← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من أَثِق بقوله إِن سيف الدولة كَانَ إِذا أكل الطَّعَام حضر على مائدته أَرْبَعَة وَعِشْرُونَ طَبِيبا قَالَ وَكَانَ فيهم من يَأْخُذ رزقين لأجل تعاطيه علمين وَمن يَأْخُذ ثَلَاثَة لتعاطيه ثَلَاثَة عُلُوم وَكَانَ من جُمْلَتهمْ عِيسَى الرقي الْمَعْرُوف بالتفليسي وَكَانَ مليح الطَّرِيقَة وَله كتب فِي الْمَذْهَب وَغَيرهَا وَكَانَ ينْقل من السرياني إِلَى الْعَرَبِيّ وَيَأْخُذ أَرْبَعَة أرزاق رزقا بِسَبَب الطِّبّ وَرِزْقًا بِسَبَب النَّقْل ورزقين بِسَبَب علمين آخَرين اليبرودي هُوَ أَبُو الْفرج جورجس بن يوحنا بن سهل بن إِبْرَاهِيم من النَّصَارَى اليعاقبة وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ عَالما بأصولها وفروعها معدودا من جملَة الأكابر من أَهلهَا والمتمرنين من أَرْبَابهَا دَائِم الِاشْتِغَال محبا للْعلم مؤثرا للفضيلة حَدثنِي شرف الدّين بن عنين ﵀ إِن اليبرودي كَانَ لَا يمل الِاشْتِغَال وَلَا يسأم مِنْهُ قَالَ وَكَانَ أبدا سَائِر أوقاته لَا يُوجد إِلَّا مَعَه كتاب ينظر فِيهِ حَدثنِي أحد النَّصَارَى بِدِمَشْق وَهُوَ السّني البعلبكي الطَّبِيب قَالَ كَانَ مولد اليبرودي ومنشؤه فِي صدر عمره بيبرود وَهِي ضَيْعَة كَبِيرَة قريبَة من صيدنايا وَبهَا نَصَارَى كثير وَكَانَ اليبرودي بهَا كَسَائِر أَهلهَا النَّصَارَى من معاناتهم الفلاحة وَمَا يصنعه الفلاحون وَكَانَ أَيْضا يجمع الشيح من نواحي دمشق الْقَرِيبَة من جِهَته ويحمله على دَابَّة وَيَأْتِي بِهِ إِلَى دَاخل دمشق يَبِيعهُ للَّذين يقدونه فِي الأفران وَغَيرهَا وَأَنه لما كَانَ فِي بعض المرات وَقد عبر من بَاب توما بِدِمَشْق وَمَعَهُ حمل شيح رأى شَيخا من المتطببين وَهُوَ يفصد إنْسَانا قد عرض لَهُ رُعَاف شَدِيد من النَّاحِيَة المسامتة للموضع الَّذِي ينبعث مِنْهُ الدَّم فَوقف ينظر إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ لم تفصد هَذَا وَدَمه يجْرِي من أَنفه بِأَكْثَرَ مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ بالفصد فَعرفهُ إِن ذَلِك إِنَّمَا يَفْعَله لينقطع الدَّم الَّذِي ينبعث من أَنفه لكَونه يجتذبه إِلَى مسامتة الْجِهَة الَّتِي ينبعث مِنْهَا فَقَالَ لَهُ إِذا كَانَ الْأَمر على مَا تَقول فإننا فِي مواضعنا قد اعتدنا أَنه مَتى كَانَ نهر جَار وأردنا أَن نقطع المَاء عَنهُ فإننا نجْعَل لَهُ مسيلا إِلَى نَاحيَة أُخْرَى مسامتة لَهُ فَيَنْقَطِع من ذَلِك الْموضع وَيعود إِلَى الْموضع الآخر فَأَنت لم لَا تفعل هَكَذَا أَيْضا وتفصده من النَّاحِيَة الْأُخْرَى فَفعل ذَلِك وَانْقطع الرعاف عَن الرجل وَإِن ذَلِك الطَّبِيب لما رأى من اليبرودي حسن نظر فِيمَا سَالَ عَنهُ قَالَ لَهُ لَو أَنَّك تشتغل بصناعة الطِّبّ جَاءَ مِنْك طَبِيب جيد فَمَال اليبرودي إِلَى قَوْله وتاقت نَفسه إِلَى الْعلم وَبَقِي مترددا إِلَى الشَّيْخ فِي أَوْقَات وَهُوَ يعرفهُ ويريه أَشْيَاء من المداواة

стр. 597

ثمَّ أَنه ترك يبرود وَمَا كَانَ يعانيه وَأقَام بِدِمَشْق يتَعَلَّم صناعَة الطِّبّ وَلما تبصر فِي أَشْيَاء مِنْهَا وَصَارَت لَهُ معرفَة بالقوانين العلمية وحاول مداواة المرضى وَرَأى اخْتِلَاف الْأَمْرَاض وأسبابها وعلاماتها وتفنن معالجاتها وَسَأَلَ عَمَّن هُوَ إِمَام فِي وقته بِمَعْرِِفَة صناعَة الطِّبّ والمعرفة بهَا جيدا فَذكرُوا لَهُ أَن بِبَغْدَاد أَبَا الْفرج بن الطّيب كَاتب الجاثليق وَأَنه فيلسوف متفنن وَله خبْرَة وَفضل فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي غَيرهَا من الصَّنَائِع الْحكمِيَّة فتأهب للسَّفر وَأخذ سوارا كَانَ لأمه لنفقته وَتوجه إِلَى بَغْدَاد وَصَارَ ينْفق عَلَيْهِ مَا يقوم بأوده ويشتغل على ابْن الطّيب إِلَى أَن مهر فِي صناعَة الطِّبّ وَصَارَت لَهُ مباحثات جَيِّدَة ودراية فاضلة فِي هَذِه الصِّنَاعَة واشتغل أَيْضا بِشَيْء من الْمنطق والعلوم الْحكمِيَّة ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَأقَام بهَا ونقلت أَيْضا قَرِيبا من هَذِه الْحِكَايَة الْمُتَقَدّمَة وَإِن كَانَت الرِّوَايَة بَينهمَا مُخْتَلفَة عَن شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي أَبُو الْفرج بن الْحَدِيد قَالَ حَدثنِي أَبُو الْكَرم الطَّبِيب عَن أَبِيه أبي الرَّجَاء عَن جده قَالَ كَانَ بِدِمَشْق فاصد يُقَال لَهُ أَبُو الْخَيْر وَلم يكن من المهرة فَكَانَ من أمره أَن فصد شَابًّا فَوَقَعت الفصدة فِي الشريان فتحير وتبلد وَطلب قطع الدَّم فَلم يقدر على ذَلِك فَاجْتمع النَّاس عَلَيْهِ وَفِي أثْنَاء ذَلِك اطلع صبي عَلَيْهِ فَقَالَ يَا عماه أفصده فِي الْيَد الْأُخْرَى فاستراح إِلَّا كَلَامه وفصده من يَده الْأُخْرَى فَقَالَ شدّ الفصد الأول فشده وَوضع لازوقا كَانَ عِنْده عَلَيْهِ وشده فَوقف جرية الدَّم ثمَّ مسك الفصدة الْأُخْرَى فَوقف الدَّم وَانْقطع الْجَمِيع وَوجد الصَّبِي يَسُوق دَابَّة عَلَيْهَا حمل شيح فتشبث بِهِ وَقَالَ من أَيْن لَك مَا أَمرتنِي بِهِ قَالَ أَنا أرى أبي فِي وَقت سقِِي الْكَرم إِذا انْفَتح شقّ من النَّهر وَخرج المَاء مِنْهُ بحدة لَا يقدر على إِمْسَاكه دون أَن يفتح فتحا آخر ينقص بِهِ المَاء الأول الْوَاصِل إِلَى ذَلِك الشق ثمَّ يسده بعد ذَلِك قَالَ فَمَنعه الجرائحي من بيع الشيح واقتطعه وَعلمه الطِّبّ فَكَانَ مِنْهُ اليبرودي من مشاهير الْأَطِبَّاء الْفُضَلَاء أَقُول وَكَانَت لليبرودي مراسلات إِلَى ابْن رضوَان بِمصْر وَإِلَى غَيره من الْأَطِبَّاء المصريين وَله مسَائِل عدَّة إِلَيْهِم طبية ومباحثات دقيقة وَكتب بِخَطِّهِ شَيْئا كثيرا جدا من كتب الطِّبّ وَلَا سِيمَا من كتب جالينوس وشروحها وجوامعها وحَدثني أَيْضا السّني البعلبكي أَن اليبرودي عبر يَوْمًا فِي سوق جيرون بِدِمَشْق فَرَأى إنْسَانا وَقد بَايع على أَن يَأْكُل أرطالا من لحم فرس مسلوق مِمَّا يُبَاع فِي الْأَسْوَاق فَلَمَّا رَآهُ وَقد أمعن فِي أكله بِأَكْثَرَ مِمَّا يحْتَملهُ قواه ثمَّ شرب بعده فقاعا كثيرا وَمَاء بثلج واضطربت أَحْوَاله تفرس فِيهِ أَنه لَا بُد أَن يغمى عَلَيْهِ وَأَن يبْقى فِي حَالَة يكون الْمَوْت أقرب إِلَيْهِ إِن لم يتلاحق فَتَبِعَهُ إِلَى الْمنزل الَّذِي لَهُ واستشرف إِلَى مَاذَا يؤول أمره فَلم يكن إِلَّا أيسر وَقت وَأَهله يصيحون ويضجون بالبكاء ويزعمون أَنه قد مَاتَ فَأتى إِلَيْهِم وَقَالَ أَنا ابرئه وَمَا عَلَيْهِ بَأْس ثمَّ انه أَخذه إِلَى حمام قريب من ذَلِك الْموضع وَفتح فَكَّيْهِ كرها بِشَيْء ثمَّ سكب فِي حلقه مَاء مغليا وَقد أضَاف إِلَيْهِ أدوية مقيئة ولافي الْغَايَة وقيأه بِرِفْق ثمَّ عالجه وتلطف فِي مداواته حَتَّى أَفَاق وَعَاد إِلَى صِحَّته فتعحب

стр. 598

النَّاس مِنْهُ فِي ذَلِك الْفِعْل وَحسن تَأتيه إِلَى مداواة ذَلِك الرجل واشتهرت عَنهُ هَذِه الْقَضِيَّة وتميز بعْدهَا أَقُول وَهَذِه الْحِكَايَة الَّتِي قصد اليبرودي أَن يتتبع أَحْوَال ذَلِك الرجل فِيهَا ويشاهد مَا يكون من أمره أَن يكون عِنْده من ذَلِك معرفَة بالأعراض الَّتِي تحدث لَهُ وَأَن ينقذه أَيْضا مِمَّا وَقع فِيهِ إِن أمكنه معاجلته ومعالجته وَمثل ذَلِك أَيْضا مَا حَكَاهُ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي الْأَشْعَث ﵀ فِي كتاب الغاذي والمغتذي وَذَلِكَ أَنه قَالَ إِن إنْسَانا رَأَيْته يَوْمًا وَقد بَايع أَن يَأْكُل جزرا قدره بِحَدّ مَا فَحَضَرت أكله لأرى مَا يكون من حَاله لَا رَغْبَة مني لمجالسة من هَذِه حَاله وَلَا لِأَن لي بذلك عَادَة وَللَّه الْحَمد بل لأرى إِيرَاد الْغذَاء على الْمعدة قسرا إِلَى مَاذَا يؤول هَذَا الْفِعْل فرأيته يَأْكُل من حَائِط ليرى من حوله ويضاحكهم حَتَّى إِذا مر على الْأَكْثَر مِمَّا كَانَ بَين يَدَيْهِ رَأَيْت الجزر ممضوغا قد خرج من حلقه ملتفا متحبلا متعجنا بريقه وَقد جحظت عَيناهُ وَانْقطع حسه واحمر لَونه وَدرت وداجاه وعروق رَأسه وأربد وكمد وَجهه وَعرض لَهُ من التهوع أَكثر مِمَّا عرض لَهُ من الْقَذْف حَتَّى رمى من ذَلِك الَّذِي أكله شَيْئا كثيرا فزكنت أَن انْقِطَاع نَفسه لدفع الْمعدة حجابه إِلَى نَحْو الْفَم ومنعها إِيَّاه من الرُّجُوع إِلَى الانبساط للتنفس وَأما مَا عرض للونه من الاحمرار ودرور وداجيه وعروقه فزكنت أَنه لإقبال الطبيعة نَحْو رَأسه كَمَا يعرض لمن شدت يَده للفصد أَن تقبل الطبيعة نَحْو الْجِهَة الَّتِي استنهضت نَحْوهَا وَأما مَا عرض بعد ذَلِك لوجهه من الاربداد والكمودة فزكنت أَيْضا أَنه لسوء مزاج قلبه وَأَنه لَو لم يخرج مَا خرج ودافعت الْمعدة حجابه هَذِه المدافعة الَّتِي قد عاقته أَلْبَتَّة عَن التنفس عرض لَهُ الْمَوْت بالاختناق كَمَا قد رَأينَا ذَلِك فِي عدد كثير مَاتُوا بعقب الْقَذْف وَأما مَا عرض لَهُ من التهوع أَكثر مِمَّا عرض لَهُ من الْقَذْف فزكنت من ذَلِك أَن التهوع لشدَّة اضْطِرَاب الْمعدة قَالَ ابْن أبي الْأَشْعَث بعد ذَلِك إِن الْغذَاء إِذا حصل فِي الْمعدة وَهُوَ كثير الكمية تمددت تمددا يبسط سَائِر غضونها كَمَا رَأَيْت ذَلِك فِي سبع شرحته حَيا بِحَضْرَة الْأَمِير الغضنفر وَقد استصغر بعض الْحَاضِرين معدته فتقدمت بصب المَاء فِي فِيهِ فَمَا زلنا نصب فِي حلقه دورقا بعد آخر حَتَّى عددنا من الدوارق عددا كَانَ مِقْدَار مَا حوت نَحْو أَرْبَعِينَ رطلا مَاء فَنَظَرت إِذْ ذَاك إِلَى الطَّبَقَة الدَّاخِلَة وَقد امتدت حَتَّى صَار لَهَا سطح مستو لَيْسَ بِدُونِ اسْتِوَاء الْخَارِج ثمَّ شققتها فَلَمَّا اجْتمعت عِنْد خُرُوج المَاء مِنْهَا عَاد غُضُون الدَّاخِلَة والبواب يشْهد الله فِي جَمِيع ذَلِك لَا يُرْسل نَفسه وحَدثني الشَّيْخ الْمُهَذّب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ حَدثنِي موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران قَالَ حَدثنِي أبي عَن خَالِي أبي الْفرج بن حَيَّان قَالَ حَدثنِي أَبُو الْكَرم الطَّبِيب قَالَ حَدثنِي أبي عَن أَبِيه قَالَ كنت يَوْمًا أساير الشَّيْخ أَبَا الْفرج اليبرودي إِذْ اعْتَرَضَهُ رجل فَقَالَ يَا سَيِّدي كنت فِي صناعتي هَذِه فِي الْحمام وحلقت رَأْسِي وَأَجد الْآن فِي وَجْهي كُله انتفاخا وحرارة عَظِيمَة قَالَ فَنَظَرْنَا إِلَى وَجهه فوجدناه يَرْبُو وينتفخ وتزيد حمرته بِغَيْر توقف وَلَا تدريج قَالَ

стр. 599

فَأمره أَن يكْشف رَأسه ويلقي بِهِ المَاء الْجَارِي من قناة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَكَانَ الزَّمَان إِذْ ذَاك صميم الشتَاء وَغَايَة الْبرد ثمَّ لم يزل وَاقِفًا حَتَّى بلغ مَا أَرَادَ مِمَّا أَمر بِهِ ثمَّ أَمر الرجل بالانصراف وَأَشَارَ عَلَيْهِ بالأوفق لَهُ وَهُوَ تلطيف التَّدْبِير وَاسْتِعْمَال النقوع الحامض مبردا وَقطع الزفر قَالَ فَامْتنعَ أَن يحدث لَهُ شرا مَا وَقَالَ الطرطوشي فِي كتاب سراج الْمُلُوك حَدثنِي بعض الشاميين أَن رجلا خبازا بَيْنَمَا هُوَ يخبز فِي تنوره بِمَدِينَة دمشق إِذْ عبر عَلَيْهِ رجل يَبِيع المشمش فَاشْترى مِنْهُ وَجعل يَأْكُلهُ بالخبز الْحَار فَلَمَّا فرغ سقط مغشيا عَلَيْهِ فنظروا فَإِذا هُوَ ميت فَجعلُوا يتربصون بِهِ ويحملون لَهُ الْأَطِبَّاء فيلتمسون دلائله ومواضع الْحَيَاة مِنْهُ فَلم يَجدوا فقضوا بِمَوْتِهِ فَغسل وكفن وَصلي عَلَيْهِ وَخَرجُوا بِهِ إِلَى الْجَبانَة فَبَيْنَمَا هم فِي الطَّرِيق على بَاب الْبَلَد فَاسْتَقْبَلَهُمْ رجل طَبِيب يُقَال لَهُ اليبرودي وَكَانَ طَبِيبا ماهرا حاذقا عَارِفًا بالطب فَسمع النَّاس يلهجون بقضيته فاستخبرهم عَن ذَلِك فقصوا عَلَيْهِ قصَّته فَقَالَ حطوه حَتَّى أرَاهُ فحطوه فَجعل يقلبه وَينظر فِي إمارات الْحَيَاة الَّتِي يعرفهَا ثمَّ فتح فَمه وسقاه شَيْئا أَو قَالَ حقنه فَانْدفع مَا هُنَاكَ فسيل فَإِذا الرجل قد فتح عَيْنَيْهِ وَتكلم وَعَاد كَمَا كَانَ إِلَى حانوته وَتُوفِّي اليبرودي بِدِمَشْق فِي سنة وَأَرْبَعمِائَة وَدفن فِي كَنِيسَة اليعاقبة بهَا عِنْد بَاب توما حَدثنِي الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ عَن موفق الدّين أسعد بن إلْيَاس ابْن المطران قَالَ حَدثنِي خَالِي قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنِي عبد الله ابْن رجا بن يَعْقُوب قَالَ حَدثنِي ابْن الكتاني وَهُوَ إِذا ذَاك متصرف فِي أَعمال السُّلْطَان يَوْمئِذٍ بِدِمَشْق قَالَ بَلغنِي أَن أَبَا الْفرج جورجس بن يوحنا اليبرودي لما توفّي ظهر فِي تركته ثلثمِائة مقطع رومي مجوم لباب وَاحِد وَخَمْسمِائة قِطْعَة فضَّة ألطفها ثلثمِائة دِرْهَم قَالَ موفق الدّين بن المطران وَلَيْسَ ذَلِك بِكَثِير لِأَن الشَّخْص مَتى تحققت أَعماله وصفت نِيَّته وَطلب الْحق وعامل الصَّحِيح واجتهد فِي معرفَة صناعته كَانَ حَقًا على الله تَعَالَى أَن يرزقه وَمَتى كَانَ بالضد عَاشَ فَقِيرا وَمَات يائسا ولليبرودي من الْكتب مقَالَة فِي أَن الفرخ أبرد من الْفروج نقض كَلَام ابْن الموفقي فِي مسَائِل ترددت فِيمَا بَينهم فِي النبض جَابر بن مَنْصُور السكرِي من أهل موصل وَكَانَ مُسلما دينا عَالما بصناعة الطِّبّ من أكبر المتميزين فِيهَا وَكَانَ قد لحق أَحْمد بن أبي الْأَشْعَث وَقَرَأَ عَلَيْهِ ثمَّ لَازم مُحَمَّد بن ثَوَاب تلميذ ابْن أبي الْأَشْعَث وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فِي

