← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

(خفض الْجنَاح لكم وَلَيْسَ عَلَيْهِم ... للصب فِي خفض الْجنَاح جنَاح) (فَإلَى لقاكم نَفسه مشتاقة ... وَإِلَى رضاكم طرفه طماح) (عودوا بِنور الْوَصْل من غسق الدجا ... فالهجر ليل والوصال صباح) (وتمتعوا فالوقت طَالب لكم وَقد ... رق الشَّرَاب ودارت الأقداح) (مترنحا وَهُوَ الغزال الشارد ... وبخده الصَّهْبَاء والتفاح) (وبثغره الشهد الشهي وَقد بدا ... فِي أحسن الْيَاقُوت مِنْهُ أقاح) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (فز بالنعيم فَإِن عمرك ينفذ ... وتغنم الدُّنْيَا فَلَيْسَ مخلد) (وَإِذا ظَفرت بلذة فانهض لَهَا ... لَا يمنعنك عَن هَوَاك مُفند) (وصل الصبوح مَعَ الغبوق فَإِنَّمَا ... دنياك يَوْم وَاحِد يتَرَدَّد) (وعدوك تشرب فِي الْجنان مدامة ... ولتندمن إِذا نهاك الْموعد) (كم أمة هَلَكت وَدَار عطلت ... ومساجد خربَتْ وَعمر معهد) (وَلكم نَبِي قد أَتَى بشريعة ... قدما وَكم صلوا لَهَا وتعبدوا) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أَقُول لجارتي والدمع جاري ... ولي عزم الرحيل عَن الديار) (ذَرِينِي أَن أَسِير وَلَا تنوحي ... فَإِن الشهب أشرفها السَّوَارِي) (وَإِنِّي فِي الظلام رَأَيْت ضوءا ... كَأَن اللَّيْل زين بِالنَّهَارِ) (إِلَى كم أجعَل الْحَيَّات صحبي ... إِلَى كم أجعَل التنين جاري) (وَكم أرْضى الْإِقَامَة فِي فلاة ... وَفَوق الفرقدين رَأَيْت دَاري) (ويأتيني من الصنعاء برق ... يذكرنِي بهَا قرب المزار) الوافر وَقَالَ عِنْد وَفَاته وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ لما قتل (قل لأَصْحَاب رأوني مَيتا ... فبكوني إِذْ رأوني حزنا) (لَا تظنوني بِأَنِّي ميت ... لَيْسَ ذَا الْمَيِّت وَالله أَنا) (أَنا عُصْفُور وَهَذَا قفصي ... طرت عَنهُ فتخلى رهنا) (وَأَنا الْيَوْم أُنَاجِي مَلأ ... وَأرى الله عيَانًا بهنا) (فاخلعوا الْأَنْفس عَن أجسادها ... لترون الْحق حَقًا بَينا)

стр. 632

(لَا ترعكم سكرة الْمَوْت فَمَا ... هِيَ إِلَّا انْتِقَال من هُنَا) (عنصر الْأَرْوَاح فِينَا وَاحِد ... وَكَذَا الْأَجْسَام جسم عمنَا) (مَا أرى نَفسِي إِلَّا أَنْتُم ... واعتقادي أَنكُمْ أَنْتُم أَنا) (فَمَتَى مَا كَانَ خيرا فلنا ... وَمَتى مَا كَانَ شرا فبنا) (فارحموني ترحموا أَنفسكُم ... وَاعْلَمُوا أَنكُمْ فِي أثرنا) (من رَآنِي فليقو نَفسه ... إِنَّمَا الدُّنْيَا على قرن الفنا) (وَعَلَيْكُم من كَلَامي جملَة ... فسلام الله مدح وثنا) الرمل ولشهاب الدّين السهروردي من الْكتب كتاب التلويحات اللحوية والعرشية كتاب الألواح الْعمادِيَّة أَلفه لعماد الدّين أبي بكر بن قرا أرسلان بن دَاوُد بن أرتق صَاحب خرت برت كتاب اللحمة كتاب المقاومات وَهُوَ لواحق على كتاب التلويحات كتاب هياكل النُّور كتاب المعارج كتال المطارحات كتاب حِكْمَة الْإِشْرَاق شمس الدّين الخوبي هُوَ الصَّدْر الإِمَام الْعَالم الْكَامِل قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين حجَّة الْإِسْلَام سيد الْعلمَاء والحكماء أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْخَلِيل بن سَعَادَة بن جَعْفَر بن عِيسَى من مَدِينَة خوي كَانَ أوحد زَمَانه فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وعلامة وقته فِي الْأُمُور الشَّرْعِيَّة عَارِفًا بأصول الطِّبّ وَغَيره من أَجزَاء الْحِكْمَة عَاقِلا كثير الْحيَاء حسن الصُّورَة كريم النَّفس محبا لفعل الْخَيْر وَكَانَ ﵀ ملازما للصَّلَاة وَالصِّيَام وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَلما ورد إِلَى الشَّام فِي أَيَّام السُّلْطَان الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْملك الْعَادِل استحضره وَسمع كَلَامه فَوَجَدَهُ أفضل أهل زَمَانه فِي سَائِر الْعُلُوم وَكَانَ الْملك الْمُعظم عَالما بالأمور الشَّرْعِيَّة وَالْفِقْه فَحسن موقعه عِنْده وأكرمه وَأطلق لَهُ جامكية وجراية وَبَقِي مَعَه فِي الصُّحْبَة ثمَّ جعله مُقيما بِدِمَشْق وَله مِنْهُ الَّذِي لَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ جمَاعَة من المشتغلين وانتفعوا بِهِ وَكنت أتردد إِلَيْهِ وقرأت عَلَيْهِ التَّبْصِرَة لِابْنِ سهلان وَكَانَ حسن الْعبارَة قوي البراعة فصيح اللِّسَان بليغ الْبَيَان وافر الْمَرْوَة كثير الفتوة وَكَانَ شَيْخه الإِمَام فَخر الدّين بن خطيب الرّيّ لحقه وَقَرَأَ عَلَيْهِ ثمَّ ولاه الْملك الْمُعظم الْقَضَاء وَجعله قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَكَانَ مَعَ ذَلِك كثير التَّوَاضُع لطيف الْكَلَام يمْضِي إِلَى الْجَامِع مَاشِيا للصلوات فِي أَوْقَاتهَا وَله تصانيف لَا مزِيد عَلَيْهَا فِي الْجَوْدَة وَكَانَ سَاكِنا فِي الْمدرسَة العادلية ويلقى بهَا الدَّرْس للفقهاء وَلم يزل على هَذِه الْحَال إِلَى أَن توفّي ﵀ وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب

стр. 633

وَكَانَت وَفَاته بحمى الدق بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي سَابِع شهر شعْبَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ولشمس الدّين الخوبي من الْكتب تَتِمَّة تَفْسِير الْقُرْآن لِابْنِ خطيب الرّيّ كتاب فِي النَّحْو كتاب فِي علم الْأُصُول كتاب يشْتَمل على رموز حكمِيَّة على ألقاب السُّلْطَان الْملك الْمُعظم صنفه للْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر بن أَيُّوب رفيع الدّين الجيلي هُوَ القَاضِي الْأَجَل الإِمَام الْعَالم رفيع الدّين أَبُو حَامِد عبد الْعَزِيز بن عبد الْوَاحِد بن إِسْمَاعِيل ابْن عبد الْهَادِي الجيلي من أهل فيلمان شهر من الجيلان وَكَانَ من الأكابر المتميزين فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وأصول الدّين وَالْفِقْه وَالْعلم الطبيعي والطب وَكَانَ مُقيما بِدِمَشْق وَهُوَ فَقِيه فِي الْمدرسَة العذراوية دَاخل بَاب النَّصْر وَله مجْلِس للمشتغلين عَلَيْهِ فِي أَنْوَاع الْعُلُوم والطب وقرأت عَلَيْهِ شَيْئا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَكَانَ فصيح اللِّسَان قوي الذكاء كثير الِاشْتِغَال والمطالعة واستخدم قَاضِيا فِي مَدِينَة بعلبك وَبَقِي بهَا مديدة وَكَانَ صديقا للصاحب أَمِين الدولة وَبَينهمَا عشرَة وَلما تملك السُّلْطَان الْملك الصَّالح عماد الدّين إِسْمَاعِيل دمشق وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الخوبي ﵀ فَأَشَارَ الصاحب أَمِين الدولة أَن يَجْعَل مَوْضِعه فولاه السُّلْطَان وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَارْتَفَعت مَنْزِلَته وأثرى وَبَقِي كَذَلِك مُدَّة وَكَانَ كثير من النَّاس يتظلمون مِنْهُ ويشكون سيرته وَبِالْجُمْلَةِ فَإِن الْحَال تأدى بِهِ إِلَى أَن قبض عَلَيْهِ وَقتل ﵀ فِي أَيَّام الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَكَانَ قد وَقع بَين القَاضِي رفيع الدّين وَبَين الْوَزير أَمِين الدولة فبعثوه تَحت الحوطة مَعَ رجال عوامله إِلَى قريب بعلبك فِي مَوضِع فِيهِ هوة عَظِيمَة لَا يعرف لَهَا قَعْر يُقَال لَهَا مغارة أفقه وَكَانُوا أمروهم بِمَا يَفْعَلُونَهُ بِهِ فكتفوه ثمَّ دفعوه فِي وَسطهَا وَحدثنَا بعض الَّذين كَانُوا مَعَه أَنه لما دفع فِي تِلْكَ الهوة تحطم فِي نُزُوله وَكَأَنَّهُ تعلق فِي بعض جوانبها أَسْفَل بثيابه قَالَ فبقينا نسْمع أنينه نَحْو ثَلَاثَة أَيَّام وَكلما مر يضعف وَيخْفى حَتَّى تحققنا من مَوته ورجعنا عَنهُ أَقُول وَمن عَجِيب مَا يحْكى أَن القَاضِي رفيع الدّين وقف على نُسْخَة من هَذَا الْكتاب بحضوري وَمَا كنت ذكرته فِي تِلْكَ النُّسْخَة فطالع فِيهِ وَلما وقف على أَخْبَار شهَاب الدّين السهروردي تأثر من ذَلِك وَقَالَ لي ذكرت هَذَا وَغَيره أفضل مِنْهُ مَا ذكرته وَأَشَارَ إِلَى نَفسه ثمَّ قَالَ وإيش كَانَ من حَال شهَاب الدّين إِلَّا أَنه قتل فِي آخر أمره وَقدر الله أَن رفيع الدّين قتل أَيْضا مثله فسبحان الله الْعَظِيم الْمُدبر فِي خلقه بِمَا يَشَاء وَكَانَت وَفَاة القَاضِي رفيع الدّين فِي شهر ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَلما كَانَ رفيع الدّين قد تولى الْقَضَاء بِدِمَشْق وَصَارَ قَاضِي الْقُضَاة وَذَلِكَ

стр. 634

سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة عملت فِيهِ هَذِه القصيدة وأهنئه فِيهَا (مجد وَسعد دَائِم وعلاء ... أَبَد الزَّمَان ورفعة وسناء) (بِبَقَاء مَوْلَانَا رفيع الدّين ذِي ... الْجُود العميم وَمن لَهُ النعماء) (قَاضِي الْقُضَاة أجل مولى لم يزل ... بعلاه يسمو الْعلم وَالْعُلَمَاء) (متفرد بالمكرمات وَإِنَّمَا ... كل الورى فِي بَعْضهَا شُرَكَاء) (لَو رام كل بليغ قَول أَنه ... يحصي علاهُ لقصر البلغاء) (كم من عداة شَاهِدين بفضله ... وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء) (وَله التصانيف الَّتِي قد أعربت ... عَن كل مَا قد أعجم القدماء) (وَبِه لجيل فِي الْبِلَاد مفاخر ... وَكَذَا لهَذَا الجيل مِنْهُ عَلَاء) (يَا سيدا فاق الْأَنَام حَقِيقَة ... بجميل وصف لَيْسَ فِيهِ خَفَاء) (قد كَانَ عِنْدِي من فراقك والنوى ... ألم وَمن رُؤْيَاك جَاءَ شِفَاء) (وأتى إِلَى قلبِي السرُور وأشرقت ... شمس الحبور وزالت البرحاء) (وبدت تباشير الهناء بِمنْصب ... يعلوه من نور الْإِلَه بهاء) (إحكام أَحْكَام وَعدل شَائِع ... ملئت بِهِ وبفضلك الغبراء) (وَتَفَرَّقَتْ فِي النَّاس مِنْك فواضل ... وتجمعت مِنْهُم لَك الْأَهْوَاء) (فلك السِّيَادَة والسعادة والعلا ... وَالْفضل والأفضال والآلاء) (وَالْمُشْتَرِي للحمد أَنْت وَإِن تقل ... فصل الْخطاب فَإنَّك الجوزاء) (وَلَئِن خصصتك بالهناء فَإِنَّهُ ... عَم الْأَنَام بِمَا وليت هناء) (لله كم أوليتني مننا على ... مر الزَّمَان وَمَا لَهَا إحصاء) (فَاسْلَمْ وَدم فِي رغد عَيْش دَائِم ... مَا غردت فِي أيكها الورقاء) الْكَامِل ولرفيع الدّين الجيلي من الْكتب شرح الإشارات والتنبيهات أَلفه المظفر تَقِيّ الدّين عمر ابْن الْملك الأمجد بهران شاه بن فرخ شاه بن شاهنشاه بن أَيُّوب اخْتِصَار الكليات من كتاب القانون لِابْنِ سينا كتاب جمع مَا فِي الْأَسَانِيد من حَدِيث النَّبِي ﷺ شمس الدّين الخسروشاهي هُوَ السَّيِّد الصَّدْر الْكَبِير الْعَالم شمس الدّين عبد الحميد بن عِيسَى الخسروشاهي وخسروشاه ضَيْعَة قريبَة من تبريز إِمَام الْعلمَاء سيد الْحُكَمَاء قدوة الْأَنَام شرف الْإِسْلَام قد تميز فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وحرر الْأُصُول الطبية وأتقن الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَلم يزل دَائِم الِاشْتِغَال جَامعا للفضل

стр. 635

والأفضال وَكَانَ شَيْخه الإِمَام فَخر الدّين بن خطيب الرّيّ وَهُوَ من أجل تلامذته وَمن حَيْثُ وصل إِلَى الشَّام اتَّصل بِخِدْمَة السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد بن الْملك الْمُعظم وَأقَام عِنْده بالكرك وَهُوَ عَظِيم الْمنزلَة عِنْده وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإنعام الغزير ثمَّ توجه شمس الدّين بعد ذَلِك إِلَى دمشق وَأقَام بهَا إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي شهر شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة وَدفن بجبل قاسيون وَلما وصل إِلَى دمشق اجْتمعت بِهِ فَوَجَدته شَيخا حسن السمت مليح الْكَلَام قوي الذكاء محصلا للعلوم ورأيته يَوْمًا وَقد أَتَى إِلَيْهِ بعض فُقَهَاء الْعَجم بِكِتَاب دَقِيق الْخط ثمن الْبَغْدَادِيّ معتزلي التقطيع فَلَمَّا نظر فِيهِ صَار يقبله ويضعه على رَأسه فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ هَذَا خطّ شَيخنَا الإِمَام فَخر الدّين الْخَطِيب ﵀ فَعظم عِنْدِي قدره لتعظيمه شَيْخه وَلما توفّي شمس الدّين الخسروشاهي ﵀ قَالَ الشَّيْخ عز الدّين مُحَمَّد بن حسن الغنوي الضَّرِير الآربلي يرثيه (بموتك شمس الدّين مَاتَ الْفَضَائِل ... وأردى ببدر الْفضل والبدر كَامِل) (فَتى عَالم بِالْحَقِّ بِالْخَيرِ عَامل ... وَمَا كل ذِي علم من النَّاس عَامل) (فَتى بذ كل الْقَائِلين بصمته ... فَكيف إِذا وافيته وَهُوَ قَائِل) (وَكُنَّا لحل المشكلات نعده ... إِذا أعيت الحذاق منا الْمسَائِل) (فربع الحجا من بعده الْيَوْم قد خلا ... وحيد الْمَعَالِي من حلى الْفضل عاطل) (أَتَدْرِي المنايا من رمت بسهامها ... وَأي فَتى أودى وغال الغوائل) (رمت أوحد الدُّنْيَا وبحر علومها ... وَمن قصرت فِي الْفضل عَنهُ الْأَوَائِل) (وَلَو كَانَ بِالْفَضْلِ الْفَتى يدْفع الردى ... لما غيبت عبد الحميد الجنادل) (وَلَكِن دفع الْمَوْت مَا فِيهِ حِيلَة ... وَلَا فِي بَقَاء الْمَرْء يطْمع آمل) (فبعدك شمس الدّين أعوز عَالم ... وَأبْدى الدَّعَاوَى فِي المحافل جَاهِل) الطَّوِيل وَقَالَ الصاحب نجم الدّين اللبودي يرثيه (أيا ناعيا عبد الحميد تصبرا ... عَليّ فَإِن الْعلم أدرج فِي كفن) (مضى مُفردا فِي فَضله وعلومه ... وعدت فريد الْهم والوجد والحزن) (فيا عين سحي بالدموع لفقده ... فَمَا حسن صبري بعده الْيَوْم بالْحسنِ) (تَلَقَّتْهُ أَصْنَاف الملائك بهجة ... بمقدمه الْأَسْنَى على ذَلِك السّنَن) (تَقول لَهُ أَهلا وسهلا ومرحبا ... بِخَير فَتى وافى إِلَى ذَلِك الوطن)

стр. 636

(إِلَى معشر أضحى الْوُجُود ذواتهم ... فَلَيْسَ لَهُم إلْف يعوق وَلَا سكن) (وحسبك من ذَات هِيَ الْعين حقة ... فَلَيْسَ بهَا إفْك وَلَا عِنْدهَا إحن) (تبيت ترى ذَات الذوات بِمَرْصَد ... تَعَالَى عَن الأكوان والكون والزمن) (لَك الله شمس الدّين كم شدت معلما ... من الْحق أَسْنَى ذَا لِسَان لَهُ لسن) (مصابك شمس الدّين تَسْلِيَة لنا ... ومثلي من أضحى بمثلك يمْتَحن) الطَّوِيل ولشمس الدّين الخسروشاهي من الْكتب مُخْتَصر كتاب الْمُهَذّب فِي الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي لأبي إِسْحَق الشِّيرَازِيّ مُخْتَصر كتاب الشِّفَاء للرئيس ابْن سينا تَتِمَّة كتاب الْآيَات الْبَينَات لِابْنِ خطيب الرّيّ وَكَانَ وصل فِيهَا فِي الشكل الثَّانِي وَهَذِه الْآيَات الْبَينَات غير النُّسْخَة الصَّغِيرَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي هِيَ عشرَة أَبْوَاب سيف الدّين الْآمِدِيّ وَهُوَ الإِمَام الصَّدْر الْعَالم الْكَامِل سيف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن أبي عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم التغلبي الْآمِدِيّ أوحد الْفُضَلَاء وَسيد الْعلمَاء كَانَ أذكى أهل زَمَانه وَأَكْثَرهم معرفَة بالعلوم الْحكمِيَّة والمذاهب الشَّرْعِيَّة والمبادئ الطبية بهي الصُّورَة فصيح الْكَلَام جيد التصنيف وَكَانَ قد خدم الْملك الْمَنْصُور نَاصِر الدّين أَبَا الْمَعَالِي مُحَمَّد بن الْملك المظفر تَقِيّ الدّين عمر بن شاهنشاه بن أَيُّوب صَاحب حماة وَأقَام بخدمته بحماة سِنِين وَله مِنْهُ الجامكية السّنيَّة والإنعام الْكثير وَكَانَ من أكَابِر الْخَواص عِنْده وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْمَنْصُور وَذَلِكَ فِي سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة فَتوجه إِلَى دمشق وَلما دَخلهَا أنعم عَلَيْهِ الْملك الْمُعظم شرف الدّين عِيسَى بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب إنعاما وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام وولاه التدريس وَكَانَ إِذا نزل وَجلسَ فِي الْمدرسَة وَألقى الدَّرْس وَالْفُقَهَاء عِنْده يتعجب النَّاس من حسن كَلَامه فِي المناظرة والبحث وَلم يكن أحد يماثله فِي سَائِر الْعُلُوم وَكَانَ نَادرا أَن يقرئ أحدا شَيْئا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَكنت اجْتمعت بِهِ واشتغلت عَلَيْهِ فِي كتاب رموز الْكُنُوز من تصنيفه وَذَلِكَ لمودة أكيدة كَانَت بَينه وَبَين أبي وَأول اجتماعي بِهِ دخلت أَنا وَأبي إِلَيْهِ إِلَى دَاره وَكَانَ سَاكِنا بِدِمَشْق فِي قاعة عِنْد الْمدرسَة العادلية فَلَمَّا جلسنا عِنْده بعد السَّلَام وتفضل بِحسن التودد وَالْكَلَام نظر وَقَالَ بِهَذَا اللَّفْظ مَا رَأَيْت ولدا أشبه بوالد مِنْكُمَا وأنشدني الصاحب فَخر الْقُضَاة بن بصاقة لنَفسِهِ وَقد تشفع بِهِ الْعِمَاد بن السلماسي إِلَى سيف الدّين الْآمِدِيّ بِأَن يشْتَغل عَلَيْهِ (يَا سيدا جمل الله الزَّمَان بِهِ ... وَأَهله من جَمِيع الْعَجم وَالْعرب)

