Полный текст (754 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(فَكيف مَعَ قلَّة الْجَارِي وخسته ... والبعد عَن كل ذِي فضل وَذي أدب)
(فعد إِلَى جنَّة الدُّنْيَا فقد برزت ... لمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب)
(وَلَا تقم بسواها مَعَ حُصُول غنى ... فالعمر فِيمَا سواهَا غير محتسب)
(واقطع زَمَانك طيبا فِي محاسنها ... وعد إِلَى اللَّهْو وَاللَّذَّات والطرب)
(وبادر الْعُمر قبل الْفَوْت مغتنما ... مَا دمت حَيا فَإِن الْمَوْت فِي الطّلب)
(وَخذ عيَانًا إِذا مَا أمكنت فرص ... وَلَا تبع طيب مَوْجُود بمرتقب)
(فالعمر منصرم وَالْوَقْت مغتنم ... والدهر ذُو غير فأنعم بِهِ تصب)
(فاعمل بِقَوْلِي وَلَا تجنح إِلَى أحد ... مِمَّن يفند من عمري وَذي رغب)
(يرى السَّعَادَة فِي نيل الحطام وَلَو ... حواه مَعَ نصب من سوء مكتسب)
(فاستدرك الْفَائِت الْمقْضِي فِي عمر ... فَلَيْسَ بالنأي عَن مثواك من كثب)
(وَلَا تعش عَيْش ذِي نقص وَكن أبدا ... مِمَّن سمت همة مِنْهُ على الشهب)
(واغنم حَيَاة أَب مَا زَالَ ذَا حزن ... مذ غبت عَنهُ لبعد مِنْك مكتئب)
(فلست تعدم مَعَ رُؤْيَاهُ مكتسبا ... يسد بالقنع من عري وَمن سغب)
(فَالرَّأْي مَا قلته فاعمل بِهِ عجلا ... وَلَا تصخ نَحْو فدم غير ذِي حدب)
(فغفلة الْمَرْء مَعَ علم وَمَعْرِفَة ... عَن وَاضح بَين من أعجب الْعجب) الْبَسِيط
فَقلت فِي جَوَابه وَكتب بهَا إِلَيْهِ
(مولَايَ يَا شرف الدّين الَّذِي بلغت ... أدنى مساعيه أَعلَى رُتْبَة بالأدب)
(وَمن سمت فِي سَمَاء الْمجد همته ... فأدركت فِي الْمَعَالِي أرفع الرتب)
(قد فاق بقراط فِي علم وَفِي حكم ... وفَاق سحبان فِي شعر وَفِي خطب)
(لَهُ التصانيف فِي كل الْعُلُوم وَلَا ... شَيْء يماثلها من سَائِر الْكتب)
(أقدارها قد علت فِي النَّاس وَارْتَفَعت ... عَن كل شبه كَمثل السَّبْعَة الشهب)
(فِيهَا الْمعَانِي الَّتِي كالدر قد نظمت ... فِي سلك خطّ وَخير اللَّفْظ منتخب)
(وَلَا عَجِيب لدر كَانَ مورده ... من بَحر علم لمولى فِي العلى دئب)
(قد نَالَ رَاحَة تَحْصِيل الْعُلُوم وَمَا ... من رَاحَة حصلت إِلَّا عَن التَّعَب)
(ورام مسعاه أَقوام وَمَا بلغُوا ... الْبَعْض مِنْهُ وكل جد فِي الطّلب)
(وكل علم وجود فَهُوَ مِنْهُ إِلَى ... من يجتديه كغيث دَائِم الصيب)
(لله كم من أياد مِنْهُ قد وصلت ... إِلَيّ فِي سالف الْأَيَّام والحقب)
(إِنِّي لأشكرها مَا دمت مُجْتَهدا ... وشكر نعماه طول الدَّهْر أَجْدَر بِي)
(عِنْدِي من الْبَين أشواق إِلَيْك كَمَا ... للنَّاس فِي الجدب أشواق إِلَى السحب)
(تهمي دموعي إِذا مَا غن ذكركُمْ ... على فؤاد بِنَار الشوق ملتهب)
стр. 667
(كَأَنَّمَا حل طرفِي بعد بَيْنكُم ... متمم وأتى قلبِي أَبُو لَهب)
(وكل عمر تقضى لي ببعدكم ... عني فَذَلِك عمر غير محتسب)
(وَلَو تكون لي الدُّنْيَا بأجمعها ... فِي الْبعد مَا كنت مُخْتَارًا فِرَاق أبي)
(هُوَ الَّذِي لم يزل إشفاقه أبدا ... عَليّ وَالْبر من بعد وَمن كثب)
(وإنني بعد مَا جد الْفِرَاق بِنَا ... والبعد لم يصف لي عَيْش وَلم يطب)
(وَكَيف يلتذ عَيْشًا من أتاح بِهِ ... هَذَا الزَّمَان إِلَى قوم من الْحَطب)
(لم يعرفوا قدر ذِي علم لجهلهم ... وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْجُهَّال بالعجب)
(أتيت من ضَاعَ فضلي فِي فناه وَهل ... غباوة الْعَجم تَدْرِي فطنة الْعَرَب)
(وَإِن أَقمت بِأَقْوَام على خطأ ... مني وَقد مر بعض الْعُمر فِي نصب)
(فقد أَقَامَ سميي قبل فِي نفر ... بِأَرْض نجلة يشكو حَادث النوب)
(وَهِي الْأُمُور الَّتِي تَأتي مقدرَة ... وَلَيْسَ شَيْء من الدُّنْيَا بِلَا سَبَب)
(وَمن بَدَائِع نظم أَنْت قَائِله ... بَيت بِهِ حكم من رَأْي ذِي حدب)
(إِذا انْقَضى شباب الْمَرْء فِي نغص ... فَمَا لَهُ فِي بقايا الْعُمر من أرب)
(يَا حبذا طيب أَيَّام لنا سلفت ... وَطيب أَوْقَاتهَا لَو أَنَّهَا تؤب)
(وحبذا جنَّة الدُّنْيَا إِذا برزت ... لمجتلي الْحسن فِي أثوابها القشب)
(وَقد رَأَيْت صَوَابا مَا أمرت بِهِ ... وَمَا نصحت بِلَا شكّ وَلَا ريب)
(وَلَيْسَ يُنكر شَيْئا أَنْت قَائِله ... من النَّصِيحَة والآراء غير غبي)
(وَإِن لي همة تسمو السماك وَمَا ... إِلَّا الْفَضَائِل والعلياء مطلبي)
(وسوف أقصد أَرضًا قد نشأت بهَا ... والقرب من كل ذِي فضل وَذي أدب)
(وَاجعَل الْعَزْم فِي علم أحصله ... فالعلم فِي كل حَال خير مكتسب) الْبَسِيط
وأنشدني لنَفسِهِ
(روحي بكم تنعم فِي اللَّذَّات ... إِذْ كنت مُقَومًا لَهَا كالذاتي)
(مَا جال بخاطري فراقي لكم ... إِلَّا وَعَجِبت من بَقَاء الذَّات) دوبيت
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(أَصبَحت بكف نازح الود ملول ... لَا يعطفه مَعَ لينه عذل عذول)
(لَو لم يَك فِي الْحسن كبدر التم ... مَا كَانَ لَهُ بِحَبَّة الْقلب نزُول) دزربيت
стр. 668
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(لم يبْق تولهي بكم غير ذما ... ينصب لذا البكا من الْعين دَمًا)
(إِن كَانَ يقتلني الهي حكما ... فِي حبك لم أجد لموتي ألما) دوبيت
ولشرف الدّين بن الرَّحبِي من الْكتب كتاب فِي خلق الْإِنْسَان وهيئة أَعْضَائِهِ ومنفعتها لم يسْبق إِلَى مثله
حواش على كتاب القانون لِابْنِ سينا
حواش على شرح ابْن أبي صَادِق لمسائل حنين
جمال الدّين بن الرَّحبِي
هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم الْفَاضِل جمال الدّين عُثْمَان بن يُوسُف بن حيدرة الرَّحبِي
مولده ومنشؤه بِدِمَشْق من أكَابِر الْفُضَلَاء وسَادَة الْعلمَاء أوحد زَمَانه وفريد أَوَانه
اشْتغل بصناعة الطِّبّ على وَالِده وعَلى غَيره وأتقنها إتقانا لَا مزِيد عَلَيْهِ
وَكَانَ حسن المعالجة جيد المداواة
وخدم فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي ﵀ لمعالجة المرضى وَبَقِي بِهِ سِنِين
وَكَانَ يحب التِّجَارَة ويعانيها ويسافر بهَا فِي بعض الْأَوْقَات إِلَى مصر وَيَأْتِي من مصر بِتِجَارَة
وَلما وصلت التتر إِلَى الشَّام وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَخمسين وسِتمِائَة توجه الْحَكِيم جمال الدّين بن الرَّحبِي إِلَى مصر وَأقَام فِيهَا ثمَّ مرض وَتُوفِّي بِالْقَاهِرَةِ وَذَلِكَ فِي الْعشْرين من شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَخمسين وسِتمِائَة
كَمَال الدّين الْحِمصِي
هُوَ أَبُو مَنْصُور المظفر بن عَليّ بن نَاصِر الْقرشِي من الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين وَالْعُلَمَاء الْمَذْكُورين
وَكَانَ كثير الْخَيْر وافر الْمُرُوءَة كريم النَّفس محبا لاصطناع الْمَعْرُوف
واشتغل بصناعة الطِّبّ على الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي وعَلى غَيره وَشرع فِي قِرَاءَة كتاب القانون على الْحَكِيم القَاضِي بهاء الدّين أبي الثَّنَاء مَحْمُود بن أبي الْفضل مَنْصُور بن الْحسن بن إِسْمَاعِيل الطَّبَرِيّ المَخْزُومِي لما أَتَى إِلَى دمشق
وَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَى علاج الإسهال الدماغي
ثمَّ سَافر الشَّيْخ بهاء الدّين إِلَى بلد الرّوم فِي سنة ثَمَان وسِتمِائَة
وَكَانَ كَمَال الدّين الْحِمصِي قد اشْتغل أَيْضا بالأدب وَقَرَأَ على الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ
وَكَانَ محبا للتِّجَارَة وَأكْثر معيشته مِنْهَا
وَكَانَت لَهُ دكان فِي الخواصين بِدِمَشْق يجلس فِيهَا وَيكرهُ التكسب بصناعة الطِّبّ
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُلُوك وَأكْثر الْأَعْيَان يطلبونه ويستطبونه لما ظهر من علمه وَبَان من فَضله
وَطَلَبه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب وَغَيره ليخدمهم وَيبقى مَعَهم فِي الصُّحْبَة فَمَا فعل وَبَقِي سِنِين يتَرَدَّد إِلَى البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي ويعالج المرضى فِيهِ احتسابا
ثمَّ ألزم بعد ذَلِك بِأَن قررت لَهُ فِيهِ جامكية وجراية وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن توفّي ﵀
وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع شهر شعْبَان سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة
стр. 669
ولكمال الدّين الْحِمصِي من الْكتب مقَالَة فِي الباه وَهِي مستقصاة فِي فنها
شرح بعض كتاب الْعِلَل والأعراض لِجَالِينُوسَ
الرسَالَة الْكَامِلَة فِي الْأَدْوِيَة المسهلة
اخْتِصَار كتاب الْحَاوِي للرازي لم يتم
مقَالَة فِي الاسْتِسْقَاء
تعاليق على الكليات من كتاب القانون
تعاليق فِي الطِّبّ
تعاليق فِي الْبَوْل ألفها فِي أول رَجَب سنة ثَلَاث وسِتمِائَة
اخْتِصَار كتاب الْمسَائِل لحنين بن إِسْحَاق وَقد أَجَاد فِيهِ
موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ
هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْفَاضِل موفق الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد اللَّطِيف بن يُوسُف بن مُحَمَّد بن عَليّ بن أبي سعد وَيعرف بِابْن اللباد
موصلي الأَصْل بغدادي المولد
كَانَ مَشْهُورا بالعلوم متحليا بالفضائل مليح الْعبارَة كثير التصنيف
وَكَانَ متميزا فِي النَّحْو واللغة الْعَرَبيَّة عَارِفًا بِعلم الْكَلَام والطب
وَكَانَ قد اعتنى كثيرا بصناعة الطِّبّ لما كَانَ بِدِمَشْق واشتهر بعلمها
وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِ جمَاعَة من التلاميذ وَغَيرهم من الْأَطِبَّاء للْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَكَانَ وَالِده قد أشغله بِسَمَاع الحَدِيث فِي صباه من جمَاعَة مِنْهُم أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي الْمَعْرُوف بِابْن البطي وَأَبُو زرْعَة طَاهِر بن مُحَمَّد الْقُدسِي وَأَبُو الْقَاسِم يحيى بن ثَابت الْوَكِيل وَغَيرهم
وَكَانَ يُوسُف وَالِد الشَّيْخ موفق الدّين مشتغلا بِعلم الحَدِيث بارعا فِي عُلُوم الْقُرْآن والقراءات مجيدا فِي الْمَذْهَب وَالْخلاف والأصولين
وَكَانَ متطرفا من الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة
وَكَانَ سُلَيْمَان عَم الشَّيْخ موفق الدّين فَقِيها مجيدا
وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف كثير الِاشْتِغَال لَا يخلي وقتا من أوقاته من النّظر فِي الْكتب والتصنيف وَالْكِتَابَة
وَالَّذِي وجدته من خطه أَشْيَاء كَثِيرَة جدا بِحَيْثُ أَنه كتب من مصنفاته نسخا مُتعَدِّدَة وَكَذَلِكَ أَيْضا كتب كتبا كَثِيرَة من تصانيف القدماء
وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا صُحْبَة أكيدة بالديار المصرية لما كُنَّا بهَا
وَكَانَ أبي وَعمي يشتغلان عَلَيْهِ بِعلم الْأَدَب
واشتغل عَلَيْهِ عمي أَيْضا بكتب أرسطوطاليس
وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين كثير الْعِنَايَة بهَا والفهم لمعانيها
وأتى إِلَى دمشق من الديار المصرية وَأقَام بهَا مُدَّة وَكثر انْتِفَاع النَّاس بِعِلْمِهِ
ورأيته لما كَانَ مُقيما بِدِمَشْق فِي آخر مرّة أَتَى إِلَيْهَا وَهُوَ شيخ نحيف الْجِسْم ربع الْقَامَة حسن الْكَلَام جيد الْعبارَة وَكَانَت مسطرته أبلغ من لَفظه
وَكَانَ ﵀ رُبمَا تجَاوز فِي الْكَلَام لِكَثْرَة مَا يرى فِي نَفسه
وَكَانَ يستنقص الْفُضَلَاء الَّذين فِي زَمَانه وَكَثِيرًا من الْمُتَقَدِّمين
وَكَانَ وُقُوعه كثيرا جدا فِي عُلَمَاء الْعَجم ومصنفاتهم وخصوصا الشَّيْخ الرئيس ابْن سينا ونظرائه
ونقلت من خطه فِي سيرته الَّتِي ألفها مَا هَذَا مِثَاله قَالَ إِنِّي ولدت بدار لجدي فِي درب الفالوذج فِي سنة سبع وَخمسين وَخَمْسمِائة وتربيت فِي حجر الشَّيْخ أبي النجيب لَا أعرف اللّعب وَاللَّهْو وَأكْثر زماني مَصْرُوف فِي سَماع الحَدِيث وَأخذت لي إجازات من شُيُوخ بَغْدَاد وخرسان وَالشَّام ومصر
وَقَالَ لي وَالِدي يَوْمًا قد سَمِعتك جَمِيع عوالي بَغْدَاد وألحقتك فِي الرِّوَايَة بالشيوخ المسان
وَكنت فِي أثْنَاء ذَلِك أتعلم الْخط وأتحفظ الْقُرْآن والفصيح والمقامات وديوان المتنبي وَنَحْو ذَلِك ومختصرا
стр. 670
فِي الْفِقْه ومختصرا فِي النَّحْو
فَلَمَّا ترعرعت حَملَنِي وَالِدي إِلَى كَمَال الدّين عبد الرَّحْمَن الْأَنْبَارِي وَكَانَ يَوْمئِذٍ شيخ بَغْدَاد وَله بوالدي صُحْبَة قديمَة أَيَّام التفقه بالنظامية
فَقَرَأت عَلَيْهِ خطْبَة الفصيح فهذر كلَاما كثيرا مُتَتَابِعًا لم أفهم مِنْهُ شَيْئا لَكِن التلاميذ حوله يعْجبُونَ مِنْهُ
ثمَّ قَالَ أَنا أجفو عَن تَعْلِيم الصّبيان احمله إِلَى تلميذي الْوَجِيه الوَاسِطِيّ يقْرَأ عَلَيْهِ فَإِذا توسطت حَاله قَرَأَ عَليّ
وَكَانَ الْوَجِيه عِنْد بعض أَوْلَاد رَئِيس الرؤساء وَكَانَ رجلا أعمى من أهل الثروة والمروءة
فأخذني بكلتي يَدَيْهِ وَجعل يعلمني من أول النَّهَار إِلَى آخِره بِوُجُوه كَثِيرَة من التلطف فَكنت أحضر حلقته بِمَسْجِد الظفرية وَيجْعَل جَمِيع الشُّرُوح لي ويخاطبني بهَا
وَفِي آخر الْأَمر أَقرَأ درسي ويخصني بشرحه
ثمَّ نخرج من الْمَسْجِد فيذاكرني فِي الطَّرِيق فَإِذا بلغنَا منزله أخرج الْكتب الَّتِي يشْتَغل بهَا مَعَ نَفسه فأحفظ لَهُ وأحفظ مَعَه ثمَّ يذهب إِلَى الشَّيْخ كَمَال الدّين فَيقْرَأ درسه ويشرح لَهُ وَأَنا أسمع
وتخرجت إِلَى أَن صرت أسبقه فِي الْحِفْظ والفهم وأصرف أَكثر اللَّيْل فِي الْحِفْظ والتكرار وأقمنا على ذَلِك بُرْهَة كلما جَاءَ حفظي كثر وجاد وفهمي قوي واستنار وذهني احتد واستقام وَأَنا ألازم الشَّيْخ وَشَيخ الشَّيْخ
وَأول مَا ابتدأت حفظت اللمع فِي ثَمَانِيَة أشهر أسمع كل يَوْم شرح أَكْثَرهَا مِمَّا يَقْرَؤُهُ غَيْرِي وأنقلب إِلَى بَيْتِي فأطالع شرح الثَّمَانِينَ وَشرح الشريف عمر بن حَمْزَة وَشرح ابْن برهَان وكل مَا أجد من شروحها
وأشرحها لتلاميذ يختصون بِي إِلَى أَن صرت أَتكَلّم على كل بَاب كراريس وَلَا ينفذ مَا عِنْدِي
ثمَّ حفظت أدب الْكَاتِب لِابْنِ قُتَيْبَة حفظا متقنا
أما النّصْف الأول فَفِي شهور
وَأما تَقْوِيم اللِّسَان فَفِي أَرْبَعَة عشر يَوْمًا لِأَنَّهُ كَانَ أَرْبَعَة عشر كراسا
ثمَّ حفظت مُشكل الْقُرْآن لَهُ وغريب الْقُرْآن لَهُ وكل ذَلِك فِي مُدَّة يسيرَة
ثمَّ انْتَقَلت إِلَى الْإِيضَاح لأبي عَليّ الفاسي فحفظته فِي شهور كَثِيرَة ولازمت مطالعة شروحه وتتبعته التتبع التَّام حَتَّى تبحرت فِيهِ وجمعت مَا قَالَ الشُّرَّاح
وَأما التكملة فحفظتها فِي أَيَّام يسيرَة كل يَوْم كراسا وطالعت الْكتب المبسوطة والمختصرات وواظبت على المقتضب للمبرد وَكتاب ابْن درسْتوَيْه
وَفِي أثْنَاء ذَلِك لَا أغفل سَماع الحَدِيث والتفقه على شَيخنَا ابْن فضلان بدار الذَّهَب وَهِي مدرسة معلقَة بناها فَخر الدولة بن الْمطلب
قَالَ وللشيخ كَمَال الدّين مائَة تصنيف وَثَلَاثُونَ تصنيفا أَكْثَرهَا فِي النَّحْو وَبَعضهَا فِي الْفِقْه والأصولين وَفِي التصوف والزهد وأتيت على أَكثر تصانيفه سَمَاعا وَقِرَاءَة وحفظا
وَشرع فِي تصنيفين
стр. 671
كبيرين أَحدهمَا فِي اللُّغَة وَالْآخر فِي الْفِقْه وَلم يتَّفق لَهُ إِتْمَامهَا وحفظت عَلَيْهِ طَائِفَة من كتاب سِيبَوَيْهٍ وأكببت على المقتضب فأتقنته
وَبعد وَفَاة الشَّيْخ تجردت لكتاب سبيويه ولشرحه للسيرافي
ثمَّ قَرَأت على أبي عُبَيْدَة الْكَرْخِي كتبا كَثِيرَة مِنْهَا كتاب الْأُصُول لِابْنِ السراج وَالنُّسْخَة فِي وقف ابْن الخشاب برباط المأمونية
وقرأت عَلَيْهِ الْفَرَائِض وَالْعرُوض للخطيب التبريزي وَهُوَ من خَواص تلاميذ ابْن الشجري
وَأما ابْن الخشاب فَسمِعت بقرَاءَته مَعَاني الزّجاج على الكاتبة شهدة بنت الأبري وَسمعت مِنْهُ الحَدِيث المسلسل وَهُوَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء
وَقَالَ أَيْضا موفق الدّين الْبَغْدَادِيّ إِن من مشايخه الَّذين انْتفع بهم كَمَا زعم ولد أَمِين الدولة بن التلميذ
وَبَالغ فِي وَصفه وَكثر وَهَذَا فلكثرة تعصبه للعراقيين وَإِلَّا فولد أَمِين الدولة لم يكن بِهَذِهِ المثابة وَلَا قَرِيبا مِنْهَا
وَقَالَ إِنَّه ورد إِلَى بَغْدَاد رجل مغربي جوال فِي زِيّ التصوف لَهُ أبهة ولسن مَقْبُول الصُّورَة عَلَيْهِ مسحة الدّين وهيئة السياحة ينفعل لصورته من رَآهُ قبل أَن يُخبرهُ وَيعرف بِابْن نائلي يزْعم أَنه من أَوْلَاد المتلثمة
خرج من الْمغرب لما استولى عَلَيْهَا عبد الْمُؤمن
فَلَمَّا اسْتَقر بِبَغْدَاد اجْتمع إِلَيْهِ جمَاعَة من الأكابر والأعيان وحضره الرضي الْقزْوِينِي وَشَيخ الشُّيُوخ ابْن سكينَة
وَكنت وَاحِدًا مِمَّن حَضَره فأقرأني مُقَدّمَة حِسَاب ومقدمة ابْن بابشاد فِي النَّحْو وَكَانَ لَهُ طَرِيق فِي التَّعْلِيم عَجِيب
وَمن يحضرهُ يظنّ أَنه متبحر وَإِنَّمَا كَانَ متطرفا وَلكنه أمعن فِي كتب الكيمياء والطلسمات وَمَا يجْرِي مجْراهَا وأتى على كتب جَابر بأسرها وعَلى كتب ابْن وحشية
وَكَانَ يجلب الْقُلُوب بصورته ومنطقه وإيهامه
فَمَلَأ قلبِي شوقا إِلَى الْعُلُوم كلهَا وَاجْتمعَ بِالْإِمَامِ النَّاصِر لدين الله وَأَعْجَبهُ
ثمَّ سَافر وَأَقْبَلت على الِاشْتِغَال وشمرت ذيل الْجد وَالِاجْتِهَاد وهجرت النّوم وَاللَّذَّات وأكببت على كتب الْغَزالِيّ الْمَقَاصِد والمعيار وَالْمِيزَان ومحك النّظر
ثمَّ انْتَقَلت إِلَى كتب ابْن سينا صغارها وكبارها وحفظت كتاب النجَاة وكتبت الشِّفَاء وبحثت فِيهِ وحصلت كتاب التَّحْصِيل لبهمنيار تلميذ ابْن سينا
وكتبت وحصلت كثيرا من كتب جَابر بن حَيَّان الصُّوفِي وَابْن وحشية وباشرت عمل الصَّنْعَة الْبَاطِلَة وتجارب الضلال الفارغة وَأقوى من أضلني ابْن سينا بكتابه فِي الصَّنْعَة الَّتِي تمم بِهِ فلسفته الَّتِي لَا تزداد بالتمام إِلَّا نقصا
стр. 672
قَالَ وَلما كَانَ فِي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة حَيْثُ لم يبْق بِبَغْدَاد من يَأْخُذ بقلبي ويملأ عَيْني وَيحل مَا يشكل عَلَيْهِ دخلت الْموصل فَلم أجد فِيهَا بغيتي لَكِن وجدت الْكَمَال بن يُونُس جيدا فِي الرياضيات وَالْفِقْه متطرفا من بَاقِي أَجزَاء الْحِكْمَة قد استغرق عقله وَوَقته حب الكيمياء وعملها حَتَّى صَار يستخف بِكُل مَا عَداهَا
وَاجْتمعَ إِلَيّ جمَاعَة كَثِيرَة وَعرضت عَليّ مناصب فاخترت مِنْهَا مدرسة ابْن مهَاجر الْمُعَلقَة وَدَار الحَدِيث الَّتِي تحتهَا
وأقمت بالموصل سنة فِي اشْتِغَال دَائِم متواصل لَيْلًا وَنَهَارًا
وَزعم أهل الْموصل أَنهم لم يرَوا من أحد قبلي مَا رَأَوْا مني من سَعَة الْمَحْفُوظ وَسُرْعَة وَسُكُون الطَّائِر وَسمعت النَّاس يهرجون فِي حَدِيث الشهَاب السهروردي المتفلسف ويعتقدون أَنه قد فاق الْأَوَّلين والآخرين وَأَن تصانيفه فَوق تصانيف القدماء فهممت لقصده ثمَّ أدركني التَّوْفِيق فطلبت من ابْن يُونُس شَيْئا من تصانيفه وَكَانَ أَيْضا مُعْتَقدًا فِيهَا فَوَقَعت على التلويحات واللمحة والمعارج فصادفت فِيهَا مَا يدل على جهل أهل الزَّمَان وَوجدت لي تعاليق كَثِيرَة لَا أرتضيها هِيَ خير من كَلَام هَذَا الأنوك
وَفِي أثْنَاء كَلَامه يثبت حروفا مقطعَة يُوهم بهَا أَمْثَاله أَنَّهَا أسرار إلهيه
قَالَ وَلما دخلت دمشق وجدت فِيهَا من أَعْيَان بَغْدَاد والبلاد مِمَّن جمعهم الْإِحْسَان الصلاحي جمعا كثيرا مِنْهُم جمال الدّين عبد اللَّطِيف ولد الشَّيْخ أبي النجيب وَجَمَاعَة بقيت من بَيت رَئِيس الرؤساء وَابْن طَلْحَة الْكَاتِب وَبَيت ابْن جهير وَابْن الْعَطَّار الْمَقْتُول الْوَزير وَابْن هُبَيْرَة الْوَزير وَاجْتمعت بالكندي الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ وَجرى بَيْننَا مباحثات وَكَانَ شَيخا بهيا ذكيا مثريا لَهُ جَانب من السُّلْطَان لكنه كَانَ معجبا بِنَفسِهِ مُؤْذِيًا لجليسه وَجَرت بَيْننَا مباحثات فأظهرني الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي مسَائِل كَثِيرَة
ثمَّ إِنِّي أهملت جَانِبه فَكَانَ يتَأَذَّى بإهمالي لَهُ أَكثر مِمَّا يتَأَذَّى النَّاس مِنْهُ
وعملت بِدِمَشْق تصانيف جمة مِنْهَا غَرِيب الحَدِيث الْكَبِير جمعت فِيهِ غَرِيب أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وغريب ابْن قُتَيْبَة وغريب الْخطابِيّ وَكنت ابتدأت بِهِ فِي الْموصل وعملت لَهُ مُخْتَصرا سميته الْمُجَرّد وعملت كتاب الْوَاضِحَة فِي إِعْرَاب الْفَاتِحَة نَحْو عشْرين كراسا وَكتاب الْألف وَاللَّام وَكتاب رب وكتابا فِي الذَّات وَالصِّفَات الذاتية الْجَارِيَة على السّنة الْمُتَكَلِّمين