стр. 600

نَحْو سنة سِتِّينَ وثلثمائة واشتهر بصناعة الطِّبّ وأعمالها وَعمر وَكَانَ أَكثر مقَامه بِمَدِينَة الْموصل وَإِنَّمَا ابْنه ظافر انْتقل إِلَى الشَّام وَأقَام بهَا ظافر بن جَابر السكرِي هُوَ أَبُو حَكِيم ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي كَانَ مُسلما فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية متقنا للعلوم الْحكمِيَّة متحليا بالفضائل وَعلم الْأَدَب محبا للاشتغال والتضلع بالعلوم وَكَانَ قد لَقِي أَبَا الْفرج ابْن الطّيب بِبَغْدَاد وَاجْتمعَ بِهِ واشتغل مَعَه وَكَانَ ظافر بن جَابر قد عمر مثل أَبِيه وَكَانَ مَوْجُودا فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ موصلي وَإِنَّمَا انْتقل من الْموصل إِلَى مَدِينَة حلب وَأقَام بحلب إِلَى آخر عمره وَمن خَلفه جمَاعَة مشتغلين بصناعة الطِّبّ ومقامهم بحلب وَمن شعره (مَا زلت أعلم أَولا فِي أول ... حَتَّى علمت بأنني لَا علم لي) (وَمن الْعَجَائِب أَن أكون جَاهِلا ... من حَيْثُ كوني أنني لَا أَجْهَل) الْكَامِل ولظافر بن جَابر من الْكتب مقَالَة فِي أَن الْحَيَوَان يَمُوت مَعَ أَن الْغذَاء يخلف عوض مَا يتَحَلَّل مِنْهُ موهوب بن الظافر هُوَ أَبُو الْفضل موهوب بن ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي كَانَ فَاضلا أَيْضا فِي صناعَة الطِّبّ مَشْهُورا متميزا وَكَانَ مُقيما بِمَدِينَة حلب ولموهوب بن ظافر من الْكتب اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين بن إِسْحَق جَابر بن موهوب هُوَ جَابر بن موهوب بن ظافر بن جَابر بن مَنْصُور السكرِي كَانَ أَيْضا مَشْهُورا فِي صناعَة الطِّبّ خَبِيرا بهَا وَأقَام بحلب أَبُو الحكم هُوَ الشَّيْخ الأديب الْحَكِيم أَبُو الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الْبَاهِلِيّ الأندلسي المربي كَانَ فَاضلا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة متقنا للصناعة الطبية مُتَعَيّنا فِي الْأَدَب مَشْهُورا بالشعر وَكَانَ حسن النادرة كثير المداعبة محبا للهو والخلاعة وَكثير من شعره يُوجد مرائي فِي أَقوام كَانُوا فِي زَمَانه أَحيَاء وَإِنَّمَا قصد بذلك اللّعب والمجون وَكَانَ محبا للشراب مدمنا لَهُ ويعاني الخيال وَكَانَ إِذا

стр. 601

طرب يخرج فِي الخيال ويغني لَهُ (يَا صياد النحلة جاك الْعَمَل ... قُم اخْرُج من بكرَة هَات الْعَسَل) وَكَانَ يعرف الموسيقى ويلعب بِالْعودِ وَيجْلس على دكان فِي جيرون للطب ومسكنه فِي دَار الْحِجَارَة باللبادين وَله مدائح كَثِيرَة فِي بني الصُّوفِي الَّذين كَانُوا رُؤَسَاء دمشق والمتحكمين فِيهَا وَذَلِكَ فِي أَيَّام مجير الدّين أبق بن مُحَمَّد بن بوري بن أتابك طغتكين وسافر أَبُو الحكم إِلَى بَغْدَاد وَالْبَصْرَة وَعَاد إِلَى دمشق وَأقَام بهَا إِلَى حِين وَفَاته وَتُوفِّي ﵀ لساعتين خلتا من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سادس ذِي الْقعدَة سنة تسع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق وَقَالَ أَبُو الْفضل بن الملحي وَكتب بهَا إِلَى أبي الحكم فِي أثْنَاء كتاب كتبه إِلَيْهِ شاكرا لفعله (إِذا مَا جزى الله امْرَءًا بفعاله ... فجازى الْأَخ الْبر الْحَكِيم أَبَا الحكم) (هُوَ الفيلسوف الْفَرد والفاضل الَّذِي ... أقرّ لَهُ بالحكمة الْعَرَب والعجم) (يدبر تَدْبِير الْمَسِيح مريضه ... فَلَو راءه أبقراط زلت بِهِ الْقدَم) (فينتاشني من قَبْضَة الدَّهْر بَعْدَمَا ... ألم بأنواع من الضّر والألم) (وبوأني من رَأْيه خير معقل ... فبرأ من ضري وأبرا من السقم) (وَمَا زَالَ يهديني إِلَى كل مَنْهَج ... بآراء مفضال لَهُ سنّهَا الْكَرم) (يضيء سنا أفكارها فَكَأَنَّهَا ... شموس جلا أشراقها حندس الظُّلم) (وَقَامَ بأَمْري إِذْ تقاعد أسرتي ... مقَام أبي فِي كرمتي أَو مقَام أم) (وأنقض ظَهْري مَا تحامل ثقله ... ووكل بِي طرفا إِذا نمت لم ينم) (وَضم وَلم يمنن لجسمي شفاءه ... فلولاه قد أَصبَحت لَحْمًا على وَضم) (فَأصْبح سلمي الدَّهْر بعد حروبه ... عَلَيْهِ سَلام الله مَا أَوْرَق السّلم) الطَّوِيل وَكَانَ أَبُو الحكم يهاجي جمَاعَة من الشُّعَرَاء الَّذين كَانُوا فِي وقته ويهاجونه وللعرقلة وَهُوَ أَبُو الندى حسان بن نمير الْكَلْبِيّ يهجو أَبَا الحكم (لنا طَبِيب شَاعِر أشتر ... أراحنا من شخصه الله) (مَا عَاد فِي صبحة يَوْم فَتى ... إِلَّا وَفِي بَاقِيه رثاه) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا فِيهِ (يَا عين سحي بدمع ساكب وَدم ... على الْحَكِيم الَّذِي يكنى أَبَا الحكم)

стр. 602

(قد كَانَ لَا رحم الرَّحْمَن شيبته ... وَلَا سقى قَبره من صيب الديم) (شَيخا يرى الصَّلَوَات الْخمس نَافِلَة ... ويستحل دم الْحجَّاج فِي الْحرم) الْبَسِيط أَقُول وصف العرقلة لأبي الحكم فِي هجوه إِيَّاه بِأَنَّهُ اشْتَرِ الْعين لَهُ سَبَب وَهُوَ أَن أَبَا الحكم خرج لَيْلَة وَهُوَ سَكرَان من دَار زين الْملك أبي طَالب بن الْخياط فَوَقع فانشج وَجهه فَلَمَّا أصبح زَارَهُ النَّاس يسألونه كَيفَ وَقع فَكتب هَذِه الأبيات وَتركهَا عِنْد رَأسه فَكَانَ إِذا سَأَلَهُ إِنْسَان يُعْطِيهِ الأبيات يقْرؤهَا (وَقعت على رَأْسِي وطارت عمامتي ... وَضاع شمشكي وانبطحت على الأَرْض) (وَقمت وأسراب الدِّمَاء بلحيتي ... ووجهي وَبَعض الشَّرّ أَهْون من بعض) (قضى الله إِنِّي صرت فِي الْحَال هتكة ... وَلَا حِيلَة للمرء فِيمَا بِهِ يقْضِي) (وَلَا خير فِي قصف وَلَا فِي لذاذة ... إِذا لم يكن سكر إِلَى مثل ذَا يُفْضِي) الطَّوِيل وَأخذ الْمرْآة فَرَأى الْجرْح فِي وَجهه غائرا تَحت الجفن بعد وقعته فَقَالَ (ترك النَّبِيذ بوجنتي ... جرحا ككس النعجة) (وَوَقعت منبطحا على ... وَجْهي وطارت عَمَّتي) (وَبقيت منهتكا فَلَو ... لَا اللَّيْل بَانَتْ سوءتي) (وَعلمت أَن جَمِيع ذَلِك ... من تَمام اللَّذَّة) (من لي بِأُخْرَى مثل تِلْكَ ... وَلَو بحلق اللِّحْيَة) الْكَامِل وَمن شعر أبي الحكم وديوان شعره هُوَ روايتي عَن الشَّيْخ شمس الدّين أبي الْفضل المطواع والكحال عَن الْحَكِيم أَمِين الدّين أبي زَكَرِيَّا يحيى البياسي عَن أبي الْمجد عَن وَالِده أبي الحكم الْمَذْكُور قَالَ يمدح الرئيس مؤيد الدّين أَبَا الفوراس بن الصُّوفِي (رقت لما بِي إِذْ رَأَتْ أوصابي ... وَشَكتْ فقصر وجدهَا عَمَّا بِي) (مَا ضرّ يَا ذَات اللما الْمَمْنُوع لَو ... داويت حر جوى بِبرد رضاب) (من هائم فِي حبكم متقنع ... بمرار طيف أَو برد جَوَاب) (أَن تسعفي بِالْقربِ مِنْك فَإِنَّمَا ... تحيين نفسا آذَنت بذهاب) (لَا تنكري أَن بَان صبري بعدكم ... واعتادني ولهي لعظم مصابي) (فالصبر فِي كل المواطن دَائِما ... مستحسن إِلَّا عَن الأحباب) (هَيْهَات أَن يصفو الْهوى لمتيم ... لَا بُد من شهد هُنَاكَ وصاب) (مَا لي وللحدق المراض تذيبني ... أَتَرَى لحيني وكلت بعذابي)

стр. 603

(وَكَذَا الْعُيُون النجل قدما لم تزل ... من شَأْنهَا الفتكات بالألباب) (مَا لي وحظي لَا يني متباعدا ... أَدْعُو فَلَا أَنْفك غير مجاب) (لَوْلَا رَجَاء أبي الفوارس لم أزل ... مَا بَين ظفر للخطوب وناب) (دَعْنِي أخبر بعض مَا قد حَاز من ... شرف وَإِن أعيا ذَوي الأسهاب) (فَلَقَد غَدا فرضا مديح مؤيد الدّين ... الْهمام على ذَوي الْآدَاب) (من قيس عيلان نمته هوَازن ... وسليم البادون فِي الْأَعْرَاب) (وَالْبَيْت من أَبنَاء صعصعة سما ... بُنْيَانه فِي جَعْفَر بن كلاب) (مِنْهُم لبيد والطفيل وعامر ... وَأَبُو برَاء هازم الْأَحْزَاب) (وَبَنُو ربيعَة إِن نسبت وخَالِد ... مِنْهُم وعَوْف فِي ذَوي الْأَنْسَاب) (ورث الْعلَا مِنْهُم بَنو الصُّوفِي إِذْ ... قرنوا الأيادي الغر فِي الأحساب) (وحوى الْمسيب مَا بِهِ افْتَخرُوا كَمَا ... حازت فَذَلِك جمع كل حِسَاب) (فِي ذرْوَة الشّرف الرفيع سما بِهِ ... مجد قديم من صميم لباب) (وَأحل أندية المكارم ناشئا ... فسما على القرناء والأضراب) (مَا مفعم لجب طما آذيه ... وأمده منهل صوب سَحَاب) (بأعم سيبا من نوال بنانه ... أَو مُزْبِد ذُو زخرة وعباب) (لليث صولته على أعدائه ... بل دونه أَن صال لَيْث الغاب) (وَله إِلَى أشياعه وعداته ... يَوْمَانِ يَوْم ندى وَيَوْم ضراب) (يَا دولة عبق الندى والجود فِيهِ ... أرجائها من فتية انجاب) (بشجاعها وجمالها وبعزها ... وبزينها تبقى على الأحقاب) (حسبي بِمَا نسبوا إِلَيْهِ وَإِن غَدَتْ ... أَسمَاؤُهُم تغني عَن الألقاب) (أكْرم بهم عربا إِذا افتخر الورى ... جاؤوا بِخَير أرومة ونصاب) (شادوا الْعلَا بندى وَعز باذخ ... ومشارع للمعتفين عَذَاب) (قوم ترى لِذَوي النِّفَاق لديهم ... ذل العبيد لسطوة الأرباب) (يَا أَيهَا الْمولى الَّذِي نعماؤه ... مبذولة للطارق المتناب) (إِنِّي لأعْلم أَن برك بِي غَدا ... لسعادتي من أوكد الْأَسْبَاب) (وتيقنت نَفسِي هُنَاكَ بأنني ... سأرود من نعماك خير جناب) (لَا زلت ترقى فِي المكارم دَائِما ... مَا لَاحَ برق فِي خلال سَحَاب) وَقَالَ أَيْضا يمدح الرئيس جمال الدولة أَبَا الْغَنَائِم أَخا الممدوح (سَوَاء علينا هجرها ووصالها ... إِذا نكثت يَوْمًا ورثت حبالها) (وَمَا بَرحت ليلى تجود بوعدها ... وَيمْنَع منا بذلها ونوالها) (ويطمعنا ميعادها فِي دنوها ... وَلَا وصل إِلَّا أَن يزور خيالها)

стр. 604

(أما مِنْك إِلَّا عذرة وتعلل ... لطال علينا عذرها واعتلالها) (سقام بجسمي من جفونك أَصله ... وَقُوَّة عشق نقص جسمي كمالها) (فَإِن تسعفي صبا يكن لَك أجره ... بقربك يَا من شف جسمي زيالها) (وَمَا ذكرتك النَّفس إِلَّا تَفَرَّقت ... وعاودها من بعد هدي ضلالها) (وَمَا بَرحت تعتادني زفرَة إِذا ... طمعت لَهَا بالبرء راث اندمالها) (وَمن عبرات لَا يني الدَّهْر كلما ... دَعَا للهوى دَاع أجَاب أَنا لَهَا) (تصدى الْكرَى عَن مقلتي فتنثني ... دموع على الْخَدين يهمي انسجالها) (وَكَيف يؤاتي النّوم أَو يطْرق الْكرَى ... جفونا بِمَاء المقلتين اكتحالها) (إِذا قلت أَنْسَاهَا على نأي دارها ... تصور فِي عَيْني وقلبي مثالها) (ودوية تردي المطايا تنوفة ... يحار القطا فِيهَا إِذا خب آلها) (قطعت بفتلاء الذراعين عرمس ... أمون قواها غير باد كلالها) (تؤم بِنَا ربع الْمُسلم حَيْثُ لَا ... يخيب لَهَا سعي وينعم بالها) (وَلَوْلَا جمال الْملك مَا جِئْتهَا وَلَا ... ترامت صحاريها بِنَا ورمالها) (إِلَى أسرة لَا يجهل النَّاس قدرهَا ... ويحمد بَين الْعَالمين فعالها) (إِذا أشكلت دهماء فَالرَّأْي رأيها ... وَإِن راب خطب فالمقال مقالها) (أَو اضطرمت نَار الوغى بكماتها ... وَطَالَ عَلَيْهِم حميها واشتعالها) (ترى لَهُم بَأْسا يقصر دونه ... أسود الشرى قدامها ونزالها) (بِأَيْدِيهِم خطية يزنية ... تساقي بأكواب المنايا نهالها) (وبيض تقد الدارعين صوارم ... رهاف جلا الاطباع مِنْهَا صقالها) (وهم يطْعمُون الضَّيْف من قمع الذرى ... إِذا ناوحت نكباء ريح شمالها) (فَمَا لبني الصُّوفِي فِي النَّاس مشبه ... ذَوي الْبَأْس وَالْأَيْدِي المهاب مصالها) (سما لَهُم مجد قديم ورفعة ... شَدِيد عراها لَا يخَاف انحلالها) (بني جَعْفَر فِي الْعَرَب خير قَبيلَة ... سما فِي نزار فخرها واختيالها) (تقَابل فيهم من سليم دوابة ... كَمَا قابلت يمنى الْيَدَيْنِ شمالها) (أيا ابْن عَليّ حزت أرفع رُتْبَة ... إِذا رامها من رامها لَا ينالها) (بك الدولة الغراء تزهى على الورى ... وَحقّ لَهَا إِذْ أَنْت فيهاجمالها) (وَلَو أَنَّهَا أمست سناء ورفعة ... سَمَاء علينا كنت أَنْت هلالها)

