِهَذَا الدَّوَاء الَّذِي انْفَرَدت بِهِ وَنحن أطباء اشترينا مِنْك شربة وَفعلنَا كَذَا وَكَذَا وتأدى إِلَيْنَا كَذَا وَكَذَا وَكَذَا فَإِن يكن مَا تأدى إِلَيْنَا حَقًا فقد أصبْنَا وَإِلَّا فأشركنا فِي علمه فقد انتفعت
فاستعرض كِتَابهمْ فَقَالَ مَا أعديتم من أدويته دَوَاء لَكِن لم تصيبوا تَعْدِيل أوزانه
وَهُوَ الدَّوَاء الْمَعْرُوف بالمغيث الْكَبِير فَأَشْركهُمْ فِي علمه وَعرف من حِينَئِذٍ بالأندلس
أَحْمد وَعمر ابْنا يُونُس بن أَحْمد الْحَرَّانِي
رحلا إِلَى الْمشرق فِي دولة النَّاصِر فِي سنة ثَلَاثِينَ وثلثمائة وَأَقَامَا هُنَالك عشرَة أَعْوَام ودخلا بَغْدَاد وقرآ فِيهَا على ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة الصَّابِئ كتب جالينوس عرضا وخدما ابْن وصيف فِي عمل علل الْعين وانصرفا إِلَى الأندلس فِي دولة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَخمسين وثلثمائة وغزوا مَعَه غَزَوَاته إِلَى سنة اثْنَتَيْنِ وانصرفا وألحقهما فِي خدمته بالطب واسكنهما مَدِينَة الزهراء واستخلصهما لنَفسِهِ دون غَيرهمَا مِمَّن كَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت من الْأَطِبَّاء
وَمَات عمر بعلة الْمعدة ورمت لَهُ فَلحقه ذبول من أجلهَا وَمَات وَبَقِي أَحْمد مستخلصا
وَأَسْكَنَهُ الْمُسْتَنْصر فِي قصره بِمَدِينَة الزهراء وَكَانَ لطيف الْمحل عِنْده أَمينا مؤتمنا يطلعه على الْعِيَال والكرائم
وَكَانَ رجلا حَلِيمًا صَحِيح الْعقل عَالما بِمَا شَاهد علاجه وَرَآهُ عيَانًا بالمشرق
وَتوجه عِنْد الْمُسْتَنْصر بِاللَّه لِأَن الْمُسْتَنْصر كَانَ نهما فِي الْأكل وَكَانَ يحدث لَهُ فِي أكله تخمة لِكَثْرَة مَا كَانَ يتَنَاوَل من الْأكل وَكَانَ يصنع لَهُ الجوارشنات الحادة العجيبة وَكَانَ وَافقه فِي ذَلِك مُوَافقَة وَأفَاد مَالا عَظِيما
وَكَانَ ألكن اللِّسَان رَدِيء الْخط لَا يُقيم هجاء حُرُوف كِتَابه
وَكَانَ بَصيرًا بالأدوية المفردة وصانعا للأشربة والمعجونات ومعالجا لما وقف عَلَيْهِ
قَالَ ابْن جلجل وَرَأَيْت لَهُ اثْنَي عشر صَبيا صقالبة طباخين للأشربة صناعين للمعجونات بَين يَدَيْهِ
وَكَانَ قد اسْتَأْذن أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمُسْتَنْصر أَن يُعْطي مِنْهَا من احْتَاجَ من الْمَسَاكِين والمرضى فأباح لَهُ ذَلِك
وَكَانَ يداوي الْعين مداواة نفيسة
وَله بقرطبة آثَار فِي ذَلِك
وَكَانَ يواسي بِعِلْمِهِ صديقه وجاره وَالْمَسَاكِين والضعفاء
وولاه هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه خطة الشرطة وخطة السُّوق
وَمَات بحمى الرّبع وَعلة الإسهال
وَخلف عَمَّا قِيمَته أَزِيد من مائَة ألف دِينَار
стр. 474
إِسْحَق الطَّبِيب
وَالِد الْوَزير ابْن إِسْحَق مسيحي النحلة وَكَانَ مُقيما بقرطبة وَكَانَ صانعا بِيَدِهِ مجربا يحْكى لَهُ مَنَافِع عَظِيمَة وآثار عَجِيبَة وتحنك فاق بِهِ جَمِيع أهل دهره
وَكَانَ فِي أَيَّام الْأَمِير عبد الله الْأمَوِي
يحيى بن إِسْحَق
كَانَ طَبِيبا ذكيا عَالما بَصيرًا بالعلاج صانعا بِيَدِهِ وَكَانَ فِي صدر دولة عبد الرَّحْمَن النَّاصِر لدين الله واستوزره وَولي الولايات والعمالات وَكَانَ قَائِد بطليموس زَمَانا وَكَانَ لَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر مَحل كَبِير
كَانَ ينزله منزلَة الثِّقَة ويتطلع على الكرائم والخدم
وَألف فِي الطِّبّ كتابا يشْتَمل على خَمْسَة أسفار ذهب فِيهَا مَذْهَب الرّوم
وَكَانَ يحيى قد أسلم وَأما أَبوهُ إِسْحَق فَكَانَ نَصْرَانِيّا كَمَا تقدم ذكره
قَالَ ابْن جلجل حَدثنِي عَن يحيى بن إِسْحَق ثِقَة أَنه كَانَ عِنْده غُلَام للحاجب مُوسَى أَو للوزير عبد الْملك قَالَ قَالَ بَعَثَنِي إِلَيْهِ مولَايَ بِكِتَاب فَأَنا قَاعد عِنْد دَاره بِبَاب الْجَوْز إِذْ أقبل رجل بدوي على حمَار وَهُوَ يَصِيح فَأقبل حَتَّى وقف بِبَاب الدَّار
فَجعل يتَضَرَّع وَيَقُول أدركوني وَتَكَلَّمُوا إِلَى الْوَزير بخبري
إِذْ خرج إِلَى صُرَاخ الرجل وَمَعَهُ جَوَاب كِتَابه فَقَالَ للرجل مَا بالك يَا هَذَا فَقَالَ لَهُ أَيهَا الْوَزير ورم فِي أحليلي مَنَعَنِي الْبَوْل مُنْذُ أَيَّام كَثِيرَة وَأَنا فِي الْمَوْت
فَقَالَ لَهُ اكشف عَنهُ قَالَ فكشف عَنهُ فَإِذا هُوَ ورام
فَقَالَ لرجل كَانَ أقبل مَعَ العليل أطلب لي حجرا أملس
فَطَلَبه فَوَجَدَهُ وَأَتَاهُ بِهِ
فَقَالَ ضَعْهُ فِي كفك وضع عَلَيْهِ الأحليل
قَالَ فَقَالَ الْمخبر لي فَلَمَّا تمكن أحليل الرجل من الْحجر جمع الْوَزير يَده وَضرب على الأحليل ضَرْبَة غشي على الرجل مِنْهَا
ثمَّ انْدفع الصديد يجْرِي فَمَا استوفى الرجل جري صديد الورم حَتَّى فتح عَيْنَيْهِ ثمَّ بَال الْبَوْل فِي أثر ذَلِك
فَقَالَ لَهُ اذْهَبْ فقد بَرِئت من علتك وَأَنت رجل عائث واقعت بَهِيمَة فِي دبرهَا فصادفت شعيرَة من عَلفهَا لحجت فِي عين الإحليل فورم لَهَا وَقد خرجت فِي الصديد
فَقَالَ لَهُ الرجل قد فعلت هَذَا
وَأقر بذلك وَهَذَا يدل على حدس صَحِيح وقريحة صَادِقَة حسناء
وَقَالَ ابْن جلجل وَله نَادِر مَحْفُوظ فِي علاج النَّاصِر قَالَ عرض للناصر وجع فِي أُذُنه والوزير يَوْمئِذٍ قَائِد بطليوس فعولج مِنْهُ فَلم يفتر فَأمر النَّاصِر فِي الْخُرُوج فِيهِ فرانقا فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الفرانق استنطقه عَن الْحَاجة الَّتِي أوجبت الْخُرُوج فِيهِ
فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ عرض لَهُ فِي أُذُنه وجع أعيا الْأَطِبَّاء فعرج فِي طَرِيقه إِلَى بعض أديار النَّصَارَى وَسَأَلَ عَن عَالم هُنَاكَ فَوجدَ رجلا مسنا فَسَأَلَهُ هَل عنْدك من تجربة لوجع الْأذن فَقَالَ الشَّيْخ الراهب دم الْحمار حارا فوصل إِلَى أَمِير
стр. 475
الْمُؤمنِينَ وعالجه بِدَم الْحمار حارا كَمَا يسفح وَبرا
وَهَذَا بحث واستقصاء ودؤوب على التَّعْلِيم
وليحيى بن إِسْحَق من الْكتب كتاب كَبِير فِي الطِّبّ
سُلَيْمَان أَبُو بكر بن تَاج
كَانَ فِي دولة النَّاصِر وخدمه بالطب
وَكَانَ طبيا نبيلا وعالج أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر من رمد عرض لَهُ من يَوْمه بشيافه
وَطلب مِنْهُ نسخته بعد ذَلِك فَأبى أَن يميلها وعالج سععا صَاحب الْبَرِيد من ضيق النَّفس بلعوق فبرأ من يَوْمه بعد أَن أعيا علاجه الْأَطِبَّاء
وَكَانَ يعالج وجع الخاصرة بحب من حبه فَيبرأ الْوَقْت وَكَانَ ضنينا بنسخ الْأَدْوِيَة
وَله نَوَادِر فِي الطِّبّ كَثِيرَة
وَكَانَ أديبا فَاضلا حسن المحاضرة والمذاكرة وأدركه فِي آخر أيامة مرض القروح فِي أحليله فَلم يُمكنهُ دواؤه وعرفه الله الْقَادِر عَجزه فَقطع أحليله
وولاه أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر قَضَاء شذونة
ابْن أم الْبَنِينَ
سمي بالأعرف وَكَانَ من أهل مَدِينَة قرطبة وخدم أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر بصناعة الطِّبّ
وَكَانَ ينادمه وَكَانَت مَعَه فطنة فِي الطِّبّ
وَله نَوَادِر أنذر بهَا
وَكَانَ معجبا بِنَفسِهِ
وَكَانَ النَّاصِر رُبمَا استثقله لذَلِك وَرُبمَا اضْطر إِلَيْهِ لجودة فطنته
سعيد بن عبد ربه
هُوَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد ربه بن حبيب بن مُحَمَّد بن سَالم مولى الْأَمِير هِشَام الرضي بن عبد الرَّحْمَن الدَّاخِل بالأندلس وَهُوَ ابْن أخي أبي عَمْرو وَأحمد بن مُحَمَّد بن عبد ربه الشَّاعِر صَاحب كتاب العقد
وَكَانَت وَفَاة عَمه هَذَا أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد ربه فِي شهر جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة ومولده فِي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ لعشر خلون من شهر رَمَضَان
وَكَانَ سعيد بن عبد ربه طَبِيبا فَاضلا وشاعرا محسنا وَله فِي الطِّبّ رجز جليل محتو على جملَة حَسَنَة مِنْهُ دلّ بِهِ على تمكنه من الْعلم وتحققه لمذاهب القدماء وَكَانَ لَهُ مَعَ ذَلِك بصر بحركات الْكَوَاكِب وطبائعها ومهاب الرِّيَاح وَتغَير الأهوية وَكَانَ مذْهبه فِي مداواة الحميات أَن يخلط بالمبردات شَيْئا من وَله فِي ذَلِك مَذْهَب جميل وَلم يخْدم بالطب سُلْطَانا
وَكَانَ بَصيرًا بتقدمة
стр. 476
الْمعرفَة وتغيير الأهوية ومهب الرِّيَاح وحركة الْكَوَاكِب
قَالَ ابْن جلجل حَدثنِي عَنهُ سُلَيْمَان ابْن أَيُّوب الْفَقِيه قَالَ قَالَ اعتللت بحمة فطاولتني وأشرفت مِنْهَا إِذْ مر بِأبي وَهُوَ ناهض إِلَى صَاحب الْمَدِينَة أَحْمد بن عِيسَى فَقَامَ إِلَيْهِ وَقضى وَاجِب حَقه بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَن علتي واستخبر أبي عَمَّا عولجت بِهِ فسفه علاج من عالجني وَبعث إِلَى أبي بثماني عشرَة حَبَّة من حبوب مُدَوَّرَة وَأمر أَن أشْرب مِنْهَا كل يَوْم حَبَّة فَمَا استوعبتها حَتَّى أقلعت الْحمى وبرئت برأَ تَاما
وَعمي سعيد فِي آخر أَيَّامه
وَمن شعر سعيد بن عبد ربه أَنه افتصد يَوْمًا فَبعث إِلَى عَمه أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد ربه الشَّاعِر الأديب رَاغِبًا إِلَيْهِ فِي أَن يحضر عِنْده مؤانسا لَهُ فَلم يجبهُ عَمه إِلَى ذَلِك وَأَبْطَأ عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ
(لما عدمت مؤانسا وجليسا ... نادمت بقراطا وجالينوسا)
(وَجعلت كتبهما شِفَاء تفردي ... وهما الشِّفَاء لكل جرح يوسا)
(وَوجدت علمهما إِذا حصلته ... يذكي وَيحيى للجسوم نفوسا) الْكَامِل
فَلَمَّا وصل الشّعْر إِلَى عَمه جاوبه بِأَبْيَات مِنْهَا
(ألفيت بقراطا وجالينوسا ... لَا يأكلان ويرزآن جَلِيسا)
(فجعلتهم دون الْأَقَارِب جنَّة ... ورضيت مِنْهُم صاحبا وأنيسا)
(وأظن بخلك لَا يرى لَك تَارِكًا ... حَتَّى تنادم بعدهمْ أبليسا)
وَقَالَ سعيد بن عبد ربه أَيْضا فِي آخر عمره وَكَانَ جميل الْمَذْهَب منقبضا عَن الْمُلُوك
(أَمن بعد غوصي فِي عُلُوم الْحَقَائِق ... وَطول انبساطي فِي مواهب خالقي)
(وَفِي حِين أشرافي على ملكوته ... أرى طَالبا رزقا إِلَى غير رازقي)
(وَأَيَّام عمر الْمَرْء مُتْعَة سَاعَة ... تَجِيء حثيثا مثل لمحة بارق)
(وَقد أَذِنت نَفسِي بتقويض رَحلهَا ... وأسرع فِي سوقي إِلَى الْمَوْت سائقي)
(وَإِنِّي وَإِن أوغلت أَو سرت هَارِبا ... من الْمَوْت فِي الْآفَاق فالموت لاحقي) الطَّوِيل
ولسعيد بن عبد ربه من الْكتب كتاب الأقراباذين
تعاليق ومجربات فِي الطِّبّ
أرجوزة فِي الطِّبّ
عمر بن حَفْص بن برتق
كَانَ طَبِيبا فَاضلا قَارِئًا لِلْقُرْآنِ مطرب الصَّوْت وَكَانَ لَهُ رحْلَة إِلَى القيروان إِلَى أبي جَعْفَر ابْن الجزار لزمَه سِتَّة أشهر لَا غير
وَهُوَ أَدخل إِلَى الأندلس كتاب زَاد الْمُسَافِر ونبل بالأندلس وخدم
стр. 477
بالطب النَّاصِر
وَكَانَ نجم بن طرفه صَاحب البيازرة قد استخلصه لنَفسِهِ وَقَامَ بِهِ وأغناه وشاركه فِي كل دُنْيَاهُ وَلم يطلّ عمره
أصبغ بن يحيى
كَانَ مُتَقَدما فِي صناعَة الطِّبّ وخدم بهَا النَّاصِر وَألف لَهُ حب الأنيسون
وَكَانَ شَيخا وسيما بهيا سريا مُعظما عِنْد الرؤساء
مُحَمَّد بن تمليح
كَانَ رجلا ذَا وقار وسكينة وَمَعْرِفَة بالطب والنحو واللغة وَالشعر وَالرِّوَايَة
وخدم النَّاصِر بصناعة الطِّبّ
وَكَانَ الْمُقِيم برئاسته أَحْمد بن إلْيَاس الْقَائِد وولاه النَّاصِر خطْبَة الرَّد وَقَضَاء شذونة
وَله فِي الطِّبّ تأليف حسن الْإِشْكَال
وَأدْركَ صَدرا من دولة الحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وَكَانَ حظيا عِنْده وخدمه بصناعة الطِّبّ
قَالَ القَاضِي صاعد وولاه النّظر فِي بُنيان الزِّيَادَة من قبلي الْجَامِع بقرطبة فَتَوَلّى ذَلِك وكملت تَحت أشرافه وأمانته
وَرَأَيْت اسْمه مَكْتُوبًا بِالذَّهَب وَقطع الفسيفساء على حَائِط الْمِحْرَاب بهَا
وَإِن ذَلِك الْبُنيان كمل على يَدَيْهِ عَن أَمر الْخَلِيفَة الحكم فِي سنة ثَمَان وَخمسين وثلثمائة
ولمحمد بن تمليح من الْكتب كتاب فِي الطِّبّ
أَبُو الْوَلِيد بن الكتاني
هُوَ أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن الكتاني كَانَ عَالما بهيا سريا حُلْو اللِّسَان محبوبا من الْعَامَّة والخاصة لسخائه بِعِلْمِهِ ومواساته بِنَفسِهِ وَلم يكن يرغب فِي المَال وَلَا جمعه وَكَانَ لطيف المعاناة وخدم النَّاصِر والمستنصر بصناعة الطِّبّ وَمَات بعلة الاسْتِسْقَاء
أَبُو عبد الله بن الكتاني
هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بِابْن الكتاني كَانَ أَخذ الطِّبّ عَن عَمه مُحَمَّد بن الْحُسَيْن وطبقته وخدم بِهِ الْمَنْصُور بن أبي عَامر وَابْنه المظفر
ثمَّ انْتقل فِي صدر الْفِتْنَة إِلَى مَدِينَة سرقطسة واستوطنها وَكَانَ بَصيرًا بالطب مُتَقَدما فِيهِ ذَا حَظّ من الْمنطق والنجوم وَكثير من عُلُوم الفلسفة
قَالَ القَاضِي صاعد أَخْبرنِي عَنهُ الْوَزير أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْكَبِير بن وَافد اللَّخْمِيّ أَنه كَانَ دَقِيق الذِّهْن ذكي الخاطر جيد الْفَهم حسن التَّوْحِيد وَالتَّسْبِيح
стр. 478
وَكَانَ ذَا ثروة وغنى وَاسع وَتُوفِّي قَرِيبا من سنة عشْرين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ قد قَارب ثَمَانِينَ سنة
قَالَ وقرأت فِي بعض تآليفه أَنه أَخذ صناعَة الْمنطق عَن مُحَمَّد بن عبدون الْجبلي وَعمر بن يُونُس بن أَحْمد الْحَرَّانِي وَأحمد بن حفصون الفيلسوف وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم القَاضِي النَّحْوِيّ وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن مَسْعُود البجائي وَمُحَمّد بن مَيْمُون الْمَعْرُوف بمركوس وَأبي الْقَاسِم فيد بن نجم وَسَعِيد ابْن فتحون السَّرقسْطِي الْمَعْرُوف بالحمار وَأبي الْحَرْث الأسقف تلميذ ربيع بن زيد الأسقف الفيلسوف وَأبي مرين البجائي وَمُسلمُهُ بن أَحْمد المرحيطي
أَحْمد بن حَكِيم بن حفصون
كَانَ طَبِيبا عَالما جيد القريحة حسن الفطنة دَقِيق النّظر بَصيرًا بالْمَنْطق مشرفا على كثير من عُلُوم الفلسفة
وَكَانَ مُتَّصِلا بالحاجب جَعْفَر الصقلبي ومستوليا على خاصته فأوصله بالحكم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه وخدمه بالطب إِلَى أَن توفّي الْحَاجِب جَعْفَر فأسقط حِينَئِذٍ من ديوَان الْأَطِبَّاء وَبَقِي مخمولا إِلَى أَن توفّي وَمَات بعلة الإسهال
أَبُو بكر أَحْمد بن جَابر
كَانَ شَيخا فَاضلا فِي الطِّبّ حَلِيمًا عفيفا وخدم الْمُسْتَنْصر بِاللَّه بالطب وَأدْركَ صَدرا من دولة الْمُؤَيد وَكَانَ أَوْلَاد النَّاصِر جَمِيعهم يعتمدون على تَعْظِيمه وتبجيله وَمَعْرِفَة حَقه
وَكَانَ وجيها عِنْدهم مؤتمنا وَكَذَلِكَ عِنْد الرؤساء وَكَانَ أديبا فهما
وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة فِي الطِّبّ والمجامع والفلسفة
وَعمر زَمَانا طَويلا
أَبُو عبد الله الْملك الثَّقَفِيّ
كَانَ طَبِيبا أديبا عَالما بِكِتَاب أقليدس وبصناعة المساحة
وخدم النَّاصِر والمستنصر بصناعة الطِّبّ وَكَانَ أعرج
وَله فِي الطِّبّ نَوَادِر وولاه الْمُسْتَنْصر أَو النَّاصِر خزانَة السِّلَاح وَعمي فِي آخر عمره بِمَاء نزل فِي عَيْنَيْهِ وَمَات بعلة الاسْتِسْقَاء
هرون بن مُوسَى الأشبوني
كَانَ من شُيُوخ الْأَطِبَّاء وأخيارهم مؤتمنا مَشْهُورا بأعمال الْيَد وخدم النَّاصِر والمستنصر بصناعة الطِّبّ
مُحَمَّد بن عبدون الْجبلي العذري
رَحل إِلَى الْمشرق سنة سبع وَأَرْبَعين وثلثمائة وَدخل الْبَصْرَة وَلم يدْخل بَغْدَاد وأتى مَدِينَة فسطاط مصر ودبر مارستانها
وَمهر بالطب ونبل فِيهِ وَأحكم كثيرا من أُصُوله وعانى صناعَة الْمنطق عناية صَحِيحَة
وَكَانَ شَيْخه فِيهَا أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن بهْرَام السجسْتانِي الْبَغْدَادِيّ
وَرجع إِلَى
стр. 479
الأندلس سنة سِتِّينَ وثلثمائة وخدم بالطب الْمُسْتَنْصر بِاللَّه والمؤيد بِاللَّه وَكَانَ قبل أَن يتطبب مؤدبا بِالْحِسَابِ والهندسة وَله فِي التكسير كتاب حسن
قَالَ القَاضِي صاعد وَأَخْبرنِي أَبُو عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد بن البعوش الطليطلي أَنه لم يلق فِي قرطبة أَيَّام طلبه فِيهَا من يلْحق بِمُحَمد بن عبدون الْجبلي فِي صناعَة الطِّبّ وَلَا يجاريه فِي ضَبطهَا وَحسن دربته فِيهَا وَأَحْكَامه لغوامضها
ولمحمد بن عبدون من الْكتب كتاب فِي التكسير
عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَق بن الْهَيْثَم
من أَعْيَان أطباء الأندلس وفضلائها وَكَانَ من أهل قرطبة
وَله من الْكتب كتاب الْكَمَال والتمام فِي الْأَدْوِيَة المسهلة والمقيئة
كتاب الِاقْتِصَار والإيجاد فِي خطا ابْن الجزار فِي الِاعْتِمَاد
كتاب الِاكْتِفَاء بالدواء من خَواص الْأَشْيَاء صنفه للحاجب الْقَائِد أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر
كتاب السمائم
ابْن جلجل
هُوَ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَان بن حسان يعرف بِابْن جلجل وَكَانَ طَبِيبا فَاضلا خَبِيرا بالمعالجات جيد التَّصَرُّف فِي صناعَة الطِّبّ
وَكَانَ فِي أَيَّام هِشَام الْمُؤَيد بِاللَّه
وخدمه بالطب وَله بَصِيرَة واعتناء بقوى الْأَدْوِيَة المفردة وَقد فسر أَسمَاء الْأَدْوِيَة المفردة من كتاب ديسقوريدس الْعين زَرْبِي وأفصح عَن مكنونها وأوضح مستغلق مضمونها وَهُوَ يَقُول فِي أول كِتَابه هَذَا إِن كتاب ديسقوريدس ترْجم بِمَدِينَة السَّلَام فِي الدولة العباسية فِي أَيَّام جَعْفَر المتَوَكل وَكَانَ المترجم لَهُ اصطفن بن بسيل الترجمان من اللِّسَان اليوناني إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ وتصفح ذَلِك حنين بن إِسْحَق المترجم فصحح التَّرْجَمَة وأجازها فَمَا علم اصطفن من تِلْكَ الْأَسْمَاء اليونانية فِي وقته لَهُ اسْما فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ فسره بِالْعَرَبِيَّةِ وَمَا لم يعلم لَهُ فِي اللِّسَان الْعَرَبِيّ اسْما تَركه فِي الْكتاب على اسْمه اليوناني اتكالا مِنْهُ على أَن يبْعَث الله بعده من يعرف ذَلِك ويفسره بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ إِذْ التَّسْمِيَة لَا تكون بالتواطؤ من أهل كل بلد على أَعْيَان الْأَدْوِيَة بِمَا رَأَوْا وَأَن يسموا ذَلِك إِمَّا باشتقاق وَإِمَّا بِغَيْر ذَلِك من تواطئهم على التَّسْمِيَة فاتكل اصطفن على شخوص يأْتونَ بعده مِمَّن قد عرف أَعْيَان الْأَدْوِيَة الَّتِي لم يعرف هُوَ لَهَا اسْما فِي وقته فيسميها على قدر مَا سمع فِي ذَلِك الْوَقْت فَيخرج إِلَى الْمعرفَة
قَالَ ابْن جلجل وَورد هَذَا الْكتاب إِلَى الأندلس وَهُوَ على تَرْجَمَة اصطفن مِنْهُ مَا عرف لَهُ اسْما بِالْعَرَبِيَّةِ وَمِنْه مَا لم يعرف لَهُ اسْما
فَانْتَفع النَّاس بِالْمَعْرُوفِ مِنْهُ بالمشرق وبالأندلس إِلَى أَيَّام النَّاصِر عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد وَهُوَ يَوْمئِذٍ صَاحب الأندلس
فكاتبه أرمانيوس الْملك ملك قسطنطينية
стр. 480
فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وهاداه بِهَدَايَا لَهَا قدر عَظِيم فَكَانَ فِي جملَة هديته كتاب دسقوريدس مُصَور الحشائش بالتصوير الرُّومِي العجيب
وَكَانَ الْكتاب مَكْتُوبًا بالإغريقي الَّذِي هُوَ اليوناني وَبعث مَعَه كتاب هروسيس صَاحب الْقَصَص وَهُوَ تَارِيخ للروم عَجِيب فِيهِ أَخْبَار الدهور وقصص الْمُلُوك الأول وفوائد عَظِيمَة
وَكتب أرمانيوس فِي كِتَابه إِلَى النَّاصِر إِن كتاب ديسقوريدس لَا تجتنى فَائِدَته إِلَّا بِرَجُل يحسن الْعبارَة بِاللِّسَانِ اليوناني وَيعرف أشخاص تِلْكَ الْأَدْوِيَة فَإِن كَانَ فِي بلدك من يحسن ذَلِك فزت أَيهَا الْملك بفائدة الْكتاب وَأما كتاب هروسيس فعندك فِي بلدك من اللطينيين من يقرأه بِاللِّسَانِ اللطيني وَإِن كشفتهم عَنهُ نقلوه لَك من اللطيني إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ
قَالَ ابْن جلجل وَلم يكن يَوْمئِذٍ بقرطبة من نَصَارَى الأندلس من يقْرَأ اللِّسَان الأغريقي الَّذِي هُوَ اليوناني الْقَدِيم فَبَقيَ كتاب ديسقوريدس فِي خزانَة عبد الرَّحْمَن النَّاصِر بِاللِّسَانِ الإغريقي وَلم يترجم إِلَى اللِّسَان الْعَرَبِيّ وَبَقِي الْكتاب بالأندلس
وَالَّذِي بَين أَيدي النَّاس بترجمة أسطفن الْوَارِدَة من مَدِينَة السَّلَام بَغْدَاد
فَلَمَّا جاوب النَّاصِر أرمانيوس الْملك سَأَلَهُ أَن يبْعَث إِلَيْهِ بِرَجُل يتَكَلَّم بالإغريقي واللطيني ليعلم لَهُ عبيدا يكونُونَ مترجمين فَبعث أرمانيوس الْملك إِلَى النَّاصِر براهب كَانَ يُسمى نقولا فوصل إِلَى قرطبة سنة أَرْبَعِينَ وثلثمائة وَكَانَ يَوْمئِذٍ بقرطبة من الْأَطِبَّاء قوم لَهُم بحث وتفتيش وحرص على اسْتِخْرَاج مَا جهل من أَسمَاء عقاقير كتاب ديسقوريدس إِلَى الْعَرَبيَّة وَكَانَ أبحثهم وأحرصهم على ذَلِك من جِهَة التَّقَرُّب إِلَى الْملك عبد الرَّحْمَن النَّاصِر حسداي بن بِشُرُوط الإسرائيلي وَكَانَ نقولا الراهب عِنْده أحظى النَّاس وأخصهم بِهِ
وَفسّر من أَسمَاء عقاقير كتاب ديسقوريدس مَا كَانَ مَجْهُولا وَهُوَ أول من عمل بقرطبة ترياق الْفَارُوق على تَصْحِيح الشجارية الَّتِي فِيهِ
وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت من الْأَطِبَّاء الباحثين عَن تَصْحِيح أَسمَاء عقاقير الْكتاب وَتَعْيِين أشخاصه مُحَمَّد الْمَعْرُوف بالشجار وَرجل كَانَ يعرف بالبسباسي وَأَبُو عُثْمَان الجزار الملقب باليابسة وَمُحَمّد بن سعيد الطَّبِيب وَعبد الرَّحْمَن بن إِسْحَق بن هَيْثَم وَأَبُو عبد الله الصّقليّ وَكَانَ يتَكَلَّم باليونانية وَيعرف أشخاص الْأَدْوِيَة
قَالَ ابْن جلجل وَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفر كلهم فِي زمَان وَاحِد مَعَ نقولا الراهب أَدْرَكته وَأدْركت نقولا الراهب فِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر وصحتهم فِي أَيَّام الْمُسْتَنْصر الحكم