وقصدت بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة الرَّد على الْكِنْدِيّ وَوجدت بِدِمَشْق الشَّيْخ عبد الله بن نائلي نازلا بالماذنة الغربية وَقد عكف عَلَيْهِ جمَاعَة وتحزب النَّاس فِيهِ حزبين لَهُ وَعَلِيهِ فَكَانَ الْخَطِيب الدولعي عَلَيْهِ وَكَانَ من الْأَعْيَان لَهُ منزلَة وناموس
ثمَّ خلط ابْن نائلي على نَفسه فَأَعَانَ عدوه عَلَيْهِ وَصَارَ يتَكَلَّم فِي الكيمياء والفلسفة وَكثر التشنيع عَلَيْهِ
وَاجْتمعت بِهِ فَصَارَ يسألني عَن أَعمال اعْتقد أَنَّهَا خسيسة نزرة فيعظمها ويحتفل بهَا ويكتبها مني
стр. 673
وكاشفته فَلم أَجِدهُ كَمَا كَانَ فِي نَفسِي فسَاء بِهِ ظَنِّي وبطريقه ثمَّ باحثته فِي الْعُلُوم فَوجدت عِنْده مِنْهَا أطرافا نزرة فَقلت لَهُ يَوْمًا لَو صرفت زَمَانك الَّذِي ضيعته فِي طلب الصَّنْعَة إِلَى بعض الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة أَو الْعَقْلِيَّة كنت الْيَوْم فريد عصرك مخدوما طول عمرك
وَهَذَا هُوَ الكيمياء لَا مَا تطلبه
ثمَّ اعْتبرت بِحَالهِ وانزجرت بِسوء مَاله والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ
فأقلعت وَلَكِن لَا كل الإقلاع
ثمَّ إِنَّه توجه إِلَى صَلَاح الدّين بِظَاهِر عكا يشكو إِلَيْهِ الدولعي وَعَاد مَرِيضا وَحمل إِلَى البيمارستان فَمَاتَ بِهِ
وَأخذ كتبه الْمُعْتَمد شحنة دمشق وَكَانَ متيما بالصنعة
ثمَّ إِنِّي تَوَجَّهت إِلَى زِيَارَة الْقُدس ثمَّ إِلَى صَلَاح الدّين بِظَاهِر عكة فاجتمعت ببهاء الدّين بن شَدَّاد قَاضِي الْعَسْكَر يَوْمئِذٍ وَكَانَ قد اتَّصل بِهِ شهرتي بالموصل فانبسط إِلَيّ وَأَقْبل عَليّ
وَقَالَ نَجْتَمِع بعماد الدّين الْكَاتِب فقمنا إِلَيْهِ وخيمته إِلَى خيمة بهاء الدّين فَوَجَدته يكْتب كتابا إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز بقلم الثُّلُث من غير مسودة
وَقَالَ هَذَا كتاب إِلَى بلدكم وذاكرني فِي مسَائِل من علم الْكَلَام وَقَالَ قومُوا بِنَا إِلَى القَاضِي الْفَاضِل فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَرَأَيْت شَيخا ضئيلا كُله رَأس وقلب وَهُوَ يكْتب ويملي على اثْنَيْنِ وَوَجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقُوَّة حرصه فِي إِخْرَاج الْكَلَام وَكَأَنَّهُ يكْتب بجملة أَعْضَائِهِ
وسألني القَاضِي الْفَاضِل عَن قَوْله ﴿حَتَّى إِذا جاؤوها وَفتحت أَبْوَابهَا وَقَالَ لَهُم خزنتها﴾ أَيْن جَوَاب إِذا
وَأَيْنَ جَوَاب لَو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَو أَن قُرْآنًا سيرت بِهِ الْجبَال﴾ وَعَن مسَائِل كَثِيرَة وَمَعَ هَذَا فَلَا يقطع الْكِتَابَة والإملاء
وَقَالَ لي ترجع إِلَى دمشق وتجري عَلَيْك الجرايات فَقلت أُرِيد مصر فَقَالَ السُّلْطَان مَشْغُول الْقلب بِأخذ الفرنج عكا وَقتل الْمُسلمين بهَا فَقلت لَا بُد لي من مصر فَكتب لي ورقة صَغِيرَة إِلَى وَكيله بهَا
فَلَمَّا دخلت الْقَاهِرَة جَاءَنِي وَكيله وَهُوَ ابْن سناء الْملك وَكَانَ شَيخا جليل الْقدر نَافِذ الْأَمر فأنزلني دَارا قد أزيحت عللها وَجَاءَنِي بِدَنَانِير وغلة
ثمَّ مضى إِلَى أَرْبَاب الدولة وَقَالَ هَذَا ضيف القَاضِي الْفَاضِل فَدرت الْهَدَايَا والصلات من كل جَانب
وَكَانَ كل عشرَة أَيَّام أَو نَحْوهَا تصل تذكرة القَاضِي الْفَاضِل إِلَى ديوَان مصر بمهمات الدولة وفيهَا فصل يُؤَكد الْوَصِيَّة فِي حَقي
وأقمت بِمَسْجِد الْحَاجِب لُؤْلُؤ ﵀ أَقْْرِئ وَكَانَ قصدي فِي مصر ثَلَاثَة أنفس ياسين السيميائي والرئيس مُوسَى بن مَيْمُون الْيَهُودِيّ وَأَبُو الْقَاسِم الشارعي وَكلهمْ جاؤوني
أما ياسين فَوَجَدته محاليا كذابا مشعبذا يشْهد للشاقاني بالكيمياء وَيشْهد لَهُ الشاقاني بالكيمياء وَيَقُول عَنهُ أَنه يعْمل أعمالا يعجز مُوسَى ابْن عمرَان عَنْهَا
وَأَنه يحضر الذَّهَب الْمَضْرُوب مَتى شَاءَ وَبِأَيِّ مِقْدَار شَاءَ وَبِأَيِّ سكَّة شَاءَ
وَأَنه يَجْعَل مَاء النّيل خيمة وَيجْلس فِيهِ وَأَصْحَابه تحتهَا
وَكَانَ ضَعِيف الْحَال
وَجَاءَنِي مُوسَى فَوَجَدته فَاضلا فِي الْغَايَة قد غلب عَلَيْهِ حب الرياسة وخدمة أَرْبَاب الدُّنْيَا وَعمل كتابا فِي الطِّبّ جمعه من السِّتَّة عشر لِجَالِينُوسَ وَمن خَمْسَة كتب أُخْرَى وَشرط أَن لَا يُغير فِيهِ حرفا إِلَّا أَن يكون وَاو عطف أَو فَاء وصل وَإِنَّمَا ينْقل فصولا لَا يختارها
وَعمل كتابا للْيَهُود سَمَّاهُ الدّلَالَة وَلعن من يَكْتُبهُ بِغَيْر الْقَلَم العبراني
ووقفت عَلَيْهِ فَوَجَدته كتاب سوء يفْسد أصُول الشَّرَائِع والعقائد بِمَا يظنّ أَنه يصلحها
стр. 674
وَكنت ذَات يَوْم بِالْمَسْجِدِ وَعِنْدِي جمع كثير فَدخل شيخ رث الثِّيَاب نير الطلعة مَقْبُول الصُّورَة فهابه الْجمع ورفعوه فَوْقهم وَأخذت فِي إتْمَام كَلَامي فَلَمَّا تصرم الْمجْلس جَاءَنِي أَمَام الْمَسْجِد وَقَالَ أتعرف هَذَا الشَّيْخ هَذَا أَبُو الْقَاسِم الشارعي فاعتنقته وَقلت إياك أطلب فَأَخَذته إِلَى منزلي وأكلنا الطَّعَام وتفاوضنا الحَدِيث فَوَجَدته كَمَا تشْتَهي الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين سيرته سيرة الْحُكَمَاء الْعُقَلَاء وَكَذَا صورته
وَقد رَضِي من الدُّنْيَا ببرض لَا يتَعَلَّق مِنْهَا بِشَيْء يشْغلهُ عَن طلب الْفَضِيلَة
ثمَّ لازمني فَوَجَدته قيمًا بكتب القدماء وَكتب أبي نَاصِر الفرابي وَلم يكن لي اعْتِقَاد فِي أحد من هَؤُلَاءِ لِأَنِّي كنت أَظن أَن الْحِكْمَة كلهَا حازها ابْن سينا وحشاها كتبه وَإِذا تفاوضنا الحَدِيث أغلبه بِقُوَّة الجدل وَفضل اللسن ويغلبني بِقُوَّة الْحجَّة وَظُهُور المحجة
وَأَنا لَا تلين قناتي لغمزه وَلَا أحيد عَن جادة الْهوى والتعصب برمزه فَصَارَ يحضرني شَيْئا بعد شَيْء من كتب أبي نصر والاسكندر ثامسطيوس يؤنس نفاري ويلين عَرِيكَة شماسي حَتَّى عطفت عَلَيْهِ أقدم رجل وأؤخر أُخْرَى
وشاع أَن صَلَاح الدّين هادن الفرنج وَعَاد إِلَى الْقُدس فقادتني الضَّرُورَة إِلَى التَّوَجُّه إِلَيْهِ فَأخذت من كتب القدماء مَا أمكنني وتوجهت إِلَى الْقُدس فَرَأَيْت ملكا عَظِيما يمْلَأ الْعين روعة والقلوب محبَّة
قَرِيبا بَعيدا سهلا محببا وَأَصْحَابه يتشبهون بِهِ يتسابقون إِلَى الْمَعْرُوف كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل﴾
وَأول ليل حَضرته وجدت مَجْلِسا حفلا بِأَهْل الْعلم يتذاكرون فِي أَصْنَاف الْعُلُوم وَهُوَ يحسن الِاسْتِمَاع والمشاركة وَيَأْخُذ فِي كَيْفيَّة بِنَاء الأسوار وحفر الْخَنَادِق ويتفقه فِي ذَلِك وَيَأْتِي بِكُل معنى بديع
وَكَانَ مهتما فِي بِنَاء سور الْقُدس وحفر خندقه يتَوَلَّى ذَلِك بِنَفسِهِ وينقل الْحِجَارَة على عَاتِقه ويتأسى بِهِ جَمِيع النَّاس الْفُقَرَاء والأغنياء والأقوياء والضعفاء حَتَّى الْعِمَاد الْكَاتِب وَالْقَاضِي الْفَاضِل ويركب لذَلِك قبل طُلُوع الشَّمْس إِلَى وَقت الظّهْر وَيَأْتِي دَاره ويمد الطَّعَام ثمَّ يستريح
ويركب الْعَصْر وَيرجع فِي الْمسَاء وَيصرف أَكثر اللَّيْل فِي تَدْبِير مَا يعْمل نَهَارا
فَكتب لي صَلَاح الدّين بِثَلَاثِينَ دِينَارا فِي كل شهر على ديوَان الْجَامِع وَأطلق أَوْلَاده رواتب حَتَّى تقرر لي فِي كل شهر مائَة دِينَار
وَرجعت إِلَى دمشق وأكببت على الِاشْتِغَال وإقراء النَّاس بالجامع
وَكلما أمعنت فِي كتب القدماء ازددت فِيهَا رَغْبَة وَفِي كتب ابْن سينا زهادة وأطلعت على بطلَان الكيمياء وَعرفت حَقِيقَة الْحَال فِي وَضعهَا وَمن وَضعهَا وَتكذب بهَا وَمَا كَانَ قَصده فِي ذَلِك
وخلصت من ضلالين عظيمين موبقين
وتضاعف شكري لله سُبْحَانَهُ على ذَلِك فَإِن أَكثر النَّاس إِنَّمَا هَلَكُوا بكتب ابْن سينا وبالكيمياء
ثمَّ إِن صَلَاح الدّين دخل دمشق وَخرج يودع الْحَاج ثمَّ رَجَعَ فَحم ففصده من لَا خبْرَة عِنْده فخارت الْقُوَّة وَمَات قبل الرَّابِع عشر وَوجد النَّاس عَلَيْهِ شَبِيها بِمَا يجدونه على الْأَنْبِيَاء
وَمَا رَأَيْت ملكا حزن النَّاس بِمَوْتِهِ سواهُ لِأَنَّهُ كَانَ محبوبا يُحِبهُ الْبر والفاجر وَالْمُسلم وَالْكَافِر
ثمَّ تفرق أَوْلَاده
стр. 675
وَأَصْحَابه أيادي سبأ ومزقوا فِي الْبِلَاد كل ممزق وَأَكْثَرهم توجه إِلَى مصر لخصبها وسعة صدر ملكهَا وأقمت بِدِمَشْق وملكها الْملك الْأَفْضَل وَهُوَ أكبر الْأَوْلَاد فِي السن إِلَى أَن جَاءَ الْملك الْعَزِيز بعساكر مصر يحاصر أَخَاهُ بِدِمَشْق فَلم ينل مِنْهُ بغية
ثمَّ تاخر إِلَى مرج الصفر لقولنج عرض لَهُ فَخرجت إِلَيْهِ بعد خلاصه مِنْهُ فَأذن لي فِي الرحيل مَعَه وأجرى عَليّ من بَيت المَال كفايتي وَزِيَادَة
وأقمت مَعَ الشَّيْخ أبي الْقَاسِم يلازمني صباح مسَاء إِلَى أَن قضى نحبه
وَلما اشْتَدَّ مَرضه وَكَانَ ذَات الْجنب عَن نزلة من رَأسه وأشرت عَلَيْهِ بدواء فَأَنْشد
(لَا أذود الطير عَن شجر ... قد بلوت المر من ثمره) المديد
ثمَّ سَأَلته عَن ألمه فَقَالَ
(مَا لجرح بميت إيلام ... ) الْخَفِيف
وَكَانَ سيرتي فِي هَذِه الْمدَّة أنني أَقْْرِئ النَّاس بالجامع الْأَزْهَر من أول النَّهَار إِلَى نَحْو السَّاعَة الرَّابِعَة
وسط النَّهَار يَأْتِي من يقْرَأ الطِّبّ وَغَيرهم وَآخر النَّهَار أرجع إِلَى الْجَامِع الْأَزْهَر فَيقْرَأ قوم آخَرُونَ
وَفِي اللَّيْل اشْتغل مَعَ نَفسِي
وَلم أزل على ذَلِك إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَزِيز وَكَانَ شَابًّا كَرِيمًا شجاعا كثير الْحيَاء لَا يحسن قَول لَا
وَكَانَ مَعَ حَدَاثَة سنه وشرخ شبابه كَامِل الْعِفَّة عَن الْأَمْوَال والفروج
أَقُول ثمَّ إِن الشَّيْخ موفق الدّين أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ بعد ذَلِك مُدَّة وَله الرتب والجرايات من أَوْلَاد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وأتى إِلَى مصر ذَلِك الغلاء الْعَظِيم والموتان الَّذِي لم يُشَاهد مثله
وَألف الشَّيْخ موفق الدّين فِي ذَلِك كتابا ذكر فِيهِ أَشْيَاء شَاهدهَا أَو سَمعهَا مِمَّن عاينها تذهل الْعقل وسمى ذَلِك الْكتاب كتاب الإفادة وَالِاعْتِبَار فِي الْأُمُور الْمُشَاهدَة والحوادث المعاينة بِأَرْض مصر
