Полный текст (754 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(جرعت مرَارَة أحلى مذاقا ... لمثلك من كميت خندريس)
(فعاين مَا عرَاك بِنور تقوى ... خلائقك الَّتِي هِيَ كالشموس)
(مصابك بِالَّذِي أضحى ثَوابًا ... يُرِيك الْبشر فِي الْيَوْم العبوس)
(عَطاء الله يَوْم الْعرض يسمو ... مماثلة عَن الْعرض الخسيس)
(هموم الْخلق فِي الدُّنْيَا شراب ... يَدُور عَلَيْهِم مثل الكؤوس)
(تروم الرّوح فِي الدُّنْيَا بعقل ... ترى الْأَرْوَاح مِنْهَا فِي حبوس)
(وكل حوادث الدُّنْيَا يسير ... إِذا بقيت حشاشات النُّفُوس) الوافر
ونقلت أَيْضا من خطه مِمَّا نظمه فِي مآثر القَاضِي السديد مجيزا الْبَيْتَيْنِ عملا فِيهِ وهما
(وَلكُل عَافِيَة عفت وَقت فَإِن ... عدت الْمَرِيض فانت من أَوْقَاتهَا)
(فَاسْلَمْ ليسلم من تعلله فقد ... صحت بك الدُّنْيَا على علاتها) الْكَامِل
فَعمل هَذِه الأبيات
(بك عرفت نَفسِي لذيذ حَيَاتهَا ... سُبْحَانَ منشرها عقيب مماتها)
(وَردت حِيَاض الْمَوْت فاستنقذتها ... بِمَشِيئَة لله بعد وفاتها)
(وأعدت فائتها بقدرة قَادر ... يسترجع الْأَشْيَاء بعد فَوَاتهَا)
(فَلذَلِك شكرك بعد شكر إلهها ... فِي سَائِر الْأَوْقَات من أَوْقَاتهَا)
(لله نَفسك مَا أتم ضياءها ... ألعلمها تعتام أم بركاتها)
(تقوى تقر الرّوح فِي أوطانها ... وَنهى تجير النَّفس من آفاتها)
(كم مثل مهجتي اختلست من الردى ... فَرددت عَنْهَا وَهِي فِي سكراتها)
(وغمرتها برا وبرءا بَعْدَمَا ... قذفت بهَا الْأَمْرَاض فِي غمراتها)
(ونزعت عَنْهَا النزع وَهُوَ مدافع ... لنسيم روح الرّوح عَن لهواتها)
(وَلكم بِإِذن الله عدت مودعا ... نفسا فعدت بهَا إِلَى عاداتها)
(يَا من غَدَتْ أَلْفَاظه لتلاوة الْقُرْآن ... تهدي الْبُرْء من نفثاتها)
(يَا أَيهَا القَاضِي السديد وَمن غَدا ... للملة الْبَيْضَاء من حسناتها)
(يَا من بِعَين الْعلم مِنْهُ قريحة ... تتَصَوَّر الْأَشْيَاء فِي مرآتها)
(لله فكرك مدْركا مَا أكتن فِي ... الْأَعْضَاء عَنهُ من جَمِيع جهاتها)
(يحمي طَرِيق الرّوح من دعاره ... فَكَأَنَّهُ وَال على طرقاتها)
стр. 562
(لله فِي هَذَا الْأَنَام لطائف ... خفيت عَلَيْهِم أَنْت من آياتها)
(وَلكُل عَافِيَة عفت وَقت فان ... عدت الْمَرِيض فانت من أَوْقَاتهَا)
(فَاسْلَمْ ليسلم من تعلله فقد ... صحت بك الدُّنْيَا على علاتها)
ونقلت أَيْضا من خطه مِمَّا نظمه فِيهِ وَقد عالجه من بعض الْأَمْرَاض الْعَظِيمَة الْخطر فَكتب إِلَيْهِ
(أواصل شكرا لست عَنهُ بلاهي ... سفيرا غَدا بيني وَبَين إلهي)
(أعَاد بِإِذن الله روحي وَلم أكد ... أَعُود إِلَى هَذَا الْوُجُود ولاهي)
(هُوَ السَّيِّد القَاضِي السديد الَّذِي بِهِ ... أفاخر أَرْبَاب الْعلَا وأباهي)
(فلولا التناهي فِي البرايا لَقلت مَا ... لآماده فِي المكرمات تناهي)
(تنير لَهُ المشكلات بَصِيرَة ... تريه خفايا الغائبات كَمَا هِيَ)
(زِمَام العوافي والسقام بكفه ... لَهُ آمُر فِي الْفرْقَتَيْنِ وناهي)
(لَك الله يَا عبد الْإِلَه فكمرزهت ... ببهجتك الدُّنْيَا وَلست بزاهي)
(تجل عَن المَاء الزلَال وَجل أَن ... يُقَاس هَوَاء منعش بمياه) الطَّوِيل
وَتُوفِّي الشَّيْخ السديد ﵀ بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
ابْن جَمِيع
هُوَ الشَّيْخ الْمُوفق شمس الرياسة أَبُو العشائر هبة الله بن زين بن حسن بن افرائيم بن يَعْقُوب بن إِسْمَاعِيل بن جَمِيع الإسرائيلي من الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الْمَذْكُورين والأكابر المتعينين
وَكَانَ متفننا فِي الْعُلُوم جيد الْمعرفَة بهَا كثير الِاجْتِهَاد فِي صناعَة الطِّبّ حسن المعالجة جيد التصنيف
وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على الشَّيْخ الْمُوفق أبي نصر عدنان بن الْعين زَرْبِي وَلَزِمَه مُدَّة
وَكَانَ مولد ابْن جَمِيع ومنشؤه بفسطاط مصر
وخدم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وحظي فِي أَيَّامه وَكَانَ رفيع الْمنزلَة عِنْده عالي الْقدر نَافِذ الْأَمر يعْتَمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَركب لَهُ الترياق الْكَبِير الْفَارُوق
وَكَانَ لِابْنِ جَمِيع مجْلِس عَام للَّذين يشتغلون عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وَذكر أَنه كَانَ كثير التَّحْصِيل فِي صناعَة الطِّبّ متصرفا فِي علمهَا فَاضلا فِي أَعمالهَا
أَقُول وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِك مَا نجده فِي مصنفاته فَإِنَّهَا جَيِّدَة التَّأْلِيف كَثِيرَة الْفَوَائِد منتخبة العلاج
وَكَانَ لَهُ نظر فِي الْعَرَبيَّة وَتَحْقِيق للألفاظ اللُّغَوِيَّة
وَكَانَ لَا يقْرَأ إِلَّا وَكتاب الصِّحَاح للجوهري حَاضر بَين يَدَيْهِ وَلَا تمر كلمة لُغَة لم يعرفهَا حق الْمعرفَة إِلَّا ويكشفها مِنْهُ ويعتمد
стр. 563
على مَا أوردهُ الْجَوْهَرِي فِي ذَلِك
وَكنت يَوْمًا عِنْد الصاحب جمال الدّين يحيى بن مطروح فِي دَاره بِدِمَشْق وَكَانَ ذَلِك فِي أَيَّام الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب صَاحب الْبِلَاد المصرية والشامية
والصاحب جمال الدّين يَوْمئِذٍ وزيره فِي سَائِر الْبِلَاد وَهُوَ صَاحب السَّيْف والقلم وَفِي خدمته مِائَتَا فَارس وتجارينا الحَدِيث وتفضل وَقَالَ لي مَا سَبَقَك إِلَى تأليف كتابك فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء أحد
ثمَّ قَالَ لي وَذكرت أَصْحَابنَا الْأَطِبَّاء المصريين فَقلت لَهُ نعم
فَقَالَ وَكَأَنِّي بك قد أَشرت إِلَى أَن مَا فِي الْأَطِبَّاء الْمُتَقَدِّمين مِنْهُم مثل ابْن رضوَان وَفِي الْمُتَأَخِّرين مثل ابْن جَمِيع فَقلت لَهُ صَحِيح يَا مَوْلَانَا
وحَدثني بعض المصريين أَن ابْن جَمِيع كَانَ يَوْمًا جَالِسا فِي دكانه عِنْد سوق الْقَنَادِيل بفسطاط مصر وَقد مرت عَلَيْهِ جَنَازَة فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا صَاح بِأَهْل الْمَيِّت وَذكر لَهُم أَن صَاحبهمْ لم يمت وَأَنَّهُمْ إِن دفنوه فَإِنَّمَا يدفنوه حَيا
قَالَ فبقوا ناظرين إِلَيْهِ كالمتعجبين من قَوْله وَلم يصدقوه فِيمَا قَالَ
ثمَّ إِن بَعضهم قَالَ لبَعض هَذَا الَّذِي يَقُوله مَا يضرنا أننا نمتحنه فَإِن كَانَ حَقًا فَهُوَ الَّذِي نريده وَإِن لم يكن حَقًا فَمَا يتَغَيَّر علينا شَيْء فاستدعوه إِلَيْهِم وَقَالُوا بَين الَّذِي قد قلت لنا فَأَمرهمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْبَيْت وَأَن ينزعوا عَن الْمَيِّت أَكْفَانه وَقَالَ لَهُم احملوه إِلَى الْحمام ثمَّ سكب عَلَيْهِ المَاء الْحَار وأحمى بدنه ونطله بنطولات وغطسه فَرَأَوْا فِيهِ أدنى حس وتحرك حَرَكَة خَفِيفَة
فَقَالَ أَبْشِرُوا بعافيته ثمَّ تمم علاجه إِلَى أَن أَفَاق وَصلح فَكَانَ ذَلِك مبدأ اشتهاره بجودة الصِّنَاعَة وَالْعلم وَظَهَرت عَنهُ كالمعجزة ثمَّ أَنه سُئِلَ بعد ذَلِك من أَيْن علمت أَن ذَلِك الْمَيِّت وَهُوَ مَحْمُول وَعَلِيهِ الأكفان أَن فِيهِ روحا فَقَالَ إِنِّي نظرت إِلَى قَدَمَيْهِ فوجدتهما قائمتين وأقدام الَّذين قد مَاتُوا منبسطة فحدست أَنه حَيّ وَكَانَ حدسي صائبا أَقُول وَكَانَ بِمصْر ابْن المنجم الْمصْرِيّ وَكَانَ شَاعِرًا مَشْهُورا خَبِيث اللِّسَان وَله أهاجي كَثِيرَة فِي ابْن جَمِيع وَمن ذَلِك مِمَّا أنشدت لَهُ فِيهِ
(لِابْنِ جَمِيع فِي طبه حمق ... يسب طب الْمَسِيح من سَببه)
(وَلَيْسَ يدْرِي مَا فِي الزجاجة من ... بَوْل مَرِيض وَلَو تمخض بِهِ)
(وأعجب الْأَمر أَخذه أبدا ... أُجْرَة قتل الْمَرِيض من عصبه) المنسرح
وَله أَيْضا فِيهِ
(دعوا ابْن جَمِيع وبهتانه ... ودعواه فِي الطِّبّ والهندسة)
(فَمَا هُوَ إِلَّا رقيع أَتَى ... وَإِن حل فِي بلد أنحسه)
стр. 564
(وَقد جعل الشّرْب من شَأْنه ... وَلَكِن كَمَا تشرب النرجسه) المتقارب
وَله أَيْضا فِيهِ
(كذبت وصحفت فِيمَا ادعيت ... وَقلت أَبوك جَمِيع الْيَهُودِيّ)
(وَلَيْسَ جَمِيع الْيَهُودِيّ أَبَاك ... وَلَكِن أَبَاك جَمِيع الْيَهُود)
ونقلت من خطّ يُوسُف بن هبة الله بن مُسلم قصيدة لنَفسِهِ وَهُوَ يرثي بهَا الشَّيْخ الْمُوفق بن جَمِيع وَهِي
(أعيني بِمَا تحوي من الدمع فاسجمي ... وَإِن نفذت مِنْك الدُّمُوع فبالدم)
(فَحق بِأَن تذرفي على فقد سيد ... فَقدنَا بِهِ فضل الْعلَا والتكرم)
(وَأفضل أهل الْعَصْر علما وسؤددا ... وأفضلهم فِي مُشكل القَوْل مُبْهَم)
(وأهداهم بِالرَّأْيِ وَالْأَمر مُبْهَم ... وأعلمهم بِالْغَيْبِ علم تفهم)
(وأرحبهم صَدرا وكفا ومنزلا ... ووجها كَمثل الصُّبْح عِنْد التبسم)
(وأنجد من يممته لملمة ... وأنجد من أملته لتألم)
(وَلَو كَانَ يفدى من حمام فديته ... بِنَفس مَتى تقدم على الْمَوْت تقرم)
(وبطش أسود كالأساود ترتمي ... بهزة هندي وَعزة لهذم)
(وَلَكِن قَضَاء الله فِي الْخلق نَافِذ ... فَلَا دَافع للْآمِر المتحكم)
(وَمَا رد بقراطا عَن الْمَوْت طبه ... وَقد كَانَ من أعيانه فِي التَّقَدُّم)
(وَلَا حاد جالينوس عَن حتف يَوْمه ... فَسلم مَا أعياه للمتسلم)
(لَا كسر كسْرَى ثمَّ تَابع تبعا ... وَعَاد بعاد ثمَّ جر بجرهم)
(فَقل مُعْلنا للشامتين بيومه ... ذَوُو الْجَهْل إِن الْجَهْل مِنْكُم بمأتم)
(تمر سفيهات الرِّيَاح عواصفا ... فَهَل زعزعت ضعفا نَبَات يَلَمْلَم)
(وَمَا سرح السَّرْح الضَّعِيف حراكه ... بِأَرْض فَكَانَ اللَّيْث فِيهَا بمجثم)
(ألم يَك ذَا ورد النُّفُوس بأسرها ... فَكل أخير تَابع الْمُتَقَدّم)
(فَلَا فَرح إِلَّا ويعقبه الأسى ... وَلَا غَايَة الْبُنيان غير التهدم)
(فقبحا لدهر ردنا بعد فَقده ... حيارى بِلَا هاد حَلِيف التيتم)
(أما عجب إِذْ غاله الحتف راميا ... وَقد كَانَ أرمى للخطوب بأسهم)
стр. 565
(وَأهْدى إِلَى الدَّاء الْخَفي بِعِلْمِهِ ... إِذا جال بَين اللَّحْم والعظم وَالدَّم)
(وارفع بَيْتا فِي الْقَبِيل مكارما ... كَمَا لَاحَ بدر التم مَا بَين أنجم)
(فيا أَيهَا الْمولى الْمُوفق أَيْنَمَا ... رَأَيْنَاهُ من در الْكَلَام المنظم)
(وَمَا غال ذَاك النُّطْق أفْصح مقول ... ينير دجى ليل من الشَّك مظلم)
(وَمَا أخمد الْحس الذكي توقدا ... وَقد كَانَ يهدي كل سَار ميمم)
(لعمرك مَا قلب الشجي كَغَيْرِهِ ... وَلَا محرق الأحشاء كالمتجشم)
(وَلَا كل من أجْرى المدامع ثاكل ... وَأَيْنَ جميل فِي الأسى من متمم)
(فَلَا تعذلوني أَن بَكَيْت تأسفا ... فَقدر عَظِيم الْحزن قدر الْمُعظم)
(وَوَاللَّه مَا وفيت وَاجِب حَقه ... وَلَو أَن جسمي كل عين بمرزم)
(وَإِنِّي لأفني مُدَّة الْعُمر والها ... تصرم أيامي وَلم يتصرم)
(فويح المنايا مَا درت كنه حَادث ... رمت سيدا يحيا بِهِ كل منعم)
(ثوى بَين أَحْجَار الثرى وَلَقَد غدى ... يضوع بِهِ النادي ذكي التنسم)
(وطلق الْمحيا رائق الْبشر باسما ... وَلَيْسَ بِفَظٍّ الْخلق كالمتجهم)
(وَقد كنت أهديه الثَّنَاء مبجلا ... فها أَنا أهديه الرثا جهد معدم)
(فيا قَبره الوضاح لم يدر مَا حوى ... ترابك من جود ومجد مخيم)
(سقاك من الوسمي كل سَحَابَة ... تحيل عَلَيْك الْعين ذَات توسم)
(وَلَا زَالَ مِنْك النشر يأرج عرفه ... فيهديه أنفاس الصِّبَا بِمُسلم) الطَّوِيل
وَلابْن جَمِيع من الْكتب كتاب الْإِرْشَاد لمصَالح الْأَنْفس والأجساد أَربع مقالات
كتاب التَّصْرِيح بالمكنون فِي تَنْقِيح القانون
رِسَالَة فِي طبع الْإسْكَنْدَريَّة وَحَال هوائها ومياهها وَنَحْو ذَلِك من أحوالها وأحوال أَهلهَا
رِسَالَة إِلَى القَاضِي المكين أبي الْقَاسِم عَليّ بن الْحُسَيْن فِيمَا يعتمده حَيْثُ لَا يجد طَبِيبا
مقَالَة فِي الليمون وَشَرَابه ومنافعه
مقَالَة فِي الراوند ومنافعه
مقَالَة فِي الحدبة
مقَالَة فِي علاج القولنج وَاسْمهَا الرسَالَة السيفيه فِي الْأَدْوِيَة الملوكية
أَبُو الْبَيَان بن المدور
لقب بالسديد وَكَانَ يَهُودِيّا قراء عَالما بصناعة الطِّبّ حسن الْمعرفَة بأعمالها وَله مجريات كَثِيرَة وآثار محمودة
وخدم الْخُلَفَاء المصريين فِي آخر دولتهم وَبعد ذَلِك خدم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وَكَانَ يرى لَهُ ويعتمد على معالجته وَله فِيهِ حسن ظن وَكَانَت لَهُ مِنْهُ الجامكية الْكَثِيرَة والافتقاد المتوفر
وَعمر الشَّيْخ أَبُو الْبَيَان بن المدور وتعطل فِي آخر عمره من الْكبر والضعف من كَثْرَة الْحَرَكَة والتردد إِلَى الْخدمَة
стр. 566
فَأطلق لَهُ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ﵀ فِي كل شهر أَرْبَعَة وَعشْرين دِينَارا مصرية تصل إِلَيْهِ وَيكون ملازما لبيته وَلَا يُكَلف خدمَة
وَبَقِي على تِلْكَ الْحَال وجامكيته تصل إِلَيْهِ نَحْو عشْرين سنة
وَكَانَ فِي مُدَّة انْقِطَاعه فِي بَيته لَا يخل بالاشتغال فِي صناعَة الطِّبّ وَلَا يَخْلُو مَوْضِعه من التلاميذ والمشتغلين عَلَيْهِ والمستوصفين مِنْهُ
وَكَانَ لَا يمْضِي إِلَى أحد لمعالجته فِي تِلْكَ الْمدَّة إِلَّا من يعز عَلَيْهِ جدا
وَلَقَد بَلغنِي عَنهُ من ذل أَن الْأَمِير ابْن منقذ لما وصل من الْيمن وَكَانَ قد عرض لَهُ استسقاء بعث إِلَيْهِ ليَأْتِيه ويعالجه بالمعالجة فَاعْتَذر إِلَيْهِ على قرب مَوْضِعه مِنْهُ وَلم يمض إِلَيْهِ دون أَن بعث إِلَيْهِ القَاضِي الْفَاضِل وَكيله ابْن سناء الْملك وقصده فِي ذَلِك حَتَّى مضى إِلَيْهِ وَوصف لَهُ مَا يعْتَمد عَلَيْهِ فِي المداواة
وعاش أَبُو الْبَيَان ابْن المدور ثَلَاثًا وَثَمَانِينَ سنة وَتُوفِّي فِي سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ
وَكَانَ من تلاميذه زين الْحساب
ولابي الْبَيَان بن المدور من الْكتب مجرباته فِي الطِّبّ
أَبُو الْفَضَائِل بن النَّاقِد
لقبه الْمُهَذّب
كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا وعالما مَذْكُورا
لَهُ الْعلم الوافر
والأعمال الْحَسَنَة والمداواة الفاضلة وَكَانَ يَهُودِيّا مشتهرا بالطب والكحل إِلَّا أَن الْكحل كَانَ أغلب عَلَيْهِ
وَكَانَ كثير المعاش عَظِيم الاشتيام حَتَّى أَن الطّلبَة والمشتغلين عَلَيْهِ كَانُوا فِي أَكثر أوقاته يقرؤون عَلَيْهِ وَهُوَ رَاكب وَقت مسيره وافتقاده للمرضى
وَتُوفِّي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ وَأسلم وَلَده أَبُو الْفرج وَكَانَ طَبِيبا وكحالا أَيْضا
وحَدثني أبي قَالَ كَانَ قد أَتَى إِلَى أبي الْفَضَائِل بن النَّاقِد صَاحب لَهُ من الْيَهُود ضَعِيف الْحَال وَطلب مِنْهُ أَن يرفده بِشَيْء فأجلسه عِنْد دَاره وَقَالَ لَهُ معاشي الْيَوْم بختك ورزقك
وَركب وَدَار على المرضى وَالَّذين يكحلهم وَلما عَاد أخرج عدَّة الْكحل وفيهَا قَرَاطِيس كَثِيرَة مصرورة وَشرع يفتح وَاحِدَة وَاحِدَة مِنْهَا فَمِنْهَا مَا فِيهَا الدِّينَار وَالْأَكْثَر وَمِنْهَا مَا فِيهَا دَرَاهِم ناصرية وَبَعضهَا فِيهَا دَرَاهِم سَواد فَاجْتمع من ذَلِك مَا يكون قِيمَته الْجُمْلَة نَحْو ثَلَاثمِائَة دِرْهَم سَواد فَأَعْطَاهَا ذَلِك الرجل
ثمَّ قَالَ وَالله جَمِيع هَذِه الكواغد مَا أعرف الَّذِي أَعْطَانِي الذَّهَب أَو الدَّرَاهِم أَو الْكثير مِنْهَا أَو الْقَلِيل بل كل من أَعْطَانِي شَيْئا أجعله فِي عدَّة الْكحل وَهَذَا يدل على معاش زَائِد وَقبُول كثير
وَلأبي الْفَضَائِل بن النَّاقِد من الْكتب مجرباته فِي الطِّبّ
الرئيس هبة الله
كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا فَاضلا مَشْهُورا بالطب جيد الْأَعْمَال حسن المعالجة
وَكَانَ فِي آخر دولة الْخُلَفَاء المصريين وخدمهم بصناعة الطِّبّ وَكَانَت لَهُ مِنْهُم الجامكية الوافرة والصلات المتوالية
ثمَّ انقرضت دولتهم وَبَقِي بعدهمْ يعِيش فِيمَا أنعموا بِهِ عَلَيْهِ إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة خَمْسمِائَة ونيف وَثَمَانِينَ
стр. 567
الْمُوفق بن شوعة
كَانَ من أَعْيَان الْعلمَاء وأفاضل الْأَطِبَّاء إسرائيلي مَشْهُور بإتقان الصِّنَاعَة وجودة الْمعرفَة فِي علم الطِّبّ والكحل والجراح
كَانَ دمثا خَفِيف الرّوح كثير المجون وَكَانَ يشْعر ويلعب بالقيثارة وخدم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين بالطب لما كَانَ بِمصْر وعلت مَنْزِلَته عِنْده
وَكَانَ بِدِمَشْق فَقِيه صوفي صحب مُحَمَّد بن يحيى وَسكن خانقاه السميساطي كَانَ يعرف بالخوبشاني ويلقب بِالنَّجْمِ وَله معرفَة بِنَجْم الدّين أَيُّوب وبأخيه أَسد الدّين
وَكَانَ الخوبشاني ثقيل الرّوح قشفا فِي الْعَيْش يَابسا فِي الدّين يَأْكُل الدُّنْيَا بالناموس وَلما صعد أَسد الدّين مصر تبعه وَنزل بِمَسْجِد عِنْد دَار الوزارة يعرف الْيَوْم بِمَسْجِد الخوبشاني وَكَانَ يثلب أهل الْقصر وَيجْعَل تسبيحه سبهم
وَكَانَ سلطا وَمَتى رأى ذَمِيمًا رَاكِبًا قصد قَتله فَكَانُوا يتحامونه
وَلما كَانَ فِي بعض الْأَيَّام رأى ابْن شوعة وَهُوَ رَاكب فَرَمَاهُ بِحجر أصَاب عينه فقلعها وَتُوفِّي ابْن شوعة بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة
وَمن شعر الْمُوفق بن شوعة أَنْشدني القَاضِي نَفِيس الدّين بن الزبير قَالَ أَنْشدني الْمُوفق بن شوعة لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ فِي النَّجْم الخوبشاني لما قلع عينه
(لَا تعجبوا من شُعَاع الشَّمْس إِذْ حسرت ... مِنْهُ الْعُيُون وَهَذَا الشَّأْن مَشْهُور)
(بل أعجبوا كَيفَ أعمى مقلتي نَظَرِي ... للنجم وَهُوَ ضئيل الشَّخْص مَسْتُور) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا قَالَ أَنْشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ يهجو ابْن جَمِيع الْيَهُودِيّ
(يَا أَيهَا الْمُدَّعِي طِبًّا وهندسة ... أوضحت يَا ابْن جَمِيع وَاضح الزُّور)
(إِن كنت بالطب ذَا علم فَلم عجزت ... قواك عَن طب دَاء فِيك مَسْتُور)
(تحْتَاج فِيهِ طَبِيبا ذَا معالجة ... بمبضع طوله شبران مطرور)
(هَذَا وَلَا تشتفي مِنْهُ فَقل وأجب ... عَن ذَا السُّؤَال بتمييز وتفكير)
(مَا هندسي لَهُ شكل تهيم بِهِ ... وَلَيْسَ ترغب فِيهِ غير منشور)
(مجسم اسطواني على أكر ... تألفت بَين مخروط وتدوير)
(٠٠٠ أَلا نصف زَاوِيَة ... ٠٠٠ فَهُوَ كَمثل الْحَبل فِي البير) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(وروضة جادها صوب الرّبيع فقد ... جَادَتْ علينا بوشي لم تحكه يَد)
(كَأَن أصغرها الزاهي وأبيضها ... تبر وورق بكف الرّيح تنتقد)
стр. 568
(وباح نشر خزاماها بِمَا كتمت ... وناح قمريها شجوا بِمَا يجد) الْبَسِيط
أَبُو البركات بن الْقُضَاعِي
لقبه الْمُوفق وَكَانَ من جملَة الْأَطِبَّاء المهرة والمتميزين فِي صناعَة الطِّبّ
وَكَانَ مشكورا فِي علمهَا مَشْهُورا بجودة الْمعرفَة فِي عَملهَا
وَكَانَ يعاني أَيْضا صناعَة الْكحل والجراح ويعد من الأفاضل فيهمَا
وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين فِي الديار المصرية وَتُوفِّي أَبُو البركات بن الْقُضَاعِي بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
أَبُو الْمَعَالِي بن تَمام
هُوَ أَبُو الْمَعَالِي تَمام بن هبة الله بن تَمام يَهُودِيّ غزير الْعلم وافر الْمعرفَة
وَكَانَ مَشْهُورا فِي الدولة مَوْصُوفا بِالْفَضْلِ مشكورا بالمعالجة
وَكَانَ مُقيما بفسطاط مصر
وَأسلم جمَاعَة من أَوْلَاده
وَكَانَ أَبُو الْمَعَالِي قد خدم بصناعة الطِّبّ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وحظي فِي أَيَّامه وخدم أَيْضا بعد ذَلِك لِأَخِيهِ الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب
وَلأبي الْمَعَالِي بن تَمام من الْكتب تعاليق ومجربات فِي الطِّبّ
الرئيس مُوسَى
هُوَ الرئيس أَبُو عمرَان مُوسَى بن مَيْمُون الْقُرْطُبِيّ
يَهُودِيّ عَالم بسنن الْيَهُود ويعد من أَحْبَارهم وفضلائهم
وَكَانَ رَئِيسا عَلَيْهِم فِي الديار المصرية
وَهُوَ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ
وَفِي أَعمالهَا متفنن فِي الْعُلُوم وَله معرفَة جَيِّدَة بالفلسفة
وَكَانَ السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يرى لَهُ ويستطبه وَكَذَلِكَ وَلَده الْملك الْأَفْضَل عَليّ
وَقيل أَن الرئيس مُوسَى كَانَ قد أسلم فِي الْمغرب وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بالفقه
ثمَّ أَنه لما توجه إِلَى الديار المصرية وَأقَام بفسطاط مصر ارْتَدَّ
وَقَالَ القَاضِي السعيد بن سناء الْملك يمدح الرئيس مُوسَى
(أرى طب جالينوس للجسم وَحده ... وطب أبي عمرَان لِلْعَقْلِ والجسم)
(فَلَو أَنه طب الزَّمَان بِعِلْمِهِ ... لَا براه من دَاء الْجَهَالَة بِالْعلمِ)
(وَلَو كَانَ بدر التم من يستطبه ... لتم لَهُ مَا يَدعِيهِ من التم)
стр. 569
(وداواه يَوْم التم من كلف بِهِ ... وأبرأه يَوْم السرَار من السقم) الطَّوِيل
وللرئيس مُوسَى من الْكتب اخْتِصَار الْكتب السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ
مقَالَة فِي البواسير وعلاجها
مقَالَة فِي تَدْبِير الصِّحَّة صنفها للْملك الْأَفْضَل عَليّ بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب
مقَالَة فِي السمُوم والتحرز من الْأَدْوِيَة القتالة
كتاب شرح الْعقار
كتاب كَبِير على مَذْهَب الْيَهُود
إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى
هُوَ أَبُو المنى إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى بن مَيْمُون منشؤه بفسطاط مصر وَكَانَ طَبِيبا مَشْهُورا عَالما بصناعة الطِّبّ جيدا فِي أَعمالهَا
وَكَانَ فِي خدمَة الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب ويتردد أَيْضا إِلَى البيمارستان الَّذِي بِالْقَاهِرَةِ من الْقصر ويعالج المرضى فِيهِ
وَاجْتمعت بِهِ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ أَو اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِالْقَاهِرَةِ وَكنت حِينَئِذٍ أطب فِي البيمارستان بهَا فَوَجَدته شَيخا طَويلا نحيف الْجِسْم حسن الْعشْرَة لطيف الْكَلَام متميزا فِي الطِّبّ
وَتُوفِّي إِبْرَاهِيم بن الرئيس مُوسَى بِمصْر فِي سنة وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
أَبُو البركات بن شعيا
ولقبه الْمُوفق شيخ مَشْهُور كثير التجارب مشكور الْأَعْمَال فِي صناعَة الطِّبّ
وَكَانَ يَهُودِيّا قراء
عَاشَ سِتا وَثَمَانِينَ سنة وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ وَخلف ولدا يُقَال لَهُ سعيد الدولة أَبُو الْفَخر وَهُوَ طَبِيب أَيْضا ومقامه بِالْقَاهِرَةِ
الأسعد الْمحلي
هُوَ أسعد الدّين يَعْقُوب بن إِسْحَاق
يَهُودِيّ من مَدِينَة الْمحلة من أَعمال ديار مصر متميز فِي الْفَضَائِل وَله اشْتِغَال بالحكمة واطلاع على دقائقها وَهُوَ من الْمَشْهُورين فِي صناعَة الطِّبّ والخبيرين بالمداواة والعلاج
وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ وسافر فِي أول سنة ثَمَان وَتِسْعين وَخَمْسمِائة إِلَى دمشق
وَأقَام بهَا مديدة وَجَرت بَينه وَبَين بعض الأفاضل من الْأَطِبَّاء بهَا مبَاحث كَثِيرَة ونكد وَرجع بعد ذَلِك إِلَى الديار المصرية وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ
وَمن نوادره فِي حسن المداواة أَنه كَانَ بعض أهلنا من النِّسَاء قد عرض لَهَا مرض وَتغَير مزاج وتطاول بهَا وَلم ينجع فِيهَا علاج فَلَمَّا افتقدها قَالَ لِعَمِّي وَكَانَ صديقه عِنْدِي أَقْرَاص قد ركبتها لهَذَا الْمَرَض خَاصَّة وَهِي تَبرأ بهَا إِن شَاءَ الله تكون تتَنَاوَل فِي كل يَوْم بِالْغَدَاةِ مِنْهَا قرصا مَعَ شراب سكنجبين وَأَعْطَاهُ الأقراص فَلَمَّا تناولتها برأت
стр. 570
وللأسعد الْمحلي من الْكتب مقَالَة فِي قوانين طبية وَهِي سِتَّة أَبْوَاب
كتاب المنزه فِي حل مَا وَقع من إِدْرَاك الْبَصَر فِي المرايا من الشّبَه
كتاب فِي مزاج دمشق ووصفها وتفاوتها من مصر وَأَنَّهَا أصح وَأَعْدل وَفِي مسَائِل أخر فِي الطِّبّ وأجوبتها وَهُوَ يحتوي على ثَلَاث مقالات
مسَائِل طبية وأجوبتها سَأَلَهَا لبَعض الْأَطِبَّاء بِدِمَشْق وَهُوَ صَدَقَة بن ميخا بن صَدَقَة السامري
الشَّيْخ السديد بن أبي الْبَيَان
هُوَ سديد الدّين أَبُو الْفضل دَاوُود بن أبي الْبَيَان سُلَيْمَان بن أبي الْفرج إِسْرَائِيل بن أبي الطّيب سُلَيْمَان ابْن مبارك إسرائيلي قراء مولده فِي سنة سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ
وَكَانَ شَيخا محققا للصناعة الطبية متقنا لَهَا متميزا فِي علمهَا وعملها خَبِيرا بالأدوية المفردة والمركبة
وَلَقَد شاهدت مِنْهُ حَيْثُ نعالج المرضى بالبيمارستان الناصري بِالْقَاهِرَةِ من حسن تأنيه لمعْرِفَة الْأَمْرَاض وتحقيقها وَذكر مداواتها والاطلاع على مَا ذكره جالينوس فِيهَا مَا يعجز عَن الْوَصْف
وَكَانَ أقدر أهل زَمَانه من الْأَطِبَّاء على تركيب الْأَدْوِيَة وَمَعْرِفَة مقاديرها وأوزانها على مَا يَنْبَغِي حَتَّى أَنه كَانَ فِي أَوْقَات يَأْتِي إِلَيْهِ من المستوصفين من بِهِ أمراض مُخْتَلفَة أَو قَليلَة الْحُدُوث فَكَانَ يملي صِفَات أدوية مركبة بِحَسب مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ذَلِك الْمَرِيض من الأقراص والسفوفات والأشربة أَو غير ذَلِك فِي الْوَقْت الْحَاضِر وَهِي فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَحسن التَّأْلِيف
وَكَانَ شَيْخه فِي صناعَة الطِّبّ الرئيس هبة الله بن جَمِيع الْيَهُودِيّ
وَقَرَأَ أَيْضا على أبي الْفَضَائِل بن النَّاقِد
وَكَانَ الشَّيْخ السديد بن أبي الْبَيَان قد خدم الْملك الْعَادِل أَبَا بكر ابْن أَيُّوب وَوجدت لبَعْضهِم فِيهِ
(إِذا أشكل الدَّاء فِي بَاطِن ... أَتَى ابْن بَيَان لَهُ بِالْبَيَانِ)
(فَإِن كنت ترغب فِي صِحَة ... فَخذ لسقامك مِنْهُ الْأمان) المتقارب
وعاش فَوق الثَّمَانِينَ سنة وَكَانَ قد ضعف بَصَره فِي آخر عمره
وللشيخ السديد بن أبي الْبَيَان من الْكتب كتاب الأقراباذين وَهُوَ اثْنَا عشر بَابا قد أَجَاد فِي جمعه وَبَالغ فِي تأليفه وَاقْتصر على الْأَدْوِيَة المركبة المستعملة المتداولة فِي البيمارستانات بِمصْر وَالشَّام وَالْعراق وحوانيت الصيادلة وقرأته عَلَيْهِ وَجمعته مَعَه
تعاليق على كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ
جمال الدّين بن أبي الحوافر
هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن هبة الله بن أَحْمد بن عقيل الْقَيْسِي وَيعرف بِابْن أبي الحوافر
أفضل الْأَطِبَّاء وَسيد الْعلمَاء وأوحد الْعَصْر وفريد الدَّهْر
قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية
стр. 571
وتميز فِي أقسامها العلمية والعملية
وَله اشْتِغَال جيد فِي علم الْأَدَب وعناية فِيهِ وَله شعر كثير صَحِيح المباني بديع الْمعَانِي
وَكَانَ ﵀ كثير الْمُرُوءَة غزير الْعَرَبيَّة مَعْرُوفا بالأفضال مَوْصُوفا بِحسن الْخلال قد غمر بإحسانه الْخَاص وَالْعَام وشملهم بِكَثْرَة الْأَنْعَام
مولده ومنشؤه بِدِمَشْق
واشتغل بصناعة الطِّبّ على الإِمَام مهذب الدّين بن النقاش وعَلى الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْعَزِيز عُثْمَان بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وَأقَام مَعَه فِي الديار المصرية وولاه رياسة الطِّبّ وَلم يزل فِي خدمته وَهُوَ كثير الْإِحْسَان إِلَيْهِ والإنعام عَلَيْهِ إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَزِيز ﵀
وَكَانَت وَفَاته لَيْلَة الْأَحَد الْعشْرين من الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ
وَبَقِي هُوَ مُقيما بالديار المصرية وقطن بهَا
ثمَّ خدم بعد ذَلِك الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب وَبَقِي مَعَه سِنِين
وَتُوفِّي جمال الدّين بن أبي الحوافر ﵀ بِالْقَاهِرَةِ
وحَدثني بعض أصدقائه قَالَ كَانَ يَوْمًا رَاكِبًا فَرَأى فِي بعض النواحي على مصطبة بياع حمص مسلوق وَهُوَ قَاعد وقدامه كَحال يَهُودِيّ وَهُوَ وَاقِف وَبِيَدِهِ المكحلة والميل وَهُوَ يكحل ذَلِك البياع
فحين رَآهُ على تِلْكَ الْحَال سَاق بغلته نَحوه وضربه بالمقرعة على رَأسه وَشَتمه
وعندما مَشى مَعَه قَالَ لَهُ إِذا كنت أَنْت سفلَة فِي نَفسك أما للصناعة حُرْمَة كنت قعدت إِلَى جَانِبي وكحلته وَلَا تبقى وَاقِفًا بَين يَدي عَامي بياع حمص فَتَابَ أَن يعود يفعل من ذَلِك الْفِعْل وَانْصَرف
أَقُول واشتغل على الشَّيْخ جمال الدّين بن أبي الحوافر جمَاعَة وتميزوا فِي صناعَة الطِّبّ وَأفضل من اشْتغل عَلَيْهِ مِنْهُم وَكَانَ أجل تلامذته وأعملهم عمي الْحَكِيم رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة ﵀
فتح الدّين بن جمال الدّين بن أبي الحوافر
كَانَ مثل أَبِيه جمال الدّين فِي الْعلم وَالْفضل والنباهة
نزيه النَّفس صائب الحدس أعلم النَّاس بِمَعْرِِفَة الْأَمْرَاض وَتَحْقِيق الْأَسْبَاب والأعراض
حسن العلاج والمداواة لطيف التَّدْبِير والمداراة
عالي الهمة كثير الْمُرُوءَة
فصيح اللِّسَان كثير الْإِحْسَان
وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب وَبعد الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل مُحَمَّد وَتُوفِّي ﵀ فِي أَيَّامه بِالْقَاهِرَةِ
شهَاب الدّين بن فتح الدّين
هُوَ سيد الْعلمَاء وَرَئِيس الْأَطِبَّاء عَلامَة زَمَانه وأوحد أَوَانه
قد جمع الْفَضَائِل وتميز على الْأَوَاخِر والأوائل وأتقن الصِّنَاعَة الطبية علما وَعَملا وحررها تَفْصِيلًا وجملا وَهُوَ عَلامَة وقته فِي
стр. 572
حفظ الصِّحَّة ومراعاتها وَإِزَالَة الْأَمْرَاض وعلاجاتها
وَقد اقتفى سيرة آبَائِهِ وفَاق نظرائه فِي همته وإبائه
(ورث المكارم عَن أَبِيه وجده ... كالرمح أنبوبا على أنبوب)
ومقامه فِي الديار المصرية وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس الْملك الصَّالح صَاحب الديار المصرية والشامية
القَاضِي نَفِيس الدّين بن الزبير
هُوَ القَاضِي الْحَكِيم نَفِيس الدّين أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن صدفة بن عبد الله الكولمي والكولم من بِلَاد الْهِنْد وَهُوَ ينْسب من جِهَة أمه إِلَى ابْن الزبير الشَّاعِر الْمَشْهُور الَّذِي كَانَ بالديار المصرية وَهُوَ الْقَائِل
(يَا ربع أَيْن ترى الْأَحِبَّة يمموا ... هَل أنجدوا من بَعدنَا أَو أتهموا)
ومولد القَاضِي نَفِيس الدّين فِي سنة خمس أَو سِتّ وَخمسين وَخَمْسمِائة وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على ابْن شوعة أَولا وَقَرَأَ بعد ذَلِك على الشَّيْخ السديد رَئِيس الطِّبّ وتميز فِي صناعَة الطِّبّ وحاول أَعمالهَا وأتقن أَيْضا صناعَة الْكحل وَعلم الْجراح
وَكَثُرت شهرته بصناعة الْكحل وولاه الْملك الْكَامِل ابْن الْملك الْعَادِل رياسة الطِّبّ بالديار المصرية ويكحل فِي البيمارستان الناصري الَّذِي كَانَ من جملَة الْقصر للخلفاء المصريين