стр. 637

(العَبْد يذكر مَوْلَاهُ بِمَا سبقت ... وَعوده لعماد الدّين عَن كثب) (وَمثل مولَايَ من جَاءَت مواهبه ... عَن غير وعد وجدواه بِلَا طلب) (فأصف من بحرك الْفَيَّاض مورده ... وأغنه من كنوز الْعلم لَا الذَّهَب) (وَاجعَل لَهُ نسبا يُدْلِي إِلَيْك بِهِ ... فلحمة الْعلم تعلو لحْمَة النّسَب) (وَلَا تكله إِلَى كتب تنبئه ... فالسيف أصدق إنباء من الْكتب) الْبَسِيط أَقُول وَقد جَاءَ فِي هَذَا الْبَيْت أحسن مَا يكون من تضمين قَول أبي تَمام لاشتراك لَفْظَة السَّيْف وَلم يزل سيف الدّين مُقيما بِدِمَشْق إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي رَابِع شهر صفر سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَمن شعر سيف الدّين الْآمِدِيّ أَنْشدني وَلَده جمال الدّين مُحَمَّد مِمَّا أنْشدهُ وَالِده سيف الدّين لنَفسِهِ (فَلَا فَضِيلَة إِلَّا من فضائله ... وَلَا غَرِيبَة إِلَّا وَهُوَ منشاها) (حَاز الفخار بِفضل الْعلم وَارْتَفَعت ... بِهِ الممالك لما أَن تولاها) (فَهُوَ الْوَسِيلَة فِي الدُّنْيَا لطالبها ... وَهُوَ الطَّرِيق إِلَى الزلفى بأخراها) الْبَسِيط ولسيف الدّين الْآمِدِيّ من الْكتب كتاب دقائق الْحَقَائِق كتاب رموز الْكُنُوز كتاب لباب الْأَلْبَاب كتاب أبكار الأفكار فِي الْأُصُول كتاب غَايَة المرام فِي علم الْكَلَام كتاب كشف التمويهات فِي شرح التَّنْبِيهَات أَلفه للْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة ابْن تَقِيّ الدّين كتاب غَايَة الأمل فِي علم الجدل شرح كتاب شهَاب الدّين الْمَعْرُوف بالشريف المراغي فِي الجدل كتاب مُنْتَهى السالك فِي رتب المسالك كتاب الْمُبين فِي مَعَاني أَلْفَاظ الْحُكَمَاء والمتكلمين دَلِيل مُتحد الائتلاف وجاد فِي جَمِيع مسَائِل الْخلاف كتاب الترجيحات فِي الْخلاف كتاب المؤاخذات فِي الْخلاف كتاب التعليقة الصَّغِيرَة كتاب التعليقة الْكَبِيرَة عقيدة تسمى خُلَاصَة الإبريز تذكرة الْملك الْعَزِيز بن صَلَاح الدّين كتاب مُنْتَهى السول فِي علم الْأُصُول كتاب منائح القرائح موفق الدّين بن المطران هُوَ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم الْفَاضِل موفق الدّين أَبُو نصر أسعد بن أبي الْفَتْح إلْيَاس بن جرجس المطران كَانَ سيد الْحُكَمَاء وأوحد الْعلمَاء وافر الآلاء جزيل النعماء أَمِير أهل زَمَانه فِي علم صناعَة الطِّبّ وعملها وَأَكْثَرهم تحصيلا لأصولها وجملها جيد المداواة لطيف المداراة عَارِفًا بالعلوم الْحكمِيَّة مُتَعَيّنا فِي الْفُنُون الأدبية وَقَرَأَ علم النَّحْو واللغة وَالْأَدب على الشَّيْخ الإِمَام تَاج الدّين أبي الْيمن زيد بن

стр. 638

الْحسن الْكِنْدِيّ وتميز فِي ذَلِك وَكَانَ مولد موفق الدّين بن المطران ومنشؤه بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ أَيْضا طَبِيبا مُتَقَدما جوالا فِي الْبِلَاد لطلب الْفَضِيلَة وسافر إِلَى بِلَاد الرّوم لإتقان الْأُصُول الَّتِي يعْتَمد عَلَيْهَا فِي علم النَّصَارَى ومذاهبهم ثمَّ عدل بعد ذَلِك إِلَى الْعرَاق وَاجْتمعَ بأمين الدولة بن التلميذ واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ مُدَّة وَقَرَأَ عَلَيْهِ كثيرا من الْكتب الطبية وَصَارَ موسوما بالطب ثمَّ أَنه عَاد إِلَى دمشق وَبَقِي طَبِيبا بهَا إِلَى حِين وَفَاته وَكَانَ موفق الدّين بن المطران حاد الذِّهْن فصيح اللِّسَان كثير الِاشْتِغَال وَله تصانيف تدل على فَضله ونبله فِي صناعَة الطِّبّ وَفِي غَيرهَا من الْعُلُوم واشتغل بالطب على مهذب الدّين بن النقاش وَكَانَ ابْن المطران جميل الصُّورَة كثير التخصص محبا للبس الفاخر الْمُثمن وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وحظي فِي أَيَّامه وَكَانَ رفيع الْمنزلَة عِنْده عَظِيم الجاه وَكَانَ يتحجب عِنْده وَيَقْضِي أشغال النَّاس ونال من جِهَة المَال مبلغا كثيرا وَكَانَ صَلَاح الدّين ﵀ كريم النَّفس كثير الْعَطاء لمن هُوَ فِي خدمته وَلمن يَقْصِدهُ من سَائِر النَّاس حَتَّى أَنه مَاتَ وَلم يُوجد فِي خزانته من المَال شَيْء وَكَانَ لَهُ حسن اعْتِقَاد فِي ابْن المطران لَا يُفَارِقهُ فِي سفر أَو حضر وَلِهَذَا أَنه غمره بإحسانه وأترفه بامتنانه وَكَانَ يغلب على ابْن المطران الزهو بِنَفسِهِ والتكبر حَتَّى على الْمُلُوك وَكَانَ صَلَاح الدّين قد عرف ذَلِك مِنْهُ ويحترمه ويبجله لما قد تحَققه من علمه وَأسلم ابْن المطران فِي أَيَّام صَلَاح الدّين وحَدثني بعض من كَانَ يعرف ابْن المطران فِيمَا يتَعَلَّق بعجبه وإدلاله على صَلَاح الدّين أَنه كَانَ مَعَه فِي بعض غَزَوَاته وَكَانَت عَادَة صَلَاح الدّين فِي وَقت حروبه أَن ينصب لَهُ خيمة حَمْرَاء وَكَذَلِكَ دهليزها وشقتها وَإِن صَلَاح الدّين كَانَ يَوْمًا رَاكِبًا وَإِذا بِهِ قد نظر إِلَى خيمة حَمْرَاء اللَّوْن وَكَذَلِكَ شقتها ومستراحها فَبَقيَ متأملا لَهَا وَسَأَلَ لمن هِيَ فَأخْبر أَنَّهَا لِابْنِ المطران الطَّبِيب فَقَالَ وَالله لقد عرفت أَن هَذَا من حَمَاقَة ابْن المطران وَضحك ثمَّ قَالَ مَا بِنَا إِلَّا يعبر أحد من الرُّسُل فيعتقد أَنَّهَا لأحد الْمُلُوك وَإِذا كَانَ لَا بُد فيغير مستراحها وَأمر بِهِ أَن يرْمى وَلما رمي صَعب ذَلِك على ابْن المطران وَبَقِي يَوْمَيْنِ لم يقرب الْخدمَة فاسترضاه السُّلْطَان ووهب لَهُ مَالا وحَدثني أَيْضا من ذَلِك أَنه كَانَ فِي خدمَة صَلَاح الدّين طَبِيب يُقَال لَهُ أَبُو الْفرج النَّصْرَانِي وَبَقِي فِي خدمته مُدَّة وَله تردد إِلَى دوره فَقَالَ يَوْمًا للسُّلْطَان أَن عِنْده بَنَات وَهُوَ يحْتَاج إِلَى تجهيزهن وَطلب مِنْهُ أَن يُطلق لَهُ مَا يَسْتَعِين بِهِ من ذَلِك فَقَالَ لَهُ صَلَاح الدّين اكْتُبْ فِي ورقة جَمِيع مَا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي تجهيزهن وجيب الورقة فَمضى أَبُو الْفرج وَكتب فِي ورقة من المصاغ والقماش والآلات وَغير ذَلِك مَا يكون بِنَحْوِ ثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَلما قَرَأَ صَلَاح الدّين الورقة أَمر الخزندار بِأَن يَشْتَرِي لأبي الْفرج جَمِيع مَا تضمنته وَلَا يخل بِشَيْء مِنْهُ وَلما بلغ ذَلِك ابْن المطران قصر فِي ملازمته الْخدمَة وَتبين لصلاح الدّين مِنْهُ تغير فِي وَجهه فَعرف السَّبَب ثمَّ أَمر الخزندار بِأَن يحضر جَمِيع مَا وصل إِلَى أبي الْفرج الطَّبِيب مِمَّا اشْتَرَاهُ لَهُ ويحسب جملَة ثمنه وَمهما بلغ من المَال يدْفع إِلَى ابْن المطران مثله سَوَاء فَفعل ذَلِك

стр. 639

وحَدثني أَبُو الظَّاهِر إِسْمَاعِيل وَكَانَ يعرف ابْن المطران ويأنس بِهِ أَن الْعجب والتكبر الَّذِي كَانَ يغلب على ابْن المطران لم يكن على شَيْء مِنْهُ فِي أَوْقَات طلبه الْعلم وَقَالَ أَنه كَانَ يرَاهُ فِي الْأَوْقَات الَّتِي يشْتَغل فِيهَا بالنحو فِي الْجَامِع يَأْتِي إِذا تفرغ من دَار السُّلْطَان وَهُوَ فِي مركبة حفلة وحواليه جمَاعَة كَثِيرَة من المماليك التّرْك وَغَيرهم فَإِذا قرب من الْجَامِع ترجل وَأخذ الْكتاب الَّذِي يشْتَغل فِيهِ فِي يَده أَو تَحت أبطه وَلم يتْرك أحدا مَا يَصْحَبهُ وَلَا يزَال مَاشِيا وَالْكتاب مَعَه إِلَى حَلقَة الشَّيْخ الَّذِي يقْرَأ عَلَيْهِ فَيسلم وَيقْعد بَين الْجَمَاعَة وَهُوَ بكيس ولطف إِلَى أَن يفرغ من الْقِرَاءَة وَيعود إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ الصاحب جمال الدّين القَاضِي الأكرم أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم القفطي أَن الْحَكِيم موفق الدّين أسعد بن المطران لما أسلم وَكَانَ نَصْرَانِيّا حسن إِسْلَامه وزوجه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين قدس الله روحه إِحْدَى حظايا دَاره وَاسْمهَا جوزة وَكَانَت جوزة هَذِه جَارِيَة خوندخاتون بنت معِين الدّين وَزَوْجَة صَلَاح الدّين وَكَانَت مُدبرَة دارها والمتقدمة عِنْدهَا من جواريها وأعطتها الْكثير من حليها وذخائرها ومولتها وخولتها فرتبت أُمُوره وهذبت أَحْوَاله وَحسنت زيه وجملت ظَاهره وباطنه وَصَارَ لَهُ ذكر سَام فِي الدولة وحصلت لَهُ أَمْوَال جمة من أُمَرَاء الدولة فِي حَال مُبَاشَرَته لَهُم فِي أمراضهم وتنافسوا فِي الْعَطاء لَهُ وترقت حَاله عِنْد سُلْطَانه إِلَى أَن كَاد يكون وزيرا وَكَانَ كثيرا الاشتمال على أهل هَذِه الصِّنَاعَة الطبية والحكمية يقدمهم ويتوسط فِي أَرْزَاقهم قَالَ وَلَقَد أَخْبرنِي الْفَقِيه إِسْمَاعِيل بن صَالح بن الْبناء القفطي خطيب عيذاب قَالَ لما فتح السُّلْطَان السَّاحِل ارتحلت عَن عيذاب لزيارة الْبَيْت الْمُقَدّس فَلَمَّا حصلت بِالشَّام رَأَيْت جبالا مشجرة بِعَدَد براري عيذاب المصحرة فاشتقت إِلَى الْمقَام بِالشَّام وتحيلت فِي الرزق بِهِ فقصدت الْفَاضِل عبد الرَّحِيم وَسَأَلته كتابا إِلَى السُّلْطَان فِي توليتي خطابة قلعة الكرك فَكتب لي كتابا هُوَ مَذْكُور فِي ترسله وَهُوَ حسن التلطف قَالَ فاحضرته إِلَى دمشق وَالسُّلْطَان بهَا فارشدت فِي عرضه إِلَى ابْن المطران فقصدته فِي دَاره وَدخلت عَلَيْهِ بِإِذْنِهِ فرأيته حسن الْخلقَة والخلق لطيف الِاسْتِمَاع وَالْجَوَاب وَرَأَيْت دَاره وَهِي على غَايَة من الْحسن فِي الْعِمَارَة والتجمل وَرَأَيْت أنابيب بركته الَّتِي يبرز مِنْهَا المَاء وَهِي ذهب على غَايَة مَا يكون من حسن الصَّنْعَة وَرَأَيْت لَهُ غُلَاما يتحجب بَين يَدَيْهِ اسْمه عمر فِي غَايَة جمال الصُّورَة ثمَّ رَأَيْت من الْفرش الطرح وشممت من الرَّائِحَة الطّيبَة مَا هالني وَسَأَلته الْحَاجة الَّتِي قصدته فِيهَا فأنعم بإنجازها وَقَالَ الصاحب جمال الدّين وَرَأَيْت زَوجته وَابْن عمر حَاجِبه وَقد حضرا بعد سنة سِتّمائَة إِلَى حلب على رقة من الْحَال وَنزلا فِي الكنف الملكي الظَّاهِرِيّ سقى الله عَهده وأقيما بِهِ بِصَدقَة قررت لَهما وَمَاتَتْ هِيَ بعد مُدَّة وَلَا أعلم بعْدهَا لولد عمر خَبرا

стр. 640

وحَدثني الشَّيْخ موفق الدّين بن البوري الْكَاتِب النَّصْرَانِي قَالَ لما فتح الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب الكرك أَتَى إِلَى دمشق الْحَكِيم موفق الدّين يَعْقُوب بن سقلاب النَّصْرَانِي وَهُوَ شَاب على رَأسه كوفية وتخفيفة صَغِيرَة وَهُوَ لابس جوخة ملوطة زرقاء زِيّ أطباء الفرنج وَقصد الْحَكِيم موفق الدّين بن المطران وَصَارَ يَخْدمه ويتردد إِلَيْهِ لَعَلَّه يَنْفَعهُ فَقَالَ لَهُ هَذَا الزي الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ مَا يمشي لَك بِهِ حَال فِي الطِّبّ فِي هَذِه الدولة بَين الْمُسلمين وَإِنَّمَا الْمصلحَة أَن تغير زيك وتلبس عَادَة الْأَطِبَّاء فِي بِلَادنَا ثمَّ أخرج لَهُ جُبَّة وَاسِعَة عنابية وبيقارا مكملا وَأمره أَن يَلْبسهُمَا ثمَّ قَالَ لَهُ إِن هَهُنَا أَمِيرا كَبِيرا يُقَال لَهُ مَيْمُون القصري وَهُوَ مَرِيض وَأَنا أتردد إِلَيْهِ وأداويه فتعال معي حَتَّى تكون تعالجه فَلَمَّا رَاح مَعَه قَالَ للأمير هَذَا طَبِيب فَاضل وَإِنِّي اعْتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وأثق بِهِ فَيكون يلزمك ويباشر أحوالك فِي كل وَقت وَيُقِيم عنْدك إِلَى أَن تَبرأ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فامتثل قَوْله وَصَارَ الْحَكِيم يَعْقُوب ملازما لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا إِلَى أَن تعافى فَأعْطَاهُ خَمْسمِائَة دِينَار فَلَمَّا قبضهَا حملهَا إِلَى ابْن المطران وَقَالَ لَهُ يَا مَوْلَانَا هَذَا مَا أَعْطَانِي وَقد أحضرته إِلَى مَوْلَانَا فَقَالَ لَهُ خُذْهُ فَأَنا مَا قصدت إِلَّا نفعك فَأَخذه ودعا لَهُ وحَدثني الْحَكِيم عز الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن السويدي قَالَ كَانَ ابْن المطران جَالِسا على بَاب دَاره وَقد أَتَاهُ شَاب من أهل نعْمَة وَعَلِيهِ زِيّ الجندية وَأَعْطَاهُ ورقة فِيهَا اثْنَا عشر بَيْتا من الشّعْر يمتدحه بهَا فَلَمَّا قَرَأَهَا ابْن المطران قَالَ أَنْت شَاعِر فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي من أهل الْبيُوت وَقد نزل الدَّهْر بِي وَقد أتيت الْمولى وَجعلت قيادي بِيَدِك لتدبرني مِمَّا حسن فِيهِ رَأْيك العالي فَدخل إِلَى دَاره واستدعى الشَّاب وَقدم لَهُ طَعَاما فَأكل وَقَالَ لَهُ إيش تَقول قد مرض عز الدّين فرخشاه صَاحب صرخد وَهَذَا الْمَرَض يعتاده فِي كل حِين فَإِنِّي رَأَيْت أَن أسيرك إِلَيْهِ تعالجه فَهُوَ يحصل لَك من جِهَته شَيْء جيد قَالَ لَهُ يَا مولَايَ من أَيْن لي معرفَة بصناعة الطِّبّ أَو دربة فَقَالَ مَا عَلَيْك أَنا أكتب مَعَك دستورا تمشي عَلَيْهِ وَلَا تخرج عَنهُ فَقَالَ الشَّاب السّمع وَالطَّاعَة فَلَمَّا خرج الشَّاب لحقه الْغُلَام ببقجة فِيهَا عدَّة قطع قماش مخيط وَفرس بسرج ولجام فَقَالَ لَهُ خُذ هَذَا القماش البسه وَهَذَا الْفرس اركبه وتجهز إِلَى صرخد فَقَالَ لَهُ يَا سَيِّدي إِنَّه لم يكن لي مَكَان أَبيت الْفرس فَقَالَ اتركها عندنَا وَشد عَلَيْهَا بكرَة النَّهَار وسافر على خيرة الله تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ بكرَة النَّهَار حضر الشَّاب إِلَى بَاب دَار ابْن المطران فَأعْطَاهُ كتابا قد كتبه على يَده إِلَى عز الدّين فرخشاه صَاحب صرخد وَأَعْطَاهُ تذكرة بِمَا يعتمده فِي مداواته وَأَعْطَاهُ مِائَتي دِرْهَم وَقَالَ اتركها عِنْد بَيْتك نَفَقَة وسافر الشَّاب إِلَى صرخد وداوى عز الدّين فرخشاه بِمَا أمره بِهِ فبرأ وَدخل الْحمام وخلع عَلَيْهِ خلعة مليحة من أَجود مَا يكون وَأَعْطَاهُ بغلة بسرج وسرفسار ذهب وَألف دِينَار مصرية وَقَالَ تخدمني فَقَالَ لَهُ مَا أقدر يَا مَوْلَانَا حَتَّى أشاور شَيْخي الْحَكِيم موفق الدّين ابْن المطران فَقَالَ لَهُ عز الدّين وَمن هُوَ الْحَكِيم موفق الدّين مَا هُوَ إِلَّا غُلَام أخي لَا سَبِيل إِلَى