وَفِي صدر دولته مَاتَ نقولا الراهب فصح ببحث هَؤُلَاءِ النَّفر الباحثين عَن أَسمَاء عقاقير كتاب ديسقوريدس تَصْحِيح الْوُقُوف على أشخاصها بِمَدِينَة قرطبة خَاصَّة بِنَاحِيَة الأندلس مَا أَزَال الشَّك فِيهَا عَن الْقُلُوب وَأوجب الْمعرفَة بهَا بِالْوُقُوفِ على أشخاصها وَتَصْحِيح النُّطْق بأسمائها بِلَا تَصْحِيف إِلَّا الْقَلِيل مِنْهَا الَّذِي لَا بَال بِهِ وَلَا خطر لَهُ
وَذَلِكَ يكون فِي مثل عشرَة أدوية
قَالَ وَكَانَ لي فِي معرفَة تَصْحِيح هيولى الطِّبّ الَّذِي هُوَ أصل الْأَدْوِيَة المركبة حرص شَدِيد وَبحث
стр. 481
عَظِيم حَتَّى وهبني الله من ذَلِك بفضله بِقدر مَا اطلع عَلَيْهِ من نيتي فِي إحْيَاء مَا خفت يدرس وَتذهب منفعَته لأبدان النَّاس فَالله قد خلق الشِّفَاء وبثه فِيمَا انبتته الأَرْض وَاسْتقر عَلَيْهَا من الْحَيَوَان المشاء والسابح فِي المَاء والمنساب وَمَا يكون تَحت الأَرْض فِي جوفها من المعدنية كل ذَلِك فِيهِ شِفَاء وَرَحْمَة ورفق
وَلابْن جلجل من الْكتب كتاب تَفْسِير أَسمَاء الْأَدْوِيَة المفردة من كتاب ديسقوريدس أَلفه فِي شهر ربيع الآخر سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وثلثمائة بِمَدِينَة قرطبة فِي دولة هِشَام بن الحكم الْمُؤَيد بِاللَّه
مقَالَة فِي ذكر الْأَدْوِيَة الَّتِي لم يذكرهَا ديسقوريدس فِي كِتَابه مِمَّا يسْتَعْمل فِي صناعَة الطِّبّ وَينْتَفع بِهِ وَمَا لَا يسْتَعْمل لكيلا يغْفل ذكره
وَقَالَ ابْن جلجل أَن ديسقوريدس اغفل ذَلِك وَلم يذكرهُ إِمَّا لِأَنَّهُ لم يره وَلم يُشَاهِدهُ عيَانًا وَإِمَّا لِأَن ذَلِك كَانَ غير مُسْتَعْمل فِي دهره وَأَبْنَاء جنسه
رِسَالَة التَّبْيِين فِيمَا غلط فِيهِ بعض المتطبيين
كتاب يتَضَمَّن ذكر شَيْء من أَخْبَار الْأَطِبَّاء والفلاسفة ألف فِي أَيَّام الْمُؤَيد بِاللَّه
أَبُو الْعَرَب يُوسُف بن مُحَمَّد
أحد المتحققين بصناعة الطِّبّ والراسخين فِي علمه
قَالَ القَاضِي صاعد حَدثنِي الْوَزير أَبُو الْمطرف ابْن وَافد وَأَبُو عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد بن البغونش إِنَّه كَانَ محكا لأصول الطِّبّ نَافِذا فِي فروعه حسن التَّصَرُّف فِي أَنْوَاعه
قَالَ وَسمعت غَيرهمَا يَقُول لم يكن أحد بعد مُحَمَّد بن عبدون يوازي أَبُو الْعَرَب فِي قِيَامه بصناعة الطِّبّ ونفوذه فِيهَا
وَكَانَ غلب عَلَيْهِ فِي آخر عمره حب الْخمر فَكَانَ لَا يُوجد صَاحِيًا وَلَا يرى مفيقا من خمار وَحرم بذلك النَّاس كثيرا من الِانْتِفَاع بِهِ وبعلمه
وَتُوفِّي وَقد قَارب تسعين سنة وَذَلِكَ بعد ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة
ابْن البغونش
هُوَ أَبُو عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد بن البغونش
قَالَ القَاضِي صاعد كَانَ من أهل طليطلة ثمَّ رَحل إِلَى قرطبة لطلب الْعلم بهَا فَأخذ عَن مسلمة بن أَحْمد علم الْعدَد والهندسة وَعَن مُحَمَّد بن عبدون الْجبلي وَسليمَان بن جلجل وَابْن الشناعة ونظرائهم علم الطِّبّ
ثمَّ انْصَرف إِلَى طليطلة واتصل بهَا بأميرها الظافر إِسْمَعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَعِيل بن عَامر بن مطرف بن ذِي النُّون وحظي عِنْده وَكَانَ أحد مديري دولته
قَالَ ولقيته أَنا فِيهَا بعد ذَلِك فِي صدر دولة الْمَأْمُون ذِي الْمجد بن يحيى بن الظافر إِسْمَعِيل بن ذِي النُّون وَقد ترك قِرَاءَة الْعُلُوم وَأَقْبل على قِرَاءَة الْقُرْآن وَلزِمَ دَاره والانقباض عَن النَّاس فَلَقِيت مِنْهُ رجلا عَاقِلا جميل الذّكر وَالْمذهب حسن السِّيرَة نظيف الثِّيَاب ذَا كتب جليلة فِي أَنْوَاع الفلسفة وضروب الْحِكْمَة
وتبينت مِنْهُ أَنه قَرَأَ الهندسة وفهمها وَقَرَأَ الْمنطق وَضبط كثيرا مِنْهُ ثمَّ أعرض عَن ذَلِك وتشاغل بكتب جالينوس وَجَمعهَا وتناولها بِتَصْحِيحِهِ
стр. 482
ومعاناته فَحصل بِتِلْكَ الْعِنَايَة على فهم كثير مِنْهَا
وَلم تكن لَهُ دربة بعلاج المرضى وَلَا طبيعة نَافِذَة فِي فهم الْأَمْرَاض
وَتُوفِّي عِنْد صَلَاة الصُّبْح من يَوْم الثُّلَاثَاء أول يَوْم من رَجَب سنة أَربع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة
وَأَخْبرنِي أَنه ولد سنة تسع وَسِتِّينَ وثلثمائة
فَكَانَ إِذْ توفّي ابْن خمس وَسبعين سنة
ابْن وَافد
هُوَ الْوَزير أَبُو الْمطرف عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الْكَبِير بن يحيى بن وَافد بن مهند اللَّخْمِيّ أحد أَشْرَاف أهل الأندلس وَذَوي السّلف الصَّالح مِنْهُم والسابقة الْقَدِيمَة فيهم
عَنى عناية بَالِغَة بِقِرَاءَة كتب جالينوس وتفهمها ومطالعة كتب أرسطوطاليس وَغَيره من الفلاسفة
قَالَ القَاضِي صاعد وتمهر بِعلم الْأَدْوِيَة المفردة حَتَّى ضبط مِنْهَا مَا لم يضبطه أحد فِي عصره وَألف فِيهَا كتابا جَلِيلًا لَا نَظِير لَهُ جمع فِيهِ مَا تضمن كتاب ديسقوريدس وَكتاب جالينوس المؤلفان فِي الْأَدْوِيَة المفردة ورتبه أحسن تَرْتِيب
قَالَ وَأَخْبرنِي أَنه عانى جمعه وحاول ترتيبه وَتَصْحِيح مَا ضمنه من أَسمَاء الْأَدْوِيَة وصفاتها وأودعه إِيَّاه من تَفْصِيل قواها وتحديد درجاتها نَحوا من عشْرين سنة حَتَّى كمل مُوَافقا لغرضه وَتمّ مطابقا لبغيته
وَله فِي الطِّبّ منزع لطيف وَمذهب نبيل وَذَلِكَ أَنه كَانَ لَا يرى التَّدَاوِي بالأدوية مَا أمكن التَّدَاوِي بالأغذية أَو مَا كَانَ قَرِيبا مِنْهَا فَإِذا دعت الضَّرُورَة إِلَى الْأَدْوِيَة فَلَا يرى التَّدَاوِي بمركبها مَا وصل إِلَى التَّدَاوِي بمفردها فَإِن اضْطر إِلَى الْمركب مِنْهَا لم يكثر التَّرْكِيب بل اقْتصر على الْأَقَل مَا يُمكنهُ مِنْهُ
وَله نَوَادِر مَحْفُوظَة وغرائب مَشْهُورَة فِي الْإِبْرَاء من الْعِلَل الصعبة والأمراض المخوفة بأيسر العلاج وأقربه
واستوطن مَدِينَة طليطلة وَكَانَ فِي أَيَّام ابْن ذِي النُّون
ومولد ابْن وَافد فِي ذِي الْحجَّة من سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلثمائة وَكَانَ فِي الْحَيَاة فِي سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة
وَلابْن وَافد من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة
كتاب الوساد فِي الطِّبّ
مجربات فِي الطِّبّ
كتاب تدقيق النّظر فِي علل حاسة الْبَصَر
كتاب المغيث
الرميلي
هُوَ وَكَانَ بالمرية فِي أَيَّام ابْن معن الْمَعْرُوف بَان صمادح ويلقب بالمعتصم بِاللَّه
وَقَالَ أَبُو يحيى اليسع بن عِيسَى بن حزم بن اليسع فِي كتاب الْمغرب عَن محَاسِن أهل الْمغرب إِن الرميلي صَحبه توفيق يساعده ويصعده وَيُقِيم لَهُ الجاه ويقعده مَعَ دربة جرى بهَا فَأدْرك وَقِيَاس حَرَكَة للمحاورة فَتحَرك فَأصْبح يقْتَدى بنسخه ويتنافس فِي مستصرخه ويتوسل إِلَيْهِ برئاسة
стр. 483
نفس لَا ترْضى بدنية وَلَا تعامل إِلَّا بِالْحُرِّيَّةِ
وَرُبمَا عالج فِي بعض أوقاته المستورين بِمَالِه أدوية وأغذية فَأَحبهُ الْبعيد والقريب وَأصْبح مَا لَهُ إِلَّا حميم أَو حبيب حَتَّى أودت بِهِ الْأَيَّام فاقدة إحسانه نادبة مَكَانَهُ
وللرميلي من الْكتب كتاب الْبُسْتَان فِي الطِّبّ
ابْن الذَّهَبِيّ
هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْأَزْدِيّ وَيعرف بِابْن الذَّهَب أحد المعتنين بصناعة الطِّبّ ومطالعة كتب الفلاسفة وَكَانَ كلفا بصناعة الكيمياء مُجْتَهدا فِي طلبَهَا