وَتُوفِّي القَاضِي نَفِيس الدّين بن الزبير ﵀ بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَله أَوْلَاد مقيمون فِي الْقَاهِرَة وهم من الْمَشْهُورين بصناعة الْكحل والمتميزين فِي عَملهَا وعملها
أفضل الدّين الخونجي
هُوَ الإِمَام الْعَالم الصَّدْر الْكَامِل سيد الْعلمَاء والحكماء أوحد زَمَانه وعلامة أَوَانه أفضل الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن ناماوار الخونجي
قد تميز فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأتقن الْأُمُور الشَّرْعِيَّة
قوي الِاشْتِغَال كثير التَّحْصِيل
اجْتمعت بِهِ بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وست مائَة فَوَجَدته الْغَايَة القصوى فِي سَائِر الْعُلُوم وقرأت عَلَيْهِ بعض الكليات من كتاب القانون للرئيس ابْن سينا وَكَانَ فِي بعض الْأَوْقَات يعرض لَهُ انشداه وخاطر لِكَثْرَة انصباب ذهنه إِلَى الْعلم وتوفر فكرته فِيهِ
وَفِي آخر أمره تولى الْقَضَاء بِمصْر وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة بهَا وبأعمالها
وَكَانَت وَفَاته ﵀ بِالْقَاهِرَةِ يَوْم الْأَرْبَعَاء
стр. 573
خَامِس شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين وست مائَة وَدفن بالقرافة وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين مُحَمَّد بن حسن الغنوي الضَّرِير الأربلي يرثيه
(قضى أفضل الدُّنْيَا فَلم يبْق فَاضل ... وَمَاتَتْ بِمَوْت الخونج الْفَضَائِل)
(فيا أَيهَا الحبر الَّذِي جَاءَ أخرة ... فَحل لنا مَا لم تحل الْأَوَائِل)
(ومستنبط الْعلم الْخَفي بفكرة ... بهَا اتضحت للسائلين الْمسَائِل)
(وفاتح بَاب المشكلات بهَا لنا ... فَلم يسم لولاه لَهَا المتطاول)
(وحبرا إِذا قيس الْبحار بِعِلْمِهِ ... غَدا علمه بحرا وَتلك الجداول)
(فليت المنايا عَنهُ طاشت سهامها ... وَكَانَت أُصِيبَت من سواهُ الْمقَاتل)
(أَتَدْرِي بِمن قد صَار حَامِل نعشه ... عداهُ أحبوه وَمن هُوَ حَامِل)
(وَمَات فريدا فِي الزَّمَان وَأَهله ... وبحر عُلُوم مَاله الدَّهْر سَاحل)
(فَإِن غيبوه فِي الثرى عَن عيوننا ... فَمَا علمه خَافَ وَلَا الذّكر خامل)
(وَإِن أفلت شمس الْمَعَالِي بِمَوْتِهِ ... فَمَا علمه عَن طَالب الْعلم زائل)
(وَمَا كنت أَدْرِي أَن للشمس فِي الثرى ... أفولا وَأَن الْبَدْر فِي الترب نَازل)
(إِلَّا أَن رَأَيْنَاهُ وَقد حل قَبره ... قضينا بِأَن الْبَدْر فِي اللَّحْد حَاصِل) الطَّوِيل
ولأفضل الدّين الخونجي من الْكتب شرح مَا قَالَه الرئيس ابْن سينا فِي النبض
مقَالَة فِي الْخُدُور والوروم
كتاب الْجمل فِي علم الْمنطق
كتاب كشف الْأَسْرَار فِي علم الْمنطق
كتاب الموجز فِي الْمنطق
كتاب أدوار الحميات
أَبُو سُلَيْمَان دَاوُد بن أبي المنى بن أبي فانة
كَانَ طَبِيبا نَصْرَانِيّا بِمصْر فِي زمن الْخُلَفَاء وَكَانَ حظيا عِنْدهم فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية خَبِيرا بعلمها وعملها متميزا فِي الْعُلُوم
وَكَانَ من أهل الْقُدس ثمَّ انْتقل إِلَى الديار المصرية
وَكَانَت لَهُ معرفَة بَالِغَة بِأَحْكَام النُّجُوم
حَدثنِي الْحَكِيم رشيد الدّين أَبُو حليقة بن الْفَارِس بن أبي سُلَيْمَان الْمَذْكُور قَالَ سَمِعت الْأَمِير مجد الدّين أَخا الْفَقِيه عِيسَى وَهُوَ يحدث السُّلْطَان الْملك الْكَامِل بشر مساح عِنْد حُضُوره إِلَيْهِ بعد وَفَاة الْملك الْعَادِل ونزول الفرنج على ثغر دمياط من أَحْوَال جدي أبي سُلَيْمَان دَاوُد مَا هَذَا نَصه قَالَ
كَانَ الْحَكِيم أَبُو سُلَيْمَان فِي زمن الْخُلَفَاء وَكَانَ لَهُ خَمْسَة أَوْلَاد فَلَمَّا وصل الْملك مارى إِلَى الديار المصرية أعجبه طبه فَطَلَبه من الْخَلِيفَة بهَا وَنَقله هُوَ وَأَوْلَاده الْخَمْسَة إِلَى الْبَيْت الْمُقَدّس وَنَشَأ
стр. 574
للْملك مارى ولد مجذم فَركب لَهُ الترياق الفاروقي بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس وترهب وَترك وَلَده الْأَكْبَر وَهُوَ الْحَكِيم الْمُهَذّب أَبُو سعيد خَلِيفَته على منزله وَإِخْوَته
وَاتفقَ أَن ملك الفرنج الْمَذْكُور بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس أسر الْفَقِيه عِيسَى وَمرض فسيره الْملك لمداواته فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ وجده فِي الْجب مُثقلًا بالحديد فَرجع إِلَى الْملك وَقَالَ لَهُ إِن هَذَا الرجل ذُو نعْمَة وَلَو سقيته مَاء الْحَيَاة وَهُوَ على هَذَا الْحَال لم ينْتَفع بِهِ
قَالَ الْملك فَمَا أفعل فِي أمره قَالَ يُطلقهُ الْملك من الْجب ويفك عَنهُ حديده ويكرمه فَمَا يحْتَاج إِلَى مداواة أَكثر من هَذَا
فَقَالَ الْملك تخَاف أَن يهرب وقطيعته كَثِيرَة
قَالَ للْملك سلمه إِلَيّ وضمانه عَليّ
فَقَالَ لَهُ تسلمه وَإِذا جَاءَت قطيعته كَانَ لَك مِنْهَا ألف دِينَار
فَمضى وشاله من الْجب وَفك حديده وأخلى لَهُ موضعا فِي دَاره أَقَامَ فِيهِ سِتَّة أشهر يَخْدمه فِيهَا أتم خدمَة
فَلَمَّا جَاءَت قطيعته طلب الْملك الْحَكِيم أَبَا سعيد ليحضر لَهُ الْفَقِيه الْمَذْكُور فَحَضَرَ وَهُوَ صحبته وَوجد قطيعته فِي أكياس بَين يَدَيْهِ فَأعْطَاهُ مِنْهَا الْكيس الَّذِي وعده بِهِ
فَلَمَّا أَخذه قَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذِه الْألف دِينَار قد صَارَت لي أتصرف فِيهَا تصرف الْملاك فِي أملاكهم فَقَالَ لَهُ نعم
فَأَعْطَاهَا للفقيه فِي الْمجْلس وَقَالَ لَهُ أَنا أعرف أَن هَذِه القطيعة مَا جَاءَت إِلَّا وَقد تركت خَلفك شَيْئا وَرُبمَا قد تدني لَك شَيْئا آخر فَتقبل مني هَذِه الْألف دِينَار إِعَانَة نَفَقَة الطَّرِيق
فقبلها الْفَقِيه مِنْهُ وسافر إِلَى الْملك النَّاصِر
وَاتفقَ أَن الْحَكِيم أَبَا سُلَيْمَان دَاوُد الْمَذْكُور ظهر لَهُ فِي أَحْكَام النُّجُوم إِن الْملك النَّاصِر يفتح الْبَيْت الْمُقَدّس فِي الْيَوْم الْفُلَانِيّ من الشَّهْر الْفُلَانِيّ من السّنة الْفُلَانِيَّة وَأَنه يدْخل إِلَيْهَا من بَاب الرَّحْمَة فَقَالَ لأحد أَوْلَاده الْخَمْسَة وَهُوَ الْفَارِس أَبُو الْخَيْر بن أبي سُلَيْمَان دَاوُد الْمَذْكُور وَكَانَ هَذَا الْوَلَد قد تربى مَعَ الْوَلَد المجذم ملك الْبَيْت الْمُقَدّس وَعلمه الفروسية فَلَمَّا توج الْملك فرسه وَخرج الْمَذْكُور من بَين اخوته الْأَرْبَعَة الْأَطِبَّاء جنديا
وَكَانَ قَول الْحَكِيم أبي سُلَيْمَان لوَلَده هَذَا بِأَن يمْضِي رَسُولا عَنهُ إِلَى الْملك النَّاصِر ويبشره بِملك الْبَيْت الْمُقَدّس فِي الْوَقْت الْمَذْكُور
فامتثل مرسومه وَمضى إِلَى الْملك النَّاصِر فاتفق وُصُوله إِلَيْهِ فِي غرَّة سنة ثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالنَّاس يهنؤنه بهَا وهم على فاميه فَمضى إِلَى الْفَقِيه الْمَذْكُور ففرح بِهِ غَايَة الْفَرح وَدخل بِهِ إِلَى الْملك النَّاصِر وأوصل إِلَيْهِ الرسَالَة عَن أَبِيه ففرح بذلك فَرحا شَدِيدا وأنعم عَلَيْهِ بجائزة سنية وَأَعْطَاهُ علما أصفر ونشابة من رنكة
وَقَالَ لَهُ مَتى يسر الله مَا ذكرت اجعلوا هَذَا الْعلم الْأَصْفَر والنشابة فَوق داركم فالحارة الَّتِي أَنْتُم فِيهَا تسلم جَمِيعهَا فِي خفارة داركم
فَلَمَّا حضر الْوَقْت صَحَّ جَمِيع مَا قَالَه الْحَكِيم الْمَذْكُور فَدخل الْفَقِيه عِيسَى إِلَى الدَّار الَّتِي كَانَ مُقيما بهَا ليحفظها وَلم يسلم من الْبَيْت الْمُقَدّس من الْأسر وَالْقَتْل وَوزن القطيعة سوى بَيت هَذَا الْحَكِيم الْمَذْكُور
وضاعف لأولاده مَا كَانَ لَهُم عِنْد الفرنج وَكتب لَهُ كتابا إِلَى سَائِر ممالكه برا وبحرا بمسامحتهم بِجَمِيعِ الْحُقُوق اللَّازِمَة لِلنَّصَارَى فأعفوا مِنْهَا إِلَى الْآن
وَتُوفِّي الْحَكِيم أَبُو سُلَيْمَان الْمَذْكُور بعد أَن استدعاه الْملك النَّاصِر إِلَيْهِ وَقَامَ لَهُ قَائِما وَقَالَ لَهُ أَنْت شيخ مبارك قد وصل إِلَيْنَا بِشِرَاك وَتمّ جَمِيع مَا ذكرته فتمن عَليّ
فَقَالَ لَهُ أَتَمَنَّى عَلَيْك حفظ أَوْلَادِي
فَأخذ الْملك النَّاصِر أَوْلَاده وأعتنى بهم وَأَعْطَاهُمْ للْملك الْعَادِل ووصاه بِأَن يكرمهم ويكونوا من
стр. 575
الْخَواص عِنْده وَعند أَوْلَاده وَكَانَ كَذَلِك أَقُول وَكَانَ فتح السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف ابْن أَيُّوب للقدس فِي سَابِع وَعشْرين رَجَب سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة
أَبُو سعيد بن أبي سُلَيْمَان
هُوَ الْحَكِيم مهذب الدّين أَبُو سعيد بن أبي سُلَيْمَان بن أبي المنى بن أبي فانة
كَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ كَانَ عَالما بهَا متميزا فِي أَعمالهَا مُتَقَدما فِي الدولة
وَقَرَأَ علم الطِّبّ على أَبِيه وعَلى غَيره
وَكَانَ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب قد جعله فِي خدمَة وَلَده الْملك الْمُعظم وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَأمر أَن لَا يدْخل قلعة من قلاعه إِلَّا رَاكِبًا مَعَ صِحَة جِسْمه
فَكَانَ يدْخل فِي قلاعه الْأَرْبَعَة كَذَلِك وَهِي قلعة الكرك وقلعة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق
وخدم أَبُو سعيد بن أبي سُلَيْمَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وَالْملك الْعَادِل أَيْضا بالطب
وانتقل إِلَى الديار المصرية وأقم بهَا إِلَى حِين وَفَاته
وَتُوفِّي فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَدفن بدير الخَنْدَق عِنْد الْقَاهِرَة
أَبُو شَاكر بن أبي سُلَيْمَان
هُوَ الْحَكِيم موفق الدّين أَبُو شَاكر بن أبي سُلَيْمَان دَاوُد وَكَانَ متقنا لصناعة الطِّبّ متميزا فِي علمهَا وعملها جيد العلاج مكينا فِي الدولة وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على أَخِيه أبي سعيد بن أبي سُلَيْمَان وتميز بعد ذَلِك واشتهر ذكره
وَكَانَ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل قد جعله فِي خدمَة وَلَده الْملك الْكَامِل فَبَقيَ فِي خدمته وحظي عِنْده الحظوة الْعَظِيمَة وَتمكن عِنْده التَّمَكُّن الْكثير ونال فِي دولته حظا عَظِيما وَكَانَت لَهُ مِنْهُ إقطاعات ضيَاع وَغَيرهَا
وَلم يزل أبدا يفتقده بالهبات الوافرة والصلات المتواترة
وَكَانَ أَيْضا الْملك الْعَادِل يعْتَمد عَلَيْهِ فِي المداواة ويصفه بِحسن العلاج
وَكَانَ يدْخل أَيْضا فِي جَمِيع قلاعه وَهُوَ رَاكب مثل قلعة الكرك وقلعة جعبر وقلعة الرها وقلعة دمشق ثمَّ قلعة الْقَاهِرَة مَعَ صِحَة جِسْمه
وَلَقَد بلغ من أمره عِنْد سكن الْملك الْكَامِل بقصر الْقَاهِرَة المحروسة أَن أسْكنهُ عِنْده فِيهِ
وَكَانَ الْملك الْعَادِل سَاكِنا بدار الوزارة وَأَنه ركب ذَات يَوْم على بغلة النّوبَة الَّتِي لَهُ وَخرج إِلَى بَين القصرين فَركب فرسا آخر وسير بغلته الَّتِي كَانَ رَاكِبًا عَلَيْهَا إِلَى دَار الْحَكِيم الْمَذْكُور بِالْقصرِ وَأمر بركوبه عَلَيْهَا وَخُرُوجه من الْقصر رَاكِبًا وَلم يزل رَاكِبًا بَين القصرين إِلَى أَن وصل إِلَيْهِ فَأخذ بِيَدِهِ وسايره يتحدث مَعَه إِلَى دَار الوزارة وَسَائِر الْأُمَرَاء يَمْشُونَ بَين يَدي الْملك الْكَامِل
وللعضد ابْن منقذ فِي أبي شَاكر
стр. 576
(هَذَا الْحَكِيم أَبُو شَاكر ... كثير المحبين والشاكر)
(خَليفَة بقراط فِي عصرنا ... وثانيه فِي علمه الباهر) المتقارب
وَتُوفِّي أَبُو شَاكر بن أبي سُلَيْمَان فِي سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَدفن بدير الخَنْدَق عِنْد الْقَاهِرَة
أَبُو نصربن أبي سُلَيْمَان
كَانَ طَبِيبا عَارِفًا بصناعة الطِّبّ حسن المعالجة جيد العلاج
وَتُوفِّي بالكرك
أَبُو الْفضل بن أبي سُلَيْمَان
كَانَ طَبِيبا مشكورا فِي صناعَة الطِّبّ عَالما بهَا متميزا فِي المعالجة والمداواة
وَكَانَ أَصْغَر إخْوَته وَعمر من دونهم
كَانَ مولده فِي سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة ووفاته فِي سنة أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فمدة حَيَاته أَربع وَثَمَانُونَ سنة لم يبلغهَا أحد من إخْوَته وَكَانَ طَبِيبا للْملك الْمُعظم مُقيما بالكرك
ثمَّ خدم الْملك الْكَامِل بالديار المصرية وَتُوفِّي فِيهَا
رشيد الدّين أَبُو حليقة
هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم رشيد الدّين أَبُو الْوَحْش بن الْفَارِس أبي الْخَيْر بن أبي سُلَيْمَان دَاوُد بن أبي المنى بن أبي فانة وَيعرف بِأبي حليقة
كَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ والعلوم الْحكمِيَّة متفننا فِي الْعُلُوم والآداب حسن المعالجة لطيف المداواة رؤوفا بالمرضى محبا لفعل الْخَيْر مواظبا للأمور الشَّرْعِيَّة الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا كثير الْعِبَادَة
وَلَقَد اجْتمعت بِهِ مَرَّات وَرَأَيْت من حسن معالجته وعشرته وَكَمَال مروءته مَا يفوق الْوَصْف
واشتغل بصناعة الطِّبّ فِي أول أمره على عَمه مهذب الدّين أبي سعيد بِدِمَشْق واشتغل بعد ذَلِك بالديار المصرية وَقَرَأَ أَيْضا على شَيخنَا مهذب الدّين عبد الرَّحِيم ابْن عَليّ ﵀ وَلم يزل دَائِم الِاشْتِغَال ملازما للْقِرَاءَة
ومولده بقلعة جعبر وَذَلِكَ فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
وَخرج مِنْهَا إِلَى الرها وربي بهَا مُدَّة سبع أَو ثَمَان سِنِين
وَكَانَ وَالِده يلْبسهُ لِبَاس الجندي مثل لِبَاسه وَكَانَ سَاكِنا بدار يُقَال لَهَا دَار ابْن الزَّعْفَرَانِي عِنْد بَاب شاع بالرها
وَكَانَت هَذِه الدَّار ملاصقة لدار السُّلْطَان فاتفق أَن الْملك الْكَامِل دخل فِيهَا الْحمام فَأعْطَاهُ وَالِده الْفَارِس الْمَذْكُور فَاكِهَة وَمَاء ورد
وَأمره بِحمْلِهِ إِلَى السُّلْطَان فَحَمله إِلَيْهِ فَلَمَّا خرج من الْحمام وَقدمه إِلَيْهِ أَخذه وَدخل بِهِ إِلَى الخزانة وَفرغ تِلْكَ الأطباق الْفَاكِهَة وملأها لَهُ شقاقا سنية وسيرها مَعَ غُلَامه لوالده وَأخذ الْملك الْكَامِل بِيَدِهِ وَكَانَ عمره يَوْمئِذٍ نَحْو ثَمَان سِنِين وَدخل إِلَى الْملك الْعَادِل
وعندما أبصره الْملك الْعَادِل وَلم يكن رَآهُ قبلهَا قطّ قَالَ للْملك الْكَامِل يَا مُحَمَّد هَذَا ابْن الْفَارِس لِأَنَّهُ
стр. 577
أَخذه بالشبة فَقَالَ نعم
قَالَ هاته إِلَيّ
فَحَمله الْملك الْكَامِل وَوَضعه بَين يَدَيْهِ فمسك بِيَدِهِ وتحدث مَعَ مَعَه حدليناطويلا
ثمَّ الْتفت إِلَى وَالِده وَقد كَانَ قَائِما فِي خدمته مَعَ جملَة الْقيام وَقَالَ لَهُ ولدك هَذَا ولد ذكي لَا تعلمه الجندية فالأجناد عندنَا كَثِيرُونَ وَأَنْتُم بَيت مبارك وَقد استبركنا بطبكم تسيره إِلَى الْحَكِيم أبي سعيد إِلَى دمشق ليقرئه الطِّبّ
فامتثل وَالِده الْأَمر وجهزه وسيره إِلَى دمشق أَقَامَ فِيهَا مُدَّة سنة كَامِلَة حفظ فِيهَا كتاب الْفُصُول لأبقراط وتقدمة الْمعرفَة
ثمَّ وصل إِلَى الْقَاهِرَة فِي سنة تسع وَخَمْسمِائة وَلم يزل مُقيما بهَا
وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْكَامِل وَكَانَ كثير الاحترام لَهُ حظيا عِنْده وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإنعام الْمُتَّصِل وَله خبز بالديار المصرية
وَهُوَ الَّذِي كَانَ مقطعا باسم عَمه موفق الدّين أبي شَاكر فَإِنَّهُ لما توفّي أَبُو شَاكر جعل الْملك الْكَامِل هَذَا الْخبز باسم رشيد الدّين الْمَذْكُور وَهُوَ نصف بلد يعرف بالعزيزية والخربة من أَعمال الشرقية