стр. 641

خُرُوجك من صرخد وألحوا عَلَيْهِ فِي القَوْل وشددوا فَقَالَ إِذا كَانَ وَلَا بُد فَأَنا أمضي إِلَى منزلي وأجيء فَمضى إِلَى منزله وأحضر الخلعة وَالذَّهَب وَمَا مَعهَا وَقَالَ هَذَا الَّذِي أعطيتموني خذوه وَأَنا فوَاللَّه مَا أعرف صناعَة الطِّبّ وَلَا أَدْرِي مَا هِيَ وَإِنَّمَا أَنا جرى لي مَعَ الْحَكِيم ابْن المطران كَذَا وَكَذَا وقص عَلَيْهِ الْوَاقِعَة كَمَا وَقعت فَقَالَ لَهُ عز الدّين مَا عَلَيْك أَن لَا تكون طَبِيبا أَنْت مَا تعرف تلعب بالنرد وَالشطْرَنْج فَقَالَ بلَى وَكَانَ الشَّاب لَدَيْهِ أدب وفضيلة فَقَالَ لَهُ عز الدّين قد تركتك حاجبي وَجعلت لَك إقطاعا فِي السّنة يعْمل اثْنَيْنِ وَعشْرين ألف دِرْهَم فَقَالَ السّمع وَالطَّاعَة يَا مولَايَ بل أسأَل دستورا إِلَى دمشق أَن أروح إِلَى الْحَكِيم موفق الدّين وَأَقْبل يَده وأشكره على مَا فعل معي من الْخَيْر فَأعْطِي دستورا وأتى إِلَى الْحَكِيم موفق الدّين وَقبل يَده وشكره شكرا كثيرا وأحضر الَّذِي حصل بَين يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ قد حصل لي هَذَا فَخذه فَرده عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَنا مَا قصدت إِلَّا نفعك خُذْهُ بَارك الله لَك فِيهِ وعرفه الشَّاب بِمَا جرى لَهُ مَعَ عز الدّين وَصُورَة الْخدمَة وَاسْتمرّ الشَّاب فِي خدمَة عز الدّين وَكَانَ ذَلِك الْإِحْسَان من مُرُوءَة موفق الدّين ابْن المطران أَقُول وَكَانَت لموفق الدّين بن المطران همة عالية فِي تَحْصِيل الْكتب حَتَّى أَنه مَاتَ وَفِي خزانته من الْكتب الطبية وَغَيرهَا مَا يناهز عشرَة آلَاف مجلدا خَارِجا عَمَّا استنسخه وَكَانَت لَهُ عناية بَالِغَة فِي استنساخ الْكتب وتحريرها وَكَانَ فِي خدمته ثَلَاثَة نساخ يَكْتُبُونَ لَهُ أبدا وَلَهُم مِنْهُ الجامكية والجراية وَكَانَ من جُمْلَتهمْ جمال الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الجمالة وَكَانَ خطه مَنْسُوبا وَكتب ابْن المطران أَيْضا بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة وَقد رَأَيْت عدَّة مِنْهَا وَهِي فِي نِهَايَة حسن الْخط وَالصِّحَّة وَالْإِعْرَاب وَكَانَ كثير المطالعة للكتب لَا يفتر من ذَلِك فِي أَكثر أوقاته وَأكْثر الْكتب الَّتِي كَانَت عِنْده تُوجد وَقد صححها وأتقن تحريرها وَعَلَيْهَا خطه بذلك وَبلغ من كَثْرَة اعتنائه بالكتب وغوايته فِيهَا أَنه جَامع لكثير من الْكتب الصغار والمقالات المتفرقة فِي الطِّبّ وَهِي فِي الْأَكْثَر يُوجد جمَاعَة مِنْهَا فِي مُجَلد وَاحِد استنسخ كلا مِنْهَا بِذَاتِهِ فِي جُزْء صَغِير قطع نصف ثمن الْبَغْدَادِيّ بمسطرة وَاضِحَة وَكتب بِخَطِّهِ أَيْضا عدَّة مِنْهَا وَاجْتمعَ عِنْده من تِلْكَ الْأَجْزَاء الصغار مجلدات كَثِيرَة جدا فَكَانَ أبدا لَا يُفَارق فِي كمه مجلدا يطالعه على بَاب دَار السُّلْطَان أَو أَيْن توجه وَبعد وَفَاته بِيعَتْ جَمِيع كتبه وَذَلِكَ أَنه مَا خلف ولدا وحَدثني الْحَكِيم عمرَان الإسرائيلي أَنه لما حضر بيع كتب ابْن المطران وجدهم وَقد أخرجُوا من هَذِه الْأَجْزَاء الصغار ألوفا كَثِيرَة أَكْثَرهَا بِخَط ابْن الجمالة وَأَن القَاضِي الْفَاضِل بعث يستعرضها فبعثوا إِلَيْهِ بملء خزانَة صَغِيرَة مِنْهَا وجدت كَذَلِك فَنظر فِيهَا ثمَّ ردهَا فبلغت فِي المناداة ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وَاشْترى الْحَكِيم عمرَان أَكْثَرهَا وَقَالَ لي إِنَّه حصل الِاتِّفَاق مَعَ الْوَرَثَة فِي بيعهَا أَنهم أطْلقُوا مَعَ كل جُزْء مِنْهَا بدرهم فَاشْترى الْأَطِبَّاء مِنْهُم هَذِه الْأَجْزَاء الصغار على الثّمن بِالْعدَدِ أَقُول وَكَانَ ابْن المطران كثير الْمُرُوءَة كريم النَّفس ويهب لتلامذته الْكتب وَيحسن إِلَيْهِم وَإِذا جلس أحد مِنْهُم لمعالجة المرضى يخلع عَلَيْهِ وَلم يزل معتنيا بأَمْره وَكَانَ أجل تلامذته شَيخنَا مهذب

стр. 642

الدّين بن عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ وَكَانَ كثير الْمُلَازمَة لَهُ والاشتغال عَلَيْهِ وسافر مَعَه مَرَّات فِي غزوات صَلَاح الدّين لما فتح السَّاحِل وَمِمَّا حَدثنِي شَيخنَا مهذب الدّين عَنهُ فِيمَا يتَعَلَّق بمعالجاته قَالَ كَانَ أَسد الدّين شيركوه صَاحب حمص قد طلب ابْن المطران فَتوجه إِلَيْهِ وَكنت مَعَه فَبَيْنَمَا نَحن فِي بعض الطَّرِيق وَإِذا رجل مجذوم استقبله وَقد قوي بِهِ الْمَرَض حَتَّى تَغَيَّرت خلقته وتشوهت صورته فاستوصف مِنْهُ مَا يتَنَاوَلهُ وَمَا يتداوى بِهِ فَبَقيَ كالمتبرم من رُؤْيَته وَقَالَ لَهُ كل لُحُوم الأفاعي فعاوده فِي الْمَسْأَلَة فَقَالَ كل لُحُوم الأفاعي فَإنَّك تَبرأ قَالَ ومضينا إِلَى حمص وعالج الْمَرِيض الَّذِي رَاح بِسَبَبِهِ إِلَى أَن تماثل وَصلح ورجعنا فَلَمَّا كُنَّا فِي الطَّرِيق وَإِذا بشاب حسن الصُّورَة كَامِل الصِّحَّة قد سلم علينا وَقبل يَده فَلم نعرفه وَقَالَ لَهُ من أَنْت فَعرفهُ بِنَفسِهِ وَأَنه صَاحب الْمَرَض الَّذِي كَانَ قد شكاه إِلَيْهِ وَأَنه لما اسْتعْمل مَا وَصفه لَهُ صلح بِهِ من غير أَن يحْتَاج مَعَه إِلَى دَوَاء آخر فتعجبنا من ذَلِك فِي كَمَال برئه وودعنا وَانْصَرف وحَدثني أَيْضا عَنهُ أَنه كَانَ مَعَه فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه نور الدّين ابْن زنكي وَهُوَ يعالج المرضى المقيمين بِهِ فَكَانَ من جُمْلَتهمْ رجل بِهِ استقصاء زقي استحكم بِهِ فقصد إِلَى بزله وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت فِي البيمارستان ابْن حمدَان الجرائحي وَله يَد طولى فِي العلاج فجزموا على بزل المستسقي قَالَ فحضرنا وبزل الْموضع على مَا يجب فجرت مائية صفراء وَابْن المطران يتفقد نبض الْمَرِيض فَلَمَّا رأى أَن قوته لَا تفي بِإِخْرَاج أَكثر من ذَلِك أَمر بشد الْموضع وَأَن يستلقي الْمَرِيض وَلَا يُغير الرِّبَاط أصلا وَوجد الْمَرِيض خفَّة وراحة كَبِيرَة وَكَانَت عِنْده زَوجته فأوصاها ابْن المطران أَنَّهَا لَا تمكنه من حل الرِّبَاط وَلَا تغيره بِوَجْه من الْوُجُوه إِلَى أَن يبصره فِي ثَانِي يَوْم فَلَمَّا انصرفنا وَجَاء اللَّيْل قَالَ زَوجهَا إِنَّنِي قد وجدت الْعَافِيَة وَمَا بَقِي بِي شَيْء وَإِنَّمَا الْأَطِبَّاء قصدهم أَن يطولوا بِي فَحل الرِّبَاط حَتَّى يخرج هَذَا المَاء الَّذِي قد بَقِي وأقوم فِي شغلي فأنكرت عَلَيْهِ قَوْله وَلم تقبل مِنْهُ فعادوها بالْقَوْل وَكرر ذَلِك عَلَيْهَا مَرَّات وَلم يعلم أَن بَقِيَّة المائية إِنَّمَا جعلُوا إِخْرَاجه فِي وَقت آخر مُرَاعَاة لحفظ قوته وشفقة عَلَيْهِ فَلَمَّا حلت الرِّبَاط وَجَرت المائية بأسرها خارت قوته وَهلك وحَدثني أَيْضا أَنه رأى فِي البيمارستان مَعَ ابْن المطران رجلا قد فلجت يَده من أحد شقي الْبدن وَرجله الْمُخَالفَة لَهَا من الشق الآخر فعالجه فِي أسْرع وَقت وَدبره بالأدوية الموضعية فصلح أَقُول وَكَانَ لموفق الدّين أسعد بن إلْيَاس بن المطران أَخَوان أَيْضا قد اشتغلا بصناعة الطِّبّ أَحدهمَا هبة الله بن إلْيَاس وَالْآخر ابْن إلْيَاس وَتُوفِّي موفق الدّين بن المطران فِي شهر ربيع الأول سنة سبع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق ونقلت من خطّ البديع عبد الرازق بن أَحْمد العامري

стр. 643

الشَّاعِر يمدح موفق الدّين بن المطران بعد إِسْلَامه وَذَلِكَ فِي ثَالِث شهر رَمَضَان سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة (ينْهَى إِلَيْك وَلَيْسَ عَنْك بمنته ... قلب على صاب الصبابة مكرهي) (شوقا أدل على الْفُؤَاد فَلم يفد ... بمدله الأغرام غير مدله) (يدنو فيغدو فِيك حلف تفكه ... وَلكم بَعدت فَبَاتَ إلْف تفكه) (يهوى الَّذِي تهوى ويعشق قلب ... مَا تشْتَهي فيصد عَمَّا يَشْتَهِي) (تجني وَيعلم مَا جنيت فيجتني ... عذرا يوجهه بِوَجْه أبله) (لعجبت من مغض على نَار الغضا ... مَا زَالَ مُسْتَندا الى صَبر يهي) (فطن دهاه فِي حشاشته الْهوى ... غررا وَلنْ يدهى سوى الفطن الدهي) (وَلَقَد نها وَنَهَاهُ عَنْك وَلم يزل ... يزْدَاد غيا فِي هَوَاك اذا نهي) (لَو ساعد التَّوْفِيق لم يَك لائذا ... بسوى الْمُوفق ذِي الْمحل الانبه) (من لَا يرى الاحسان فِي الاقوال مَا ... لم يتلها بفعال غير مموه) (جم النهى ويداه أنهاء الندى ... للوفد مَا عَنْهَا امْرُؤ بمنهنه) (رُؤْيَاهُ للادواء حاسمة فكم ... مشف شفَاه بذلك الْوَجْه الْبَهِي) (جد حوى جدا وجود محوز ... حمد يطرز حلَّة الْمجد الشهي) (ضاهي ابْن مَرْيَم حِكْمَة وسعادة ... فعنا الاعز لَهُ عنو موله) (هُوَ عصمَة اللاجي فان هُوَ لم يكن ... الاده للمستجير فلاده) (نصر العفاة على الزَّمَان ندى أبي ... نصر أخي الجاه الْوَجِيه فلاجه) (ذِي المنصب العادي غير مدافع ... والنطق فِي النادي وَلما ينده) (الالمعي الاريحي المرتجى ... واللوذعي الفيلسوف المدره) (الْعَالم الحبر الَّذِي حَاز الْغَنِيّ ... وحوى الْعلَا طفْلا فلب وَمَا زهي) (واذا الْخَلَائق أشبهت أَمْثَالهَا ... فِي الاكرمين فَمَا لَهُ من مشبه) (واذا الخواكر أَصبَحت مشدوهة ... فضل الانام بخاطر لم يشده) (أعفى الانام عَن الثَّنَاء فحازه ... بيَدي جواد باللهى متنبه) (فلك من الاحسان حِين وصلته ... أُغني باعلى اوجه عَن اوجه) (أضحى ثرى مغناه وَهُوَ لي الْغنى ... عَنهُ الاياب كَمَا اليه تَوَجُّهِي) (هِيَ نفثة المصدور اصدر وردهَا ... الحساد بَين مقهقر ومقهقه)

стр. 644

(مَا اقْربْ الآمال من ذِي الهمة ... الحسرى وابعدها من المترفه) (لَوْلَا رَجَاء الْبُرْء مَا ارجأتها ... من بعد مَا سبقت عتاق الفره) (لَكِنَّهَا سرت بمبدا برئه ... فسرت اليه وجسمه لم ينقه) (وغدت مهنئة بِشَهْر صِيَامه ... بفصيح قَول لم يكن بمفهفه) (يَا اِسْعَدْ اصغ الى مدائح أفوه ... بعلاك فاق على البليغ الافوه) (راج حداه ولاءهفسرى على ... عِيسَى الرَّجَاء بِكُل مرت مهمه) (وأراك للشكوى الممضة مشكيا ... بضياء نور سريرة لم تعمه) (طَال اشتكائي للأنام وَلَا أرى ... مِمَّن شَكَوْت إِلَيْهِ غير مسفه) (وَلكم دهيت مَعَ الوثوق وَلست فِي ... أَمْرِي بِأول واثق يقظ دهي) (قد كنت فِي أهل الرسوم أقلهم ... حظا وَأكْثر فِي المديح الأنزه) (فَلَمَّا رأى السُّلْطَان نقصي بَعْدَمَا ... قد زِدْت فِي مدحي لَهُ وتألهي) (شَره الْفَتى دَاء وَخير طَعَامه ... مَا كَانَ كافيه وَلما يشره) (ومطاعم الأطماع تأسن والغنى ... فِي النَّفس لم يأسن وَلم يتسنه) (لَا تجبه الْأَيَّام إِلَّا رَاغِبًا ... وأخو القناعة وادع لم يجبهُ) (آها لأيامي وَلَوْلَا سوء مَا ... لاقيت من زمن لقل تأوهي) (وَلكم أنوه فِي الزَّمَان وَأَهله ... بثناء من لم يمس لي بمنوه) (إِذْ لَا يُحَرك أهل دهري للندى ... شعر الْوَلِيد وَلَا غناء البندهي) (وَمن العناء معاتب لَا يرعوي ... عَن غيه ومعاقب لَا يَنْتَهِي) ولموفق الدّين بن المطران من الْكتب كتاب بُسْتَان الْأَطِبَّاء وروضة الألباء غَرَضه فِيهِ أَن يكون جَامعا لكل مَا يجده من ملح ونوادر وتعريفات مستحسنة مِمَّا طالعه أَو سَمعه من الشُّيُوخ أَو نسخه من الْكتب الطبية وَلم يتم هَذَا الْكتاب وَالَّذِي وجدته مِنْهُ بِخَط شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين جزآن الأول مِنْهُمَا قد قَرَأَهُ على ابْن المطران وَعَلِيهِ خطه والجزء الثَّانِي ذكر مهذب الدّين فِيهِ أَن ابْن المطران وافاه الْأَجَل قبل قِرَاءَته لَهُ عَلَيْهِ الْمقَالة الناصرية فِي حفظ الْأُمُور الصحية قصد فِيهَا الإيجاز والبلاغ وَقد رتبها أحسن تَرْتِيب وَجعلهَا باسم السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَوجدت

стр. 645

الأَصْل الأول من هَذَا الْكتاب وَهُوَ بِخَط جمال الدّين الْمَعْرُوف باسم الجمالة كَاتب ابْن المطران مترجما الْمقَالة النجمية فِي التدابير الصحية وَكَأَنَّهُ كَانَ صنفها لنجم الدّين أَيُّوب وَالِد صَلَاح الدّين فَلَمَّا توفّي وَلم يوصلها إِلَيْهِ جعلهَا باسم وَلَده اخْتِصَار كتاب الْأَنْوَار للكسدانيين إِخْرَاج أبي بكر أَحْمد بن عَليّ بن وحشية أَخْتَصِرهُ وَفرغ مِنْهُ فِي رَجَب سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة لغز فِي الْحِكْمَة كتاب على مَذْهَب دَعْوَة الْأَطِبَّاء كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لم يتم وَكَانَ قد قصد فِيهِ أَن يستوعب ذكر كل دَوَاء على غَايَة مَا يُمكنهُ كتاب آدَاب طب الْمُلُوك وحَدثني نسيب لَهُ أَنه لما توفّي كَانَت عِنْده مسودات عدَّة لمصنفات طبية وَغَيرهَا وتعاليق مُتَفَرِّقَة فَأخذ أخواته تِلْكَ المسودات وضاعت بَينهُنَّ وَقَالَ لي أَنه رأى عِنْد إِحْدَاهُنَّ صندوقا أَرَادَت أَن تبطنه وَقد ألصقت فِي بَاطِنه جملَة من هَذِه الأوراق الَّتِي بِخَطِّهِ مهذب الدّين بن الْحَاجِب كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا فَاضلا فِي الصِّنَاعَة الطبية متقنا للعلوم الرياضية معتنيا بالأدب مُتَعَيّنا فِي علم النَّحْو مولده بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا واشتغل بصناعة الطِّبّ على مهذب الدّين بن النقاش ولازمه مُدَّة وَلما كَانَ شرف الدّين الطوسي بِمَدِينَة الْموصل وَكَانَ أوحد زَمَانه فِي الْحِكْمَة والعلوم الرياضية وَغَيرهَا سَافر ابْن الْحَاجِب والحكيم موفق الدّين عبد الْعَزِيز إِلَيْهِ ليجتمعا بِهِ ويشتغلا عَلَيْهِ فوجداه قد توجه إِلَى مَدِينَة طوس فأقاما هُنَالك مُدَّة ثمَّ سَافر ابْن الْحَاجِب إِلَى أربل وَكَانَ بهَا فَخر الدّين ابْن الدهان المنجم فَاجْتمع بِهِ ولازمه وَحل مَعَه الزيج الَّذِي كَانَ قد صنعه ابْن الدهان وأتقن قِرَاءَته عَلَيْهِ وَنَقله بِخَطِّهِ وَرجع إِلَى دمشق وَكَانَ هَذَا ابْن الدهان المنجم يعرف بِأبي شُجَاع ويلقب بالثعيلب وَهُوَ بغدادي أَقَامَ بالموصل عشْرين سنة وَتوجه إِلَى دمشق فَأكْرمه صَلَاح الدّين والفاضل وَجَمَاعَة الرؤساء وأجرى لَهُ ثَلَاثِينَ دِينَارا كل شهر وَكَانَ لَهُ دين وورع ونسك كثير الصّيام يعْتَكف فِي جَامع دمشق أَرْبَعَة أشهر وَأكْثر ولأجله عملت الْمَقْصُورَة الَّتِي بالكلاسة وَله تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا الزيج الْمَشْهُور الَّذِي لَهُ وَهُوَ جيد صَحِيح وَمِنْهَا الْمِنْبَر فِي الْفَرَائِض وَهُوَ مَشْهُور كتاب فِي غَرِيب الحَدِيث عشر مجلدات وَكتاب فِي الْخلاف مجدول على وضع تَقْوِيم الصِّحَّة وَكَانَ دَائِم الِاشْتِغَال وَله شعر كثير وَقصد الْحَج فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَغْدَاد توفّي بهَا وَدفن عِنْد قبر أَبِيه وَأمه بعد غيبته أَكثر من أَرْبَعِينَ سنة وَكَانَ مهذب الدّين بن الْحَاجِب كثير الِاشْتِغَال محبا للْعلم قوي النّظر فِي صناعَة الهندسة وَكَانَ قبل اشتهاره بصناعة الطِّبّ قد خدم فِي السَّاعَات الَّتِي عِنْد الْجَامِع بِدِمَشْق ثمَّ تميز فِي صناعَة الطِّبّ وَصَارَ من جملَة أعيانها وخدم بصناعة الطِّبّ فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين ابْن زنكي ثمَّ خدم تَقِيّ الدّين عمر صَاحب حماة وَلم يزل فِي خدمته بحماة إِلَى أَن توفّي تَقِيّ الدّين ثمَّ عَاد ابْن الْحَاجِب إِلَى دمشق وَتوجه إِلَى الديار المصرية وخدم الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن

стр. 646

أَيُّوب بصناعة الطِّبّ وَبَقِي فِي خدمته إِلَى أَن توفّي صَلَاح الدّين ثمَّ توجه إِلَى الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة ابْن تَقِيّ الدّين وَأقَام عِنْده نَحْو سنتَيْن وَتُوفِّي بحماة بعلة الاسْتِسْقَاء الشريف الكحال هُوَ السَّيِّد برهَان الدّين أَبُو الْفضل سُلَيْمَان أصليته من مصر وانتقل إِلَى الشَّام شرِيف الأعراق لطيف الْأَخْلَاق حُلْو الشَّمَائِل مَجْمُوع الْفَضَائِل وَكَانَ عَالما بصناعة الْكحل وافر الْمعرفَة وَالْفضل متقنا للعلوم الأدبية بارعا فِي فنون الْعَرَبيَّة متميزا فِي النّظم والنثر مُتَقَدما فِي عمل الشّعْر وخدم بصناعة الْكحل السُّلْطَان الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الجامكية السّنيَّة والمنزلة الْعلية والإنعام الْعَام والتفضل التَّام وَلم يزل مستمرا فِي خدمته مُتَقَدما فِي دولته إِلَى أَن توفّي ﵀ وَمن ملح مَا للْقَاضِي الْفَاضِل فِيهِ على سَبِيل المجون وَمِمَّا أَنْشدني الشَّيْخ الْحَافِظ نجيب الدّين أَبُو الْفَتْح نصر الله بن عقيله الشَّيْبَانِيّ قَالَ أَنْشدني القَاضِي الْفَاضِل عبد الرَّحِيم بن عَليّ لنَفسِهِ فِي الشريف الكحال (رجل توكل بِي وكحلني ... فدهيت فِي عَيْني وَفِي عَيْني) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (عَاد بني الْعَبَّاس حَتَّى أَنه ... سلب السوَاد من الْعُيُون بكحله) وَكَانَ قد أهْدى الشريف أَبُو الْفضل الكحال الْمَذْكُور إِلَى شرف الدّين بن عنين خروفا وَهُوَ يَوْمئِذٍ بالديار المصرية فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ وجده هزيلا ضَعِيفا فَكتب إِلَيْهِ يَقُول على سَبِيل المداعبة (أَبُو الْفضل وَابْن الْفضل أَنْت وَأَهله ... فَغير بديع أَن يكون لَك الْفضل) (أَتَتْنِي أياديك الَّتِي لَا أعدهَا ... لكثرتها لَا كفر نعمى وَلَا جهل) (ولكنني أنبيك عَنْهَا بطرفة ... تروقك مَا وافى لَهَا قبلهَا مثل) (أَتَانِي خروف مَا شَككت بِأَنَّهُ ... حَلِيف هوى قد شفه الهجر والعذل) (إِذا قَامَ فِي شمس الظهيرة خلته ... خيالا سرى فِي ظلمَة مَا لَهُ ظلّ) (فناشدته مَا تشْتَهي قَالَ قَتَّة ... وقاسمته مَا شفه قَالَ لي الْأكل) (فاحضرتها خضراء مجاجة الثرى ... مسلمة مَا خص أَو راقها الفتل) (فظل يراعيها بِعَين ضَعِيفَة ... وينشدها والدمع فِي الْعين منهل) (أَتَت وحياض الْمَوْت بيني وَبَينهَا ... وجادت بوصل حِين لَا ينفع الْوَصْل) الطَّوِيل

стр. 647

أَبُو مَنْصُور النَّصْرَانِي كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا عَالما حسن المعالجة والمداواة وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين ابْن أَيُّوب وَبَقِي سِنِين فِي خدمته أَبُو النَّجْم النَّصْرَانِي هُوَ أَبُو النَّجْم بن أبي غَالب بن فَهد بن مَنْصُور بن وهب بن قيس بن مَالك كَانَ طَبِيبا مَشْهُورا فِي زَمَانه جيد الْمعرفَة بصناعة الطِّبّ مَحْمُود الطَّرِيقَة فِيهَا مشكور المعالجة حسن الْعشْرَة محبا للخير وَكَانَ يقْرَأ عَلَيْهِ علم الطِّبّ ويعد من جملَة الْفُضَلَاء المتميزين فِي وقته وحَدثني أَبُو الْفَتْح بن مهنا النَّصْرَانِي أَن أَبَا النَّجْم كَانَ أَبوهُ فلاحا فِي قَرْيَة شفا من أَرض حوران وَكَانَ يعرف بالعيار وَكَانَ ابْنه أَبُو النَّجْم هَذَا صَبيا فَأَخذه بعض الْأَطِبَّاء بِدِمَشْق عِنْده وَلما كبر علمه صناعَة الطِّبّ وعرفه أَعمالهَا وخدم أَبُو النَّجْم بصناعة الطِّبّ الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وحظي عِنْده وَكَانَ مكينا فِي الدولة وَبَقِي فِي خدمته مُدَّة وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى دوره ويعالجهم مَعَ جملَة الْأَطِبَّاء وَتُوفِّي أَبُو النَّجْم النَّصْرَانِي بِدِمَشْق فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَله ولد طَبِيب وَهُوَ أَمِين الدولة أَبُو الْفَتْح ابْن أبي النَّجْم وَله من الْكتب كتاب الموجز فِي الطِّبّ وَهُوَ يشْتَمل على علم وَعمل أَبُو الْفرج النَّصْرَانِي كَانَ طَبِيبا فَاضلا عَالما بصناعة الطِّبّ جيد الْمعرفَة بهَا حسن العلاج متميزا فِي زَمَانه وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ يحترمه وَيرى لَهُ وخدم أَيْضا الْملك الْأَفْضَل نور الدّين عَليّ بن صَلَاح الدّين وَأقَام عِنْده بسميساط وَكَذَلِكَ أَيْضا أَوْلَاد أبي الْفرج اشتغلوا بصناعة الطِّبّ وَأَقَامُوا بسميساط فِي خدمَة أَوْلَاد الْأَفْضَل فَخر الدّين بن الساعاتي هُوَ رضوَان بن مُحَمَّد بن عَليّ بن رستم الْخُرَاسَانِي الساعاتي مولده ومنشؤه بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ مُحَمَّد من خُرَاسَان وانتقل إِلَى الشَّام وَأقَام بِدِمَشْق إِلَى أَن توفّي وَكَانَ أوحدا فِي معرفَة السَّاعَات وَعلم النُّجُوم وَهُوَ الَّذِي عمل السَّاعَات عِنْد بَاب الْجَامِع بِدِمَشْق صنعها فِي أَيَّام الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود ابْن زنكي وَكَانَ لَهُ مِنْهُ الإنعام الْكثير والجامكية والجراية لملازمته السَّاعَات وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀ وَخلف وَلدين أَحدهمَا بهاء الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن الساعاتي الشَّاعِر الَّذِي هُوَ

стр. 648

أفضل أهل زَمَانه فِي الشّعْر وَلَا أحد يماثله فِيهِ وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ وديوانه مَشْهُور ومعروف وَالْآخر فَخر الدّين رضوَان بن الساعاتي الطَّبِيب الْكَامِل فِي الصِّنَاعَة الطبية الْفَاضِل فِي الْعُلُوم الأدبية وَقَرَأَ فَخر الدّين صناعَة الطِّبّ على الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي ولازمه مُدَّة وَكَانَ فطنا ذكيا متقنا لما يعاينه حَرِيصًا فِي الْعلم الَّذِي يشْتَغل فِيهِ وَقَرَأَ أَيْضا صناعَة الطِّبّ على الشَّيْخ فَخر الدّين المارديني وَلما ورد إِلَى دمشق كَانَ فَخر الدّين بن الساعاتي جيد الْكِتَابَة يكْتب خطا مَنْسُوبا فِي النِّهَايَة من الْجَوْدَة ويشعر أَيْضا وَله معرفَة جَيِّدَة بصناعة الْمنطق والعلوم الْحكمِيَّة وَكَانَ اشْتِغَاله بِعلم الْأَدَب على الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ بِدِمَشْق وخدم فَخر الدّين بن الساعاتي الْملك الفائز بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وتوزر لَهُ وخدم أَيْضا الْملك الْمُعظم عِيسَى بن الْملك الْعَادِل بصناعة الطِّبّ وتوزر لَهُ وَكَانَ ينادمه ويلعب بِالْعودِ وَكَانَ محبا لكَلَام الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا فِي الطِّبّ مغرى بِهِ وَتُوفِّي ﵀ بِدِمَشْق بعلة اليرقان وَمن شعره (يحسدني قومِي على صنعتي ... لأنني بَينهم فَارس) (سهرت فِي ليلِي واستنعسوا ... لن يَسْتَوِي الدارس والناعس) السَّرِيع ولفخر الدّين بن الساعاتي من الْكتب تَكْمِيل كتاب القولنج للرئيس ابْن سينا الْحَوَاشِي على كتاب القانون لِابْنِ سينا كتاب المختارات فِي الْأَشْعَار وَغَيرهَا شمس الدّين بن اللبودي هُوَ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم الْكَبِير شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عَبْدَانِ بن عبد الْوَاحِد بن اللبودي عَلامَة وقته وَأفضل أهل زَمَانه فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَفِي علم الطِّبّ سَافر من الشَّام إِلَى بِلَاد الْعَجم واشتغل هُنَاكَ بالحكمة على نجيب الدّين أسعد الْهَمدَانِي وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على رجل من أكَابِر الْعلمَاء وأعيانهم فِي بِلَاد الْعَجم كَانَ أَخذ الصِّنَاعَة عَن تلميذ لِابْنِ سهلان عَن السَّيِّد الأيلاقي مُحَمَّد وَكَانَ لشمس الدّين بن اللبودي همة عالية وفطرة سليمَة وذكاء مفرط وحرص بَالغ فتميز فِي الْعُلُوم وأتقن الْحِكْمَة وصناعة الطِّبّ وَصَارَ قَوِيا فِي المناظرة جيدا فِي الجدل يعد من الْأَئِمَّة الَّذين يقْتَدى بهم والمشايخ الَّذين يرجع إِلَيْهِم وَكَانَ لَهُ مجْلِس للاشتغال عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وَغَيرهَا وخدم الْملك الظَّاهِر غياث الدّين غَازِي بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَأقَام عِنْده بحلب وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الظَّاهِر ﵀ وَذَلِكَ فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث عشرَة وسِتمِائَة وَبعد وَفَاته أَتَى إِلَى دمشق وَأقَام بهَا يدرس صناعَة الطِّبّ ويطب فِي البيمارستان الْكَبِير النوري إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي رَابِع ذِي الْقعدَة

стр. 649

سنة احدى وَعشْرين وسِتمِائَة وَله من الْعُمر احدى وَخَمْسُونَ سنة وَمن كَلَام شمس الدّين بن اللبودي كل شَيْء اذا شرع فِي نقص مَعَ اصراف الهمة اليه تناهى عَن قرب ولشمس الدّين بن اللبودي من الْكتب كتاب الرَّأْي الْمُعْتَبر فِي الْقَضَاء وَالْقدر شرح كتاب الملخص لِابْنِ الْخَطِيب رِسَالَة فِي جمع المفاصل شرح كتاب الْمسَائِل لحنين بن اسحق الصاحب نجم الدّين بن اللبودي هُوَ الْحَكِيم السَّيِّد الْعَالم الصاحب نجم الدّين أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن الْحَكِيم الامام شمس الدّين مُحَمَّد بن عَبْدَانِ بن عَبْدَانِ بن عبد الْوَاحِد اوحد فِي الصِّنَاعَة الطبية ندرة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة مفرط الذكاء فصيح اللَّفْظ شَدِيد الْحِرْص فِي الْعُلُوم متفنن فِي الْآدَاب قد تميز فِي الْحِكْمَة على الاوائل وَفِي البلاغة على سحبان وَائِل لَهُ النّظم البديع والترسل البليغ فَمَا يدانيه فِي شعره لبيد وَلَا فِي ترسله عبد الحميد (وَلما رَأَيْت النَّاس دون مَحَله ... تيقنت ان الدَّهْر للنَّاس ناقد) مولده بحلب سنة سبع وسِتمِائَة وَلما وصل أَبوهُ الى دمشق كَانَ مَعَه وَهُوَ صبي وَكَانَت النجابة تتبين فِيهِ من الصغر وعلو الهمة وَقَرَأَ على شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ واشتغل بعد ذَلِك وتميز فِي الْعُلُوم حَتَّى صَار أوحد زَمَانه وفريد أَوَانه وخدم الْملك الْمَنْصُور ابراهيم ابْن الْملك الْمُجَاهِد بن أَسد الدّين شيركوه بن شاذي صَاحب حمص وَبَقِي فِي خدمته بهَا وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَلم تزل أَحْوَاله تنمى عِنْده حَتَّى استوزره وفوض اليه امور دولته وَاعْتمد عَلَيْهِ بكليته وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي السّفر والحضر وَلما توفّي الْملك الْمَنْصُور ﵀ وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة بعد كَسره الخوارزمية توجه الْحَكِيم نجم الدّين الى الْملك الصَّالح نجم الدّين ايوب ابْن الْملك الْكَامِل وَهُوَ بالديار المصرية فَأكْرمه غَايَة الاكرام وَوَصله بجزيل الانعام وَجعله نَاظرا على الدِّيوَان بالاسكندرية وَله مِنْهُ الْمنزلَة الْعلية وَجعل مقرره فِي كل شهر ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة ثمَّ توجه الى الشَّام وَصَارَ نَاظرا على الدِّيوَان بِجَمِيعِ الاعمال الشامية وَمن ترسله كتب رقْعَة وقف الْخَادِم على المشرفة الْكَرِيمَة ادام الله نعْمَة الْمُنعم بِمَا أودعها من النعم الجسام واقتضبه فِيهَا من الاريحية الَّتِي اربى فِيهَا على كل من تقدمه من الْكِرَام وَأَبَان فِيهَا عَمَّا

стр. 650

يقْضِي على الْخَادِم بالاسترقاق وعَلى الدولة خلدها الله بمزايا الِاسْتِحْقَاق وَكلما أَشَارَ الْمولى عَلَيْهِ فَهُوَ كَمَا نَص عَلَيْهِ لكنه يعلم بسعادته أَن الفرص تمر مر السَّحَاب وان الامور الْمعينَة فِي الاوقات المحدودة تحْتَاج الى تلافي الاسباب وَقد ضَاقَ الْوَقْت بِحَيْثُ لَا يحْتَمل التَّأْخِير وَالْمولى يعلم أَن الْمصلحَة تَقْدِيم النّظر فِي المهم على جَمِيع أَنْوَاع التَّدْبِير وَمَا الْخَادِم مَعَ الْمولى فِي هَذَا المهم الْعَظِيم الا كسهم وَالْمولى مدده وَسيف وَالْمولى جرده فَالله الله فِي العجلة والبدار وَقد ظَهرت مخايل السَّعَادَة والانتصار والحذر الحذر من التَّأْخِير والاهمال فنتفوت وَالْعِيَاذ بِاللَّه الْأَوْقَات الَّتِي نرجو من الله فِيهَا بُلُوغ الآمال والمرجو من كرم الله ان ينْهض الْمَمْلُوك فِي خدمَة مَوْلَانَا السُّلْطَان بِمَا يبيض وَجه أمله وَيكون ذَلِك على يَد الْمولى وَبِقَوْلِهِ وَعَمله ان شَاءَ الله تَعَالَى وَمن شعره وَهُوَ مِمَّا انشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ فِي الْخَلِيل ﵊ وَهُوَ مُتَوَجّه الى خدمته عِنْد عودته من الديار المصرية وانشدها عِنْد بَاب السرداب وَهُوَ قَائِم فِي ذِي الْقعدَة سنة احدى وَسِتِّينَ وسِتمِائَة (هذي المهابة والجلال الهائل ... بهرا فَمَاذَا ان يَقُول الْقَائِل) (لَو أَن قسا حَاضرا متمثلا ... يَوْمًا لديك حسبته هُوَ بَاقِل) (هَل تقدر الفصحاء يَوْمًا ان يرَوا ... وبيانهم عَن ذِي الْجلَال يناضل) (وَبِك اقْتدى جلّ النَّبِيين الأولى ... ولديك اضحت حجَّة وَدَلَائِل) (أظهرت ابراهيم اسباب الْهدى ... وَالْخَيْر وَالْمَعْرُوف انت الْعَامِل) (شيدت اركان الشَّرِيعَة مُعْلنا ... ومقررا ان الاله الْفَاعِل) (مَا زَالَ بَيْتك مهبط الْوَحْي الَّذِي ... لجلاله مقفر ربعك آهل) (وبهرت فِي كل الامور بمعجز ... مَا أَن يُخَالف فِيهِ يَوْمًا عَاقل) (وَكَفاك يَوْم الْفَخر أَن مُحَمَّدًا ... يَوْم التناسب فِي النجار مواصل) (مَا زلت تنقل للنبوءة سرها ... حَتَّى غَدا لمُحَمد هُوَ حَاصِل) (فعليكما صلوَات رب لم يزل ... يأتيكما مِنْهُ ثَنَا وفواضل) (وَقد التجأت الى جنابك خاضعا ... متوسلا وَأَنا الْفَقِير السَّائِل) (أرجوك تسْأَل لي لَدَى رب الْعلَا ... غفران مَا قد كنت فِيهِ ازاول) (وَأرى وَقد غفرت لَدَيْهِ خطيتي ... وَبَلغت مقصودي وَمَا أَنا آمل) (وَرجعت مُنْقَطِعًا الى ابوابه ... لَا ألتقي عَن غَيره أَنا سَائل) (وَلَقَد سَأَلت لكامل فِي جوده ... يُعْطي بِلَا من وَلَا هُوَ باخل) (فحقيقة أَنِّي بلغت ارادتي ... سِيمَا وَأَنت لما سَأَلت الْحَامِل) الْكَامِل

