Полный текст (754 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
(معَان كأطواد الشوامخ جزلة ... تضمنها عذب من اللَّفْظ غيداق)
(بِهِ حكم مستنبطات غرائب ... لأبكارها الغر الفلاسف عشاق)
(فَلَو عَاشَ رسطاليس كَانَ لَهُ بهَا ... غرام وقلب دَائِم الْفِكر تواق)
(فيا وَاحِد الْفضل الَّذِي الْعلم قوته ... وأهلوه مشتاق بشم وذواق)
(لَئِن قصرت كتبي فَلَا غرو أَنه ... لعائق عذر والمقادير أوهاق)
(كتب وآفات الْبحار تردها ... فَإِن لم يكن رد عَليّ فإغراق)
(بحار بِأَحْكَام الرِّيَاح فَإِنَّهَا ... مَفَاتِيح فِي أبوابهن وأغلاق)
(وَمن لي أَن أحظ إِلَيْك بنظرة ... فيسكن مقلاك ويرقا مهراق) الطَّوِيل
وَمن شعر أبي الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز قَالَ يمدح أَبَا الطَّاهِر يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس وَيذكر وُصُول ملك الرّوم بالهدايا رَاغِبًا فِي ترك الْغَزْو وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَخَمْسمِائة
(يهاديك من لَو شِئْت كَانَ هُوَ المهدى ... وَإِلَّا فضمنه المثقفة الملدا)
(وكل سريجي إِذا ابْتَزَّ غمده ... تعوض من هام الكماة لَهُ غمدا)
(تخير فَردا فِي ظبا الْهِنْد شَأْنه ... إِذا شيم يَوْم الروع أَن يُزَوّج الفردا)
(ظبا ألفت غلب الرّقاب وصالها ... كَمَا ألفت مِنْهُنَّ أغمادها الصدا)
(تركت بقسطنطينة رب ملكهَا ... وللرعب مَا أخفاه مِنْهُ وَمَا أبدى)
(سددت عَلَيْهِ مغرب الشَّمْس بالظبا ... فود حذارا مِنْك لَو جَاوز السدا)
(وبالرغم مِنْهُ مَا أطاعك مبديا ... لَك الْحبّ فِي هذي الرسائل والودا)
(لِأَنَّك إِن أوعدته أَو وعدته ... وفيت وَلم تخلف وعيدا وَلَا وَعدا)
(أجل وَإِذا مَا شِئْت جردت نَحوه ... جحاجحة شيبا وصبيانة مردا)
(يردون أَطْرَاف الرماح دواميا ... يخلن على أَيْديهم مقلا رمدا)
(فدتك مُلُوك الأَرْض أبعدها مدى ... وأرفعها قدرا وأقدمها مجدا)
стр. 492
(إِذا كلفوا بالطرف أدعج ساجيا ... كلفت بحب الطّرف عبل الشوى نهدا)
(وكل أضاة أحكم الْقَيْن نسجها ... فضاعف فِي أَثْنَائِهَا الْحلق السردا)
(وأسمر عَسَّال وأبيض صارم ... يعنق ذَا قدا ويلثم ذَا خدا)
(محَاسِن لَو أَن اللَّيَالِي حليت ... بأيسرها لابيض مِنْهُنَّ مَا اسودا)
(فَمر بِالَّذِي تختاره الدَّهْر يمتثل ... لأمرك حكما لَا يُطيق لَهُ ردا) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا ورفعها إِلَى الْأَفْضَل يذكر تجريده العساكر إِلَى الشَّام لمحاربة الفرنج بعد انهزام عسكره فِي الْموضع الْمَعْرُوف بالبصه وَكَانَ قد اتّفق فِي أثْنَاء ذَلِك التَّارِيخ أَن قوما من الأجناد وَغَيرهم أَرَادوا الفتك بِهِ فَوَقع على خبرهم فَقبض عَلَيْهِم وقتلهم
(هِيَ العزائم من أنصارها الْقدر ... وَهِي الْكَتَائِب من أشياعها الظفر)
(جردت للدّين والأسياف مغمدة ... سَيْفا تفل بِهِ الْأَحْدَاث والغير)
(وَقمت إِذْ قعد الْأَمْلَاك كلهم ... تذب عَنهُ وتحميه وتنتصر)
(بالبيض تسْقط فَوق الْبيض أنجمهم ... والسمر تَحت ظلال النَّقْع تشتجر)
(بيض إِذا خطبت بالنصر السنها ... فَمن منابرها الأكباد وَالْقصر)
(وذبل من رماح الْخط مشرعة ... فِي طولهن لأعمار العدا قصر)
(يغشى بهَا غَمَرَات الْمَوْت أَسد شرى ... من الكماة إِذا مَا استنجدوا ابتدروا)
(مستلئمين إِذا سلوا سيوفهم ... شبهتها خلجا مدت بهَا غدر)
(قوم تصول ببيض الْهِنْد أذرعهم ... فَمَا يضر ظباها أَنَّهَا بتر)
(إِذا انتضوها وذيل النَّقْع فَوْقهم ... كَالشَّمْسِ طالعة وَاللَّيْل معتكر)
(ترتاح أنفسهم نَحْو الوغى طَربا ... كَأَنَّمَا الدَّم رَاح والظبا زهر)
(وَإِن هم نكصوا يَوْمًا فَلَا عجب ... قد يكهم السَّيْف وَهُوَ الصارم الذّكر)
стр. 493
(الْعود أَحْمد وَالْأَيَّام ضامنة ... عُقبى النجاح ووعد الله ينْتَظر)
(وَرُبمَا ساءت الأقدار ثمَّ جرت ... بِمَا يَسُرك سَاعَات لَهَا أخر)
(الله زَان بك الْأَيَّام من ملك ... لَك الحجول من الْأَيَّام وَالْغرر)
(لله بأسك والألباب طائشة ... وَالْخَيْل تردى ونار الْحَرْب تستعر)
(وللعجاج على صم القنا طلل ... هِيَ الدُّخان وأطراف القنا شرر)
(إِذْ يرجع السَّيْف يُبْدِي خَدّه علقا ... كصفحة الْبكر أدْمى خدها الخفر)
(وَإِذ تسد مسد السَّيْف مُنْفَردا ... وَلَا يصدك لَا جبن وَلَا خور)
(أما يهولك مَا لاقيت من عدد ... سيان عنْدك قل الْقَوْم أَو كَثُرُوا)
(هِيَ السماحة إِلَّا أَنَّهَا شرف ... هِيَ الشجَاعَة إِلَّا أَنَّهَا غرر)
(الله فِي الدّين وَالدُّنْيَا فَمَا لَهما ... سواك كَهْف وَلَا ركن وَلَا وزر)
(ورام كيدك أَقوام وَمَا علمُوا ... أَن المنى خطرات بَعْضهَا خطر)
(هَيْهَات أَيْن من العيوق طاليه ... لَو كَانَ سدد مِنْهُ الْفِكر وَالنَّظَر)
(أَن الْأسود لتأبى أَن يروعها ... وسط العرين ظباء الربرب العفر)
(أَمر نووه وَلَو هموا بِهِ وقفُوا ... كوقفة العير لَا ورد وَلَا صدر)
(فَاضْرب بسيفك من ناواك منتقما ... إِن السيوف لأهل الْبَغي تدخر)
(مَا كل حِين ترى الْأَمْلَاك صافحة ... عَن الجرائر تَعْفُو حِين تقتدر)
(وَمن ذَوي الْبَغي من لَا يستهان بِهِ ... وَفِي الذُّنُوب ذنُوب لَيْسَ تغتفر)
(إِن الرماح غصون يستظل بهَا ... وَمَا لَهُنَّ سوى هام العدى ثَمَر)
(وَلَيْسَ يصبح شَمل الْملك منتظما ... إِلَّا بِحَيْثُ ترى الهامات تنتثر)
(والرأي رَأْيك فِيمَا أَنْت فَاعله ... وَأَنت أدرى بِمَا تَأتي وَمَا تذر)
(أضحى شهنشاه غيثا للندى غدقا ... كل الْبِلَاد إِلَى سقياه تفْتَقر)
(الطاعن الْألف إِلَّا أَنَّهَا نسق ... والواهب الْألف إِلَّا أَنَّهَا بدر)
(ملك تبوأ فَوق النَّجْم مَقْعَده ... فَكيف تطمع فِي غاياته الْبشر)
(يُرْجَى نداه ويخشى عِنْد سطوته ... كالدهر يُوجد فِيهِ النَّفْع وَالضَّرَر)
(وَلَا سَمِعت وَلَا حدثت عَن أحد ... من قبله يهب الدُّنْيَا ويعتمر)
(وَلَا بصرت بشمس قبل غرته ... إِذا تجلى سناها أغدق الْمَطَر)
(يَا أَيهَا الْملك السَّامِي الَّذِي ابتهجت ... بِهِ اللَّيَالِي وقر البدو والحضر)
(جاءتك من كلم الحاكي محبرة ... تطوى لبهجتها الْإِبْرَاد والحبر)
стр. 494
(هِيَ اللآلئ إِلَّا أَن ناظمها ... طي الضَّمِير وَمن غواصها الْفِكر)
(تبقى وَتذهب أشعار ملفقة ... أولى بقائلها من قَوْله الْحصْر)
(وَلم أطلها لِأَنِّي جد معترف ... بِأَن كل مطيل فِيهِ مُخْتَصر)
(بقيت للدّين وَالدُّنْيَا وَلَا عدمت ... أجياد تِلْكَ الْمَعَالِي هَذِه الدُّرَر) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(ومهفهف شركت محَاسِن وَجهه ... مَا مجه فِي الكاس من إبريقه)
(ففعالها من مقلتيه ولونها ... من وجنتيه وطعمها من رِيقه) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا يصف الثريا
(رَأَيْت الثريا لَهَا حالتان ... منظرها فيهمَا معجب)
(لَهَا عِنْد مشرقها صُورَة ... يُرِيك مخالفها الْمغرب)
(فَتَطلع كالكاس إِذْ تستحث ... وتغرب كالكاس إِذْ يشرب) المتقارب
وَقَالَ فِي الْموضع الْمَعْرُوف ببركة الْحَبَش بِمصْر
(لله يومي ببركة الْحَبَش ... والأفق بَين الضياء والغبش)
(والنيل تَحت الرِّيَاح مُضْطَرب ... كالسيف سلته كف مرتعش)
(وَنحن فِي رَوْضَة مفوفة ... دبج بِالنورِ عطفها ووشي)
(قد نسجتها يَد الرّبيع لنا ... فَنحْن من نسجها على فرش)
(وأثقل النَّاس كلهم رجل ... دَعَاهُ دَاعِي الصِّبَا فَلم يطش)
(فعاطني الراح أَن تاركها ... من سُورَة الْهم غير منتعش)
(واسقني بالكبار مترعة ... فَتلك أروى لشدَّة الْعَطش) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
(عجبت من طرفك فِي ضعفه ... كَيفَ يصيد البطل الأصيدا)
(يفعل فِينَا وَهُوَ فِي جفْنه ... مَا يفعل السَّيْف إِذا جردا) السَّرِيع
стр. 495
وَقَالَ أَيْضا
(حجبت مسامعه عَن العذال ... فَأبى فَلَيْسَ عَن الغرام بسالي)
(وَيْح المتيم لَا يزَال معذبا ... بخفوق برق أَو طروق خيال)
(وَإِذا البلابل بالْعَشي تجاوبت ... بعثت بأضلعه جوى البلبال)
(وارحمتا لمعذب يشكو الجوى ... بمنعم يشكو فرَاغ البال)
(نشوان من خمرين خمر زجاجة ... عبثت بمقلته وخمر دلال)
(كالريم إِلَّا أَن هَذَا عاطل ... أبدا وَذَا فِي كل حَال حَالي)
(لَا يستفيق وَهل يفِيق بِحَالَة ... من ريق فِيهِ سلافة الجريال)
(علم الْعَدو بِمَا لقِيت فرق لي ... وَرَأى الحسود بليتي فرثى لي)
(يَا من بَرى جسمي بطول صدوده ... أَلا سمحت وَلَو بوعد وصال)
(قد كنت أطمع مِنْك لَو عاقبتني ... بصدود عتب لَا صدود ملال) الْكَامِل
وَقَالَ يصف فرسا أَشهب
(وَأَشْهَب كالشهاب أضحى ... يجول فِي مَذْهَب الْجلَال)
(قَالَ حسودي وَقد رَآهُ ... يجنب خَلْفي إِلَى الْقِتَال)
(من ألْجم الصُّبْح بِالثُّرَيَّا ... وأسرج الْبَرْق بالهلال) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(تقريب ذِي الْأَمر لأهل النهى ... أفضل مَا سَاس بِهِ أمره)
(هَذَا بِهِ أولى وَمَا ضره ... تقريب أهل اللَّهْو فِي الندره)
(عُطَارِد فِي جلّ أوقاته ... أدنى إِلَى الشَّمْس من الزهره) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
(بِي من بني الْأَصْفَر ريم رمى ... قلبِي بِسَهْم الْحور الصائب)
(سهم من اللحظ رمتني بِهِ ... عَن كثب قَوس من الْحَاجِب)
(كَأَنَّمَا مقلتيه فِي الحشا ... سيف عَليّ بن أبي طَالب) السَّرِيع
стр. 496
وَقَالَ أَيْضا
(يَا موقدا بالهجر فِي أضلعي ... نَارا بِغَيْر الْوَصْل مَا تنطفي)
(إِن لم يكن وصل فعدني بِهِ ... رضيت بالوعد وَإِن لم تف) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
(وليت وَردت إِلَيْك الْأُمُور ... وَلم أك منتظرا أَن تلِي)
(وَهَا أَنا بَين عدا كلهم ... عَليّ فَكُن بِأبي أَنْت لي) المتقارب
(ذكرت نواهم لَدَى قربهم ... فجدت بأدمعي الهمع)
(فَكيف أكون إِذا هم نأوا ... وَهَذَا بُكَائِي إِذْ هم معي) المتقارب
وَقَالَ أَيْضا
(إِذا ألفيت حرا ذَا وَفَاء ... وَكَيف بِهِ فدونك فاغتنمه)
(وَإِن آخيت ذَا أصل خَبِيث ... وساءك فِي الفعال فَلَا تلمه) الوافر
وَقَالَ أَيْضا
(أَقُول وَقد شطت بِهِ غربَة النَّوَى ... وللحب سُلْطَان على مهجتي فظ)
(لَئِن بَان عني من كلفت بحبه ... وشط فَمَا للعين من شخصه حَظّ)
(فَإِن لَهُ فِي أسود الْقلب منزلا ... تكنفه فِيهِ الرِّعَايَة وَالْحِفْظ)
(أرَاهُ بِعَين الْوَهم وَالوهم مدرك ... مَعَاني شَتَّى لَيْسَ يُدْرِكهَا اللحظ) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(وراغب فِي الْعُلُوم مُجْتَهد ... لكنه فِي الْقبُول جلمود)
(فَهُوَ كذي عنة بِهِ شبق ... أَو مشتهي الْأكل وَهُوَ ممعود) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
(تفكر فِي نُقْصَان مَالك دَائِما ... وتغفل عَن نُقْصَان جسمك والعمر)
стр. 497
(ويثنيك خوف الْفقر عَن كل بغية ... وخوفك حَال الْفقر من أعظم الْفقر)
(ألم تَرَ أَن الدَّهْر جم صروفه ... وَإِن لَيْسَ من شَيْء يَدُوم على الدَّهْر)
(فكم فرحة فِيهِ أزيلت بترحة ... وَكم حَال عسر فِيهِ آلت إِلَى الْيُسْر) الطَّوِيل
وَقَالَ فِي البراغيث
(وَلَيْلَة دائمة الغسوق ... بعيدَة الممسى من الشروق)
(كليلة المتيم المشوق ... أَطَالَ فِي ظلمائها تشريقي)
(أحب خلق لأَذى مَخْلُوق ... يرى دمي أشهى من الرَّحِيق)
(يغب فِيهِ غير مستفيق ... لَا يتْرك الصبوح للغبوق)
(لَو بت فَوق قمة العيوق ... مَا عاقه ذَلِك عَن طروقي)
(كعاشق أسرى إِلَى معشوق ... أعلم من بقراط بالعروق)
(من أكحل مِنْهَا وباسليق ... يفصدها بمبضع دَقِيق)
(من خطمه المذرب الذليق ... فصد الطَّبِيب الحاذق الرَّقِيق) الرجز
وَقَالَ أَيْضا
(مارست دهري وجربت الْأَنَام فَلم ... أحمدهم قطّ فِي جد وَلَا لعب)
(وَكم تمنيت أَن ألْقى بِهِ أحدا ... يسلي من الْهم أَو يعدي على النوب)
(فَمَا وجدت سوى قوم إِذا صدقُوا ... كَانَت مواعيدهم كالآل فِي الْكَذِب)
(وَكَانَ لي سَبَب قد كنت أحسبني ... أحظى بِهِ وَإِذا دائي من السَّبَب)
(فَمَا مقلم أظفاري سوى قلمي ... وَلَا كتائب أعدائي سوى كتبي) الْبَسِيط
وَقَالَ يصف الإسطرلاب
(أفضل مَا استصحب النَّبِيل فَلَا ... تعدل بِهِ فِي الْمقَام وَالسّفر)
(جرم إِذا مَا التمست قِيمَته ... جلّ على التبر وَهُوَ من صفر)
(مُخْتَصر وَهُوَ إِذْ تفتشه ... عَن ملح الْعلم غير مُخْتَصر)
(ذُو مقلة يستبين مَا رمقت ... عَن صائب اللحظ صَادِق النّظر)
(تحمله وَهُوَ حَامِل فلكا ... لَو لم يدر بالبنان لم يدر)
стр. 498
(مَسْكَنه الأَرْض وَهُوَ ينبئنا ... عَن جلّ مَا فِي السَّمَاء من خبر)
(أبدعه رب فكرة بَعدت ... فِي اللطف عَن أَن تقاس بالفكر)
(فاستوجب الشُّكْر وَالثنَاء لَهُ ... من كل ذِي فطنة من الْبشر)
(فَهُوَ لذِي اللب شَاهد عجب ... على اخْتِلَاف الْعُقُول وَالْفطر)
(وَأَن هذي الجسوم بَائِنَة ... بِقدر مَا أَعْطَيْت من الصُّور) المنسرح
وَقَالَ فِي مجمرة
(ومحرورة الأحشاء لم تدر مَا الْهوى ... وَلم تدر مَا يلقى الْمُحب من الوجد)
(إِذا مَا بدا برق المدام رَأَيْتهَا ... تثير غماما فِي الندي من الند)
(وَلم أر نَارا كلما شب جمرها ... رَأَيْت الندامى مِنْهُ فِي جنَّة الْخلد) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(قَامَت تدير المدام كفاها ... شمس ينير الدجى محياها)