وَتُوفِّي ببلنسية فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة
وَلابْن الذَّهَبِيّ من الْكتب مقَالَة فِي أَن المَاء لَا يغذو
ابْن النباش
هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن حَامِد البجائي وَيعرف بِابْن النباش معتن بصناعة الطِّبّ مواظب لعلاج المرضى ذُو معرفَة جَيِّدَة بِالْعلمِ الطبيعي وَله أَيْضا نظر ومشاركة فِي سَائِر الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَكَانَ مُقيما بِجِهَة مرسية
أَبُو جَعْفَر بن خَمِيس الطليطلي
قَرَأَ كتب جالينوس على مراتبها وَتَنَاول صناعَة الطِّبّ من طرقها وَكَانَت لَهُ رَغْبَة كَثِيرَة فِي معرفَة الْعلم الرياضي والاشتغال بِهِ
أَبُو الْحسن عبد الرَّحْمَن بن خلف بن عَسَاكِر الدَّارمِيّ
اعتنى بكتب جالينوس عناية صَحِيحَة وَقَرَأَ كثيرا مِنْهَا على أبي عُثْمَان سعيد بن مُحَمَّد بن بغونش واشتغل أَيْضا بصناعة الهندسة والمنطق وَغير ذَلِك وَكَانَت لَهُ عبارَة بَالِغَة وطبع فَاضل فِي المعاناة ومنزع حسن فِي العلاج وَله تصرف فِي دروب من الْأَعْمَال اللطيفة والصناعات الدقيقة
ابْن الْخياط
هُوَ أَبُو بكر يحيى بن أَحْمد وَيعرف بِابْن الْخياط كَانَ أحد تلاميذ أبي الْقَاسِم مسلمة بن أَحْمد المرحيطي فِي علم الْعدَد والهندسة ثمَّ مَال إِلَى أَحْكَام النُّجُوم وبرع فِيهَا واشتهر بعلمها وخدم بهَا سُلَيْمَان بن حكم بن النَّاصِر لدين الله فِي زمن الْفِتْنَة وَغَيره من الْأُمَرَاء وَآخر من خدم بذلك الْأَمِير
стр. 484
الْمَأْمُون يحيى بن إِسْمَاعِيل بن ذِي النُّون وَكَانَ مَعَ ذَلِك معتنيا بصناعة الطِّبّ دَقِيق العلاج حصيفا حَلِيمًا دمثا حسن السِّيرَة كريم الْمَذْهَب وَتُوفِّي بطليطلة سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَقد قَارب ثَمَانِينَ سنة
منجم بن الفوال
يَهُودِيّ من سكان سرقسطة وَكَانَ مُتَقَدما فِي صناعَة الطِّبّ متصرفا مَعَ ذَلِك فِي علم الْمنطق وَسَائِر عُلُوم الفلسفة
ولمنجم بن الفوال من الْكتب كتاب كنز الْمقل على طَرِيق الْمَسْأَلَة وَالْجَوَاب وَضَمنَهُ جملا من قوانين الْمنطق وأصول الطبيعة
مَرْوَان بن جنَاح
كَانَ أَيْضا يَهُودِيّا وَله عناية بصناعة الْمنطق والتوسع فِي علم لِسَان الْعَرَب وَالْيَهُود وَمَعْرِفَة جَيِّدَة بصناعة الطِّبّ
وَله من الْكتب كتاب التَّلْخِيص وَقد ضمنه تَرْجَمَة الْأَدْوِيَة المفردة وتحديد الْمَقَادِير المستعملة فِي صناعَة الطِّبّ من الأوزان والمكاييل
إِسْحَاق بن قسطار
كَانَ أَيْضا يَهُودِيّا وخدم الْمُوفق مُجَاهدًا العامري وَابْنه إقبال الدولة عليا
وَكَانَ إِسْحَاق بَصيرًا بأصول الطِّبّ مشاركا فِي علم الْمنطق مشرفا على آراء الفلاسفة
وَكَانَ وافر الْعقل جميل الْأَخْلَاق
وَله تقدم فِي علم اللُّغَة العبرانية بارعا فِي فقه الْيَهُود حبرًا من أَحْبَارهم وَلم يتَّخذ قطّ امْرَأَة
وَتُوفِّي بطليطلة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَله من الْعُمر خمس وَسَبْعُونَ سنة
حسداي بن إِسْحَاق
معتن بصناعة الطِّبّ وخدم الحكم بن عبد الرَّحْمَن النَّاصِر لدين الله وَكَانَ حسداي بن إِسْحَاق من أَحْبَار الْيَهُود مُتَقَدما فِي علم شريعتهم وَهُوَ أول من فتح لأهل الأندلس مِنْهُم بَاب علمهمْ من الْفِقْه والتاريخ وَغير ذَلِك
وَكَانُوا قبل يضطرون فِي فقه دينهم وسني تاريخهم ومواقيت أعيادهم إِلَى يهود بَغْدَاد فيستجلبون من عِنْدهم حِسَاب عدَّة من السنين يتعرفون بِهِ مدَاخِل تاريخهم ومبادئ سنيهم
فَلَمَّا اتَّصل حسداي بالحكم ونال عِنْده نِهَايَة الحظوة توصل بِهِ إِلَى استجلاب مَا شَاءَ من تآليف الْيَهُود بالمشرق فَعلم حِينَئِذٍ يهود الأندلس مَا كَانُوا قبل يجهلونه واستغنوا عَمَّا كَانُوا يتجشمون الكلفة فِيهِ
стр. 485
أَبُو الْفضل حسداي بن يُوسُف بن حسداي
من سَاكِني مَدِينَة سرقطسة وَمن بَيت شرف الْيَهُود بالأندلس من ولد مُوسَى النَّبِي ﵇
عني بالعلوم على مراتبها وَتَنَاول المعارف من طرقها فأحكم علم لِسَان الْعَرَب ونال حظا جزيلا من صناعَة الشّعْر والبلاغة وبرع فِي علم الْعدَد والهندسة وَعلم النُّجُوم وَفهم صناعَة الموسيقى وحاول عَملهَا وأتقن علم الْمنطق وتمرن بطرق الْبَحْث وَالنَّظَر واشتغل أَيْضا بِالْعلمِ الطبيعي وَكَانَ لَهُ نظر فِي الطِّبّ وَكَانَ فِي سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فِي الْحَيَاة وَهُوَ فِي سنة الشبيبة
أَبُو جَعْفَر يُوسُف بن أَحْمد بن حسداي
من الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ وَله عناية بَالِغَة فِي الِاطِّلَاع على كتب أبقراط وجالينوس وفهمها
وَكَانَ قد سَافر من الأندلس إِلَى الديار المصرية
واشتهر ذكره بهَا وتميز فِي أَيَّام الْآمِر بِأَحْكَام الله من الْخُلَفَاء المصريين وَكَانَ خصيصا بالمأمون وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن نور الدولة أبي شُجَاع الآمري فِي مُدَّة أَيَّام دولته وتدبيره للْملك
وَكَانَت معدنه فِي ذَلِك ثَلَاث سِنِين وَتِسْعَة أشهر لِأَن الْآمِر كَانَ قد استوزر الْمَأْمُون فِي الْخَامِس من ذِي الْحجَّة سنة خمس عشرَة وَخَمْسمِائة وَقبض عَلَيْهِ لَيْلَة السبت الرَّابِع من شهر رَمَضَان سنة تسع عشرَة وَخَمْسمِائة فِي الْقصر بعد صَلَاة الْمغرب
ثمَّ قتل بعد ذَلِك فِي رَجَب سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَخَمْسمِائة وصلب بِظَاهِر الْقَاهِرَة
وَكَانَ الْمَأْمُون فِي أَيَّام وزارته لَهُ همة عالية ورغبة فِي الْعُلُوم فَكَانَ قد أَمر يُوسُف بن أَحْمد بن حسداي أَن يشْرَح لَهُ كتب أبقراط إِذْ كَانَت أجل كتب هَذِه الصِّنَاعَة وَأَعْظَمهَا جدوى وأكثرها غموضا
وَكَانَ ابْن حسداي قد شرع فِي ذَلِك وَوجدت لَهُ مِنْهُ شرح كتاب الْأَيْمَان لأبقراط وَقد أَجَاد فِي شَرحه لهَذَا الْكتاب واستقصى ذكر مَعَانِيه وتبيينها على أتم مَا يكون وَأحسنه
وَوجدت لَهُ أَيْضا شرح بعض كتاب الْفُصُول لأبقراط وَكَانَ بَينه وَبَين أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى الْمَعْرُوف بِابْن باجة صداقة فَكَانَ أبدا يراسله من الْقَاهِرَة
وَكَانَ يُوسُف بن أَحْمد بن حسداي مدمنا للشراب وَعِنْده دعابة ونوادر
وَبَلغنِي عَنهُ أَنه لما أَتَى من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى الْقَاهِرَة كَانَ هُوَ وَبَعض الصُّوفِيَّة قد اصْطَحَبَا فِي الطَّرِيق فَكَانَا يتحادثان وَأنس كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الآخر وَلما وصلا إِلَى الْقَاهِرَة قَالَ لَهُ الصُّوفِي أَنْت أَيْن تنزل فِي الْقَاهِرَة حَتَّى أكون أَرَاك فَقَالَ مَا كَانَ فِي خاطري أَن أنزل إِلَّا حانة الْخمار وأشرب فَإِن كنت توَافق وَتَأْتِي إِلَيّ فرأيك
فصعب قَوْله على الصُّوفِي وَأنكر هَذَا الْفِعْل وَمَشى إِلَى الخانكاه
وَلما كَانَ فِي بعض
стр. 486
الْأَيَّام بعد مديدة وَابْن حسداي فِي السُّوق وَإِذا بِجمع من النَّاس وَفِي وَسطهمْ صوفي يُعَزّر وَقد اشْتهر أمره بِأَنَّهُ وجد سَكرَان وَلما قرب إِلَى الْموضع الَّذِي فِيهِ ابْن حسداي وَنظر إِلَيْهِ وجده ذَلِك الصُّوفِي بِعَيْنِه
فَقَالَ يَا لله قَتلك النامس