وَلم يزل فِي خدمَة الْملك الْكَامِل إِلَى أَن توفّي ﵀
ثمَّ خدم بعده وَلَده الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب إِلَى أَن توفّي الْملك الصَّالح ﵀ وخدم أَيْضا ولد الْملك الصَّالح بعد ذَلِك وَهُوَ الْملك الْمُعظم ترنشاه
وَلما قتل ﵀ وَذَلِكَ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع وَعشْرين الْمحرم سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَجَاءَت دولة التّرْك واستولوا على الْبِلَاد واحتووا على الممالك صَار فِي خدمتهم وأجروه على مَا كَانَ باسمه
ثمَّ خدم مِنْهُم الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس الْملك الصَّالح وَبَقِي فِي خدمته على عَادَته المستمرة وقاعدته المستقرة وَله مِنْهُ الاحترام التَّام وجزيل الإنعام وَالْإِكْرَام
وللحكيم رشيد الدّين أبي حليقة نَوَادِر فِي أَعمال صناعَة الطِّبّ وحكايات كَثِيرَة تميز بهَا على غَيره من جمَاعَة الْأَطِبَّاء
من ذَلِك أَنه مَرضت دَار من بعض الآدر السُّلْطَانِيَّة بالعباسية وَكَانَ من سيرته مَعَه أَن لَا يُشْرك مَعَه طَبِيبا فِي مداواته وَفِي مداواة من يعز عَلَيْهِ من دوره وَأَوْلَاده فباشر مداواة الْمَرِيضَة الْمَذْكُورَة أَيَّامًا قَلَائِل ثمَّ حصل لَهُ شغل ضَرُورِيّ أَلْجَأَهُ إِلَى ترك الْمَرِيضَة وَدخل الْقَاهِرَة وَأقَام بهَا ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا
ثمَّ خرج إِلَى العباسية فَوجدَ الْمَرِيضَة قد تولى مداواتها الْأَطِبَّاء الَّذين فِي الْخدمَة
فَلَمَّا حضر وباشر مَعَهم قَالُوا لَهُ هَذِه الْمَرِيضَة تَمُوت والمصلحة أَن نعلم السُّلْطَان بذلك قبل أَن يفاجئه أمرهَا بَغْتَة
فَقَالَ لَهُم إِن هَذِه الْمَرِيضَة عِنْدِي مَا هِيَ فِي مرضة الْمَوْت وَأَنَّهَا تعافى بِمَشِيئَة الله تَعَالَى من هَذِه المرضة
فَقَالَ لَهُ أحدهم وَهُوَ أكبرهم سنا وَكَانَ الْحَكِيم الْمَذْكُور شَابًّا إِنَّنِي أكبر مِنْك وَقد باشرت من المرضى أَكثر مِنْك فتوافقني على كِتَابَة هَذِه الرقعة فَلم يُوَافقهُ
فَقَالَت جمَاعَة الْحُكَمَاء لَا بُد لنا من المطالعة فَقَالَ لَهُم إِن كَانَ لَا بُد لكم من هَذِه المطالعة فَيكون بأسمائكم من دوني
فَكتب إِلَيْهِ الْأَطِبَّاء بموتها فسير إِلَيْهِم رَسُولا وَمَعَهُ نجار ليعْمَل لَهَا تابوتا تحمل فِيهِ
وَلما وصل الرَّسُول
стр. 578
والنجار مَعَه إِلَى الْبَاب والأطباء جُلُوس قَالَ لَهُ الْحَكِيم الْمَذْكُور مَا هَذَا النجار قَالَ يعْمل تابوتا لمريضتكم
فَقَالَ لَهُ تضعونها فِيهِ وَهِي فِي الْحَيَاة فَقَالَ الرَّسُول لَا لَكِن بعد مَوتهَا
قَالَ لَهُ ترجع بِهَذَا النجار وَتقول للسُّلْطَان عني خَاصَّة أَنَّهَا فِي هَذِه المرضة لَا تَمُوت
فَرجع وَأخْبرهُ بذلك
فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل استدعاه السُّلْطَان بخادم وشمعة وورقة بِخَطِّهِ يَقُول فِيهَا ولد الْفَارِس يحضر إِلَيْنَا لِأَنَّهُ لم يكن بعد سمي أَبَا حليقة وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بذلك فِيمَا بعد السُّلْطَان الْملك الْكَامِل
فَإِنَّهُ كَانَ فِي بعض الْأَيَّام جَالِسا مَعَ الْأَطِبَّاء على الْبَاب فَقَالَ السُّلْطَان للخادم فِي أول مرّة اطلب الْحَكِيم فَقَالَ لَهُ يَا خوند أَي الْحُكَمَاء هُوَ فَقَالَ لَهُ أَبُو حليقة
فاشتهر بَين النَّاس بِهَذَا الِاسْم من ذَلِك الْيَوْم إِلَى حَيْثُ غطى نَعته ونعت عَمه الَّذِي كَانُوا يعْرفُونَ بِهِ ببني شَاكر
فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ أَنْت منعت عمل التابوت فَقَالَ نعم
قَالَ بِأَيّ دَلِيل ظهر لَك هَذَا من دون الْأَطِبَّاء كلهم قَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا لمعرفتي مزاجها وبأوقات مَرضهَا على التَّحْرِير من دونهم وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَأْس فِي هَذِه المرضة
فَقَالَ لَهُ امْضِ وطبها وَاجعَل بالك لَهَا
فطب الْمَذْكُورَة وعوفيت
ثمَّ أخرجهَا السُّلْطَان وَزوجهَا وَولدت من زَوجهَا أَوْلَادًا كثيرين
وَمن جملَة مَا تمّ أَيْضا لَهُ أَنه حكم معرفَة نبض الْملك الْكَامِل حَتَّى أَنه فِي بعض الْأَيَّام خرج إِلَيْهِ من خلف الستارة مَعَ الآدر المرضى فَرَأى نبض الْجَمِيع وَوصف لَهُم
فَلَمَّا انْتهى إِلَى نبضه عرفه فَقَالَ هَذَا نبض مَوْلَانَا السُّلْطَان وَهُوَ صَحِيح بِحَمْد الله فتعجب مِنْهُ غَايَة الْعجب وَزَاد تمكنه عِنْده
وَمن حكاياته مَعَه أَنه أمره بِعَمَل الترياق الْفَارُوق فاشتغل بِعَمَلِهِ مُدَّة طَوِيلَة ساهرا عَلَيْهِ اللَّيْل حَتَّى حقق كل وَاحِد من مفرداته اسْما على مُسَمّى بِشَهَادَة أَئِمَّة الصِّنَاعَة أبقراط وجالينوس
وَفِي غُضُون ذَلِك حصل للسُّلْطَان نزلة على أَسْنَانه فأفصد بِسَبَبِهَا وَهُوَ ببركة الْفِيل يتفرج بهَا فطلع إِلَى القلعة وَتَوَلَّى مداواته الأسعد الطَّبِيب بن أبي الْحسن بِسَبَب شغل الْمَذْكُور بِعَمَل الترياق
فعالجه الأسعد مُدَّة وَالْحَال كلما مر اشْتَدَّ فَشَكا ذَلِك للأسعد فَقَالَ لَهُ مَا بَقِي قدامي إِلَّا الفصد
فَقَالَ لَهُ أفصد مرّة أُخْرَى ولي عَن الفصد ثَلَاثَة أَيَّام اطْلُبُوا لي أَبَا حليقة
فَحَضَرَ إِلَيْهِ وشكا لَهُ حَاله وأعلمه أَن ذَلِك الطَّبِيب قد أَشَارَ عَلَيْهِ بالفصد واستشاره فِيهِ أَو فِي شرب دَوَاء فَقَالَ يَا مَوْلَانَا بدنك بِحَمْد الله نقي وَالْأَمر أيسر من هَذَا كُله
فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان إيش تَقول لي أيسر وَأَنا فِي شدَّة عَظِيمَة من هَذَا الْأَلَم لَا أَنَام اللَّيْل وَلَا أقرّ النَّهَار
فَقَالَ لَهُ يتَسَوَّك مَوْلَانَا من الترياق الَّذِي حمله الْمَمْلُوك فِي البرنية الْفضة الصَّغِيرَة وَترى بِإِذن الله الْعجب
وَخرج إِلَى الْبَاب وَلم يشْعر إِلَّا بِوَرَقَة بِخَط السُّلْطَان قد خرجت إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُول فِيهَا يَا حَكِيم اسْتعْملت مَا ذكرته فَزَالَ جَمِيع مَا بِي لوقته وَكَانَ ذَلِك بِحُضُور الأسعد الطَّبِيب الَّذِي كَانَ يعالجه أَولا
فَقَالَ لَهُ وَنحن مَا نصلح لمداواة الْمُلُوك وَلَا يصلح لمداواتهم إِلَّا أَنْتُم
ثمَّ دخل الْملك الْكَامِل إِلَى خزانته وَبعث إِلَيْهِ مِنْهَا خلعا سنية وذهبا متوفرا
وَمن حكاياته إِنَّه لما طَال عَلَيْهِ عمل الترياق الْفَارُوق لتعذر حُضُور أدويته الصَّحِيحَة من الْآفَاق
стр. 579
عمل ترياقا مُخْتَصرا تُوجد أدويته فِي كل مَكَان
وَنوى أَنه لَا يقْصد بِهِ قربا من ملك وَلَا طلب مَال وَلَا جاها فِي الدُّنْيَا وَلَا يقْصد بِهِ إِلَّا التَّقَرُّب إِلَى الله بنفع خلقه أَجْمَعِينَ والشفقة على سَائِر الْعَالمين وبذله للمرضى فَكَانَ يخلص بِهِ المفلوجين وَيقوم بِهِ الْأَيْدِي المتقوسة لوقته وساعته بِحَيْثُ كَانَ ينشيء فِي العصب زِيَادَة فِي الْحَرَارَة الغريزية وتقوية وإذابة البلغم الَّذِي فِيهِ فيجد الْمَرِيض الرَّاحَة بِهِ لوقته ويسكن وجع القولنج من بعد الاستفراغ لوقته
وَأَنه مر على بواب الْبَاب الَّذِي بَين السورين بِالْقَاهِرَةِ المحروسة وَهُوَ رجل يعرف بعلي وَهُوَ ملقى على ظَهره لَا يقدر أَن ينْتَصب من جنب إِلَى جنب فَشَكا إِلَيْهِ حَاله فَأعْطَاهُ مِنْهُ شربة وطلع القلعة وباشر المرضى وَعَاد فِي السَّاعَة الثَّالِثَة من النَّهَار فَقَامَ المفلوج يعدو فِي ركابه يَدْعُو لَهُ
فَقَالَ لَهُ اقعد فَقَالَ يَا مَوْلَانَا قد شبعت قعُودا خليني أتملى بنفسي
وَمن حكاياته أَن الْملك الْكَامِل كَانَ عِنْده مُؤذن يعرف بأمين الدّين جَعْفَر حصل لَهُ حَصَاة سدت مجْرى الْبَوْل وقاسى من ذَلِك شدَّة أشرف فِيهَا على الْمَوْت
فَكتب إِلَى الْملك الْكَامِل وأعلمه بِحَالهِ وَطلب مِنْهُ دستورا يمشي إِلَى بَيته يتداوى فَلَمَّا حضر إِلَى بَيته أحضر أطباء الْعَصْر فوصف كل مِنْهُم لَهُ مَا وصف فَلم ينجع
فاستدعى الْحَكِيم أَبَا حليقة الْمَذْكُور فَأعْطَاهُ شربة من ذَلِك الترياق
فبمقدار مَا وصلت إِلَى معدته نفذت قوتها إِلَى مَوضِع الْحَصَاة ففتتتها وَخرجت من الأراقة وَهِي مصبوغة بالدواء وخلص لوقته وَخرج لخدمة سُلْطَانه وَأذن أَذَان الظّهْر
وَكَانَ السُّلْطَان يَوْمئِذٍ مخيما على جيزة الْقَاهِرَة فَلَمَّا سمع صَوته أَمر بإحضاره إِلَيْهِ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ مَا ورقتك بالْأَمْس وصلتنا وَأَنت تَقول أَنَّك كنت على الْمَوْت فَأَخْبرنِي أَمرك
فَقَالَ يَا مَوْلَانَا الْأَمر كَانَ كَذَلِك لَوْلَا لَحِقَنِي مَمْلُوك مَوْلَانَا الْحَكِيم أَبُو حليقة فَأَعْطَانِي ترياقا خلصت بِهِ للْوَقْت وَالْحَال
وَاتفقَ أَن فِي ذَلِك الْيَوْم جلس إِنْسَان ليريق مَاء فنهشته أَفْعَى فِي ذكره فَقتلته فَلَمَّا سمع السُّلْطَان بِخَبَرِهِ رق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَانَ رؤوفا بالخلق
ثمَّ دخل إِلَى قلعة الْقَاهِرَة بَات بهَا وَأصْبح من باكر والحكيم الْمَذْكُور قَاعد فِي الْخدمَة عِنْد زِمَام الدَّار على الْبَاب
وَالسُّلْطَان قد خرج فَوقف واستدعاه إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ يَا حَكِيم أيش هَذَا الترياق الَّذِي عملته واشتهر نَفعه للنَّاس هَذِه الشُّهْرَة الْعَظِيمَة وَلم تعلمني بِهِ قطّ فَقَالَ يامولانا الْمَمْلُوك لَا يعْمل شَيْئا إِلَّا لمولانا وَمَا سَبَب تَأْخِير إِعْلَامه إِلَّا ليجربه الْمَمْلُوك لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أنشأه فَإِذا صحت لَهُ تجربته ذكره لمولانا على ثِقَة مِنْهُ وَإِذ قد صَحَّ هَذَا لمولانا فقد حصل الْمَقْصُود
فَقَالَ لَهُ تمْضِي وتحضر لي كلما عنْدك مِنْهُ
وَترك خَادِمًا قَاعِدا على الْبَاب فِي انْتِظَاره وَرجع إِلَى دَاره كَأَنَّهُ لم يطلع القلعة فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَلَا خرج من الدَّار فِي تِلْكَ السَّاعَة إِلَّا لهَذَا المهم خَاصَّة
فَمضى الْحَكِيم الْمَذْكُور إِلَى دَاره فَوجدَ عِنْده من ذَلِك الترياق شَيْئا يَسِيرا لِأَن الْخلق كَانَت تغنيه مِمَّا تطلبه مِنْهُ فَمضى إِلَى أصدقائه الَّذين كَانَ أهْدى لَهُم مِنْهُ شَيْئا وَجمع مِنْهُ مِقْدَار أحد عشر درهما وَوَعدهمْ بِأَنَّهُ يعطيهم عوضا عَنهُ أضعافه فَجعله فِي برنية فضَّة صَغِيرَة وَكتب عَلَيْهِ مَنَافِعه وَمِقْدَار الشربة مِنْهُ وَحملهَا إِلَى الْخَادِم الْمَذْكُور الْقَاعِد فِي انْتِظَاره فحملها إِلَى السُّلْطَان وَلم يزل حَافِظًا لَهَا فَلَمَّا آلمته أَسْنَانه دلكه عَلَيْهَا فَحصل لَهُ مِنْهُ من الرَّاحَة مَا ذكر
стр. 580
وَمن حكاياته مَعَه أَنه كَانَ قد عرض لبَعض جهاته مرض عجز عَن مداواته فسيرت تِلْكَ الْجِهَة تَقول لَهُ أَنا أعرف أَن السُّلْطَان لَو عرف أَن فِي الديار المصرية طَبِيبا خيرا مِنْك لما سلم نَفسه وَأَوْلَاده إِلَيْك من دون كَافَّة الْأَطِبَّاء فَأَنت مَا تُؤْتى فِي مداواتي من قلَّة معرفَة بل من التهاون بأَمْري بِدَلِيل أَنَّك تمرض فتداوي نَفسك فِي أَيَّام يسيرَة وَكَذَلِكَ يمرض أحد أولادك فتداويه فِي أَيَّام يسيرَة أَيْضا وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْجِهَات الَّتِي عندنَا مَا مِنْهُم إِلَّا من تداويه وتنجع مداواتك بأيسر سعي
فَقَالَ لَهَا مَا كل الْأَمْرَاض تقبل المداواة وَلَو قبلت الْأَمْرَاض كلهَا المداواة لما مَاتَ أحد
فَلم تسمع ذَلِك مِنْهُ وَقَالَت أَنا أعرف أَن مَا بَقِي فِي الديار المصرية طَبِيب وَأَنا أُشير إِلَى السُّلْطَان يستخدم لي أطباء من دمشق فاستخدم لَهَا طبيبين نَصْرَانِيين فَلَمَّا حضرا لمداواتها من دمشق اتّفق سفر السُّلْطَان إِلَى دمياط فاستؤذن من يمْضِي مَعَه من الْأَطِبَّاء وَمن يتْرك فَقَالَ الْأَطِبَّاء كلهم يبقون فِي خدمَة تِلْكَ الْجِهَة والحكيم فلَان وَحده يكون معي
فَأَما أُولَئِكَ الْأَطِبَّاء فأنهم عالجوها بِكُل مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ وتعبوا فِي مداواتها فَلم ينجع فانبسط فِي ذَلِك عذر الْمَذْكُور وَأورد مَا ذكر أبقراط فِي تقدمة الْمعرفَة
ثمَّ أَنه لما سَافر مَعَ السُّلْطَان بَقِي فِي خدمته مُدَّة شهر لم يتَّفق لَهُ أَن يستدعيه وَبعد ذَلِك بدمياط استدعاه لَيْلًا فَحَضَرَ بَين يَدَيْهِ فَوَجَدَهُ محموما وَوجد بِهِ أعراضا مُخْتَلفَة يباين بَعْضهَا بَعْضًا فَركب لَهُ مشروبا يُوَافق تِلْكَ الْأَعْرَاض الْمُخْتَلفَة وَحمله إِلَيْهِ فِي السحر فَلم تغب الشَّمْس إِلَّا وَقد زَالَ جَمِيع مَا كَانَ يشكوه فَحسن ذَلِك عِنْده جدا
وَلم يزل ملازما لاستعمال ذَلِك التَّدْبِير إِلَى أَن وصل إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَاتفقَ أول يَوْم من صِيَام شهر رَمَضَان أَن الْحَكِيم الْمَذْكُور مرض بهَا فَحَضَرَ إِلَيْهِ الْأَطِبَّاء الَّذين فِي الْخدمَة واستشاروه فِيمَا يحملون إِلَى السُّلْطَان يفْطر عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم عِنْده مشروب قد جربه وَهُوَ يثني عَلَيْهِ ويطلبه دَائِما فَمَا دَامَ لَا يشكو لكم شَيْئا متجددا يمْنَع من اسْتِعْمَاله فاحملوه إِلَيْهِ وَإِن تجدّد لكم شَيْء فاستعملوا مَا تَقْتَضِيه الْمصلحَة الْحَاضِرَة
فَمَضَوْا وَلم يقبلُوا مِنْهُ قصدا مِنْهُم أَن يجددوا تدبيرا من جهتهم فَلَمَّا جددوا ذَلِك التَّدْبِير تغير عَلَيْهِ مزاجه فاستدعاهم واستدعى نُسْخَة الْحَكِيم الْمَذْكُور وَأخذ يحاققهم عَلَيْهَا فَكَانَ من جملَة مَا فِيهَا بزر هندبا وَقد حذفوه فَقَالَ لَهُم لماذا حذفتم هَذَا البزر وَهُوَ مقو للكبد منق للعروق قَاطع للعطش فَقَالَ أحد الْأَطِبَّاء الَّذين حَضَرُوا وَالله مَا للمماليك فِي حذفه ذَنْب إِلَّا أَن الأسعد بن أبي الْحسن نقل فِي بزر الهندبا نقلا شاذا بِأَنَّهُ يضر بالطحال الْمَمْلُوك وَالله مَا يعرفهُ وَزعم أَن بمولانا طحالا فوافقه المماليك على ذَلِك
فَقَالَ وَالله يكذب أَنا مَا بِي وجع طحال
وَأمر بِإِعَادَة بزر الهندبا إِلَى مَكَانَهُ
ثمَّ حاققهم على مَنْفَعَة دَوَاء من مُفْرَدَات ذَلِك المشروب الَّتِي حذفوها إِلَى أَن أعادوهما وَأعَاد اسْتِعْمَاله دَائِما وَلم يزل مُنْتَفعا بِهِ شاكرا لَهُ
стр. 581
وَمن حكاياته أَنه طلب مِنْهُ يَوْمًا أَن يركب لَهُ صلصا يَأْكُل بِهِ اليخني فِي الْأَسْفَار واقترح عَلَيْهِ أَن يكون مقويا للمعدة منبها للشهوة وَهُوَ مَعَ ذَلِك ملين للطبخ فَركب لَهُ صلصا هَذِه صفته يُؤْخَذ من المقدونس جُزْء وَمن الريحان الترنجاني وَقُلُوب الأترج الغضة المحلاة بِالْمَاءِ وَالْملح أَيَّامًا ثمَّ بِالْمَاءِ الحلو أخيرا من كل وَاحِد نصف جُزْء يدق فِي جرن الفقاعي كل مِنْهُم بمفرده حَتَّى يصير مثل المرهم
ثمَّ يخلط الْجَمِيع فِي الجرن الْمَذْكُور ويعصر عَلَيْهِ الليمون الْأَخْضَر الْمُنْتَقى ويذر عَلَيْهِ من الْملح الأندراني مِقْدَار مَا يطيبه
ثمَّ يرفع فِي مسللات صغَار تسع كل وَاحِدَة مِنْهَا مِقْدَار مَا يقدم على الْمَائِدَة لِأَنَّهَا إِذا نقصت تكرجت وتختم تِلْكَ الْأَوَانِي بالزيت الطّيب وترفع فَلَمَّا اسْتَعْملهُ السُّلْطَان حصلت لَهُ مِنْهُ الْمَقَاصِد الْمَطْلُوبَة
وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء كثيرا
وَكَانَ مُسَافِرًا إِلَى بِلَاد الرّوم فَقَالَ للحكيم الْمَذْكُور هَذَا الصلص يَدُوم مُدَّة طَوِيلَة فَقَالَ لَهُ لَا
فَقَالَ مَا يُقيم شهرا فَقَالَ لَهُ نعم إِذا عمل على هَذِه الصُّورَة الَّتِي ذكرتها
فَقَالَ تعْمل لي مِنْهُ راتبا فِي كل شهر مَا يَكْفِينِي فِي مُدَّة ذَلِك الشَّهْر وتسيره لي فِي رَأس كل هِلَال
فَلم يزل الْحَكِيم الْمَذْكُور يجدد ذَلِك الصلص فِي كل شهر ويسيره لَهُ إِلَى دربندات الرّوم وَهُوَ يلازم اسْتِعْمَاله فِي الطَّرِيق ويثني عَلَيْهِ ثَنَاء كثيرا
وَمن نوادره أَنه جَاءَت إِلَيْهِ امْرَأَة من الرِّيف وَمَعَهَا وَلَدهَا وَهُوَ شَاب قد غلب عَلَيْهِ النحول وَالْمَرَض فشكت إِلَيْهِ حَال وَلَدهَا وَأَنَّهَا قد أعيت فِيهِ من المداواة وَهُوَ لَا يزْدَاد إِلَّا سقاما ونحولا
وَكَانَت قد جَاءَت إِلَيْهِ بِالْغَدَاةِ قبل ركُوبه وَكَانَ الْوَقْت بَارِدًا
فَنظر إِلَيْهِ واستقرأ حَاله وجس نبضه
فَبَيْنَمَا هُوَ يجس نبضه قَالَ لغلامه ادخل ناولني الفرجية حَتَّى أجعلها عَليّ فَتغير نبض ذَلِك الشَّاب عِنْد قَوْله تغيرا كثيرا وَاخْتلف وَزنه وَتغَير لَونه أَيْضا فحدس أَن يكون عَاشِقًا
ثمَّ جس نبضه بعد ذَلِك فتساكن
وعندما خرج الْغُلَام إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ هَذِه الفرجية جس نبضه فَوَجَدَهُ أَيْضا قد تغير فَقَالَ لوالدته إِن ابْنك هَذَا عاشق وَالَّتِي يهواها اسْمهَا فرجية فَقَالَت أَي وَالله يَا مولَايَ هُوَ يحب وَاحِدَة اسْمهَا فرجية وَقد عجزت مِمَّا أعذله فِيهَا
وتعجبت من قَوْله لَهَا غَايَة التَّعَجُّب وَمن اطِّلَاعه على اسْم الْمَرْأَة من غير معرفَة مُتَقَدّمَة لَهُ لذَلِك
أَقُول وَمثل هَذِه الْحِكَايَة كَانَت قد عرضت لِجَالِينُوسَ لما عرف الْمَرْأَة العاشقة وَذَلِكَ أَنه كَانَ قد استدعي إِلَى امْرَأَة جليلة الْقدر وَكَانَ الْمَرَض قد طَال بهَا وحدس أَنَّهَا عاشقة
فتردد إِلَيْهَا
وَلما كَانَ يَوْمًا وَهُوَ يجس نبضها وَكَانَت الأجناد قد ركبُوا فِي الميدان وهم يَلْعَبُونَ فَحكى بعض الْحَاضِرين مَا كَانُوا فِيهِ وَأَن فلَانا تبينت لَهُ فروسية وَلعب جيد وعندما سَمِعت باسم ذَلِك الرجل تغير نبضها وَاخْتلف
جسه بعد ذَلِك فَوَجَدَهُ قد تساكن إِلَى أَن عَاد إِلَى حَاله الأولى
ثمَّ إِن جالينوس أَشَارَ لذَلِك الحاكي سرا أَن يُعِيد قَوْله فَلَمَّا أَعَادَهُ وجس نبضها وجده أَيْضا قد تغير فتحقق من حَالهَا أَنَّهَا تعشق ذَلِك الرجل
وَهَذَا يدل على وفور الْعلم وَحسن النّظر فِي تقدمة الْمعرفَة
стр. 582
أَقُول وَجَمَاعَة أهل الْحَكِيم رشيد الدّين أبي حليقة أَكثر شهرتهم فِي الديار المصرية وَالشَّام ببني شَاكر لشهرة الْحَكِيم أبي شَاكر وسمعته الذائعة فَصَارَ كل من لَهُ نسب إِلَيْهِ يعْرفُونَ ببني شَاكر وَإِن لم يَكُونُوا من أَوْلَاده
وَلما اجْتمعت بالحكيم رشيد الدّين أبي حليقة وَكَانَ قد بلغه أنني ذكرت الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين من أَهله ووصفت فَضلهمْ وعلمهم فتشكر مني وتفضل فَأَنْشَدته بديها
(وَكَيف لَا أشكر من فَضلهمْ ... قد سَار فِي الْمشرق وَالْمغْرب)
(تشرق مِنْهُم فِي سَمَاء الْعلَا ... نُجُوم سعد قطّ لم تغرب)
(قوم ترى أقدارهم فِي الورى ... بِالْعلمِ تسمو رُتْبَة الْكَوْكَب)
(كم صنفوا فِي الطِّبّ كتبا أَتَت ... بِكُل معنى مبدع مغرب)
(وَإِن شكري فِي بني شَاكر ... مَا زَالَ فِي الْأَبْعَد وَالْأَقْرَب)
(خلدت مجدا دَائِما فيهم ... بِحسن وصف وثنا طيب) السَّرِيع
وَأما سَبَب الْحلقَة الَّتِي وضعت فِي أذن الرشيد واشتهر بهَا اسْمه فَإِن وَالِده لم يَعش لَهُ ولد ذكر غَيره فوصف لَهُ ووالدته حَامِل بِهِ أَن يهيء لَهُ حَلقَة فضَّة قد تصدق بفضتها وَفِي السَّاعَة الَّتِي يخرج فِيهَا إِلَى الْعَالم يكون صائغ مجهزا يثقب أُذُنه وَيَضَع الْحلقَة فِيهَا
فَفعل ذَلِك وَأَعْطَاهُ الله الْحَيَاة فعاهدته والدته أَن لَا يقلعها فَبَقيت
ثمَّ تزوج هُوَ وجاءه أَوْلَاد ذُكُور عدَّة ويموتون كَمَا جرى الْحَال فِي أمره فتبه إِلَى عمل الْحلقَة الْمَذْكُورَة فعملها لوَلَده الْكَبِير الْمَعْرُوف بمهذب الدّين أبي سعيد لِأَنَّهُ سَمَّاهُ باسم عَم الْمَذْكُور
وَمن شعر الْحَكِيم رشيد الدّين أبي حليقة وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ بِحَضْرَة سيف الْإِسْلَام
(سمح الحبيب بوصله فِي لَيْلَة ... غفل الرَّقِيب ونام عَن جنباتها)
(فِي رَوْضَة لَوْلَا الزَّوَال لشابهت ... جنَّات عدن فِي جَمِيع صفاتها)
(فالطير يطرب فِي الغصون بِصَوْتِهِ ... والراح تجلى فِي كؤوس سقاتها)
(ومجالس الْقَمَر الْمُنِير تنزهت ... فِيهِ الْحَواس باسمها وكناتها) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(أحن إِلَى ذكر التواصل يَا سعد ... حنين النياق العيس عَن لَهَا الْورْد)
(فسعدى على قلبِي ألذ من المنى ... وقربي لَهَا عِنْد اللِّقَاء هُوَ الْقَصْد)
(حوت مبسما كالدر أضحى منظما ... وثغرا كَمثل الأقحوان بِهِ شهد)
(وفرعا كَمثل اللَّيْل أَو حَظّ عاشق ... ووجها كضوء الصُّبْح هَذَا لذا ضد)
стр. 583
(أَقُول لَهَا عِنْد الْوَدَاع وبيننا ... حَدِيث كنشر الْمسك خالطه ند)
(ترى نَلْتَقِي بعد الْفِرَاق بمنزل ... ويظفر مشتاق أضرّ بِهِ الْبعد)
(تمر اللَّيَالِي لَيْلَة بعد لَيْلَة ... وذكركم بَاقٍ يجدده الْعَهْد)
(وَلَكِن خوف الصب إِن طَال هجركم ... فَيَقْضِي وَلَا يمْضِي لَهُ مِنْكُم وعد)
(عشقت سيوف الْهِنْد من أجل أَنَّهَا ... تشابهها فِي فعل ألحاظها الْهِنْد)
(ولي فِي الرماح السمر سمر لِأَنَّهَا ... تشابهها قدا فيا حبذا الْقد)
(وَفِي الْورْد معنى شَاهد فَوق خدها ... نشاهده فِيهَا إِذا عدم الْورْد)
(وَبِي من هَواهَا مَا جحدت وعبرت ... بِهِ عبرتي يَوْمًا وَمَا نفع الْجحْد) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(خليلي أَنِّي قد بقيت مسهدا ... من الْحبّ مأسور الْفُؤَاد مُقَيّدا)
(بحب فتاة يخجل الْبَدْر وَجههَا ... وَلَا سِيمَا فِي ليل شعر إِذا بدا)
(ضللت بهَا وَهِي الْهلَال ملاحة ... فوا عجبا مِنْهُ أضلّ وَمَا هدى)
(لَهَا مبسم كالدر أضحى منظما ... ونطق كَمثل الدّرّ أَمْسَى مبددا) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا لما كَانَ بدمياط وَمرض وَالِده فِي الْقَاهِرَة فَجَاءَهُ كِتَابه بعافيته
(مطرَت على سحائب النعماء ... مذ زَالَ مَا تَشْكُو من البلواء)
(ولبست مذ أَبْصرت خطك نعْمَة ... فِيهَا أقوم لشكرها بوفاء) الْكَامِل
ولرشيد الدّين أبي حليقة من الْكتب مقَالَة فِي حفظ الصِّحَّة
مقَالَة فِي أَن الملاذ الروحانية ألذ من الملاذ الجسمانية إِذْ الروحانية كمالات وَإِدْرَاك الكمالات
والجسمانية إِنَّمَا هِيَ دفع آلام خَاصَّة وَإِن زَادَت أوقعت فِي آلام أخر
كتاب فِي الْأَدْوِيَة المفردة سَمَّاهُ الْمُخْتَار فِي الْألف عقار
كتاب فِي الْأَمْرَاض وأسبابها وعلاماتها ومداواتها بالأدوية المفردة والمركبة الَّتِي قد أظهرت التجربة نجحها وَلم يداو بهَا مَرضا يُؤَدِّي إِلَى السَّلامَة إِلَّا ونجحت التقطها من الْكتب المصنفة فِي صناعَة الطِّبّ من آدم وَإِلَى وقتنا هَذَا ونظم متشتتها ومتفرقها
مقَالَة فِي ضَرُورَة الْمَوْت وَلما ذكر من التَّحْلِيل فِي هَذِه الْمقَالة إِن الْإِنْسَان لم يزل يتَحَلَّل من بدنه بالحرارة الَّتِي فِي دَاخله وبحرارة الْهَوَاء الَّذِي من خَارج كَانَت نهايته إِلَى الفناء بِهَذَيْنِ السببين
وتمثل بعد ذكرهمَا بِهَذَا الْبَيْت
(وإحداهما قاتلي ... فَكيف إِذا استجمعا)
стр. 584
وَهَذَا الْبَيْت فَمَا يكون موقعه بِأولى مِمَّا هُوَ فِي هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ قد جَاءَ مُوَافقا لما أوردهُ ومطابقا للمعنى الْمَقْصُود إِلَيْهِ
مهذب الدّين أَبُو سعيد مُحَمَّد أبي حليقة
أوحد الْعلمَاء وأكمل الْحُكَمَاء
مولده فِي الْقَاهِرَة فِي سنة عشْرين وسِتمِائَة وَسمي مُحَمَّدًا لما أسلم فِي أَيَّام الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس الملكي الصَّالِحِي وَهُوَ فقد منحه الله من الْعقل أكمله وَمن الْأَدَب أفضله وَمن الذكاء أغزره وَمن الْعلم أَكْثَره قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية وَعرف الْعُلُوم الْحكمِيَّة فَلَا أحد يدانيه فِيمَا يعانيه وَلَا يصل إِلَى الْخَلَائق الجميلة الَّتِي اجْتمعت فِيهِ
لطيف الْكَلَام جزيل الإنعام
إحسانه إِلَى الصّديق والنسيب والبعيد والقريب
وصلني كِتَابه وَهُوَ فِي المعسكر الْمَنْصُور الظَّاهِرِيّ فِي شهر شَوَّال سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَهُوَ يعرب عَن فضل باهر وَعلم وافر وفطنة أصمعية وشنشنة أخزمية وتودد عَظِيم وإحسان جسيم
وَيَقُول فِيهِ أَنه وجد بِمصْر نُسْخَة من هَذَا الْكتاب الَّذِي ألفته فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء وَقد اقتناها وَصَارَت فِي جملَة كتبه الَّتِي حواها وَبَالغ فِي الْوَصْف الَّذِي يدل على كرم أخلاقه وَطيب أعراقه
وَكَانَ فِي أول كِتَابه الْوَاصِل إِلَيّ
(وَإِنِّي امْرُؤ أجبتكم لمحاسن ... سَمِعت بهَا وَالْأُذن كَالْعَيْنِ تعشق)
فَقلت على الْوَزْن والروي وكتبت إِلَيْهِ الْجَواب
(أَتَانِي كتاب وَهُوَ بالنقش مونق ... وَفِيه الْمعَانِي وَهِي كَالشَّمْسِ تشرق)
(كتاب كريم أريحي ممجد ... صبيح الْمحيا نوره يتألق)
(هُوَ السَّيِّد الْمولى الْمُهَذّب وَالَّذِي ... بِهِ قد زها فِي الْعلم غرب ومشرق)
(حَكِيم حوى كل الْعُلُوم بأسرها ... وَمَا عَنهُ بَاب للمكارم يغلق)
(كريم لأنواع المحامد جَامع ... وَلكنه لِلْمَالِ جودا مفرق)
(إِذا ذكرت أَوْصَافه فِي محافل ... فَمن طيبها نشر من الْمسك يعبق)
(حوى قصبات السَّبق فِي طلب الْعلَا ... وَمن رام تَشْبِيها بِهِ لَيْسَ يلْحق)
(إِذا قَالَ بذ الْقَائِلين بلاغة ... ويصمت قس عِنْده حِين ينْطق)
(وَلَو أَن جالينوس كَانَ لوقته ... لقَالَ بِهَذَا فِي التطبب يوثق)
(فَمَا أحد يحكيه فِي حفظ صِحَة ... وَلَا مثله فِي الْجِسْم للداء يحدق)
(إِذا قلت مدحا فِي معالي مُحَمَّد ... فَكل امْرِئ فِيمَا أَقُول يصدق)
(وَلَو رمت أحصي مَا حواه من الْعلَا ... عجزت وَلَو أَنِّي البليغ الفرزدق)
стр. 585
(وَلَا غرو فِي ابْنا حليقة أنني ... بِصدق الولا فِي قَبْضَة الرّقّ موثق)
(لوالدهم عِنْدِي أياد قديمَة ... فشكري لَهُم طول الزَّمَان مُحَقّق)
(وكل فَفِي العلياء سَام وسيما ... لمن قَالَ لي إِذْ جد فِيهِ التشوق)
(وَإِنِّي امْرُؤ أحببتكم لمحاسن ... سَمِعت بهَا وَالْأُذن كَالْعَيْنِ تعشق)
(فَلَا برحوا فِي نعْمَة وسلامة ... مُؤَبّدَة مَا دَامَت الدوح تورق)
وَلم يزل مهذب الدّين أَبُو سعيد مُحَمَّد ملازما للاشتغال مَحْمُود السِّيرَة فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال
وَقَرَأَ على أَبِيه الصِّنَاعَة الطبية وحرر أقسامها الْكُلية والجزئية وَحصل مَعَانِيهَا العلمية والعملية
وخدم السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بيبرس الملكي الصَّالِحِي بصناعة الطِّبّ وَله مِنْهُ غَايَة الاحترام وأوفر الإنعام والمنزلة الجميلة والعطايا الجزيلة
ولمهذب الدّين الْمَذْكُور إخْوَان أَحدهمَا موفق الدّين أَبُو الْخَيْر متميز فِي صناعَة الْكحل غزير الْعلم وَالْفضل وَكَانَ قد صنف للْملك الصَّالح نجم الدّين كتابا فِي الْكحل من قبل أَن يصير لَهُ من الْعُمر عشرُون سنة
وَالْأَخ الآخر علم الدّين أَبُو نصر وَهُوَ الْأَصْغَر مفرط الذكاء مَعْدُود من جملَة الْعلمَاء متميز فِي صناعَة الطِّبّ وافر الْعلم واللب
ولمهذب الدّين مُحَمَّد بن أبي حليقة من الْكتب كتاب فِي الطِّبّ
رشيد الدّين أَبُو سعيد
هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم أَبُو سعيد بن موفق الدّين يَعْقُوب من نَصَارَى الْقُدس
وَكَانَ متميزا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بعلمها وعملها حاد الذِّهْن بليغ اللِّسَان حسن اللَّفْظ
واشتغل فِي الْعَرَبيَّة على شَيخنَا تَقِيّ الدّين خزعل بن عَسْكَر بن خَلِيل
وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ فِي علم النَّحْو أوحد زَمَانه
ثمَّ اشْتغل الْحَكِيم رشيد الدّين أَبُو سعيد بعد ذَلِك بِعلم الطِّبّ على عمي الْحَكِيم رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة لما كَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان الْملك الْمُعظم وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَلم يكن فِي تلامذته مثله فَإِنَّهُ لَازمه حق الْمُلَازمَة وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي سَفَره وحضره وَأقَام عِنْده بِدِمَشْق وَهُوَ دَائِم الِاشْتِغَال عَلَيْهِ إِلَى أَن أتقن حفظ جَمِيع مَا يَنْبَغِي أَن يحفظ من الْكتب الَّتِي هِيَ مبادي لصناعة الطِّبّ
ثمَّ قَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من كتب جالينوس وَغَيرهَا وَفهم ذَلِك فهما لَا مزِيد عَلَيْهِ
واشتغل أَيْضا على شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ
وَلما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة قررت لَهُ جامكية فِي خدمَة الْملك الْكَامِل وَبَقِي فِي خدمته زَمَانا مُقيما بِالْقَاهِرَةِ
ثمَّ خدم بعد ذَلِك الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل وَبَقِي فِي خدمته نَحْو تسع سِنِين
وَكَانَ قد عرض للْملك الصَّالح نجم الدّين وَهُوَ بِدِمَشْق أَكلَة فِي فَخذه وَكَانَ يعالجه الْحَكِيم رشيد الدّين أَبُو حليقة وَلما طَال الْأَمر بِالْملكِ الصَّالح استحضر أَبَا سعيد وشكا حَاله إِلَيْهِ وَكَانَ بَين الْحَكِيم رشيد الدّين أبي حليقة وَبَين رشيد الدّين أبي سعيد مُنَافَسَة ومناقشة
وَتكلم أَبُو سعيد فِي أَن
стр. 586
معالجة أبي حليقة لم تكن على الصَّوَاب فَنظر الْملك الصَّالح إِلَى أبي حليقة نظر غضب فَقَامَ من بَين يَدَيْهِ وَقعد على بَاب دَار السُّلْطَان وَبَقِي أَبُو سعيد فِيمَا هُوَ فِيهِ من المناواة فِي المداواة
ثمَّ فِي أثْنَاء ذَلِك الْمجْلس بِعَيْنِه قُدَّام السُّلْطَان عرض لأبي سعيد فالج وَبَقِي ملقى قدامه فَأمر السُّلْطَان بِحمْلِهِ إِلَى دَاره وَبَقِي أَرْبَعَة أَيَّام بِحَالهِ تِلْكَ وَمَات
وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي الْعشْر الْأَخير من شهر رَمَضَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة
ثمَّ أَن الْملك الصَّالح توجه إِلَى الديار المصرية وَقَوي مَرضه وَلم يزل بِهِ إِلَى أَن توفّي ﵀
وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر شعْبَان سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بعد أَن كَانَ عَظِيم الشَّأْن قوي السُّلْطَان
وَلما أَتَاهُ الْمَمَات وَحل بِهِ هاذم اللَّذَّات ذهب كَأَنَّهُ لم يكن
وَكَذَلِكَ يفعل بأَهْله الزَّمَان كَمَا قلت
(احذر زَمَانك مَا اسْتَطَعْت فَإِنَّهُ ... دهر يجور على الْكِرَام وَإِن عدل)
(قد كَانَ نجم الدّين أَيُّوب الَّذِي ... ملك الْبَريَّة واستطال على الدول)
(فِي صِحَة بسعوده حَتَّى عثا ... فِي جِسْمه دَاء فأعيته الْحِيَل)
(وصفت لَهُ الدُّنْيَا وَظن بِأَنَّهَا ... تبقى لَهُ أبدا ففاجأه الْأَجَل)