ثمَّ لما ملك السُّلْطَان الْملك الْعَادِل سيف الدّين أَبُو بكر بن أَيُّوب الديار المصرية وَأكْثر الشَّام والشرق وَتَفَرَّقَتْ أَوْلَاد أَخِيه الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وانتزع ملكهم توجه الشَّيْخ موفق الدّين إِلَى الْقُدس وَأقَام بهَا مُدَّة
وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْجَامِع الْأَقْصَى ويشتغل النَّاس عَلَيْهِ بِكَثِير من الْعُلُوم وصنف هُنَالك كتبا كَثِيرَة
ثمَّ أَنه توجه إِلَى دمشق وَنزل بِالْمَدْرَسَةِ العزيزية بهَا وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وسِتمِائَة وَشرع فِي التدريس والاشتغال وَكَانَ يَأْتِيهِ خلق كثير يشتغلون عَلَيْهِ ويقرأون أصنافا من الْعُلُوم
وتميز فِي صناعَة الطِّبّ بِدِمَشْق صنف فِي هَذَا الْفَنّ كتبا كَثِيرَة وَعرف بِهِ
وَأما قبل ذَلِك فَإِنَّمَا كَانَت شهرته بِعلم النَّحْو وَأقَام بِدِمَشْق مُدَّة وانتفع النَّاس بِهِ
ثمَّ أَنه سَافر إِلَى حلب وَقصد بِلَاد الرّوم
стр. 676
وَأقَام بهَا سِنِين كَثِيرَة وَكَانَ فِي خدمَة الْملك عَلَاء الدّين دَاوُد بن بهران صَاحب أرزنجان
وَكَانَ مكينا عِنْده عَظِيم الْمنزلَة وَله من الجامكية الوافرة والافتقادات الْكَثِيرَة وصنف باسمه عدَّة كتب
وَكَانَ هَذَا الْملك عالي الهمة كثير الْحيَاء كريم النَّفس
وَقد اشْتغل بِشَيْء من الْعُلُوم وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن استولى على ملكه صَاحب أرزن الرّوم وَهُوَ السُّلْطَان كيقباد بن كيخسرو ابْن قلج أرسلان ثمَّ قبض على صَاحب أرزنجان وَلم يظْهر لَهُ خبر
قَالَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف وَلما كَانَ فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة من سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة تَوَجَّهت إِلَى أرزن الرّوم وَفِي حادي صفر من سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة رجعت إِلَى أرزنجان من أرزن الرّوم وَفِي نصف ربيع الأول تَوَجَّهت إِلَى كماخ وَفِي جُمَادَى الأولى تَوَجَّهت مِنْهَا إِلَى دبركي وَفِي رَجَب تَوَجَّهت مِنْهَا إِلَى ملطية وَفِي آخر رَمَضَان تَوَجَّهت إِلَى حلب وصلينا صَلَاة عيد الْفطر بالبهنساء ودخلنا حلب يَوْم الْجُمُعَة تَاسِع شَوَّال فَوَجَدْنَاهَا قد تضاعفت عمارتها وَخَيرهَا بِحسن سيرة أتابك شهَاب الدّين وَاجْتمعَ النَّاس على محبته لمعدلته فِي رَعيته
أَقُول وَأقَام الشَّيْخ موفق الدّين بحلب وَالنَّاس يشتغلون عَلَيْهِ وَكَثُرت تصانيفه
وَكَانَ لَهُ من شهَاب الدّين طغريل الْخَادِم أتابك حلب جَار حسن وَهُوَ متنحل لتدريس صناعَة الطِّبّ وَغَيرهَا ويتردد إِلَى الْجَامِع بحلب ليسمع الحَدِيث ويقرئ الْعَرَبيَّة
وَكَانَ دَائِم الِاشْتِغَال ملازما للكتابة والتصانيف
وَلما أَقَامَ بحلب قصدت إِنِّي أتوجه إِلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ فَلم يتَّفق ذَلِك وَكَانَت كتبه أبدا تصل إِلَيْنَا ومراسلاته وَبعث إِلَيّ أَشْيَاء من تصانيفه من خطه وَهَذِه نُسْخَة كتاب كتبته إِلَيْهِ لما كَانَ بحلب الْمَمْلُوك يواصل بدعائه وثنائه وشكره وانتمائه إِلَى عبودية الْمجْلس السَّامِي المولوي السيدي السندي الْأَجَل الكبيري العالمي الفاضلي موفق الدّين سيد الْعلمَاء فِي الغابرين والحاضرين جَامع الْعُلُوم المتفرقة فِي الْعَالمين ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ
أوضح الله بِهِ سبل الْهِدَايَة وأنار بِبَقَائِهِ طرق الدِّرَايَة وحقق بحقائق أَلْفَاظه صَحِيح الْولَايَة
وَلَا زَالَت سعادته دائمة الْبَقَاء وسيادته سامية الارتقاء وتصانيفه فِي الْآفَاق قدوة الْعلمَاء وعمدة سَائِر الأدباء والحكماء
الْمَمْلُوك يجدد الْخدمَة وَيهْدِي من السَّلَام أطيبه وَمن الشُّكْر وَالثنَاء أعذبه وَيُنْهِي مَا يكابده من أَلِيم التطلع إِلَى مُشَاهدَة أنوار شمسه المنيرة وَمَا يعانيه من الارتياح إِلَى مُلَاحظَة شرِيف حَضرته الأثيرة وَمَا تزايد من القلق وتعاظم عِنْد سَمَاعه قرب المزار من الأرق
(وأبرح مَا يكون الشوق يَوْمًا ... إِذا دنت الديار من الديار) الوافر
وَلَوْلَا قفول الركاب العالي ووصول الجناب الْمُوفق الجلالي لسارع الْمَمْلُوك إِلَى الْوُصُول
стр. 677
ولبادر الْمُبَادرَة بالمثول ولجاء إِلَى شرِيف خدمته وفاز بِالنّظرِ إِلَى بهي طلعته فيا سَعَادَة من فَازَ بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَيَا بشرى من مثل بَين يَدَيْهِ وَيَا سرُور من حظي بِوَجْه إقباله عَلَيْهِ وَمن ورد بحار فَضله من غَيرهَا واستضاء بشمس علمه فسرى فِي ضِيَاء منيرها نسْأَل الله تَعَالَى تقريب الِاجْتِمَاع وَتَحْصِيل الْجمع بَين مسرتي الإبصار والإسماع بمنه وَكَرمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَمن مراسلات الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف أَنه بعث إِلَى أبي فِي أول كتاب وَهُوَ يَقُول فِيهِ عِنْدِي ولد الْوَلَد أعز من الْوَلَد
وَهَذَا موفق الدّين ولد وَلَدي وأعز النَّاس عِنْدِي وَمَا زَالَت النجابة تتبين لي فِيهِ من الصغر
وَوصف وَأثْنى كثيرا وَقَالَ فِيهِ وَلَو أمكنني أَن آتِي إِلَيْهِ بِالْقَصْدِ ليشتغل عَليّ لفَعَلت
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ قد عزم أَن يَأْتِي إِلَى دمشق وَيُقِيم بهَا ثمَّ خطر لَهُ أَنه قبل ذَلِك يحجّ وَيجْعَل طَرِيقه على بَغْدَاد
وَأَن يقدم بهَا للخليفة الْمُسْتَنْصر بِاللَّه أَشْيَاء من تصانيفه
وَلما وصل بَغْدَاد مرض فِي أثْنَاء ذَلِك وَتُوفِّي ﵀ يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشر الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وَدفن بالوردية عِنْد أَبِيه وَذَلِكَ بعد أَن خرج من بَغْدَاد وَبَقِي غَائِبا عَنْهَا خمْسا وَأَرْبَعين سنة
ثمَّ إِن الله تَعَالَى سَاقه إِلَيْهَا وَقضى منيته بهَا
وَمن كَلَام موفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ مِمَّا نقلته من خطه قَالَ
يَنْبَغِي أَن تحاسب نَفسك كل لَيْلَة إِذا آويت إِلَى مَنَامك وَتنظر مَا اكْتسبت فِي يَوْمك من حَسَنَة فتشكر الله عَلَيْهَا وَمَا اكْتسبت من سَيِّئَة فتستغفر الله مِنْهَا وتقلع عَنْهَا
وترتب فِي نَفسك مِمَّا تعمله فِي غدك من الْحَسَنَات وتسأل الله الْإِعَانَة على ذَلِك
وَقَالَ أوصيك أَن لَا تَأْخُذ الْعُلُوم من الْكتب وَإِن وثقت من نَفسك بِقُوَّة الْفَهم
وَعَلَيْك بالأستاذين فِي كل علم تطلب اكتسابه وَلَو كَانَ الْأُسْتَاذ نَاقِصا فَخذ عَنهُ مَا عِنْده حَتَّى تَجِد أكمل مِنْهُ
وَعَلَيْك بتعظيمه وتوجيبه وَإِن قدرت أَن تفيده من دنياك فافعل وَإِلَّا فبلسانك وثنائك
وَإِذا قَرَأت كتابا فاحرص كل الْحِرْص على أَن تستظهره وتملك مَعْنَاهُ وتوهم أَن الْكتاب قد عدم وَإنَّك مستغن عَنهُ لَا تحزن لفقده
وَإِذا كنت مكبا على دراسة كتاب وتفهمه فإياك أَن تشتغل بآخر مَعَه ولصرف الزَّمَان الَّذِي تُرِيدُ صرفه فِي غَيره إِلَيْهِ
وَإِيَّاك أَن تشتغل بعلمين دفْعَة وَاحِدَة وواظب على الْعلم الْوَاحِد سنة أَو سنتَيْن أَو مَا شَاءَ الله
فَإِذا قضيت مِنْهُ وطرك فانتقل إِلَى علم آخر
وَلَا تظن أَنَّك إِذا حصلت علما فقد اكتفيت بل تحْتَاج إِلَى مراعاته لينمو وَلَا ينقص ومراعاته تكون بالذاكرة والتفكر واشتغال الْمُبْتَدِئ بالتلفظ والتعلم ومباحثة الأقران
واشتغال الْعَالم بالتعليم والتصنيف
وَإِذا تصديت لتعليم علم أَو للمناظرة فِيهِ فَلَا تمزج بِهِ غَيره من الْعُلُوم فَإِن كل علم مكتف بِنَفسِهِ مستغن عَن غَيره فَإِن استعانتك فِي علم بِعلم عجز عَن اسْتِيفَاء أقسامه كمن يَسْتَعِين بلغَة فِي لُغَة أُخْرَى إِذا علمهَا أَو جهل بَعْضهَا
قَالَ وَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يقْرَأ التواريخ وَأَن يطلع على السّير وتجارب الْأُمَم فَيصير بذلك كَأَنَّهُ فِي عمره الْقصير قد أدْرك الْأُمَم الخالية وعاصرهم وعاشرهم وَعرف خَيرهمْ وشرهم
стр. 678
قَالَ وَيَنْبَغِي أَن تكون سيرتك سيرة الصَّدْر الأول فاقرأ سيرة النَّبِي ﷺ وتتبع أَفعاله وأحواله واقتف آثاره وتشبه بِهِ مَا أمكنك وبقدر طاقتك
وَإِذا وقفت على سيرته فِي مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه ويقظته وتمرضه وتطببه وتمتعه وتطيبه ومعاملته مَعَ ربه وَمَعَ أَزوَاجه وَأَصْحَابه وأعدائه وَفعلت الْيَسِير من ذَلِك فَأَنت السعيد كل السعيد
قَالَ وَيَنْبَغِي أَن تكْثر إيهامك لنَفسك وَلَا تحسن الظَّن بهَا وَتعرض خواطرك على الْعلمَاء وعَلى تصانيفهم وتتثبت وَلَا تعجل وَلَا تعجب فَمَعَ الْعجب العثار وَمَعَ الاستبداد الزلل
وَمن لم يعرق جَبينه إِلَى أَبْوَاب الْعلمَاء لم يعرق فِي الْفَضِيلَة وَمن لم يخجلوه لم يبجله النَّاس وَمن لم يبكتوه لم يسد وَمن لم يحْتَمل ألم التَّعَلُّم لم يذقْ لَذَّة الْعلم وَمن لم يكدح لم يفلح
وَإِذا خلوت من التَّعَلُّم والتفكر فحرك لسَانك بِذكر الله وبتسابيحه وخاصة عِنْد النّوم فيتشربه لبك ويتعجن فِي خيالك وَتكلم بِهِ فِي مَنَامك
وَإِذا حدث لَك فَرح وسرور بِبَعْض أُمُور الدُّنْيَا فاذكر الْمَوْت وَسُرْعَة الزَّوَال وأصناف المنغصات وَإِذا أحزنك أَمر فَاسْتَرْجع وَإِذا اعترتك غَفلَة فَاسْتَغْفر وَاجعَل الْمَوْت نصب عَيْنك وَالْعلم والتقى زادك فِي الْآخِرَة
وَإِذا أردْت أَن تَعْصِي الله فاطلب مَكَانا لَا يراك فِيهِ
وَاعْلَم أَن النَّاس عُيُون الله على العَبْد يُرِيهم خَيره وَإِن أخفاه وشره وَأَن ستره فباطنه مَكْشُوف لله وَالله يكشفه لِعِبَادِهِ
فَعَلَيْك أَن تجْعَل باطنك خيرا من ظاهرك وسرك أصبح من علانيتك
وَلَا تتألم إِذا أَعرَضت عَنْك الدُّنْيَا فَلَو عرضت لَك لشغلتك عَن كسب الْفَضَائِل
وقلما يتعمق فِي الْعلم ذُو الثروة إِلَّا أَن يكون شرِيف الهمة جدا أَو أَن يثري بعد تَحْصِيل الْعلم