وليوسف بن أَحْمد بن حسداي من الْكتب الشَّرْح المأموني لكتاب الْأَيْمَان لأبقراط الْمَعْرُوف بعهده إِلَى الْأَطِبَّاء صنفه لِلْمَأْمُونِ أبي عبد الله مُحَمَّد الآمري
شرح الْمقَالة الأولى من كتاب الْفُصُول لأبقراط
تعاليق وجدت بِخَطِّهِ كتبهَا عِنْد وُرُوده على الْإسْكَنْدَريَّة من الأندلس
فَوَائِد مستخرجة استخرجها وهذبها من شرح عَليّ بن رضوَان لكتاب جالينوس إِلَى أغلوقن من القَوْل على أول الصِّنَاعَة الصَّغِيرَة لِجَالِينُوسَ
كتاب الأجمال فِي الْمنطق
شرح كتاب الأجمال
ابْن سمجون
وَهُوَ أَبُو بكر حَامِد بن سمجون فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ متميز فِي قوى الْأَدْوِيَة المفردة وأفعالها متقن لما يجب من مَعْرفَتهَا
وَكتابه فِي الْأَدْوِيَة المفردة مَشْهُور بالجودة وَقد بَالغ فِيهِ وأجهد نَفسه فِي تأليفه وَاسْتوْفى فِيهِ كثيرا من آراء الْمُتَقَدِّمين فِي الْأَدْوِيَة المفردة
وَقَالَ أَبُو يحيى اليسع بن عِيسَى بن حزم بن اليسع فِي كتاب الْمغرب عَن محَاسِن أهل الْمغرب أَن ابْن سمجون ألف كِتَابه هَذَا فِي أَيَّام الْمَنْصُور الْحَاجِب مُحَمَّد بن أبي عَامر
أَقُول وَكَانَت وَفَاة مُحَمَّد بن أبي عَامر فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلثمائة
وَلابْن سمجون من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة
كتاب الأقراباذين
الْبكْرِيّ
هُوَ أَبُو عبيد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ من مرسيه من أَعْيَان أهل الأندلس وأكابرهم فَاضل فِي معرفَة الْأَدْوِيَة المفردة وقواها ومنافعها وأسمائها ونعوتها وَمَا يتَعَلَّق بهَا
وَله من الْكتب كتاب أَعْيَان النَّبَات والشجريات الأندلسيه
الغافقي
س
هُوَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن السَّيِّد الغافقي
إِمَام فَاضل وَحَكِيم عَالم ويعد من الأكابر فِي الأندلس
وَكَانَ أعرف أهل زَمَانه بقوى الْأَدْوِيَة المفردة ومنافعها وخواصها وأعيانها وَمَعْرِفَة أسمائها
وَكتابه فِي الْأَدْوِيَة المفردة لَا نَظِير لَهُ فِي الْجَوْدَة وَلَا شَبيه لَهُ فِي مَعْنَاهُ
قد استقصى فِيهِ مَا ذكره ديسقوريدس والفاضل جالينوس بأوجز لفظ وَأتم معنى ثمَّ ذكر بعد قوليهما مَا تجدّد للمتأخرين من الْكَلَام فِي الْأَدْوِيَة المفردة أَو مَا ألم بِهِ وَاحِد وَاحِد مِنْهُم وعرفه فِيمَا بعد
стр. 487
فجَاء كِتَابه جَامعا لما قَالَه الأفاضل فِي الْأَدْوِيَة المفردة ودستورا يرجع إِلَيْهِ فِيمَا يحْتَاج إِلَى تَصْحِيحه مِنْهَا
وللغافقي من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة
الشريف مُحَمَّد بن مُحَمَّد الحسني
هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن إِدْرِيس الحسني ويلقب بالعالي بِاللَّه
كَانَ فَاضلا عَالما بقوى الْأَدْوِيَة المفردة ومنافعها ومنابتها وأعيانها
وَله من الْكتب
كتاب الْأَدْوِيَة المفردة
خلف بن عَبَّاس الزهراوي
كَانَ طَبِيبا فَاضلا خَبِيرا بالأدوية المفردة والمركبة جيد العلاج
وَله تصانيف مَشْهُورَة فِي صناعَة الطِّبّ وأفضلها كِتَابه الْكَبِير الْمَعْرُوف بالزهراوي
ولخلف بن عَبَّاس الزهراوي من الْكتب كتاب التصريف لمن عجز عَن التَّأْلِيف وَهُوَ أكبر تصانيفه وأشهرها وَهُوَ كتاب تَامّ فِي مَعْنَاهُ
ابْن بكلارش
كَانَ يَهُودِيّا من أكَابِر عُلَمَاء الأندلس فِي صناعَة الطِّبّ وَله خبْرَة واعتناء بَالغ بالأدوية المفردة
وخدم بصناعة الطِّبّ بني هود
وَلابْن بكلارش من الْكتب كتاب المجدولة فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَضعه مجدولا وألفه بِمَدِينَة المرية للمستعين بِاللَّه أبي جَعْفَر أَحْمد بن المؤتمن بِاللَّه بن هود
أَبُو الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز بن أبي الصَّلْت
هُوَ من بلد دانية من شَرق الأندلس وَهُوَ من أكَابِر الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي غَيرهَا من الْعُلُوم وَله التصانيف الْمَشْهُورَة والمآثر الْمَذْكُورَة
قد بلغ فِي صناعَة الطِّبّ مبلغا لم يصل إِلَيْهِ غَيره من الْأَطِبَّاء وَحصل من معرفَة الْأَدَب مَا لم يُدْرِكهُ كثير من سَائِر الأدباء
وَكَانَ أوحد فِي الْعلم الرياضي متقنا لعلم الموسيقى وَعَمله جيد اللّعب بِالْعودِ
وَكَانَ لطيف النادرة فصيح اللِّسَان جيد الْمعَانِي
ولشعره رونق
وأتى أَبُو الصَّلْت من الأندلس إِلَى ديار مصر وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة
ثمَّ عَاد بعد ذَلِك إِلَى الأندلس
وَكَانَ دُخُول أبي الصَّلْت إِلَى مصر فِي حُدُود سنة عشر وَخَمْسمِائة
وَلما كَانَ فِي الْإسْكَنْدَريَّة حبس بهَا
وحَدثني الشَّيْخ سديد الدّين المنطقي فِي الْقَاهِرَة سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَن أَبَا الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز كَانَ سَبَب حَبسه فِي الْإسْكَنْدَريَّة أَن مركبا كَانَ قد وصل إِلَيْهَا وَهُوَ موقر بِالنُّحَاسِ فغرق قَرِيبا مِنْهَا وَلم تكن لَهُم حِيلَة تخليصه لطول الْمسَافَة فِي عمق الْبَحْر ففكر أَبُو الصَّلْت فِي أمره وأجال
стр. 488
النّظر فِي هَذَا الْمَعْنى حَتَّى تلخص لَهُ فِيهِ رَأْي وَاجْتمعَ بالأفضل بن أَمِير الجيوش ملك الْإسْكَنْدَريَّة وأوجده أَنه قَادر أَن تهَيَّأ لَهُ جَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْآلَات أَن يرفع الْمركب من قَعْر الْبَحْر ويجعله على وَجه المَاء مَعَ مَا فِيهِ من الثّقل فتعجب من قَوْله وَفَرح بِهِ وَسَأَلَهُ أَن يفعل ذَلِك
ثمَّ آتَاهُ على جَمِيع مَا يَطْلُبهُ من الْآلَات وَغرم عَلَيْهَا جملَة من المَال
وَلما تهيأت وَضعهَا فِي مركب عَظِيم على موازاة الْمركب الَّذِي قد غرق وأرسى إِلَيْهِ حِبَالًا مبرومة من الإبريسم وَأمر قوما لَهُم خبْرَة فِي الْبَحْر أَن يغوصوا ويوثقوا ربط الحبال بالمركب الغارق وَكَانَ قد صنع آلَات بأشكال هندسية لرفع الأثقال فِي الْمركب الَّذِي هم فِيهِ
وَأمر الْجَمَاعَة بِمَا يَفْعَلُونَهُ فِي تِلْكَ الْآلَات
وَلم يزل شَأْنهمْ ذَلِك والحبال الإبريسم ترْتَفع إِلَيْهِم أَولا فأولا وتنطوي على دواليب بَين أَيْديهم حَتَّى بَان لَهُم الْمركب الَّذِي كَانَ قد غرق وارتفع إِلَى قريب من سطح المَاء
ثمَّ عِنْد ذَلِك انْقَطَعت الحبال الإبريسم وَهَبَطَ الْمركب رَاجعا إِلَى قَعْر الْبَحْر
وَلَقَد تلطف أَبُو الصَّلْت جدا فِيمَا صنعه وَفِي التحيل إِلَى رفع الْمركب إِلَّا أَن الْقدر لم يساعده وحنق عَلَيْهِ الْملك لما غرمه من الْآلَات وَكَونهَا مرت ضائعة وَأمر بحبسه وَأَن يسْتَوْجب ذَلِك
وَبَقِي فِي الاعتقال مُدَّة إِلَى أَن شفع فِيهِ بعض الْأَعْيَان وَأطلق
وَكَانَ ذَلِك فِي خلَافَة الْآمِر بِأَحْكَام الله ووزارة الْملك الْأَفْضَل بن أَمِير الجيوش
ونقلت من رسائل الشَّيْخ أبي الْقَاسِم عَليّ بن سُلَيْمَان الْمَعْرُوف بِابْن الصَّيْرَفِي فِي مَا هَذَا مِثَاله
قَالَ وردتني رقْعَة من الشَّيْخ أبي الصَّلْت وَكَانَ معتقلا وَفِي آخرهَا نُسْخَة قصيدتين خدم بهما الْمجْلس الأفضلي أول الأولى مِنْهُمَا
(الشَّمْس دُونك فِي الْمحل ... وَالطّيب ذكرك بل أجل) الْكَامِل
وَأول الثَّانِيَة
(نسخت غرائب مدحك التشبيبا ... وَكفى بهَا غزلا لنا ونسيبا) الْكَامِل
فَكتبت إِلَيْهِ