стр. 605

(إِذا مَا ذَوُو الشحناء أموك خيبوا ... وَعَاد عَلَيْهِم بعد ذَاك وبالها) (سأظفر من دهري بأرغد عيشة ... بنعماك إِن فاءت عَليّ ظلالها) (فَمَا لِذَوي الْحَاجَات عَنْك تَأَخّر ... لِأَنَّك عَم المكرمات وخالها) (فدونكها كالدر لَا مستعارة ... فينكر مِنْهَا ضعفها واختلالها) (وَلَكِن نتاج الْفِكر عذراء حسنها ... يروق إِذا شان القوافي انتحالها) (فَلَا نعْمَة إِلَّا ومنك نوالها ... وَلَا مِدْحَة إِلَّا إِلَيْك مآلها) الطَّوِيل وَقَالَ يمدح عز الدولة أَخا مؤيد الدّين (دَعَا بك دَاعِي الْهوى فاستجب ... وَقصر عتابك عَمَّن عتب) (فَمَا الْعَيْش إِن غيض مَاء الشَّبَاب ... وَلم يقْض من طَرفَيْهِ أرب) (وباكر مُعتقة زانها ... مُرُور اللَّيَالِي بهَا والحقب) (كَأَن على كأسها لؤلؤا ... إِذا مَا اسْتَدَارَ عَلَيْهَا الحبب) (يطوف بهَا بابلي اللحاظ ... لذيذ الْمقبل عذب الشنب) (يَقُول الَّذِي راقه حسنها ... أذي الْخمر من خَدّه تجتلب) (وَإِلَّا فَمن أَيْن ذَا الإحمرار ... وَهَذَا الصفاء لبِنْت الْعِنَب) (بَنَات الكروم حَيَاة الكروم ... وَمَوْت الهموم محيا الطَّرب) (فَقل للَّذي همه أَن يرى ... كَرِيمًا ينفس عَنهُ الكرب) (أكل امْرِئ يرتجى سيبه ... رويدك مَا النَّاس فَخر الْعَرَب) (جواد إِذا أَنْت وفيته ... أمنت بِهِ حادثات النوب) (فقد شاع من ذكره فِي الْأَنَام ... سوى مَا تضمن طي الْكتب) (ثَنَاء تأرج مِنْهُ الْبِلَاد ... وَذكر فلولاه لم يغترب) (عفاف وحلم إِلَى سؤدد ... وفخر بآباء صدق نجب) (وَفضل وَبشر وجود يرَاهُ ... فرضا على نَفسه قد وَجب) (فَمن قاسه بفتى عصره ... فقد قايس الدّرّ بالمختلب) (وَمن قَالَ إِن امْرَءًا غَيره ... حوى بعض مَا حازه قد كذب) (وَلَيْسَ الَّذِي فخره تالد ... كمن فخره طارف مكتسب) (إِذا ذكر الصَّيْد من عَامر ... وعد مآثرها وانتسب) (تفاخر قيس بِهِ خندفا ... وتعطيه مِنْهَا أجل الرتب) (وَلَا سِيمَا إِن غَدا فيهم ... وَسِيطًا بأكرم أم وَأب)

стр. 606

(من الجعفريين فِي باذخ ... من الْعِزّ تنحط عَنهُ الشهب) (وَعَبْدك يرغب فِي خلعة ... وَمثلك تشريفه يحْتَسب) (ليرْفَع ذَلِك من قدره ... وَإِن كَانَ قَارب فِيمَا طلب) (ويشحذ خاطره كلما ... اشرأب إِلَى مدحكم وانتدب) (فلي كلما ظَفرت راحتي ... بجود المظفر أوفى أرب) (فَفِي كل دولة أَنْت عز لَهَا ... تنَال الْأَمَانِي بِأَدْنَى سَبَب) (لِأَنَّك من معشر من يرد ... حِيَاض مكارمهم لم يخب) (وأعراضهم أبدا لم تزل ... تصان وَأَمْوَالهمْ تنتهب) (هَنِيئًا لَك الْعِيد فأنغم بِهِ ... وَدم مَا بدا كَوْكَب واحتجب) (وَمَا الْعِيد أَنْت إِذا مَا حضرت ... سَوَاء علينا نأى أَو قرب) (وَإِن غيب الْغَيْم عَنَّا الْهلَال ... فلسنا نبالي إِذا لم تغب) (فدونكها حرَّة تجتلى ... يناديك قَائِلهَا من كثب) (أَتَاك بهَا إِثْر تهذيبها ... حَكِيم تنخلها وانتخب) (وَلَا خير فِي حِكْمَة لَا ترى ... مطرزة بفنون الْأَدَب) وَمن مطبوع قصائده الأرجوزة الَّتِي وسمها بمعرة الْبَيْت يذكر فِيهَا مَا ينَال الْإِنْسَان إِذا عمل دَعْوَة للندماء من الْمضرَّة والغرامة وَهِي هَذِه (معرة الْبَيْت على الْإِنْسَان ... تطرا بِلَا شكّ من الإخوان) (فاصغ إِلَى قَول أخي تجريب ... يأتك بالشرح على تَرْتِيب) (جَمِيع مَا يحدث فِي الدَّعْوَات ... وكل مَا فِيهَا من الْآفَات) (فَصَاحب الدعْوَة والمسره ... لَا بُد أَن يحْتَمل المضره) (أَولهَا لَا بُد من ثقيل ... يكرههُ الْقَوْم وَذي تطفيل) (صَاحبهَا إِن قدم الطعاما ... يحْتَاج أَن يحْتَمل الملاما) (لَو أَنه يندس فِي حرمه ... لَا بُد أَن يشرعوا فِي ذمه) (يَقُول بعض عازه إبزار ... وَبَعْضهمْ حافت عَلَيْهِ النَّار) (وَآخر هَذَا قَلِيل الْملح ... يظْهر أَنِّي فطن ذُو نصح) (ينهب مَا بَين يَدَيْهِ نهبا ... وَيشْرب المَاء القراح العذبا) (يرى لَهُ فِي ذَلِك انتفاعا ... وَبعد ذَلِك يطْلب الفقاعا)

стр. 607

(بالثلج فِي الصَّيف وَفِي الشتَاء ... يلْتَمس النَّار بِلَا استحياء) (وَإِن يعزهم أثر ذَا خلال ... قد نسلوا الْحصْر وَلم يبالوا) (وَبعد هَذَا يحضر النَّبِيذ ... الطّيب الْمُنْتَخب اللذيذ) (فواحد يَقُول هَذَا خل ... وَآخر ذَا قافز معتل) (وَثمّ من يسْأَل عَن راووق ... يَقُول لَا بُد من التصفيق) (وَعند هَذَا تحضر البواطي ... ويمزج النَّبِيذ باحتياط) (فواحد يَقُول هَذَا صرف ... ويقلب المَاء وَلَا يكف) (وَآخر يَقُول ذَا ممعود ... فَاجْتَنبُوا المَاء وَلَا تعودوا) (وَالنَّقْل لَا بُد مَعَ المشموم ... فَغير مهجور وَلَا مسؤوم) (فَذا لَهُ فِي نَقله اخْتِيَار ... يروقه الريحان وَالْخيَار) (وَذَا يَقُول الْورْد والتفاح ... أحسن مَا دارت عَلَيْهِ الراح) (وَإِن خشيت حجَّة المغاني ... وخوفهم من ضَامِن القيان) (عجل وقشقل لَهُم الدينارا ... فِي الْحَال إِن كنت تخَاف العارا) (وَرُبمَا قد حَان مِنْهُم شطحه ... تعيش أَن تنعموا بالصبحه) (وَإِن دَعَوْت الْقَوْم فِي كانون ... لَا بُد من فَحم على كانون) (يطير مِنْهُ أبدا شرار ... يثبت فِي الْبسط لَهَا آثَار) (وَيُصْبِح الْبسَاط بعد الجده ... منقطا كشبه جلد الفهده) (فضلا عَن الكباب والشرائح ... لكل غاد مِنْهُم ورائح) (واعزل لَهُم عِنْد انْقِضَاء الْبرد ... مراوحا من بعد مَاء الْورْد) (وللندامى أبدا فنون ... يظهرها الْخمر فتستبين) (فَمنهمْ من يُورد الاخبارا ... عجبا لَهَا ويؤثر الاكثارا) (منعما جشعا لَهُ بالمضغ ... وَلَيْسَ فيهم من إِلَيْهِ يصغي) (ويمسك الدّور وينسى نَفسه ... قد غيب الأدبار عَنهُ حسه) (وَمِنْهُم من يزن الكلاما ... تراؤسا وَيظْهر إِلَّا عظاما) (وَمِنْهُم من يظْهر الوضاعه ... تعمدا كي تضحك الْجَمَاعَة) (وَمِنْهُم من سكره قَبِيح ... لَا يَأْخُذ الدّور وَلَا يروح) (وَثمّ من يدْخل وَقت السكر ... صَاح ويحصي هفوات الْخمر) (وَمِنْهُم من فِي يَدَيْهِ خفه ... إِذا رأى شَيْئا مليحا لفه)

стр. 608

(منيدلا للكم أَو سكينَة ... أَو طاسة التكعيب أَو قنينة) (وَبَعْضهمْ مُوكل بقلع ... سلاسل تسيل فَوق الشمع) (يُوهم أَن يكسو بهَا فَتِيلَة ... وَإِنَّمَا ذَلِك مِنْهُ حيله) (وَلَا تقل فِي الغمز والإيماء ... إِذا مضى الْقَوْم لبيت المَاء) (فَإِن لقوا جَارِيَة أَو عبدا ... قد قرصوا نهدا وعضوا خدا) (وَرُبمَا تطرق الْفساد ... وَكَانَ من عرس الْفَتى انقياد) (أَو أُخْته أَو بنته أَو ابْنه ... لَا سِيمَا إِن راقهم بحسنه) (وَعِنْدهَا قد تسمح النُّفُوس ... ويطمع النديم والجليس) (فَإِنَّمَا الْإِنْسَان من لحم وَدم ... لَيْسَ بصخر جامد وَلَا صنم) (وَإِن يكن فيهم أَبُو تلور ... فَغير مَأْمُون وَلَا مَعْذُور) (يَأْكُل مَا يلقاه أكلا لما ... بِلَا اكتراث أَو يجيد اللقما) (لَا يشرب الراح مَعَ الندامى ... لِأَنَّهُ لَا يُؤثر المداما) (وَإِن تقع عربدة هناكا ... فَلَيْسَ يشقى فيهم سواكا) (تنكسر الأقداح والقناني ... وَكلما لَاحَ من الْأَوَانِي) (وَإِن تأدى الْأَمر للجيران ... رَمَوْهُ بالزور والبهتان) (ثمَّ شكوه عَاجلا للشحنه ... وَرُبمَا تمت عَلَيْهِ محنه) (ويربح الْإِنْسَان سوء السمعة ... لَا سِيمَا إِن كَانَ ليل جُمُعَة) (وَإِن فَشَتْ بَينهم جراح ... فَلَيْسَ يُرْجَى للفتى صَلَاح) (وَإِن تردى بَينهم قَتِيل ... فَذَاك شَيْء أَرْشه قَلِيل) (وشربهم إِن كَانَ فِي عَلَيْهِ ... فَإِنَّهُ يقرب المنيه) (وَلَا تكن تنسى أَذَى الندمان ... والقيء فَوق الْبسط فِي الأحيان) (وَبعده يلْتَمس الطعاما ... ليوصل الشّرْب مَعَ النداما) (وَلَا الَّذِي يلقى من النقار ... إِذا انْتَبَهت وَقت كنس الدَّار) (من ربة الْبَيْت إِذا مَا نَامَتْ ... وَخَلفهَا الصعب إِذا مَا قَامَت) (تذكره عِنْد طُلُوع الشَّمْس ... بِكُل مَا دَار لَهُ بالْأَمْس) (هَذَا إِذا راحوا فَإِن أَقَامُوا ... واقتصدوا الصبوح ثمَّ نَامُوا) (فَكيف ترجو بعد ذَا فلاحا ... إِذا بدا الصُّبْح لَهُم ولاحا) (لوح على الْقَوْم بخندريس ... فِي أثر الجردق والرؤوس)

стр. 609

(واستغن عَن بعض أثاث الدَّار ... إِن صَار رهنا فِي يَد الْخمار) (وَإِن تضع بعض نعال الْقَوْم ... فَلَيْسَ تَخْلُو عَاجلا من لوم) (فوص أَن يحفظها الْغُلَام ... لكَي يقل مِنْهُم الملام) (وَلَا تبال ويك بالخساره ... وَأكْثر السرج على المناره) (وَمن أَرَادَ مِنْهُم الرواحا ... فَإِنَّهُ يستلب المصباحا) (مستصحبا فِي يَده قرَابه ... مَمْلُوءَة يُرْضِي بهَا أَصْحَابه) (وَلَا تفكر فِي فرَاغ الزَّيْت ... فَكل هَذَا من خراب الْبَيْت) (فَصَاحب الدعْوَة فِي خسران ... لَا سِيمَا إِن لز بالميزان) (وَصَاحب الْوَقْت بِغَيْر شرب ... أَحَق مَخْلُوق بصقع الجرب) (يدل مَا يلْزمه من غرم ... أَن الْفَتى لَا شكّ دقن سرم) (وَكَانَ من ذَا كُله غَنِيا ... لَو كَانَ شهما فطنا ذكيا) (معرة مَا مثلهَا معرة ... تنحس من يصلى بهَا فِي كرة) (فالشرب عِنْدِي فِي بيُوت النَّاس ... أحسن من هَذَا على الْقيَاس) (وَبعد هَذَا كُله فالتوبة ... أوفق مَا دارت عَلَيْهِ النّوبَة) الرجز وَقَالَ فِي الْبَصْرَة سنة إِحْدَى وَعشْرين وَخَمْسمِائة (أَقُول وَقد أشرفت من نهر معقل ... على الْبَصْرَة الغراء حييت من مصر) (أيا حبذا ساحاتها ورسومها ... وَطيب رباها لَا عرين من الْقطر) (فكم فِيك من يَوْم لهوت وَلَيْلَة ... بمرتجة الاعطاف طيبَة النشر) (وَإِن سفرت جنح الظلام نقابها ... رَأَيْت لَهَا وَجها يَنُوب عَن الْبَدْر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (إِلَّا إِن شرب الراح من أوكد الْفَرْض ... على الْورْد وَالريحَان والنرجس الغض) (وكل امْرِئ أعْطى الوضاعة حَقّهَا ... فَذَلِك فِي عَيْش لذيذ وَفِي خفض) (وَمهما يكن بِي دَائِما من دعابة ... فَإِنِّي نقي الثَّوْب وَالنَّفس وَالْعرض) (وَإِن على أَشْيَاء مِمَّا تريبني ... إِذا صَاحب زلت بِهِ قدم أغضي) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (مَا خير عَيْش يرتجيه امْرُؤ ... حَيَاته تُفْضِي إِلَى مَوته)

стр. 610

(والرزق مَضْمُون فَإِن منفس ... فَاتَ فَلَا تأس على فَوته) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (رحلت فكدرت بالبعد مَا ... صفا بدنوك والاقتراب) (وكادت تصدع منا الْقُلُوب ... بعْدك لَوْلَا رَجَاء الإياب) المتقارب وَقَالَ أَيْضا (أَلا يَا من لصب مستهام ... معنى لَا يفِيق من الغرام) (وَكَيف يفِيق محزون كئيب ... أضرّ بجسمه طول السقام) الوافر وَقَالَ أَيْضا (وَيْح المحبين لَيْت لَا خلقُوا ... مَا برحوا فِي الْعَذَاب مذ عشقوا) (وَلَا رجوا رَاحَة وَلَا فَرحا ... إِلَّا وسدت عَلَيْهِم الطّرق) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (ترى درا يُحِيط بِهِ عقيق ... إِذا أبدت ثناياها العذابا) (وَمَا زَان الخضاب لَهَا بنانا ... وَلَكِن كفها زَان الخضابا) الوافر وَقَالَ أَيْضا (قلت لَهَا إِذا عيرتني ضنى ... مَعَ انحناء الظّهْر والارتعاش) (لَا تهزئي إِن وهنت أعظمي ... حبك مِنْهَا دَاخل فِي المشاش) السَّرِيع وَقَالَ لغزا فِي عبد الْكَرِيم (بمهجتي يَا صَاح أفدي الَّذِي ... تيمني تفتير عَيْنَيْهِ) (صرت لَهُ ثلث اسْمه طَائِعا ... وَهُوَ بوصلي ضد ثُلثَيْهِ) (كَأَنَّمَا وجنته إِذْ بَدَت ... أنجم خيلان بخديه) (هِلَال تمّ والثريا لَهُ ... مقلوب مَا يشبه صدغيه) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا لغزا فِي اسْم شفتر وَهُوَ لقب لأبي الْمَعَالِي السّلمِيّ الشَّاعِر (غزال من بني الْأَصْفَر ... سباني طرفه الأحور)