(وعَلى الْحَقِيقَة أَنه نجم علا ... وَكَذَا النُّجُوم وَبعد ذَلِك قد أفل) الْكَامِل
ولرشيد الدّين أبي سعيد من الْكتب كتاب عُيُون الطِّبّ صنفه للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ من أجل كتاب صنف فِي صناعَة الطِّبّ ويحتوي على علاجات مخلصة مختارة
تعاليق على كتاب الْحَاوِي لأبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ فِي الطِّبّ
أسعد الدّين بن أبي الْحسن
هُوَ الْحَكِيم الأوحد الْعَالم أسعد الدّين عبد الْعَزِيز بن أبي الْحسن عَليّ
من أفاضل الْعلمَاء وأعيان الْفُضَلَاء حاد الذِّهْن كثير الاعتناء بِالْعلمِ قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية وَحصل الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وَكَانَ أَيْضا عَالما بِأُمُور الشَّرْع مسموع القَوْل
وَكَانَ قد اشْتغل بصناعة الطِّبّ على أبي زَكَرِيَّا يحيى البياسي فِي ديار مصر وخدم الْملك المسعود أقسيس بن الْملك الْكَامِل وَأقَام مَعَه بِالْيمن مُدَّة وَله مِنْهُ الاحترام الْكثير وَالْإِحْسَان الغزير
وَكَانَ قرر لَهُ مِنْهُ فِي كل شهر مائَة دِينَار مصرية وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك المسعود ﵀
ثمَّ أطلق لَهُ الْملك الْكَامِل إقطاعات يستغلها فِي كل سنة بالديار المصرية ورسم بانتظامة فِي سلك الْخدمَة
وَكَانَ مولد أسعد الدّين بالديار المصرية فِي سنة سبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ أَبوهُ طَبِيبا أَيْضا بديار مصر
واشتغل الشَّيْخ أسعد الدّين بِعلم الْأَدَب وَالشعر وَله شعر جيد
وَأول اجتماعي بِهِ كَانَ بِدِمَشْق فِي مستهل رَجَب سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فَوَجَدته شَيخا حسن الصُّورَة مليح الشيبة تَامّ الْقَامَة أسمر اللَّوْن حُلْو الْكَلَام غزير الْمُرُوءَة
وَاجْتمعت بِهِ أَيْضا
стр. 587
بعد ذَلِك بِمصْر وَأحسن إِلَيّ واشتمل عَليّ وَكَانَ صديقا لأبي من السنين الْكَثِيرَة
وَكَانَت وَفَاة الأسعد الْمَذْكُور بِالْقَاهِرَةِ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
ولأسعد الدّين بن أبي الْحسن من الْكتب كتاب نَوَادِر الألباء فِي امتحان الْأَطِبَّاء صنفه للْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أبوب
ضِيَاء الدّين بن البيطار
هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أَحْمد المالقي النباتي وَيعرف بِابْن البيطار
أوحد زَمَانه وعلامة وقته فِي معرفَة النَّبَات وتحقيقه واختياره ومواضع نَبَاته ونعت أَسْمَائِهِ على اختلافها وتنوعها
سَافر إِلَى بِلَاد الأغارقة وأقسى بِلَاد الرّوم وَلَقي جمَاعَة يعانون هَذَا الْفَنّ وَأخذ عَنْهُم معرفَة نَبَات كثير وعاينه فِي موَاضعه وَاجْتمعَ أَيْضا فِي الْمغرب وَغَيره بِكَثِير من الْفُضَلَاء فِي علم النَّبَات وعاين منابته وَتحقّق ماهيته وأتقن دراية كتاب ديقوريدس إتقانا بلغ فِيهِ إِلَى أَن لَا يكَاد يُوجد من يجاريه فِيمَا هُوَ فِيهِ وَذَلِكَ أنني وجدت عِنْده من الذكاء والفطنة والدراية فِي النَّبَات وَفِي نقل مَا ذكره ديسقوريدس وجالينوس فِيهِ مَا يتعجب مِنْهُ
وَأول اجتماعي بِهِ كَانَ بِدِمَشْق فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَرَأَيْت أَيْضا من حسن عشرته وَكَمَال مروءته وَطيب أعراقه وجودة أخلاقه ودرايته وكرم نَفسه مَا يفوق الْوَصْف ويتعجب مِنْهُ
وَلَقَد شاهدت مَعَه فِي ظَاهر دمشق كثيرا من النَّبَات فِي موَاضعه وقرأت عَلَيْهِ أَيْضا تَفْسِيره لأسماء أدوية كتاب ديسقوريدس فَكنت أجد من غزارة علمه ودرايته وفهمه شَيْئا كثيرا جدا
وَكنت أحضر لدينا عدَّة من الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي الْأَدْوِيَة المفردة مثل كتاب ديسقوريدس وجالينوس والفافقي وأمثالها من الْكتب الجليلة فِي هَذَا الْفَنّ فَكَانَ يذكر أَولا مَا قَالَه ديسقوريدس فِي كِتَابه بِاللَّفْظِ اليوناني على مَا قد صَححهُ فِي بِلَاد الرّوم ثمَّ يذكر جمل مَا قَالَه ديسقوريدس من نَعته وَصفته وأفعاله وَيذكر أَيْضا مَا قَالَه جالينوس فِيهِ من نَعته ومزاجه وأفعاله وَمَا يتَعَلَّق بذلك وَيذكر أَيْضا جملا من أَقْوَال الْمُتَأَخِّرين وَمَا اخْتلفُوا فِيهِ ومواضع الْغَلَط والاشتباه الَّذِي وَقع لبَعْضهِم فِي نَعته
فَكنت أراجع تِلْكَ الْكتب مَعَه وَلَا أَجِدهُ يُغَادر شَيْئا مِمَّا فِيهَا
وأعجب من ذَلِك أَيْضا أَنه كَانَ مَا يذكر دَوَاء إِلَّا ويعين فِي أَي مقَالَة هُوَ من كتاب ديسقوريدس وجالينوس وَفِي أَي عدد هُوَ من جملَة الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي تِلْكَ الْمقَالة
وَكَانَ فِي خدمَة الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الْأَدْوِيَة المفردة والحشائش وَجعله فِي الديار المصرية رَئِيسا على سَائِر العشابين وَأَصْحَاب البسطات
وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْكَامِل ﵀ بِدِمَشْق
وَبعد ذَلِك توجه إِلَى الْقَاهِرَة فخدم الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْكَامِل وَكَانَ حظيا عِنْده مُتَقَدما فِي أَيَّامه
وكاننت وَفَاة ضاء الدّين العشاب
стр. 588
رَحمَه الله بِدِمَشْق فِي شهر شعْبَان سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة فَجْأَة
ولضياء الدّين بن البيطار من الْكتب
كتاب الْإِبَانَة والأعلام بِمَا فِي الْمِنْهَاج من الْخلَل والأوهام
شرح أدوية كتاب ديسقوريدس
كتاب الْجَامِع فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَقد استقصى فِيهِ ذكر الْأَدْوِيَة المفردة وأسمائها وتحريرها وقواها ومنافعها وَبَين الصَّحِيح مِنْهَا وَمَا وَقع الِاشْتِبَاه فِيهِ وَلم يُوجد فِي الْأَدْوِيَة المفردة كتاب أجل وَلَا أَجود مِنْهُ وصنفه للْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْكَامِل
كتاب الْمُغنِي فِي الْأَدْوِيَة المفردة وَهُوَ مُرَتّب بِحَسب مداواة الْأَعْضَاء الآلمة
كتاب الْأَفْعَال الغريبة والخواص العجيبة
стр. 589
الْبَاب الْخَامِس عشر
طَبَقَات الْأَطِبَّاء الْمَشْهُورين من أطباء الشَّام
أَبُو نصر الفارابي
هُوَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أوزلغ بن طرخان مدينته فاراب وَهِي مَدِينَة من بِلَاد التّرْك فِي أَرض خُرَاسَان وَكَانَ أَبوهُ قَائِد جَيش وَهُوَ فَارسي المنتسب
وَكَانَ بِبَغْدَاد مُدَّة ثمَّ انْتقل إِلَى الشَّام وَأقَام بِهِ إِلَى حِين وَفَاته
وَكَانَ ﵀ فيلسوفا كَامِلا وإماما فَاضلا قد أتقن الْعُلُوم الْحكمِيَّة وبرع فِي الْعُلُوم الرياضية زكي النَّفس قوي الذكاء متجنبا عَن الدُّنْيَا مقتنعا مِنْهَا بِمَا يقوم بأوده يسير سيرة الفلاسفة الْمُتَقَدِّمين
وَكَانَت لَهُ قُوَّة فِي صناعَة الطِّبّ وَعلم بالأمور الْكُلية مِنْهَا
وَلم يُبَاشر أَعمالهَا وَلَا حاول جزئياتها
وحَدثني سيف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي عَليّ الْآمِدِيّ أَن الفارابي كَانَ فِي أول أمره ناطورا فِي بُسْتَان بِدِمَشْق وَهُوَ على ذَلِك دَائِم الِاشْتِغَال بالحكمة وَالنَّظَر فِيهَا والتطلع إِلَى آراء الْمُتَقَدِّمين وَشرح مَعَانِيهَا
وَكَانَ ضَعِيف الْحَال حَتَّى أَنه كَانَ فِي اللَّيْل يسهر للمطالعة والتصنيف ويستضيء بالقنديل الَّذِي للحارس
وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة
ثمَّ إِنَّه عظم شَأْنه وَظهر فَضله واشتهرت تصانيفه وَكَثُرت تلاميذه وَصَارَ أوحد زَمَانه وعلامة وقته
وَاجْتمعَ بِهِ الْأَمِير سيف الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الله بن حمدَان التغلبي وأكرمه إِكْرَاما كثيرا وعظمت مَنْزِلَته عِنْده وَكَانَ لَهُ مؤثرا
ونقلت من خطّ بعض الْمَشَايِخ أَن أَبَا نصر الفارابي سَافر إِلَى مصر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وثلثمائة وَرجع إِلَى دمشق وَتُوفِّي بهَا فِي رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلثمائة عِنْد سيف الدولة عَليّ بن حمدَان فِي خلَافَة الراضي وَصلى عَلَيْهِ سيف الدولة فِي خَمْسَة عشر رجلا من خاصته
وَيذكر أَنه لم يكن يتَنَاوَل
стр. 590
من سيف الدولة من جملَة مَا ينعم بِهِ عَلَيْهِ سوى أَرْبَعَة دَرَاهِم فضَّة فِي الْيَوْم يُخرجهَا فِيمَا يَحْتَاجهُ من ضَرُورِيّ عيشه
وَلم يكن معتنيا بهيئة وَلَا منزل وَلَا مكسب
وَيذكر أَنه كَانَ يتغذى بِمَاء قُلُوب الحملان مَعَ الْخمر الريحاني فَقَط
وَيذكر أَنه كَانَ فِي أول أمره قَاضِيا فَلَمَّا شعر بالمعارف نبذ ذَلِك وَأَقْبل بكليته على تعملها وَلم يسكن إِلَى نَحْو من أُمُور الدُّنْيَا الْبَتَّةَ
وَيذكر أَنه كَانَ يخرج إِلَى الحراس بِاللَّيْلِ من منزله يستضيء بمصابيحهم فِيمَا يَقْرَؤُهُ
وَكَانَ فِي علم صناعَة الموسيقى وعملها قد وصل إِلَى غاياتها وأتقنها إتقانا لَا مزِيد عَلَيْهِ
وَيذكر أَنه صنع آلَة غَرِيبَة يستمع مِنْهَا ألحانا بديعة يُحَرك بهَا الانفعالات
وَيذكر أَن سَبَب قِرَاءَته الْحِكْمَة أَن رجلا أودع عِنْده جملَة من كتب أرسطوطاليس فاتفق أَن نظر فِيهَا فَوَافَقت مِنْهُ قبولا وتحرك إِلَى قرَاءَتهَا وَلم يزل إِلَى أَن أتقن فهمها وَصَارَ فيلسوفا بِالْحَقِيقَةِ
ونقلت من كَلَام لأبي نصر الفارابي فِي معنى اسْم الفلسفة قَالَ اسْم الفلسفة يوناني وَهُوَ دخيل فِي الْعَرَبيَّة وَهُوَ على مَذْهَب لسانهم فيلسوفا وَمَعْنَاهُ إِيثَار الْحِكْمَة
وَهُوَ فِي لسانهم مركب من فيلا وَمن سوفيا ففيلا الإيثار وسوفيا الْحِكْمَة
والفيلسوف مُشْتَقّ من الفلسفة وَهُوَ على مَذْهَب لسانهم فيلسوفوس
فَإِن هَذَا التَّغْيِير هُوَ تَغْيِير كثير من الاشتقاقات عِنْدهم وَمَعْنَاهُ الْمُؤثر للحكمة
والمؤثر للحكمة عِنْدهم هُوَ الَّذِي يَجْعَل الوكد من حَيَاته وغرضه من عمره الْحِكْمَة
وَحكى أَبُو نصر الفارابي فِي ظُهُور الفلسفة مَا هَذَا نَصه قَالَ إِن أَمر الفلسفة اشْتهر فِي أَيَّام مُلُوك اليونانيين وَبعد وَفَاة أرسطوطاليس بالإسكندرية إِلَى آخر أَيَّام الْمَرْأَة
وَأَنه لما توفّي بَقِي التَّعْلِيم بِحَالهِ فِيهَا إِلَى أَن ملك ثَلَاثَة عشر ملكا وتوالى فِي مُدَّة ملكهم من معلمي الفلسفة اثْنَا عشر معلما أحدهم الْمَعْرُوف بأندرونيقوس
وَكَانَ آخر هَؤُلَاءِ الْمُلُوك الْمَرْأَة فغلبها أوغسطس الْملك من أهل رُومِية وقتلها واستحوذ على الْملك
فَلَمَّا اسْتَقر لَهُ نظر فِي خَزَائِن الْكتب وصنعها فَوجدَ فِيهَا نسخا لكتب أرسطوطاليس قد نسخت فِي أَيَّامه وَأَيَّام ثاوفرسطس وَوجد المعلمين والفلاسفة قد عمِلُوا كتبا فِي الْمعَانِي الَّتِي عمل فِيهَا أرسطو
فَأمر أَن تنسخ تِلْكَ الْكتب الَّتِي كَانَت نسخت فِي أَيَّام أرسطو وتلاميذه وَأَن يكون التَّعْلِيم مِنْهَا وَأَن ينْصَرف عَن الْبَاقِي
وَحكم أندرونيقوس فِي تَدْبِير ذَلِك وَأمره أَن ينْسَخ نسخا يحملهَا مَعَه إِلَى رُومِية ونسخا يبقيها فِي مَوضِع التَّعْلِيم بالإسكندرية وَأمره أَن يسْتَخْلف معلما يقوم مقَامه بالإسكندرية ويسير مَعَه إِلَى رُومِية
فَصَارَ التَّعْلِيم فِي موضِعين وَجرى الْأَمر على ذَلِك إِلَى أَن جَاءَت النَّصْرَانِيَّة فَبَطل التَّعْلِيم من رُومِية وَبَقِي بالإسكندرية إِلَى أَن نظر ملك النَّصْرَانِيَّة فِي ذَلِك وَاجْتمعت الأساقفة وَتَشَاوَرُوا فِيمَا يتْرك من هَذَا التَّعْلِيم وَمَا يبطل
فَرَأَوْا أَن يعلم من كتب الممطق إِلَى آخر الأشكال الوجودية وَلَا يعلم مَا بعده لأَنهم رَأَوْا أَن فِي ذَلِك ضَرَرا على النَّصْرَانِيَّة وَأَن فِيمَا أطْلقُوا تَعْلِيمه مَا يستعان بِهِ على نصْرَة دينهم فَبَقيَ الظَّاهِر من التَّعْلِيم هَذَا الْمِقْدَار وَمَا ينظر فِيهِ من الْبَاقِي مَسْتُورا إِلَى أَن كَانَ الْإِسْلَام بعده بِمدَّة طَوِيلَة فانتقل التَّعْلِيم من الْإسْكَنْدَريَّة إِلَى أنطاكية وَبَقِي بهَا زَمنا طَويلا إِلَى أَن بَقِي معلم وَاحِد فتعلم مِنْهُ رجلَانِ وخرجا ومعهما الْكتب فَكَانَ أَحدهمَا من أهل حران وَالْآخر من أهل مرو
فَأَما الَّذِي من أهل مرو
стр. 591
فتعلم مِنْهُ رجلَانِ أَحدهمَا إِبْرَاهِيم الْمروزِي وَالْآخر يوحنا بن حيلان
وَتعلم من الْحَرَّانِي إِسْرَائِيل الأسقف وقويري وَسَار إِلَى بَغْدَاد فتشاغل إِبْرَاهِيم بِالدّينِ وَأخذ قويري فِي التَّعْلِيم وَأما يوحنا بن حيلان فَإِنَّهُ تشاغل أَيْضا بِدِينِهِ وَانْحَدَرَ إِبْرَاهِيم الْمروزِي إِلَى بَغْدَاد فَأَقَامَ بهَا
وَتعلم من الْمروزِي مَتى ابْن يونان وَكَانَ الَّذِي يتَعَلَّم فِي ذَلِك الْوَقْت إِلَى آخر الأشكال الوجودية
وَقَالَ أَبُو نصر الفارابي عَن نَفسه أَنه تعلم من يوحنا بن حيلان إِلَى آخر كتاب الْبُرْهَان
وَكَانَ يُسمى مَا بعد الأشكال الوجودية الْجُزْء الَّذِي لَا يقْرَأ إِلَى أَن قرئَ ذَلِك وَصَارَ الرَّسْم بعد ذَلِك حَيْثُ صَار الْأَمر إِلَى معلمي الْمُسلمين أَن يقْرَأ من الأشكال الوجودية إِلَى حَيْثُ قدر الْإِنْسَان أَن يقْرَأ
فَقَالَ أَبُو نصر أَنه قَرَأَ إِلَى آخر كتاب الْبُرْهَان
وحَدثني عمي رشيد الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن خَليفَة ﵀ أَن الفارابي توفّي عِنْد سيف الدولة بن حمدَان فِي رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وَكَانَ أَخذ الصِّنَاعَة عَن يوحنا بن حيلان بِبَغْدَاد فِي أَيَّام المقتدر وَكَانَ فِي زَمَانه أَبُو المبشر مَتى بن يونان وَكَانَ أسن من أبي نصر وَأَبُو نصر أحد ذهنا وأعذب كلَاما
وَتعلم أَبُو المبشر مَتى من إِبْرَاهِيم الْمروزِي وَتُوفِّي أَبُو المبشر فِي خلَافَة الراضي فِيمَا بَين سنة ثَلَاث وَعشْرين إِلَى سنة تسع وَعشْرين وثلثمائة
وَكَانَ يوحنا بن حيلان وَإِبْرَاهِيم الْمروزِي قد تعلما جَمِيعًا من رجل من أهل مرو
وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن طَاهِر بن بهْرَام السجسْتانِي فِي تعاليقه أَن يحيى بن عدي أخبرهُ أَن مَتى قَرَأَ ايساغوجي على إِنْسَان نَصْرَانِيّ وَقَرَأَ قاطيغورياس بارمينياس على إِنْسَان يُسمى روبيل وَقَرَأَ كتاب الْقيَاس على أبي يحيى الْمروزِي
وَقَالَ القَاضِي صاعد بن أَحْمد بن صاعد فِي كتاب التَّعْرِيف بطبقات الْأُمَم أَن الفارابي أَخذ صناعَة الْمنطق عَن يوحنا بن حيلان المتوفي بِمَدِينَة السَّلَام فِي أَيَّام المقتدر فبذ جَمِيع أهل الْإِسْلَام فِيهَا وأربى عَلَيْهِم فِي التحقق بهَا
فشرح غامضها وكشف سرها وَقرب تنَاولهَا وَجمع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا فِي كتب صَحِيحَة الْعبارَة لَطِيفَة الْإِشَارَة منبهة على مَا أغفله الْكِنْدِيّ وَغَيره من صناعَة التَّحْلِيل وأنحاء التعاليم
وأوضح القَوْل فِيهَا عَن مواد الْمنطق الْخمس وَأفَاد وُجُوه الِانْتِفَاع بهَا وَعرف طرق اسْتِعْمَالهَا وَكَيف تصرف صُورَة الْقيَاس فِي كل مَادَّة مِنْهَا
فَجَاءَت كتبه فِي ذَلِك الْغَايَة الكافية وَالنِّهَايَة الفاضلة
ثمَّ لَهُ بعد هَذَا كتاب شرِيف فِي إحصاء الْعُلُوم والتعريف بأغراضها لم يسْبق إِلَيْهِ وَلَا ذهب أحد مذْهبه فِيهِ
لَا يَسْتَغْنِي طلاب الْعُلُوم كلهَا عَن الاهتداء بِهِ وَتَقْدِيم النّظر فِيهِ