(أَن أَقبلت فالقضيب قامتها ... أَو أَدْبَرت فالكثيب ردفاها)
(للمسك مَا فاح من مراشفها ... والبرق مَا لَاحَ من ثناياها)
(غزالة أخملت سميتها ... فَلم تشبه بهَا وحاشاها)
(هبك لَهَا حسنها وبهجتها ... فَهَل لَهَا جيدها وعيناها) المنسرح
وَقَالَ وَقد بَاعَ دَاره من رجل أسود
(حكم الزَّمَان بِبيع دَاري ظَالِما ... وأعادها ملكا لألأم مُشْتَرِي)
(يَا بؤس مَا صنع الزَّمَان بمنزل ... أَمْسَى بِهِ زحل بديل المُشْتَرِي) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(خلط الصِّبَا مَاء الشَّبَاب بناره ... من ورد وجنته وآس عذاره)
стр. 499
(صنم حوى بدع الْجمال بأسرها ... ليحوز قلبِي فِي وثاق إساره)
(الْبَدْر فِي أزراره والغصن فِي ... زناره والحقف ملْء إزَاره) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(من تقبل الدُّنْيَا عَلَيْهِ فَإِنَّهَا ... تثني محَاسِن غَيره من لبسه)
(وكذاك مهما أَدْبَرت عَن فَاضل ... سلبته ظالمة محَاسِن نَفسه) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(لَا تقعدن بِكَسْر الْبَيْت مكتئبا ... يفنى زَمَانك بَين الْيَأْس والأمل)
(واحتل لنَفسك فِي رزق تعيش بِهِ ... فَإِن أَكثر عَيْش النَّاس بالحيل)
(وَلَا تقل أَن رِزْقِي سَوف يدركني ... وَإِن قعدت فَلَيْسَ الرزق كالأجل) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(لَا ترج فِي أَمرك سعد المُشْتَرِي ... وَلَا تخف فِي فَوته نحسن زحل)
(وأرج وخف ربهما فَهُوَ الَّذِي ... مَا شَاءَ من خير وَمن شَرّ فعل) الرجز
وَقَالَ أَيْضا
(لَا تعتبوني على أَن لَا أزوركم ... وَقد تمنعتم عني بحجاب)
(إِنِّي من الْقَوْم يحلو الْمَوْت عِنْدهم ... دون الْوُقُوف لمخلوق على بَاب) الْبَسِيط
وَقَالَ فِي طَبِيب اسْمه شعْبَان
(يَا طَبِيبا ضجر الْعَالم ... مِنْهُ وتبرم)
(فِيك شَهْرَان من الْعَام ... إِذا الْعَام تصرم)
(أَنْت شعْبَان وَلَكِن ... قَتلك النَّاس محرم) الرمل
وَقَالَ فِي وَقت شدَّة
(يَقُولُونَ لي صبرا وَإِنِّي لصابر ... على نائبات الدَّهْر وَهِي فواجع)
(سأصبر حَتَّى يقْضِي الله مَا قضى ... وَإِن أَنا لم اصبر فَمَا أَنا صانع) الطَّوِيل
стр. 500
(مَا أغفل الْمَرْء وألهاه ... يَعْصِي وَلَا يذكر مَوْلَاهُ)
(يَأْمر بالغي شَيْطَانه ... وَالْعقل لَو يرشد ينهاه)
(غرته دُنْيَاهُ فَلم يستفق ... من سكرها يَوْمًا لأخراه)
(يَا ويحه الْمِسْكِين يَا ويحه ... إِن لم يكن يرحمه الله) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
(سَاد صغَار النَّاس فِي عصرنا ... لَا دَامَ من عصر وَلَا كَانَا)
(كالدست مهما هم أَن يَنْقَضِي ... عَاد بِهِ البيدق فرزانا) السَّرِيع
وَقَالَ أَيْضا
(يَا مُفردا بالغنج والشكل ... من دلّ عَيْنَيْك على قَتْلِي)
(الْبَدْر من شمس الضُّحَى نوره ... وَالشَّمْس من نورك تستملي) السَّرِيع
وَقَالَ وَقد رأى أَمْرَد جميلا قَامَ من مَوضِع وَجَاء أسود قعد فِي مَكَانَهُ
(مَضَت جنَّة المأوى وَجَاءَت جَهَنَّم ... فقد صرت أَشْقَى بَعْدَمَا كنت أنعم)
(وَمَا هِيَ إِلَّا الشَّمْس حَان أفولها ... وأعقبها قطع من اللَّيْل مظلم) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(وقائلة مَا بَال مثلك خاملا ... أَأَنْت ضَعِيف الرَّأْي أم أَنْت عَاجز)
(فَقلت لَهَا ذَنبي إِلَى الْقَوْم أنني ... لما لم يحوزوه من الْمجد حائز)
(وَمَا فَاتَنِي شَيْء سوى الْحَظ وَحده ... وَأما الْمَعَالِي فَهِيَ فِي غرائز) الطَّوِيل
وَلأبي الصَّلْت أُميَّة بن عبد الْعَزِيز من الْكتب الرسَالَة المصرية ذكر فِيهَا مَا رَآهُ من ديار مصر من هيئتها وآثارها وَمن اجْتمع بهم فِيهَا من الْأَطِبَّاء والمنجمين وَالشعرَاء وَغَيرهم من أهل الْأَدَب وَألف هَذِه الرسَالَة لأبي الطَّاهِر يحيى بن تَمِيم بن الْمعز بن باديس
كتاب الْأَدْوِيَة المفردة على تَرْتِيب الْأَعْضَاء المتشابهة الْأَجْزَاء والآلية وَهُوَ مُخْتَصر قد رتبه أحسن تَرْتِيب
كتاب الِانْتِصَار لحنين بن إِسْحَاق عَليّ ابْن رضوَان فِي تتبعه لمسائل حنين
كتاب حديقة الْأَدَب
كتاب الْملح العصرية من شعراء
стр. 501
أهل الأندلس والطارئين عَلَيْهَا
ديوَان شعره
رِسَالَة فِي الموسيقى
كتاب فِي الهندسة
رِسَالَة فِي الْعَمَل بالإسطرلاب
كتاب تَقْوِيم منطق الذِّهْن
ابْن باجة
هُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن يحيى بن الصَّائِغ وَيعرف بِابْن باجة من الأندلس
وَكَانَ فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة عَلامَة وقته وأوحد زَمَانه
وبلي بمحن كَثِيرَة وشناعات من الْعَوام وقصدوا هَلَاكه مَرَّات وَسلمهُ الله مِنْهُم
وَكَانَ متميزا فِي الْعَرَبيَّة وَالْأَدب حَافِظًا لِلْقُرْآنِ
ويعد من الأفاضل فِي صناعَة الطِّبّ
وَكَانَ متقنا لصناعة الموسيقى جيد اللّعب بِالْعودِ
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز بن الإِمَام فِي صدر الْمَجْمُوع الذف نَقله من أقاويل أبي بكر مُحَمَّد بن الصَّائِغ بن باجة مَا هَذَا مِثَاله هَذَا مَجْمُوع مَا قيد من أَقْوَال أبي بكر بن الصَّائِغ ﵀ فِي الْعُلُوم الفلسفية
وَكَانَ ذَا ثقابة الذِّهْن
ولطف الغوص على تِلْكَ الْمعَانِي الشَّرِيفَة الدقيقة أعجوبة دهره ونادرة الْفلك فِي زَمَانه
فَإِن هَذِه الْكتب كَانَت متداولة بالأندلس من زمَان الحكم مستجلبها ومستجلب غرائب مَا صنف بالمشرق وَنقل من كتب الْأَوَائِل وَغَيرهَا نصر الله وَجهه وَتردد النّظر فِيهَا فَمَا انتهج فِيهَا النَّاظر قبله سَبِيلا وَمَا تقيد عَنْهُم فِيهَا إِلَّا ضلالات وتبديل كَمَا تبدد عَن ابْن حزم الإشبيلي وَكَانَ من أجل نظار زَمَانه وَأَكْثَرهم لمن تقدم عل إِثْبَات شَيْء من خواطره
وَكَانَ أحسن مِنْهُ نظرا وأثقب لنَفسِهِ تمييزا
وَإِنَّمَا انتهجت سبل النّظر فِي هَذِه الْعُلُوم بِهَذَا الحبر وبمالك بن وهيب الأشبيلي فَإِنَّهُمَا كَانَا متعاصرين غير أَن مَالك لم يُقيد عَنهُ إِلَّا قَلِيل نزر فِي أول الصِّنَاعَة الذهنية وأضرب الرجل عَن النّظر ظَاهرا فِي هَذِه الْعُلُوم وَعَن التَّكَلُّم فِيهَا لما لحقه من المطالبات فِي دَمه لسببها ولقصده الْغَلَبَة فِي جَمِيع محاوراته فِي فوز المعارف
وَأَقْبل على الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة فرأس فِيهَا أَو زاحم ذَلِك لكنه لم يلوح على أَقْوَاله ضِيَاء هَذِه المعارف وَلَا قيد فِيهَا بَاطِنا شَيْئا ألفى بعد مَوته
وَأما أَبُو بكر فَنَهَضت بِهِ فطرته الفائقة وَلم يدع النّظر والتنتيج وَالتَّقْيِيد لكل مَا ارتسمت حَقِيقَته فِي نَفسه على أطوار أَحْوَاله وكيفما تصرف بِهِ زَمَنه وأثبتت فِي الصِّنَاعَة الذهنية فِي أَجزَاء الْعلم الطبيعي مَا يدل على حُصُول هَاتين الصناعتين فِي نَفسه صُورَة ينْطق عَنْهَا ويفصل ويركب فِيهَا فعل المستولي على أمدها
وَله تعاليق فِي الهندسة وَعلم الْهَيْئَة تدل على بروعه فِي هَذَا الْفَنّ
وَأما الْعلم الإلهي فَلم يُوجد فِي تعاليقه شَيْء مَخْصُوص بِهِ اختصاصا تَاما إِلَّا نزعات تستقرأ من قَوْله فِي رِسَالَة الْوَدَاع واتصال الْإِنْسَان بِالْعقلِ الفعال وإشارات مبددة فِي أثْنَاء أقاويله لَكِنَّهَا فِي غَايَة الْقُوَّة وَالدّلَالَة على نزوعه فِي ذَلِك الْعلم الشريف الَّذِي هُوَ غَايَة الْعُلُوم ومنتهاها وكل مَا قبله من المعارف فَهُوَ من أَجله وتوطئة لَهُ
وَمن المستحيل أَن ينْزع فِي التوطئات وتنفصل لَهُ أَنْوَاع الْوُجُود على كمالها وَيكون مقصرا فِي الْعلم الَّذِي هُوَ
стр. 502
الْغَايَة وَإِلَيْهِ كَانَ التشوق بالطبع لكل ذِي فطْرَة بارعه وَذي موهبة إلهية ترقية عَن أهل عصره وتخرجه من الظُّلُمَات إِلَى النُّور
كَمَا كَانَ ﵀ وَقد صدرنا هَذَا الْمَجْمُوع بقول لَهُ فِي الْغَايَة الإنسانية على نِهَايَة من الوجازة تعرب عَمَّا أَشَرنَا إِلَيْهِ من إِدْرَاكه فِي الْعلم الإلهي
وَفِيمَا قبله من الْعُلُوم الموطئة لَهُ
وَعَسَى أَنه قد علق فِيهِ مَا لم يعثر عَلَيْهِ وَيُشبه أَنه لم يكن بعد أبي نصر الفارابي مثله فِي الْفُنُون الَّتِي تكلم عَلَيْهَا من تِلْكَ الْعُلُوم فَإِنَّهُ إِذا قارنت أقاويله فِيهَا بأقاويل ابْن سينا وَالْغَزالِيّ وهما اللَّذَان فتح عَلَيْهِمَا بعد أبي نصر بالمشرق فِي فهم تِلْكَ الْعُلُوم ودونا فِيهَا بِأَن لَك الرجحان فِي أقاويله
وَفِي حسن فهمه لأقاويل أرسطو
وَالثَّلَاثَة أَئِمَّة دون ريب وآتون مَا جَاءَ بِهِ من قبلهم بارع الْحِكْمَة عَن يَقِين تمتاز بِهِ أقاويلهم ويتواردون فِيهَا مَعَ السّلف الْكَرِيم
أَقُول وَكَانَ هَذَا أَبُو الْحسن عَليّ بن الإِمَام من غرناطة وَكَانَ كَاتبا فَاضلا متميزا فِي الْعُلُوم وَصَحب أَبَا بكر بن باجة مُدَّة واشتغل عَلَيْهِ
وسافر أَبُو الْحسن عَليّ بن الإِمَام من الْمغرب وَتُوفِّي بقوص
وَكَانَ من جملَة تلاميذ ابْن باجة أَيْضا القَاضِي أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن رشد
وَتُوفِّي ابْن باجه شَابًّا بِمَدِينَة فاس وَدفن بهَا
وَأَخْبرنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان الأشبيلي أَنه رأى قبر ابْن باجة وقريبا من قَبره قبر أبي بكر بن الْعَرَبِيّ الْفَقِيه صَاحب التصانيف
وَمن كَلَام ابْن باجة قَالَ الْأَشْيَاء الَّتِي ينفع تعلمهَا بعد زمَان طَوِيل لَا يضيع تذكرها
وَقَالَ حسن عَمَلك تفز بِخَير من الله سُبْحَانَهُ
وَلابْن باجة من الْكتب شرح كتاب السّمع الطبيعي لأرسطوطاليس قَول على بعض كتاب الْآثَار العلوية لأرسطوطاليس قَول على بعض كتاب الْكَوْن وَالْفساد لأرسطوطاليس
قَول على بعض المقالات الْأَخِيرَة من كتاب الْحَيَوَان لأرسطوطاليس
كَلَام على بعض كتاب النَّبَات لأرسطوطاليس
قَول ذكر فِيهِ التشوق الطبيعي وماهيته وابتدأ أَن يُعْطي أَسبَاب الْبُرْهَان وَحَقِيقَته
رِسَالَة الْوَدَاع
قَول يَتْلُو رِسَالَة الْوَدَاع
كتاب اتِّصَال الْعقل بالإنسان
قَول على الْقُوَّة النزوعية
فُصُول تَتَضَمَّن القَوْل على اتِّصَال الْعقل بالإنسان
كتاب تَدْبِير المتوحد
كتاب النَّفس
تعاليق على كتاب أبي نصر فِي الصِّنَاعَة الذهنية
فُصُول قَليلَة فِي السياسة المدنية
وَكَيْفِيَّة المدن وَحَال المتوحد فِيهَا
نبذ يسيرَة على الهندسة والهيئة
رِسَالَة كتب بهَا إِلَى صديقه أَبُو جَعْفَر يُوسُف بن أَحْمد بن حسداي بعد قدومه إِلَى مصر
تعاليق حكمِيَّة وجدت مُتَفَرِّقَة
جَوَابه لما سُئِلَ عَن هندسة ابْن سيد المهندس وطرقه
كَلَام على شَيْء من كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لِجَالِينُوسَ
كتاب التجربتين على أدوية ابْن وَافد واشترك فِي تأليف هَذَا
стр. 503
الْكتاب أَبُو بكر بن باجه وَأَبُو الْحسن سُفْيَان
كتاب اخْتِصَار الْحَاوِي للرازي
كَلَام فِي الْغَايَة الإنسانية كَلَام فِي الْأُمُور الَّتِي بهَا يُمكن الْوُقُوف على الْعقل الفعال
كَلَام فِي الِاسْم والمسمى
كَلَام فِي الْبُرْهَان
كَلَام فِي الأسطقسات
كَلَام فِي الفحص عَن النَّفس النزوعية وَكَيف هِيَ وَلم تنْزع وبماذا تنْزع
كَلَام فِي المزاج بِمَا هُوَ طبي
أَبُو مَرْوَان بن زهر
هُوَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن الْفَقِيه مُحَمَّد بن مَرْوَان بن زهر الآيادي الأشبيلي كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بأعمالها مَشْهُورا بالحذق وَكَانَ وَالِده الْفَقِيه مُحَمَّد من جملَة الْفُقَهَاء والمتميزين فِي علم الحَدِيث بأشبيلية
وَقَالَ القَاضِي صاعد أَن أَبَا مَرْوَان بن زهر رَحل إِلَى الْمشرق وَدخل القيروان ومصر وتطبب هُنَاكَ زَمنا طَويلا
ثمَّ رَجَعَ إِلَى الأندلس وَقصد مَدِينَة دانية
وَكَانَ ملكهَا فِي ذَلِك الْوَقْت مُجَاهدًا
فَلَمَّا وصل أَبُو مَرْوَان بن زهر إِلَيْهِ أكْرمه إِكْرَاما كثيرا وَأمره أَن يُقيم عِنْده فَفعل وحظي فِي أَيَّامه واشتهر فِي دانية بالتقدم فِي صناعَة الطِّبّ وطار ذكره مِنْهَا إِلَى أقطار الأندلس
وَله فِي الطِّبّ آراء شَاذَّة مِنْهَا مَنعه من الْحمام واعتقاده فِيهِ أَنه يعفن الْأَجْسَام وَيفْسد الأمزجة قَالَ هَذَا رَأْي يُخَالِفهُ فِيهِ الْأَوَائِل والأواخر وَيشْهد بخطئه الْخَواص والعوام بل إِذا اسْتعْمل على التَّرْتِيب الَّذِي يجب بالتدريج الَّذِي يَنْبَغِي يكون رياضة فاضلة ومهنة نافعة لتفتيحه للمسام وتطريقه وتلطيفه لما غلظ من الكيموسات
أَقُول وانتقل أَبُو مَرْوَان بن زهر من دانية إِلَى مَدِينَة أشبيلية وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي وَخلف أَمْوَالًا جزيلة وَكَانَ غَنِي أشبيلية محط أنظارها فِي الرباع والضياع
أَبُو الْعَلَاء بن زهر
هُوَ أَبُو الْعَلَاء زهر بن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن مُحَمَّد بن مَرْوَان مَشْهُور بالحذق والمعرفة وَله علاجات مختارة تدل على قوته فِي صناعَة الطِّبّ وإطلاعه على دقائقها
وَكَانَت لَهُ نَوَادِر فِي مداواته المرضى ومعرفته لأحوالهم وَمَا يجدونه من الآلام من غير أَن يستخبرهم عَن ذَلِك بل بنظره إِلَى قواريرهم أَو عِنْدَمَا يجس نبضهم