(لَئِن سترتك الْجدر عَنَّا فَرُبمَا ... رَأينَا جلابيب السَّحَاب على الشَّمْس) الطَّوِيل
وردتني مولَايَ فَأخذت فِي تقبيلها وارتشافها قبل التَّأَمُّل لمحاسنها واستشفافها حَتَّى كَأَنِّي ظَفرت بيد مصدرها وتمكنت من أنامل كاتبها ومسطرها ووقفت على مَا تضمنته من الْفضل الباهر وَمَا أودعتها من الْجَوَاهِر الَّتِي قذف بهَا فيض الخاطر
فَرَأَيْت مَا قيد فكري وطرفي وَجل عَن مُقَابلَة تقريظي ووصفي
وَجعلت أجدد تلاوتها مستفيدا وأرددها مبتدئا فِيهَا ومعيدا
(نكرر طورا من قراة فصوله ... فَإِن نَحن أتممنا قِرَاءَته عدنا)
стр. 489
(إِذا مَا نشرناه فكالمسك نشره ... ونطويه لَا طي السَّآمَة بل ضنا) الطَّوِيل
فَأَما مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ من الرِّضَا بِحكم الدَّهْر ضروره وَكَون مَا اتّفق لَهُ عَارض بتحقق ذَهَابه ومروره ثِقَة بعواطف السُّلْطَان خلد الله أَيَّامه ومراحمه وسكونا إِلَى مَا جبلت النُّفُوس عَلَيْهِ من معرفَة فواضله ومكارمه
فَهَذَا قَول مثله مِمَّن طهر الله نِيَّته
وَحفظ دينه ونزه عَن الشكوك ضَمِيره ويقينه ووفقه بِلُطْفِهِ لاعتقاد الْخَيْر واستشعاره وصانة عَمَّا يُؤَدِّي إِلَى عَابَ الْإِثْم وعاره
(لَا يؤيسنك من تفرج كربَة ... خطب رماك بِهِ الزَّمَان الأنكد)
(صبرا فَإِن الْيَوْم يتبعهُ غَد ... وَيَد الْخلَافَة لَا تطاولها يَد) الْكَامِل
وَأما مَا أَشَارَ إِلَيْهِ من أَن الَّذِي مني بِهِ تمحيص أوزار سبقت وتنقيص ذنُوب اتّفقت فقد حاشاه الله من الدنايا وبرأه من الآثام والخطايا
بل ذَاك اخْتِيَار لتوكله وثقته وابتلاء لصيره وسريرته كَمَا يبتلى الْمُؤمنِينَ الأتقياء ويمتحن الصالحون والأولياء
وَالله تَعَالَى يدبره بِحسن تَدْبيره وَيَقْضِي لَهُ بِمَا الْحَظ فِي تسهيله وتيسيره بكرمه
وَقد اجْتمعت بفلان فَأَعْلمنِي أَنه تَحت وعد أَدَّاهُ الِاجْتِهَاد إِلَى تَحْصِيله وإحرازه ووثق من المكارم الفائضة بِالْوَفَاءِ بِهِ وإنجازه وَأَنه ينْتَظر فرْصَة فِي التذْكَار ينتهزها ويغتنمها ويرتقب فُرْجَة للخطاب يتولجها ويقتحمها
وَالله تَعَالَى يُعينهُ على مَا يضمر من ذَلِك وينويه ويوفقه فِيمَا يحاوله ويبغيه
وَأما القصيدتان اللَّتَان أتحفني بهما فَمَا عرفت أحسن مِنْهُمَا مطلعا وَلَا أَجود منصرفا ومقطعا وَلَا أملك للقلوب والإسماع وَلَا أجمع للإغراب والإبداع وَلَا أكمل فِي فصاحة الْأَلْفَاظ وَتمكن القوافي وَلَا أَكثر تنَاسبا على كَثْرَة مَا فِي الْأَشْعَار من التباين والتنافي
ووجدتهما تزدادان حسنا على التكرير والترديد وتفاءلت فيهمَا بترتيب قصيدة الْإِطْلَاق بعد قصيدة التَّقْيِيد
وَالله يُحَقّق رجائي فِي ذَلِك وأملي وَيقرب مَا أتوقعه فمعظم السَّعَادَة فِيهِ لي إنْشَاء الله
أَقُول وَكَانَت وَفَاة أبي الصَّلْت ﵀ يَوْم الِاثْنَيْنِ مستهل محرم سنة تسع وَعشْرين وَخَمْسمِائة بالمهدية وَدفن فِي المنستير وَقَالَ عِنْد مَوته أبياتا وَأمر أَن تنقش على قَبره وَهِي
(سكنتك يَا دَار الفناء مُصدقا ... بِأَنِّي إِلَى دَار الْبَقَاء أصير)
(وَأعظم مَا فِي الْأَمر إِنِّي صائر ... إِلَى عَادل فِي الحكم لَيْسَ يجور)
(فيا لَيْت شعري كَيفَ أَلْقَاهُ عِنْدهَا ... وزادي قَلِيل والذنُوب كثير)
стр. 490
(فَإِن أك مجزيا بذنبي فإنني ... بشر عِقَاب المذنبين جدير)
(وَإِن يَك عَفْو ثمَّ عني وَرَحْمَة ... فثم نعيم دَائِم وسرور) الطَّوِيل
وَلما كَانَ أَبُو الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز قد توجه إِلَى الأندلس قَالَ ظافر الْحداد الإسكندري وأنفذها إِلَى المهدية إِلَى الشَّيْخ أبي الصَّلْت من مصر يذكر شوقه إِلَيْهِ وَأَيَّام اجْتِمَاعهمَا بالإسكندرية
(أَلا هَل لدائي من فراقك إفراق ... هُوَ السم لَكِن فِي لقائك درياق)
(فيا شمس فضل غربت ولضوئها ... على كل قطر بالمشارق إشراق)
(سقى الْعَهْد عهدا مِنْك عمر عَهده ... بقلبي عهد لَا يضيع وميثاق)
(يجدده ذكر يطيب كَمَا شدت ... وريقاء كنتها من الأيك أوراق)
(لَك الْخلق الجزل الرفيع طرازه ... وَأكْثر أَخْلَاق الخليقة أَخْلَاق)
(لقد ضاءلتني يَا أَبَا الصَّلْت مذ نأت ... دِيَارك عَن دَاري هموم وأشواق)
(إِذا عزني إطفاؤها بمدامعي ... جرت وَلها مَا بَين جفني إحراق)
(سحائب يحدوها زفير تجره ... خلال التراقي والترائب تشهاق)
(وَقد كَانَ لي كنز مَعَ الصَّبْر وَاسع ... فلي مِنْهُ فِي صَعب النوائب إِنْفَاق)
(وَسيف إِذا جردت بعض غراره ... لجيش خطوب صدها مِنْهُ إرهاق)
(إِلَى أَن أبان الْبَين أَن غراره ... غرور وَإِن الْكَنْز فقر وإملاق)
(أخي سَيِّدي مولَايَ دَعْوَة من صفا ... وَلَيْسَ لَهُ من رق ودك إِعْتَاق)
(لَئِن بَعدت مَا بَيْننَا شقة النَّوَى ... ومطرد طامي الغوارب خفاق)
(وبيد إِذا كلفتها العيس قصرت ... طلائح إنضاها ذميل وإعناق)
(فعندي لَك الود الملازم مثل مَا ... يلازم أَعْنَاق الحمائم أطواق)
(أَلا هَل لأيامي بك الغر عودة ... كعهدي وثغر الثغر أشنب براق)
(ليَالِي يدنينا جَوَاب أعادنا ... من الْقرب كالصنوين ضمهما سَاق)
(وَمَا بَيْننَا من حسن حظك رَوْضَة ... بهَا حسدت منا المسامع أحداق)
(حَدِيث حَدِيث كلما طَال موجز ... مُفِيد إِلَى قلب الْمُحدث سباق)
(يزجيه بَحر من علومك زاخر ... لَهُ كل بَحر فائض اللج رقراق)
стр. 491
(معَان كأطواد الشوامخ جزلة ... تضمنها عذب من اللَّفْظ غيداق)
(بِهِ حكم مستنبطات غرائب ... لأبكارها الغر الفلاسف عشاق)
(فَلَو عَاشَ رسطاليس كَانَ لَهُ بهَا ... غرام وقلب دَائِم الْفِكر تواق)
(فيا وَاحِد الْفضل الَّذِي الْعلم قوته ... وأهلوه مشتاق بشم وذواق)
(لَئِن قصرت كتبي فَلَا غرو أَنه ... لعائق عذر والمقادير أوهاق)
(كتب وآفات الْبحار تردها ... فَإِن لم يكن رد عَليّ فإغراق)
(بحار بِأَحْكَام الرِّيَاح فَإِنَّهَا ... مَفَاتِيح فِي أبوابهن وأغلاق)
(وَمن لي أَن أحظ إِلَيْك بنظرة ... فيسكن مقلاك ويرقا مهراق) الطَّوِيل
وَمن شعر أبي الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز قَالَ يمدح أَبَا الطَّاهِر يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس وَيذكر وُصُول ملك الرّوم بالهدايا رَاغِبًا فِي ترك الْغَزْو وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَخَمْسمِائة
(يهاديك من لَو شِئْت كَانَ هُوَ المهدى ... وَإِلَّا فضمنه المثقفة الملدا)
(وكل سريجي إِذا ابْتَزَّ غمده ... تعوض من هام الكماة لَهُ غمدا)
(تخير فَردا فِي ظبا الْهِنْد شَأْنه ... إِذا شيم يَوْم الروع أَن يُزَوّج الفردا)
(ظبا ألفت غلب الرّقاب وصالها ... كَمَا ألفت مِنْهُنَّ أغمادها الصدا)
(تركت بقسطنطينة رب ملكهَا ... وللرعب مَا أخفاه مِنْهُ وَمَا أبدى)
(سددت عَلَيْهِ مغرب الشَّمْس بالظبا ... فود حذارا مِنْك لَو جَاوز السدا)
(وبالرغم مِنْهُ مَا أطاعك مبديا ... لَك الْحبّ فِي هذي الرسائل والودا)
(لِأَنَّك إِن أوعدته أَو وعدته ... وفيت وَلم تخلف وعيدا وَلَا وَعدا)
(أجل وَإِذا مَا شِئْت جردت نَحوه ... جحاجحة شيبا وصبيانة مردا)
(يردون أَطْرَاف الرماح دواميا ... يخلن على أَيْديهم مقلا رمدا)
(فدتك مُلُوك الأَرْض أبعدها مدى ... وأرفعها قدرا وأقدمها مجدا)
стр. 492
(إِذا كلفوا بالطرف أدعج ساجيا ... كلفت بحب الطّرف عبل الشوى نهدا)