стр. 651

وَقَالَ ايضا فِي الْخَلِيل ﵊ عِنْد عوده من الديار المصرية فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وانشدها عِنْد بَاب السرداب (أَلا يَا خَلِيل الله قد جِئْت قَاصِدا ... الى بابك الْمَقْصُود من كل مَوضِع) (أؤدي حقوقا وَاجِبَات لفضلك ... مننتم بهَا قدما على كل من يعي) (فأرشدت أقوما بهديك اقتدوا ... فصاروا بِذَاكَ الْهَدْي فِي خير مهيع) (وأظهرت أَعْلَام الشَّرِيعَة مُعْلنا ... فأضحت بمرأى للأنام ومسمع) (وأودعتها أسرار كل خُفْيَة ... فَكنت بِمَا أودعته خير مُودع) (وأظهرت برهانا غَدا بك قَاطعا ... قطعت بِهِ من لم يكن قبل يقطع) (وَهَا أَنا قد وافيت ببابك سَائِلًا ... بوقفة مِسْكين وذل تخضع) (بِأَن تسْأَل الله الْكَرِيم فانه ... لأَفْضَل مسؤول واكرم من دعِي) (بِأَن يحمني من شَرّ كل بلية ... وَيصرف عَن صرف الْحَوَادِث مجمعي) (وَلَا يبلني من بعْدهَا بمصيبة ... وَلَا التقي خلا بأنة موجع) (ويفرج لي مِمَّا ابْتليت بهمه ... فقد بت مهموما بقلب مصدع) (فَانِي اذا مَا نابني خطب حَادث ... جعلت الى مغناك قصدي ومفزعي) (لتشفع لي عِنْد الاله فانثني ... بتبليغ آمالي وَتَحْصِيل مطمعي) (فأفرغ عَن اشعال دنيا وأنثني ... الى امْر اخراي بقلب موسع) (وتسأله ان يعف عني تكرما ... وان أحظ من أنواره بتمتع) (وَمن كَانَ مشفوعا وانت شفيعه ... فَلَا بُد فِي الجنات يحظى بمرتع) الطَّوِيل وَرَأى الْخَلِيل ﵊ فِيمَا بَين النَّائِم وَالْيَقظَان عقيب حَال كَانَت اتّفقت لَهُ يَقُول لَهُ (لَا تأسفن على خيل وَلَا مَال ... وَلَا تبيتن مهموما على حَال) (مَا دَامَت النَّفس والعلياء سَالِمَة ... فَانْظُر الى سَائِر الاشيا باهمال) (فانما المَال أَعْرَاض مجددة ... معرضات لتضييع وابدال) (وَلَذَّة المَال ان النَّفس تصرفه ... فِيمَا تجدّد من هم واشغال) (وَخير مَا صرفت كَفاك مَا جمعت ... فِي صون عرضك عَن قيل وَعَن قَالَ) (فكم جمعت من الاموال مقتدرا ... وفرقتها يَد الاقدار فِي الْحَال) (وَلم تَرَ قطّ مُحْتَاجا الى أحد ... وَلم تزل أهل حاجات وآمال) (وسوف يجْزِيك رب الْعَرْش عَادَته ... على عوائد إِحْسَان واجمال) (وتلتقي كل سير بت ترقبه ... كَمَا مضى سالفا فِي عصرك الحالي) الْبَسِيط

стр. 652

وَقَالَ ونظمه فِي الْقُدس الشريف عِنْد عوده من مصر فِي منتصف جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وسِتمِائَة (أَلا يَا خَلِيل الله عِنْدِي صبَابَة ... وشوق إِلَى لقياك زَاد بهَا كربي) (فَأَنت الَّذِي سننت للنَّاس مذهبا ... فَكنت بِهِ الْهَادِي إِلَى السّنَن الرحب) (وأوضحت فِي طرق النُّبُوَّة منهجا ... فراح من الأشواق يَعْلُو على الشهب) (بِمَا كنت مبديه من الْحجَج الَّتِي ... قوين فَلَا يدفعن بالقدح والثلب) (وَكَانَ بودي لَو أَتَيْتُك زَائِرًا ... أعفر فِي مغناك خدي على الترب) (وأقضي حقوقا وَاجِبَات لفضلكم ... غَدَتْ لكم بِالْفَضْلِ فِي أفضل الْكتب) (وأنهي مَا عِنْدِي من الوجد والأسى ... وَمَا بَات من هم وَأصْبح فِي قلبِي) (وَأَن اللَّيَالِي قد رمتني بصرفها ... بِمَا حط من شاني وقلل من غربي) (وَأَنت الَّذِي أرجوك فِي كل شدَّة ... لتكشف عني كل مستكره صَعب) (وَتشفع لي عِنْد الْإِلَه فأنثني ... وَقد فرج الرَّحْمَن مَا بِي من الْخطب) (وَلَا سِيمَا وَالْعَبْد فِي شِيمَة الَّذِي ... بِهِ شرفت كل الْأَعَاجِم وَالْعرب) (وَذَلِكَ خير النَّاس أَعنِي مُحَمَّدًا ... وَمن كَانَ فِي الْأُمَرَاء فِي غَايَة الْقرب) (وَمن كنتما ذخْرا لَهُ ووسيلة ... وكنزا عَظِيما رَاح فِي السّلم وَالْحَرب) (فَلَا عجبا أَن رَاح وَهُوَ مُسلم ... من الْبَأْس وَالضَّرَّاء والعتب وَالسَّلب) (وَغير بديع أَن يرى غير خَائِف ... يبات قريرا آمن الْقلب والسرب) (فيا صَاحِبي طرق النُّبُوَّة وَالْهدى ... أقيلا عثاري شافعين إِلَى رَبِّي) (فحسبكما لي شافعان فإنني ... لأعْلم أَن الله حِينَئِذٍ حسبي) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (كلما خفت قد تناءى الرَّجَاء ... ووثوقي بِاللَّه فِيهِ اكْتِفَاء) (فدع الْخَوْف والرجاء جَمِيعًا ... واصطبر رَاضِيا فَذَاك الرضاء) (لَيْسَ عَمَّا قضى الْإِلَه محيد ... فدع الْهم فَهُوَ عِنْدِي عناء) (وتيقن أَن الْإِلَه لطيف ... أَن أَتَى الْغم أعقب السَّرَّاء) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (إِذا ضَاقَ أَمر فاصبر سَوف ينجلي ... فكم حر نَار أعقبت بِسَلام) (وَلَا تسْأَل الْأَيَّام دفع ملمة ... فلست ترى أمرا حَلِيف دوَام) الطَّوِيل

стр. 653

وَقَالَ وَكتبه إِلَى الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد (لِيَهنك نيروز أَتَاك مبشرا ... بنيل الَّذِي تهواه يَوْمًا وتطلب) (وَأَن بَقَاء الْملك مَعَ غير أَهله ... عَجِيب وحالي مِنْهُ عنْدك اعْجَبْ) (أسوق إِلَيْك الْملك طَوْعًا فتلقه ... وَمن عِنْد غَيْرِي فِي تقاضيه ترغب) (وتدأب فِي تَحْصِيل مَا أَنا قَادر ... عَلَيْهِ من الْملك الَّذِي رَاح يصعب) (وَأقسم لَو ساعدتني بعض مُدَّة ... لأمسى الَّذِي استعبدته وَهُوَ يقرب) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (سأرحل عَنْكُم لَا لكرهي لفضلكم ... عَليّ وَمن لي أَن أَقْْضِي بِهِ عمري) (ولكنما رِزْقِي قَلِيل وحاسدي ... كثير وَقد طَالَتْ بِنَا نوب الدَّهْر) (تبدلت عَن جاه جليل بذلة ... وَعَن سَعَة فِي الرزق بالضيق والفقر) (وعادقصارى منيتي فِي ذراكم ... أساوي بِمن لَا يستعد بِأَن يدْرِي) (وَلَو كَانَت العلياء تَأتي إِلَى الحجى ... عَلَوْت مَحل الشهب مَعَ مَوضِع الْبَدْر) (على أَنه قد طَال مَا صرفت يَدي ... صنوف الورى بالجود وَالنَّهْي وَالْأَمر) (فصبرا على جور اللَّيَالِي وَحكمهَا ... فَمَا بَرحت لَا تستمر على أَمر) (وَمن عجب أَنِّي أرجي سواكم ... وأرحل عَنْكُم أطلب الْبر بِالْبرِّ) (واستخبر الْآفَاق عَن كل منعم ... وأقطع بالتطواف مستصعب القفر) (وَأَنت صَلَاح الدّين أكْرم ذَا الورى ... وَمن جوده يزري بمندفق الْبَحْر) (وَأَنت مليك الأَرْض طرا فَمَا يرى ... لملك سواكم فِي البسيطة من قدر) (وَإِنِّي وَأَنا الْقِنّ الَّذِي لَيْسَ يَدعِي ... سواي حقوقي اللاء تقطع بالنصر) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (لَئِن كَانَ جسمي سَار عَنْك مفارقا ... فقلبي فِي أكناف ربعك سَاكن) (وَأَن فُؤَادِي من تنقلك خَائِف ... على أَن قلبِي من تنقله آمن) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أيا قمري أوحشتني وتركتني ... حَلِيف سهاد دَائِم الْهم والفكر) (بودي لَو أمسيت عِنْدِي حَاضرا ... وأمسي عديم الْعقل والسمع وَالْبَصَر) الطَّوِيل

стр. 654

وَقَالَ (يَا مَالك مهجتي وَيَا متلفها ... كم تسعفك النَّفس وَكم تعسفها) (إِن كنت أَنا فِي الْحبّ يَعْقُوب هوى ... هَا أَنْت على حسانها يوسفها) دوبيت وللصاحب نجم الدّين بن اللبودي من الْكتب مُخْتَصر الكليات من كتاب القانون لِابْنِ سينا مُخْتَصر كتاب الْمسَائِل لحنين ابْن إِسْحَق مُخْتَصر كتاب الإشارات والتنبيهات لِابْنِ سينا مُخْتَصر كتاب عُيُون الْحِكْمَة لِابْنِ سينا مُخْتَصر كتاب الملخص لِابْنِ خطيب الرّيّ مُخْتَصر كتاب المعاملين فِي الأصولين مُخْتَصر كتاب أوقليدس مُخْتَصر مصادرات أوقليدس كتاب اللمعات فِي الْحِكْمَة كتاب آفَاق الأشراق فِي الْحِكْمَة كتاب المناهج القدسية فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة كَافِيَة الْحساب فِي علم الْحساب (غَايَة الغايات فِي الْمُحْتَاج إِلَيْهِ أوقليدس والمتوسطات تدقيق المباحث الطبية فِي تَحْقِيق الْمسَائِل الخلافية على طَرِيق مسَائِل خلاف الْفُقَهَاء مقَالَة فِي البرشعثا كتاب إِيضَاح الرَّأْي السخيف من كَلَام الْمُوفق عبد اللَّطِيف وَألف هَذَا الْكتاب وَله من الْعُمر ثَلَاث عشرَة سنة غَايَة الإحكام فِي صناعَة الْأَحْكَام الرسَالَة السّنيَّة فِي شرح الْمُقدمَة المطرزية الْأَنْوَار الساطعات فِي شرح الْآيَات الْبَينَات كتاب نزهة النَّاظر فِي الْمثل السائر الرسَالَة الْكَامِلَة فِي علم الْجَبْر والمقابلة الرسَالَة المنصورية فِي الْأَعْدَاد الوفقية الزاهي فِي اخْتِصَار الزيج المقرب الْمَبْنِيّ على الرصد المجرب زين الدّين الحافظي هُوَ الصَّدْر الإِمَام الْعَالم الْأَمِير زين الدّين سُلَيْمَان بن الْمُؤَيد عَليّ بن خطيب عقرباء اشْتغل بصناعة الطِّبّ على شَيخنَا مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ فَحصل علمهَا وعملها وأتقن فصولها وجملها وخدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْحَافِظ نور الدّين أرسلان شاه بن أبي بكر بن أَيُّوب وَكَانَ يَوْمئِذٍ صَاحب قلعة جعبر وَأقَام فِي خدمته فِي قلعة جعبر وتميز عِنْده وأجزل رفده وخوله فِي دولته واشتمل عَلَيْهِ بكليته وَكَانَ زين الدّين يعاني الْأَدَب وَالشعر وَالْكِتَابَة الْحَسَنَة وَكَانَ أَيْضا يعاني الجندية وداخل أَوْلَاد الْملك الْحَافِظ وَصَارَ حظيا عِنْدهم مكينا فِي دولتهم وَلما توفّي الْملك الْحَافِظ وتسلم قلعة جعبر الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد بن غَازِي صَاحب حلب وَذَلِكَ بمراسلات كَانَ فِيهَا زين الدّين الحافظي وانتقل زين الدّين إِلَى حلب وَصَارَت لَهُ يَد عِنْد الْملك النَّاصِر ومنزلة رفيعة وَتزَوج زين الدّين بابنة رَئِيس حلب واقتنى أَمْوَالًا كَثِيرَة وَلما ملك النَّاصِر يُوسُف

стр. 655

ابْن مُحَمَّد دمشق وصل مَعَه إِلَى دمشق وَصَارَ مكينا فِي دولته وجيها فِي أَيَّامه معانيا للصناعة الطبية معينا فِي الإمره والجندية وَلذَلِك قلت فِيهِ (وَمَا زَالَ زين الدّين فِي كل منصب ... لَهُ فِي سَمَاء الْمجد أَعلَى الْمَرَاتِب) (أَمِير حوى فِي الْعلم كل فَضِيلَة ... وفَاق الورى فِي رَأْيه والتجارب) (إِذا كَانَ فِي طب فصدر مجَالِس ... وَإِن كَانَ فِي حَرْب فَقلب الْكَتَائِب) (فَفِي السّلم كم أَحْيَا وليا بطبه ... وَفِي الْحَرْب كم أفنى العدا بالقواضب) الطَّوِيل وَلم يزل الْملك النَّاصِر بِدِمَشْق وَهُوَ عِنْده حَتَّى جَاءَت رسل التتر من الشرق إِلَى الْملك النَّاصِر وهم فِي طلب الْبِلَاد والتشرط عَلَيْهِ بِمَا يحملهُ إِلَيْهِم من الْأَمْوَال وَغَيرهَا فَبعث زين الدّين الحافظي رَسُولا إِلَى خاقَان هولاكو ملك التتر وَسَائِر مُلُوكهمْ فَأحْسنُوا إِلَيْهِ الْإِحْسَان الْكثير واستمالوه حَتَّى صَار من جهتهم ومازجهم وَتردد فِي المراسلة مَرَّات وأطمع التتر فِي الْبِلَاد وَصَارَ يهول على الْملك النَّاصِر أُمُورهم ويعظم شَأْنهمْ ويفخم مملكتهم ويصف كَثْرَة عساكرهم ويصغر شَأْن الْملك النَّاصِر وَمن عِنْده من العساكر وَكَانَ الْملك النَّاصِر مَعَ ذَلِك جَبَانًا متوقفا عَن الْحَرْب وَلما جَاءَت التتر إِلَى حلب وَكَانَ هولاكو قد نازلها بقوا عَلَيْهَا نَحْو شهر وملكوها وَقتلُوا أَهلهَا وَسبوا النِّسَاء وَالصبيان ونهبوا الْأَمْوَال وهدموا القلعة وَغَيرهَا هرب الْملك النَّاصِر يُوسُف من دمشق إِلَى مصر وَقصد أَن يملكهَا فَخرجت عَسَاكِر مصر وملكها يَوْمئِذٍ الْملك المظفر سيف الدّين قطز فَكسر الْملك الْحَافِظ وَتَفَرَّقَتْ عساكره وَزَالَ ملكه وملكت التتر دمشق بالأمان وَجعلُوا فِيهَا نَائِبا من جهتهم وَصَارَ زين الدّين أَيْضا بهَا وأمروه وَبَقِي مَعَه جمَاعَة أجناد حَتَّى كَانُوا يَدعُونَهُ الْملك زين الدّين وَلما وصل الْملك المظفر قطز صَاحب مصر وَمَعَهُ عَسَاكِر الْإِسْلَام وَكسر التتر فِي وَادي كنعان الكسرة الْعَظِيمَة الْمَشْهُورَة وَقتل من التتر الْخلق الْعَظِيم الَّذِي لَا يُحْصى انهزم نَائِب التتر وَمن مَعَه من دمشق وَرَاح زين الدّين الحافظي مَعَهم خوفًا على نَفسه من الْمُسلمين وَصَارَت بِلَاد الشَّام بِحَمْد الله إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ وملكها بعد الْملك المظفر قطز ﵀ السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس وَصَارَ صَاحب الديار المصرية وَالشَّام خلد الله ملكه أَبُو الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس هُوَ مؤيد الدّين أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم بن عبد الرَّحْمَن الْحَارِثِيّ مولده ومنشؤه بِدِمَشْق وَكَانَ يعرف بالمهندس لجودة مَعْرفَته بالهندسة وشهرته بهَا قبل أَن يتحلى بِمَعْرِِفَة صناعَة الطِّبّ وَكَانَ