وَكَانَ فِي دولة الملثمين ويعرفون أَيْضا بالمرابطين وحظي فِي أيامهم ونال الْمنزلَة الرفيعة وَالذكر والجميل
وَكَانَ قد اشْتغل بصناعة الطِّبّ وَهُوَ صَغِير فِي أَيَّام المعتضد بِاللَّه أبي عَمْرو عباد بن عباد
واشتغل أَيْضا بِعلم الْأَدَب وَهُوَ حسن التصنيف جيد التَّأْلِيف
وَفِي زَمَانه وصل كتاب القانون لِابْنِ سينا إِلَى الْمغرب وَقَالَ ابْن جَمِيع الْمصْرِيّ فِي كتاب التَّصْرِيح
стр. 504
بالمكنون فِي تَنْقِيح القانون أَن رجلا من التُّجَّار جلب من الْعرَاق إِلَى الأندلس نُسْخَة من هَذَا الْكتاب قد بولغ فِي تحسينها فأتحف بهَا لأبي الْعَلَاء بن زهر تقربا إِلَيْهِ وَلم يكن هَذَا الْكتاب وَقع إِلَيْهِ قبل ذَلِك فَلَمَّا تَأمله ذمه وأطرحه وَلم يدْخلهُ خزانَة كتبه وَجعل يقطع من طرره مَا يكْتب فِيهِ نسخ الْأَدْوِيَة لمن يستفتيه من المرضى وَقَالَ أَبُو يحيى اليسع بن عِيسَى بن حزم ابْن اليسع فِي كتاب الْمغرب عَن محَاسِن أهل الْمغرب أَن أَبَا الْعَلَاء بن زهر كَانَ مَعَ صغر سنه تصرخ النجابة بِذكرِهِ وتخطب المعارف بشكره
وَلم يزل يطالع كتب الْأَوَائِل متفهما ويلقى الشُّيُوخ مستعلما والسعد ينهج لَهُ مناهج التَّيْسِير وَالْقدر لَا يرضى لَهُ من الوجاهة باليسير حَتَّى برز فِي الطِّبّ إِلَى غَايَة عجز الطِّبّ عَن مرامها وَضعف الْفَهم عَن إبرامها وَخرجت عَن قانون الصِّنَاعَة إِلَى ضروب من الشناعة يخبر فَيُصِيب وَيضْرب فِي كل مَا يَنْتَحِلهُ من التعاليم بأوفى نصيب ويشعر سَابق مدى ويغبر فِي وُجُوه الْفُضَلَاء علما ومحتدا ويفوق الجلة سماحة وندى لَوْلَا بذاء لِسَان وعجلة إِنْسَان
وَأي الرِّجَال تكمل خصاله وتتناسب أوصاله
ونقلت من خطّ مُحَمَّد بن أَحْمد بن صَالح الْعَبْدي وَهُوَ من أهل الْمغرب وَله نظر وعناية بصناعة الطِّبّ
قَالَ أَبُو العيناء الْمصْرِيّ وَهُوَ شيخ أَبُو الْعَلَاء بن زهر وَمن قبله انْصَرف من بَغْدَاد وحكايته مَعَه طَوِيلَة قَالَ أَخْبرنِي بِهَذَا الشَّيْخ الطَّبِيب أَبُو الْقَاسِم هِشَام بن إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن صَاحب الصَّلَاة بداره بأشبيلية حرسها الله
أَقُول وَكَانَ من جملَة تلاميذ أبي الْعَلَاء بن زهر فِي الطِّبّ أَبُو عَامر بن ينق الشاطبي الشَّاعِر
وَتُوفِّي أَبُو الْعَلَاء بن زهر فِي سنة وَدفن بأشبيلية خَارج بَاب الْفَتْح
وَمن شعر أبي الْعَلَاء بن زهر قَالَ فِي التغزل
(يَا من كلفت بِهِ وذلت عزتي ... لغرامه وَهُوَ الْعَزِيز القاهر)
(رمت التصبر عِنْدَمَا ألْقى الجفا ... وَيَقُول ذَاك الْحسن مَالك نَاصِر)
(مَا الجاه إِلَّا جاه من ملك القوى ... وإطاعه قلب عَزِيز قَادر) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(يَا راشقي بسهام مَا لَهَا غَرَض ... إِلَّا الْفُؤَاد وَمَا لَهَا مِنْهُ عوض)
(وممرضي بجفون حشوها سقم ... صحت وَمن طبعها التمريض وَالْمَرَض)
(أمنن وَلَو بخيال مِنْك يطرقني ... فقد يسد مسد الْجَوْهَر الْعرض) الْبَسِيط
وَقَالَ فِي ابْن مَنْظُور قَاضِي قُضَاة أشبيلية وَقد وَصله عَنهُ أَنه قَالَ أيمرض ابْن زهر على
стр. 505
جِهَة الِاسْتِهْزَاء
(قَالُوا ابْن مَنْظُور تعجب دائبا ... إِنِّي مَرضت فَقلت يعثر من مَشى)
(قد كَانَ جالينوس يمرض دهره ... فَمن الْفَقِيه المرتضى أكل الرشا) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(سَمِعت بِوَصْف النَّاس هندا فَلم أزل ... أَخا صبوة حَتَّى نظرت إِلَى هِنْد)
(فَلَمَّا أَرَانِي الله هندا وزيها ... تمنيت أَن أزداد بعدا على بعد) الطَّوِيل
وَلأبي الْعَلَاء ابْن زهر من الْكتب كتاب الْخَواص كتاب الْأَدْوِيَة المفردة كتاب الْإِيضَاح بشواهد الافتضاح فِي الرَّد على ابْن رضوَان فِيمَا رده على حنين بن إِسْحَاق فِي كتاب الْمدْخل إِلَى الطِّبّ
كتاب حل شكوك الرَّازِيّ على كتب جالينوس مجربات مقَالَة فِي الرَّد على أبي عَليّ بن سينا فِي مَوَاضِع من كِتَابه الْأَدْوِيَة المفردة ألفها لِابْنِهِ أبي مَرْوَان
كتاب النكت الطبية كتب بهَا إِلَى ابْنه أبي مَرْوَان
مقَالَة فِي بَسطه لرسالة يَعْقُوب بن إِسْحَاق الْكِنْدِيّ فِي تركيب الْأَدْوِيَة وأمثلة ذَلِك نسخ لَهُ ومجربات أَمر بجمعها عَليّ بن يُوسُف بن تاشفين بعد موت أبي الْعَلَاء
فَجمعت بمراكش وبسائر بِلَاد العدوة والأندلس وانتسخت فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَعشْرين وَخَمْسمِائة
أَبُو مَرْوَان بن أبي الْعَلَاء بن زهر
هُوَ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أبي الْعَلَاء زهر بن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن زهر لحق بِأَبِيهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ جيد الِاسْتِقْصَاء فِي الْأَدْوِيَة المفردة والمركبة حسن المعالجة قد ذاع ذكره فِي الأندلس وَفِي غَيرهَا من الْبِلَاد واشتغل الْأَطِبَّاء بمصنفاته
وَلم يكن فِي زَمَانه من يماثله فِي مزاولة أَعمال صناعَة الطِّبّ
وَله حكايات كَثِيرَة فِي تَأتيه لمعْرِفَة الْأَمْرَاض ومداواتها مِمَّا لم يسْبقهُ أحد من الْأَطِبَّاء إِلَى مثل ذَلِك
وَكَانَ قد خدم الملثمين ونال من جهتهم من النعم وَالْأَمْوَال شَيْئا كثيرا
وَفِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ فِيهِ أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أبي الْعَلَاء بن زهر دخل الْمهْدي إِلَى الأندلس وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن تومرت وَمَعَهُ عبد الْمُؤمن وَشرع فِي بَث الدعْوَة لعبد الْمُؤمن وتمهيد أمره إِلَى أَن انتشرت كَلمته واتسعت مَمْلَكَته وَملك الْبِلَاد وأطاعه الْخلق
وحكاية الْمهْدي فِي تَأتيه إِلَى أَن نَالَ الْملك وَصفا لَهُ الْأَمر مَعْرُوفَة مَشْهُورَة
وَلما اسْتَقل عبد الْمُؤمن بالمملكة وَعرف بأمير الْمُؤمنِينَ وَاسْتولى على خَزَائِن الْمغرب بذل الْأَمْوَال وَأظْهر الْعدْل وَقرب أهل الْعلم وَأكْرمهمْ ووالى إحسانه إِلَيْهِم واختص أَبَا مَرْوَان عبد الْملك بن زهر لنَفسِهِ وَجعل
стр. 506
اعْتِمَاده عَلَيْهِ فِي الطِّبّ وأناله من الْأَنْعَام وَالعطَاء فَوق أمْنِيته
وَكَانَ مكينا عِنْده عالي الْقدر متميزا على كثير من أَبنَاء زَمَانه
وَألف لَهُ أَبُو مَرْوَان بن زهر الترياق السبعيني وَاخْتَصَرَهُ عشاريا وَاخْتَصَرَهُ سباعيا وَيعرف بترياق الأنتلة
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم المعاجيني الأندلسي أَن الْخَلِيفَة عبد الْمُؤمن احْتَاجَ إِلَى شرب دَوَاء مسهل وَكَانَ يكره شرب الْأَدْوِيَة المسهلة فتلطف لَهُ ابْن زهر فِي ذَلِك وأتى إِلَى كرمة فِي بستانه فَجعل المَاء الَّذِي يسقيها بِهِ مَاء قد أكسبه قُوَّة أدوية مسهلة بنقعها فِيهِ أَو بغليانها مَعَه
وَلما تشربت الكرمة قُوَّة الْأَدْوِيَة المسهلة الَّتِي أرادها وطلع فِيهَا الْعِنَب وَله تِلْكَ الْقُوَّة أحم الْخَلِيفَة ثمَّ أَتَاهُ بعنقود مِنْهَا وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يَأْكُل مِنْهُ
وَكَانَ حسن الِاعْتِقَاد فِي ابْن زهر فَلَمَّا أكل مِنْهُ وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ قَالَ لَهُ يَكْفِيك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإنَّك قد أكلت عشر حبات من الْعِنَب وَهِي تخدمك عشر مجَالِس
فاستخبره عَن عِلّة ذَلِك وعرفه بِهِ
ثمَّ قَامَ على عدد مَا ذكره لَهُ وَوجد الرَّاحَة فَاسْتحْسن من فعله هَذَا وتزايدت مَنْزِلَته عِنْده
وحَدثني الشَّيْخ محيي الدّين أَبُو عبد الله بن عَليّ بن مُحَمَّد بن الْعَرَبِيّ الطَّائِي الْحَاتِمِي من أهل مرسية أَن أَبَا مَرْوَان عبد الْملك بن زهر كَانَ فِي وَقت مروره إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ بأشبيلية يجد فِي طَرِيقه عِنْد حمام أبي الْخَيْر بِالْقربِ من دَار ابْن مُؤَمل مَرِيضا بِهِ سوء قتبه وَقد كبر جَوْفه واصفر لَونه فَكَانَ أبدا يشكو إِلَيْهِ حَاله ويسأله النّظر فِي أمره
فَلَمَّا كَانَ بعض الْأَيَّام سَأَلَهُ مثل ذَلِك فَوقف أَبُو مَرْوَان بن زهر عِنْده وَنظر إِلَيْهِ فَوجدَ عِنْد رَأسه إبريقا عتيقا يشرب مِنْهُ المَاء فَقَالَ اكسر هَذَا الإبريق فَإِنَّهُ سَبَب مرضك
فَقَالَ لَهُ لَا بِاللَّه يَا سَيِّدي فَإِنِّي مَا لي غَيره فَأمر بعض خدمه بكسره فَكَسرهُ فَظهر مِنْهُ لما كسر ضفدع وَقد كبر مِمَّا لَهُ فِيهِ من الزَّمَان
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر خلصت يَا هَذَا من الْمَرَض انْظُر مَا كنت تشرب
وبرأ الرجل بعد ذَلِك
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْملك اللَّخْمِيّ ثمَّ الْبَاجِيّ قَالَ حَدثنِي من أَثِق بِهِ أَنه كَانَ بأشبيلية حَكِيم فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ يعرف بالفار وَله كتاب جيد فِي الْأَدْوِيَة المفردة سفران وَكَانَ أَبُو مَرْوَان بن زهر كثيرا مَا يَأْكُل التِّين ويميل إِلَيْهِ
وَكَانَ الطَّبِيب الْمَعْرُوف بالفار لَا يغتذي مِنْهُ بِشَيْء وَإِن أَخذ مِنْهُ شَيْئا فَيكون وَاحِدَة فِي السّنة فَكَانَ يَقُول هَذَا لأبي مَرْوَان بن زهر أَنه لَا بُد أَن تعرض لَك نغلة صعبة بمداومتك أكل التِّين والنغلة هُوَ الدُّبَيْلَة بلغتهم
وَكَانَ أَبُو مَرْوَان يَقُول لَهُ لَا بُد لِكَثْرَة حميتك وكونك لم تَأْكُل شَيْئا من التِّين أَن يصيبك الشناج قَالَ فَلم يمت الْمَعْرُوف بالفار إِلَّا بعلة التشنج وَكَذَلِكَ أَيْضا عرض لأبي مَرْوَان بن زهر دبيلة فِي جنبه وَتُوفِّي بهَا
وَهَذَا من أبلغ مَا يكون من تقدمة الْإِنْذَار
قَالَ وَلما عرض لأبي مَرْوَان هَذِه الْعلَّة كَانَ يعالجها ويصنع لَهَا مراهم وأدوية وَلم تُؤثر نفعا يعْتد بِهِ
فَكَانَ يَقُول لَهُ ابْنه أَبُو بكر يَا أبي لَو غيرت هَذَا الدَّوَاء بالدواء الْفُلَانِيّ وَلَو زِدْت من هَذَا الدَّوَاء أَو اسْتعْملت دَوَاء كَذَا وَكَذَا فَكَانَ
стр. 507
يَقُول لَهُ يَا بني إِذا أَرَادَ الله تَغْيِير هَذِه البنية فَإِنَّهُ لَا يقدر لي أَن اسْتعْمل من الْأَدْوِيَة إِلَّا مَا يتم بِهِ مَشِيئَته وإرادته
أَقُول وَكَانَ من أجل تلاميذ أبي مَرْوَان عبد الْملك بن أبي الْعَلَاء بن زهر فِي صناعَة الطِّبّ والآخذين عَنهُ أَبُو الْحُسَيْن بن أسدون شهر بالمصدوم
وَأَبُو بكر بن الْفَقِيه القَاضِي أبي الْحسن قَاضِي أشبيلية وَأَبُو مُحَمَّد الشذوني والفقيه الزَّاهِد أَبُو عمرَان بن أبي عمرَان
وَتُوفِّي أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن أبي الْعَلَاء بن زهر فِي سنة وَخَمْسمِائة وَدفن بأشبيلية خَارج بَاب الْفَتْح
وَلأبي مَرْوَان بن أبي الْعَلَاء بن زهر من الْكتب كتاب التَّيْسِير فِي المداواة وَالتَّدْبِير أَلفه للْقَاضِي أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن رشد
كتاب الأغذية أَلفه لأبي مُحَمَّد عبد الْمُؤمن بن عَليّ
كتاب الزِّينَة تذكرة إِلَى وَلَده أَلِي بكر فِي أَمر الدَّوَاء المسهل وَكَيْفِيَّة أَخذه وَذَلِكَ فِي صغر سنه وَأول سفرة سافرها فناب عَن أَبِيه فِيهَا
مقَالَة فِي علل الكلى
رِسَالَة كتب بهَا إِلَى بعض الْأَطِبَّاء بأشبيلية فِي علتي البرص والبهق
كتاب تذكرة ذكر بهَا لِابْنِهِ أبي بكر أول مَا تعلق بعلاج الْأَمْرَاض
الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر
هُوَ الْوَزير الْحَكِيم الأديب الحسيب أَبُو بكر مُحَمَّد بن أبي مَرْوَان بن أبي الْعَلَاء بن زهر مولده بِمَدِينَة أشبيلية وَنَشَأ بهَا وتميز فِي الْعُلُوم وَأخذ صناعَة الطِّبّ عَن أَبِيه وباشر أَعمالهَا وَكَانَ معتدل الْقَامَة صَحِيح البنية قوي الْأَعْضَاء
وَصَارَ فِي سنّ الشيخوخة ونضارة لَونه وَقُوَّة حركاته لم يتَبَيَّن فِيهَا تغير وَإِنَّمَا عرض لَهُ فِي أَوَاخِر عمره ثقل فِي السّمع
وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَسمع الحَدِيث واشتغل بِعلم الْأَدَب والعربية وَلم يكن فِي زَمَانه أعلم مِنْهُ بِمَعْرِِفَة اللُّغَة
ويوصف بِأَنَّهُ قد أكمل صناعَة الطِّبّ وَالْأَدب وعانى عمل الشّعْر وأجاد فِيهِ
وَله موشحات مَشْهُورَة ويغنى بهَا وَهِي من أَجود مَا قيل فِي ذَلِك
وَكَانَ ملازما للأمور الشَّرْعِيَّة متين الدّين قوي النَّفس محبا للخير
وَكَانَ مهيبا وَله جرْأَة فِي الْكَلَام وَلم يكن فِي زَمَانه أعلم مِنْهُ بصناعة الطِّبّ وَذكره قد شاع واشتهر فِي أقطار الأندلس وَغَيرهَا من الْبِلَاد
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْملك الْبَاجِيّ من أهل أشبيلية قَالَ قَالَ لي الشَّيْخ الْوَزير الْحَكِيم أَبُو بكر بن زهر أَنه لَازم لجدي عبد الْملك الْبَاجِيّ سبع سِنِين يشْتَغل عَلَيْهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ كتاب الْمُدَوَّنَة لسخنون فِي مَذْهَب مَالك وَقَرَأَ أَيْضا عَلَيْهِ مُسْند ابْن أبي شيبَة
وحَدثني أَيْضا القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ عَن أبي بكر بن زهر أَنه كَانَ شَدِيد الْبَأْس يجذب قوسا مائَة وَخمسين رطلا بالإشبيلي والرطل الَّذِي بإشبيلة سِتَّة عشر أُوقِيَّة وكل أُوقِيَّة عشرَة دَرَاهِم وَأَنه كَانَ