وَله كتاب فِي أغراض فلسفة أفلاطون وأرسطوطاليس يشْهد لَهُ بالبراعة فِي صناعَة الفلسفة والتحقق بفنون الْحِكْمَة وَهُوَ أكبر عون على تعلم طَرِيق النّظر وتعرف وَجه الطّلب اطلع فِيهِ على أسرار الْعُلُوم وثمارها علما علما وَبَين كَيفَ التدرح من بَعْضهَا إِلَى بعض شَيْئا شَيْئا
ثمَّ بَدَأَ بفلسفة أفلاطون فَعرف بغرضه مِنْهَا وسمى تآليفه فِيهَا
ثمَّ اتبع ذَلِك بفلسفة أرسطوطاليس فَقدم لَهُ مُقَدّمَة جليلة عرف فِيهَا بتدرجه إِلَى الفلسفة
ثمَّ بَدَأَ بِوَصْف أغراضه فِي تآليفه المنطقية والطبيعية كتابا كتابا حَتَّى انْتهى بِهِ القَوْل فِي النُّسْخَة الْوَاصِلَة إِلَيْنَا إِلَى أول الْعلم الإلهي وَالِاسْتِدْلَال بِالْعلمِ الطبيعي عَلَيْهِ
وَلَا أعلم كتابا أجدى على طَالب الفلسفة مِنْهُ فَإِنَّهُ يعرف
стр. 592
بالمعاني الْمُشْتَركَة لجَمِيع الْعُلُوم والمعاني المختصة بِعلم علم مِنْهَا
وَلَا سَبِيل إِلَى فهم مَعَاني قاطيغورياس وَكَيف هِيَ الْأَوَائِل الْمَوْضُوعَة لجَمِيع الْعُلُوم إِلَّا مِنْهُ
ثمَّ لَهُ بعد هَذَا فِي الْعلم الإلهي وَفِي الْعلم الْمدنِي كِتَابَانِ لَا نَظِير لَهما أَحدهمَا الْمَعْرُوف بالسياسة المدنية وَالْآخر الْمَعْرُوف بالسيرة الفاضلة عرف فيهمَا بجمل عَظِيمَة من الْعلم الإلهي عل مَذْهَب أرسطوطاليس فِي مبادئ السِّتَّة الروحانية وَكَيف يُؤْخَذ عَنْهَا الْجَوَاهِر الجسمانية على مَا هِيَ عَلَيْهِ من النظام واتصال الْحِكْمَة
وَعرف فيهمَا بمراتب الْإِنْسَان وَقواهُ النفسانية وَفرق بَين الْوَحْي والفلسفة وَوصف أَصْنَاف المدن الفاضلة وَغير الفاضلة واحتياج الْمَدِينَة إِلَى السِّيرَة الملكية والنواميس النَّبَوِيَّة
أَقُول وَفِي التَّارِيخ أَن الفارابي كَانَ يجْتَمع بِأبي بكر بن السراج فَيقْرَأ عَلَيْهِ صناعَة النَّحْو وَابْن السراج يقْرَأ عَلَيْهِ صناعَة الْمنطق
وَكَانَ الفارابي أَيْضا يشْعر
وَسُئِلَ أَبُو نصر من أعلم أَنْت أم أرسطو فَقَالَ لَو أَدْرَكته لَكُنْت أكبر تلاميذه
وَيذكر عَنهُ أَنه قَالَ قَرَأت السماع لأرسطو أَرْبَعِينَ مرّة وَأرى أَنِّي مُحْتَاج إِلَى معاودته
وَهَذَا دُعَاء لأبي نصر الفارابي قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك يَا وَاجِب الْوُجُود وَيَا عِلّة الْعِلَل قَدِيما لم يزل أَن تعصمني من الزلل وَأَن تجْعَل لي من الأمل مَا ترضاه لي من عمل
اللَّهُمَّ امنحني مَا اجْتمع من المناقب وارزقني فِي أموري حسن العواقب
نجح مقاصدي والمطالب يَا إِلَه الْمَشَارِق والمغارب
رب الْجوَار الكنس السَّبع الَّتِي انبجست عَن الْكَوْن انبجاس الْأَبْهَر هن الفواعل عَن مَشِيئَته الَّتِي عَمت فضائلها جَمِيع الْجَوْهَر
أَصبَحت أَرْجُو الْخَيْر مِنْك وأمتري زحلا وَنَفس عُطَارِد وَالْمُشْتَرِي
اللَّهُمَّ ألبسني حلل الْبَهَاء وكرامات الْأَنْبِيَاء وسعادة الْأَغْنِيَاء وعلوم الْحُكَمَاء وخشوع الأتقياء
اللَّهُمَّ أنقذني من عَالم الشَّقَاء والفناء واجعلني من إخْوَان الصفاء وَأَصْحَاب الْوَفَاء وسكان السَّمَاء مَعَ الصديقين وَالشُّهَدَاء
أَنْت الله الْإِلَه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت عِلّة الْأَشْيَاء وَنور الأَرْض وَالسَّمَاء
امنحني فيضا من الْعقل الفعال يَا ذَا الْجلَال والأفضال هذب نَفسِي بأنوار الْحِكْمَة وأوزعني شكر مَا أوليتني من نعْمَة أَرِنِي الْحق حَقًا وألهمني اتِّبَاعه وَالْبَاطِل بَاطِلا واحرمني اعْتِقَاده واستماعه هذب نَفسِي من طِينَة الهيولى إِنَّك أَنْت الْعلَّة الأولى
(يَا عِلّة الْأَشْيَاء جمعا وَالَّذِي ... كَانَت بِهِ عَن فيضه المتفجر)
(رب السَّمَوَات الطباق ومركز ... فِي وسطهن من الثرى والأبحر)
(إِنِّي دعوتك مستجيرا مذنبا ... فَاغْفِر خَطِيئَة مذنب ومقصر)
(هذب بفيض مِنْك رب الْكل من ... كدر الطبيعة والعناصر عنصري) الْكَامِل
اللَّهُمَّ رب الْأَشْخَاص العلوية والأجرام الفلكية والأرواح السماوية غلبت على عَبدك الشَّهْوَة البشرية وَحب الشَّهَوَات وَالدُّنْيَا الدنية
فَاجْعَلْ عصمتك مجني من التَّخْلِيط وتقواك حصني من
стр. 593
التَّفْرِيط إِنَّك بِكُل شَيْء مُحِيط
اللَّهُمَّ أنفذني من أسر الطبائع الْأَرْبَع وأنقلني إِلَى جنانك الأوسع وجوارك الأرفع
اللَّهُمَّ اجْعَل الْكِفَايَة سَببا لقطع مَذْمُوم العلائق الَّتِي بيني وَبَين الْأَجْسَام الترابية والهموم الكونية وَاجعَل الْحِكْمَة سَببا لِاتِّحَاد نَفسِي بالعوالم الإلهية والأرواح السماوية
اللَّهُمَّ طهر بِروح الْقُدس الشَّرِيفَة نَفسِي وَأثر بالحكمة الْبَالِغَة عَقْلِي وحسي وَاجعَل الْمَلَائِكَة بَدَلا من عَالم الطبيعة أنسي
اللَّهُمَّ ألهمني الْهدى وَثَبت إيماني بالتقوى وبغض إِلَى نَفسِي حب الدُّنْيَا
اللَّهُمَّ قو ذاتي على قهر الشَّهَوَات الفانية وَألْحق نَفسِي بمنازل النُّفُوس الْبَاقِيَة وَاجْعَلْهَا من جملَة الْجَوَاهِر الشَّرِيفَة الغالية فِي جنَّات عالية
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ سَابق الموجودات الَّتِي تنطق بألسنة الْحَال والمقال إِنَّك الْمُعْطِي كل شَيْء مِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحقّه بالحكمة وجاعل الْوُجُود لَهَا بِالْقِيَاسِ إِلَى عدمهَا نعْمَة وَرَحْمَة
فالذوات مِنْهَا والأعراض مُسْتَحقَّة بآلائك شاكرة فَضَائِل نعمائك وَإِن من شَيْء إِلَّا يسبح بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَا تفقهون تسبيحهم
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَعَالَيْت إِنَّك الله الْأَحَد الْفَرد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن لَهُ كفوا أحد
اللَّهُمَّ إِنَّك قد سجنت نَفسِي فِي سجن من العناصر الْأَرْبَعَة ووكلت بافتراسها سباعا من الشَّهَوَات
اللَّهُمَّ جد لَهَا بالعصمة وَتعطف عَلَيْهَا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي هِيَ بك أليق وبالكرم الفائض الَّذِي هُوَ مِنْك أجد وأخلق وامنن عَلَيْهَا بِالتَّوْبَةِ العائدة بهَا إِلَى عالمها السماوي وَعجل لَهَا بالأوبة الي مقَامهَا الْقُدسِي واطلع على ظلمائها شمسا من الْعقل الفعال وامط عَنْهَا ظلمات الْجَهْل والضلال وَاجعَل مَا فِي قواها بِالْقُوَّةِ كامنا بِالْفِعْلِ وأخرجها من ظلمات الْجَهْل إِلَى نور الْحِكْمَة وضياء الْعقل
الله ولي الَّذين آمنُوا يخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور
اللَّهُمَّ أر نَفسِي صور الغيوب الصَّالِحَة فِي منامها وبدلها من الأضغاث برؤيا الْخيرَات والبشرى الصادقة فِي أحلامها وطهرها من الأوساخ الَّتِي تأثرت بهَا عَن محسوساتها وأوهامها وأمط عَنْهَا كدر الطبيعة وأنزلها فِي عَالم النُّفُوس الْمنزلَة الرفيعة
الله الَّذِي هَدَانِي وكفاني وآواني
وَمن شعر أبي نصر الفارابي قَالَ
(لما رَأَيْت الزَّمَان نكسا ... وَلَيْسَ فِي الصُّحْبَة انْتِفَاع)
(كل رَئِيس بِهِ ملال ... وكل رَأس بِهِ صداع)
(لَزِمت بَيْتِي وصنت عرضا ... بِهِ من الْعِزَّة اقتناع)
(أشْرب مِمَّا اقتنيت رَاحا ... لَهَا على راحتي شُعَاع)
(لي من قواريرها ندامى ... وَمن قراقيرها سَماع)
(واجتني من حَدِيث قوم ... قد أقفرت مِنْهُم الْبِقَاع) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(أخي خل حيّز ذِي بَاطِل ... وَكن للحقائق فِي حيّز)
(فَمَا الدَّار دَار خُلُود لنا ... وَلَا الْمَرْء فِي الأَرْض بالمعجز)
(وَهل نَحن إِلَّا خطوط وقعن ... على كرة وَقع مستوفز)
стр. 594
(ينافس هَذَا لهَذَا على ... أقل من الْكَلم الموجز)
(مُحِيط السَّمَوَات أولى بِنَا ... فكم ذَا التزاحم فِي المركز) المتقارب
وَلأبي نصر الفارابي من الْكتب شرح كتاب المجسطي لبطليموس
شرح كتاب الْبُرْهَان لأرسطوطاليس شرح كتاب الخطابة لأرسطوطاليس شرح الْمقَالة الثَّانِي وَالثَّامِنَة من كتاب الجدل لأرسطوطاليس
شرح كتاب المغالطة لأرسطوطاليس
شرح كتاب الْقيَاس لأرسطوطاليس وَهُوَ الشَّرْح الْكَبِير
شرح كتاب باريمينياس لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
شرح كتاب المقولات لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
كتاب الْمُخْتَصر الْكَبِير فِي الْمنطق
كتاب الْمُخْتَصر الصَّغِير فِي الْمنطق على طَريقَة الْمُتَكَلِّمين
كتاب الْمُخْتَصر الْأَوْسَط فِي الْقيَاس
كتاب التوطئة فِي الْمنطق
شرح كتاب ايساغوجي لفرفوريوس
إملاء فِي مَعَاني ايساغوجي
كتاب الْقيَاس الصَّغِير وَوجد كِتَابه هَذَا مترجما بِخَطِّهِ
إحصاء القضايا والقياسات الَّتِي تسْتَعْمل على الْعُمُوم فِي جَمِيع الصَّنَائِع القياسية
كتاب شُرُوط الْقيَاس
كتاب الْبُرْهَان
كتاب الجدل
كتاب الْمَوَاضِع المنتزعة من الْمقَالة الثَّامِنَة فِي الجدل
كتاب الْمَوَاضِع المغلطة
كتاب اكْتِسَاب الْمُقدمَات وَهِي الْمُسَمَّاة بالمواضع وَهِي التَّحْلِيل
كَلَام فِي الْمُقدمَات المختلطة من وجودي وضروري
كَلَام فِي الْخَلَاء صدر لكتاب الخطابة
شرح كتاب السماع الطبيعي لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
شرح كتاب السَّمَاء والعالم لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
شرح كتاب الْآثَار العلوية لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
شرح مقَالَة الْإِسْكَنْدَر الإفروديسي فِي النَّفس على جِهَة التَّعْلِيق
شرح صدر كتاب الْأَخْلَاق لأرسطوطاليس
كتاب فِي النواميس
كتاب إحصاء الْعُلُوم وترتيبها
كتاب الفلسفتين لفلاطن وأرسطوطاليس مخروم الآخر
كتاب الْمَدِينَة الفاضلة وَالْمَدينَة الجاهلة وَالْمَدينَة الفاسقة وَالْمَدينَة المبدلة وَالْمَدينَة الضَّالة ابْتَدَأَ بتأليف هَذَا الْكتاب بِبَغْدَاد وَحمله إِلَى الشَّام فِي آخر سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة وتممه بِدِمَشْق فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة وحرره ثمَّ نظر فِي النُّسْخَة بعد التَّحْرِير فَأثْبت فِيهَا الْأَبْوَاب
ثمَّ سَأَلَهُ بعض النَّاس أَن يَجْعَل لَهُ فصولا تدل على قسْمَة مَعَانِيه فَعمل الْفُصُول بِمصْر فِي سنة سبغ وَثَلَاثِينَ وَهِي سِتَّة فُصُول
كتاب مبادئ آراء الْمَدِينَة الفاضلة
كتاب الْأَلْفَاظ والحروف
كتال الموسيقى الْكَبِير أَلفه للوزير أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن الْقَاسِم الْكَرْخِي
كتاب فِي إحصاء الْإِيقَاع
كَلَام لَهُ فِي النقلَة مُضَافا إِلَى الْإِيقَاع
كَلَام فِي الموسيقى
مُخْتَصر فُصُول فلسفية منتزعة من كتب الفلاسفة
كتاب المبادئ الإنسانية
كتاب الرَّد على الرَّازِيّ فِي الْعلم الإلهي
كتاب الرَّد على جالينوس فِيمَا تَأَوَّلَه من كَلَام أرسطوطاليس على غير مَعْنَاهُ
كتاب الرَّد على ابْن الراوندي فِي أدب الجدل
كتاب الرَّد على يحيى النَّحْوِيّ فِيمَا رد بِهِ على أرسطوطاليس
كتاب الرَّد على الرَّازِيّ فِي الْعلم الإلهي
كتاب الْوَاحِد والوحدة
كَلَام لَهُ فِي الحيز والمقدار
كتاب فِي الْعقل صَغِير
كتاب فِي الْعقل كَبِير
كَلَام لَهُ فِي معنى اسْم الفلسفة
كتاب الموجودات المتغيرة الْمَوْجُود بالْكلَام الطبيعي
كتاب شَرَائِط الْبُرْهَان
كَلَام لَهُ شرح المستعلق من مصادرة الْمقَالة الأولى وَالْخَامِسَة من إقليدس
كَلَام فِي اتِّفَاق آراء أبقراط وأفلاطن
رِسَالَة فِي التَّنْبِيه على أَسبَاب السَّعَادَة
كَلَام فِي الْجُزْء وَمَا لَا يتَجَزَّأ
стр. 595
كَلَام فِي اسْم الفلسفة وَسبب ظُهُورهَا وَأَسْمَاء المبرزين فِيهَا وعَلى من قَرَأَ مِنْهُم
كَلَام فِي الْجِنّ
كَلَام فِي الْجَوْهَر
كتاب فِي الفحص الْمدنِي
كتاب السياسات المدنية وَيعرف بمبادئ الموجودات
كَلَام فِي الْملَّة وَالْفِقْه مدنِي كَلَام جمعه من أقاويل النَّبِي ﷺ يُشِير فِيهِ إِلَى صناعَة الْمنطق
كتاب فِي الخطابة كَبِير عشرُون مجلدا
رِسَالَة فِي قواد الجيوش
كَلَام فِي المعايش والحروب
كتاب فِي التأثيرات العلوية
مقَالَة فِي الْجِهَة الَّتِي يَصح عَلَيْهَا القَوْل بِأَحْكَام النُّجُوم
كتاب فِي الْفُصُول المنتزعة للاجتماعات
كتاب فِي الْحِيَل والنواميس
كَلَام لَهُ فِي الرُّؤْيَا
كتاب فِي صناعَة الْكِتَابَة
شرح كتاب الْبُرْهَان لأرسطوطاليس على طَرِيق التَّعْلِيق أملاه على إِبْرَاهِيم بن عدي تلميذ لَهُ بحلب
كَلَام لَهُ فِي الْعلم الإلهي
شرح الْمَوَاضِع المستغلقة من كتاب قاطيغورياس لأرسطوطاليس وَيعرف بتعليقات الْحَوَاشِي
كَلَام فِي أَعْضَاء الْحَيَوَان
كتاب مُخْتَصر جَمِيع الْكتب المنطقية
كتاب الْمدْخل إِلَى الْمنطق
كتاب التَّوَسُّط بَين أرسطوطاليس وجالينوس
كتاب غَرَض المقولات
كَلَام لَهُ فِي الشّعْر والقوافي
شرح كتاب الْعبارَة لأرسطوطاليس على جِهَة التَّعْلِيق
تعاليق على كتاب الْقيَاس
كتاب فِي الْقُوَّة المتناهية وَغير المتناهية
تَعْلِيق لَهُ فِي النُّجُوم
كتاب فِي الْأَشْيَاء الَّتِي يحْتَاج أَن تعلم قبل الفلسفة
فُصُول لَهُ مِمَّا جمعه من كَلَام القدماء
كتاب فِي أغراض أرسطوطاليس فِي كل وَاحِد من كتبه
كتاب المقاييس
مُخْتَصر كتاب الْهدى
كتاب فِي اللُّغَات
كتاب فِي الاجتماعات المدنية
كَلَام فِي أَن حَرَكَة الْفلك دائمة
كَلَام فِيمَا يصلح أَن يذم الْمُؤَدب
كَلَام فِي المعاليق والجون وَغير ذَلِك
كَلَام فِي لَوَازِم الفلسفة
مقَالَة فِي وجوب صناعَة الكيمياء وَالرَّدّ على مبطليها
مقَالَة فِي أغراض أرسطوطاليس فِي كل مقَالَة من كِتَابه الموسوم بالحروف وَهُوَ تَحْقِيق غَرَضه فِي كتاب مَا بعد الطبيعة
كتاب فِي الدعاوي المنسوبة إِلَى أرسطوطاليس فِي الفلسفة مُجَرّدَة عَن بياناتها وحججها
تعاليق فِي الْحِكْمَة
كَلَام أملاه على سَائل سَأَلَهُ عَن معنى ذَات وَمعنى جَوْهَر وَمعنى طبيعة
كتاب جَوَامِع السياسة مُخْتَصر
كتاب بايريمنياس لأرسطوطاليس
كتاب الْمدْخل إِلَى الهندسة الوهمية مُخْتَصرا
كتاب عُيُون الْمسَائِل على رَأْي أرسطوطاليس وَهِي مائَة وَسِتُّونَ مَسْأَلَة
جوابات لمسائل سُئِلَ عَنْهَا وَهِي ثَلَاث وَعِشْرُونَ مَسْأَلَة
كتاب أَصْنَاف الْأَشْيَاء البسيطة الَّتِي تَنْقَسِم إِلَيْهَا القضايا فِي جَمِيع الصَّنَائِع القياسية
جَوَامِع كتاب النواميس لفلاطن
كَلَام من أملائه وَقد سُئِلَ عَمَّا قَالَ أرسطوطاليس فِي الْحَار
تعليقات أنالوطيقا الأولى لأرسطوطاليس كتاب شَرَائِط الْيَقِين
رِسَالَة فِي مَاهِيَّة النَّفس
كتاب السماع الطبيعي
عِيسَى الرقي
كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا فِي أَيَّامه عَارِفًا بالصناعة الطبية حق مَعْرفَتهَا
وَله أَعمال فاضلة ومعالجات بديعة وَكَانَ فِي خدمَة سيف الدولة بن حمدَان وَمن جملَة أطبائه
وَقَالَ عبيد الله بن جبرئيل حَدثنِي
стр. 596
من أَثِق بقوله إِن سيف الدولة كَانَ إِذا أكل الطَّعَام حضر على مائدته أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ طَبِيبا
قَالَ وَكَانَ فيهم من يَأْخُذ رزقين لأجل تعاطيه علمين وَمن يَأْخُذ ثَلَاثَة لتعاطيه ثَلَاثَة عُلُوم وَكَانَ من جُمْلَتهمْ عِيسَى الرقي الْمَعْرُوف بالتفليسي
وَكَانَ مليح الطَّرِيقَة وَله كتب فِي الْمَذْهَب وَغَيرهَا
وَكَانَ ينْقل من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ وَيَأْخُذ أَرْبَعَة أرزاق رزقا بِسَبَب الطِّبّ وَرِزْقًا بِسَبَب النَّقْل ورزقين بِسَبَب علمين آخَرين
اليبرودي