стр. 611

(لقد فَضله الله ... بِحسن الدل والمنظر) (بِحَق الشفع وَالْوتر ... وَمَا قد ضمنا كوثر) (فَهَذَا اسْم قضى الرَّحْمَن ... أَن يلغز أَو يستر) الهزج وَقَالَ يهجو الطَّبِيب المفشكل الْيَهُودِيّ على سَبِيل المرثية (أَلا عد عَن ذكرى حبيب ومنزل ... وعرج على قبر الطَّبِيب المفشكل) (فيا رَحْمَة الله استهيني بقبره ... وكوني عَن الشَّيْخ الوضيع بمعزل) (وَيَا مُنْكرا جود هديت قذاله ... بمقنعة وأسقله سقل السجنجل) (وكبكبه فِي قَعْر الْجَحِيم بوجبة ... كجلمود صَخْر حطه السَّيْل من عل) (فَلَا زَالَ وكاف تزجيه دِيمَة ... عَلَيْهِ بمنهل من السلح مُسبل) (لقد حَاز ذَاك اللَّحْد أَخبث جيفة ... وأوضع ميت بَين ترب وجندل) (سأسبل من بَطْني عَلَيْهِ مدامعي ... وَأوردهُ من مَائِهَا شَرّ منهل) (لَعَلَّ أَبَا عمرَان حن لشخصه ... وَقَالَ لَهُ أسْرع إِلَيّ وَعجل) (فَمَا ضم بطن الأَرْض أنجس مِنْهُمَا ... وأنذل من رَهْط الغوي السموأل) الطَّوِيل وَقَالَ يهجو الأديب نصير الْحلَبِي أَيْضا على سَبِيل المرثية وَكَانَ نصير قد اشْتغل بِالْكِتَابَةِ وَتعرض للشعر والطب والنجوم (يَا هَذِه قومِي اندبي ... مَاتَ نصير الْحلَبِي) (يرحمه الله لقد ... كَانَ طَوِيل الذَّنب) (قد ضجت الْأَمْوَات فِي ... نكهته فِي الترب) (وودهم لَو عوضوا ... مِنْهُ بكلب أجرب) (وَالْقَوْم بَين صارخ ... وممعن فِي الْهَرَب) (ومنكر يَقُول ذَا ... أوضع ميت مر بِي) (مَا ضم بطن الأَرْض ... بَين شرقها وَالْمغْرب) (أَخبث مِنْهُ طِينَة ... فِي عجمها وَالْعرب) (يَا قوم مَا أنجسه ... نصبا على التَّعَجُّب) (أَوْصَافه من فحشه ... مسطورة فِي الْكتب) (وَقَوله لمنكر ... أسرفت يَا معذلي

стр. 612

(اما علمت أنني ... شيخ لأهل الادب) (والنحو وَالْحكمَة ... والمنطق والتطبب) الرجز وَقَالَ يهجو ملك النُّحَاة (لقب هَب من باذهنك الورك ... نسيم على عارضي ذَا الْملك) (وَأَقْبل سيل على اثره ... فَصَارَ على وَجهه مرتبك) (كَمَا درج المَاء مر الصِّبَا ... ودبج أفق السَّمَاء الحبك) المتقارب وَقَالَ يهجو أَبَا الْوَحْش الشَّاعِر (اذا رمت ان أهجو أَبَا الْوَحْش عاقني ... خلائق لؤم عَنهُ لَا تتزحزح) (تجَاوز حد الذَّم حَتَّى كَأَنَّهُ ... بأقبح مَا يهجى بِهِ الْمَرْء يمدح) الطَّوِيل وَقَالَ يهجوه أَيْضا (ان دَامَ فِي غيه وحيش ... وَلم يدع افكه وظلمه) (سلقت آذانه بعنز ... قد أكلُوا فِي الْحجاز لَحْمه) الْبَسِيط وَقَالَ ايضا (لنا صديق جَفا وازور جَانِبه ... قد أوجعتني يَدي مِمَّا أعاتبه) (ان قيل لي صفه يَوْمًا قلت ذَاك فَتى ... يُحْصى الْحَصَى قبل أَن تحصى مثالبه) الْبَسِيط وَقَالَ يهجو عليان الْمَعْرُوف بالعكاز الْحلَبِي (شكا الينا العكاز داءه ... فَلم يجد عندنَا دواءه) (لَان دَاء الْبغاء أعيا ... كل امْرِئ يَبْتَغِي شفاءه) الْبَسِيط وَقَالَ ايضا (اذا عنيت بمحموم نظمت لَهُ ... بَيْتا فان زَاد شَيْئا عَاد مفلوجا) (فَقل لقوم رَأَوْا طبي لَهُم فرجا ... ليهنهم ان غَدا بالشعر ممزوجا) (يفرج الْهم عَن أحشاء ذِي حرق ... مضنى ويطعمه فِي الْحَال فروجا) الْبَسِيط وَقَالَ فِي الشجَاعَة (ارى الْحَرْب تكسبني نجدة ... اذ خامر الْقلب تذكارها)

стр. 613

(فان أَنا فِي النّوم أبصرتها ... تبين فِي الْفرش آثارها) المتقارب وَقَالَ فِي قصيدته الَّتِي سَمَّاهَا ذَات المناقب (ومعشر قد جعلوني قدوة ... يرونني فِيمَا اعاني أوحد) (تركت أعمارهم اذ ركنوا ... الي فِي الطِّبّ كاعمار الجدا) الرجز وَقَالَ أَيْضا (سأظهر فِي اصلاح شأني تغافلا ... ليعذرني من ظن أَنِّي ذُو جهل) (واهزل مهما قلت شعرًا فان بَدَت ... بِهِ ركة يَوْمًا أحلّت على الْهزْل) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (وطارق ليل أمني بعد هجعة ... فمتعت جَنْبَيْهِ بعجراء من سلم) (فَلَو سَمِعت اذناك تحتي عواءه ... لَقلت ابْن آوى عج فِي حندس الظُّلم) (وَقلت لَهُ لَوْلَا شقاؤك لم تسر ... بلَيْل وَلم تحلل بِربع أبي الحكم) الطَّوِيل وَقَالَ (لما أَدْرَكته الْوَفَاة فِي ذِي الْقعدَة سنة تسعه وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة (يَا لهف نَفسِي اذا ادرجت فِي الْكَفَن ... وغيبوني عَن الاهلين والوطن) (وَقيل لَا يبعدن من كَانَ ينشدنا ... أَنا الَّذِي نظر الاعمى فَلم يرني) الْبَسِيط ثمَّ أنْشد يَوْم الثُّلَاثَاء قبل وَفَاته وَأمر وَلَده أَبَا الْمجد ان يَرْوِيهَا بعد مَوته عَنهُ (نَدِمت على موتِي وَمَا كَانَ من امري ... فيا لَيْت شعري من يرثيكم بعدِي) (واني لاختار الرُّجُوع لَو انني ... أرد وَلَكِن لَا سَبِيل الى الرَّد) (وَلَو كنت أَدْرِي انني غير رَاجع ... لما كنت قد اسرعت سيرا الى اللَّحْد) (أَلا هَل من الْمَوْت المفرق من بُد ... وَهل لزمان قد تسلف من رد) (مضى الاهل والاحباب عني وودعوا ... وغودرت فِي دهماء موحشة وحدي) (لبَعض على بعض لديكم مزية ... وَلَا يعرف الْمولى لدينا من العَبْد) (لَئِن كنت قد أفرحتكم بمنيتي ... وسركم موتِي وآنسكم فقدي) (فدقيوس تلميذي عَلَيْكُم خليفتي ... رضيت بِهِ فِي الْهزْل بعدِي وَفِي الْجد) (فها أَنا قد وليته الامر فاعلموا ... وَعَما قَلِيل سَوف أسْكنهُ عِنْدِي) (وَلَا تقنطوا من رَحْمَة الله بعد ذَا ... فَلَيْسَ لنا من رَحْمَة الله من بُد) ولابي الحكم من الْكتب ديوَان شعره وَسمي ديوانه هَذَا نهج الوضاعة

стр. 614

أَبُو الْمجد بن أبي الحكم هُوَ أفضل الدولة أَبُو الْمجد مُحَمَّد بن أبي الحكم عبيد الله بن المظفر بن عبد الله الْبَاهِلِيّ من الْحُكَمَاء الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الْمَذْكُورين والأفاضل فِي الصِّنَاعَة الطبية والاماثل فِي علم الهندسة والنجوم وَكَانَ يعرف الموسيقى ويلعب بِالْعودِ ويجيد الْغناء والايقاع وَالزمر وَسَائِر الْآلَات وَعمل أرغنا وَبَالغ فِي اتقانه وَكَانَ اشْتِغَاله على وَالِده وعَلى غَيره بصناعة الطِّبّ وتميز فِي علمهَا وعملها وَصَارَ من الاكابر من أَهلهَا وَكَانَ فِي دولة السُّلْطَان الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ وَكَانَ يرى لَهُ ويحترمه وَيعرف مِقْدَار علمه وفضله وَلما أناشأ الْملك الْعَادِل نور الدّين البيمارستان الْكَبِير جعل أَمر الطِّبّ إِلَيْهِ فِيهِ وَأطلق لَهُ جامكية وجراية وَكَانَ يتَرَدَّد اليه ويعالج المرضى فِيهِ وحَدثني شمس الدّين أَبُو الْفضل بن أبي الْفرج الكحال الْمَعْرُوف بالمطواع ﵀ انه شَاهده فِي البيمارستان وان أَبَا الْمجد بن أبي الحكم كَانَ يَدُور على المرضى بِهِ ويتفقد أَحْوَالهم وَيعْتَبر امورهم وَبَين يَدَيْهِ المشارفون والقوام لخدمة المرضى فَكَانَ جَمِيع مَا يَكْتُبهُ لكل مَرِيض من المداواة وَالتَّدْبِير لَا يُؤَخر عَنهُ وَلَا يتوانى فِي ذَلِك قَالَ وَكَانَ بعد فَرَاغه من ذَلِك وطلوعه إِلَى القلعة وافتقاده المرضى من أَعْيَان الدولة يَأْتِي وَيجْلس فِي الايوان الْكَبِير الَّذِي للبيمارستان وجميعه مفروش ويحضر الِاشْتِغَال وَكَانَ نور الدّين ﵀ قد وقف على هَذَا البيمارستان جملَة كَبِيرَة من الْكتب الطبية وَكَانَت فِي الخرستانين اللَّذين فِي صدر الايوان فَكَانَ جمَاعَة من الاطباء والمشتغلين يأْتونَ اليه ويقعدون بَين يَدَيْهِ ثمَّ تجْرِي مبَاحث طبية ويقرئ التلاميذ وَلَا يزَال مَعَهم فِي اشْتِغَال ومباحثة وَنظر فِي الْكتب مِقْدَار ثَلَاث سَاعَات ثمَّ يركب الى دَاره وَتُوفِّي أَبُو الْمجد بن أبي الحكم بِدِمَشْق فِي سنة وَخَمْسمِائة ابْن البذوخ هُوَ أَبُو جَعْفَر عمر بن عَليّ بن البذوخ القلعي المغربي كَانَ فَاضلا خَبِيرا بِمَعْرِِفَة الارجدوية المفردة والمركبة وَله حسن نظر فِي الِاطِّلَاع على الامراض ومداواتها واقام بِدِمَشْق سنينا كَثِيرَة وَكَانَت لَهُ دكان عطر باللبادين يجلس فِيهِ ويعالج من يَأْتِي إِلَيْهِ أَو يستوصف مِنْهُ وَكَانَ يُهَيِّئ عِنْده ادوية كَثِيرَة مركبة يصنعها من سَائِر المعاجين والاقراص والسفوفات وَغير ذَلِك يَبِيع مِنْهَا وَينْتَفع النَّاس بهَا وَكَانَ معتنيا بالكتب الطبية وَالنَّظَر فِيهَا وَتَحْقِيق مَا ذكره المتقدمون من صفة الامراض ومداواتها وَله حواش على كتاب القانون لِابْنِ سينا وَكَانَ لَهُ ايضا اعتناء بِعلم الحَدِيث ويشعر وَله رجز كثير إِلَّا ان اكثر شعره ضَعِيف منحل وَعمر عمرا طَويلا وَضعف عَن الْحَرَكَة

стр. 615

حَتَّى انه كَانَ لم يَأْتِ الى دكانه إِلَّا مَحْمُولا فِي محفة وَعمي فِي آخر عمره بِمَاء نزل فِي عينه لانه كَانَ كثيرا يغتذي بِاللَّبنِ ويقصد بذلك ترطيب بدنه وَتُوفِّي بِدِمَشْق فِي سنة خمس أَو سِتّ وَسبعين وَخَمْسمِائة وَمن شعر ابْن البذوخ قَالَ وَهُوَ من قصيدة كَبِيرَة لَهُ فِي ذكر الْمَوْت والمعاد فَمن مختارها (يَا رب سهل لي الْخيرَات افعلها ... مَعَ الانام بموجودي وامكاني) (فالقبر بَاب الى دَار الْبَقَاء وَمن ... للخير يغْرس أثمار المنى جاني) (وَخير انس الْفَتى تقوى بِصَاحِبِهِ ... وَالْخَيْر يَفْعَله مَعَ كل انسان) (يَا ذَا الْجَلالَة والاكرام يَا املي ... اختم بِخَير وتوحيد وايمان) (ان كَانَ مولَايَ لَا يرجوك ذُو زلل ... بل من أطاعك من للمذنب الْجَانِي) (عشر الثَّمَانِينَ يَا مولَايَ قد سلبت ... أنوار عَيْني وسمعي ثمَّ اسناني) (لَا استطيع قيَاما غير مُعْتَمد ... مَا بَين اثْنَيْنِ شكوائي لرحماني) (وَمَا بَقِي فِي لذيذ يستلذ بِهِ ... لي لَذَّة غير تنصيت لقرآن) (أَو شَرحه أَو شروحات الحَدِيث وَمَا ... يخْتَص بالطب اَوْ تفكيه لقرآن) (فالشيخ تعميره يُفْضِي الى هرم ... يذله اَوْ عمى اَوْ دَاء ازمان) (فموته ستره اذ لَا محيص لَهُ ... عَن الْمَمَات فكم يبْقى لنُقْصَان) (نَعُوذ بِاللَّه من شَرّ الْحَيَاة وَمن ... شَرّ الْمَمَات وَشر الانس والجان) (ان الشُّيُوخ كأشجار غَدَتْ حطبا ... فَلَيْسَ يُرْجَى لَهَا توريق اغصان) (لم يبْق فِي الشَّيْخ نفع غير تجربة ... وَحسن رَأْي صفا من طول أزمان) (يَا خَالق الْخلق يَا من لَا شريك لَهُ ... قد جِئْت ضيفا لتقريني بغفران) (مولَايَ مَالِي سوى التَّوْحِيد من عمل ... فاختم بِهِ منعما يَا خير منان) الْبَسِيط وَقَالَ فِي مدح كتب جالينوس (اكرم بكتب لِجَالِينُوسَ قد جمعت ... مَا قَالَ بقراط والماضون فِي الْقدَم) (كديسقوريدس علم الدَّوَاء لَهُ ... مُسلم عِنْد اهل الطِّبّ فِي الامم) (فالطب عَن ذين مَعَ بقراط منتشر ... من بعدهمْ كانتشار النُّور فِي الظُّلم) (بطبهم تقتدي الافكار مشرقة ... ترى ضِيَاء الشفا فِي ظلمَة السقم) (لَا تبتغي فِي شِفَاء الدَّاء غَيرهم ... فان وجدانه فِي الطِّبّ كَالْعدمِ) (لانهم كملوا مَا اصلوه فَمَا ... يحْتَاج فيهم الى اتمام غَيرهم) (الا الدَّوَاء فَمَا تحصى مَنَافِعه ... وعده كَثْرَة فِي الْعَرَب والعجم) (عد النُّجُوم نَبَات الارض اجمعها ... من ذَا يعد جَمِيع الرمل والأكم) (فِي كل يَوْم ترى فِي الارض معْجزَة ... من التجارب والآيات وَالْحكم)

стр. 616

وَلابْن البذوخ من الْكتب شرح كتاب الْفُصُول لابقراط ارجوزة شرح كتاب تقدمة الْمعرفَة لابقراط ارجوزة كتاب ذخيرة الالباء الْمُفْرد فِي التَّأْلِيف عَن الْأَشْبَاه حواش على كتاب القانون لِابْنِ سينا حَكِيم الزَّمَان عبد الْمُنعم الجلياني هُوَ حَكِيم الزَّمَان أَبُو الْفضل عبد الْمُنعم بن عمر بن عبد الله بن حسان الغساني الاندلسي الجلياني كَانَ عَلامَة زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ والكحل وأعمالهما بارعا فِي الادب وصناعة الشّعْر وَعمل المديحات أَتَى من الاندلس الى الشَّام وَأقَام بِدِمَشْق الى حِين وَفَاته وَعمر عمرا طَويلا وَكَانَت لَهُ دكان فِي اللبادين لصناعة الطِّبّ وَكَانَ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب يرى لَهُ ويحترمه وَله فِي صَلَاح الدّين مدائح كَثِيرَة وصنف لَهُ كتبا وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الاحسان الْكثير والانعام الوافر وَكَانَ حَكِيم الزَّمَان عبد الْمُنعم يعاني ايضا صناعَة الكيمياء وَتُوفِّي بِدِمَشْق فِي سنة وسِتمِائَة وَخلف وَلَده عبد الْمُؤمن بن عبد الْمُنعم وَكَانَ كحالا ويشعر ايضا وَيعْمل مديحات وخدم بصناعة الْكحل الْملك الْأَشْرَف أَبَا الْفَتْح مُوسَى بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَتُوفِّي بِمَدِينَة الرها فِي سنة وَعشْرين وسِتمِائَة وَمن شعر حَكِيم الزَّمَان عبد الْمُنعم الجلياني مِمَّا نقلته من خطه وَهُوَ ايضا مِمَّا سمعته من أبي قَالَ انشدني الْحَكِيم عبد الْمُؤمن الْمَذْكُور فَمن ذَلِك قَالَ يمدح الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ابا المظفر يُوسُف بن ايوب ووجهها اليه من مَدِينَة دمشق الى مخيمه الْمَنْصُور بِظَاهِر عكا وَهُوَ محاصر للفرنج المحاصرين لمدينة عكا فعرضت عَلَيْهِ فِي شهر صفر سنة سبع وَثَمَانِينَ وخمسائة وَهَذِه القفصيدة تسمى التُّحْفَة الجوهرية (رفاهية الشهم اقتحام العظائم ... طلابا لعز اَوْ غلابا لضائم) (فَلم يحظ بالعلياء من هاب صدمة ... فغض عنانا دون قرع الصوارم) (فَأَي اتضاح كَانَ لَا بعد مُشكل ... وَأي انفساح بَان لَا عَن مآزم) (هِيَ الهمة الشماء تلحظ غَايَة ... فترمي اليها عَن قسي العزائم) (فَمَا انساح سرب لم يصل سَبَب الْعلَا ... وَلَا ارْتَاحَ ندب لم يصل بصوارم) (فَلَيْسَ بحي سالك فِي خسائس ... وَلَيْسَ بميت هَالك فِي مَكَارِم) (وَمَا النَّاس إِلَّا راحلون وَبينهمْ ... رجال ثوت آثَارهم كالمعالم) (بعزة بَأْس واطلاع بَصِيرَة ... وهزة نفس واتساع مراحم) (حظوظ كَمَال اظهرت من عجائب ... بِمِرْآة شخص مَا اختفى فِي العوالم) (وَمَا يَسْتَطِيع الْمَرْء يخْتَص نَفسه ... الا انما التَّخْصِيص فَقَسمهُ رَاحِم)