стр. 508
جيد اللّعب بالشطرنج جدا وَلم يكن فِي زَمَانه أحد مثله فِي صناعَة الطِّبّ وخدم الدولتين
وَذَلِكَ أَنه لحق دولة الملثمين وَاسْتمرّ فِي الْخدمَة مَعَ أَبِيه فِي آخر دولتهم
ثمَّ خدم دولة الْمُوَحِّدين وهم بَنو عبد الْمُؤمن
وَذَلِكَ أَنه كَانَ فِي خدمَة عبد الْمُؤمن هُوَ وَأَبوهُ وَفِي أَيَّام عبد الْمُؤمن مَاتَ أَبوهُ وَبَقِي هُوَ فِي خدمته ثمَّ خدم لِابْنِ عبد الْمُؤمن أبي يَعْقُوب يُوسُف ثمَّ لِابْنِهِ يَعْقُوب أبي يُوسُف الَّذِي لقب بالمنصور
ثمَّ خدم ابْنه أَبَا عبد الله مُحَمَّد النَّاصِر وَفِي أول دولته توفّي أَبُو بكر بن زهر وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي عَام سِتَّة وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بمراكش وَقد أَتَاهَا ليزور بهَا وَدفن هُنَاكَ فِي الْموضع الْمَعْرُوف بمقابر الشُّيُوخ وَعمر نَحْو السِّتين سنة
قَالَ وَكَانَ أَبُو بكر بن زهر صائب الرَّأْي حسن المعالجة جيد التَّدْبِير
وَقد عرف هَذَا مِنْهُ حَتَّى أَنه يَوْمًا كَانَ قد كتب وَالِده أَبُو مَرْوَان ابْن زهر نُسْخَة دَوَاء مسهل لعبد الْمُؤمن الْخَلِيفَة فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بكر بعد ذَلِك وَكَانَ فِي حَال شبيبته قَالَ يجب أَن يُبدل هَذَا الدَّوَاء الْمُفْرد مِنْهُ بدواء آخر
فَلم يتَنَاوَل عبد الْمُؤمن ذَلِك الدَّوَاء
وَلما رَآهُ أَبوهُ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الصَّوَاب فِي قَوْله
وَبدل الدَّوَاء الْمُفْرد بِغَيْرِهِ فأثر نفعا بَيْننَا
وَألف أَبُو بكر ابْن زهر الترياق الخمسيني للمنصور أَبُو يُوسُف يَعْقُوب
قَالَ وحَدثني من أَثِق بِهِ أَن رجلا من بني اليناقي كَانَ صديقا للحفيد أبي بكر بن زهر وَكَانَ يجالسه كثيرا ويلعب مَعَه بالشطرنج وَأَنه كَانَ عِنْد الْحَفِيد أبي بكر يَوْمًا وهما يلعبان بالشطرنج فَرَآهُ الْحَفِيد على غير مَا يعهده بِهِ من الانبساط فَقَالَ لَهُ مَا لخاطرك كَأَنَّهُ مشتغل بِشَيْء عرفني مَا هُوَ فَقَالَ نعم إِن لي بِنْتا زوجتها لرجل وَهُوَ يطْلبهَا وَقد احتجت إِلَى ثلثمِائة دِينَار فَقَالَ لَهُ العب وَمَا عَلَيْك فَإِن عِنْدِي فِي وقتنا هَذَا ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة دَنَانِير تأخذها
فلعب مَعَه سَاعَة واستدعى بِالذَّهَب وَأَعْطَاهُ لَهُ فَلَمَّا كَانَ عَن قرب أَتَاهُ صَاحبه وَترك بَين يَدَيْهِ ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة دَنَانِير تأخذها
فلعب مَعَ سَاعَة واستدعى بِالذَّهَب وَأَعْطَاهُ لَهُ فَلَمَّا كَانَ عَن قرب أَتَاهُ صَاحبه وَترك بَين يَدَيْهِ ثلثمِائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر مَا هَذَا فَقَالَ إِنَّنِي بِعْت زيتونا لي بسبعمائة دِينَار وَقد أتيت مِنْهَا بثلثمائة دِينَار إِلَّا خَمْسَة عوض الَّذِي تفضلت بِهِ عَليّ وأقرضتني إِيَّاه وَقد بَقِي عِنْدِي حَاصِلا أَرْبَعمِائَة دِينَار
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر ارْفَعْ هَذَا عنْدك وانتفع بِهِ فَإِنِّي مَا دفعت لَك الذَّهَب على إِنِّي أَعُود آخذه أبدا
فَأبى الرجل وَقَالَ إِنَّنِي بِحَمْد الله بِحَال سَعَة وَلَا لي حَاجَة أَن آخذ هَذَا وَلَا غَيره من أحد أصلا
وتفاوضا فِي ذَلِك فَقَالَ لَهُ ابْن زهر يَا هَذَا أَنْت صديقي أَو عدوي فَقَالَ لَهُ بل صديقك وَأحب النَّاس فِيك
فَقَالَ لَهُ ابْن زهر وَالله لَئِن لم تَأْخُذهُ لأعادينك بِسَبَبِهِ وَلَا أَعُود أُكَلِّمك أبدا
فَأَخذه مِنْهُ وشكره على فعله
стр. 509
قَالَ القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ وَكَانَ الْمَنْصُور قد قصد أَن لَا يتْرك شَيْئا من كتب الْمنطق وَالْحكمَة بَاقِيا فِي بِلَاده
وأباد كثيرا مِنْهَا بإحراقها بالنَّار وشدد فِي أَن لَا يبْقى أحد يشْتَغل بِشَيْء مِنْهَا وَأَنه مَتى وجد أحد ينظر فِي هَذَا الْعلم أَو وجد عِنْده شَيْء من الْكتب المصنفة فِيهِ فَإِنَّهُ يلْحقهُ ضَرَر عَظِيم
وَلما شرع فِي ذَلِك جعل أمره مفوضا إِلَى الْحَفِيد أبي بكر بن زهر وَأَنه الَّذِي ينظر إِلَيْهِ
وَأَرَادَ الْخَلِيفَة أَنه إِن كَانَ عِنْد ابْن زهر شَيْء من كتب الْمنطق وَالْحكمَة لم يظْهر وَلَا يُقَال عَنهُ أَنه يشْتَغل بهَا وَلَا يَنَالهُ مَكْرُوه بِسَبَبِهَا وَلما نظر ابْن زهر فِي ذَلِك وامتثل أَمر الْمَنْصُور فِي جمع الْكتب من عِنْد الكتبيين وَغَيرهم وَأَن لَا يبْقى شَيْء مِنْهَا وإهانة المشتغلين بهَا
وَكَانَ بأشبيلية رجل من أعيانها يعادي الْحَفِيد أَبَا بكر بن زهر ويحسده وَعِنْده شَرّ فَعمل محضرا فِي أَن ابْن زهر دَائِم الِاشْتِغَال بِهَذَا الْفَنّ وَالنَّظَر فِيهِ وَأَن عِنْده فِي دَاره شَيْئا كثيرا من كتبه وَجمع فِيهِ شَهَادَات عدَّة وَبعث بِهِ إِلَى الْمَنْصُور وَكَانَ الْمَنْصُور حِينَئِذٍ فِي حصن الْفَرح وَهُوَ مَوضِع بناه قَرِيبا من أشبيلية على ميلين مِنْهَا صَحِيح الْهَوَاء بِحَيْثُ بقيت الْحِنْطَة فِي ثَمَانِينَ سنة لم تَتَغَيَّر لصِحَّته
وَكَانَ أَبُو بكر بن زهر هُوَ الَّذِي أَشَارَ على الْمَنْصُور أَن يبنيه فِي ذَلِك الْموضع وَيُقِيم فِيهِ فِي بعض الْأَوْقَات
فَلَمَّا كَانَ الْمَنْصُور بِهِ وَقد أَتَاهُ الْمحْضر نظره ثمَّ أَمر بِأَن يقبض على الَّذِي عمله وَأَن يودع السجْن فَفعل بِهِ ذَلِك
وَانْهَزَمَ جَمِيع الشُّهُود الَّذين وضعُوا خطوطهم فِيهِ
ثمَّ قَالَ الْمَنْصُور إِنَّنِي لم أول ابْن زهر فِي هَذَا إِلَّا حَتَّى لَا ينْسبهُ أحد إِلَى شَيْء مِنْهُ وَلَا يُقَال عَنهُ
وَوَاللَّه لَو أَن جَمِيع أهل الأندلس وقفُوا قدامي وشهدوا على ابْن زهر بِمَا فِي هَذَا الْمحْضر لم أقبل قَوْلهم لما أعرفهُ فِي ابْن زهر من متانة دينه وعقله
وحَدثني أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد الإشبيلي قَالَ كَانَ الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر قد أَتَى إِلَيْهِ من الطّلبَة اثْنَان ليشتغلا عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ فترددا إِلَيْهِ ولازماه مُدَّة وقرآ عَلَيْهِ شَيْئا من كتب الطِّبّ
ثمَّ أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ يَوْمًا وبيد أَحدهمَا كتاب صَغِير فِي الْمنطق وَكَانَ يحضر مَعَهُمَا أَبُو الْحُسَيْن الْمَعْرُوف بالمصدوم وَكَانَ غرضهم أَن يشتغلوا فِيهِ فَلَمَّا نظر ابْن زهر إِلَى ذَلِك الْكتاب قَالَ مَا هَذَا ثمَّ أَخذه ينظر فِيهِ فَلَمَّا وجده فِي علم الْمنطق رمى بِهِ نَاحيَة ثمَّ نَهَضَ إِلَيْهِم حافيا ليضربهم وانهزموا قدامه وتبعهم يعدو على حَالَته تِلْكَ وَهُوَ يُبَالغ فِي شتمهم وهم يتعادون قدامه إِلَى أَن رَجَعَ عَنْهُم عَن مَسَافَة بعيدَة فبقوا منقطعين عَنهُ أَيَّامًا لَا يجسرون أَن يَأْتُوا إِلَيْهِ
ثمَّ أَنهم توسلوا إِلَى أَن حَضَرُوا عِنْده وَاعْتَذَرُوا بِأَن ذَلِك الْكتاب لم يكن لَهُم وَلَا لَهُم فِيهِ غَرَض أصلا وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا رَأَوْهُ مَعَ حدث فِي الطَّرِيق وهم قاصدون إِلَيْهِ فهزأوا بِصَاحِبِهِ وعبثوا بِهِ وَأخذُوا مِنْهُ الْكتاب قهرا وَبَقِي مَعَهم ودخلوا إِلَيْهِ وهم ساهمون عَنهُ
فتخادع لَهُم وَقبل معذرتهم واستمروا فِي قراءتهم عَلَيْهِ صناعَة الطِّبّ
وَلما كَانَ بعد مديدة أَمرهم أَن يجيدوا حفظ الْقُرْآن وَأَن يشتغلوا بِقِرَاءَة التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه وَأَن يواظبوا على مُرَاعَاة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة والاقتداء بهَا وَلَا يخلوا بِشَيْء من ذَلِك
فَلَمَّا امتثلوا أمره وأتقنوا معرفَة مَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِم وَصَارَت لَهُم مُرَاعَاة الْأُمُور الشَّرْعِيَّة سجية وَعَادَة قد ألفوها كَانُوا يَوْمًا عِنْده وَإِذا بِهِ قد أخرج لَهُم الْكتاب الَّذِي كَانَ رَآهُ مَعَهم فِي الْمنطق وَقَالَ لَهُم الْآن
стр. 510
صلحتم لِأَن تقرأوا هَذَا الْكتاب وَأَمْثَاله عَليّ
وأشغلهم فِيهِ فتعجبوا من فعله ﵀
وَهَذَا يدل مِنْهُ على كَمَال عقله وتوفر مروءته
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ كَانَ أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن يوجان وَزِير الْمَنْصُور يعادي الْحَفِيد أَبَا بكر بن زهر ويحسده لما يرى من عظم حَاله وعلو مَنْزِلَته وَعلمه فاحتال عَلَيْهِ فِي سم صيره مَعَ أحد من كَانَ عِنْد الْحَفِيد بن زهر فقدمه إِلَى الْحَفِيد بن زهر فِي بيض وَكَانَت مَعَ الْحَفِيد أَيْضا بنت أُخْته وَكَانَت أُخْته وابنتها هَذِه عالمتين بصناعة الطِّبّ والمداواة وَلَهُمَا خبْرَة جَيِّدَة بِمَا يتَعَلَّق بمداواة النِّسَاء وكانتا تدخلان إِلَى نسَاء الْمَنْصُور وَلَا يقبل للمنصور وَأَهله ولدا إِلَّا أُخْت الْحَفِيد أَو بنتهَا لما توفيت أمهَا
فَلَمَّا أكل الْحَفِيد من ذَلِك الْبيض وَبنت أُخْته مَاتَا جَمِيعًا وَلم ينفع فيهمَا علاج
قَالَ وَلم يمت أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن بن يوجان إِلَّا مقتولا قَتله مَعَ بعض أَقَاربه
أَقُول وَكَانَ من أجل تلامذة الْحَفِيد أبي بكر بن زهر فِي صناعَة الطِّبّ والآخذين عَنهُ أَبُو جَعْفَر ابْن الغزال
وَمن شعر الْحَفِيد أبي بكر بن زهر أَنْشدني محيي الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَليّ بن عَليّ بن مُحَمَّد الْعَرَبِيّ الْحَاتِمِي قَالَ أَنْشدني الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر لنَفسِهِ يتشوق إِلَى وَلَده
(نأت عَنهُ دَاري فيا وحشتي ... لذاك الشخيص وَذَاكَ الْوَجِيه)
(تشوقني وتشوقته ... فيبكي عَليّ وأبكي عَلَيْهِ)
(وَقد تَعب الشوق مَا بَيْننَا ... فَمِنْهُ إِلَيّ ومني إِلَيْهِ) المتقارب
أَنْشدني القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ أَنْشدني أَبُو عمرَان بن عمرَان الزَّاهِد المرتلي القاطن بأشبيلية قَالَ أَنْشدني الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر لنَفسِهِ فِي آخر عمره
(إِنِّي نظرت إِلَى الْمرْآة إِذْ جليت ... فأنكرت مقلتاي كلما رأتا)
(رَأَيْت فِيهَا شييخا لست أعرفهُ ... وَكنت أعرف فِيهَا قبل ذَاك فَتى)
(فَقلت أَيْن الَّذِي مثواه كَانَ هُنَا ... مَتى ترحل عَن هَذَا الْمَكَان مَتى)
(فاستجهلتني وَقَالَت لي وَمَا نطقت ... قد كَانَ ذَلِك وَهَذَا بعد ذَاك أَتَى)
(هون عَلَيْك فَهَذَا لَا بَقَاء لَهُ ... أما ترى العشب يفنى بَعْدَمَا نبتا)
(كَانَ الغواني يقلن يَا أخي فقد ... صَار الغواني يقلن الْيَوْم يَا أبتا) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ عَن الْحَفِيد بن زهر لَهُ من أَبْيَات
(أعد الحَدِيث عَليّ من جنباته ... أَن الحَدِيث عَن الحبيب حبيب) الْكَامِل
стр. 511
وأنشدني شَيخنَا علم الدّين قَيْصر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْغَنِيّ بن مُسَافر الْحَنَفِيّ المهندس للحفيد أبي بكر بن زهر وَهِي بديعة الْمَعْنى كَثِيرَة التَّجْنِيس
(لله مَا صنع الغرام بِقَلْبِه ... أودى بِهِ لما ألب بلبه)
(لباه لما أَن دَعَاهُ وَهَكَذَا ... من يَدعه دَاعِي الغرام يُلَبِّهِ)
(بِأبي الَّذِي لَا تَسْتَطِيع لعجبه ... رد السَّلَام وَإِن شَككت فعج بِهِ)
(ظَبْي من الأتراك مَا ترك الضنا ... ألحاظه من سلوة لمحبه)
(إِن كنت تنكر مَا جنى بلحاظة ... فِي سلبه يَوْم الغوير فسل بِهِ)
(أَو شِئْت أَن تلقى غزالا أغيدا ... فِي سربه أَسد العرين فسر بِهِ)
(يَا من أميلحه وأعذب رِيقه ... وأعزه وأذلني فِي حبه)
(أَو مَا أليطف وردة فِي خَدّه ... وأرقها وَأَشد قسوة قلبه)
(كم من خمار دون خمرة رِيقه ... وَعَذَاب قلب دون رائق عذبه)
(نَادَى بنفسج عارضيه تعمدا ... يَا عاشقين تمنعوا من قربه) الْكَامِل
وَمن موشحاته مِمَّا أَنْشدني أَبُو عبد الله مُحَمَّد سبط الْحَكِيم أبي مُحَمَّد عبد الله ابْن الْحَفِيد أبي بكر زهر وَكَانَ وَالِد هَذَا الْمَذْكُور أبي عبد الله وَهُوَ أَبُو مَرْوَان أَحْمد بن القَاضِي أبي عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد ابْن عبد الْملك الْبَاجِيّ قد تزوج ببنت أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد أبي بكر بن زهر ورزق مِنْهَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد
وَكَانَ أَعنِي أَبَا مَرْوَان أَحْمد قد ملك أشبيلية وَبقيت فِي يَده تِسْعَة أشهر
ثمَّ قَتله ابْن الْأَحْمَر غدرا فِي سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك سبعا وَثَلَاثِينَ سنة فَمن ذَلِك قَالَ وَهِي من أول قَوْله
(زعمت أنفاسي الصعدا ... إِن أفراح الْهوى نكد)
(هام قلبِي فِي معذبه ... وَأَنا أَشْكُو لمطلبه ... إِن كتمت الْحبّ مت بِهِ)
(وَإِذا مَا صحت واكبدا ... فَرح الْأَعْدَاء وانتقدوا)
(أَيهَا الباكي على الطلل ... ومدير الراح بالأمل ... أَنا من عَيْنَيْك فِي شغل)
(فدع الدمع السفوح سدى ... وضرام الشوق تتقد)
(مقلة جَادَتْ بِمَا ملكت ... عرفت ذل الْهوى فَبَكَتْ ... وَشَكتْ مِمَّا بهَا ورثت)