هُوَ أَبُو الْفرج جورجس بن يوحنا بن سهل بن إِبْرَاهِيم من النَّصَارَى اليعاقبة وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ عَالما بأصولها وفروعها معدودا من جملَة الأكابر من أَهلهَا والمتمرنين من أَرْبَابهَا دَائِم الِاشْتِغَال محبا للْعلم مؤثرا للفضيلة
حَدثنِي شرف الدّين بن عنين ﵀
إِن اليبرودي كَانَ لَا يمل الِاشْتِغَال وَلَا يسأم مِنْهُ
قَالَ وَكَانَ أبدا سَائِر أوقاته لَا يُوجد إِلَّا مَعَه كتاب ينظر فِيهِ
حَدثنِي أحد النَّصَارَى بِدِمَشْق وَهُوَ السّني البعلبكي الطَّبِيب قَالَ كَانَ مولد اليبرودي ومنشؤه فِي صدر عمره بيبرود وَهِي ضَيْعَة كَبِيرَة قريبَة من صيدنايا وَبهَا نَصَارَى كثير
وَكَانَ اليبرودي بهَا كَسَائِر أَهلهَا النَّصَارَى من معاناتهم الفلاحة وَمَا يصنعه الفلاحون
وَكَانَ أَيْضا يجمع الشيح من نواحي دمشق الْقَرِيبَة من جِهَته ويحمله على دَابَّة وَيَأْتِي بِهِ إِلَى دَاخل دمشق يَبِيعهُ للَّذين يقدونه فِي الأفران وَغَيرهَا
وَأَنه لما كَانَ فِي بعض المرات وَقد عبر من بَاب توما بِدِمَشْق وَمَعَهُ حمل شيح رأى شَيخا من المتطببين وَهُوَ يفصد إنْسَانا قد عرض لَهُ رُعَاف شَدِيد من النَّاحِيَة المسامتة للموضع الَّذِي ينبعث مِنْهُ الدَّم فَوقف ينظر إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ لم تفصد هَذَا وَدَمه يجْرِي من أَنفه بِأَكْثَرَ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ بالفصد فَعرفهُ إِن ذَلِك إِنَّمَا يَفْعَله لينقطع الدَّم الَّذِي ينبعث من أَنفه لكَونه يجتذبه إِلَى مسامتة الْجِهَة الَّتِي ينبعث مِنْهَا
فَقَالَ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر على مَا تَقول فإننا فِي مواضعنا قد اعتدنا أَنه مَتى كَانَ نهر جَار وأردنا أَن نقطع المَاء عَنهُ فإننا نجْعَل لَهُ مسيلا إِلَى نَاحيَة أُخْرَى مسامتة لَهُ فَيَنْقَطِع من ذَلِك الْموضع وَيعود إِلَى الْموضع الآخر فَأَنت لم لَا تفعل هَكَذَا أَيْضا وتفصده من النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَفعل ذَلِك وَانْقطع الرعاف عَن الرجل
وَإِن ذَلِك الطَّبِيب لما رأى من اليبرودي حسن نظر فِيمَا سَالَ عَنهُ قَالَ لَهُ لَو أَنَّك تشتغل بصناعة الطِّبّ جَاءَ مِنْك طَبِيب جيد
فَمَال اليبرودي إِلَى قَوْله وتاقت نَفسه إِلَى الْعلم وَبَقِي مترددا إِلَى الشَّيْخ فِي أَوْقَات وَهُوَ يعرفهُ ويريه أَشْيَاء من المداواة
стр. 597
ثمَّ أَنه ترك يبرود وَمَا كَانَ يعانيه وَأقَام بِدِمَشْق يتَعَلَّم صناعَة الطِّبّ
وَلما تبصر فِي أَشْيَاء مِنْهَا وَصَارَت لَهُ معرفَة بالقوانين العلمية وحاول مداواة المرضى وَرَأى اخْتِلَاف الْأَمْرَاض وأسبابها وعلاماتها وتفنن معالجاتها وَسَأَلَ عَمَّن هُوَ إِمَام فِي وقته بِمَعْرِِفَة صناعَة الطِّبّ والمعرفة بهَا جيدا
فَذكرُوا لَهُ أَن بِبَغْدَاد أَبَا الْفرج بن الطّيب كَاتب الجاثليق وَأَنه فيلسوف متفنن وَله خبْرَة وَفضل فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي غَيرهَا من الصَّنَائِع الْحكمِيَّة
فتأهب للسَّفر وَأخذ سوارا كَانَ لأمه لنفقته
وَتوجه إِلَى بَغْدَاد وَصَارَ ينْفق عَلَيْهِ مَا يقوم بأوده ويشتغل على ابْن الطّيب إِلَى أَن مهر فِي صناعَة الطِّبّ وَصَارَت لَهُ مباحثات جَيِّدَة ودراية فاضلة فِي هَذِه الصِّنَاعَة
واشتغل أَيْضا بِشَيْء من الْمنطق والعلوم الْحكمِيَّة
ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَأقَام بهَا
ونقلت أَيْضا قَرِيبا من هَذِه الْحِكَايَة الْمُتَقَدّمَة وَإِن كَانَت الرِّوَايَة بَينهمَا مُخْتَلفَة عَن شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو الْفرج بن الْحَدِيد قَالَ حَدثنِي أَبُو الْكَرم الطَّبِيب عَن أَبِيه أبي الرَّجَاء عَن جده قَالَ كَانَ بِدِمَشْق فاصد يُقَال لَهُ أَبُو الْخَيْر وَلم يكن من المهرة فَكَانَ من أمره أَن فصد شَابًّا فَوَقَعت الفصدة فِي الشريان فتحير وتبلد وَطلب قطع الدَّم فَلم يقدر على ذَلِك فَاجْتمع النَّاس عَلَيْهِ
وَفِي أثْنَاء ذَلِك اطلع صبي عَلَيْهِ فَقَالَ يَا عماه أفصده فِي الْيَد الْأُخْرَى فاستراح إِلَّا كَلَامه وفصده من يَده الْأُخْرَى
فَقَالَ شدّ الفصد الأول
فشده وَوضع لازوقا كَانَ عِنْده عَلَيْهِ وشده فَوقف جرية الدَّم
ثمَّ مسك الفصدة الْأُخْرَى فَوقف الدَّم وَانْقطع الْجَمِيع
وَوجد الصَّبِي يَسُوق دَابَّة عَلَيْهَا حمل شيح فتشبث بِهِ وَقَالَ من أَيْن لَك مَا أَمرتنِي بِهِ قَالَ أَنا أرى أبي فِي وَقت سقِِي الْكَرم إِذا انْفَتح شقّ من النَّهر وَخرج المَاء مِنْهُ بحدة لَا يقدر على إِمْسَاكه دون أَن يفتح فتحا آخر ينقص بِهِ المَاء الأول الْوَاصِل إِلَى ذَلِك الشق ثمَّ يسده بعد ذَلِك
قَالَ فَمَنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطعه وَعلمه الطِّبّ فَكَانَ مِنْهُ اليبرودي من مشاهير الْأَطِبَّاء الْفُضَلَاء
أَقُول وَكَانَت لليبرودي مراسلات إِلَى ابْن رضوَان بِمصْر وَإِلَى غَيره من الْأَطِبَّاء المصريين وَله مسَائِل عدَّة إِلَيْهِم طبية ومباحثات دقيقة
وَكتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرا جدا من كتب الطِّبّ وَلَا سِيمَا من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها
وحَدثني أَيْضا السّني البعلبكي أَن اليبرودي عبر يَوْمًا فِي سوق جيرون بِدِمَشْق فَرَأى إنْسَانا وَقد بَايع على أَن يَأْكُل أرطالا من لحم فرس مسلوق مِمَّا يُبَاع فِي الْأَسْوَاق فَلَمَّا رَآهُ وَقد أمعن فِي أكله بِأَكْثَرَ مِمَّا يحْتَملهُ قواه ثمَّ شرب بعده فقاعا كثيرا وَمَاء بثلج واضطربت أَحْوَاله تفرس فِيهِ أَنه لَا بُد أَن يغمى عَلَيْهِ وَأَن يبْقى فِي حَالَة يكون الْمَوْت أقرب إِلَيْهِ إِن لم يتلاحق فَتَبِعَهُ إِلَى الْمنزل الَّذِي لَهُ واستشرف إِلَى مَاذَا يؤول أمره
فَلم يكن إِلَّا أيسر وَقت وَأَهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون أَنه قد مَاتَ فَأتى إِلَيْهِم وَقَالَ أَنا ابرئه وَمَا عَلَيْهِ بَأْس
ثمَّ انه أَخذه إِلَى حمام قريب من ذَلِك الْموضع وَفتح فَكَّيْهِ كرها بِشَيْء ثمَّ سكب فِي حلقه مَاء مغليا وَقد أضَاف إِلَيْهِ أدوية مقيئة ولافي الْغَايَة وقيأه بِرِفْق
ثمَّ عالجه وتلطف فِي مداواته حَتَّى أَفَاق وَعَاد إِلَى صِحَّته
فتعحب
стр. 598
النَّاس مِنْهُ فِي ذَلِك الْفِعْل وَحسن تَأتيه إِلَى مداواة ذَلِك الرجل واشتهرت عَنهُ هَذِه الْقَضِيَّة وتميز بعْدهَا
أَقُول وَهَذِه الْحِكَايَة الَّتِي قصد اليبرودي أَن يتتبع أَحْوَال ذَلِك الرجل فِيهَا ويشاهد مَا يكون من أمره أَن يكون عِنْده من ذَلِك معرفَة بالأعراض الَّتِي تحدث لَهُ وَأَن ينقذه أَيْضا مِمَّا وَقع فِيهِ إِن أمكنه معاجلته ومعالجته
وَمثل ذَلِك أَيْضا مَا حَكَاهُ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ فِي كتاب الغاذي والمغتذي وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِن إنْسَانا رَأَيْته يَوْمًا وَقد بَايع أَن يَأْكُل جزرا قدره بِحَدّ مَا فَحَضَرت أكله لأرى مَا يكون من حَاله لَا رَغْبَة مني لمجالسة من هَذِه حَاله وَلَا لِأَن لي بذلك عَادَة وَللَّه الْحَمد بل لأرى إِيرَاد الْغذَاء على الْمعدة قسرا إِلَى مَاذَا يؤول هَذَا الْفِعْل فرأيته يَأْكُل من حَائِط ليرى من حوله ويضاحكهم حَتَّى إِذا مر على الْأَكْثَر مِمَّا كَانَ بَين يَدَيْهِ رَأَيْت الجزر ممضوغا قد خرج من حلقه ملتفا متحبلا متعجنا بريقه وَقد جحظت عَيناهُ وَانْقطع حسه واحمر لَونه وَدرت وداجاه وعروق رَأسه وأربد وكمد وَجهه وَعرض لَهُ من التهوع أَكثر مِمَّا عرض لَهُ من الْقَذْف حَتَّى رمى من ذَلِك الَّذِي أكله شَيْئا كثيرا
فزكنت أَن انْقِطَاع نَفسه لدفع الْمعدة حجابه إِلَى نَحْو الْفَم ومنعها إِيَّاه من الرُّجُوع إِلَى الانبساط للتنفس
وَأما مَا عرض للونه من الاحمرار ودرور وداجيه وعروقه فزكنت أَنه لإقبال الطبيعة نَحْو رَأسه كَمَا يعرض لمن شدت يَده للفصد أَن تقبل الطبيعة نَحْو الْجِهَة الَّتِي استنهضت نَحْوهَا
وَأما مَا عرض بعد ذَلِك لوجهه من الاربداد والكمودة فزكنت أَيْضا أَنه لسوء مزاج قلبه وَأَنه لَو لم يخرج مَا خرج ودافعت الْمعدة حجابه هَذِه المدافعة الَّتِي قد عاقته أَلْبَتَّة عَن التنفس عرض لَهُ الْمَوْت بالاختناق
كَمَا قد رَأينَا ذَلِك فِي عدد كثير مَاتُوا بعقب الْقَذْف
وَأما مَا عرض لَهُ من التهوع أَكثر مِمَّا عرض لَهُ من الْقَذْف فزكنت من ذَلِك أَن التهوع لشدَّة اضْطِرَاب الْمعدة
قَالَ ابْن أبي الْأَشْعَث بعد ذَلِك إِن الْغذَاء إِذا حصل فِي الْمعدة وَهُوَ كثير الكمية تمددت تمددا يبسط سَائِر غضونها كَمَا رَأَيْت ذَلِك فِي سبع شرحته حَيا بِحَضْرَة الْأَمِير الغضنفر وَقد استصغر بعض الْحَاضِرين معدته فتقدمت بصب المَاء فِي فِيهِ فَمَا زلنا نصب فِي حلقه دورقا بعد آخر حَتَّى عددنا من الدوارق عددا كَانَ مِقْدَار مَا حوت نَحْو أَرْبَعِينَ رطلا مَاء فَنَظَرت إِذْ ذَاك إِلَى الطَّبَقَة الدَّاخِلَة وَقد امتدت حَتَّى صَار لَهَا سطح مستو لَيْسَ بِدُونِ اسْتِوَاء الْخَارِج ثمَّ شققتها فَلَمَّا اجْتمعت عِنْد خُرُوج المَاء مِنْهَا عَاد غُضُون الدَّاخِلَة والبواب يشْهد الله فِي جَمِيع ذَلِك لَا يُرْسل نَفسه
وحَدثني الشَّيْخ الْمُهَذّب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران قَالَ حَدثنِي أبي عَن خَالِي أبي الْفرج بن حَيَّان قَالَ حَدثنِي أَبُو الْكَرم الطَّبِيب قَالَ حَدثنِي أبي عَن أَبِيه قَالَ كنت يَوْمًا أساير الشَّيْخ أَبَا الْفرج اليبرودي إِذْ اعْتَرَضَهُ رجل فَقَالَ يَا سَيِّدي كنت فِي صناعتي هَذِه فِي الْحمام وحلقت رَأْسِي وَأَجد الْآن فِي وَجْهي كُله انتفاخا وحرارة عَظِيمَة
قَالَ فَنَظَرْنَا إِلَى وَجهه فوجدناه يَرْبُو وينتفخ وتزيد حمرته بِغَيْر توقف وَلَا تدريج
قَالَ
стр. 599
فَأمره أَن يكْشف رَأسه ويلقي بِهِ المَاء الْجَارِي من قناة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَكَانَ الزَّمَان إِذْ ذَاك صميم الشتَاء وَغَايَة الْبرد ثمَّ لم يزل وَاقِفًا حَتَّى بلغ مَا أَرَادَ مِمَّا أَمر بِهِ
ثمَّ أَمر الرجل بالانصراف وَأَشَارَ عَلَيْهِ بالأوفق لَهُ وَهُوَ تلطيف التَّدْبِير وَاسْتِعْمَال النقوع الحامض مبردا وَقطع الزفر
قَالَ فَامْتنعَ أَن يحدث لَهُ شرا مَا
وَقَالَ الطرطوشي فِي كتاب سراج الْمُلُوك حَدثنِي بعض الشاميين أَن رجلا خبازا بَيْنَمَا هُوَ يخبز فِي تنوره بِمَدِينَة دمشق إِذْ عبر عَلَيْهِ رجل يَبِيع المشمش فَاشْترى مِنْهُ وَجعل يَأْكُلهُ بالخبز الْحَار فَلَمَّا فرغ سقط مغشيا عَلَيْهِ
فنظروا فَإِذا هُوَ ميت فَجعلُوا يتربصون بِهِ ويحملون لَهُ الْأَطِبَّاء فيلتمسون دلائله ومواضع الْحَيَاة مِنْهُ
فَلم يَجدوا فقضوا بِمَوْتِهِ
فَغسل وكفن وَصلي عَلَيْهِ وَخَرجُوا بِهِ إِلَى الْجَبانَة
فَبَيْنَمَا هم فِي الطَّرِيق على بَاب الْبَلَد فَاسْتَقْبَلَهُمْ رجل طَبِيب يُقَال لَهُ اليبرودي وَكَانَ طَبِيبا ماهرا حاذقا عَارِفًا بالطب فَسمع النَّاس يلهجون بقضيته فاستخبرهم عَن ذَلِك فقصوا عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ حطوه حَتَّى أرَاهُ
فحطوه فَجعل يقلبه وَينظر فِي إمارات الْحَيَاة الَّتِي يعرفهَا
ثمَّ فتح فَمه وسقاه شَيْئا أَو قَالَ حقنه فَانْدفع مَا هُنَاكَ فسيل فَإِذا الرجل قد فتح عَيْنَيْهِ وَتكلم وَعَاد كَمَا كَانَ إِلَى حانوته
وَتُوفِّي اليبرودي بِدِمَشْق فِي سنة وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي كَنِيسَة اليعاقبة بهَا عِنْد بَاب توما
حَدثنِي الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ عَن موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس ابْن المطران قَالَ حَدثنِي خَالِي قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عبد الله ابْن رجا بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنِي ابْن الكتاني وَهُوَ إِذا ذَاك متصرف فِي أَعمال السُّلْطَان يَوْمئِذٍ بِدِمَشْق قَالَ بَلغنِي أَن أَبَا الْفرج جورجس بن يوحنا اليبرودي لما توفّي ظهر فِي تركته ثلثمِائة مقطع رومي مجوم لباب وَاحِد وَخَمْسمِائة قِطْعَة فضَّة ألطفها ثلثمِائة دِرْهَم
قَالَ موفق الدّين بن المطران وَلَيْسَ ذَلِك بِكَثِير لِأَن الشَّخْص مَتى تحققت أَعماله وصفت نِيَّته وَطلب الْحق وعامل الصَّحِيح واجتهد فِي معرفَة صناعته كَانَ حَقًا على الله تَعَالَى أَن يرزقه
وَمَتى كَانَ بالضد عَاشَ فَقِيرا وَمَات يائسا
ولليبرودي من الْكتب مقَالَة فِي أَن الفرخ أبرد من الْفروج
نقض كَلَام ابْن الموفقي فِي مسَائِل ترددت فِيمَا بَينهم فِي النبض
جَابر بن مَنْصُور السكرِي
من أهل موصل وَكَانَ مُسلما دينا عَالما بصناعة الطِّبّ من أكبر المتميزين فِيهَا
وَكَانَ قد لحق أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث وَقَرَأَ عَلَيْهِ
ثمَّ لَازم مُحَمَّد بن ثَوَاب تلميذ ابْن أبي الْأَشْعَث وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي
стр. 600
نَحْو سنة سِتِّينَ وثلثمائة
واشتهر بصناعة الطِّبّ وأعمالها وَعمر وَكَانَ أَكثر مقَامه بِمَدِينَة الْموصل وَإِنَّمَا ابْنه ظافر انْتقل إِلَى الشَّام وَأقَام بهَا
ظافر بن جَابر السكرِي
هُوَ أَبُو حَكِيم ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي كَانَ مُسلما فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية متقنا للعلوم الْحكمِيَّة متحليا بالفضائل وَعلم الْأَدَب محبا للاشتغال والتضلع بالعلوم
وَكَانَ قد لَقِي أَبَا الْفرج ابْن الطّيب بِبَغْدَاد وَاجْتمعَ بِهِ واشتغل مَعَه
وَكَانَ ظافر بن جَابر قد عمر مثل أَبِيه وَكَانَ مَوْجُودا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ موصلي وَإِنَّمَا انْتقل من الْموصل إِلَى مَدِينَة حلب وَأقَام بحلب إِلَى آخر عمره
وَمن خَلفه جمَاعَة مشتغلين بصناعة الطِّبّ ومقامهم بحلب
وَمن شعره
(مَا زلت أعلم أَولا فِي أول ... حَتَّى علمت بأنني لَا علم لي)
(وَمن الْعَجَائِب أَن أكون جَاهِلا ... من حَيْثُ كوني أنني لَا أَجْهَل) الْكَامِل
ولظافر بن جَابر من الْكتب مقَالَة فِي أَن الْحَيَوَان يَمُوت مَعَ أَن الْغذَاء يخلف عوض مَا يتَحَلَّل مِنْهُ
موهوب بن الظافر
هُوَ أَبُو الْفضل موهوب بن ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي
كَانَ فَاضلا أَيْضا فِي صناعَة الطِّبّ مَشْهُورا متميزا
وَكَانَ مُقيما بِمَدِينَة حلب
ولموهوب بن ظافر من الْكتب اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين بن إِسْحَق
جَابر بن موهوب
هُوَ جَابر بن موهوب بن ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي كَانَ أَيْضا مَشْهُورا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بهَا
وَأقَام بحلب
أَبُو الحكم
هُوَ الشَّيْخ الأديب الْحَكِيم أَبُو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الْبَاهِلِيّ الأندلسي المربي
كَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متقنا للصناعة الطبية مُتَعَيّنا فِي الْأَدَب مَشْهُورا بالشعر
وَكَانَ حسن النادرة كثير المداعبة محبا للهو والخلاعة
وَكثير من شعره يُوجد مرائي فِي أَقوام كَانُوا فِي زَمَانه أَحيَاء وَإِنَّمَا قصد بذلك اللّعب والمجون
وَكَانَ محبا للشراب مدمنا لَهُ ويعاني الخيال وَكَانَ إِذا
следующие страницы →