стр. 617

(وَأعظم أهل الْفضل من سَاد بالقوى ... فقاد بسبق الطَّبْع أقوى الأعاظم) (ترى ضمت الأفلاك ملكا كيوسف ... من الْجَبَل اللَّاتِي خلت فِي الأقادم) (فَمَا مثل ملك ساسه فِي أحادث ... وَلَا مثل حَرْب هاجها فِي ملاحم) (أباني دَار الْعدْل فِي مارق الوغى ... بمسرب آن من دِمَاء الغواشم) (فديتك من معل لدينك مبتن ... وأفديك من مبل لضدك هَادِم) (فَأَنت الَّذِي أيقظت حزب مُحَمَّد ... جهادا وهم فِي غَفلَة المتناوم) (فحاربت للأيمان لَا لضغائن ... ورابطت للرضوان لَا لمغانم) (أجدك لن يَنْفَكّ يضْرب هَكَذَا ... قبابك حَيْثُ أشتك سدم الهاذم) (وَفِي حجرات النَّقْع سيح صوارخ ... كأمواج لج للهضاب ملاطم) (ومقلعة أمراسها وشراعها ... عنان وخفاق بصعدة داهم) (فيكف رست فِيهَا خيامك إِذْ جرت ... سفين كَمَاء فِي بحار شياظم) (فَلم يبْق إِلَّا ملتق بأسنة ... وَلَا يلق إِلَّا متق بحيازم) (فَلَا طُنب إِلَّا توثب مقدم ... وَلَا وتد إِلَّا تجلد عَارِم) (فدارك والأبطال ثارت حيالها ... مقرّ سرُور فِي مفر مآثم) (لِأَنَّك فِيهَا إِذْ هفوا جَالس على ... سَرِير ثبات مطمئن القوائم) (وَإنَّك فيهم إِذْ سطوا خالس طلي ... كَبِير نياب مرجحنا الشكائم) (فَأَنت المليك النَّاصِر الْحق ممعنا ... يرى دهم شوق الْحَرْب مهد النواعم) (أتعشقك الهيجاء أم أَنْت عاشق ... لَهَا فِي وصال من حبيبين دَائِم) (شتاء وصيفا لَا نزال نرَاك فِي ... مسَاء وصبح كآذان الملازم) (فهجرت حَتَّى قيل لَيْسَ بقائل ... وَبَيت حَتَّى قيل لَيْسَ بنائم) (وأرجفت روما إِذْ خرقت فرنجة ... فَكَانُوا غثاء فِي سيول الهزائم) (كددتهم أَعلَى التلال كَأَنَّهُمْ ... ضباب كدا فزت لأضباب حاطم) (وفيت لَهُم حَتَّى أحبوك ساطيا ... فهم ووفاء الْعَهْد قيد المخاصم) (فخانوا فحابوا فانتدوا فتلاوموا ... فَقَالُوا خذلنا بارتكاب الجرائم) (وَخص صَلَاح الدّين بالنصر إِذْ أَتَى ... بقلب سليم راحما للمسالم) (فحطوا بأرجاء الهياكل صُورَة ... لَك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم) (يدين لَهَا قس ويرقى بوصفها ... ويكتبه يشفى بِهِ فِي التمائم) (يعجل للمرء الْجَزَاء بِفِعْلِهِ ... فطوبى لصبار وبؤس لآثم)

стр. 618

(وَقد يفْسد الْحر الْكَرِيم جليسه ... وتضعف بالإيهام قُوَّة حَازِم) (إِذا لج لوم من سَفِيه لراشد ... توهم رشدا فِي سفاهة لائم) (عجبت من الْإِنْسَان يعجب وَهُوَ فِي ... نقائص أَحْوَال قسيم السوائل) (يرى جَوْهَر النَّفس الطليق فيزدهي ... وَيذْهل عَن أَعْرَاض جسم لَوَازِم) (دُيُون اضطرار تَقْتَضِي كل سَاعَة ... فتنقرض الْأَعْمَار بَين المغارم) (وكل فمغمرور بحب حَيَاته ... ويغريه بالأدنى خَفَاء الْخَوَاتِم) (وجماع مَال لَا انْتِفَاع لَهُ بِهِ ... كَمَا مص مَشْرُوطًا زجاج المحاجم) (يفِيض وَمَا أوعاه يرعاه مهدفا ... لرشفة صَاد أَو لرشفة صادم) (وَمن عرف الدُّنْيَا تَيَقّن أَنَّهَا ... مَطِيَّة يقظان وطيفة حالم) (فَللَّه ساع فِي مناهج طَاعَة ... لِإِيلَافِ عدل أَو لإتلاف ظَالِم) (أفاتح بَيت الْقُدس سَيْفك مفتح ... لقفل الْهدى مغلاق بَاب المآثم) (فحكمت فِي الضدين غير معَارض ... فاحكمت فِي نفر الوغى المتخاصم) (فأطلقت تركا فِي ظُهُور سوابح ... وأغربت شركا فِي بطُون القشاعم) (غَدَاة قدحت الْبيض فِي آل أصفر ... فَلم يبْق زند مِنْهُم فِي معاصم) (وَإِذ درجوا كالرمل أعجز عدَّة ... إِلَى تل عكا كالدبى المتراكم) (وكالنحل ملتفا كوارثه هوى ... من التل تخشى مِنْهُم كالمرادم) (كَأَن لَهُم فِي تل عكا مصادة ... يحاش لَهَا أسراب وَحش سوائم) (فسرب كسير موبق فِي حفائر ... وسرب حسير مرهق فِي مقاحم) (فكم ملك مِنْهُم أَتَاهَا بِكَثْرَة ... فَزَادَهُم نقصا زِيَادَة عادم) (يشقون من أسبان أثباج زاخر ... وَمن رومة الْكُبْرَى فجاج مخارم) (فهالوا بنجدي جاريات ووخد ... وذابوا بحدي مخدم لَك هاضم) (غسلت الطّراز الْأَخْضَر الرقم مِنْهُم ... بِصَوْت نجيع أَحْمَر الْقطر ساجم) (وَلَو أنبت المرج النُّفُوس لأينعت ... بِمَا ساح فِيهِ عَن حَشا وغلاصم) (قليب كلى يسقى بإشطان ذابل ... وَعين طلى تجْرِي بميزاب صارم) (وأضلع فرسَان نعال سوابك ... وأرؤس أَعْيَان غواشي البراجم) (كَذَا فليرصع جَوْهَر القَوْل متحف ... بِهِ لمليك مثل يُوسُف عَالم) (فَتى ذهنه يَرْمِي بشهب خواطر ... تشق دجون المغمضات العواتم) (يهاب رَقِيق الشّعْر رقة طبعه ... كَمَا هاب مِنْهُ الْيَأْس غلب الضراغم)

стр. 619

(وينتحل الوصاف رونق نَعته ... كَمَا انتحلت جدواه وَطف الغمائم) (وَمَا زلت أجلو من حلاه عرائسا ... يظل بهَا أهل النهى فِي ولائم) (بمنتظم التَّفْضِيل طلق كَأَنَّهُ ... مفلج ثغر مستنير المباسم) (معَان كبهر السحر فِي قعد نَاظر ... وَلَفظ كشذر التبر فِي عقد ناظم) (سما عَن حضيض الشّعْر فِي أوج حِكْمَة ... وَجل بصاحي الْفِكر عَن نهج هائم) (ستنسى بذكراه أقاويل من مضى ... وينبت نورا شَائِعا فِي الأقالم) (كَمَا شاع هَذَا الْأَمر فِي الْخلق مزريا ... بتبع إِعْرَاب وكسرى أعاجم) (ففرضا أرى مدحي لَهُ متجنبا ... مديح سواهُ كاجتناب الْمَحَارِم) (وَلَيْسَ اجتداء بل تَحِيَّة شَاكر ... وتأييد آثَار وتأييد عازم) (فيا خير قوام على خير مِلَّة ... يكافح عَنْهَا كل ألب مقاوم) (تمسك بِحَبل الله معتصما بِهِ ... فَلَيْسَ سواهُ نَاصِر نصر عَاصِم) (تمسك بِمن أَعْطَاك مَا قد رجوته ... ويعطيك مَا ترجو لحسنى الْخَوَاتِم) (بعثت بهَا والشوق يقدم ركبهَا ... إِلَى مجْلِس فِيهِ منى كل قادم) (بعيد المدى عدن الجدا نَار من عدا ... مُفِيد الْهدى مَرْوِيّ صدى كل حائم) (سَلام على ذَاك الْمقَام الَّذِي بِهِ ... أقيم عَمُود المكرمات العظائم) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أتاح لَهُ نَجوَاهُ بعض شقائه ... فباح بِمَا أخفاه من برحائه) (مَتى لمحت عين العليل طبيبه ... فَلَا بُد أَن يومي إِلَيْهِ بدائه) (وَكم فِي الْهوى من مكتس برد وجده ... وملتحف من دائه بردائه) (سباه حبيب غَابَ فِي فيض حسنه ... فأعشى عيُونا أولعت ببهائه) (وَلَيْسَ لَهُ ثَان يلاذ بِهِ فَمن ... حواه هَوَاهُ لم يزل فِي حوائه) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (على سوق شوقي تستقل الركائب ... وَعَن صون دمعي تستهل السحائب) (فَمَا الْبَرْق إِلَّا من حنيني نابض ... وَلَا الرَّعْد إِلَّا من أنيني نادب) (نأيتم فَلَا صَبر من الْقلب حَاضر ... لدي وَلَا قلب عَن الذّكر غَائِب) (فَفِي كل وَقت لي إِلَيْكُم تطلع ... وَفِي كل حَال لي عَلَيْكُم معاتب) (وَيَا لَيْت شعري بَعدنَا من صحبتم ... فَمَا بعدكم غير الْهوى لي صَاحب) الطَّوِيل

стр. 620

وَقَالَ أَيْضا (بذلت وقتا للطب كَيْلا ... ألْقى بني الْملك بالسؤال) (فَكَانَ وَجه الصَّوَاب لي أَن ... أصون نَفسِي بالابتذال) (لَا بُد للجسم من قوام ... فَخذه من جَانب اعْتِدَال) (واقرب من الْعِزّ فِي اتضاع ... واهرب من الذل فِي الْمَعَالِي) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (يَا مُنكر الْمسْح إِذْ رَآهُ ... أحسن مِمَّا قد اقتناه) (اصبر لَهُ أَرْبَعِينَ يُمْسِي ... أنعم للجسم من سواهُ) (لَا يَسْتَقِيم المريد حَتَّى ... يقوى قواه على هَوَاهُ) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (أقبل ذُو دولة فَقَالُوا ... لمثل ذَا فَاتخذ ملاذا) (فَقلت للحاضرين حَولي ... أجائز أَن يَمُوت هَذَا) (قَالُوا نعم قلت فَهُوَ طل ... يعطش من ظَنّه رذاذا) (قد ذل من لَاذَ بالفواني ... وَعز من بالقديم لاذا) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (من لم يسل عَنْك فَلَا تسألن ... عَنهُ وَلَو كَانَ عَزِيز النَّفر) (وَكن فَتى لم تَدعه حَاجَة ... إِلَى امتهان النَّفس إِلَّا نفر) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (لَا تصدق عَلَيْك عقد صدَاق ... واغن بالمطل فِيهِ عَن ترويج) (وَمَتى مَا ذكرت يَوْم الْخطب ... فلتكن خطْبَة بِلَا تَزْوِيج) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (قَالُوا نرى نَفرا عِنْد الْمُلُوك سموا ... وَمَا لَهُم همة تسمو وَلَا ورع) (وَأَنت ذُو همة فِي الْفضل عالية ... فَلم ظمئت وهم فِي الجاه قد كرعوا) (فَقلت باعوا نفوسا واشتروا ثمنا ... وصنت نَفسِي فَلم اخضع كَمَا خضعوا) (قد يكرم القرد إعجابا بخسته ... وَقد يهان لفرط النخوة السَّبع) الْبَسِيط

стр. 621

ولحكيم الزَّمَان عبد الْمُنعم الجلياني عدَّة من الْكتب فَمَا قَالَه من منظوم الْكَلَام ومطلقه عشرَة دواوين الأول ديوَان الحكم وميدان الْكَلم يشْتَمل على الْإِشَارَة إِلَى كل غامض الْمدْرك من الْعلم وَإِلَى كل صَادِق المنسك من الْعَمَل وَإِلَى كل وَاضح المسلك من الْفَضِيلَة وَهُوَ نظم وَالثَّانِي ديوَان المشوقات إِلَى الْمَلأ الْأَعْلَى وَهُوَ نظم وَالثَّالِث ديوَان أدب السلوك وَهُوَ كَلَام مُطلق يشْتَمل على مشارع كَلِمَات الْحِكْمَة المبصرات وَالرَّابِع كتاب نَوَادِر الْوَحْي وَهُوَ يشْتَمل على كَلَام حِكْمَة مُطلق فِي غَرِيب معَان من الْقُرْآن الْعَظِيم وَمن حَدِيث الرَّسُول ﷺ وَالْخَامِس كتاب تَحْرِير النّظر وَهُوَ يشْتَمل على كَلِمَات حِكْمَة الْمُفْردَات فِي البسائط والمركبات والقوى والحركات وَالسَّادِس كتاب سر البلاغة وصنائع البديع فِي فصل الْخطاب وَالسَّابِع ديوَان الْمُبَشِّرَات والقدسيات وَهُوَ نظم وتدبيج وَكَلَام مُطلق يشْتَمل على وصف الحروب والفتوح الْجَارِيَة على يَد صَلَاح الدّين أبي المظفر يُوسُف بن أَيُّوب فاتح مَدِينَة الْبَيْت الْمُقَدّس فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَالثَّامِن ديوَان الْغَزل والتشبيب والموشحات والدوبيتي وَمَا يتَّصل بِهِ منظوما وَالتَّاسِع ديوَان تشبيهات وألغاز ورموز وأحاجي وأوصاف وزجريات وأغراض شَتَّى منظوما والعاشر ديوَان ترسل ومخاطبات فِي معَان كَثِيرَة وأصناف من الْخطب والصدور والأدعية وَله أَيْضا من الْكتب كتاب منادح الممادح وروضة المآثر والمفاخر من خَصَائِص الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب أَلفه فِي سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة تعاليق فِي وصفات أدوية مركبة أَبُو الْفضل بن أبي الْوَقار هُوَ الشَّيْخ الْأَجَل الْعَالم أَبُو الْفضل إِسْمَاعِيل بن أبي الْوَقار أَصله من المعرة وَأقَام بِدِمَشْق وسافر إِلَى بَغْدَاد وَقَرَأَ على أفاضل الْأَطِبَّاء من أَهلهَا وَاجْتمعَ بِجَمَاعَة من الْعلمَاء بهَا وَأخذ عَنْهُم ثمَّ عَاد إِلَى دمشق وَكَانَ متميزا فِي صناعَة الطِّبّ علمهَا وعملها كثير الْخَيْر مَحْمُود الطَّرِيقَة حسن السِّيرَة وافر الذكاء وَكَانَ فِي خدمَة السُّلْطَان الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ويعتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي السّفر والحضر وَله الْحَظ الوافر والإنعام الْكثير وَتُوفِّي الْملك الْعَادِل نور الدّين وَهُوَ فِي حلب فِي الْعشْر الأول من شهر ربيع الأول سنة أَربع وَخمسين وَخَمْسمِائة مهذب الدّين بن النقاش هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي عبد الله عِيسَى بن هبة الله النقاش مولده ومنشؤه بِبَغْدَاد عَالم بِعلم الْعَرَبيَّة وَالْأَدب وَكَانَ يتَكَلَّم الْفَارِسِي واشتغل بصناعة الطِّبّ على الْأَجَل أَمِين الدولة هبة الله بن صاعد بن التلميذ ولازمه مُدَّة واشتغل بِعلم الحَدِيث سمع بِبَغْدَاد من أبي الْقَاسِم عمر بن الْحصين وَحدث عَنهُ سمع مِنْهُ القَاضِي عمربن الْقرشِي وروى عَنهُ حَدِيثا فِي مُعْجَمه وَكَانَ أَبُو عبد الله عِيسَى بن هبة الله بن النقاش بزازا أديبا قَالَ عماد الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن حَامِد الْأَصْبَهَانِيّ الْكَاتِب فِي كتاب الخريذة أَنْشدني مهذب الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن النقاش لوالده (إِذا وجد الشَّيْخ فِي نَفسه ... نشاطا فَذَلِك موت خَفِي)