(وفؤادي هائم أبدا ... مَا عَلَيْهِ ... للسلو يَد)
(إِن عَيْني لَا أذنبها ... أَتعبت قلبِي وأتعبها ... لنجوم بت أرقبها)
(رمت أَن أحصي لَهَا عددا ... وَهِي لَا يُحْصى لَهَا عدد)
(وغزال يغلب الأسدا ... جِئْت لاستنجاز مَا وَعدا ... فانزوى عني وَقَالَ غَدا)
стр. 512
(أَتَرَى يَا قوم أَيْن هُوَ غَدا ... فِي أَي مَكَان يسكن أَو يجد) المديد
وَقَالَ أَيْضا
(شمس قارنت بَدْرًا ... رَاح ونديم)
(أدر أكؤس الْخمر ... عنبرية النشر ... أَن الرَّوْض ذُو بشر)
(وَقد درع النهرا ... هبوب النسيم)
(وسلت على الْأُفق ... يَد الغرب والشرق ... سيوفا من الْبَرْق)
(وَقد أضْحك الزهرا ... بكاء الغيوم)
(إِلَّا أَن لي مولى ... تحكم فاستولى ... أما أَنه لَوْلَا)
(دمع يفضح السرا ... لَكُنْت كتوم)
(أَنى لي كتمان ... ودمعي طوفان ... شبت فِيهِ نيران)
(فَمن أبْصر الجمرا ... فِي لج يعوم)
(إِذا لامني فِيهِ ... من رأى تجنيه ... شدوت أغنيه)
(لَعَلَّ لَهُ عذرا ... وَأَنت تلوم)
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الساقي إِلَيْك المشتكى ... قد دعوناك وَإِن لم تسمع)
(ونديم هَمت فِي غرته ... وشربت الراح من رَاحَته ... كلما اسْتَيْقَظَ من سكرته)
(جذب الزق إِلَيْهِ واتكا ... وسقاني أَرْبعا فِي أَربع)
(غُصْن بَان مَال من حَيْثُ اسْتَوَى ... بَات من يهواه من فرط الجوى)
(خَفق الأحشاء ... موهون القوى)
(كلما فكر فِي الْبَين بَكَى ... مَا لَهُ يبكي لما لم يَقع)
(لَيْسَ لي صَبر وَلَا لي جلد ... يَا لقومي عذلوا واجتهدوا ... انكروا شكواي مِمَّا أجد)
(مثل حَالي حَقه أَن يشتكي ... كمد الْيَأْس وذل الطمع)
(مَا لعَيْنِي عشيت بِالنّظرِ ... انكرت بعْدك ضوء الْقَمَر ... وَإِذا مَا شِئْت فاسمع خبري)
(شقيت عَيْنَايَ من طول البكا ... وَبكى بَعْضِي على بَعْضِي معي)
(كبد حرى ودمع يكف ... يعرف الذَّنب وَلَا يعْتَرف ... أَيهَا المعرض عَمَّا أصف)
(قد نمى حبك عِنْدِي وزكا ... لَا يظنّ الْحبّ أَنِّي مدعي)
وَقَالَ أَيْضا
(يَا صَاحِبي نِدَاء مغتبط بِصَاحِب ... لله مَا أَلْقَاهُ من فقد الحبائب)
стр. 513
(قلب أحَاط بِهِ الجوى من كل جَانب ... )
(أَي قلب هائم ... لَا يستريح من اللواحي)
(يَا من أعانقه بإحناء الضلوع ... وأقيمه بَدَلا من الْقلب الصديع)
(أَنا للغرام وَأَنت ... لِلْحسنِ البديع)
(وَكَلَام اللائم ... شَيْء يمر مَعَ الرِّيَاح)
(أنحى على رشدي وأفقدني صلاحي ... ثغر ثنى الْأَبْصَار عَن نور الصَّباح)
(يسقى بمختلطين ... من مسك وَرَاح)
(كالحباب العائم ... فِي صفحة المَاء القراح)
(من لي بِهِ بَدْرًا تجلى فِي الظلام ... علقت من وجناته بدر التَّمام)
(وعلقت من أعطافه لدن القوام ... )
(كالقضيب الناعم ... لم يسْتَطع حمل الوشاح)
(حَملتنِي فِي الْحبّ مَا لَا يُسْتَطَاع ... شوقا يراع لذكره من لَا يراع)
(بل أَنْت أظلم من لَهُ حكم مُطَاع) الْكَامِل والرمل
وَقَالَ أَيْضا
(حَيّ الْوُجُوه الملاحا ... وَحي كحل الْعُيُون)
(هَل فِي الْهوى من جنَاح ... وَفِي نديم وَرَاح ... رام النصوح صلاحي)
(وَكَيف أَرْجُو صلاحا ... بَين الْهوى والمجون)
(يَا غَائِبا لَا يغيب ... أَنْت الْبعيد الْقَرِيب ... كم تشتقيك الْقُلُوب)
(أثخنتهن جراحا ... واسأل سِهَام الْعُيُون)
(أبكى الْعُيُون البواكي ... تذكار أُخْت السماك ... حَتَّى حمام الْأَرَاك)
(بَكَى بشجو ... وناحا ... على فروع الغصون)
(ألْقى إِلَيْهَا زمامه ... صب يداوي غرامه ... وَلَا يُطيق الملامه)
(غَدا بشوق وراحا ... مَا بَين سبي الظنون)
(يَا راحلا لم يودع ... رحلت بالأنس أجمع ... وَالْعجز يُعْطي وَيمْنَع)
(مروا وأخفوا الرواحا ... سحرًا وَمَا ودعوني) المجتث
وَقَالَ أَيْضا
(هَل ينفع الوجد أَو يُفِيد ... أم هَل على من بَكَى جنَاح)
(يَا منية الْقلب غبت عني ... فالليل عِنْدِي بِلَا صباح)
стр. 514
(أفديه من معرض تولى ... لَا عين مِنْهُ وَلَا أثر)
(عذبني فِي هَوَاهُ كلا ... لم يبْق مني وَلَا يذر)
(يَا عين عَيْني فَلَيْسَ إِلَّا ... صَبر على الدمع والسهر)
(وَيفْعل الشوق مَا يُرِيد ... فِي كبد كلهَا جراح)
(يَا مخجل الْيَد لَا تسلني ... عَن جور الحاظك الملاح)
(زَاد على بهجة النَّهَار ... من حسنه الدَّهْر فِي ازدياد)
(لحظ لَهُ سطوة الْعقار ... يفعل فِي الْعقل مَا أَرَادَ)
(خداه كالورد فِي البهار ... يقطف باللحظ أم يكَاد)
(وَذَلِكَ المبسم البرود ... حصاه در وَصرف رَاح)
(أَو مثل مَا قلت مَاء مزن ... يسْقِي بِهِ يَانِع الأقاح)
(يَا من لَهُ أبدع الصِّفَات ... يَا غُصْن يَا دعص يَا قمر)
(غبت فَلم يَأْتِ مِنْك آتٍ ... فاستوحش السّمع وَالْبَصَر)
(لَوْلَا صبا تلكم الْجِهَات ... لذاب قلبِي من الْفِكر)
(يَا أَيهَا النازح الْبعيد ... جَاءَت بأنبائك الرِّيَاح)
(إِن الصِّبَا عَنْك أَخْبَرتنِي ... مَا اهتز روض الربى وفاح)
(يَا ساحرا فَوق كل سَاحر ... وَمن لَهُ حسنه أصف)
(وَجه لَهُ كالصباح باهر ... أردية الْحسن يلتحف)
(كالروض حفت بِهِ الأزاهر ... يقطف باللحظ أم قطف)
(كالبدر فِي لَيْلَة السُّعُود ... اشرق لألاؤه ولاح)
(كالغصن اللدن فِي التثني ... تهز أعطافه الرِّيَاح)
(من لي بمخضوبة البنان ... ممشوقة الْقد والدلال)
(من هجرها مشْيَة الزَّمَان ... مَاض ومستقبل وَحَال)
(فِيهَا رثى عاذلي لشاني ... ثمَّ انثنى ضَاحِكا وَقَالَ)
(عاشق ومسكين الله يُرِيد ... وَارْضَ لمن يعشق الملاح)
(فدع يهجر أَو يصلني ... لَيْسَ على سَاحر اقتراح)
أَبُو مُحَمَّد بن الْحَفِيد أبي بكر بن زهر
هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد أبي بكر مُحَمَّد بن أبي مَرْوَان عبد الْملك بن أبي الْعَلَاء زهر بن أبي
стр. 515
مَرْوَان عبد الْملك بن مُحَمَّد بن مَرْوَان بن زهر
كَانَ جيد الْفطْرَة حسن الرَّأْي جميل الصُّورَة مفرط الذكاء مَحْمُود الطَّرِيقَة محبا للبس الفاخر
وَكَانَ كثير الاعتناء بصناعة الطِّبّ وَالنَّظَر فِيهَا وَالتَّحْقِيق لمعانيها
واشتغل على وَالِده وَوَقفه على كثير من أسرار علم هَذِه الصِّنَاعَة وعملها
وَقَرَأَ كتاب النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي على أَبِيه واتقن مَعْرفَته
وَكَانَ الْخَلِيفَة أَبُو عبد الله مُحَمَّد النَّاصِر بن الْمَنْصُور أبي يَعْقُوب يرى لَهُ كثيرا ويحترمه وَيعرف مِقْدَار علمه وبيتوتته
حَدثنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ لما توجه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد إِلَى الحضرة خرج مِنْهُ فِيمَا اشْتَرَاهُ لسفره وَنَفَقَته فِي الطَّرِيق نَحْو عشرَة آلَاف دِينَار
قَالَ وَلما اجْتمع بالخليفة النَّاصِر بالمهدية لما فتحهَا النَّاصِر خدمه على مَا جرت بِهِ الْعَادة وَقَالَ لَهُ إِنَّنِي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بِحَمْد الله بِكُل خير من إنعامكم وإحسانكم عَليّ وعَلى آبَائِي وَقد وصل إِلَيّ مِمَّا كَانَ بيد أبي من إحسانكم مَا يغنيني مُدَّة حَياتِي وَأكْثر وَإِنَّمَا أتيت لأَكُون فِي الْخدمَة كَمَا كَانَ أبي وَأَن اجْلِسْ فِي الْموضع الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ بَين يَدي أَمِير الْمُؤمنِينَ
فَأكْرمه النَّاصِر إِكْرَاما كثيرا وَأطلق إِلَيْهِ من الْأَمْوَال وَالنعَم مَا يفوق الْوَصْف
وَكَانَ مَجْلِسه إِذا حضر قَرِيبا مِنْهُ فِي الْموضع الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ وَالِده الْحَفِيد فَكَانَ يجلس إِلَى جَانب الْخَلِيفَة النَّاصِر الْخَطِيب أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحسن بن أبي يُوسُف حجاج القَاضِي وَكَانَ يجلس تلوه القَاضِي الشريف أَبُو عبد الله الْحُسَيْنِي وَكَانَ يجلس تلوه أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر وَكَانَ يجلس إِلَى جَانِبه أَبُو مُوسَى عِيسَى بن عبد الْعَزِيز الْجُزُولِيّ صَاحب الْمُقدمَة الْمَشْهُورَة فِي النَّحْو الْمَعْرُوفَة بالجزولية
وَكَانَ هَذَا فِي النَّحْو يشْتَغل عَلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد وَيجْلس بَين يَدَيْهِ ويتعلم مِنْهُ
وَكَانَ مولد أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْحَفِيد أبي بكر فِي سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة بِمَدِينَة أشبيلية
وَتُوفِّي ﵀ مسموما فِي سنة اثْنَتَيْنِ وسِتمِائَة فِي مَدِينَة سلا فِي الْجِهَة الْمُسَمَّاة برباط الْفَتْح وَدفن بهَا
وَكَانَ مُتَوَجها إِلَى مراكش فاخترمه الْأَجَل دونهَا ثمَّ حمل من الْموضع الَّذِي دفن فِيهِ إِلَى أشبيلية وَدفن عِنْد آبَائِهِ بأشبيلية خَارج بَاب الْفَتْح فَكَانَت مُدَّة حَيَاته خمْسا وَعشْرين سنة
وَمن أعجب مَا حَدثنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ عَنهُ قَالَ كنت يَوْمًا عِنْده وَإِذا بِهِ قد قَالَ لي إِنَّنِي رَأَيْت البارحة فِي النّوم أُخْتِي وَكَانَت أُخْته قد مَاتَت قبله قَالَ وَكَأَنِّي قلت لَهَا يَا أُخْتِي بِاللَّه عرفيني كم يكون عمري فَقَالَت لي طابيتين وَنصفا والطابية هِيَ خَشَبَة للْبِنَاء مَعْرُوفَة فِي الْمغرب بِهَذَا الِاسْم طولهَا عشرَة أشبار فَقلت لَهَا أَنا أَقُول لَك جد وَأَنت تجيبيني بالهزء فَقَالَت لَا وَالله مَا قلت لَك إِلَّا جدا وَإِنَّمَا أَنْت مَا فهمت
أَلَيْسَ الطابية عشرَة أشبار والطابيتين وَنصفا خَمْسَة وَعِشْرُونَ
стр. 516
يكون عمرك خمْسا وَعشْرين سنة
قَالَ القَاضِي أَبُو مَرْوَان فَلَمَّا قصّ عَليّ هَذِه الرُّؤْيَا قلت لَهُ لَا تتوهم من هَذَا فَلَعَلَّهُ من أضغاث أَحْلَام
قَالَ وَلم تكمل تِلْكَ السّنة إِلَّا وَقد مَاتَ فَكَانَ عمره كَمَا قيل لَهُ خمْسا وَعشْرين سنة لَا أَزِيد وَلَا أنقص وَخلف وَلدين كل مِنْهُمَا فَاضل فِي نَفسه كريم فِي جنسه
أَحدهمَا يُسمى أَبَا مَرْوَان عبد الْملك وَالْآخر أَبَا الْعَلَاء مُحَمَّد والأصغر مِنْهُمَا وَهُوَ أَبُو الْعَلَاء معتن بصناعة الطِّبّ وَله نظر جيد فِي كتب جالنوس
وَكَانَ مقامهما فِي أشبيلية
أَبُو جَعْفَر بن هَارُون الترجالي
من أَعْيَان أهل أشبيلية وَكَانَ محققا للعلوم الْحكمِيَّة متقنا لَهَا معتنيا بكتب أرسطوطاليس وَغَيره من الْحُكَمَاء الْمُتَقَدِّمين فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ متميزا فِيهَا خَبِيرا بأصولها وفروعها حسن المعالجة مَحْمُود الطَّرِيقَة
وخدم لأبي يَعْقُوب وَالِد الْمَنْصُور
وَكَانَ من طلبة الْفَقِيه أبي بكر بن الْعَرَبِيّ لَازمه مُدَّة واشتغل عَلَيْهِ بِعلم الحَدِيث
وَكَانَ أَبُو جَعْفَر بن هَارُون يروي الحَدِيث وَهُوَ شيخ أبي الْوَلِيد بن رشد فِي التعاليم والطب وَأَصله من ترجالة من ثغور الأندلس
وَهِي الَّتِي أَصَابَهَا الْمَنْصُور خَالِيَة وهرب أَهلهَا وعمرها الْمُسلمُونَ
وَكَانَ أَبُو جَعْفَر هَارُون أَيْضا عَالما بصناعة الْكحل وَله آثَار فاضلة فِي المداواة
حَدثنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْملك اللَّخْمِيّ ثمَّ الْبَاجِيّ أَن أَخَاهُ القَاضِي أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد لما كَانَ صَغِيرا أصَاب عينه عود واخترق السوَاد حَتَّى أَنه يئس لَهُ من الْبُرْء فاستدعى أَبوهُ أَبَا جَعْفَر بن هَارُون وَأرَاهُ عين وَلَده وَقَالَ لَهُ أَنا أدفَع لَك ثلثمِائة دِينَار وتعالجها
فَقَالَ وَالله مَا حَاجَة إِلَى هَذَا الَّذِي ذكرته وَإِنَّمَا أداويه وَيصْلح إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَشرع فِي مداواته إِلَى أَن صلحت عينه وابصر بهَا وَأصَاب ابْن هَارُون خدر وَضعف فِي أَعْضَائِهِ فالتزم دَاره بأشبيلية وَكَانَ يطب النَّاس وَتُوفِّي بأشبيلية
أَبُو الْوَلِيد بن رشد
هُوَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن رشد مولده ومنشؤه بقرطبة مَشْهُور بِالْفَضْلِ معتن بتحصيل الْعُلُوم أوحد فِي علم الْفِقْه وَالْخلاف واشتغل على الْفَقِيه الْحَافِظ أبي مُحَمَّد بن رزق
وَكَانَ أَيْضا متميزا فِي علم الطِّبّ وَهُوَ جيد التصنيف حسن الْمعَانِي
وَله فِي الطِّبّ كتاب الكليات وَقد أَجَاد فِي تأليفه
وَكَانَ بَينه وَبَين أبي مَرْوَان بن زهر مَوَدَّة
وَلما ألف كِتَابه هَذَا فِي الْأُمُور الْكُلية قصد من ابْن زهر أَن يؤلف كتابا فِي الْأُمُور الْجُزْئِيَّة لتَكون جملَة كِتَابَيْهِمَا ككتاب كَامِل فِي صناعَة
стр. 517
الطِّبّ
وَلذَلِك يَقُول ابْن رشد فِي آخر كِتَابه مَا هَذَا نَصه قَالَ فَهَذَا هُوَ القَوْل فِي معالجة جَمِيع أَصْنَاف الْأَمْرَاض بأوجز مَا أمكننا وأبينه وَقد بَقِي علينا من هَذَا الْجُزْء القَوْل فِي شِفَاء عرض عرض من الْأَعْرَاض الدَّاخِلَة على عُضْو عُضْو من الْأَعْضَاء
وَهَذَا وَأَن لم يكن ضَرُورِيًّا لِأَنَّهُ منطو بِالْقُوَّةِ فِيمَا سلف من الْأَقَاوِيل الْكُلية فَفِيهِ تتميم مَا وارتياض لأَنا ننزل فِيهَا إِلَى علاجات الْأَمْرَاض بِحَسب عُضْو عُضْو وَهِي الطَّرِيقَة الَّتِي سلكها أَصْحَاب الكنانيش حَتَّى نجمع فِي أقاويلنا هَذِه إِلَى الْأَشْيَاء الْكُلية الْأُمُور الْجُزْئِيَّة