وَإِنِّي لَا أَقُول أَن الدُّنْيَا تعرض عَن طَالب الْعلم بل هُوَ الَّذِي يعرض عَنْهَا لِأَن همته مصروفة إِلَى الْعلم فَلَا يبْقى لَهُ الْتِفَات إِلَى الدُّنْيَا وَالدُّنْيَا إِنَّمَا تحصل بحرص وفكر فِي وجوهها فَإِذا غفل عَن أَسبَابهَا لم تأته وَأَيْضًا فَإِن طَالب الْعلم تشرف نَفسه عَن الصَّنَائِع الرذلة والمكاسب الدنية وَعَن أَصْنَاف التِّجَارَات وَعَن التذلل لأرباب الدُّنْيَا وَالْوُقُوف على أَبْوَابهم
ولبعض إخْوَانِي بَيت شعر
(من جد فِي طلب الْعُلُوم أفاته ... شرف الْعُلُوم دناءة التَّحْصِيل) الْكَامِل
وَجَمِيع طرق مكاسب الدُّنْيَا تحْتَاج إِلَى فرَاغ لَهُ وحذق فِيهَا وَصرف الزَّمَان إِلَيْهَا
والمشتغل بِالْعلمِ لَا يَسعهُ شَيْء من ذَلِك وَإِنَّمَا ينْتَظر أَن تَأتيه الدُّنْيَا بِلَا سَبَب وتطلبه من غير أَن يطْلبهَا طلب مثلهَا وَهَذَا ظلم مِنْهُ وعدوان
وَلَكِن إِذا تمكن الرجل فِي الْعلم وَشهر بِهِ خطب من كل جِهَة وَعرضت عَلَيْهِ المناصب وجاءته الدُّنْيَا صاغرة وَأَخذهَا وَمَاء وَجهه موفورا وَعرضه وَدينه مصون
وَاعْلَم أَن للْعلم عقبَة وَعرفا يُنَادي على صَاحبه ونورا وضياء يشرق عَلَيْهِ وَيدل عَلَيْهِ كتاجر الْمسك لَا يخفى مَكَانَهُ وَلَا تجْهَل بضاعته
وَكَمن يمشي بمشعل فِي ليل مدلهم
والعالم مَعَ هَذَا مَحْبُوب أَيْنَمَا كَانَ وكيفما كَانَ لَا يجد إِلَّا من يمِيل إِلَيْهِ ويؤثر قربه ويأنس بِهِ ويرتاح بمداناته وَاعْلَم أَن الْعُلُوم تغور ثمَّ تَفُور فِي زمَان بِمَنْزِلَة النَّبَات أَو عُيُون الْمِيَاه وتنتقل من قوم إِلَى قوم وَمن صقع إِلَى صقع
стр. 679
وَمن كَلَامه أَيْضا نقلته من خطه قَالَ اجْعَل كلامك فِي الْغَالِب بِصِفَات أَن يكون وجيزا فصيحا فِي معنى مُهِمّ أَو مستحسن فِيهِ إلغاز تَامّ وإيهام كثير أَو قَلِيل
وَلَا تَجْعَلهُ مهملا ككلام الْجُمْهُور بل ارفعه عَنهُ وَلَا تباعده عَلَيْهِم جدا
وَقَالَ إياك والهذر وَالْكَلَام فِيمَا لَا يَعْنِي وَإِيَّاك وَالسُّكُوت فِي مَحل الْحَاجة وَرُجُوع النّوبَة إِلَيْك إِمَّا لاستخراج حق أَو اجتلاب مَوَدَّة أَو تَنْبِيه على فَضِيلَة
وَإِيَّاك والضحك مَعَ كلامك وَكَثْرَة الْكَلَام وتبتير الْكَلَام
بل اجْعَل كلامك سردا بِسُكُون بِحَيْثُ يستشعر مِنْك أَن وَرَاءه أَكثر مِنْهُ وَأَنه عَن خميرة سَابِقَة وَنظر مُتَقَدم
وَقَالَ إياك والغلظة فِي الْخطاب والجفاء فِي المناظرة
فَإِن ذَلِك يذهب ببهجة الْكَلَام وَيسْقط فَائِدَته ويعدم حلاوته ويجلب الضغائن ويمحق المودات وَيصير الْقَائِل مستثقلا سُكُوته وأشهى إِلَى السَّامع من كَلَامه ويثير النُّفُوس على معاندته ويبسط الألسن بمخاشنته وإذهاب حرمته
وَقَالَ لَا تترفع بِحَيْثُ تستثقل وَلَا تتنازل بِحَيْثُ تستخس وتستحقر
وَقَالَ اجْعَل كلامك كُله جدلا وَاجِب من حَيْثُ تعقل لَا من حَيْثُ تعتاد وتألف
وَقَالَ انتزح عَن عادات الصِّبَا وتجرد عَن مألوفات الطبيعة وَاجعَل كلامك لاهوتيا فِي الْغَالِب لَا يَنْفَكّ من خبر أَو قُرْآن أَو قَول حَكِيم أَو بَيت نَادِر أَو مثل سَائِر
وَقَالَ تجنب الوقيعة فِي النَّاس وثلب الْمُلُوك والغلظة على المعاشر وَكَثْرَة الْغَضَب
وَتجَاوز الْحَد فِيهِ
وَقَالَ استكثر من حفظ الْأَشْعَار الأمثالية والنوادر الْحكمِيَّة والمعاني المستغربة
وَمن دُعَائِهِ ﵀ قَالَ اللَّهُمَّ أعذنا من شموس الطبيعة وجموح النَّفس الردية
واسلس لنا مقاد التَّوْفِيق وَخذ بِنَا فِي سَوَاء الطَّرِيق
يَا هادي الْعمي يَا مرشد الضلال يَا محيي الْقُلُوب الْميتَة بِالْإِيمَان يَا مُنِير ظلمَة الضَّلَالَة بِنور الإتقان خُذ بِأَيْدِينَا من مهواة الهلكة نجنا من ردغة الطبيعة طهرنا من درن الدُّنْيَا الدنية بالإخلاص لَك وَالتَّقوى
إِنَّك مَالك الْآخِرَة وَالدُّنْيَا
وتسبيح أَيْضا لَهُ قَالَ سُبْحَانَ من عَم بِحِكْمَتِهِ الْوُجُود وَاسْتحق بِكُل وَجه أَن يكون هُوَ المعبود
تلألأت بِنور جلالك الأفاق وأشرقت شمس معرفتك على النُّفُوس إشراقا وَأي إشراق
ولموفق الدّين عبد اللَّطِيف الْبَغْدَادِيّ من الْكتب كتاب غَرِيب الحَدِيث جمع فِيهِ غَرِيب أبي عبيد الْقَاسِم بن سَلام وغريب ابْن قُتَيْبَة وغريب الْخطابِيّ
كتاب الْمُجَرّد من غَرِيب الحَدِيث
كتاب الْوَاضِحَة فِي إِعْرَاب الْفَاتِحَة
كتاب الْألف وَاللَّام
مَسْأَلَة فِي قَوْله سُبْحَانَهُ إِذا أخرج يَده لم يكد يَرَاهَا
مَسْأَلَة نحوية
مَجْمُوع مسَائِل نحوية وتعاليق
كتاب رب
شرح بَانَتْ سعاد
كتاب ذيل الفصيح
الْكَلَام فِي الذَّات وَالصِّفَات الذاتيه الْجَارِيَة على أَلْسِنَة الْمُتَكَلِّمين
شرح أَوَائِل الْمفصل
стр. 680
خمس مسَائِل نحوية
شرح مُقَدّمَة ابْن بابشاذ وَسَماهُ باللمع الكاملية
شرح الْخطب النباتية
شرح الحَدِيث المتسلسل
شرح سبعين حَدِيثا شرح أَرْبَعِينَ حَدِيثا طبية
كتاب الرَّد على ابْن الْخَطِيب الرّيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْإِخْلَاص
كتاب كشف الظلامة عَن قدامَة شرح نقد الشّعْر لقدامة
أَحَادِيث مخرجة من الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ
كتاب اللِّوَاء الْعَزِيز باسم الْملك الْعَزِيز فِي الحَدِيث
كتاب قوانين البلاغة عمله بحلب سنة خمس عشر وسِتمِائَة
حواش على كتاب الخصائص لِابْنِ جني
كتاب الأنصاف بَين ابْن بري وَابْن الخشاب على المقامات للحريري وانتصار ابْن بري للحريري
مَسْأَلَة فِي قَوْلهم أَنْت طَالِق فِي شهر قبل مَا بعد قبْلَة رَمَضَان
تَفْسِير قَوْله ﷺ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن
كتاب قبسة العجلان فِي النَّحْو
اخْتِصَار كتاب الصناعتين للعسكري
اخْتِصَار كتاب الْعُمْدَة لِابْنِ رَشِيق
مقَالَة فِي الوفق
كتاب الْجَلِيّ فِي الْحساب الْهِنْدِيّ
اخْتِصَار كتاب النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي وَكتاب آخر فِي فنه مثله
اخْتِصَار مَادَّة الْبَقَاء للتميمي
كتاب الْفُصُول وَهُوَ بلغَة الْحَكِيم سبع مقالات فرغ مِنْهُ فِي شهر رَمَضَان سنة ثَمَان وسِتمِائَة
شرح كتاب الْفُصُول لأبقراط شرح كتاب تقدمة الْمعرفَة لأبقراط
اخْتِصَار وَشرح جالينوس لكتب الْأَمْرَاض الحادة لأبقراط
اخْتِصَار كتاب الْحَيَوَان لأرسطوطاليس
تَهْذِيب مسَائِل مَا بَال لأرسطوطاليس
كتاب آخر فِي فنه مثله
اخْتِصَار كتاب مَنَافِع الْأَعْضَاء لِجَالِينُوسَ
اخْتِصَار كتاب آراء أبقراط وأفلاطن اخْتِصَار كتاب الجنسين
اخْتِصَار كتاب الصَّوْت
اخْتِصَار كتاب الْمَنِيّ
اخْتِصَار كتاب آلَات التنفس اخْتِصَار كتاب العضل
اخْتِصَار كتاب الْحَيَوَان للجاحظ
كتاب فِي آلَات التنفس وأفعالها سِتّ مقالات مقَالَة فِي قسْمَة الحميات وَمَا يتقوم بِهِ كل وَاحِد مِنْهَا وَكَيْفِيَّة تولدها
كتاب النخبة وَهُوَ خُلَاصَة الْأَمْرَاض الحادة
اخْتِصَار كتاب الحميات للإسرائيلي
اخْتِصَار كتاب الْبَوْل للإسرائيلي
اخْتِصَار كتاب النبض للإسرائيلي
كتاب أَخْبَار مصر الْكَبِير
كتاب أَخْبَار مصر الصَّغِير مقالتان وترجمة كتاب الإفادة وَالِاعْتِبَار فِي الْأُمُور الْمُشَاهدَة والحوادث المعاينة بِأَرْض مصر وَفرغ من تأليفه فِي الْعَاشِر من شعْبَان سنة ثَلَاث وسِتمِائَة بِالْبَيْتِ الْمُقَدّس
كتاب تَارِيخ وَهُوَ يتَضَمَّن سيرته أَلفه لوَلَده شرف الدّين يُوسُف
مقَالَة فِي الْعَطش
مقَالَة فِي المَاء
مقَالَة فِي إحصاء مَقَاصِد واضعي الْكتب فِي كتبهمْ وَمَا يتبع ذَلِك من الْمَنَافِع والمضار
مقَالَة فِي معنى الْجَوْهَر وَالْعرض
مقَالَة موجزة فِي النَّفس
مقَالَة فِي الحركات المعتاضة
مقَالَة فِي الْعَادَات
الْكَلِمَة فِي الربوبية
مقَالَة تشْتَمل عل أحد عشر بَابا فِي حَقِيقَة الدَّوَاء والغذاء وَمَعْرِفَة طبقاتها وَكَيْفِيَّة تركيبها
مقَالَة فِي البادئ بصناعة الطِّبّ
مقَالَة فِي شِفَاء الضِّدّ بالضد
مقَالَة فِي ديابيطس والأدوية النافعة مِنْهُ
مقَالَة فِي الراوند حررها بحلب فِي جُمَادَى الْآخِرَة من سنة سبع عشرَة وسِتمِائَة وَكَانَ قد وَضعهَا سنة خمس وَتِسْعين وَخَمْسمِائة
مقَالَة فِي السقنقور
مقَالَة فِي الْحِنْطَة
مقَالَة فِي الشَّرَاب وَالْكَرم
مقَالَة فِي البحران صَغِيرَة
رِسَالَة إِلَى مهندس فَاضل عَمَلي كتب بهَا من مَدِينَة حلب
اخْتِصَار كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لِابْنِ وَافد
اخْتِصَار كتاب الْأَدْوِيَة المفردة لِابْنِ سمحون
كتاب كَبِير فِي الْأَدْوِيَة
стр. 681
المفردة
مُخْتَصر فِي الحميات
مقَالَة فِي المزاج
كتاب الْكِفَايَة فِي التشريح
كتاب الرَّد على ابْن الْخَطِيب فِي شَرحه بعض كليات القانون وَألف كِتَابه هَذَا لِعَمِّي رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة ﵀ وأرسله إِلَيْهِ وَكَانَ تأليفه لذَلِك بحلب قبل توجهه إِلَى بِلَاد الرّوم
كتاب تعقب حَوَاشِي ابْن جَمِيع على القانون
مقَالَة يرد فِيهَا على كتاب عَليّ بن رضوَان الْمصْرِيّ فِي اخْتِلَاف جالينوس وأرسطوطاليس
مقَالَة فِي الْحَواس
مقَالَة فِي الْكَلِمَة وَالْكَلَام
كتاب السَّبْعَة
كتاب تحفة الآمل
مقَالَة فِي الرَّد على الْيَهُود وَالنَّصَارَى
مقالتان أَيْضا فِي الرَّد على الْيَهُود وَالنَّصَارَى
مقَالَة فِي تَرْتِيب المصنفين
كتاب الْحِكْمَة العلائية ذكر فِيهِ أَشْيَاء حَسَنَة فِي الْعلم الإلهي وَألف كِتَابه هَذَا لعلاء الدّين دَاوُد بن بهْرَام صَاحب أرزنجان
مقَالَة على جِهَة التوطئة فِي الْمنطق
حواش على كتاب الْبُرْهَان للفارابي
كتاب الترياق فُصُول منتزعة من كَلَام الْحُكَمَاء حل شَيْء من شكوك الرَّازِيّ على كتب جالينوس
كتاب المراقي إِلَى الْغَايَة الإنسانية
ثَمَان مقالات
مقَالَة فِي ميزَان الْأَدْوِيَة المركبة من جِهَة الكميات
مقَالَة فِي موازنة الْأَدْوِيَة والأدواء من جِهَة الكيفيات
مقَالَة فِي تعقب أوزان الْأَدْوِيَة
مقَالَة أُخْرَى فِي الْمَعْنى وكشف شبه وَقعت لبَعض الْعلمَاء
مقَالَة فِي الْمَعْنى فِي جَوَاب ثَلَاث مسَائِل
مقَالَة سادسة مختصرة
مقَالَة تتَعَلَّق بموازين الْأَدْوِيَة الطبية فِي المركبات قَول أَيْضا فِي الْمَعْنى
مقَالَة فِي التنفس وَالصَّوْت وَالْكَلَام مقَالَة فِي اخْتِصَار كَلَام جالينوس فِي سياسة الصِّحَّة
انتزاعات من كتاب ديسقوريدس فِي صِفَات الحشائش
انتزاعات أُخْرَى فِي مَنَافِعهَا