стр. 622

(أَلَسْت ترى أَن ضوء السراج ... لَهُ لَهب قبل أَن ينطفي) المتقارب قَالَ وَأَنا لقِيت أَبَا عبد الله بن النقاش بِبَغْدَاد وَتُوفِّي ﵀ فِي الْعشْرين من جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وَخمْس مائَة بهَا بعد مسيري إِلَى أَصْبَهَان قَالَ وقرأت بِخَط السَّمْعَانِيّ أَنْشدني أَبُو عبد الله النقاش لنَفسِهِ (رزقت يسارا فوافيت من ... قدرت بِهِ حِين لم يرْزق) (وأملقت من بعده فاعتذرت ... إِلَيْهِ اعتذار أَخ مملق) (وَإِن كَانَ يشْكر فِيمَا مضى ... بذا فسيعذر فِيمَا بَقِي) المتقارب قَالَ قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ أَيْضا من قِطْعَة (وَكَذَا الرئيس فَإِنَّهُ عِنْدِي ... كمجرى الرّوح يجْرِي) (أنْكرت فِي دلف عَلَيْهِ ... تهتكا من بعد ستر) (كَيفَ السلو وَقد تملك ... مهجتي من غير أَمْرِي) (قمر ترَاهُ إِذا اسْتمرّ ... كَمثل أَرْبَعَة وَعشر) (يرفو بنجلاوين يسقم ... من سقامهما ويبري) (وَإِذا تَبَسم فِي دجا ... ليل شهِدت لَهُ بفجر) (وبورد وجنته وَحسن ... عذاره قد قَامَ عُذْري) الْكَامِل أَقُول وَلما وصل مهذب الدّين بن النقاش إِلَى دمشق بَقِي بهَا يطب وَكَانَ أوحد زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وَله مجْلِس عَام للمشتغلين عَلَيْهِ ثمَّ توجه إِلَى الديار المصرية وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق وَلم يزل مُقيما إِلَى حِين وَفَاته وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود ابْن زنكي وَكَانَ يعاني أَيْضا كِتَابَة الْإِنْشَاء وَكتب كثيرا لنُور الدّين المراسلات والكتب إِلَى سَائِر النواحي وَكَانَ مكينا عِنْده وخدم أَيْضا فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بِدِمَشْق وَبَقِي بِهِ سِنِين وَكتب الْأَمِير مؤيد الدولة أَبُو المظفر أُسَامَة بن منقذ إِلَى مهذب الدّين ابْن النقاش يستهدي دهن بِلِسَان (ركبتي تخْدم الْمُهَذّب فِي الْعلم ... وَفِي كل حِكْمَة وَبَيَان) (وَهِي تَشْكُو إِلَيْهِ تَأْثِير طول الْعُمر ... فِي ضعفها وَطول الزَّمَان) فلهَا فاقة إِلَى مَا يقويها ... على مشيها من البلسان)

стр. 623

(كل هَذَا علالة مَا لمن جَازَ ... الثَّمَانِينَ بالنهوض يدان) (رَغْبَة فِي الْحَيَاة من بعد طول الْعُمر ... وَالْمَوْت غَايَة الْإِنْسَان) الْخَفِيف فَبعث إِلَيْهِ مَا أَرَادَ من ذَلِك وَلم يزل فِي خدمَة نور الدّين إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاة نور الدّين فِي شَوَّال سنة تسع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق وخدم مهذب الدّين بن النقاش أَيْضا بصناعة الطِّبّ بعد ذَلِك للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب لما ملك دمشق وحظي عِنْده وَكَانَ مهذب الدّين بن النقاش كثير الْإِحْسَان محبا للجميل يُؤثر التخصص وَلم يتَّخذ امْرَأَة وَلَا خلف ولدا وَكَانَت وَفَاته ﵀ بِدِمَشْق فِي يَوْم السبت ثَانِي عشر محرم سنة أَربع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَدفن بهَا فِي جبل قاسيون أَبُو زَكَرِيَّا يحيى البياسي هُوَ أَمِين الدّين أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْمَاعِيل الأندلسي البياسي من الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الْمَذْكُورين قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية وتميز فِي الْعُلُوم الرياضية وصل من الْمغرب إِلَى ديار مصر وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة ثمَّ توجه إِلَى دمشق وقطن بهَا وَقَرَأَ على مهذب الدّين أبي الْحسن عَليّ بن عِيسَى ابْن هبة الله الْمَعْرُوف بِابْن النقاش الْبَغْدَادِيّ ولازمه وَكتب السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ وَقرأَهَا عَلَيْهِ وَكتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة جدا فِي الطِّبّ وَغَيره وَكَانَ يعرف النجارة وَعمل لِابْنِ النقاش آلَات كَثِيرَة تتَعَلَّق بالهندسة وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى البياسي جيد اللّعب بِالْعودِ وَعلم الأرغن أَيْضا وحاول اللّعب بِهِ وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ علم الموسيقى وخدم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب بصناعة الطِّبّ وَبَقِي مَعَه مُدَّة فِي البيكار ثمَّ استعفى من ذَلِك وَطلب الْمقَام بِدِمَشْق فَأطلق لَهُ الْملك النَّاصِر جامكية وَبَقِي مُقيما فِي دمشق وَهُوَ يَتَنَاوَلهَا إِلَى أَن توفّي ﵀ سكرة الْحلَبِي كَانَ شَيخا قَصِيرا من يهود مَدِينَة حلب وَكَانَت لَهُ دربة بالعلاج وَتصرف فِي المداواة حَدثنِي الشَّيْخ صفي الدّين خَلِيل بن أبي الْفضل بن مَنْصُور التنوخي الْكَاتِب اللاذقي قَالَ كَانَ الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي بحلب وَكَانَت لَهُ فِي القلعة بهَا حظية يمِيل إِلَيْهَا كثيرا ومرضت مَرضا صعبا وَتوجه الْملك الْعَادِل إِلَى دمشق وَبَقِي قلبه عِنْدهَا وكل وَقت يسْأَل عَنْهَا فتطاول مَرضهَا وَكَانَ يعالجها جمَاعَة من أفاضل الْأَطِبَّاء وأحضر إِلَيْهَا الْحَكِيم سكرة فَوَجَدَهَا قَليلَة الْأكل متغيرة المزاج لم تزل جنبها إِلَى الأَرْض فتردد إِلَيْهَا مَعَ الْجَمَاعَة ثمَّ اسْتَأْذن الْخَادِم فِي الْحُضُور إِلَيْهَا وَحده فَأَذنت لَهُ فَقَالَ لَهَا يَا ستي أَنا أعالجك بعلاج تبرئي بِهِ فِي أسْرع وَقت إنْشَاء الله تَعَالَى وَمَا تحتاجي

стр. 624

مَعَه إِلَى شَيْء آخر فَقَالَت افْعَل فَقَالَ اشتهي أَن مهما أَسأَلك عَنهُ تخبريني بِهِ وَلَا تخفني فَقَالَت نعم وَأخذ مِنْهَا أَمَانًا فَقَالَت تعرفيني مَا جنسك فَقَالَت عَلَانيَة فَقَالَ العلان فِي بِلَادهمْ نَصَارَى فعرفين أيش كَانَ أَكثر أكلك فِي بلدك فَقَالَت لحم الْبَقر فَقَالَ يَا ستي وَمَا كنت تشربي من النَّبِيذ الَّذِي عِنْدهم فَقَالَت كَذَا كَانَ فَقَالَ ابشري بالعافية وَرَاح إِلَى بَيته وَاشْترى عجلا وذبحه وطبخ مِنْهُ وجاب مَعَه فِي زبدية مِنْهُ قطع لحم مسلوق وَقد جعلهَا فِي لبن وثوم وفوقها رغيف خبز فَأحْضرهُ بَين يَديهَا وَقَالَ كلي فمالت نَفسهَا إِلَيْهِ وَصَارَت تجْعَل اللَّحْم فِي اللَّبن والثوم وتأكل حَتَّى شبعت ثمَّ بعد ذَلِك أخرج من كمة برنية صَغِيرَة وَقَالَ يَا ستي هَذَا شراب ينفعك فتناوليه فَشَربته وَطلبت النّوم وغطيت بفرجية فرو سنجاب فعرقت عرقا كثيرا وأصبحت فِي عَافِيَة وَصَارَ يُجيب لَهَا من ذَلِك الْغذَاء وَالشرَاب يَوْمَيْنِ آخَرين فتكاملت عَافِيَتهَا فأنعمت عَلَيْهِ وأعطته صنية مَمْلُوءَة حليا فَقَالَ أُرِيد مَعَ هَذَا أَن تكتبي لي كتابا إِلَى السُّلْطَان وتعرفيه مَا كنت فِيهِ من الْمَرَض وَأَنَّك تعافيت على يَدي فوعدته بذلك وكتبت إِلَى السُّلْطَان تشكر مِنْهُ وَتقول لَهُ فِيهِ أَنَّهَا كَانَت قد أشرفت على الْمَوْت وَأَن فلَان عالجني وَمَا وجدت الْعَافِيَة إِلَّا على يَدَيْهِ وَجَمِيع الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا عِنْدِي مَا عرفُوا مرضِي وَطلبت مِنْهُ أَن يحسن إِلَيْهِ فَلَمَّا قَرَأَ الْكتاب استدعاه واحترمه وَقَالَ لَهُ هم شاكرون من مداواتك فَقَالَ يَا مَوْلَانَا كَانَت من الهالكين وَإِنَّمَا الله جعل عَافِيَتهَا على يَدي لبَقيَّة أجل كَانَ لَهَا فَاسْتحْسن قَوْله وَقَالَ أيش تُرِيدُ أُعْطِيك فَقَالَ يَا مَوْلَانَا تطلق لي عشرَة فدادين خَمْسَة فِي قَرْيَة صمع وَخَمْسَة فِي قَرْيَة عندان فَقَالَ نطلقها لَك بيعا وَشِرَاء حَتَّى تبقى مُؤَبّدَة لَك وَكتب لَهُ بذلك وخلع عَلَيْهِ وَعَاد إِلَى حلب وَكَثُرت أَمْوَاله بهَا وَلم يزل فِي نعْمَة طائلة بهَا وَأَوْلَاده بعده عفيف بن سكرة هُوَ عفيف بن عبد القاهر سكرة يَهُودِيّ من أهل حلب عَارِف بصناعة الطِّبّ مَشْهُور بأعمالها وجودة النّظر فِيهَا لَهُ أَوْلَاد وَأهل أَكْثَرهم مشتغلون بصناعة الطِّبّ ومقامهم بِمَدِينَة حلب ولعفيف بن سكرة من الْكتب مقَالَة فِي القولنج ألفها للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة ابْن الصّلاح هُوَ الشَّيْخ الْعَالم نجم الدّين أَبُو الْفتُوح أَحْمد بن مُحَمَّد بن السّري وَكَانَ يعرف بِابْن الصّلاح فَاضل فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة جيد الْمعرفَة بهَا مطلع على دقائقها وأسرارها فصيح اللِّسَان قوي الْعبارَة مليح التصنيف

стр. 625

متميز فِي علم صناعَة الطِّبّ وَكَانَ أعجميا أَصله من هَمدَان وقطن بِبَغْدَاد واستدعاه حسام الدّين تمرتاش بن الْغَازِي بن أرتق إِلَيْهِ وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَبَقِي فِي صحبته مُدَّة ثمَّ توجه ابْن الصّلاح إِلَى دمشق وَلم يزل بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته ﵀ بِدِمَشْق لَيْلَة الْأَحَد سنة نَيف وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة وَدفن فِي مَقَابِر الصُّوفِيَّة عِنْد نهر بانياس بِظَاهِر دمشق ونقلت من خطّ الشَّيْخ الْحَكِيم أَمِين الدّين أبي زَكَرِيَّا يحيى بن إِسْمَاعِيل البياسي ﵀ قَالَ كَانَ قد ورد إِلَى دمشق الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الفيلسوف أَبُو الْفتُوح بن الصّلاح من بَغْدَاد وَنزل عِنْد الشَّيْخ الْحَكِيم أبي الْفضل إِسْمَاعِيل ابْن أَبُو الْوَقار الطَّبِيب وَأَرَادَ ابْن الصّلاح أَن يسْتَعْمل لَهُ تمشكا بغداديا وَسَأَلَ عَن صانع مجيد لعمل ذَلِك فَدلَّ على رجل يُقَال لَهُ سَعْدَان الإسكاف فَاسْتعْمل التمشك عِنْده وَلما فرغ مِنْهُ بعد مُدَّة وجده ضيق الصَّدْر زَائِد الطول رَدِيء الصَّنْعَة فَبَقيَ فِي أَكثر أوقاته يعِيبهُ ويستقبح صَنعته وَيَلُوم الَّذِي اسْتَعْملهُ وَبلغ ذَلِك الشَّيْخ أَبَا الحكم المغربي الطَّبِيب فَقَالَ على لِسَان الفيلسوف هَذِه القصيدة على سَبِيل المجون وَذكر فِيهَا أَشْيَاء كَثِيرَة من اصْطِلَاحَات الْمنطق والألفاظ الْحكمِيَّة والهندسية وَهِي (مصابي مصاب تاه فِي وَصفه عَقْلِي ... وأمري عَجِيب شَرحه يَا أَبَا الْفضل) (أبثك مَا بِي من أسى وصبابة ... وَمَا قد لقِيت فِي دمشق من الذل) (قدمت إِلَيْهَا جَاهِلا بأمورها ... على إِنَّنِي حوشيت فِي الْعلم من جهل) (وَقد كَانَ فِي رجْلي تمشك فخانني ... عَلَيْهِ زمَان لَيْسَ يحمد فِي فعل) (فَقلت عَسى أَن يخلف الدَّهْر مثله ... وهيهات أَن أَلْقَاهُ فِي الْحزن والسهل) (ولاحقني نذل دهيت بِقُرْبِهِ ... فَللَّه مَا قاسيت من ذَلِك النذل) (فَقلت لَهُ يَا سعد جد لي بحاجة ... تخور بهَا شكر امْرِئ عَالم مثلي) (بحقي عَسى تستنخب الْيَوْم قِطْعَة ... من الْأدم المدبوغ بالعفص والخل) (فَقَالَ على رَأْسِي وحقك وَاجِب ... على كل إِنْسَان يرى مَذْهَب الْعقل) (فناولته فِي الْحَال عشْرين درهما ... وسوفني شَهْرَيْن بِالدفع والمطل) (فَلَمَّا قضى الرَّحْمَن لي بنجازه ... وَقلت ترى سعد أَن انجز لي شغلي) (أَتَى بتمشك ضيق الصَّدْر أحنف ... بكعب غَدا حتفا على الكعب وَالرجل) (وبشتيكه بشتيك سوء مقارب ... أضيف إِلَى نعل شَيْبه بِهِ فسل) (بشكل على الأذهان يعسر حلّه ... ويعيي ذَوي الْأَلْبَاب وَالْعقد والحل) (وَكَعب إِلَى القطب الشمالي ماثل ... وَوجه إِلَى القطب الجنوبي مستعلي) (وَمَا كَانَ فِي هندامه لي صِحَة ... وَلَكِن فَسَاد شاع فِي الْفَرْع وَالْأَصْل) (موازاة خطى جانبيه تخالفا ... فجزء إِلَى علو وجزء إِلَى سفل)

стр. 626

(وَكم فِيهِ من عيب وخرز مفتق ... يعاف وَمن قطع من الزيج والنعل) (بوصل ضَرُورِيّ وَقد كَانَ مُمكنا ... لعمرك أَن يَأْتِي التمشك بِلَا وصل) (وَفِيه اختلال من قِيَاس مركب ... فَلَا ينْتج الشرطي مِنْهُ وَلَا الحملي) (فَلَا شكله القطاع مِمَّا يَلِيق أَن ... أصون بِهِ رجْلي فَلَا كَانَ من شكل) (وَلَا جنس أيساغوجه بَين وَلَا ... يحد لَهُ نوع إِذا جِيءَ بِالْفَصْلِ) (فَسَاد طرافى شكله عِنْد كَونه ... فَقل أَي شَيْء عَن مقابحه يسلي) (وَقد كَانَ فِيهِ قُوَّة لمرادنا ... فأعوزنا مِنْهُ الْخُرُوج إِلَى الْفِعْل) (فَلَو كَانَ معدول الْكَمَال احتملته ... وَلَكِن سليب الْحس فِي الْجُزْء وَالْكل) (فيا لَك فِي إِيجَاب مَا الصدْق سلبه ... وَعدل قضايا جَاءَ من غير ذِي عدل) (وَمَا عازني فِيهِ اختلال مقوله ... فجوهره والكم والكيف فِي خبل) (وَأي القضايا لم يبن فِيهِ كذبهَا ... وَأي قِيَاس لَيْسَ فِيهِ بمعتل) (لقد أعوز الْبُرْهَان مِنْهُ شَرَائِط ... فإيجابه ثمَّ الضَّرُورِيّ والكلي) (إِذا حط فِي شمس فمخروط باشه ... لملتفت يُبْدِي انحرافا إِلَى الظل) (وطبطب فِي رجْلي والصيف مَا انْقَضى ... فَكيف بِهِ أَن صرت فِي الطين والوحل) (فأذهلني حَتَّى بقيت مغيبا ... وَلم يبْق لي سَعْدَان يَا صَاح من عقل) (وَفِي كل ذَا قد بَان نقف دماغه ... فأهون بشخص نَاقص الْعقل مختل) (وأخرب بَيت مِنْهُ فِي الْخلق مَا ترى ... سَرِيعا وَأولى بالهوان وبالأزل) (وأوقليدس لَو عَاشَ أعيا انحلاله ... عَلَيْهِ لِأَن الشكل مُمْتَنع الْحل) (فَحِينَئِذٍ أَقْسَمت بِاللَّه خالقي ... وَهود أخي عَاد وشيث وَذي الكفل) (وَسورَة يس وطه وَمَرْيَم ... وصاد وحم ولقمان والنمل) (لَئِن لم أجد فِي المزلقان ملاسة ... تؤاتي كراعي لَا جَعَلْنَاهُ فِي حل) (وَلَا قلت شعرًا فِي دمشق وَلَا أرى ... أعاتب اسكافا بجد وَلَا هزل) (دهيت بِهِ خلا ينغص عيشتي ... فَلَا بَارك الرَّحْمَن لي فِيهِ من خل) (وَكم آلم الإسكاف قلبِي بمطله ... ولاقيت مَا لاقاه مُوسَى من الْعجل) (وَكَانَ أرسطاليس يدهى بمعشر ... يرومون مِنْهُ أَن يُوَافق فِي الْهزْل) (وبقراط قد لَاقَى أمورا كَثِيرَة ... وَلكنه لم يلق فِي أَهله مثلي) (وَقد كَانَ جالينوس أَن عض رجله ... تمشك يداوي الْعقر بالمرهم النخلي)