فَإِن هَذِه الصِّنَاعَة أَحَق صناعَة ينزل فِيهَا إِلَى الْأُمُور الْجُزْئِيَّة مَا أمكن إِلَّا أَنا نؤخر هَذَا إِلَى وَقت نَكُون فِيهِ أَشد فراغا لعنايتنا فِي هَذَا الْوَقْت بِمَا يهم من غير ذَلِك فَمن وَقع لَهُ هَذَا الْكتاب دون هَذَا الْجُزْء وَأحب أَن ينظر بعد ذَلِك إِلَى الكنانيش فأوفق الكنانيش لَهُ الْكتاب الملقب بالتيسير الَّذِي أَلفه فِي زَمَاننَا هَذَا أَبُو مَرْوَان بن زهر وَهَذَا الْكتاب سَأَلته أَنا إِيَّاه وانتسخته فَكَانَ ذَلِك سَبِيلا إِلَى خُرُوجه وَهُوَ كَمَا قُلْنَا كتاب الْأَقَاوِيل الْجُزْئِيَّة الَّتِي قلت فِيهِ شَدِيدَة الْمُطَابقَة للأقاويل الْكُلية إِلَّا أَنه مزج هُنَالك مَعَ العلاج العلامات وَإِعْطَاء الْأَسْبَاب على عَادَة أَصْحَاب الكنانيش وَلَا حَاجَة لمن يقْرَأ كتَابنَا هَذَا إِلَى ذَلِك بل يَكْفِيهِ من ذَلِك مُجَرّد العلاج فَقَط
وَبِالْجُمْلَةِ من تحصل لَهُ مَا كتبناه من الْأَقَاوِيل الْكُلية أمكنه أَن يقف على الصَّوَاب وَالْخَطَأ من مداواة أَصْحَاب الكنانيش فِي تَفْسِير العلاج والتركيب
حَدثنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ كَانَ القَاضِي أَبُو الْوَلِيد بن رشد حسن الرَّأْي ذكيا رث البزة قوي النَّفس وَكَانَ قد اشْتغل بالتعاليم وبالطب على أبي جَعْفَر بن هَارُون ولازمه مُدَّة وَأخذ عَنهُ كثيرا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وَكَانَ ابْن رشد قد قضى مُدَّة فِي أشبيلية قبل قرطبة وَكَانَ مكينا عِنْد الْمَنْصُور وجيها فِي دولته وَكَذَلِكَ أَيْضا كَانَ وَلَده النَّاصِر يحترمه كثيرا قَالَ وَلما كَانَ الْمَنْصُور بقرطبة وَهُوَ مُتَوَجّه إِلَى غَزْو ألفنس وَذَلِكَ فِي عَام أحد وَتِسْعين وَخَمْسمِائة استدعى أَبَا الْوَلِيد بن رشد فَلَمَّا حضر عِنْده احترمه كثيرا وقربه إِلَيْهِ حَتَّى تعدى بِهِ الْموضع الَّذِي كَانَ يجلس فِيهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن الشَّيْخ حَفْص الهنتاتي صَاحب عبد الْمُؤمن وَهُوَ الثَّالِث أَو الرَّابِع من الْعشْرَة وَكَانَ هَذَا أَبُو مُحَمَّد عبد الْوَاحِد قد صاهره الْمَنْصُور وزوجه بابنته لعظم مَنْزِلَته عِنْده ورزق عبد الْوَاحِد مِنْهَا ابْنا اسْمه عَليّ وَهُوَ الْآن صَاحب إفريقية فَلَمَّا قرب الْمَنْصُور ابْن رشد وَأَجْلسهُ إِلَى جَانِبه حادثه ثمَّ خرج من عِنْده وَجَمَاعَة الطلبه وَكثير من أَصْحَابه ينتظرونه فهنؤوه بِمَنْزِلَتِهِ عِنْد الْمَنْصُور وإقباله عَلَيْهِ فَقَالَ وَالله إِن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يسْتَوْجب الهناء بِهِ فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد قربني دفْعَة إِلَى أَكثر مِمَّا كنت أؤمله فِيهِ أَو يصل رجائي إِلَيْهِ وَكَانَ جمَاعَة من أعدائه قد شيعوا بِأَن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أَمر بقتْله فَلَمَّا خرج سالما أَمر بعض خدمه أَن يمْضِي إِلَى بَيته وَيَقُول لَهُم إِن يصنعوا لَهُ قطا وفراخ حمام مسلوقة إِلَى مَتى يَأْتِي إِلَيْهِم وَإِنَّمَا كَانَ غَرَضه بذلك تطييب قُلُوبهم بعافيته
стр. 518
ثمَّ أَن الْمَنْصُور فِيمَا بعد نقم على أبي الْوَلِيد بن رشد وَأمر بِأَن يُقيم فِي اليسانة وَهِي بلد قريب من قرطبة وَكَانَت أَولا للْيَهُود وَأَن لَا يخرج عَنْهَا
ونقم أَيْضا على جمَاعَة أخر من الْفُضَلَاء الْأَعْيَان وَأمر أَن يَكُونُوا فِي مَوَاضِع أخر وَأظْهر أَنه فعل بهم ذَلِك بِسَبَب مَا يَدعِي فيهم أَنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الْأَوَائِل
وَهَؤُلَاء الْجَمَاعَة هم أَبُو الْوَلِيد بن رشد وَأَبُو جَعْفَر الذَّهَبِيّ والفقيه أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم قَاضِي بجاية وَأَبُو الرّبيع الكفيف وَأَبُو الْعَبَّاس الْحَافِظ الشَّاعِر القرابي
وبقوا مُدَّة ثمَّ أَن جمَاعَة من الْأَعْيَان بأشبيلية شهدُوا لِابْنِ رشد أَنه على غير مَا نسب إِلَيْهِ فَرضِي الْمَنْصُور عَنهُ وَعَن سَائِر الْجَمَاعَة وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَجعل أَبَا جَعْفَر الذَّهَبِيّ مزوارا للطلبة ومزوارا للأطباء
وَكَانَ يصفه الْمَنْصُور ويشكره وَيَقُول إِن أَبَا جَعْفَر الذَّهَبِيّ كالذهب الإبريز الَّذِي لم يَزْدَدْ فِي السبك إِلَّا جودة
قَالَ القَاضِي أَبُو مَرْوَان وَمِمَّا كَانَ فِي قلب الْمَنْصُور من ابْن رشد أَنه كَانَ مَتى حضر مجْلِس الْمَنْصُور وَتكلم مَعَه أَو بحث عِنْده فِي شَيْء من الْعلم يُخَاطب الْمَنْصُور بِأَن يَقُول تسمع يَا أخي
وَأَيْضًا فَإِن ابْن رشد كَانَ قد صنف كتابا فِي الْحَيَوَان وَذكر فِيهِ أَنْوَاع الْحَيَوَان ونعت كل وَاحِد مِنْهَا
فَلَمَّا ذكر الزرافة وصفهَا ثمَّ قَالَ وَقد رَأَيْت الزرافة عِنْد ملك البربر يَعْنِي الْمَنْصُور فَلَمَّا بلغ ذَلِك الْمَنْصُور صَعب عَلَيْهِ وَكَانَ أحد الْأَسْبَاب الْمُوجبَة فِي أَنه نقم على ابْن رشد وأبعده
وَيُقَال إِنَّه مِمَّا اعتذر بِهِ ابْن رشد أَنه قَالَ إِنَّمَا قلت ملك البرين وَإِنَّمَا تصحفت على الْقَارئ فَقَالَ ملك البربر
وَكَانَت وَفَاة القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد ﵀ فِي مراكش أول سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَذَلِكَ فِي أول دولة النَّاصِر وَكَانَ ابْن رشد قد عمر عمرا طَويلا وَخلف ولدا طَبِيبا عَالما بالصناعة يُقَال لَهُ أَبُو مُحَمَّد عبد الله
وَخلف أَيْضا أَوْلَادًا قد اشتغلوا بالفقه واستخدموا فِي قَضَاء الكور
وَمن كَلَام أبي الْوَلِيد بن رشد قَالَ من اشْتغل بِعلم التشريح ازْدَادَ أيمانا بِاللَّه
وَلأبي الْوَلِيد بن رشد من الْكتب كتاب التَّحْصِيل جمع فِيهِ اخْتِلَاف أهل الْعلم مَعَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتابعيهم وَنصر مذاهبهم وَبَين مَوَاضِع الِاحْتِمَالَات الَّتِي هِيَ مثار الِاخْتِلَاف
كتاب الْمُقدمَات فِي الْفِقْه
كتاب نِهَايَة الْمُجْتَهد فِي الْفِقْه
كتاب الكليات
شرح الأرجوزة المنسوبة إِلَى الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا فِي الطِّبّ
كتاب الْحَيَوَان
جَوَامِع كتب أرسطوطاليس فِي الطبيعيات والإلهيات
كتاب الضَّرُورِيّ فِي الْمنطق
مُلْحق بِهِ تَلْخِيص كتب أرسطوطاليس وَقد لخصها تلخيصا تَاما مُسْتَوْفيا
تَلْخِيص الإلهيات لنيقولاوس
تَلْخِيص كتاب مَا بعد الطبيعة لأرسطوطاليس
تَلْخِيص كتاب الْأَخْلَاق لأرسطوطاليس
تَلْخِيص كتاب الْبُرْهَان لأرسطوطاليس
تَلْخِيص كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس شرح كتاب السَّمَاء والعالم لأرسطوطاليس
شرح كتاب النَّفس لأرسطوطاليس
تَلْخِيص كتاب الاسطقسات لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص كتاب المزاج لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص كتاب القوى الطبيعية لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ تَلْخِيص كتاب التعرف لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص كتاب الحميات لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص أول كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لِجَالِينُوسَ
تَلْخِيص النّصْف الثَّانِي من كتاب حِيلَة الْبُرْء لِجَالِينُوسَ
كتاب تهافت التهافت يرد فِي على كتاب التهافت للغزالي
كتاب منهاج الْأَدِلَّة فِي
стр. 519
علم الْأُصُول
كتاب صَغِير سَمَّاهُ فصل الْمقَال فِيمَا بَين الْحِكْمَة والشريعة من الِاتِّصَال
الْمسَائِل المهمة على كتاب الْبُرْهَان لأرسطوطاليس
شرح كتاب الْقيَاس لأرسطوطاليس
مقَالَة فِي الْعقل
مقَالَة فِي الْقيَاس
كتاب فِي الفحص هَل يُمكن الْعقل الَّذِي فِينَا وَهُوَ الْمُسَمّى بالهيولاني أَن يعقل الصُّور الْمُفَارقَة بِآخِرهِ أَو لَا يُمكن ذَلِك وَهُوَ الْمَطْلُوب الَّذِي كَانَ أرسطوطاليس وعدنا بالفحص عَنهُ فِي كتاب النَّفس
مقَالَة فِي أَن مَا يَعْتَقِدهُ المشاؤون وَمَا يَعْتَقِدهُ المتكلمون من أهل ملتنا فِي كَيْفيَّة وجود الْعَالم مُتَقَارب فِي الْمَعْنى
مقَالَة فِي التَّعْرِيف بِجِهَة نظر أبي نصر فِي كتبه الْمَوْضُوعَة فِي صناعَة الْمنطق الَّتِي بأيدي النَّاس وبجهة نظر أرسطوطاليس فِيهَا وَمِقْدَار مَا فِي كتاب كتاب من أَجزَاء الصِّنَاعَة الْمَوْجُودَة فِي كتب أرسطوطاليس وَمِقْدَار مَا زَاد لاخْتِلَاف النّظر يَعْنِي نظريهما
مقَالَة فِي اتِّصَال الْعقل المفارق بالإنسان
مقَالَة فِي اتِّصَال الْعقل بالإنسان
مراجعات ومباحث بَين أبي بكر بن الطُّفَيْل وَبَين ابْن رشد فِي رسمه للدواء فِي كِتَابه الموسوم بالكليات
كتاب فِي الفحص عَن مسَائِل وَقعت فِي الْعلم الإلهي فِي كتاب الشِّفَاء لِابْنِ سينا
مَسْأَلَة فِي الزَّمَان
مقَالَة فِي فسخ شُبْهَة من اعْترض على الْحَكِيم وبرهانه فِي وجود الْمَادَّة الأولى وتبيين أَن برهَان أرسطوطاليس هُوَ الْحق الْمُبين
مقَالَة فِي الرَّد على أبي عَليّ بن سينا فِي تقسيمه الموجودات إِلَى مُمكن على الْإِطْلَاق وممكن بِذَاتِهِ وَاجِب بِغَيْرِهِ
وَإِلَى وَاجِب بِذَاتِهِ
مقَالَة فِي المزاج
مَسْأَلَة فِي نَوَائِب الْحمى
مقَالَة فِي حميات العفن
مسَائِل فِي الْحِكْمَة
مقَالَة فِي حَرَكَة الْفلك
كتاب فِيمَا خَالف أَبُو النَّصْر لأرسطوطاليس فِي كتاب الْبُرْهَان من ترتيبه وقوانين الْبَرَاهِين وَالْحُدُود
مقَالَة فِي الترياق
أَبُو مُحَمَّد بن رشد
هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن رشد فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ عَالم بهَا مشكور فِي أفعالها وَكَانَ يفد إِلَى النَّاصِر ويطبه
وَلأبي مُحَمَّد بن رشد من الْكتب مقَالَة فِي حِيلَة الْبُرْء
أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن موراطير
من شَرْقي الأندلس وموراطير قَرْيَة قريبَة من بلنسية
كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بهَا مزاولا لأعمالها مَحْمُود الطَّرِيقَة حسن الرَّأْي عَالما بالأمور الشَّرْعِيَّة وَسمع الحَدِيث وَقَرَأَ الْمُدَوَّنَة
وَكَانَ أديبا شَاعِرًا محبا للمجون كثير النادرة
حَدثنِي القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ كُنَّا فِي تونس مَعَ النَّاصِر وَكَانَ فِي الْعَسْكَر غلاء وَقل وجود الشّعير فَعمل أَبُو الْحجَّاج بن موراطير موشحا فِي النَّاصِر وأتى فِي ضمنه تَغْيِير بَيت عمله الْحَفِيد أَبُو بكر بن زهر فِي بضع موشحاته وَذَلِكَ أَن ابْن زهر قَالَ
(مَا الْعِيد فِي حلَّة وطاق وشم طيب ... وَإِنَّمَا الْعِيد فِي التلاقي مَعَ الحبيب)
стр. 520
فَعمل ابْن موراطير
(مَا الْعِيد فِي حلَّة وطبق من الْحَرِير ... إِنَّمَا الْعِيد فِي التلاقي مَعَ الشّعير)
فَأطلق لَهُ النَّاصِر عشرَة أَمْدَاد شعير كَانَت قيمتهَا فِي ذَلِك الْوَقْت خمسين دِينَارا
وَكَانَ أَبُو الْحجَّاج ابْن موراطير قد خدم بصناعة الطِّبّ الْمَنْصُور أَبَا يُوسُف يَعْقُوب
وَلما توفّي الْمَنْصُور خدم لوَلَده النَّاصِر وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يَعْقُوب وَمن بعد النَّاصِر أَيْضا خدم لوَلَده أبي يَعْقُوب يُوسُف الْمُسْتَنْصر بن النَّاصِر
وَكَانَ أَبُو الْحجَّاج بن موراطير قد عمر عمرا طَويلا وَكَانَ حظيا عِنْد الْمَنْصُور مكينا عِنْده رفيع الْمنزلَة
وَكَانَ يدْخل مجْلِس الْخَاصَّة مَعَ الْأَشْيَاخ للمذاكرة فِي الْعَرَبيَّة وَغَيرهَا وَمَات بالنقرس فِي مراكش فِي دولة الْمُسْتَنْصر
أَبُو عبد الله بن يزِيد
هُوَ ابْن أُخْت أبي الْحجَّاج يُوسُف بن موراطير كَانَ طَبِيبا فَاضلا وأديبا شَاعِرًا وشعره مَوْصُوف بالجودة
أَبُو مَرْوَان عبد الْملك بن قبلال
مولده ومنشؤه بغرناطة
وَكَانَ جيد النّظر فِي الطِّبّ حسن العلاج وخدم بصناعة الطِّبّ الْمَنْصُور ثمَّ خدم بعده لوَلَده النَّاصِر وَمَات فِي دولة النَّاصِر فِي مراكش
أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم الداني
كَانَت لَهُ عناية بَالِغَة فِي صناعَة الطِّبّ وَأَصله من بجاية وَنقل إِلَى الحضرة وَكَانَ أَمِين البيمارستان وطبيبه بالحضرة وَكَذَلِكَ ولداه
والأكبر مِنْهُمَا وَهُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد قتل فِي غَزْوَة الْعقَاب فِي الأندلس مَعَ النَّاصِر وَتُوفِّي الداني فِي مراكش فِي دولة الْمُسْتَنْصر بن النَّاصِر
أَبُو يحيى بن قَاسم الإشبيلي
كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بقوى الْأَدْوِيَة المفردة والمركبة كثير الْعِنَايَة بهَا
وَكَانَ صَاحب خزانَة الْأَشْرِبَة الَّتِي يَأْخُذهَا الْخَلِيفَة الْمَنْصُور من عِنْده وَكَذَلِكَ كَانَ وَالِده فِي خدمَة أبي يَعْقُوب وَالِد الْمَنْصُور
وَتُوفِّي أَبُو يحيى فِي مراكش فِي دولة الْمُسْتَنْصر وَكَانَ لَهُ ولد فَجعل مَوْضِعه فِي الخزانة عوضا عَن أَبِيه
أَبُو الحكم بن غلندو
مولده ومنشؤه بإشبيلية وَكَانَ أديبا شَاعِرًا حسن الشّعْر متميزا فِي صناعَة الطِّبّ مَحْمُود الطَّرِيقَة
стр. 521
وَكَانَ مفننا وخدم بصناعة الطِّبّ الْمَنْصُور وَكَانَ مكينا عِنْده وجيها فِي دولته