(وكل أضاة أحكم الْقَيْن نسجها ... فضاعف فِي أَثْنَائِهَا الْحلق السردا)
(وأسمر عَسَّال وأبيض صارم ... يعنق ذَا قدا ويلثم ذَا خدا)
(محَاسِن لَو أَن اللَّيَالِي حليت ... بأيسرها لابيض مِنْهُنَّ مَا اسودا)
(فَمر بِالَّذِي تختاره الدَّهْر يمتثل ... لأمرك حكما لَا يُطيق لَهُ ردا) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا ورفعها إِلَى الْأَفْضَل يذكر تجريده العساكر إِلَى الشَّام لمحاربة الفرنج بعد انهزام عسكره فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالبصه وَكَانَ قد اتّفق فِي أثْنَاء ذَلِك التَّارِيخ أَن قوما من الأجناد وَغَيرهم أَرَادوا الفتك بِهِ فَوَقع على خبرهم فَقبض عَلَيْهِم وقتلهم
(هِيَ العزائم من أنصارها الْقدر ... وَهِي الْكَتَائِب من أشياعها الظفر)
(جردت للدّين والأسياف مغمدة ... سَيْفا تفل بِهِ الْأَحْدَاث والغير)
(وَقمت إِذْ قعد الْأَمْلَاك كلهم ... تذب عَنهُ وتحميه وتنتصر)
(بالبيض تسْقط فَوق الْبيض أنجمهم ... والسمر تَحت ظلال النَّقْع تشتجر)
(بيض إِذا خطبت بالنصر السنها ... فَمن منابرها الأكباد وَالْقصر)
(وذبل من رماح الْخط مشرعة ... فِي طولهن لأعمار العدا قصر)
(يغشى بهَا غَمَرَات الْمَوْت أَسد شرى ... من الكماة إِذا مَا استنجدوا ابتدروا)
(مستلئمين إِذا سلوا سيوفهم ... شبهتها خلجا مدت بهَا غدر)
(قوم تصول ببيض الْهِنْد أذرعهم ... فَمَا يضر ظباها أَنَّهَا بتر)
(إِذا انتضوها وذيل النَّقْع فَوْقهم ... كَالشَّمْسِ طالعة وَاللَّيْل معتكر)
(ترتاح أنفسهم نَحْو الوغى طَربا ... كَأَنَّمَا الدَّم رَاح والظبا زهر)
(وَإِن هم نكصوا يَوْمًا فَلَا عجب ... قد يكهم السَّيْف وَهُوَ الصارم الذّكر)
стр. 493
(الْعود أَحْمد وَالْأَيَّام ضامنة ... عُقبى النجاح ووعد الله ينْتَظر)
(وَرُبمَا ساءت الأقدار ثمَّ جرت ... بِمَا يَسُرك سَاعَات لَهَا أخر)
(الله زَان بك الْأَيَّام من ملك ... لَك الحجول من الْأَيَّام وَالْغرر)
(لله بأسك والألباب طائشة ... وَالْخَيْل تردى ونار الْحَرْب تستعر)
(وللعجاج على صم القنا طلل ... هِيَ الدُّخان وأطراف القنا شرر)
(إِذْ يرجع السَّيْف يُبْدِي خَدّه علقا ... كصفحة الْبكر أدْمى خدها الخفر)
(وَإِذ تسد مسد السَّيْف مُنْفَردا ... وَلَا يصدك لَا جبن وَلَا خور)
(أما يهولك مَا لاقيت من عدد ... سيان عنْدك قل الْقَوْم أَو كَثُرُوا)
(هِيَ السماحة إِلَّا أَنَّهَا شرف ... هِيَ الشجَاعَة إِلَّا أَنَّهَا غرر)
(الله فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَمَا لَهما ... سواك كَهْف وَلَا ركن وَلَا وزر)
(ورام كيدك أَقوام وَمَا علمُوا ... أَن المنى خطرات بَعْضهَا خطر)
(هَيْهَات أَيْن من العيوق طاليه ... لَو كَانَ سدد مِنْهُ الْفِكر وَالنَّظَر)
(أَن الْأسود لتأبى أَن يروعها ... وسط العرين ظباء الربرب العفر)
(أَمر نووه وَلَو هموا بِهِ وقفُوا ... كوقفة العير لَا ورد وَلَا صدر)
(فَاضْرب بسيفك من ناواك منتقما ... إِن السيوف لأهل الْبَغي تدخر)
(مَا كل حِين ترى الْأَمْلَاك صافحة ... عَن الجرائر تَعْفُو حِين تقتدر)
(وَمن ذَوي الْبَغي من لَا يستهان بِهِ ... وَفِي الذُّنُوب ذنُوب لَيْسَ تغتفر)
(إِن الرماح غصون يستظل بهَا ... وَمَا لَهُنَّ سوى هام العدى ثَمَر)
(وَلَيْسَ يصبح شَمل الْملك منتظما ... إِلَّا بِحَيْثُ ترى الهامات تنتثر)
(والرأي رَأْيك فِيمَا أَنْت فَاعله ... وَأَنت أدرى بِمَا تَأتي وَمَا تذر)
(أضحى شهنشاه غيثا للندى غدقا ... كل الْبِلَاد إِلَى سقياه تفْتَقر)
(الطاعن الْألف إِلَّا أَنَّهَا نسق ... والواهب الْألف إِلَّا أَنَّهَا بدر)
(ملك تبوأ فَوق النَّجْم مَقْعَده ... فَكيف تطمع فِي غاياته الْبشر)
(يُرْجَى نداه ويخشى عِنْد سطوته ... كالدهر يُوجد فِيهِ النَّفْع وَالضَّرَر)
(وَلَا سَمِعت وَلَا حدثت عَن أحد ... من قبله يهب الدُّنْيَا ويعتمر)
(وَلَا بصرت بشمس قبل غرته ... إِذا تجلى سناها أغدق الْمَطَر)
(يَا أَيهَا الْملك السَّامِي الَّذِي ابتهجت ... بِهِ اللَّيَالِي وقر البدو والحضر)
(جاءتك من كلم الحاكي محبرة ... تطوى لبهجتها الْإِبْرَاد والحبر)
стр. 494
(هِيَ اللآلئ إِلَّا أَن ناظمها ... طي الضَّمِير وَمن غواصها الْفِكر)
(تبقى وَتذهب أشعار ملفقة ... أولى بقائلها من قَوْله الْحصْر)
(وَلم أطلها لِأَنِّي جد معترف ... بِأَن كل مطيل فِيهِ مُخْتَصر)
(بقيت للدّين وَالدُّنْيَا وَلَا عدمت ... أجياد تِلْكَ الْمَعَالِي هَذِه الدُّرَر) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(ومهفهف شركت محَاسِن وَجهه ... مَا مجه فِي الكاس من إبريقه)
(ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من رِيقه) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا يصف الثريا
(رَأَيْت الثريا لَهَا حالتان ... منظرها فيهمَا معجب)
(لَهَا عِنْد مشرقها صُورَة ... يُرِيك مخالفها الْمغرب)
(فَتَطلع كالكاس إِذْ تستحث ... وتغرب كالكاس إِذْ يشرب) المتقارب
وَقَالَ فِي الْموضع الْمَعْرُوف ببركة الْحَبَش بِمصْر
(لله يومي ببركة الْحَبَش ... والأفق بَين الضياء والغبش)
(والنيل تَحت الرِّيَاح مُضْطَرب ... كالسيف سلته كف مرتعش)
(وَنحن فِي رَوْضَة مفوفة ... دبج بِالنورِ عطفها ووشي)
(قد نسجتها يَد الرّبيع لنا ... فَنحْن من نسجها على فرش)
(وأثقل النَّاس كلهم رجل ... دَعَاهُ دَاعِي الصِّبَا فَلم يطش)
(فعاطني الراح أَن تاركها ... من سُورَة الْهم غير منتعش)
(واسقني بالكبار مترعة ... فَتلك أروى لشدَّة الْعَطش) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
(عجبت من طرفك فِي ضعفه ... كَيفَ يصيد البطل الأصيدا)
(يفعل فِينَا وَهُوَ فِي جفْنه ... مَا يفعل السَّيْف إِذا جردا) السَّرِيع
стр. 495
وَقَالَ أَيْضا
(حجبت مسامعه عَن العذال ... فَأبى فَلَيْسَ عَن الغرام بسالي)
(وَيْح المتيم لَا يزَال معذبا ... بخفوق برق أَو طروق خيال)
(وَإِذا البلابل بالْعَشي تجاوبت ... بعثت بأضلعه جوى البلبال)
(وارحمتا لمعذب يشكو الجوى ... بمنعم يشكو فرَاغ البال)
(نشوان من خمرين خمر زجاجة ... عبثت بمقلته وخمر دلال)
(كالريم إِلَّا أَن هَذَا عاطل ... أبدا وَذَا فِي كل حَال حَالي)
(لَا يستفيق وَهل يفِيق بِحَالَة ... من ريق فِيهِ سلافة الجريال)
(علم الْعَدو بِمَا لقِيت فرق لي ... وَرَأى الحسود بليتي فرثى لي)
(يَا من بَرى جسمي بطول صدوده ... أَلا سمحت وَلَو بوعد وصال)
(قد كنت أطمع مِنْك لَو عاقبتني ... بصدود عتب لَا صدود ملال) الْكَامِل
وَقَالَ يصف فرسا أَشهب
(وَأَشْهَب كالشهاب أضحى ... يجول فِي مَذْهَب الْجلَال)
(قَالَ حسودي وَقد رَآهُ ... يجنب خَلْفي إِلَى الْقِتَال)
(من ألْجم الصُّبْح بِالثُّرَيَّا ... وأسرج الْبَرْق بالهلال) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(تقريب ذِي الْأَمر لأهل النهى ... أفضل مَا سَاس بِهِ أمره)
(هَذَا بِهِ أولى وَمَا ضره ... تقريب أهل اللَّهْو فِي الندره)
(عُطَارِد فِي جلّ أوقاته ... أدنى إِلَى الشَّمْس من الزهره) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
(بِي من بني الْأَصْفَر ريم رمى ... قلبِي بِسَهْم الْحور الصائب)
(سهم من اللحظ رمتني بِهِ ... عَن كثب قَوس من الْحَاجِب)
(كَأَنَّمَا مقلتيه فِي الحشا ... سيف عَليّ بن أبي طَالب) السَّرِيع
следующие страницы →