стр. 627

(وقسطا بن لوقا كَانَ يحفى لأجل ذَا ... وَمَا كَانَ يصغي فِي حفاه إِلَى عذل) (وَكَانَ أَبُو نصر إِذا زار معشرا ... وَضاع لَهُ نعل يروح بِلَا نعل) (وأرباب هَذَا الْعلم مَا فتئوا كَذَا ... يقاسون مَا لَا يَنْبَغِي من ذَوي الْجَهْل) (لذَلِك إِنِّي مذ حللت بجلق ... نَدِمت فأزمعت الرُّجُوع إِلَى أَهلِي) (وَلَو كنت فِي بَغْدَاد قَامَ لنصرتي ... هُنَالك أَقوام كرام ذَوُو نبل) (وَمَا كنت أَخْلو من ولي مساعد ... وَذي رَغْبَة فِي الْعلم اكْتُبْ مَا أملي) (فيا لَيْتَني مستعجلا طرت نَحْوهَا ... وَمن لي بِهَذَا وَهُوَ مُمْتَنع من لي) (فَفِي الشَّام قد لاقيت ألف بلية ... فيا لَيْت أَنِّي مَا حططت بهَا رحلي) (على أنني فِي جلق بَين معشر ... أعاشر مِنْهُم معشرا لَيْسَ من شكلي) (فاقسم مَا نوء الثريا إِذا همى ... وجاد على الْأَرْضين رائمة الْمحل) (وَلَا بَكت الخنساء صخرا شقيقها ... وأدمعها فِي الخد دائمة الهطل) (بأغزر من دمعي إِذا مَا رَأَيْته ... وَقد جَاءَ فِي رجْلي منحرف الشكل) (وأمرضني مَا قد لقِيت لأَجله ... فيا لَيْت أَنِّي قد بقيت بِلَا رجْلي) (فَهَذَا وَمَا عددت بعض خصاله ... فَكيف احتراسي من أذيته قل لي) (وَمن عظم مَا قاسيت من ضيق بأسه ... أَخَاف على جسمي من السقم والسل) (فيا لتمشك مذ تَأَمَّلت شكله ... علمت يَقِينا أَنه مُوجب قَتْلِي) (وينشد من يَأْتِيهِ نعيي بجلق ... بِنَا مِنْك فَوق الرمل مَا بك فِي الرمل) (فَلَا تعجبوا مهما دهاني فإنني ... وجدت بِهِ مَا لم يجد أحد قبلي) الطَّوِيل وَلابْن الصّلاح من الْكتب مقَالَة فِي الشكل الرَّابِع من أشكال الْقيَاس الحملى وَهَذَا الشكل الْمَنْسُوب إِلَى جالينوس كتاب فِي الْفَوْز الْأَصْغَر فِي الْحِكْمَة شهَاب الدّين السهروردي هُوَ الإِمَام الْعَالم الْفَاضِل أَبُو حَفْص عمر بن كَانَ أوحدا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة جَامعا للفنون الفلسفية بارعا فِي الْأُصُول الفلكية مفرط الذكاء جيد الْفطْرَة فصيح الْعبارَة لم يناظر أحدا إِلَّا بزه وَلم يباحث محصلا إِلَّا أربى عَلَيْهِ وَكَانَ علمه أَكثر من عقله حَدثنِي الشَّيْخ سديد الدّين ابْن عمر قَالَ كَانَ شهَاب الدّين السهروردي قد أَتَى إِلَى شَيخنَا فَخر الدّين المارديني وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ

стр. 628

فِي أَوْقَات وَبَينهمَا صداقة وَكَانَ الشَّيْخ فَخر الدّين يَقُول لنا مَا أذكى هَذَا الشَّاب وأفصحه وَلم أجد أحدا مثله فِي زماني إِلَّا أَنِّي أخْشَى عَلَيْهِ لِكَثْرَة تهوره واستهتاره وَقلة تحفظه أَن يكون ذَلِك سَببا لتلافه قَالَ فَلَمَّا فارقنا شهَاب الدّين السهروردي من الشرق وَتوجه إِلَى الشَّام أَتَى إِلَى حلب وناظر بهَا الْفُقَهَاء وَلم يجاره أحد فَكثر تشنيعهم عَلَيْهِ فَاسْتَحْضرهُ السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر غَازِي ابْن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب واستحضر الأكابر من المدرسين وَالْفُقَهَاء والمتكلمين ليسمع مَا يجْرِي بَينهم وَبَينه من المباحث وَالْكَلَام فَتكلم مَعَهم بِكَلَام كثير بَان لَهُ فضل عَظِيم وَعلم باهر وَحسن موقعه عِنْد الْملك الظَّاهِر وقربه وَصَارَ مكينا عِنْده مُخْتَصًّا بِهِ فازداد تشنيع أُولَئِكَ عَلَيْهِ وَعمِلُوا محاضرة بِكُفْرِهِ وسيروها إِلَى دمشق إِلَى الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وَقَالُوا إِن بَقِي هَذَا فَإِنَّهُ يفْسد اعْتِقَاد الْملك الظَّاهِر وَكَذَلِكَ إِن أطلق فَإِنَّهُ يفْسد أَي نَاحيَة كَانَ بهَا من الْبِلَاد وَزَادُوا عَلَيْهِ أَشْيَاء كَثِيرَة من ذَلِك فَبعث صَلَاح الدّين إِلَى وَلَده الْملك الظَّاهِر بحلب كتابا فِي حَقه بِخَط القَاضِي الْفَاضِل وَهُوَ يَقُول فِيهِ إِن هَذَا الشهَاب السهروردي لَا بُد من قَتله وَلَا سَبِيل أَنه يُطلق وَلَا يبْقى بِوَجْه من الْوُجُوه وَلما بلغ شهَاب الدّين السهروردي ذَلِك وأيقن أَنه يقتل وَلَيْسَ جِهَة إِلَى الإفراج عَنهُ اخْتَار أَن يتْرك فِي مَكَان مُفْرد وَيمْنَع من الطَّعَام وَالشرَاب إِلَى أَن يلقى الله تَعَالَى فَفعل بِهِ ذَلِك وَكَانَ فِي أَوَاخِر سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بقلعة حلب وَكَانَ عمره نَحْو سِتّ وَثَلَاثِينَ سنة قَالَ الشَّيْخ سديد الدّين مَحْمُود بن عمر وَلما بلغ شَيخنَا فَخر الدّين المارديني قَتله قَالَ لنا أَلَيْسَ كنت قلت لكم عَنهُ هَذَا من قبل وَكنت أخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ أَقُول ويحكى عَن شهَاب الدّين السهروردي أَنه كَانَ يعرف علم السيمياء وَله نَوَادِر شوهدت عَنهُ من هَذَا الْفَنّ وَمن ذَلِك حَدثنِي الْحَكِيم إِبْرَاهِيم بن أبي الْفضل بن صَدَقَة أَنه اجْتمع بِهِ وَشَاهد مِنْهُ ظَاهر بَاب الْفرج وهم يتمشون إِلَى نَاحيَة الميدان الْكَبِير وَمَعَهُ جمَاعَة من التلاميذ وَغَيرهم وَجرى ذكر هَذَا الْفَنّ وبدائعه وَمَا يعرف مِنْهُ وَهُوَ يسمع فَمشى قَلِيلا وَقَالَ مَا أحسن دمشق وَهَذِه الْمَوَاضِع قَالَ فَنَظَرْنَا وَإِذا من نَاحيَة الشرق جواسق عالية متدانية بَعْضهَا إِلَى بعض مبيضة وَهِي من أحسن مَا يكون بناية وزخرفة وَبهَا طاقات كبار فِيهَا نسَاء مَا يكون أحسن مِنْهُنَّ قطّ وأصوات مغان وأشجار مُتَعَلقَة بَعْضهَا مَعَ بعض وأنهر جَارِيَة كبار وَلم نَكُنْ نَعْرِف ذَلِك من قبل فبقينا نتعجب من ذَلِك وتستحسنه الْجَمَاعَة وانذهلوا لما رَأَوْا قَالَ الْحَكِيم فبقينا كَذَلِك سَاعَة ثمَّ غَابَ عَنَّا وعدنا إِلَى رُؤْيَة مَا كُنَّا نعرفه من طول الزَّمَان قَالَ لي إِلَّا أَن عِنْد رُؤْيَة تِلْكَ الْحَالة الأولى العجيبة بقيت أحس فِي نَفسِي كأنني فِي سنة خُفْيَة وَلم يكن إدراكي كالحالة الَّتِي أتحققها مني وحَدثني بعض فُقَهَاء الْعَجم قَالَ كُنَّا مَعَ الشَّيْخ شهَاب الدّين عِنْد الغابون وَنحن مسافرون عَن دمشق فلقينا قطيع غنم مَعَ تركماني فَقُلْنَا للشَّيْخ يَا مَوْلَانَا نُرِيد من هَذَا الْغنم رَأْسا نأكله فَقَالَ معي عشرَة دَرَاهِم خذوها واشتروا بهَا رَأس غنم وَكَانَ ثمَّ تركماني فاشترينا مِنْهُ رَأْسا بهَا فمشينا

стр. 629

فلحقنا رَفِيق لَهُ وَقَالَ ردوا الرَّأْس وخذوا أَصْغَر مِنْهُ فَإِن هَذَا مَا عرف يبيعكم يسوى هَذَا الرَّأْس الْبُخْتِيَّة الَّذِي مَعكُمْ أَكثر من الَّذِي قبض مِنْكُم وتقاولنا نَحن وإياه وَلما عرف الشَّيْخ ذَلِك قَالَ لنا خُذُوا الرَّأْس وامشوا وَأَنا أَقف مَعَه وأرضيه فتقدمنا وَبَقِي الشَّيْخ يتحدث مَعَه ويمنيه فَلَمَّا أبعدنا قَلِيلا تَركه وتبعنا وَبَقِي التركماني يمشي خَلفه ويصيح بِهِ وَهُوَ لَا يلْتَفت إِلَيْهِ وَلما لم يكلمهُ لحقه بغيظ وجذب يَده الْيُسْرَى وَقَالَ أَيْن تروح وتخليني وَإِذا بيد الشَّيْخ قد انخلعت من عِنْد كتفه وَبقيت فِي يَد التركماني ودمها يجْرِي فبهت التركماني وتحير فِي أمره وَرمى الْيَد وَخَافَ فَرجع الشَّيْخ وَأخذ تِلْكَ الْيَد بِيَدِهِ اليمني ولحقنا وَبَقِي التركماني رَاجعا وَهُوَ يتلفت إِلَيْنَا حَتَّى غَابَ وَلما وصل الشَّيْخ إِلَيْنَا رَأينَا فِي يَده الْيُمْنَى منديله لَا غير وحَدثني صفي الدّين خَلِيل بن أبي فضل الْكَاتِب قَالَ حَدثنَا الشَّيْخ ضِيَاء الدّين بن صقر ﵀ أَن فِي سنة خَمْسمِائَة وَتِسْعَة وَسبعين قدم إِلَى حلب الشَّيْخ شهَاب الدّين عمر السهروردي وَنزل فِي مدرسة الجلاوية وَكَانَ مدرسها يَوْمئِذٍ الشريف رَئِيس الْحَنَفِيَّة افتخار الدّين ﵀ فَلَمَّا حضر شهَاب الدّين الدَّرْس وَبحث مَعَ الْفُقَهَاء وَكَانَ لابس دلق وَهُوَ مُجَرّد بإبريق وعكاز وَمَا كَانَ أحد يعرفهُ فَلَمَّا بحث وتميز بَين الْفُقَهَاء وَعلم افتخار الدّين أَنه فَاضل أخرج لَهُ ثوبا عتابيا وغلالة ولباسا وبقيارا وَقَالَ لوَلَده تروح إِلَى هَذَا الْفَقِير وَتقول لَهُ وَالِدي يسلم عَلَيْك وَيَقُول لَك أَنْت رجل فَقِيه وتحضر الدَّرْس بَين الْفُقَهَاء وَقد سير لَك شَيْئا تكون تلبسه إِذا حضرت فَلَمَّا وصل وَلَده إِلَى الشَّيْخ شهَاب الدّين وَقَالَ لَهُ مَا أوصاه سكت سَاعَة وَقَالَ يَا وَلَدي حط هَذَا القماش وتفضل اقْضِ لي حَاجَة وَأخرج لَهُ فص بلخش فِي قدر بَيْضَة الدَّجَاجَة رماني مَا ملك أحد مثله فِي قده ولونه وَقَالَ تروح إِلَى السُّوق تنادي على هَذَا الفص وَمهما جاب لَا تطلق بَيْعه حَتَّى تعرفنِي فَلَمَّا وصل بِهِ إِلَى السُّوق عِنْد العريف ونادى على الفص فَانْتهى ثمنه إِلَى مبلغ خَمْسَة وَعشْرين ألف دِرْهَم فَأَخذه العريف وطلع إِلَى الْملك الظَّاهِر غَازِي بن صَلَاح الدّين وَهُوَ يَوْمئِذٍ صَاحب حلب وَقَالَ هَذَا الفص قد جاب هَذَا الثّمن فأعجب الْملك الظَّاهِر قده ولونه وَحسنه فَبَلغهُ إِلَى ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم فَقَالَ العريف حَتَّى أنزل إِلَى ابْن افتخار الدّين وَأَقُول لَهُ وَأخذ الفص وَنزل إِلَى السُّوق وَأَعْطَاهُ لَهُ وَقَالَ لَهُ رح شاور والدك على هَذَا الثّمن واعتقد العريف أَن الفص لافتخار الدّين فَلَمَّا جَاءَ إِلَى شهَاب الدّين السهروردي وعرفه بِالَّذِي جاب الفص صَعب عَلَيْهِ وَأخذ الفص وَجعله على حجر وضربه بِحجر آخر حَتَّى فتته وَقَالَ لولد افتخار الدّين خُذ يَا وَلَدي هَذِه الثِّيَاب ورح إِلَى والدك قبل يَده عني وَقل لَهُ لَو أردنَا الملبوس مَا غلبنا عَنهُ فراح إِلَى افتخار الدّين وعرفه صُورَة مَا جرى فَبَقيَ حائرا فِي قَضيته وَأما الْملك الظَّاهِر فَإِنَّهُ طلب العريف وَقَالَ أُرِيد الفص فَقَالَ يَا مَوْلَانَا أَخذه صَاحبه ابْن الشريف افتخار الدّين مدرس الجلوية فَركب السُّلْطَان وَنزل إِلَى الْمدرسَة وَقعد فِي الإيوان

стр. 630

وَطلب افتخار الدّين إِلَيْهِ وَقَالَ أُرِيد الفص فَعرفهُ أَنه لشخص فَقير نَازل عِنْده قَالَ فأفكر السُّلْطَان ثمَّ قَالَ يَا افتخار الدّين إِن صدق حدسي فَهَذَا شهَاب الدّين السهروردي ثمَّ قَامَ السُّلْطَان وَاجْتمعَ بشهاب الدّين وَأَخذه مَعَه إِلَى القلعة وَصَارَ لَهُ شَأْن عَظِيم وَبحث مَعَ الْفُقَهَاء فِي سَائِر الْمذَاهب وعجزهم واستطال على أهل حلب وَصَارَ يكلمهم كَلَام من هُوَ أَعلَى قدرا مِنْهُم فتعصبوا عَلَيْهِ وأفتوا فِي دَمه حَتَّى قتل وَقيل ان الْملك الظَّاهِر سير اليه من خنقه قَالَ ثمَّ ان الْملك الظَّاهِر بعد مُدَّة نقم على الَّذين افتوا فِي دَمه وَقبض على جمَاعَة مِنْهُم واعتقلهم وأهانهم وَأخذ مِنْهُم أَمْوَالًا عَظِيمَة حَدثنِي سديد الدّين مَحْمُود بن عمر الْمَعْرُوف بِابْن رقيقَة قَالَ كَانَ الشَّيْخ شهَاب الدّين السهروردي رث البزة لَا يلْتَفت إِلَى مَا يلْبسهُ وَلَا لَهُ احتفال بِأُمُور الدُّنْيَا قَالَ وَكنت أَنا وإياه نتمشى فِي جَامع ميافارقين وَهُوَ لابس جُبَّة قَصِيرَة مضربة زرقاء وعَلى رَأسه فوطة مفتولة وَفِي رجلَيْهِ زربول ورآني صديق لي فَأتى إِلَى جَانِبي وَقَالَ مَا جِئْت تماشي إِلَّا هَذَا الخربند فَقلت لَهُ اسْكُتْ هَذَا سيد الْوَقْت شهَاب الدّين السهروردي فتعاظم قولي وتعجب وَمضى وحَدثني بعض أهل حلب قَالَ لما توفّي شهَاب الدّين ﵀ وَدفن بِظَاهِر مَدِينَة حلب وجد مكتوباعلى قَبره وَالشعر قديم (قد كَانَ صَاحب هَذَا الْقَبْر جَوْهَرَة ... مكنونة قد براها الله من شرف) (فَلم تكن تعرف الْأَيَّام قِيمَته ... فَردهَا غيرَة مِنْهُ إِلَى الصدف) الْبَسِيط وَمن كَلَامه قَالَ فِي دعاءاللهم يَا قيام الْوُجُود وفائض الْجُود ومنزل البركات ومنتهى الرغبات منور النُّور ومدبر الْأُمُور وواهب حَيَاة الْعَالمين أمددنا بنورك ووفقنا لمرضاتك وألهمنا رشدك وَطَهِّرْنَا من رِجْس الظُّلُمَات وخلصنا من غسق الطبيعة إِلَى مُشَاهدَة أنوارك ومعاينة أضوائك ومجاورة مقربيك وموافقة سكان ملكوتك واحشرنا مَعَ الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم من الْمَلَائِكَة وَالصديقين والأنبياء وَالْمُرْسلِينَ وَمن شعر شهَاب الدّين السهروردي (أبدا تحن إِلَيْكُم الْأَرْوَاح ... ووصالكم ريحانها والراح) (وَقُلُوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وَإِلَى لذيذ وصالكم ترتاح) (وارحمتا للعاشقين تكلفوا ... ستر الْمحبَّة والهوى فضاح) (بالسر إِن باحوا تُبَاح دِمَاؤُهُمْ ... وَكَذَا دِمَاء البائحين تُبَاح) (وَإِذا هم كتموا تحدث عَنْهُم ... عِنْد الوشاة المدمع السحاح) (وبدت شَوَاهِد للسقام عَلَيْهِم ... فِيهَا لمشكل أَمرهم إِيضَاح)