وَكَانَ الْمَنْصُور فِي عَام ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة حمله مَعَه لما ولي الْخلَافَة وَكَانَ ابْن غلندو صَاحب كتب كَثِيرَة وَيكْتب خطين أندلسيين وَتُوفِّي بمراكش وَدفن بهَا
أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن حسان
هُوَ الْحَاج أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن حسان الغرناطي
مولده ومنشؤه بغرناطة
واشتغل بصناعة الطِّبّ وأجاد فِي علمهَا وعملها وخدم الْمَنْصُور بالطب
وَحج أَبُو جَعْفَر بن حسان مَعَ أبي الْحُسَيْن بن جُبَير الغرناطي الأديب الْكَاتِب صَاحب كتاب الرحلة وَذكره مَعَه فِي الرحلة
وَتُوفِّي أَبُو جَعْفَر بن حسان بِمَدِينَة فاس
وَلأبي جَعْفَر بن حسان من الْكتب كتاب تَدْبِير الصِّحَّة أَلفه للمنصور
أَبُو الْعَلَاء بن أبي جَعْفَر أَحْمد بن حسان
من مَدِينَة غرناطة وَأحد الْأَعْيَان بهَا والمتميزين من أَهلهَا
قوي الذكاء حسن الْفطْرَة مشتغل بالأدب وَعِنْده براعة وَفضل وَهُوَ طَبِيب وَكَاتب
وخدم بصناعة الطِّبّ الْمُسْتَنْصر وَكَانَ حظيا عِنْده
وَهُوَ من جملَة الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ بأشبيلية وَقد قطن بهَا
أَبُو مُحَمَّد الشذوني
مولده ومنشؤه بأشبيلية وَكَانَ ذكيا فطنا وَله معرفَة جَيِّدَة بِعلم الْهَيْئَة وَالْحكمَة
وَكَانَ قد اشْتغل بصناعة الطِّبّ على أبي مَرْوَان عبد الْملك بن زهر ولازمه مُدَّة وباشر أَعمالهَا وَكَانَ مَشْهُورا بِالْعلمِ جيد العلاج
وخدم النَّاصِر بالطب وَتُوفِّي بأشبيلية فِي دولة الْمُسْتَنْصر
المصدوم
هُوَ ابْن الْحُسَيْن بن أسدون شهر بالمصدوم وَهُوَ تلميذ أبي مَرْوَان عبد الْملك بن زهر
وَكَانَ المصدوم دينا كثير الْخَيْر معتنيا بصناعة الطِّبّ مَشْهُورا بهَا أديبا شَاعِرًا
ومولده ومنشؤه بأشبيلية
وَكَانَ مُقيما فِي الْبَلَد ويحضر عِنْد الْمَنْصُور ويطلبه فِي أَوْقَات المداواة
وَتُوفِّي المصدوم فِي أشبيلية سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
عبد الْعَزِيز بن مسلمة الْبَاجِيّ
أَصله من باجة الغرب كَانَ من أَعْيَان أهل الأندلس وأجلائها وَيعرف بِابْن الْحَفِيد
وَكَانَ فَاضلا
стр. 522
فِي صناعَة الطِّبّ متميزا فِي الْأَدَب وَله شعر جيد
وَكَانَ تلميذ المصدوم وخدم بالطب الْمُسْتَنْصر
وَتُوفِّي فِي دولته فِي مراكش
أَبُو جَعْفَر بن الغزال
مولده بقنجيرة من أَعمال المرية وأتى إِلَى الْحَفِيد أبي بكر بن زهر ولازمه حق الْمُلَازمَة وَقَرَأَ عَلَيْهِ صناعَة الطِّبّ وعَلى غَيره حَتَّى اتقن الصِّنَاعَة
وخدم الْمَنْصُور بالطب وَكَانَ خَبِيرا بتركيب الْأَدْوِيَة وَمَعْرِفَة مفرداتها
وَكَانَ الْمَنْصُور يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الْأَدْوِيَة المركبة والمعاجين ويتناولها مِنْهُ
وَكَانَ الْمَنْصُور قد أبطل الْخمر وشدد بِأَن لَا يَأْتِي بِشَيْء مِنْهُ إِلَى الحضرة أَو يكون عِنْد أحد
فَلَمَّا كَانَ بعد ذَلِك بِمدَّة قَالَ الْمَنْصُور لأبي جَعْفَر بن الغزال أُرِيد أَن تجمع حوائج الترياق الْكَبِير وتركبه فامتثل أمره وَجمع حَوَائِجه وأعوزه الْخمر الَّذِي يعجن بِهِ أدوية الترياق وأنهى ذَلِك إِلَى الْمَنْصُور فَقَالَ لَهُ تطلبه من كل نَاحيَة وَانْظُر لَعَلَّ يكون عِنْد أحد مِنْهُ وَلَو شَيْء يسير لنكمل الترياق
فتطلبه أَبُو جَعْفَر من كل أحد وَلم يجد شَيْئا مِنْهُ
فَقَالَ الْمَنْصُور وَالله مَا كَانَ قصدي بتركيب الترياق فِي هَذَا الْوَقْت إِلَّا لاعتبر هَل بَقِي من الْخمر شَيْء عِنْد أحد أم لَا وَتُوفِّي أَبُو جَعْفَر بن الغزال فِي أَيَّام النَّاصِر
أَبُو بكر بن القَاضِي أبي الْحسن الزُّهْرِيّ
هُوَ أَبُو بكر بن الْفَقِيه القَاضِي أبي الْحسن الزُّهْرِيّ الْقرشِي قَاضِي أشبيلية مولده ومنشؤه بأشبيلية
وَكَانَ جوادا كَرِيمًا حسن الْخلق شرِيف النَّفس قد اشْتغل بالأدب وتميز فِي الْعلم
وَكَانَ أحد الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ والمتعينين فِي أَعمالهَا
وخدم بالطب للسَّيِّد أبي عَليّ بن عبد الْمُؤمن صَاحب أشبيلية
وَكَانَ يطبب النَّاس من دون أُجْرَة وَيكْتب النّسخ لَهُم وَكَانَ فِي مبدأ أمره محبا للشطرنج كثير اللّعب بِهِ وجاد لعبه فِي الشطرنج جدا حَتَّى صَار يُوصف بِهِ
وحَدثني القَاضِي أَبُو مَرْوَان الْبَاجِيّ قَالَ سَأَلت القَاضِي أَبَا بكر بن أبي الْحسن الزُّهْرِيّ عَن سَبَب تعلمه صناعَة الطِّبّ فَقَالَ لي إِنَّنِي كنت كثير اللّعب بالشطرنج وَلم يكد يُوجد من يلْعَب مثلي بِهِ فِي أشبيلية إِلَّا الْقَلِيل فَكَانُوا يَقُولُونَ أَبُو بكر الزُّهْرِيّ الشطرنجي فَكَانَ إِذا بَلغنِي ذَلِك أغتاظ مِنْهُ ويصعب عَليّ
فَقلت فِي نَفسِي لَا بُد أَن اشْتغل عَن هَذَا بِشَيْء غَيره من الْعلم لَا نعت بِهِ وَيَزُول عني وصف الشطرنج وَعلمت أَن الْفِقْه وَسَائِر الْأَدَب وَلَو اشتغلت بِهِ عمري كُله لم يخصني مِنْهُ وصف أَنعَت بِهِ فعدلت إِلَى أبي مَرْوَان عبد الْملك بن زهر واشتغلت عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ
وَكنت أَجْلِس عِنْده وأكتب لمن جَاءَ مستوصفا من المرضى الرّقاع واشتهرت بعد ذَلِك بالطب وَزَالَ عني مَا كنت أكره الْوَصْف بِهِ
وعاش أَبُو بكر بن أبي الْحسن الزُّهْرِيّ خمْسا وَثَمَانِينَ سنة وَتُوفِّي فِي دولة الْمُسْتَنْصر وَدفن بأشبيلية
стр. 523
أَبُو عبد الله الندرومي
هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَحْنُون وَيعرف بالندرومي مَنْسُوبا إِلَى ندرومة من نظر مَدِينَة تلمسان وَهُوَ كومي أَيْضا ينْسب إِلَى قبيله جليل الْقدر فَاضل النَّفس محب للفضائل حاد الذِّهْن مفرط الذكاء
ومولده بقرطبة فِي نَحْو سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَنَشَأ بقرطبة ثمَّ انْتقل إِلَى أشبيلية
وَكَانَ قد لحق القَاضِي أَبَا الْوَلِيد بن رشد واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ واشتغل أَيْضا على أبي الْحجَّاج يُوسُف بن موراطير
والندرومي من جملَة المتميزين فِي علم الْأَدَب والعربية وَسمع كثيرا من الحَدِيث وخدم النَّاصِر فِي آخر دولته بصناعة الطِّبّ وخدم بعده لوَلَده الْمُسْتَنْصر وَأقَام بأشبيلية وخدم بعد ذَلِك النَّجَاء سَالم بن هود ولأخيه أبي عبد الله بن هود صَاحب الأندلس
وَلأبي عبد الله الندرومي من الْكتب اخْتِصَار كتاب الْمُسْتَصْفى للغزالي
أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن سَابق
أَصله من قرطبة وَكَانَ فَاضلا ذكيا جيد النّظر حسن العلاج مَوْصُوفا بِالْعلمِ
وَكَانَ من طلبة القَاضِي أبي الْوَلِيد بن رشد وَمن جملَة المشتغلين عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ
وخدم بالطب النَّاصِر وَتُوفِّي فِي دولة الْمُسْتَنْصر
ابْن الحلاء المرسي
من مرسية وَكَانَ مَوْصُوفا بجودة الْمعرفَة بصناعة الطِّبّ وخدم الْمَنْصُور لما أَتَى إِلَيْهِ خدمَة وَافد وَتُوفِّي بِبَلَدِهِ
أَبُو إِسْحَق بن طملوس
من جَزِيرَة شقر من أَعمال بلنسية وَهُوَ من جملَة الْفُضَلَاء فِي صناعَة الطِّبّ وَأحد المتعينين من أَهلهَا وخدم النَّاصِر بالطب وَتُوفِّي بِبَلَدِهِ
أَبُو جَعْفَر الذَّهَبِيّ
هُوَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن جريج كَانَ فَاضلا عَالما بصناعة الطِّبّ جيد الْمعرفَة لَهَا حسن التأني فِي أَعمالهَا
وخدم الْمَنْصُور بالطب وَكَذَلِكَ أَيْضا خدم بعده النَّاصِر وَلَده
وَكَانَ يحضر مجْلِس المذاكرة فِي الْأَدَب
وَتُوفِّي أَبُو جَعْفَر الذَّهَبِيّ بتلمسان عِنْد غَزْوَة النَّاصِر إِلَى إفريقية سنة سِتّمائَة
стр. 524
أَبُو الْعَبَّاس بن الرومية
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن مُحَمَّد بن مفرج النباتي الْمَعْرُوف بِابْن الرومية من أهل أشبيلية وَمن أَعْيَان علمائها وأكابر فضلائها
قد اتقن علم النَّبَات وَمَعْرِفَة أشخاص الْأَدْوِيَة وقواها ومنافعها وَاخْتِلَاف أوصافها وتباين مواطنها
وَله الذّكر الشَّائِع والسمعة الْحَسَنَة كثير الْخَيْر مَوْصُوف بالديانة مُحَقّق للأمور الطبية
قد شرف نَفسه بالفضائل وَسمع من علم الحَدِيث شَيْئا كثيرا عَن ابْن حزم وَغَيره
وَوصل سنة ثَلَاث عشر وسِتمِائَة إِلَى ديار مصر وَأقَام بِمصْر وَالشَّام وَالْعراق نَحْو سنتَيْن وانتفع النَّاس بِهِ واسمع الحَدِيث وعاين نباتا كثيرا فِي هَذِه الْبِلَاد مِمَّا لم ينْبت بالمغرب وَشَاهد أشخاصها فِي منابتها ونظرها فِي موَاضعهَا
وَلما وصل من الْمغرب إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة سمع بِهِ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب ﵀ وبلغه فَضله وجودة مَعْرفَته بالنبات
وَكَانَ الْملك الْعَادِل فِي ذَلِك الْوَقْت بِالْقَاهِرَةِ فاستدعاه من الْإسْكَنْدَريَّة وتلقاه وأكرمه ورسم بِأَن يُقرر لَهُ جامكية وجراية وَيكون مُقيما عِنْده فَلم يفعل
وَقَالَ إِنَّمَا أتيت من بلدي لَا حج إِن شَاءَ الله وارجع إِلَى أَهلِي وَبَقِي مُقيما عِنْده مُدَّة وَجمع الترياق الْكَبِير وَركبهُ ثمَّ توجه إِلَى الْحجاز
وَلما حج عَاد إِلَى الْمغرب وَأقَام بأشبيلية
وَلأبي الْعَبَّاس بن الرومية من الْكتب تَفْسِير أَسمَاء الْأَدْوِيَة المفردة من كتاب ديسقوريدس
مقَالَة فِي تركيب الْأَدْوِيَة
أَبُو الْعَبَّاس الكنيناري
هُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن أبي عبد الله مُحَمَّد من أهل أشبيلية عَارِف بصناعة الطِّبّ من فضلاء أَهلهَا والمتميزين من أَرْبَابهَا
قَرَأَ الطِّبّ فِي أول أمره على عبد الْعَزِيز بن مسلمة الْبَاجِيّ
ثمَّ قَرَأَ بعد ذَلِك على أبي الْحجَّاج يُوسُف بن موراطير فِي مراكش وَأقَام بأشبيلية
وخدم لأبي النَّجَاء بن هود صَاحب أشبيلية
وَكَانَ يطب أَيْضا لِأَخِيهِ أبي عبد الله بن هود
ابْن الْأَصَم
هُوَ من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين بأشبيلية وَله خبْرَة فِي صناعَة الطِّبّ وَقُوَّة نظر فِي الِاسْتِدْلَال على الْأَمْرَاض ومداواتها
وَله حكايات مَشْهُورَة ونوادر كَثِيرَة فِي مَعْرفَته بِالْقَوَارِيرِ وإخباره
стр. 525
عِنْدهَا يَرَاهَا بجملة حَال الْمَرِيض وَمَا يشكوه وَمَا كَانَ قد تنَاوله من الأغذية
وحَدثني أَبُو عبد الله المغربي قَالَ كنت يَوْمًا عِنْد ابْن الْأَصَم وَإِذا بِجَمَاعَة قد أَقبلُوا إِلَيْهِ وَمَعَهُمْ رجل على دَابَّة وَهُوَ منْكب عَلَيْهَا فَلَمَّا وصلوا وجدنَا ذَلِك الرجل وَفِي فَمه حَيَّة قد دخل بَعْضهَا مَعَ رَأسهَا فِي حلقه وبقيتها ضاهرة وَهِي مربوطة بخيط قنب إِلَى ذِرَاع الرجل فَقَالَ مَا شَأْن هَذَا فَقَالُوا لَهُ إِن عَادَته ينَام وفمه مَفْتُوح وَكَانَ قد أكل لَبَنًا فَنَامَ فَلَمَّا جَاءَت هَذِه الْحَيَّة لعقت فَمه وداخل فَمه وَهُوَ نَائِم
وَلما أحست بِمن أَتَى خَافت وانساب بَعْضهَا فِي حلقه وأدركناها فربطناها بِهَذَا الْخَيط لِئَلَّا تدخل فِي حلقه
فَلَمَّا نظر إِلَى ذَلِك الرجل وجده وَهُوَ فِي الْمَوْت من الْخَوْف فَقَالَ لَهُ مَا عَلَيْك كدتم تهلكون الرجل
ثمَّ قطع الْخَيط فانسابت الْحَيَّة فِي حلقه واستقرت فِي معدته فَقَالَ لَهُ الْآن تَبرأ
وَأمره أَن لَا يَتَحَرَّك وَأخذ أدوية وعقاقير فأغلاها فِي مَاء غليا جيدا وَجعل ذَلِك المَاء فِي إبريق وسقاه الرجل وَهُوَ حَار فشربه وَصَارَ يحبس معدته حَتَّى قَالَ مَاتَت الْحَيَّة
ثمَّ سقَاهُ مَاء آخر مغليا فِيهِ حوائج وَقَالَ هَذِه تهرئ الْحَيَّة مَعَ هضم الْمعدة
وصبر مِقْدَار ساعتين وسقاه مَاء قد أغلي فِيهِ أدوية مقيئة فَجَاشَتْ نفس الرجل وذرعه الْقَيْء فعصب عَيْنَيْهِ وَبَقِي يتقيأ فِي طشت فَوَجَدنَا فِيهِ الْحَيَّة وَهِي قطع وَهُوَ يَأْمُرهُ بِكَثْرَة الْقَيْء حَتَّى تنظفت معدته وَخرجت بقايا الْحَيَّة فَقَالَ لَهُ طب نفسا فقد تعافيت وَذهب الرجل مطمئنا صَحِيحا بعد أَن كَانَ فِي حَالَة الْمَوْت
стр. 526
الْبَاب الرَّابِع عشر
طَبَقَات الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين من أطباء ديار مصر
بليطيان
كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا بديار مصر نَصْرَانِيّا عَالما بشريعة النَّصَارَى الملكية
قَالَ سعيد بن البطريق فِي كتاب نظم الْجَوْهَر
لما كَانَ فِي السّنة الرَّابِعَة من خلَافَة الْمَنْصُور من الْخُلَفَاء العباسيين صيربيلطيان بطريركا على الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ طَبِيبا أَقَامَ سِتا وَأَرْبَعين سنة وَمَات
قَالَ وَلما كَانَ فِي أَيَّام الرشيد هرون وَولى الرشيد عبيد الله بن الْمهْدي مصر أهْدى عبيد الله إِلَى الرشيد جَارِيَة من أهل البيما من أَسْفَل الأَرْض وَكَانَت حَسَنَة جميلَة وَكَانَ الرشيد يُحِبهَا حبا شَدِيدا فاعتلت عِلّة عَظِيمَة فعالجها الْأَطِبَّاء فَلم تنْتَفع بِشَيْء
فَقَالُوا لَهُ ابْعَثْ إِلَى عبيد الله عاملك بِمصْر ليوجه إِلَيْك وَاحِدًا من أطباء مصر فَإِنَّهُم أبْصر بعلاج هَذِه الْجَارِيَة من أطباء الْعرَاق
فَبعث الرشيد إِلَى عبيد الله بن الْمهْدي يخْتَار لَهُ من أحذق أطباء مصر من يعالج الْجَارِيَة فَدَعَا عبيد الله بليطيان بطريرك الْإسْكَنْدَريَّة وَكَانَ حاذقا بالطب فَأعلمهُ بحب الرشيد الْجَارِيَة وعلتها وَحمله إِلَى الرشيد