стр. 656

فِي أول أمره نجارا وينحت الْحِجَارَة أَيْضا وَكَانَ تكسبه بصناعة النجارة وَله يَد طولى فِيهَا وَالنَّاس كثيرا مَا يرغبون إِلَى أَعماله وَأكْثر أَبْوَاب البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين ابْن زنكي ﵀ من نجارته وصنعته أَخْبرنِي سديد الدّين بن رقيقَة عَنهُ أَنه أخبرهُ بذلك وحَدثني شمس الدّين بن المطواع الكحال عَنهُ وَكَانَ صديقا لَهُ أَن أول اشْتِغَاله بِالْعلمِ أَنه قصد إِلَى أَن يتَعَلَّم أوقليدس لِيَزْدَادَ فِي صناعَة النجارة جودة ويطلع على دقائقها ويتصرف فِي أَعمالهَا قَالَ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يعْمل فِي مَسْجِد خاتون الَّذِي تَحت المنيبع غربي دمشق فَكَانَ فِي كل غَدَاة لَا يصل إِلَى ذَلِك الْموضع إِلَّا وَقد حفظ شَيْئا من أوقليدس وَيحل أَيْضا مِنْهُ فِي طَرِيقه وَعند فَرَاغه من الْعَمَل إِلَى أَن حل كتاب أوقليدس بأسره وفهمه فهما جيدا وَقَوي فِيهِ ثمَّ نظر أَيْضا فِي كتاب المجسطي وَشرع فِي قِرَاءَته وحله وَانْصَرف بكليته إِلَى صناعَة الهندسة وَعرف بهَا أَقُول واشتغل أَيْضا بصناعة النُّجُوم وَعمل الزيجات وَكَانَ قد ورد إِلَى دمشق ذَلِك الْوَقْت الشّرف الطوسي وَكَانَ فَاضلا فِي الهندسة والعلوم الرياضية لَيْسَ فِي زَمَانه مثله فَاجْتمع بِهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِ وَأخذ عَنهُ شَيْئا كثيرا من معارفه وَقَرَأَ أَيْضا صناعَة الطِّبّ على أبي الْمجد مُحَمَّد بن أبي الحكم ولازمه حق الْمُلَازمَة وَنسخ بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَفِي صناعَة الطِّبّ وَوجدت بِخَطِّهِ الْكتب السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ وَقد قَرَأَهَا على أبي الْمجد مُحَمَّد بن أبي الحكم وَعَلَيْهَا خطّ ابْن أبي الحكم لَهُ بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ الَّذِي أصلح السَّاعَات الَّتِي للجامع بِدِمَشْق وَكَانَ لَهُ على مراعاتها وتفقدها جامكية مستمرة يَأْخُذهَا وَكَانَت لَهُ أَيْضا جامكية لطبه فِي البيمارستان الْكَبِير وَبَقِي سنينا كَثِيرَة يطب فِي البيمارستان إِلَى حِين وَفَاته وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ جيد الْمُبَاشرَة لأعمالها مَحْمُود الطَّرِيقَة وَكَانَ قد سَافر إِلَى ديار مصر وَسمع شَيْئا من الحَدِيث بالإسكندرية فِي سنة اثْنَتَيْنِ أَو ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة من رشيد الدّين أبي الثَّنَاء حَمَّاد بن هبة الله بن حَمَّاد بن الفضيل الْحَرَّانِي وَمن أبي طَاهِر أَحْمد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السلَفِي الْأَصْفَهَانِي واشتغل أَيْضا بالأدب وَعلم النَّحْو وَكَانَ يشْعر وَله قطع جَيِّدَة وَتُوفِّي ﵀ فِي سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة بِدِمَشْق بإسهال عرض لَهُ وعاش نَحْو السّبْعين سنة وَمن شعر أبي الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس نقلت من خطه فِي مقَالَته فِي رُؤْيَة الْهلَال ألفها للْقَاضِي محيي الدّين بن القَاضِي زكي الدّين وَيَقُول فِيهَا يمدحه (خصصت بِالْأَبِ لما أَن رَأَيْتهمْ ... دعوا بنعتك أشخاصا من الْبشر) (ضد النعوت تراهم أَن بلوتهم ... وَقد يُسمى بَصيرًا غير ذِي بصر) (والنعت مَا لم تَكُ الْأَفْعَال تعضده ... اسْم على صُورَة خطت من الصُّور) (وَمَا الْحقيق بِهِ لفظ يطابقه الْمَعْنى ... كنجل الْقُضَاة الصَّيْد من مُضر) (فالدين وَالْملك وَالْإِسْلَام قاطبة ... بِرَأْيهِ فِي أَمَان من يَد الْغَيْر) (كم سنّ سنة خير فِي ولَايَته ... وَقَامَ لله فِيهَا غير معتذر) (يَرْجُو بِذَاكَ نعيما لَا نفاد لَهُ ... جوَار ملك عَزِيز جلّ مقتدر)

стр. 657

(فَالله يكلؤه من كل حَادِثَة ... مَا غردت هاتفات الْوَرق فِي الشّجر) الْبَسِيط وَلأبي الْفضل بن عبد الْكَرِيم المهندس من الْكتب رِسَالَة فِي معرفَة رمز التَّقْوِيم مقَالَة فِي رُؤْيَة الْهلَال اخْتِصَار كتاب الأغاني الْكَبِير لأبي الْفرج الْأَصْبَهَانِيّ وَكتب من تصنيفه هَذَا نُسْخَة بِخَطِّهِ فِي عشر مجلدات ووقفها بِدِمَشْق فِي الْجَامِع مُضَافا إِلَى الْكتب الْمَوْقُوفَة فِي مَقْصُورَة ابْن عُرْوَة كتاب فِي الحروب والسياسة كتاب فِي الْأَدْوِيَة المفردة على تَرْتِيب حُرُوف أبجد موفق الدّين عبد الْعَزِيز هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم موفق الدّين عبد الْعَزِيز بن عبد الْجَبَّار بن أبي مُحَمَّد السّلمِيّ كَانَ كثير الْخَيْر محبا لَهُ مؤثرا للجميل عَزِيز الْمُرُوءَة وافر الْعَرَبيَّة شَدِيد الشَّفَقَة رضى وخصوصا لمن كَانَ مِنْهُم ضَعِيف الْحَال يفتقدهم ويعالجهم ويوصل إِلَيْهِم النَّفَقَة وَمَا يحتاجونه من الْأَدْوِيَة والأغذية وَكَانَ كثير الدّين طلق الْوَجْه يُحِبهُ كل أحد وَكَانَ فِي أول أمره فِي الْمدرسَة فَقِيها فِي الْمدرسَة الأمينية بِدِمَشْق عِنْد الْجَامِع واشتغل بعد ذَلِك على إلْيَاس بن المطران بصناعة الطِّبّ وأتقن مَعْرفَتهَا وَحصل علمهَا وعملها وَصَارَ من المتميزين من أَرْبَابهَا والمشايخ الَّذين يقْتَدى بهم فِيهَا وَكَانَ لَهُ مجْلِس عَام للمشتغلين عَلَيْهِ بالطب وخدم بصناعة الطِّبّ فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ثمَّ خدم بعد ذَلِك الْملك الْعَادِل أَبَا بكر بن أَيُّوب وَبَقِي مَعَه سِنِين وَله مِنْهُ الإنعام الْكثير والإفضال الغزير والمنزلة الْعلية والجامكية السّنيَّة وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي موفق الدّين عبد الْعَزِيز ﵀ بِدِمَشْق بعلة القولنج وَذَلِكَ فِي يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين من ذِي الْقعدَة سنة أَربع وسِتمِائَة وَدفن بجبل قاسيون وعمره نَحْو السِّتين سنة ومولده فِي سنة خَمْسمِائَة ونيف وَخمسين سعد الدّين بن عبد الْعَزِيز هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الإِمَام الْعَالم سعد الدّين أَبُو إِسْحَق إِبْرَاهِيم بن عبد الْعَزِيز بن عبد الْجَبَّار بن أبي مُحَمَّد السّلمِيّ قد أشبه أَبَاهُ فِي خلقه وخلقه ومعرفته وحذقه كثير الدّين شرِيف الْيَقِين بارع فِي الْعُلُوم الْفِقْهِيَّة ورع فِي الْأُمُور الدِّينِيَّة وَلما كَانَ بِدِمَشْق كَانَ يعْتَكف بالجامع شهر رَمَضَان وَلم يتَكَلَّم فِيهِ وَهُوَ الَّذِي تولى عمَارَة الْمدرسَة الحنبلية فِي سوق القمع بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْملك الْأَشْرَف مُوسَى بن الْملك الْعَادِل وَكَانَ الإِمَام الْمُسْتَنْصر بِاللَّه خَليفَة بَغْدَاد قد أمره بعمارتها وَكَانَ الْحَكِيم سعد الدّين أوحد زَمَانه وعلامة أَوَانه فِي صناعَة الطِّبّ قد أحكم كليات أُصُولهَا وأتقن جزئيات أَنْوَاعهَا وفصولها وَلم يزل مواظبا على الِاشْتِغَال ملازما لَهُ فِي كل الْأَحْوَال مولده بِدِمَشْق فِي أَوَائِل

стр. 658

الْمحرم سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وخدم بصناعة الطِّبّ فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي وَبعد ذَلِك خدم الْملك الْأَشْرَف أَبَا الْفَتْح مُوسَى بن أبي بكر بن أَيُّوب وَأقَام مَعَه فِي بِلَاد الشرق وَله مِنْهُ الْإِحْسَان الْكثير والإفضال الغزير والجامكية الوافرة والصلات المتواترة وَكَانَ حظيا عِنْده مكينا فِي دولته وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن أَتَى الْملك الْأَشْرَف إِلَى دمشق وتسلمها من ابْن أَخِيه الْملك النَّاصِر دَاوُد بن الْملك الْمُعظم وَذَلِكَ فِي شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة فَأتى مَعَه إِلَى دمشق وَبَقِي بهَا ثمَّ ولاه السُّلْطَان رئاسة الطِّبّ وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْأَشْرَف وَكَانَت وَفَاته ﵀ بقلعة دمشق أول نَهَار يَوْم الْخَمِيس رَابِع الْمحرم سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ثمَّ بعد ذَلِك لما ملك دمشق الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب فِي الْعشْر الأول من جُمَادَى الأولى سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة أَمر باستخدامه وَأَن يُقرر لَهُ جَمِيع مَا كَانَ باسمه من أَخِيه الْملك الْأَشْرَف وَبَقِي فِي خدمته مُدَّة يسيرَة وَتُوفِّي الْملك الْكَامِل ﵀ وَذَلِكَ فِي لَيْلَة الْخَمِيس أول اللَّيْل ثَانِي وَعشْرين رَجَب سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَلم يزل الْحَكِيم سعد الدّين مُقيما بِدِمَشْق وَله مجْلِس عَام للمشتغلين عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِي شهر جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وللشريف الْبكْرِيّ فِي الْحَكِيم سعد الدّين من أَبْيَات (حَكِيم لطيف من لطافة وَصفه ... يود الْمعَافى السقم حَتَّى يعودهُ) الطَّوِيل رَضِي الدّين الرَّحبِي هُوَ الشَّيْخ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم رَضِي الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف بن حيدرة بن الْحسن الرَّحبِي من الأكابر فِي صناعَة الطِّبّ والمتعينين من أَهلهَا وَله الْقدَم والاشتهار وَالذكر الشَّائِع عِنْد الْخَواص والعوام وَلم يزل مبجلا عِنْد الْمُلُوك وَغَيرهم كثيري الاحترام لَهُ وَكَانَ كَبِير النَّفس عالي الهمة كثير التَّحْقِيق حسن السِّيرَة محبا للخير وَأَهله شَدِيد الِاجْتِهَاد فِي مداواة المرضى رؤوفا بالخلق طَاهِر اللِّسَان مَا عرف مِنْهُ فِي سَائِر عمره أَنه آذَى أحدا وَلَا تكلم فِي عرض غَيره بِسوء وَكَانَ وَالِده من بلد الرحبة وَله أَيْضا نظر فِي صناعَة الطِّبّ إِلَّا أَن صناعَة الْكحل كَانَت أغلب عَلَيْهِ وَعرف بهَا وَكَانَ مولد الشَّيْخ رَضِي الدّين بِجَزِيرَة ابْن عمر وَنَشَأ بهَا وَأقَام أَيْضا بنصيبين وبالرحبة سِنِين وسافر أَيْضا إِلَى بَغْدَاد وَإِلَى غَيرهَا واشتغل بصناعة الطِّبّ وتمهر فِيهَا وَاجْتمعَ أَيْضا فِي ديار

стр. 659

مصر بالشيخ الْمَعْرُوف بِابْن جَمِيع الْمصْرِيّ وانتفع بِهِ وَكَانَ وُصُوله مَعَ أَبِيه إِلَى دمشق فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت ملكهَا السُّلْطَان الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي وَأقَام رَضِي الدّين ووالده بِدِمَشْق سِنِين وَتُوفِّي وَالِده بهَا وَدفن بجبل قاسيون وَبَقِي رَضِي الدّين قاطنا بِدِمَشْق وملازما للدكان لمعالجة المرضى وَنسخ بهَا كتبا كَثِيرَة وَبَقِي على تِلْكَ الْحَال مُدَّة واشتغل على مهذب الدّين بن النقاش الطَّبِيب ولازمه فَنَوَّهَ بِذكرِهِ وَقدمه وتأدت بِهِ الْحَال إِلَى أَن اجْتمع بِالْملكِ النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَحسن موقعه عِنْده وَأطلق لَهُ فِي كل شهر ثَلَاثِينَ دِينَارا وَيكون ملازما للقلعة والبيمارستان فَبَقيَ كَذَلِك مُدَّة دولة صَلَاح الدّين بأسرها وَكَانَ صَلَاح الدّين قد طلبه للْخدمَة فِي السّفر فَلم يفعل وَلما توفّي صَلَاح الدّين ﵀ بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثلث اللَّيْل الأول سَابِع وَعشْرين صفر سنة تسع وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وانتقل الْملك عَن أَوْلَاده إِلَى أَخِيه الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَاسْتولى على الْبِلَاد أَمر بِأَن يكون فِي خدمته فِي الصُّحْبَة فَلم يجب إِلَى ذَلِك وَطلب أَن يكون مُقيما بِدِمَشْق فَأطلق لَهُ الْملك الْعَادِل مَا كَانَ مقررا باسمه فِي أَيَّام صَلَاح الدّين وَأَن يبْقى مستمرا على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَبَقِي على ذَلِك أَيْضا إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَادِل وَملك بعده الْملك الْمُعظم عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل فَأجرى لَهُ خَمْسَة عشر دِينَارا وَيكون مترددا إِلَى البيمارستان فَبَقيَ مترددا إِلَيْهِ إِلَى أَن توفّي ﵀ واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ خلق كثير ونبغ مِنْهُم جمَاعَة عدَّة وأقرأوا لغَيرهم وصاروا من الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين فِي صناعَة الطِّبّ وَلَو اعْتبر أحد جُمْهُور الْأَطِبَّاء بِالشَّام لوجد إِمَّا أَن يكون مِنْهُم من قد قَرَأَ على الرَّحبِي أَو من قَرَأَ على من قَرَأَ عَلَيْهِ وَكَانَ من جملَة من قد قَرَأَ عَلَيْهِ أَيْضا فِي أول أمره الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قبل ملازمته لِابْنِ المطران وحَدثني الشَّيْخ رَضِي الدّين يَوْمًا قَالَ إِن جَمِيع من قَرَأَ عَليّ ولازمني فَإِنَّهُم سعدوا وانتفع النَّاس بهم وَذكر لي أَسمَاء كثيرين مِنْهُم قد تميزوا واشتهروا فِي صناعَة الطِّبّ مِنْهُم من قد مَاتَ وَمِنْهُم من كَانَ بعد فِي الْحَيَاة وَكَانَ يرى أَنه لَا يقرئ أحدا من أهل الذِّمَّة أصلا صناعَة الطِّبّ وَلَا لمن لَا يجده أَهلا لَهَا وَكَانَ يُعْطي الصِّنَاعَة حَقّهَا من الرآسة والتعظيم وَقَالَ لي أَنه لم يقْرَأ فِي سَائِر عمره من أهل الذِّمَّة سوى اثْنَيْنِ لَا غير أَحدهمَا الْحَكِيم عمرَان الإسرائيلي وَالْآخر إِبْرَاهِيم بن خلف السامري بعد أَن ثقلا عَلَيْهِ بِكُل طَرِيق وتشفعا عِنْده بجهات لَا يُمكنهُ ردهم وكل مِنْهُمَا نبغ وَصَارَ طبيا فَاضلا وَلَا شكّ أَن من الْمَشَايِخ من يكون للاشتغال عَلَيْهِ بركَة وَسعد كَمَا يُوجد ذَلِك فِي بعض الْكتب المصنفة دون غَيرهَا فِي علم علم وَكنت فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة قد قَرَأت عَلَيْهِ كتابا فِي الطِّبّ وَلَا سِيمَا فِيمَا يتَعَلَّق بالجزء العملي من كَلَام أبي بكر مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ وَغَيره وانتفعت بِهِ وَكَانَ الشَّيْخ رَضِي الدّين محبا للتِّجَارَة مغرى بهَا وَكَانَ يُرَاعِي مزاجه ويعتني بِحِفْظ صِحَّته وَقَالَ الصاحب جمال الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف بن إِبْرَاهِيم القفطي عَن الْحَكِيم الرَّحبِي أَنه كَانَ يلْزم فِي

стр. 660

أُمُوره قوانين حفظ الصِّحَّة الْمَوْجُودَة قَالَ وَلَقَد بَلغنِي أَنه كَانَ يقتني أَجود الطباخات ويتقدم إِلَيْهَا بِأَحْكَام مَا يغلب على ظَنّه الِانْتِفَاع بِاسْتِعْمَالِهِ فِي نَهَاره ذَلِك بِمَا بَاشرهُ من نَفسه وَمَا غلب عَلَيْهِ من الأخلاط فِي يَوْمه فَإِذا أنجزته وأعلمته بذلك طلب من يؤاكله من مؤانسيه فَإِذا حضر مِنْهُ من حضر استأذنته فِي إِحْضَار الطَّعَام فَيَقُول لَهَا أخريه فَإِن الشَّهْوَة لم تصدق بعد فتؤخره إِلَى أَن يستدعيه وَيَقُول أعجلي فَتَأْتِيه بِهِ ويتناول مِنْهُ فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَابه يَوْمًا مَا المُرَاد بِهَذَا فَقَالَ الْأكل مَعَ الشَّهْوَة هُوَ الْمَنْدُوب إِلَيْهِ لحفظ الصِّحَّة فَإِن الْأَعْضَاء إِذا احْتَاجَت إِلَى تعويض مَا تحلل مِنْهَا استدعت ذَلِك من الْمعدة فتستدعيه الْمعدة من خَارج فَقَالَ لَهُ وَمَا ثَمَرَة هَذَا قَالَ أَن يعِيش الْإِنْسَان الْعُمر الطبيعي فَقَالَ لَهُ إِنَّك قد بلغت من السن مَا لم يبْق بَيْنك وَبَين الْعُمر الطبيعي إِلَّا الْقَلِيل فَأَي الْحَاجة إِلَى هَذَا التَّكَلُّف فَقَالَ لَهُ لأبقى ذَلِك الْقَلِيل فَوق الأَرْض استنشق الْهَوَاء وأجرع المَاء وَلَا أكون تحتهَا بِسوء التَّدْبِير وَلم يزل على حَالَته تِلْكَ إِلَى أَن أَتَاهُ أَجله أَقُول وَمِمَّا يُنَاسب هَذَا الْمَعْنى الْمُتَقَدّم فِي أَنه لَا يَنْبَغِي أَن يُؤْكَل الطَّعَام إِلَّا بِشَهْوَة صَادِقَة للْأَكْل أنني كنت يَوْمًا أَقرَأ عَلَيْهِ فِي شَيْء من كَلَام الرَّازِيّ فِي تَرْتِيب تنَاول الأغذية وَقد ذكر الرَّازِيّ أَن الْإِنْسَان يَنْبَغِي لَهُ أَن يَأْكُل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ وَفِي الْيَوْم الثَّانِي مرّة وَاحِدَة فَقَالَ لي لَا تسمع هَذَا وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن تعتمد عَلَيْهِ أَنَّك تَأْكُل وَقت تكون الشَّهْوَة للْأَكْل صَادِقَة فِي أَي وَقت كَانَ سَوَاء أَكَانَ مرَّتَيْنِ فِي النَّهَار أَو مرّة أَو ليل أَو نَهَار فالأكل عِنْد الشَّهْوَة الصادقة للْأَكْل هُوَ الَّذِي ينفع وَإِذا لم يكن كَذَلِك فَإِنَّهُ مضرَّة الْبدن وَصدق فِي قَوْله وَقد لزم فِي سَائِر أَيَّامه أَشْيَاء لَا يخل بهَا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يَجْعَل يَوْم السبت أبدا لِخُرُوجِهِ إِلَى الْبُسْتَان وراحته فِيهِ ويتركه يَوْم بطالة عَن الِاشْتِغَال وَكَانَ لَا يدْخل الْحمام إِلَّا فِي يَوْم الْخَمِيس وَقد جعل ذَلِك لَهُ راتبا وَكَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة يقْصد من يُرِيد رُؤْيَته وزيارته من الْأَعْيَان والكبراء وَكَانَ أبدا يتوخى أَنه لَا يصعد فِي سلم وَإِذا كَانَ لَهُ مَرِيض يفتقده إِن لم يكن فِي مَوضِع لَا يصعد إِلَيْهِ إِذا أَتَاهُ فِي سلم وَإِلَّا لم يقربهُ وَكَانَ يصف السّلم بِأَنَّهُ منشار الْعُمر وَمن أعجب مَا حكى لأبي من ذَلِك أَنه قَالَ إِنَّنِي مُنْذُ اشْتريت هَذِه القاعة الَّتِي أَنا سَاكن فِيهَا أَكثر من خمس وَعشْرين سنة مَا أعرف إِنَّنِي طلعت إِلَى الْحُجْرَة الَّتِي فَوْقهَا إِلَّا وَقت اسْتعْرضت الدَّار واشتريتها وَمَا عدت طلعت إِلَى الْحُجْرَة بعد ذَلِك إِلَى يومي هَذَا وَمن نوادره وَحسن تَصَرُّفَاته فِيمَا يتَعَلَّق بصناعة الطِّبّ حَدثنِي الصاحب صفي الدّين إِبْرَاهِيم بن مَرْزُوق وَزِير الْملك الْأَشْرَف بن الْملك الْعَادِل وَقد حكى جملا من مَنَاقِب الشَّيْخ رَضِي الدّين فَمن ذَلِك قَالَ أَن الصاحب صفي الدّين بن شكر وَزِير الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب كَانَ أبدا يلازم