стр. 631

(خفض الْجنَاح لكم وَلَيْسَ عَلَيْهِم ... للصب فِي خفض الْجنَاح جنَاح) (فَإلَى لقاكم نَفسه مشتاقة ... وَإِلَى رضاكم طرفه طماح) (عودوا بِنور الْوَصْل من غسق الدجا ... فالهجر ليل والوصال صباح) (وتمتعوا فالوقت طَالب لكم وَقد ... رق الشَّرَاب ودارت الأقداح) (مترنحا وَهُوَ الغزال الشارد ... وبخده الصَّهْبَاء والتفاح) (وبثغره الشهد الشهي وَقد بدا ... فِي أحسن الْيَاقُوت مِنْهُ أقاح) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (فز بالنعيم فَإِن عمرك ينفذ ... وتغنم الدُّنْيَا فَلَيْسَ مخلد) (وَإِذا ظَفرت بلذة فانهض لَهَا ... لَا يمنعنك عَن هَوَاك مُفند) (وصل الصبوح مَعَ الغبوق فَإِنَّمَا ... دنياك يَوْم وَاحِد يتَرَدَّد) (وعدوك تشرب فِي الْجنان مدامة ... ولتندمن إِذا نهاك الْموعد) (كم أمة هَلَكت وَدَار عطلت ... ومساجد خربَتْ وَعمر معهد) (وَلكم نَبِي قد أَتَى بشريعة ... قدما وَكم صلوا لَهَا وتعبدوا) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أَقُول لجارتي والدمع جاري ... ولي عزم الرحيل عَن الديار) (ذَرِينِي أَن أَسِير وَلَا تنوحي ... فَإِن الشهب أشرفها السَّوَارِي) (وَإِنِّي فِي الظلام رَأَيْت ضوءا ... كَأَن اللَّيْل زين بِالنَّهَارِ) (إِلَى كم أجعَل الْحَيَّات صحبي ... إِلَى كم أجعَل التنين جاري) (وَكم أرْضى الْإِقَامَة فِي فلاة ... وَفَوق الفرقدين رَأَيْت دَاري) (ويأتيني من الصنعاء برق ... يذكرنِي بهَا قرب المزار) الوافر وَقَالَ عِنْد وَفَاته وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ لما قتل (قل لأَصْحَاب رأوني مَيتا ... فبكوني إِذْ رأوني حزنا) (لَا تظنوني بِأَنِّي ميت ... لَيْسَ ذَا الْمَيِّت وَالله أَنا) (أَنا عُصْفُور وَهَذَا قفصي ... طرت عَنهُ فتخلى رهنا) (وَأَنا الْيَوْم أُنَاجِي مَلأ ... وَأرى الله عيَانًا بهنا) (فاخلعوا الْأَنْفس عَن أجسادها ... لترون الْحق حَقًا بَينا)

стр. 632

(لَا ترعكم سكرة الْمَوْت فَمَا ... هِيَ إِلَّا انْتِقَال من هُنَا) (عنصر الْأَرْوَاح فِينَا وَاحِد ... وَكَذَا الْأَجْسَام جسم عمنَا) (مَا أرى نَفسِي إِلَّا أَنْتُم ... واعتقادي أَنكُمْ أَنْتُم أَنا) (فَمَتَى مَا كَانَ خيرا فلنا ... وَمَتى مَا كَانَ شرا فبنا) (فارحموني ترحموا أَنفسكُم ... وَاعْلَمُوا أَنكُمْ فِي أثرنا) (من رَآنِي فليقو نَفسه ... إِنَّمَا الدُّنْيَا على قرن الفنا) (وَعَلَيْكُم من كَلَامي جملَة ... فسلام الله مدح وثنا) الرمل ولشهاب الدّين السهروردي من الْكتب كتاب التلويحات اللحوية والعرشية كتاب الألواح الْعمادِيَّة أَلفه لعماد الدّين أبي بكر بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن أرتق صَاحب خرت برت كتاب اللحمة كتاب المقاومات وَهُوَ لواحق على كتاب التلويحات كتاب هياكل النُّور كتاب المعارج كتال المطارحات كتاب حِكْمَة الْإِشْرَاق شمس الدّين الخوبي هُوَ الصَّدْر الإِمَام الْعَالم الْكَامِل قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين حجَّة الْإِسْلَام سيد الْعلمَاء والحكماء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْخَلِيل بن سَعَادَة بن جَعْفَر بن عِيسَى من مَدِينَة خوي كَانَ أوحد زَمَانه فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وعلامة وقته فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة عَارِفًا بأصول الطِّبّ وَغَيره من أَجزَاء الْحِكْمَة عَاقِلا كثير الْحيَاء حسن الصُّورَة كريم النَّفس محبا لفعل الْخَيْر وَكَانَ ﵀ ملازما للصَّلَاة وَالصِّيَام وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَلما ورد إِلَى الشَّام فِي أَيَّام السُّلْطَان الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْملك الْعَادِل استحضره وَسمع كَلَامه فَوَجَدَهُ أفضل أهل زَمَانه فِي سَائِر الْعُلُوم وَكَانَ الْملك الْمُعظم عَالما بالأمور الشَّرْعِيَّة وَالْفِقْه فَحسن موقعه عِنْده وأكرمه وَأطلق لَهُ جامكية وجراية وَبَقِي مَعَه فِي الصُّحْبَة ثمَّ جعله مُقيما بِدِمَشْق وَله مِنْهُ الَّذِي لَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من المشتغلين وانتفعوا بِهِ وَكنت أتردد إِلَيْهِ وقرأت عَلَيْهِ التَّبْصِرَة لِابْنِ سهلان وَكَانَ حسن الْعبارَة قوي البراعة فصيح اللِّسَان بليغ الْبَيَان وافر الْمَرْوَة كثير الفتوة وَكَانَ شَيْخه الإِمَام فَخر الدّين بن خطيب الرّيّ لحقه وَقَرَأَ عَلَيْهِ ثمَّ ولاه الْملك الْمُعظم الْقَضَاء وَجعله قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير التَّوَاضُع لطيف الْكَلَام يمْضِي إِلَى الْجَامِع مَاشِيا للصلوات فِي أَوْقَاتهَا وَله تصانيف لَا مزِيد عَلَيْهَا فِي الْجَوْدَة وَكَانَ سَاكِنا فِي الْمدرسَة العادلية ويلقى بهَا الدَّرْس للفقهاء وَلم يزل على هَذِه الْحَال إِلَى أَن توفّي ﵀ وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب

стр. 633

وَكَانَت وَفَاته بحمى الدق بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي سَابِع شهر شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ولشمس الدّين الخوبي من الْكتب تَتِمَّة تَفْسِير الْقُرْآن لِابْنِ خطيب الرّيّ كتاب فِي النَّحْو كتاب فِي علم الْأُصُول كتاب يشْتَمل على رموز حكمِيَّة على ألقاب السُّلْطَان الْملك الْمُعظم صنفه للْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر بن أَيُّوب رفيع الدّين الجيلي هُوَ القَاضِي الْأَجَل الإِمَام الْعَالم رفيع الدّين أَبُو حَامِد عبد الْعَزِيز بن عبد الْوَاحِد بن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الْهَادِي الجيلي من أهل فيلمان شهر من الجيلان وَكَانَ من الأكابر المتميزين فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأصول الدّين وَالْفِقْه وَالْعلم الطبيعي والطب وَكَانَ مُقيما بِدِمَشْق وَهُوَ فَقِيه فِي الْمدرسَة العذراوية دَاخل بَاب النَّصْر وَله مجْلِس للمشتغلين عَلَيْهِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم والطب وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَكَانَ فصيح اللِّسَان قوي الذكاء كثير الِاشْتِغَال والمطالعة واستخدم قَاضِيا فِي مَدِينَة بعلبك وَبَقِي بهَا مديدة وَكَانَ صديقا للصاحب أَمِين الدولة وَبَينهمَا عشرَة وَلما تملك السُّلْطَان الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل دمشق وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الخوبي ﵀ فَأَشَارَ الصاحب أَمِين الدولة أَن يَجْعَل مَوْضِعه فولاه السُّلْطَان وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَارْتَفَعت مَنْزِلَته وأثرى وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة وَكَانَ كثير من النَّاس يتظلمون مِنْهُ ويشكون سيرته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْحَال تأدى بِهِ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقتل ﵀ فِي أَيَّام الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَكَانَ قد وَقع بَين القَاضِي رفيع الدّين وَبَين الْوَزير أَمِين الدولة فبعثوه تَحت الحوطة مَعَ رجال عوامله إِلَى قريب بعلبك فِي مَوضِع فِيهِ هوة عَظِيمَة لَا يعرف لَهَا قَعْر يُقَال لَهَا مغارة أفقه وَكَانُوا أمروهم بِمَا يَفْعَلُونَهُ بِهِ فكتفوه ثمَّ دفعوه فِي وَسطهَا وَحدثنَا بعض الَّذين كَانُوا مَعَه أَنه لما دفع فِي تِلْكَ الهوة تحطم فِي نُزُوله وَكَأَنَّهُ تعلق فِي بعض جوانبها أَسْفَل بثيابه قَالَ فبقينا نسْمع أنينه نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام وَكلما مر يضعف وَيخْفى حَتَّى تحققنا من مَوته ورجعنا عَنهُ أَقُول وَمن عَجِيب مَا يحْكى أَن القَاضِي رفيع الدّين وقف على نُسْخَة من هَذَا الْكتاب بحضوري وَمَا كنت ذكرته فِي تِلْكَ النُّسْخَة فطالع فِيهِ وَلما وقف على أَخْبَار شهَاب الدّين السهروردي تأثر من ذَلِك وَقَالَ لي ذكرت هَذَا وَغَيره أفضل مِنْهُ مَا ذكرته وَأَشَارَ إِلَى نَفسه ثمَّ قَالَ وإيش كَانَ من حَال شهَاب الدّين إِلَّا أَنه قتل فِي آخر أمره وَقدر الله أَن رفيع الدّين قتل أَيْضا مثله فسبحان الله الْعَظِيم الْمُدبر فِي خلقه بِمَا يَشَاء وَكَانَت وَفَاة القَاضِي رفيع الدّين فِي شهر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَلما كَانَ رفيع الدّين قد تولى الْقَضَاء بِدِمَشْق وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة وَذَلِكَ

стр. 634

سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عملت فِيهِ هَذِه القصيدة وأهنئه فِيهَا (مجد وَسعد دَائِم وعلاء ... أَبَد الزَّمَان ورفعة وسناء) (بِبَقَاء مَوْلَانَا رفيع الدّين ذِي ... الْجُود العميم وَمن لَهُ النعماء) (قَاضِي الْقُضَاة أجل مولى لم يزل ... بعلاه يسمو الْعلم وَالْعُلَمَاء) (متفرد بالمكرمات وَإِنَّمَا ... كل الورى فِي بَعْضهَا شُرَكَاء) (لَو رام كل بليغ قَول أَنه ... يحصي علاهُ لقصر البلغاء) (كم من عداة شَاهِدين بفضله ... وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء) (وَله التصانيف الَّتِي قد أعربت ... عَن كل مَا قد أعجم القدماء) (وَبِه لجيل فِي الْبِلَاد مفاخر ... وَكَذَا لهَذَا الجيل مِنْهُ عَلَاء) (يَا سيدا فاق الْأَنَام حَقِيقَة ... بجميل وصف لَيْسَ فِيهِ خَفَاء) (قد كَانَ عِنْدِي من فراقك والنوى ... ألم وَمن رُؤْيَاك جَاءَ شِفَاء) (وأتى إِلَى قلبِي السرُور وأشرقت ... شمس الحبور وزالت البرحاء) (وبدت تباشير الهناء بِمنْصب ... يعلوه من نور الْإِلَه بهاء) (إحكام أَحْكَام وَعدل شَائِع ... ملئت بِهِ وبفضلك الغبراء) (وَتَفَرَّقَتْ فِي النَّاس مِنْك فواضل ... وتجمعت مِنْهُم لَك الْأَهْوَاء) (فلك السِّيَادَة والسعادة والعلا ... وَالْفضل والأفضال والآلاء) (وَالْمُشْتَرِي للحمد أَنْت وَإِن تقل ... فصل الْخطاب فَإنَّك الجوزاء) (وَلَئِن خصصتك بالهناء فَإِنَّهُ ... عَم الْأَنَام بِمَا وليت هناء) (لله كم أوليتني مننا على ... مر الزَّمَان وَمَا لَهَا إحصاء) (فَاسْلَمْ وَدم فِي رغد عَيْش دَائِم ... مَا غردت فِي أيكها الورقاء) الْكَامِل ولرفيع الدّين الجيلي من الْكتب شرح الإشارات والتنبيهات أَلفه المظفر تَقِيّ الدّين عمر ابْن الْملك الأمجد بهران شاه بن فرخ شاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب اخْتِصَار الكليات من كتاب القانون لِابْنِ سينا كتاب جمع مَا فِي الْأَسَانِيد من حَدِيث النَّبِي ﷺ شمس الدّين الخسروشاهي هُوَ السَّيِّد الصَّدْر الْكَبِير الْعَالم شمس الدّين عبد الحميد بن عِيسَى الخسروشاهي وخسروشاه ضَيْعَة قريبَة من تبريز إِمَام الْعلمَاء سيد الْحُكَمَاء قدوة الْأَنَام شرف الْإِسْلَام قد تميز فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وحرر الْأُصُول الطبية وأتقن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَلم يزل دَائِم الِاشْتِغَال جَامعا للفضل

стр. 635

والأفضال وَكَانَ شَيْخه الإِمَام فَخر الدّين بن خطيب الرّيّ وَهُوَ من أجل تلامذته وَمن حَيْثُ وصل إِلَى الشَّام اتَّصل بِخِدْمَة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد بن الْملك الْمُعظم وَأقَام عِنْده بالكرك وَهُوَ عَظِيم الْمنزلَة عِنْده وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإنعام الغزير ثمَّ توجه شمس الدّين بعد ذَلِك إِلَى دمشق وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي شهر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة وَدفن بجبل قاسيون وَلما وصل إِلَى دمشق اجْتمعت بِهِ فَوَجَدته شَيخا حسن السمت مليح الْكَلَام قوي الذكاء محصلا للعلوم ورأيته يَوْمًا وَقد أَتَى إِلَيْهِ بعض فُقَهَاء الْعَجم بِكِتَاب دَقِيق الْخط ثمن الْبَغْدَادِيّ معتزلي التقطيع فَلَمَّا نظر فِيهِ صَار يقبله ويضعه على رَأسه فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ هَذَا خطّ شَيخنَا الإِمَام فَخر الدّين الْخَطِيب ﵀ فَعظم عِنْدِي قدره لتعظيمه شَيْخه وَلما توفّي شمس الدّين الخسروشاهي ﵀ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين مُحَمَّد بن حسن الغنوي الضَّرِير الآربلي يرثيه (بموتك شمس الدّين مَاتَ الْفَضَائِل ... وأردى ببدر الْفضل والبدر كَامِل) (فَتى عَالم بِالْحَقِّ بِالْخَيرِ عَامل ... وَمَا كل ذِي علم من النَّاس عَامل) (فَتى بذ كل الْقَائِلين بصمته ... فَكيف إِذا وافيته وَهُوَ قَائِل) (وَكُنَّا لحل المشكلات نعده ... إِذا أعيت الحذاق منا الْمسَائِل) (فربع الحجا من بعده الْيَوْم قد خلا ... وحيد الْمَعَالِي من حلى الْفضل عاطل) (أَتَدْرِي المنايا من رمت بسهامها ... وَأي فَتى أودى وغال الغوائل) (رمت أوحد الدُّنْيَا وبحر علومها ... وَمن قصرت فِي الْفضل عَنهُ الْأَوَائِل) (وَلَو كَانَ بِالْفَضْلِ الْفَتى يدْفع الردى ... لما غيبت عبد الحميد الجنادل) (وَلَكِن دفع الْمَوْت مَا فِيهِ حِيلَة ... وَلَا فِي بَقَاء الْمَرْء يطْمع آمل) (فبعدك شمس الدّين أعوز عَالم ... وَأبْدى الدَّعَاوَى فِي المحافل جَاهِل) الطَّوِيل وَقَالَ الصاحب نجم الدّين اللبودي يرثيه (أيا ناعيا عبد الحميد تصبرا ... عَليّ فَإِن الْعلم أدرج فِي كفن) (مضى مُفردا فِي فَضله وعلومه ... وعدت فريد الْهم والوجد والحزن) (فيا عين سحي بالدموع لفقده ... فَمَا حسن صبري بعده الْيَوْم بالْحسنِ) (تَلَقَّتْهُ أَصْنَاف الملائك بهجة ... بمقدمه الْأَسْنَى على ذَلِك السّنَن) (تَقول لَهُ أَهلا وسهلا ومرحبا ... بِخَير فَتى وافى إِلَى ذَلِك الوطن)
следующие страницы →