مقَالَة فِي تَدْبِير الْحَرْب كتبهَا لبَعض مُلُوك زَمَانه فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة وَوَجَدته أَيْضا وَقد ترجمها
مقَالَة فِي السياسة العملية
كتاب الْعُمْدَة فِي أصُول السياسة
مقَالَة فِي جَوَاب مَسْأَلَة سُئِلَ عَنْهَا فِي ذبح الْحَيَوَان وَقَتله وَهل ذَلِك سَائِغ فِي الطَّبْع وَفِي الْعقل كَمَا هُوَ سَائِغ فِي الشَّرْع
مقالتان فِي الْمَدِينَة الفاضلة
مقَالَة فِي الْعُلُوم الضارة
رِسَالَة فِي الْمُمكن مقالتان
مقَالَة فِي الْجِنْس وَالنَّوْع أجَاب بهَا فِي دمشق سُؤال سَائل فِي سنة أَربع وسِتمِائَة
الْفُصُول الْأَرْبَعَة المنطقية
تَهْذِيب كَلَام أفلاطن
حكم منثورة أيساغوجي مَبْسُوط الْوَاقِعَات
مقَالَة فِي النِّهَايَة واللانهاية
كتاب تأريث الفطن فِي الْمنطق والطبيعي والإلهي
مقَالَة فِي كَيْفيَّة اسْتِعْمَال الْمنطق
وَكتب بِهَذِهِ الْمقَالة إِلَيّ من بِلَاد الرّوم
مقَالَة فِي حد الطِّبّ
مقَالَة فِي البادئ بصناعة الطِّبّ
مقَالَة فِي أَجزَاء الْمنطق التِّسْعَة مُجَلد كَبِير
مقَالَة فِي الْقيَاس
كتاب فِي الْقيَاس خَمْسُونَ كراسا ثمَّ أضيف إِلَيْهِ الْمدْخل والمقولات والعبارة والبرهان فجَاء مِقْدَاره أَربع مجلدات
مقَالَة فِي جَوَاب مَسْأَلَة فِي التَّنْبِيه على سبل السَّعَادَة الطبيعيات من السماع إِلَى آخر كتاب الْحس والمحسوس ثَلَاث مجلدات
كتاب السماع الطبيعي مجلدان
كتاب آخر فِي الطبيعيات من السماع إِلَى كتاب النَّفس
كتاب العجيب
حواش على كتاب الثَّمَانِية المنطقية للفارابي
شرح الأشكال البرهانية من ثَمَانِيَة أبي نصر
مقَالَة فِي تزييف الشكل الرَّابِع
مقَالَة فِي تزييف مَا يَعْتَقِدهُ أَبُو عَليّ بن سينا من وجود أقيسة شَرْطِيَّة تنْتج نتائج شَرْطِيَّة
مقَالَة فِي القياسات المختلطات وَالصرْف
بارير مانياس مَبْسُوط
مقَالَة فِي تزييف المقاييس الشّرطِيَّة الَّتِي يَظُنهَا ابْن سينا
مقَالَة أُخْرَى فِي الْمَعْنى أَيْضا
стр. 682
كتاب النصيحتين للأطباء والحكماء
كتاب المحاكمة بَين الْحَكِيم والكيميائي
رِسَالَة فِي الْمَعَادِن وأبطال الكيمياء
مقَالَة فِي الْحَواس
عهد إِلَى الْحُكَمَاء
اخْتِصَار كتاب الْحَيَوَان لِابْنِ أبي الْأَشْعَث
اخْتِصَار القولنج لِابْنِ أبي الْأَشْعَث
مقَالَة فِي السرسام
مقَالَة فِي الْعلَّة المراقية
مقَالَة فِي الرَّد على ابْن الْهَيْثَم فِي الْمَكَان
مُخْتَصر فِيمَا بعد الطبيعية
مقَالَة فِي النّخل ألفها بِمصْر سنة تسع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وبيضها بِمَدِينَة أرزنجان فِي رَجَب سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة
مقَالَة فِي اللُّغَات وَكَيْفِيَّة تولدها
مقَالَة فِي الشّعْر
مقَالَة فِي الأقيسة الوضعية
مقَالَة فِي الْقدر
مقَالَة فِي الْملَل
الْكتاب الْجَامِع الْكَبِير فِي الْمنطق وَالْعلم الطبيعي وَالْعلم الإلهي وَهُوَ زهاء عشر مجلدات التَّام تصنيفه فِي نَحْو نَيف وَعشْرين سنة
كتاب المدهش فِي أَخْبَار الْحَيَوَان المتوج بِصِفَات نَبينَا عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ ابتدأت بكراسة مِنْهُ بِدِمَشْق سنة سبع وسِتمِائَة وكمل فِي أَرْبَعَة أشهر بحلب سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ فِي مائَة كراس
كتاب الثَّمَانِية فِي الْمنطق وَهُوَ التصنيف الْوسط
أَبُو الْحجَّاج يُوسُف الإسرائيلي
مغربي الأَصْل من مَدِينَة فاس وأتى إِلَى الديار المصرية وَكَانَ فَاضلا فِي صناعَة الطِّبّ والهندسة وَعلم النُّجُوم
واشتغل فِي مصر بالطب على الرئيس مُوسَى بن مَيْمُون الْقُرْطُبِيّ
وسافر يُوسُف بعد ذَلِك إِلَى الشَّام وَأقَام بِمَدِينَة حلب وخدم الْملك الظَّاهِر غَازِي ابْن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف ابْن أَيُّوب وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي الطِّبّ
وخدم أَيْضا الْأَمِير فَارس الدّين مَيْمُون القصري
وَلم يزل أَبُو الْحجَّاج يُوسُف مُقيما فِي حلب ويدرس صناعَة الطِّبّ إِلَى أَن توفّي بهَا
وَلأبي الْحجَّاج يُوسُف الإسرائيلي من الْكتب رِسَالَة فِي تَرْتِيب الأغذية اللطيفة والكثيفة فِي تنَاولهَا
شرح الْفُصُول لأبقراط
عمرَان الإسرائيلي
هُوَ الْحَكِيم أوحد الدّين عمرَان بن صَدَقَة
مولده بِدِمَشْق فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة
وَكَانَ أَبوهُ أَيْضا طَبِيبا مَشْهُورا
واشتغل عمرَان على الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي بصناعة الطِّبّ وتميز فِي علمهَا وعملها وَصَارَ من أكَابِر المتعينين من أَهلهَا وحظي عِنْد الْمُلُوك واعتمدوا عَلَيْهِ فِي المداواة والمعالجة ونال من جهتهم من الْأَمْوَال الجسيمة وَالنعَم مَا يفوق الْوَصْف
وَحصل من الْكتب الطبية وَغَيرهَا مَا لَا يكَاد يُوجد عِنْد غَيره وَلم يخْدم أحدا من الْمُلُوك فِي الصُّحْبَة وَلَا تقيد مَعَهم فِي سفر وَإِنَّمَا كل مِنْهُم إِذا عرض لَهُ مرض أَو لمن يعز عَلَيْهِ طلبه
وَلم يزل يعالجه ويطببه بألطف علاج وَأحسن تَدْبِير إِلَى أَن يفرغ من مداواته
وَلَقَد حرص بِهِ الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب بِأَن يستخدمه فِي
стр. 683
الصُّحْبَة فَمَا فعل وَكَذَلِكَ غَيره من الْمُلُوك
وحَدثني الْأَمِير صارم الدّين التبنيني ﵀ أَنه لما كَانَ بالكرك وَبِه صَاحب الكرك يَوْمئِذٍ الْملك النَّاصِر دَاوُد بن الْملك الْمُعظم
وَكَانَ الْملك النَّاصِر قد توعك مزاجه واستدعى الْحَكِيم عمرَان إِلَيْهِ من دمشق فَأَقَامَ عِنْده مديدة وعالجه حَتَّى صلح فَخلع عَلَيْهِ ووهب لَهُ مَالا كثيرا وَقرر لَهُ جامكية فِي كل شهر ألفا وَخَمْسمِائة دِرْهَم ناصرية وَيكون فِي خدمته وَأَن يسلف مِنْهَا عَن سنة وَنصف سَبْعَة وَعشْرين ألف دِرْهَم فَمَا فعل
أَقُول وَكَانَ السُّلْطَان الْملك الْعَادِل لم يزل يصله بالإنعام الْكثير وَله مِنْهُ الجامكية الوافرة والجراية وَهُوَ مُقيم بِدِمَشْق ويتردد إِلَى خدمَة الدّور السُّلْطَانِيَّة بالقلعة
وَكَذَلِكَ فِي أَيَّام الْملك الْمُعظم وَكَانَ قد أطلق لَهُ أَيْضا جامكية وجراية تصل إِلَيْهِ ويتردد إِلَى البيمارستان الْكَبِير ويعالج المرضى بِهِ وَكَانَ بِهِ أَيْضا فِي ذَلِك الْوَقْت شَيخنَا مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ وَكَانَ يظْهر من اجْتِمَاعهمَا كل فَضِيلَة ويتهيأ للمرضى من المداواة كل خير وَكنت فِي ذَلِك الْوَقْت أتدرب مَعَهُمَا فِي أَعمال الطِّبّ
وَلَقَد رَأَيْت من حسن تَأتي الْحَكِيم عمرَان فِي المعالجة وتحققه للأمراض مَا يتعجب مِنْهُ
وَمن ذَلِك أَنه كَانَ يَوْمًا قد أَتَى البيمارستان مفلوج والأطباء قد ألحوا عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَال المغالي وَغَيرهَا من صفاتهم فَلَمَّا رَآهُ وصف لَهُ فِي ذَلِك الْيَوْم تدبيرا يَسْتَعْمِلهُ ثمَّ بعد ذَلِك أَمر بفصده وَلما فصد وعالجه صلح وبرأ برأَ تَاما كَذَلِك أَيْضا رَأَيْت لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة من صِفَات مزاوير وألوان كَانَ يصفها للمرضى على حسب ميل شهواتهم وَلَا يخرج عَن مُقْتَضى المداواة فينتفعون بهَا
وَهَذَا بَاب عَظِيم فِي العلاج
ورأيته أَيْضا وَقد عالج أمراضا كَثِيرَة مزمنة كَانَ أَصْحَابهَا قد سئموا الْحَيَاة ويئس الْأَطِبَّاء من برئهم فبروا على يَدَيْهِ بأدوية غَرِيبَة يصفها ومعالجات بديعة عرفهَا
وَقد ذكرت من ذَلِك جملا فِي كتاب التجارب والفوائد وَتُوفِّي الْحَكِيم عمرَان فِي مَدِينَة حمص فِي شهر جُمَادَى الأولى سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَقد استدعاه صَاحبهَا لمداواته
موفق الدّين يَعْقُوب بن سقلاب
نَصْرَانِيّ كَانَ أعلم أهل زَمَانه بكتب جالينوس ومعرفتها وَالتَّحْقِيق لمعانيها والدراية لَهَا
وَكَانَ من كَثْرَة اجْتِهَاده فِي صناعَة الطِّبّ وَشدَّة حرصه ومواظبته على الْقِرَاءَة والمطالعة لكتب جالينوس وجودة فطرته وَقُوَّة ذكائه أَن جُمْهُور كتب جالينوس وأقواله فِيهَا كَانَت مستحضرة لَهُ فِي خاطره
فَكَانَ مهما تكلم بِهِ فِي صناعَة الطِّبّ على تفاريق أقسامها وتفنن مباحثها وَكَثْرَة جزئياتها إِنَّمَا ينْقل ذَلِك عَن جالينوس
وَمهما سُئِلَ عَنهُ فِي صناعَة الطِّبّ من الْمسَائِل والمواضيع المستعصية وَغَيرهَا لَا يُجيب بِشَيْء من ذَلِك إِلَّا أَن يَقُول قَالَ جالينوس ويورد فِيهِ أَشْيَاء من نُصُوص كَلَام جالينوس حَتَّى كَانَ يتعجب مِنْهُ فِي ذَلِك
وَرُبمَا أَنه فِي بعض الْأَوْقَات كَانَ يذكر شَيْئا من كَلَام جالينوس وَيَقُول هَذَا مَا ذكره جالينوس فِي كَذَا وَكَذَا ورقة من الْمقَالة الْفُلَانِيَّة من كتاب جالينوس ويسميه
стр. 684
وَيَعْنِي بِهِ النُّسْخَة الَّتِي عِنْده
وَذَلِكَ لِكَثْرَة مطالعته إِيَّاهَا وأنسه بهَا
وَمِمَّا شاهدته فِي ذَلِك من أمره أنني كنت أَقرَأ عَلَيْهِ فِي أَوَائِل اشتغالي بصناعة الطِّبّ وَنحن فِي المعسكر المعظمي وَكَانَ أبي أَيْضا فِي ذَلِك الْوَقْت فِي خدمَة الْملك الْمُعظم ﵀ شَيْئا من كَلَام أبقراط حفظا واستشراحا
فَكنت أرى من حسن تَأتيه فِي الشَّرْح وَشدَّة اسْتِقْصَائِهِ للمعاني بِأَحْسَن عبارَة وأوجزها وأتمها معنى مَا لَا يَجْسُر أحد على مثل ذَلِك وَلَا يقدر عَلَيْهِ
ثمَّ يذكر خُلَاصَة مَا ذكره وَحَاصِل مَا قَالَه حَتَّى لَا يبْقى فِي كَلَام بقراط مَوضِع إِلَّا وَقد شَرحه شرحا لَا مزِيد عَلَيْهِ فِي الْجَوْدَة
ثمَّ إِنَّه يُورد نَص مَا قَالَه جالينوس فِي شَرحه لذَلِك الْفَصْل على التوالي إِلَى آخر قَوْله
وَلَقَد كنت أراجع شرح جالينوس فِي ذَلِك فأجده قد حكى جملَة مَا قَالَه جالينوس بأسره فِي ذَلِك الْمَعْنى وَرُبمَا أَلْفَاظ كَثِيرَة من أَلْفَاظ جالينوس يوردها بِأَعْيَانِهَا من غير أَن يزِيد فِيهَا وَلَا ينقص
وَهَذَا شَيْء تفرد بِهِ فِي زَمَانه
وَكَانَ فِي أَوْقَات كَثِيرَة لما أَقَامَ بِدِمَشْق يجْتَمع هُوَ وَالشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ فِي الْموضع الَّذِي يجلس فِيهِ الْأَطِبَّاء عِنْد دَار السُّلْطَان ويتباحثان فِي أَشْيَاء من الطِّبّ