стр. 661

أكل لحم الدَّجَاج ويعدل عَن لحم الضَّأْن فِي أَكثر الْأَوْقَات فَشَكا إِلَيْهِ شحوبا كَانَ قد غلب على لَونه وَكَانَ الْأَطِبَّاء يصفونَ لَهُ كثيرا من الْأَشْرِبَة وَغَيرهَا فَلَمَّا شكا إِلَيْهِ هَذَا مضى لَحْظَة وَعَاد وَمَعَهُ قِطْعَة من صدر دجَاجَة وَقطعَة حَمْرَاء من لحم ضَأْن ثمَّ قَالَ لَهُ أَنْت تلازم أكل لحم الدَّجَاج فَلم يَأْتِ الدَّم الْمُتَوَلد مِنْهُ مشرق الْحمرَة كَمَا يَأْتِي من لحم الضَّأْن وَأَنت ترى لون هَذَا اللَّحْم من الضان ومباينته فِي اللَّوْن لهَذِهِ الْقطعَة من الدَّجَاج فَيَنْبَغِي أَن تتْرك أكل لحم الدَّجَاج وتلازم أكل لحم الضَّأْن فَإنَّك تصلح وَمَا تحْتَاج مَعَه إِلَى علاج قَالَ فَقبل هَذَا الرَّأْي مِنْهُ وَتَنَاول مَا أوصاه بِهِ وَاسْتمرّ على ذَلِك مُدَّة فصلح لَونه واعتدل مزاجه أَقُول وَهَذَا اقناع حسن أوجده لمن أَرَادَ علاجه وتدبير بليغ فِي حفظ صِحَّته وَذَلِكَ أَن الْوَزير كَانَ عبل الْبدن تَامّ البنية قوي التَّرْكِيب جيد الاستمراء فَكَانَت أعضاؤه ترزأ من لحم الدَّجَاج بِدَم لطيف وَهِي تحْتَاج إِلَى غذَاء أغلط مِنْهُ وامتن فَلَمَّا لَازم أكل لحم الضَّأْن صَار يتَوَلَّد لَهُ مِنْهُ دم متين يقوم بكفاية مَا تحْتَاج إِلَيْهِ أعضاؤه فصلح مزاجه وَظهر لَونه وَكَانَ مولد الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة بِجَزِيرَة ابْن عمر وَكَانَ أول مَرضه فِي يَوْم عيد الْأَضْحَى من سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة ووفاته ﵀ بكرَة يَوْم الْأَحَد الْعَاشِر من الْمحرم سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَدفن بجبل قاسيون فَعَاشَ نَحْو الْمِائَة سنة وَلم يتَبَيَّن تغير شَيْء من سَمعه وَلَا بَصَره وَإِنَّمَا كَانَ فِي آخر عمره قد عرض لَهُ نِسْيَان للأشياء الْقَرِيبَة الْعَهْد المتجددة وَأما الْأَشْيَاء الْبَعِيدَة الْمدَّة الَّتِي كَانَ يعرفهَا من زمَان طَوِيل فَإِنَّهُ كَانَ ذَاكِرًا لَهَا وَخلف وَلدين الْأَكْبَر مِنْهُمَا شرف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ وَالْآخر جمال الدّين عُثْمَان وَحكى لي بعض أَهله مِمَّن لَازمه فِي الْمَرَض أَنه عِنْد مَوته جس نبض يَده الْيُسْرَى بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَبَقِي كالمتأمل المفكر فِي ذَلِك ثمَّ ضرب بيدَيْهِ كفا على كف لِأَنَّهُ علم أَن قوته قد سَقَطت قَالَ وَعدل زورقية كَانَت على رَأسه بيدَيْهِ واستبسل للْمَوْت وَمَات بعد ذَلِك ولرضي الدّين الرَّحبِي من الْكتب بتهذيب شرح ابْن الطّيب لكتاب الْفُصُول لأبقراط اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين كَانَ قد شرع فِي ذَلِك وَلم يكمله شرف الدّين بن الرَّحبِي هُوَ الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم الْفَاضِل عَلامَة عصره وفريد دهره شرف الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن يُوسُف ابْن حيدرة بن الْحسن الرَّحبِي كَانَ مولده بِدِمَشْق فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة وَكَانَ قد سلك حَذْو أَبِيه واقتفى مَا كَانَ يقتفيه وَهُوَ أشبه بِهِ خلقا وخلقا وطرائق لم يزل متوفرا على قِرَاءَة

стр. 662

الْكتب وتحصيلها وَنَفسه تشرئب إِلَى طلب الْفَضَائِل وتفصيلها وَله تدقيق فِي الصِّنَاعَة الطبية وَتَحْقِيق لمباحثها الْكُلية والجزئية وَله فِي الطِّبّ كتب مؤلفة وحواش مُتَفَرِّقَة واشتغل بصناعة الطِّبّ على أَبِيه وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ وحرر عَلَيْهِ كثيرا من الْعُلُوم وَلَا سِيمَا من تصانيف الشَّيْخ موفق الدّين الْبَغْدَادِيّ واشتغل أَيْضا بالأدب على الشَّيْخ علم الدّين السخاوي وعَلى غَيره من الْعلمَاء وَقد أتقن علم الْأَدَب إتقانا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَلَا يُشَارِكهُ أحد فِيهِ وَله فطْرَة جَيِّدَة فِي قَول الشّعْر وَأحب مَا إِلَيْهِ التخلي مَعَ نَفسه والملازمة لقرَاءَته ودرسه والإطلاع على آثَار القدماء وَالِانْتِفَاع بمؤلفات الْحُكَمَاء وَكَانَ نزيه النَّفس عالي الهمة لم يُؤثر التَّرَدُّد إِلَى الْمُلُوك وَلَا إِلَى أَرْبَاب الدولة وخدم مُدَّة فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي وَلما وقف شَيخنَا مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ الدَّار الَّتِي لَهُ بِدِمَشْق وَجعلهَا مدرسة يدرس فِيهَا صناعَة الطِّبّ وَينْتَفع الْمُسلمُونَ بقراءتهم فِيهَا أوصى أَن يكون مدرسها شرف الدّين بن الرَّحبِي لما قد تحَققه من علمه وفهمه فَتَوَلّى التدريس بهَا مُدَّة وَتُوفِّي شرف الدّين بن الرَّحبِي بِدِمَشْق وَدفن بجبل قاسيون وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي اللَّيْلَة الَّتِي صباحها يَوْم الْجُمُعَة حادي عشر الْمحرم سنة سبع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة بعلة ذَات الْجنب وحَدثني الْحَكِيم بدر الدّين بن قَاضِي بعلبك وشمس الدّين الكتبي الْمَعْرُوف بالخواتمي قَالَا كَانَ شرف الدّين قبل أَن يمرض وَيَمُوت بأشهر يَقُول للْجَمَاعَة المترددين إِلَيْهِ والتلاميذ المشتغلين عَلَيْهِ إِنَّه بعد قَلِيل أَمُوت وَذَلِكَ يكون عِنْد قرَان الكوكبين ثمَّ يَقُول لَهُم قُولُوا للنَّاس هَذَا حَتَّى يعرفوا مِقْدَار علمي فِي حَياتِي وَعلمِي بِوَقْت موتِي وَكَانَ قَوْله مُوَافقا لما حكم بِهِ وَمن شعر شرف الدّين بن الرَّحبِي وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ (سِهَام المنايا فِي الورى لَيْسَ تمنع ... فَكل لَهُ يَوْمًا وَإِن عَاشَ مصرع) (وكل وَإِن طَال المدى سَوف يَنْتَهِي ... إِلَى قَعْر لحد فِي ثرى مِنْهُ يودع) (فَقل للَّذي قد عَاشَ بعد قرينه ... إِلَى مثلهَا عَمَّا قَلِيل ستدفع) (فَكل ابْن أُنْثَى سَوف يُفْضِي إِلَى ردى ... وَيَرْفَعهُ بعد الأرائك شرجع) (ويدركه يَوْمًا وَإِن عَاشَ بُرْهَة ... قَضَاء تساوى فِيهِ هم ومرضع) (فَلَا يفرحن يَوْمًا بطول حَيَاته ... لَبِيب فَمَا فِي عيشة الْمَرْء مطمع) (فَمَا الْعَيْش إِلَّا مثل لمحة بارق ... وَمَا الْمَوْت إِلَّا مثل مَا الْعين تهجع) (وَمَا النَّاس إِلَّا كالنبات فيابس ... هشيم وغض إِثْر مَا باد يطلع) (فتبا لدُنْيَا مَا تزَال تعلنا ... أفاويق كأس مرّة لَيْسَ تقنع) (سَحَاب أمانيها جهام وبرقها ... إِذا شيم برق خلب لَيْسَ يهمع)

стр. 663

(تغر بنيها بالمنى فتقودهم ... إِلَى قَعْر مهواة بهَا الْمَرْء يوضع) (فكم أهلكت فِي حبها من متيم ... وَلم يحظ مِنْهَا بالمنى فَيمْتَنع) (تمنيه بالآمال فِي نيل وَصلهَا ... وَعَن غيه فِي حبها لَيْسَ ينْزع) (أضاع بهَا عمرا لَهُ غير رَاجع ... وَلم ينل الْأَمر الَّذِي يتَوَقَّع) (فَصَارَ لَهَا عبدا لجمع حطامها ... وَلم يهن فِيهَا بِالَّذِي كَانَ يجمع) (وَلَو كَانَ ذَا عقل لاغنته بلغَة ... من الْعَيْش فِي الدُّنْيَا وَلم يَك يجشع) (إِلَى أَن توافيه الْمنية وَهُوَ بالقناعة ... فِيهَا آمن لَا يروع) (مصائبها عَمت فَلَيْسَ بمفلت ... شُجَاع وَلَا ذُو ذلة لَيْسَ يدْفع) (وَلَا سابح فِي قَعْر بَحر وطائر ... يَدُوم فِي بوح الفضاء فينزع) (وَلَا ذُو امْتنَاع فِي بروج مشيدة ... لَهَا فِي ذرى جو السَّمَاء ترفع) (أصارته من بعد الْحَيَاة بوهدة ... لَهُ من ثراها آخر الدَّهْر مَضْجَع) (تساوى بهَا من حل تَحت صعيدها ... على قرب عهد بالممات وَتبع) (فسيان ذُو فقر بهَا وذوو الْغنى ... وَذُو لَكِن عِنْد الْمقَال ومصقع) (وَمن لم يخف عِنْد النوائب حتفه ... وَذُو جبن خوفًا من الْمَوْت يسْرع) (وَذُو جشع يَسْطُو بناب ومخلب ... وكل بغاث ذلة لَيْسَ يمْنَع) (وَمن ملك الْآفَاق بَأْسا وَشدَّة ... وَمن كَانَ فِيهَا بالضروري يقنع) (وَلَو كشف الأجداث مُعْتَبرا لَهُم ... لينْظر آثَار البلى كَيفَ تصنع) (لشاهد إحداقا تسيل وأوجها ... معفرة فِي الترب شوها تفزع) (غَدَتْ تَحت أطباق الثرى مكفهرة ... عبوسا وَقد كَانَت من الْبشر تلمع) (فَلم يعرف الْمولى من العَبْد فيهم ... وَلَا خاملا من نابه يترفع) (وأنى لَهُ علم بذلك بَعْدَمَا ... تبين مِنْهُم مَا لَهُ الْعين تَدْمَع) (رأى مَا يسوء الطّرف مِنْهُم وطالما ... رأى مَا يسر الناظرين ويمتع) (رأى أعظما لَا تَسْتَطِيع تماسكا ... تهافت من أوصالها وتقطع) (مُجَرّدَة من لَحمهَا فَهِيَ عِبْرَة ... لذِي فكرة فِيمَا لَهُ يتَوَقَّع) (تخونها مر اللَّيَالِي فَأَصْبَحت ... أنابيب فِي أجوافها الرّيح تسمع) (إِلَى أجنة مسودة وجماجم ... مطأطأة من ذلة لَيْسَ ترفع) (أزيلت عَن الْأَعْنَاق فَهِيَ نواكس ... على الترب من بعد الوسائد تُوضَع) (علاها ظلاما للبلى ولطالما ... غَدا نورها فِي حندس اللَّيْل يسطع) (كَأَن لم يكن يَوْمًا علا مفرقا لَهَا ... نفائس تيجان ودر مرصع)

стр. 664

(تبَاعد عَنْهُم وَحْشَة كل وامق ... وعافهم الأهلون وَالنَّاس أجمع) (وقاطعهم من كَانَ حَال حياتهم ... بوصلهم وجدا بهم لَيْسَ يطْمع) (يبكيهم الْأَعْدَاء من سوء حَالهم ... ويرحمهم من كَانَ ضدا ويجزع) (فَقل للَّذي قد غره طول عمره ... وَمَا قد حواه من زخارف تخدع) (أفق وَانْظُر الدُّنْيَا بِعَين بَصِيرَة ... تَجِد كل مَا فِيهَا ودائع ترجع) (فَأَيْنَ الْمُلُوك الصَّيْد قدما وَمن حوى ... من الأَرْض مَا كَانَت بِهِ الشَّمْس تطلع) (حواه ضريح من فضاء بسيطها ... يقصر عَن جثمانه حِين يذرع) (فكم ملك أضحى بِهِ ذَا مذلة ... وَقد كَانَ حَيا للمهابة يتبع) (يَقُود على الْخَيل الْعتاق فوارسا ... يسد بهَا رحب الفيافي ويترع) (فَأصْبح من بعد التنعم فِي ثرى ... توارى عظاما مِنْهُ بهماء بلقع) (بَعيدا على قرب المزايا إيابه ... فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى الْقِيَامَة مرجع) (غَرِيبا عَن الأحباب والأهل ثاويا ... بأقصى فلاة خرقه لَيْسَ يرقع) (تلح عَلَيْهِ السافيات بمنزل ... جديب وَقد كَانَت بِهِ الأَرْض تمرع) (رهينا بِهِ لَا يملك الدَّهْر رَجْعَة ... وَلَا يستطيعن الْكَلَام فَيسمع) (توسد فِيهِ الترب من بعد مَا اغتدى ... زَمَانا على فرش من الْخَزّ يرفع) (كَذَلِك حكم النائبات فَلَنْ ترى ... من النَّاس حَيا شَمله لَيْسَ يصدع) الطَّوِيل وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (تساق بَنو الدُّنْيَا إِلَى الحتف عنْوَة ... وَلَا يشْعر الْبَاقِي بِحَالَة من يمْضِي) (كَأَنَّهُمْ الْأَنْعَام فِي جهل بَعْضهَا ... بِمَا تمّ من سفك الدِّمَاء على بعض) الطَّوِيل وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (لَيْسَ يجدي ذكر الْفَتى بعد موت ... فاطرح مَا يَقُوله السُّفَهَاء) (إِنَّمَا يدْرك التألم واللذة ... حَيّ لَا صَخْرَة صماء) الْخَفِيف وَقَالَ وأنشدني إِيَّاهَا لما توفّي الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب بِدِمَشْق وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة (كم قَالَ جهلا بِأَنِّي إِن أمت ... يزل النظام وَيفْسد الثَّقَلَان) (وافاه مفضي الْحمام وَلم يرع ... حَيّ وَلم يحفل بِهِ اثْنَان) (فغدا لَقِي تَحت التُّرَاب مجندلا ... لم ينتطح فِي مَوته عنزان)

стр. 665

(من ظن أَن لَا بُد مِنْهُ وَأَنه ... ذُو عنية فِي عَالم الأكوان) (فلبئسما ذهبت وساوس فكره ... مِنْهُ إِلَى دَعْوَى بِغَيْر بَيَان) (أَنِّي وَمَا فَوق البسيطة فَاسد ... إِلَّا ويخلفه بديل ثَانِي) الْكَامِل وَقَالَ وأنشدني إِيَّاهَا بعد وَفَاة أَخِيه الْحَكِيم جمال الدّين عُثْمَان فِي سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة (تبدلت لما أَن وجدت سكينَة ... وَعزا نفى شَرّ الحسود المعاند) (وَقد ناهزت سني ثَمَانِينَ حجَّة ... وَمَات من الأهلين كل مساعد) (وَلَا سِيمَا الْأَخ الشَّقِيق وَإِن غَدا ... لَدَى نَازل فِي الْخطب ركني وساعدي) (فخانتني الْأَيَّام فِيمَا رجوته ... وَلما تزل تَأتي بعكس الْمَقَاصِد) (فصبرا على كيد الزَّمَان لَعَلَّه ... يؤول إِلَى الْإِنْصَاف بعد التباعد) الطَّوِيل وَكَانَ يخضب بِالْحِنَّاءِ فَقلت لَهُ لَو تركت اللِّحْيَة بَيْضَاء كَانَ أليق فأنشدني لنَفسِهِ بديها (سترت مشيبي بالخضاب لأنني ... تيقنت أَن الشيب بِالْمَوْتِ مُنْذر) (فواريته كَيْلا ترى مِنْهُ مقلتي ... صباح مسَاء مَا بِهِ الْعَيْش يكدر) (فغيبة مَا يشنى عَن الْعين مُوجب ... تناسى مَا مِنْهُ يخَاف ويحذر) (وَإِن كنت ذَا علم بِأَن لَيْسَ ملبسي ... شبَابًا وَلَا رد الْمنية يقدر) الطَّوِيل وَقَالَ وَهُوَ مِمَّا كتب بِهِ إِلَيّ من دمشق وَكنت يَوْمئِذٍ بصرخد عِنْد مَالِكهَا الْأَمِير عز الدّين أيبك المعظمي (موفق الدّين مَاذَا السَّهْو مِنْك على ... مَا نلْت من رُتْبَة فِي الْعلم وَالْأَدب) (أبعت نَفسك بالنزر الحقير لقد ... أرخصتها بعد طول الْجد والدأب) (أَقمت فِي بلد يزري بساكنه ... وَلَا يرتضيه لَبِيب من ذَوي الرتب) (ناء عَن الْخَيْر ذِي جَدب فَلَيْسَ بِهِ ... سوى صخور وحر مِنْهُ ملتهب) (مضيعا فِيهِ عمرا مَا لَهُ عوض ... إِذا تصرم وَقت مِنْهُ لم يؤب) (أتحسب الْعُمر مردودا تصومه ... هَيْهَات أَن يرجع الْمَاضِي من الحقب) (أم تحسب الْعُمر مَا ولت لذاذته ... ينَال بعد ذهَاب الْعُمر بِالذَّهَب) (إِذا تولى شباب الْعُمر فِي نغص ... فَمَا لَهُ فِي بقايا الْعُمر من أرب) (لَو كَانَ مَا أَنْت فِيهِ مكسبا لغنى ... لما وفى بذهاب الْعُمر فِي نصب)