وَحمل بليطيان مَعَه من كعك مصر الخشن والصير فَلَمَّا دخل إِلَى بَغْدَاد وَدخل إِلَى الْجَارِيَة أطعمها الكعك والصير فَرَجَعت إِلَى طبعها وزالت عَنْهَا الْعلَّة فَصَارَ من ذَلِك الْوَقْت يحمل من مصر إِلَى خزانَة السُّلْطَان الكعك الخشن والصير
ووهب الرشيد لبليطيان البطريرك مَالا كثيرا وَكتب لَهُ منشورا فِي كل كَنِيسَة فِي يَد اليعقوبية مِمَّا أخذوها وتغلبوا عَلَيْهَا أَن ترد إِلَيْهِ فَرجع بليطيان إِلَى مصر واسترد من اليعقوبية كنائس كَثِيرَة
وَتُوفِّي بليطيان فِي سنة سِتَّة وَثَمَانِينَ وَمِائَة لِلْهِجْرَةِ
стр. 527
إِبْرَاهِيم بن عِيسَى
كَانَ طَبِيبا فَاضلا مَعْرُوفا فِي زَمَانه متميزا فِي أَوَانه صحب يوحنا بن ماسويه بِبَغْدَاد وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَأخذ عَنهُ
وخدم بصناعة الطِّبّ الْأَمِير أَحْمد بن طولون وَتقدم عِنْده وسافر مَعَه إِلَى الديار المصرية وَاسْتمرّ فِي خدمته وَلم يزل إِبْرَاهِيم بن عِيسَى مُقيما فِي فسطاط مصر إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي نَحْو سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ
الْحسن بن زيرك
كَانَ طَبِيبا فِي مصر أَيَّام أَحْمد بن طولون يَصْحَبهُ فِي الْإِقَامَة فَإِذا سَافر صَحبه سعيد بن توفيل
وَلما توجه ابْن طولون إِلَى دمشق فِي شهور سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وامتد مِنْهَا إِلَى الثغور لإصلاحها وَدخل أنطاكية عَائِدًا عَنْهَا أَكثر من اسْتِعْمَال لبن الجواميس فَأَدْرَكته هيضة لم ينجع فِيهَا معاناة سعيد ابْن توفيل وَعَاد بهَا إِلَى مصر وَهُوَ ساخط على سعيد بن توفيل
فَلَمَّا دخل الْفسْطَاط احضر الْحسن ابْن زيرك وشكا إِلَيْهِ سعيدا فسهل عَلَيْهِ ابْن زيرك أَمر علته وأعلمه أَنه يَرْجُو لَهُ السَّلامَة مِنْهَا عَن قرب
وَخفت عَنهُ علته بالراحة والطمأنينة واجتماع الشمل وهدوء النَّفس وَحسن الْقيام
وبر الْحسن بن زيرك
وَكَانَ يسر التَّخْلِيط مَعَ الْحرم فازدادت علته ثمَّ دَعَا بالأطباء فأرهبهم وخوفهم وكتمهم مَا أسلفه من سوء التَّدْبِير والتخليط واشتهى على بعض حظاياه سمكًا قريصا فأحضرته إِيَّاه سرا فَمَا تمكن من معدته حَتَّى تتَابع الإسهال فأحضر الْحسن بن زيرك وَقَالَ لَهُ احسب الَّذِي سقيتنيه الْيَوْم غير صَوَاب
قَالَ لَهُ الْحسن بن زيرك يَأْمر الْأَمِير أيده الله بإحضار جمَاعَة أطباء الْفسْطَاط دَاره فِي غَدَاة كل يَوْم حَتَّى يتفقوا على مَا يَأْخُذهُ كل غَدَاة وَمَا سقيتك إِلَّا أَشْيَاء تولى عجنها ثقتك وجميعها تنهض الْقُوَّة الماسكة فِي معدتك وكبدك
فَقَالَ أَحْمد وَالله لَئِن لم تنجحوا فِي تدبيركم لَأَضرِبَن أَعْنَاقكُم فَإِنَّمَا تجربون على العليل وَلَا يحصل مِنْكُم على شَيْء فِي الْحَقِيقَة
فَخرج الْحسن بن زيرك من بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يرعد
وَكَانَ شَيخا كَبِيرا فحميت كبده من سوء فكره وخوفه وتشاغله عَن الْمطعم وَالنَّوْم فاعتراه إسهال سريع وَاسْتولى الْغم عَلَيْهِ فخلط وَكَانَ يهذي بعلة أَحْمد بن طولون حَتَّى مَاتَ فِي غَد ذَلِك الْيَوْم
سعيد بن توفيل
كَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا متميزا فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ فِي خدمَة أَحْمد بن طولون من أطباء الْخَاص يَصْحَبهُ فِي السّفر والحضر وَتغَير عَلَيْهِ قبل مَوته
وَسَببه أَن أَحْمد بن طولون كَمَا تقدم ذكره
стр. 528
كَانَ قد خرج إِلَى الشَّام وَقصد الثغور لإصلاحها وَعَاد إِلَى أنطاكية فَأَدْرَكته هيضة من ألبان الجواميس لِأَنَّهُ أسْرع فِيهَا واستكثر مِنْهَا فالتمس طبيبه سعيدا فَوَجَدَهُ قد خرج إِلَى بيعَة بأنطاكية فَتمكن غيظه عَلَيْهِ فَلَمَّا حضر اغلظ لَهُ فِي التَّأَخُّر عَنهُ وأنف أَن يشكو إِلَيْهِ مَا وجده
ثمَّ زَاد الْأَمر عَلَيْهِ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة فَطَلَبه فجَاء متنبذا فَقَالَ لَهُ لي من يَوْمَيْنِ عليل وَأَنت شَارِب نَبِيذ فَقَالَ يَا سَيِّدي طلبتني أمس وَأَنا فِي بيعتي على مَا جرت عادتي وَحَضَرت فَلم تُخبرنِي بِشَيْء قَالَ فَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَن تسْأَل عَن حَالي قَالَ ظَنك يَا مولَايَ سيئ وَلست أسأَل أحدا من حاشيتك عَن شَيْء من أَمرك
قَالَ فَمَا الصَّوَاب السَّاعَة قَالَ لَا تقرب شَيْئا من الْغذَاء وَلَو قرمت إِلَيْهِ اللَّيْلَة وَغدا
قَالَ أَنا وَالله جَائِع وَمَا أَصْبِر
قَالَ هَذَا جوع كَاذِب لبرد الْمعدة
فَلَمَّا كَانَ فِي نصف اللَّيْل استدعى شَيْئا يَأْكُلهُ فجيء بفراريج كردباج حارة وبزماورد من دَجَاج وجداء بَارِدَة فَأكل مِنْهَا فَانْقَطع الإسهال عَنهُ فَخرج نسيم الْخَادِم وَسَعِيد فِي الدَّار قَالَ لَهُ أكل الْأَمِير خروف كردباج فخف عَنهُ الْقيام
قَالَ سعيد الله الْمُسْتَعَان ضعفت قوته الدافعة بقهر الْغذَاء لَهَا وستتحرك حَرَكَة مُنكرَة فوَاللَّه مَا وافى السحر حَتَّى قَامَ أَكثر من عشرَة مجَالِس وَخرج من أنطاكية وعلته تتزايد إِلَّا أَن فِي قوته احْتِمَالا لَهَا
وَطلب مصر وَثقل عَلَيْهِ ركُوب الدَّوَابّ فَعمِلت لَهُ عجلة كَانَت تجر بِالرِّجَالِ وطِئت لَهُ فَمَا وصل الفرما حَتَّى شكا إزعاجها فَركب المَاء إِلَى الْفسْطَاط وَضرب لَهُ بالميدان قبَّة نزل فِيهَا
وَلما حل ابْن طولون بِمصْر ظَهرت مِنْهُ نبوة فِي حق سعيد الطَّبِيب هَذَا وشكاه إِلَى إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم كَاتبه وَصَاحبه فَقَالَ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم لسَعِيد يعاتبه وَيحك أَنْت حاذق فِي صناعتك وَلَيْسَ لَك عيب إِلَّا أَنَّك مدل بهَا غير خاضع أَن تخدمه فِيهَا
والأمير وَإِن كَانَ فصيح اللِّسَان فَهُوَ أعجمي الطَّبْع وَلَيْسَ يعرف أوضاع الطِّبّ فيدبر نَفسه بهَا وينقاد لَك
وَقد أفْسدهُ عَلَيْك الإقبال فتلطف لَهُ وأرفق بِهِ وواظب عَلَيْهِ وراع حَاله
فَقَالَ سعيد وَالله مَا خدمتي لَهُ إِلَّا خدمَة الفار للسنور والسخلة للذئب وَأَن قَتْلِي لأحب إِلَيّ من صحبته
وَمَات أَحْمد بن طولون فِي علته هَذِه
وَقَالَ نسيم خَادِم أَحْمد بن طولون أَن سعيد بن توفيل المتطبب كَانَ فِي خدمَة الْأَمِير أَحْمد بن طولون فَطَلَبه يَوْمًا فَقيل لَهُ مضى يستعرض ضَيْعَة يَشْتَرِيهَا فامسك حَتَّى حضر
ثمَّ قَالَ لَهُ يَا سعيد اجْعَل ضيعتك الَّتِي تشتريها فتستغلها صحبتي وَلَا تغفلها وَاعْلَم أَنَّك تسبقني إِلَى الْمَوْت إِن كَانَ موتِي على فِرَاشِي فَإِنِّي لَا أمكنك بالاستمتاع بِشَيْء بعدِي
قَالَ نسيم وَكَانَ سعيد بن توفيل آيسا من
стр. 529
الْحَيَاة لِأَن أَحْمد بن طولون امْتنع من مشاورته وَلم يكن يحضر إِلَّا وَمَعَهُ من يستظهر عَلَيْهِ بِرَأْيهِ ويعتقد فِيهِ أَنه فرط فِي أول أمره وَابْتِدَاء الْعلَّة بِهِ حَتَّى فَاتَ أمره
وَفِي التَّارِيخ أَن سعيد بن توفيل كَانَ لَهُ فِي أول مَا صحب أَحْمد شاكري قَبِيح الصُّورَة كَانَ ينفض الْكَتَّان مَعَ أَب لَهُ واسْمه هَاشم وَكَانَ يخْدم بغلة سعيد ويمسكها لَهُ إِذا دخل دَار أَحْمد ابْن طولون
وَكَانَ سعيد يَسْتَعْمِلهُ فِي بعض الْأَوْقَات فِي سحق الْأَدْوِيَة بداره إِذا رَجَعَ مَعَه وينفخ النَّار على المطبوخات
وَكَانَ لسَعِيد بن توفيل ابْن حسن الصُّورَة ذكي الرّوح حسن الْمعرفَة بالطب فَتقدم أَحْمد بن طولون إِلَى سعيد أول مَا صَحبه أَن يرتاد متطببا يكون لحرمه وَيكون مُقيما بالحضرة فِي غيبته فَقَالَ لَهُ سعيد لي ولد قد عَلمته وخرجته
قَالَ أرنيه فَأحْضرهُ فَرَأى شَابًّا رائقا حسن الْأَسْبَاب كلهَا
فَقَالَ لَهُ أَحْمد بن طولون لَيْسَ يصلح هَذَا لخدمة الْحرم احْتَاجَ لَهُنَّ حسن الْمعرفَة قَبِيح الصُّورَة فأشفق سعيد أَن ينصب لَهُم غَرِيبا فينبو عَنهُ وَيُخَالف عَلَيْهِ فَأخذ هاشما وَألبسهُ دراعة وخفين ونصبه للحرم
فَذكر جريج ابْن الطباخ المتطبب قَالَ لقِيت سعيد بن توفيل وَمَعَهُ عمر بن صَخْر
فَقَالَ لَهُ عمر مَا الَّذِي نصبت هاشما لَهُ قَالَ خدمَة الْحرم لِأَن الْأَمِير طلب قَبِيح الْخلقَة
فَقَالَ لَهُ عمر قد كَانَ فِي أَبنَاء الْأَطِبَّاء قَبِيح قد حسنت تَرْبِيَته وطاب مغرسه يصلح لهَذَا وَلَكِنَّك استرخصت الصَّنْعَة
وَالله يَا أَبَا عُثْمَان إِن قويت يَده ليرجعن إِلَى دناءة منصبه وخساسة محتده
فتضاحك سعيد بغرته من هَذَا الْكَلَام
وَتمكن هَاشم من الْحرم بإصلاحه لَهُم مَا يوافقهم من عمل أدوية الشَّحْم وَالْحَبل وَمَا يحسن اللَّوْن ويغزر الشّعْر حَتَّى قدمه النِّسَاء على سعيد
فَلَمَّا جمع الْأَطِبَّاء على الغدو إِلَى أَحْمد بن طولون فِي كل يَوْم عِنْد اشتداد علته قَالَت مائَة ألف أم أبي المشائر قد احضر جمَاعَة من الْأَطِبَّاء وَلم يحضر هَاشم وَالله يَا سَيِّدي مَا فيهم مثله فَقَالَ لَهَا أحضرينيه سرا حَتَّى أشافهه واسمع كَلَامه فأدخلته إِلَيْهِ سرا وشجعته على كَلَامه
فَلَمَّا مثل بَين يَدَيْهِ نظر وَجهه وَقَالَ أغفل الْأَمِير حَتَّى بلغ إِلَى هَذِه الْحَالة لَا أحسن الله جَزَاء من كَانَ يتَوَلَّى أمره
قَالَ لَهُ أَحْمد بن طولون فَمَا الصَّوَاب يَا مبارك قَالَ تتَنَاوَل قميحة فِيهَا كَذَا وَكَذَا وَعدد قَرِيبا من مائَة عقار وَهَذِه القمائح تمسك وَقت أَخذهَا وتعود بِضَرَر بعد ذَلِك لِأَنَّهَا تتعب القوى
فَتَنَاولهَا أَحْمد وَأمْسك عَن تنَاول مَا عمله سعيد والأطباء
وَلما أَمْسَكت حسن موقع ذَلِك عِنْد أَحْمد وَظن أَن الْبُرْء قد تمّ لَهُ
ثمَّ قَالَ أَحْمد لهاشم إِن سعيدا قد حماني من شهر عَن لقْمَة عصيدة وَأَنا أشتهيها قَالَ يَا سَيِّدي أَخطَأ سعيد وَهِي مغذية وَلها أثر حميد فِيك
فَتقدم أَحْمد بن طولون بإصلاحها فجيء مِنْهَا بجام وَاسع فَأكل أَكْثَره وطاب نفسا ببلوغ شَهْوَته ونام ولحجت العصيدة فَتوهم أَن حَاله زَادَت صلاحا
وكل هَذَا يطوى عَن سعيد بن توفيل
وَلما حضر سعيد قَالَ لَهُ مَا تَقول فِي العصيدة قَالَ هِيَ ثَقيلَة على الْأَعْضَاء وتحتاج أَعْضَاء الْأَمِير إِلَى تَخْفيف عَنْهَا
قَالَ لَهُ أَحْمد دَعْنِي
стр. 530
من هَذِه المخرقة قد أكلتها ونفعتني وَالْحَمْد لله
وَجِيء بفاكهة من الشَّام فَسَأَلَ أَحْمد بن طولون سعيد بن توفيل عَن السفرجل فَقَالَ تمص مِنْهُ على خلو الْمعدة والأحشاء فَإِنَّهُ نَافِع
فَلَمَّا خرج سعيد من عِنْده أكل أَحْمد بن طولون سفرجلا فَوجدَ السفرجل العصيدة فعصرها فتدافع الإسهال فَدَعَا سعيدا فَقَالَ يَا ابْن الفاعلة ذكرت أَن السفرجل نَافِع لي وَقد عَاد إِلَيّ الإسهال فَقَامَ فَنظر الْمَادَّة وَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ هَذِه العصيدة الَّتِي حمدتها وَذكرت أَنِّي غَلطت فِي منعهَا فَإِنَّهَا لم تزل مُقِيمَة فِي الأحشاء لَا تطِيق تغييرها وَلَا هضمها لضعف قواها حَتَّى عصرها السفرجل وَلم أكن أطلقت لَك أكله وَإِنَّمَا أَشرت بمصه
ثمَّ سَأَلَهُ عَن مِقْدَار مَا أكل مِنْهُ فَقَالَ سفرجلتين
فَقَالَ سعيد أكلت السفرجل للشبع وَلم تَأْكُله للعلاج
فَقَالَ يَا ابْن الفاعلة جَلَست تنادرني وَأَنت صَحِيح سوي وَأَنا عليل مدنف
ثمَّ دَعَا بالسياط فَضَربهُ مِائَتي سَوط وَطَاف بِهِ على جمل وَنُودِيَ عَلَيْهِ هَذَا جَزَاء من ائْتمن فخان وَنهب الْأَوْلِيَاء منزله وَمَات بعد يَوْمَيْنِ وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِمصْر
وَقيل فِي سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَهِي السّنة الَّتِي مَاتَ ابْن طولون فِي ذِي قعدتها
وَالله أعلم
خلف الطولوني
هُوَ أَبُو عَليّ خلف الطولوني مولى أَمِير الْمُؤمنِينَ كَانَ مشتغلا بصناعة الطِّبّ وَله معرفَة جَيِّدَة فِي علم أمراض الْعين ومداواتها
ولخلف الطولوني من الْكتب كتاب النِّهَايَة والكفاية فِي تركيب الْعَينَيْنِ وخلقتهما وعلاجهما وأدويتهما ونقلت من خطه فِي كِتَابه هَذَا وَجُمْلَة الْكتاب بِخَطِّهِ أَن معاناته كَانَت لتأليف هَذَا الْكتاب فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وفراغه مِنْهُ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وثلثمائة
نسطاس بن جريج
كَانَ نَصْرَانِيّا عَالما بصناعة الطِّبّ وَكَانَ فِي دولة الأخشيد بن طغج
ولنسطاس بن جريج من الْكتب كناش
رِسَالَة إِلَى يزِيد بن رُومَان النَّصْرَانِي الأندلسي فِي الْبَوْل
إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نسطاس
هُوَ أَبُو يَعْقُوب إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نسطاس بن جريج نَصْرَانِيّ فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ
وَكَانَ فِي خدمَة الْحَاكِم بِأَمْر الله ويعتمد عَلَيْهِ فِي الطِّبّ وَتُوفِّي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن نسطاس بِالْقَاهِرَةِ فِي أَيَّام الْحَاكِم واستطب بعده أَبَا الْحسن عَليّ بن رضوَان وَاسْتمرّ فِي خدمته وَجعله رَئِيسا على سَائِر الْأَطِبَّاء
следующие страницы →