стр. 666

(فَكيف مَعَ قلَّة الْجَارِي وخسته ... والبعد عَن كل ذِي فضل وَذي أدب) (فعد إِلَى جنَّة الدُّنْيَا فقد برزت ... لمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب) (وَلَا تقم بسواها مَعَ حُصُول غنى ... فالعمر فِيمَا سواهَا غير محتسب) (واقطع زَمَانك طيبا فِي محاسنها ... وعد إِلَى اللَّهْو وَاللَّذَّات والطرب) (وبادر الْعُمر قبل الْفَوْت مغتنما ... مَا دمت حَيا فَإِن الْمَوْت فِي الطّلب) (وَخذ عيَانًا إِذا مَا أمكنت فرص ... وَلَا تبع طيب مَوْجُود بمرتقب) (فالعمر منصرم وَالْوَقْت مغتنم ... والدهر ذُو غير فأنعم بِهِ تصب) (فاعمل بِقَوْلِي وَلَا تجنح إِلَى أحد ... مِمَّن يفند من عمري وَذي رغب) (يرى السَّعَادَة فِي نيل الحطام وَلَو ... حواه مَعَ نصب من سوء مكتسب) (فاستدرك الْفَائِت الْمقْضِي فِي عمر ... فَلَيْسَ بالنأي عَن مثواك من كثب) (وَلَا تعش عَيْش ذِي نقص وَكن أبدا ... مِمَّن سمت همة مِنْهُ على الشهب) (واغنم حَيَاة أَب مَا زَالَ ذَا حزن ... مذ غبت عَنهُ لبعد مِنْك مكتئب) (فلست تعدم مَعَ رُؤْيَاهُ مكتسبا ... يسد بالقنع من عري وَمن سغب) (فَالرَّأْي مَا قلته فاعمل بِهِ عجلا ... وَلَا تصخ نَحْو فدم غير ذِي حدب) (فغفلة الْمَرْء مَعَ علم وَمَعْرِفَة ... عَن وَاضح بَين من أعجب الْعجب) الْبَسِيط فَقلت فِي جَوَابه وَكتب بهَا إِلَيْهِ (مولَايَ يَا شرف الدّين الَّذِي بلغت ... أدنى مساعيه أَعلَى رُتْبَة بالأدب) (وَمن سمت فِي سَمَاء الْمجد همته ... فأدركت فِي الْمَعَالِي أرفع الرتب) (قد فاق بقراط فِي علم وَفِي حكم ... وفَاق سحبان فِي شعر وَفِي خطب) (لَهُ التصانيف فِي كل الْعُلُوم وَلَا ... شَيْء يماثلها من سَائِر الْكتب) (أقدارها قد علت فِي النَّاس وَارْتَفَعت ... عَن كل شبه كَمثل السَّبْعَة الشهب) (فِيهَا الْمعَانِي الَّتِي كالدر قد نظمت ... فِي سلك خطّ وَخير اللَّفْظ منتخب) (وَلَا عَجِيب لدر كَانَ مورده ... من بَحر علم لمولى فِي العلى دئب) (قد نَالَ رَاحَة تَحْصِيل الْعُلُوم وَمَا ... من رَاحَة حصلت إِلَّا عَن التَّعَب) (ورام مسعاه أَقوام وَمَا بلغُوا ... الْبَعْض مِنْهُ وكل جد فِي الطّلب) (وكل علم وجود فَهُوَ مِنْهُ إِلَى ... من يجتديه كغيث دَائِم الصيب) (لله كم من أياد مِنْهُ قد وصلت ... إِلَيّ فِي سالف الْأَيَّام والحقب) (إِنِّي لأشكرها مَا دمت مُجْتَهدا ... وشكر نعماه طول الدَّهْر أَجْدَر بِي) (عِنْدِي من الْبَين أشواق إِلَيْك كَمَا ... للنَّاس فِي الجدب أشواق إِلَى السحب) (تهمي دموعي إِذا مَا غن ذكركُمْ ... على فؤاد بِنَار الشوق ملتهب)

стр. 667

(كَأَنَّمَا حل طرفِي بعد بَيْنكُم ... متمم وأتى قلبِي أَبُو لَهب) (وكل عمر تقضى لي ببعدكم ... عني فَذَلِك عمر غير محتسب) (وَلَو تكون لي الدُّنْيَا بأجمعها ... فِي الْبعد مَا كنت مُخْتَارًا فِرَاق أبي) (هُوَ الَّذِي لم يزل إشفاقه أبدا ... عَليّ وَالْبر من بعد وَمن كثب) (وإنني بعد مَا جد الْفِرَاق بِنَا ... والبعد لم يصف لي عَيْش وَلم يطب) (وَكَيف يلتذ عَيْشًا من أتاح بِهِ ... هَذَا الزَّمَان إِلَى قوم من الْحَطب) (لم يعرفوا قدر ذِي علم لجهلهم ... وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْجُهَّال بالعجب) (أتيت من ضَاعَ فضلي فِي فناه وَهل ... غباوة الْعَجم تَدْرِي فطنة الْعَرَب) (وَإِن أَقمت بِأَقْوَام على خطأ ... مني وَقد مر بعض الْعُمر فِي نصب) (فقد أَقَامَ سميي قبل فِي نفر ... بِأَرْض نجلة يشكو حَادث النوب) (وَهِي الْأُمُور الَّتِي تَأتي مقدرَة ... وَلَيْسَ شَيْء من الدُّنْيَا بِلَا سَبَب) (وَمن بَدَائِع نظم أَنْت قَائِله ... بَيت بِهِ حكم من رَأْي ذِي حدب) (إِذا انْقَضى شباب الْمَرْء فِي نغص ... فَمَا لَهُ فِي بقايا الْعُمر من أرب) (يَا حبذا طيب أَيَّام لنا سلفت ... وَطيب أَوْقَاتهَا لَو أَنَّهَا تؤب) (وحبذا جنَّة الدُّنْيَا إِذا برزت ... لمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب) (وَقد رَأَيْت صَوَابا مَا أمرت بِهِ ... وَمَا نصحت بِلَا شكّ وَلَا ريب) (وَلَيْسَ يُنكر شَيْئا أَنْت قَائِله ... من النَّصِيحَة والآراء غير غبي) (وَإِن لي همة تسمو السماك وَمَا ... إِلَّا الْفَضَائِل والعلياء مطلبي) (وسوف أقصد أَرضًا قد نشأت بهَا ... والقرب من كل ذِي فضل وَذي أدب) (وَاجعَل الْعَزْم فِي علم أحصله ... فالعلم فِي كل حَال خير مكتسب) الْبَسِيط وأنشدني لنَفسِهِ (روحي بكم تنعم فِي اللَّذَّات ... إِذْ كنت مُقَومًا لَهَا كالذاتي) (مَا جال بخاطري فراقي لكم ... إِلَّا وَعَجِبت من بَقَاء الذَّات) دوبيت وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (أَصبَحت بكف نازح الود ملول ... لَا يعطفه مَعَ لينه عذل عذول) (لَو لم يَك فِي الْحسن كبدر التم ... مَا كَانَ لَهُ بِحَبَّة الْقلب نزُول) دزربيت

стр. 668

وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (لم يبْق تولهي بكم غير ذما ... ينصب لذا البكا من الْعين دَمًا) (إِن كَانَ يقتلني الهي حكما ... فِي حبك لم أجد لموتي ألما) دوبيت ولشرف الدّين بن الرَّحبِي من الْكتب كتاب فِي خلق الْإِنْسَان وهيئة أَعْضَائِهِ ومنفعتها لم يسْبق إِلَى مثله حواش على كتاب القانون لِابْنِ سينا حواش على شرح ابْن أبي صَادِق لمسائل حنين جمال الدّين بن الرَّحبِي هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم الْفَاضِل جمال الدّين عُثْمَان بن يُوسُف بن حيدرة الرَّحبِي مولده ومنشؤه بِدِمَشْق من أكَابِر الْفُضَلَاء وسَادَة الْعلمَاء أوحد زَمَانه وفريد أَوَانه اشْتغل بصناعة الطِّبّ على وَالِده وعَلى غَيره وأتقنها إتقانا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَكَانَ حسن المعالجة جيد المداواة وخدم فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي ﵀ لمعالجة المرضى وَبَقِي بِهِ سِنِين وَكَانَ يحب التِّجَارَة ويعانيها ويسافر بهَا فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى مصر وَيَأْتِي من مصر بِتِجَارَة وَلما وصلت التتر إِلَى الشَّام وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة توجه الْحَكِيم جمال الدّين بن الرَّحبِي إِلَى مصر وَأقَام فِيهَا ثمَّ مرض وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ وَذَلِكَ فِي الْعشْرين من شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة كَمَال الدّين الْحِمصِي هُوَ أَبُو مَنْصُور المظفر بن عَليّ بن نَاصِر الْقرشِي من الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الْمَذْكُورين وَكَانَ كثير الْخَيْر وافر الْمُرُوءَة كريم النَّفس محبا لاصطناع الْمَعْرُوف واشتغل بصناعة الطِّبّ على الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي وعَلى غَيره وَشرع فِي قِرَاءَة كتاب القانون على الْحَكِيم القَاضِي بهاء الدّين أبي الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي الْفضل مَنْصُور بن الْحسن بن إِسْمَاعِيل الطَّبَرِيّ المَخْزُومِي لما أَتَى إِلَى دمشق وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَى علاج الإسهال الدماغي ثمَّ سَافر الشَّيْخ بهاء الدّين إِلَى بلد الرّوم فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة وَكَانَ كَمَال الدّين الْحِمصِي قد اشْتغل أَيْضا بالأدب وَقَرَأَ على الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ وَكَانَ محبا للتِّجَارَة وَأكْثر معيشته مِنْهَا وَكَانَت لَهُ دكان فِي الخواصين بِدِمَشْق يجلس فِيهَا وَيكرهُ التكسب بصناعة الطِّبّ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُلُوك وَأكْثر الْأَعْيَان يطلبونه ويستطبونه لما ظهر من علمه وَبَان من فَضله وَطَلَبه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب وَغَيره ليخدمهم وَيبقى مَعَهم فِي الصُّحْبَة فَمَا فعل وَبَقِي سِنِين يتَرَدَّد إِلَى البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي ويعالج المرضى فِيهِ احتسابا ثمَّ ألزم بعد ذَلِك بِأَن قررت لَهُ فِيهِ جامكية وجراية وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع شهر شعْبَان سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة

стр. 669

ولكمال الدّين الْحِمصِي من الْكتب مقَالَة فِي الباه وَهِي مستقصاة فِي فنها شرح بعض كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ الرسَالَة الْكَامِلَة فِي الْأَدْوِيَة المسهلة اخْتِصَار كتاب الْحَاوِي للرازي لم يتم مقَالَة فِي الاسْتِسْقَاء تعاليق على الكليات من كتاب القانون تعاليق فِي الطِّبّ تعاليق فِي الْبَوْل ألفها فِي أول رَجَب سنة ثَلَاث وسِتمِائَة اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين بن إِسْحَاق وَقد أَجَاد فِيهِ موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْفَاضِل موفق الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّطِيف بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي سعد وَيعرف بِابْن اللباد موصلي الأَصْل بغدادي المولد كَانَ مَشْهُورا بالعلوم متحليا بالفضائل مليح الْعبارَة كثير التصنيف وَكَانَ متميزا فِي النَّحْو واللغة الْعَرَبيَّة عَارِفًا بِعلم الْكَلَام والطب وَكَانَ قد اعتنى كثيرا بصناعة الطِّبّ لما كَانَ بِدِمَشْق واشتهر بعلمها وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ جمَاعَة من التلاميذ وَغَيرهم من الْأَطِبَّاء للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَكَانَ وَالِده قد أشغله بِسَمَاع الحَدِيث فِي صباه من جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بِابْن البطي وَأَبُو زرْعَة طَاهِر بن مُحَمَّد الْقُدسِي وَأَبُو الْقَاسِم يحيى بن ثَابت الْوَكِيل وَغَيرهم وَكَانَ يُوسُف وَالِد الشَّيْخ موفق الدّين مشتغلا بِعلم الحَدِيث بارعا فِي عُلُوم الْقُرْآن والقراءات مجيدا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف والأصولين وَكَانَ متطرفا من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَكَانَ سُلَيْمَان عَم الشَّيْخ موفق الدّين فَقِيها مجيدا وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف كثير الِاشْتِغَال لَا يخلي وقتا من أوقاته من النّظر فِي الْكتب والتصنيف وَالْكِتَابَة وَالَّذِي وجدته من خطه أَشْيَاء كَثِيرَة جدا بِحَيْثُ أَنه كتب من مصنفاته نسخا مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ أَيْضا كتب كتبا كَثِيرَة من تصانيف القدماء وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا صُحْبَة أكيدة بالديار المصرية لما كُنَّا بهَا وَكَانَ أبي وَعمي يشتغلان عَلَيْهِ بِعلم الْأَدَب واشتغل عَلَيْهِ عمي أَيْضا بكتب أرسطوطاليس وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين كثير الْعِنَايَة بهَا والفهم لمعانيها وأتى إِلَى دمشق من الديار المصرية وَأقَام بهَا مُدَّة وَكثر انْتِفَاع النَّاس بِعِلْمِهِ ورأيته لما كَانَ مُقيما بِدِمَشْق فِي آخر مرّة أَتَى إِلَيْهَا وَهُوَ شيخ نحيف الْجِسْم ربع الْقَامَة حسن الْكَلَام جيد الْعبارَة وَكَانَت مسطرته أبلغ من لَفظه وَكَانَ ﵀ رُبمَا تجَاوز فِي الْكَلَام لِكَثْرَة مَا يرى فِي نَفسه وَكَانَ يستنقص الْفُضَلَاء الَّذين فِي زَمَانه وَكَثِيرًا من الْمُتَقَدِّمين وَكَانَ وُقُوعه كثيرا جدا فِي عُلَمَاء الْعَجم ومصنفاتهم وخصوصا الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا ونظرائه ونقلت من خطه فِي سيرته الَّتِي ألفها مَا هَذَا مِثَاله قَالَ إِنِّي ولدت بدار لجدي فِي درب الفالوذج فِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وتربيت فِي حجر الشَّيْخ أبي النجيب لَا أعرف اللّعب وَاللَّهْو وَأكْثر زماني مَصْرُوف فِي سَماع الحَدِيث وَأخذت لي إجازات من شُيُوخ بَغْدَاد وخرسان وَالشَّام ومصر وَقَالَ لي وَالِدي يَوْمًا قد سَمِعتك جَمِيع عوالي بَغْدَاد وألحقتك فِي الرِّوَايَة بالشيوخ المسان وَكنت فِي أثْنَاء ذَلِك أتعلم الْخط وأتحفظ الْقُرْآن والفصيح والمقامات وديوان المتنبي وَنَحْو ذَلِك ومختصرا

стр. 670

فِي الْفِقْه ومختصرا فِي النَّحْو فَلَمَّا ترعرعت حَملَنِي وَالِدي إِلَى كَمَال الدّين عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ شيخ بَغْدَاد وَله بوالدي صُحْبَة قديمَة أَيَّام التفقه بالنظامية فَقَرَأت عَلَيْهِ خطْبَة الفصيح فهذر كلَاما كثيرا مُتَتَابِعًا لم أفهم مِنْهُ شَيْئا لَكِن التلاميذ حوله يعْجبُونَ مِنْهُ ثمَّ قَالَ أَنا أجفو عَن تَعْلِيم الصّبيان احمله إِلَى تلميذي الْوَجِيه الوَاسِطِيّ يقْرَأ عَلَيْهِ فَإِذا توسطت حَاله قَرَأَ عَليّ وَكَانَ الْوَجِيه عِنْد بعض أَوْلَاد رَئِيس الرؤساء وَكَانَ رجلا أعمى من أهل الثروة والمروءة فأخذني بكلتي يَدَيْهِ وَجعل يعلمني من أول النَّهَار إِلَى آخِره بِوُجُوه كَثِيرَة من التلطف فَكنت أحضر حلقته بِمَسْجِد الظفرية وَيجْعَل جَمِيع الشُّرُوح لي ويخاطبني بهَا وَفِي آخر الْأَمر أَقرَأ درسي ويخصني بشرحه ثمَّ نخرج من الْمَسْجِد فيذاكرني فِي الطَّرِيق فَإِذا بلغنَا منزله أخرج الْكتب الَّتِي يشْتَغل بهَا مَعَ نَفسه فأحفظ لَهُ وأحفظ مَعَه ثمَّ يذهب إِلَى الشَّيْخ كَمَال الدّين فَيقْرَأ درسه ويشرح لَهُ وَأَنا أسمع وتخرجت إِلَى أَن صرت أسبقه فِي الْحِفْظ والفهم وأصرف أَكثر اللَّيْل فِي الْحِفْظ والتكرار وأقمنا على ذَلِك بُرْهَة كلما جَاءَ حفظي كثر وجاد وفهمي قوي واستنار وذهني احتد واستقام وَأَنا ألازم الشَّيْخ وَشَيخ الشَّيْخ وَأول مَا ابتدأت حفظت اللمع فِي ثَمَانِيَة أشهر أسمع كل يَوْم شرح أَكْثَرهَا مِمَّا يَقْرَؤُهُ غَيْرِي وأنقلب إِلَى بَيْتِي فأطالع شرح الثَّمَانِينَ وَشرح الشريف عمر بن حَمْزَة وَشرح ابْن برهَان وكل مَا أجد من شروحها وأشرحها لتلاميذ يختصون بِي إِلَى أَن صرت أَتكَلّم على كل بَاب كراريس وَلَا ينفذ مَا عِنْدِي ثمَّ حفظت أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة حفظا متقنا أما النّصْف الأول فَفِي شهور وَأما تَقْوِيم اللِّسَان فَفِي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا لِأَنَّهُ كَانَ أَرْبَعَة عشر كراسا ثمَّ حفظت مُشكل الْقُرْآن لَهُ وغريب الْقُرْآن لَهُ وكل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة ثمَّ انْتَقَلت إِلَى الْإِيضَاح لأبي عَليّ الفاسي فحفظته فِي شهور كَثِيرَة ولازمت مطالعة شروحه وتتبعته التتبع التَّام حَتَّى تبحرت فِيهِ وجمعت مَا قَالَ الشُّرَّاح وَأما التكملة فحفظتها فِي أَيَّام يسيرَة كل يَوْم كراسا وطالعت الْكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد وَكتاب ابْن درسْتوَيْه وَفِي أثْنَاء ذَلِك لَا أغفل سَماع الحَدِيث والتفقه على شَيخنَا ابْن فضلان بدار الذَّهَب وَهِي مدرسة معلقَة بناها فَخر الدولة بن الْمطلب قَالَ وللشيخ كَمَال الدّين مائَة تصنيف وَثَلَاثُونَ تصنيفا أَكْثَرهَا فِي النَّحْو وَبَعضهَا فِي الْفِقْه والأصولين وَفِي التصوف والزهد وأتيت على أَكثر تصانيفه سَمَاعا وَقِرَاءَة وحفظا وَشرع فِي تصنيفين
следующие страницы →