فَكَانَ الشَّيْخ مهذب الدّين أفْصح عبارَة وَأقوى براعة وَأحسن بحثا
وَكَانَ الْحَكِيم يَعْقُوب أَكثر سكينَة وَأبين قولا وأوسع نقلا
لِأَنَّهُ كَانَ بِمَنْزِلَة الترجمان المستحضر لما ذكره جالينوس فِي سَائِر كتبه من صناعَة الطِّبّ
فَأَما معالجات الْحَكِيم يَعْقُوب فَإِنَّهَا كَانَت فِي الْغَايَة من الْجَوْدَة والنجح وَذَلِكَ أَنه كَانَ يتَحَقَّق معرفَة الْمَرَض أَولا تَحْقِيقا لَا مزِيد عَلَيْهِ ثمَّ يشرع فِي مداواته بالقوانين الَّتِي ذكرهَا جالينوس مَعَ تصرفه هُوَ فِيمَا يَسْتَعْمِلهُ فِي الْوَقْت الْحَاضِر
وَكَانَ شَدِيد الْبَحْث واستقراء الْأَعْرَاض بِحَيْثُ أَنه كَانَ إِذا افْتقدَ مَرِيضا لَا يزَال يستقصي مِنْهُ عرضا عرضا وَمَا يشكوه مِمَّا يجده من مَرضه حَالا حَالا إِلَى أَن لَا يتْرك عرضا يسْتَدلّ بِهِ على تَحْقِيق الْمَرَض إِلَّا ويعتبره فَكَانَت أبدا معالجاته لَا مزِيد عَلَيْهَا فِي الْجَوْدَة
وَكَانَ الْملك الْمُعظم يشْكر مِنْهُ هَذِه الْحَالة ويصفه وَيَقُول لَو لم يكن فِي الْحَكِيم يَعْقُوب إِلَّا شدَّة اسْتِقْصَائِهِ فِي تَحْقِيق الْأَمْرَاض حَتَّى يعالجها على الصَّوَاب وَلَا يشْتَبه عَلَيْهِ شَيْء من أمرهَا
وَكَانَ الْحَكِيم يَعْقُوب أَيْضا متقنا للسان الرُّومِي خَبِيرا بلغته وَنقل مَعْنَاهُ إِلَى الْعَرَبِيّ وَكَانَ عِنْده بعض كتب جالينوس مَكْتُوبَة بالرومي مثل حِيلَة الْبُرْء والعلل والأعراض وَغير ذَلِك
وَكَانَ أَيْضا ملازما لقراءتها والاشتغال بهَا وَكَانَ مولده بالقدس وَأقَام بهَا سِنِين كَثِيرَة
ولازم بهَا رجلا فَاضلا فيلسوفا رَاهِبًا فِي دير السيق كَانَ خَبِيرا بِالْعلمِ الطبيعي متقنا للهندسة وَعلم الْحساب قَوِيا فِي علم أَحْكَام النُّجُوم والإطلاع عَلَيْهَا
وَكَانَت لَهُ أَحْكَام صَحِيحَة وإنذارات عَجِيبَة
وَأَخْبرنِي الْحَكِيم يَعْقُوب عَنهُ مَعْرفَته للحكمة وَحسن فطرته وفطنته شَيْئا كثيرا
وَاجْتمعَ أَيْضا الْحَكِيم يَعْقُوب فِي الْقُدس بالشيخ أبي مَنْصُور النَّصْرَانِي الطَّبِيب واشتغل عَلَيْهِ وباشر مَعَه أَعمال صناعَة الطِّبّ وانتفع بِهِ
وَكَانَ الْحَكِيم يَعْقُوب من أتم النَّاس عقلا وأسدهم رَأيا وَأَكْثَرهم سكينَة
وَلما خدم الْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر بن أَيُّوب وَصَارَ مَعَه فِي الصُّحْبَة كَانَ حسن الِاعْتِقَاد فِيهِ حَتَّى أَنه كَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي كثير من الآراء الطبية وَغَيرهَا فينتفع بهَا ويحمد عواقبها
وَقصد الْملك الْمُعظم أَن يوليه بعض
стр. 685
تَدْبِير دولته وَالنَّظَر فِي ذَلِك فَمَا فعل وَاقْتصر على مداومة صناعَة الطِّبّ فَقَط
وَكَانَ قد عرض للحكيم يَعْقُوب فِي رجلَيْهِ نقرس وَكَانَ يثور بِهِ فِي أَوْقَات ويألم بِسَبَبِهِ وتعسر عَلَيْهِ الْحَرَكَة فَكَانَ الْملك الْمُعظم يستصحبه فِي أَسْفَاره مَعَه فِي محفة ويفتقده ويكرمه غَايَة الْإِكْرَام وَله مِنْهُ الجامكية السّنيَّة وَالْإِحْسَان الوافر
وَقَالَ لَهُ يَوْمًا يَا حَكِيم لم لَا تداوي هَذَا الْمَرَض الَّذِي فِي رجليك فَقَالَ يَا مَوْلَانَا الْخشب إِذا سوس مَا يبْقى فِي إِصْلَاحه حِيلَة
وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْمُعظم
وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي السَّاعَة الثَّالِثَة من نَهَار يَوْم الْجُمُعَة سلخ ذِي الْقعدَة سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَملك بعده وَلَده الْملك النَّاصِر دَاوُد فَدخل إِلَيْهِ الْحَكِيم يَعْقُوب ودعا لَهُ وَذكره بقديم صحبته وسالف خدمته وَأَنه قد وصل إِلَى سنّ الشيخوخة والهرم والضعف وأنشده
(أتيتكم وجلابيب الصِّبَا قشب ... فَكيف أرحل عَنْكُم وَهِي أسمال)
(لي حُرْمَة الضَّيْف وَالْجَار الْقَدِيم وَمن ... أَتَاكُم وكهول الْحَيّ أَطْفَال) الْبَسِيط
وَهَذَا الشّعْر لِابْنِ منقذ ﵀ فَأحْسن إِلَيْهِ الْملك النَّاصِر إحسانا كثيرا وَأطلق لَهُ مَالا وَكِسْوَة وَأمر بِأَن جَمِيع مَا قد كَانَ لَهُ مقررا من الْملك الْمُعظم يسْتَمر وَأَن لَا يُكَلف لخدمة
فَبَقيَ كَذَلِك مديدة ثمَّ توفّي بِدِمَشْق فِي عيد الفصح لِلنَّصَارَى وَذَلِكَ فِي شهر ربيع الآخر سنة خمس وَعشْرين وسِتمِائَة
سديد الدّين أَبُو مَنْصُور
هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم أَبُو مَنْصُور ابْن الْحَكِيم موفق الدّين يَعْقُوب بن سقلاب من أفاضل الْأَطِبَّاء وأعيان الْعلمَاء متميز فِي علم صناعَة الطِّبّ وعملها متقن لفصولها وجملها
اشْتغل على وَالِده وعَلى غَيره بصناعة الطِّبّ وَقَرَأَ أَيْضا بالكرك على الإِمَام شمس الدّين الخسروشاهي كثيرا من الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وخدم الْحَكِيم سديد الدّين أَبُو مَنْصُور الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دَاوُد ابْن الْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر بن أَيُّوب
وَأقَام فِي صحبته بالكرك وَكَانَ مكينا عِنْده مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ
ثمَّ أَتَى أَبُو مَنْصُور إِلَى دمشق وَتُوفِّي بهَا
رشيد الدّين ابْن الصُّورِي
هُوَ أَبُو الْمَنْصُور بن أبي الْفضل بن عَليّ الصُّورِي قد اشْتَمَل على جمل الصِّنَاعَة الطبية واطلع على
стр. 686
محاسنها الجلية والخفية
وَكَانَ أوحدا فِي معرفَة الْأَدْوِيَة المفردة وماهياتها وَاخْتِلَاف أسمائها وصفاتها وَتَحْقِيق خواصها وتأثيراتها ومولده فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَخَمْسمِائة بِمَدِينَة صور وَنَشَأ بهَا
ثمَّ انْتقل عَنْهَا واشتغل بصناعة الطِّبّ على الشَّيْخ موفق الدّين عبد الْعَزِيز وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ وتميز فِي صناعَة الطِّبّ وَأقَام بالقدس سنتَيْن
وَكَانَ يطب فِي البيمارستان الَّذِي كَانَ فِيهِ
وَصَحب الشَّيْخ أَبَا الْعَبَّاس الجياني وَكَانَ شَيخا فَاضلا فِي الْأَدْوِيَة المفردة متفننا فِي عُلُوم أخر كثير الدّين محبا للخير
فَانْتَفع بِصُحْبَتِهِ لَهُ وَتعلم مِنْهُ أَكثر مَا يفهمهُ
واطلع رشيد الدّين بن الصُّورِي أَيْضا على كثير من خَواص الْأَدْوِيَة المفردة حَتَّى تميز على كثير من أَرْبَابهَا وأربى على سَائِر من حاولها واشتغل بهَا
هَذَا مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْمُرُوءَة الَّتِي لَا مزِيد عَلَيْهَا
والعصبية الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا والمعارف الْمَذْكُورَة والشجاعة الْمَشْهُورَة
وَكَانَ قد خدم بصناعة الطِّبّ الْملك الْعَادِل أَبَا بكر بن أَيُّوب فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة لما كَانَ الْملك الْعَادِل مُتَوَجها إِلَى الديار المصرية واستصحبه مَعَه من الْقُدس وَبَقِي فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَادِل ﵀
ثمَّ خدم بعده لوَلَده الْملك الْمُعظم عِيسَى بن أبي بكر وَكَانَ مكينا عِنْده وجيها فِي أَيَّامه
وَشهد مَعَه مصافات عدَّة مَعَ الفرنج لما كَانُوا نازلوا ثغر دمياط وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْمُعظم ﵀ وَملك بعده وَلَده الْملك النَّاصِر دَاوُد بن الْملك الْمُعظم فأجراه على جامكيته وَرَأى لَهُ سَابق خدمته وفوض إِلَيْهِ رياسة الطِّبّ وَبَقِي مَعَه فِي الْخدمَة إِلَى أَن توجه الْملك النَّاصِر إِلَى الكرك فَأَقَامَ هُوَ بِدِمَشْق وَكَانَ لَهُ مجْلِس للطب وَالْجَمَاعَة يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ ويشتغلون بالصناعة الطبية
وحرر أدوية الترياق الْكَبِير وَجَمعهَا على مَا يَنْبَغِي فَظهر نَفعه وعظمت فَائِدَته
وَكَانَ قد صنع مِنْهُ شَيْئا كثيرا فِي أَيَّام الْملك الْمُعظم
وَتُوفِّي رشيد الدّين بن الصُّورِي ﵀ يَوْم الْأَحَد أول شهر رَجَب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة بِدِمَشْق
وَكَانَ رشيد الدّين ابْن الصُّورِي قد أهْدى إِلَيّ تأليفا لَهُ يحتوي على فَوَائِد ووصايا طبية فَقلت وكتبت بهَا إِلَيْهِ فِي رِسَالَة
(لعلم رشيد الدّين فِي كل مشْهد ... منار علا يأتمه كل مهتدي)
(حَكِيم لَدَيْهِ المكرمات بأسرها ... توارثها عَن سيد بعد سيد)
(حوى الْفضل عَن آبَائِهِ وجدوده ... فَذَاك قديم فِيهِ غير مُجَدد)
(تفرد فِي ذَا الْعَصْر عَن كل مشبه ... بِخَير صِفَات حصرها لم يجدد)
(أَتَتْنِي وَصَايَاهُ الحسان الَّتِي حوت ... بنثر كَلَام كل فصل منضد)
(وَأهْدى إِلَى قلبِي السرُور وَلم يزل ... بإحسانه يسدي لمثلي من يَد)
(وجدت بهَا مَا أرتجيه وإنني ... بهَا أبدا فِيمَا أحاول مقتدي)
(وَلَا غرو من علم الرشيد وفضله ... إِذا كَانَ بعد الله فِي الْعلم مرشدي) الطَّوِيل
стр. 687
أدام الله أَيَّام الْحَكِيم الأوحد الأمجد الْعَامِل الْفَاضِل الْكَامِل الرئيس رشيد الدُّنْيَا وَالدّين مُعْتَمد الْمُلُوك والسلاطين خَالِصَة أَمِير الْمُؤمنِينَ بلغه فِي الدَّاريْنِ نِهَايَة سؤله وأمانيه وكبت حَسَدْته وأعاديه
وَلَا زَالَت الْفَضَائِل مخيمة بفنائه والفواضل صادرة مِنْهُ إِلَى أوليائه
والألسن مجتمعة على شكره وثنائه وَالصِّحَّة مَحْفُوظَة بِحسن مراعاته والأمراض زائلة بتدبيره ومعالجته
الْمَمْلُوك يُنْهِي مَا يجده من الأشواق إِلَى خدمته والتأسف على الْفَائِت من مشاهدته
ووصلت المشرفة الْكَرِيمَة الَّتِي وجد بهَا نِهَايَة الأمل والإرشاد إِلَى المطالب الطبية الجامعة للْعلم وَالْعَمَل
وَقد جعلهَا الْمَمْلُوك أصلا يعْتَمد عَلَيْهِ ودستورا يرجع إِلَيْهِ
لَا يخليها من فكره وَلَا يخل بِمَا تتضمنه فِي سَائِر عمره
وَلَيْسَ للمملوك مَا يُقَابل بِهِ إِحْسَان مَوْلَانَا إِلَّا الدُّعَاء الصَّالح وَالثنَاء الَّذِي يكْتَسب من محاسنه النشر الْعطر الفائح
وَكَيف لَا أشكر وأنشر محَاسِن من لَا أجد فَضِيلَة إِلَّا بِهِ وَلَا أنال رَاحَة إِلَّا بِسَبَبِهِ
فَالله يتَقَبَّل من الْمَمْلُوك صَالح أدعيته وَيجْزِي مَوْلَانَا كل خير على كَمَال مروءته إِن شَاءَ
وأنشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي لنَفسِهِ يمدح الْحَكِيم رشيد الدّين ابْن الصُّورِي ويشكره على إِحْسَان أسداه إِلَيْهِ
(سرى طيفها والكاشحون هجود ... فَبَاتَ قَرِيبا والمزار بعيد)
(فيا عجبا من طيفها كَيفَ زارني ... وَمن دونه بيد تهول وبيد)
(وَكَيف يزور الطيف طرف مسهد ... لطيب الْكرَى عَن ناظريه صدود)
(وَفِي قلبه نَار من الوجد والأسى ... لَهَا بَين أحناء الضلوع وقود)
(وَقد أخلق السقم المبرح والضنا ... لِبَاس اصْطِبَارِي والغرام جَدِيد)
(وتالله لَا عَاد الخيال وَإِنَّمَا ... تخيله الأفكار لي فَيَعُود)
(فيا لائمي كف الملام وَلَا تزد ... فَمَا فَوق وجدي والغرام مزِيد)
(ولي كبد حرى وطرف مسهد ... وقلب يحب الغانيات عميد)
(أَلا فِي سَبِيل الْحبّ من مَاتَ صبوة ... وَمن قتلته الغيد فَهُوَ شَهِيد)
(وَلم تَرَ عَيْني مثل أَسمَاء خلة ... تضن بوصلي والخيال يجود)
(تجدّد أشجاني بهَا وصبابتي ... معاهد أقوت باللوى وعهود)
(رعى الله بيضًا من لَيَال وصلتها ... ببيض حسان والمفارق سود)
(وَبت وجخ اللَّيْل مرخ سدوله ... أضم غصون البان وَهِي قدود)
(وأرشف رَاحا روقتها مباسم ... واقطف وردا أنبتته خدود)
(إِلَى أَن تبدى الصُّبْح غير مذمم ... وَزَالَ ظلام اللَّيْل وَهُوَ حميد)
(وَكَيف أَذمّ الصُّبْح أَو لَا أوده ... وَإِن ريع مودود بِهِ وودود)
стр. 688
(وكل صباح فِيهِ للعين حظوة ... بِوَجْه رشيد الدّين وَهُوَ سعيد)
(هُوَ الْعَالم الصَّدْر الْحَكِيم وَمن لَهُ ... كَلَام يضاهي الدّرّ وَهُوَ نضيد)
(رَئِيس الْأَطِبَّاء ابْن سينا وَقَبله ... حنين تلاميذ لَهُ وَعبيد)
(وَلَو أَن جالينوس حَيا بعصره ... لَكَانَ عَلَيْهِ يبتدي وَيُعِيد)
(فَقل لبني الصُّورِي قد سدتم الورى ... وَمَا النَّاس إِلَّا سيد ومسود)
(وَمَا حزتم أرث الْعلَا عَن كَلَالَة ... كَذَلِك آبَاء لكم وجدود)
(فيا عَالم الدُّنْيَا وَيَا علم الْهدى ... وَيَا من بِهِ للمكرمات وجود)
(وَيَا من لَهُ ربع من الْفضل آهل ... وَقصر معال بالثناء مشيد)
(ودوح من الْإِحْسَان أثمر بالمنى ... وظل على اللاجي إِلَيْهِ مديد)
(وَيَا من بِهِ العَاصِي الجموح أَطَاعَنِي ... وذل لي الْجَبَّار وَهُوَ عنيد)
(فمعقل عزي فِي حماه ممنع ... حُصَيْن وعيشي فِي ذراه رغيد)
(وَمن راشني معروفه واصطناعه ... وَقَامَ بأَمْري والأنام قعُود)
(وَأحسن بِي فعلا فأحسنت قَائِلا ... وجاد فَفِي مدحي علاهُ أجيد)
(فَعِنْدَ نداه حَاتِم الْجُود باخل ... وَعِنْدِي لبيد فِي المديح بليد)
(تصدى لكسب الْحَمد من كل وجهة ... وَلِلْقَوْمِ عَن كسب الثَّنَاء صدود)
(لَهُ ظلّ ذِي فضل على كل لاجئ ... مفيء وَعلم بالأمور مُفِيد)
(وَعرف مَتى مَا يُبْدِهِ فاح عرفه ... وجود يَد مَا عز مِنْهُ وجود)
(تعبد كل الْخلق بالجود فانثنت ... لإحسانه الْأَحْرَار وَهِي عبيد)
(فكم مادح قد لَاذَ مِنْهُ بمانح ... فأنجح قصد عِنْده وقصيد)
(فأمسى وللحسنى عَلَيْهِ دَلَائِل ... وأضحى وللنعمى عَلَيْهِ شُهُود)
(فَكيف أَخَاف الحادثات وصرفها ... ورأي رشيد الدّين فِي سديد)
(وَمن فَضله لي ساعد ومساعد ... وَمن جاهه لي عدَّة وعديد)
(وَإِنِّي لأرجو أَن ستكثر حسدي ... على نيل مَا أَرْجُو بِهِ وَأُرِيد)
(وَمَا الصنع إِلَّا مَا سيعقبه الْغنى ... وَيكثر فِيهِ غائظ وحسود)
(إِذا كَانَ لي من فَضله واصطناعه ... عتاد فعزي مَا حييت عتيد)
(وَغير عَجِيب أَن يكون بِقَصْدِهِ ... لمثلي إِلَى نيل السُّعُود سعود)
(أَقُول لمن يَرْجُو سواهُ من الورى ... رويدك أَن النجح مِنْك بعيد)
(أتقصد أوشالا وتترك لجة ... تمد بهَا للمكرمات مدود)
стр. 689
(وَمن بِأبي الْمَنْصُور أصبح لائذا ... فقد قارنته بالنجاح سعود)
(فيا كعبة الآمال يَا دِيمَة الندى ... وَيَا من بِهِ روض الرَّجَاء مجود)
(وَمن عَبده يَوْم السماحة حَاتِم ... كَمَا عِنْد مدحي فِي علاهُ عبيد)
(أياديك عِنْدِي لَا أقوم بشكرها ... فَمَا فَوق مَا أولت يداك مزِيد)
(فَلم يصف لي لَوْلَا أياديك مشرب ... وَلَا اخضر لي لَوْلَا انتجاعك عود)
(فجدي بقصدي بَات دَارك مقبل ... ونجمي بتردادي إِلَيْك سعيد)
(فَلَا زلت بالعيد السعيد مهنأ ... تهنيك من بعد الْوُفُود وُفُود)
(فَمَا لِذَوي الْحَاجَات غَيْرك مقصد ... وَلَا لبني الآمال عَنْك محيد) الطَّوِيل
ولرشيد الدّين الصُّورِي من الْكتب كتاب الْأَدْوِيَة المفردة وَهَذَا الْكتاب بَدَأَ بِعَمَلِهِ فِي أَيَّام الْملك الْمُعظم وَجعله باسمه واستقصى فِيهِ ذكر الْأَدْوِيَة المفردة وَذكر أَيْضا أدوية اطلع على مَعْرفَتهَا ومنافعها لم يذكرهَا المتقدمون
وَكَانَ يستصحب مصورا وَمَعَهُ الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها فَكَانَ يتَوَجَّه رشيد الدّين بن الصُّورِي إِلَى الْمَوَاضِع الَّتِي بهَا النَّبَات مثل جبل لبنان وَغَيره من الْمَوَاضِع الَّتِي قد اخْتصَّ كل مِنْهَا بِشَيْء من النَّبَات فيشاهد النَّبَات ويحققه ويريه للمصور فَيعْتَبر لَونه وَمِقْدَار ورقه وأغصانه وأصوله ويصور بحسبها ويجتهد فِي محاكاتها ثمَّ أَنه سلك أَيْضا فِي تَصْوِير النَّبَات مسلكا مُفِيدا وَذَلِكَ أَنه كَانَ يرى النَّبَات للمصور فِي أبان نَبَاته وطراوته فيصوره ثمَّ يرِيه إِيَّاه أَيْضا وَقت كَمَاله وَظُهُور بزره فيصوره تلو ذَلِك ثمَّ يرِيه إِيَّاه أَيْضا فِي وَقت ذواه ويبسه فيصوره
فَيكون الدَّوَاء الْوَاحِد يُشَاهِدهُ النَّاظر إِلَيْهِ فِي الْكتاب وَهُوَ على أنحاء مَا يُمكن أَن يرَاهُ فِي الأَرْض فَيكون تَحْقِيقه لَهُ أتم ومعرفته لَهُ أبين
الرَّد على كتاب التَّاج للغاوي فِي الْأَدْوِيَة المفردة
تعاليق لَهُ وفرائد ووصايا طبية كتب بهَا إِلَيّ
سديد الدّين بن رقيقَة
هُوَ أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن عمر بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن شُجَاع الشَّيْبَانِيّ الحانوي وَيعرف بِابْن رقيقَة ذُو النَّفس الفاضلة والمروءة الْكَامِلَة
وَقد جمع من صناعَة الطِّبّ مَا تفرق من أَقْوَال الْمُتَقَدِّمين وتميز على سَائِر نظرائه وَأَضْرَابه من الْحُكَمَاء والمتطببين هَذَا مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الْفطْرَة الفائقة والألفاظ الرائقة وَالنّظم البليغ وَالشعر البديع وَكَثِيرًا مَا لَهُ من الأبيات الأمثالية والفقر الْحكمِيَّة
وَأما الرجز فإنني مَا رَأَيْت فِي وقته من الْأَطِبَّاء أحدا أسْرع عملا لَهُ مِنْهُ حَتَّى أَنه كَانَ يَأْخُذ أَي كتاب شَاءَ من الْكتب الطبية وينظمه رجزا فِي أسْرع وَقت مَعَ اسْتِيفَائه للمعاني ومراعاته لحسن اللَّفْظ
ولازم الشَّيْخ فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام المارديني وَصَحبه كثيرا واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وبغيرها من الْعُلُوم الْحكمِيَّة
وَكَانَ لسديد الدّين بن رقيقَة أَيْضا معرفَة بصناعة الْكحل
стр. 690
والجراح وحاول كثيرا من أَعمال الْحَدِيد فِي مداواة أمراض الْعين
وقدح أَيْضا المَاء النَّازِل فِي الْعين الْجَمَاعَة وأنجب قدحه وأبصروا وَكَانَ المقدح الَّذِي يعانيه مجوفا وَله عطفة ليتَمَكَّن فِي وَقت الْقدح من امتصاص المَاء وَيكون العلاج بِهِ أبلغ
وَكَانَ قد اشْتغل أَيْضا بِعلم النُّجُوم وَنظر فِي حيل بني مُوسَى وَعمل مِنْهَا أَشْيَاء مستطرفة
وَكَانَ فَاضلا فِي النَّحْو واللغة
وَله أَيْضا أَخ فَاضل يُقَال لَهُ معِين الدّين أوحد زَمَانه فِي الْعَرَبيَّة وَهِي فنه وَله شعر كثير
وَسمع سديد الدّين بن رقيقَة أَيْضا شَيْئا من الحَدِيث وَمن ذَلِك حَدثنِي سديد الدّين مَحْمُود بن عمر بن مُحَمَّد الطَّبِيب الحانوي سَمَاعا من لَفظه قَالَ حَدثنِي الإِمَام الْفَاضِل فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْمَقْدِسِي ثمَّ المارديني قَالَ حَدثنَا الشَّيْخ أَبُو مَنْصُور موهوب بن أَحْمد بن مُحَمَّد الْخضر الجواليقي قَالَ أخبرنَا أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عَليّ الْخَطِيب التبريزي قَالَ حَدثنَا أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن عبيد الله الرقي قَالَ حَدثنِي الرئيس أَبُو الْحسن عَليّ بن أَحْمد البتي قَالَ حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد عبد الله الشَّافِعِي قَالَ حَدثنَا القَاضِي أَبُو إِسْحَق إِسْمَاعِيل بن إِسْحَق قَالَ حَدثنَا إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ أَتَيْنَاك يَا رَسُول الله وَلم يبْق لنا جمل يئط وَلَا صبي يصطبح
ثمَّ أنْشدهُ
(أَتَيْنَاك والعذراء تدمى لثاتها ... وَقد شغلت أم الصَّبِي عَن الطِّفْل)
(وَألقى بكفيه الْفَتى لاستكانة ... من الْجُوع هونا مَا يمر وَمَا يحلى)
(وَلَا شَيْء مِمَّا يَأْكُل النَّاس عندنَا ... سوى العلهز الْعَاميّ والحنظل الفسل)
(وَلَيْسَ لنا إِلَّا إِلَيْك فرارنا ... وَأَيْنَ فرار النَّاس إِلَّا إِلَى الرُّسُل) الطَّوِيل
قَالَ الرقي العلهز الْوَبر يعالج بِدَم الْحلم والحلم القراد إِذا كبر ويؤكل فِي الجدب ويروى والعنقر بِضَم الْقَاف وَفتحهَا وَهُوَ أصل البردي فهذان صَحِيحَانِ
ويروى العقهر وَهُوَ تَصْحِيف مَرْدُود
فَقَامَ ﷺ يجر رِدَاءَهُ حَتَّى رقي الْمِنْبَر فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ رفع نَحْو السَّمَاء يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا سَحا سجالا غدقا طبقًا ديما عَاجلا غير رائث نَافِعًا غير ضار تنْبت بِهِ الزَّرْع
стр. 691
وتملأ بِهِ الضَّرع وتحيي بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا
فوَاللَّه مَا رد رَسُول الله ﷺ يَده إِلَى نَحره حَتَّى الْتَقت السَّمَاء بأرواقها وجاءه أهل البطانة يضجون يَا رَسُول الله الْغَرق الْغَرق فَأَوْمأ بطرفه إِلَى السَّمَاء وَضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ حوالينا وَلَا علينا فانجاب السَّحَاب عَن الْمَدِينَة حَتَّى أحدق بهَا كالأكليل ثمَّ قَالَ لله در أبي طَالب لَو كَانَ حَيا قرت عَيناهُ
من ينشدنا قَوْله فَقَالَ عَليّ ﵇ يَا رَسُول الله لَعَلَّك أردْت
(وأبيض يَسْتَسْقِي الْغَمَام بِوَجْهِهِ ... ثمال الْيَتَامَى عصمَة للأرامل)
(تَطوف بِهِ الْهَلَاك من آل هَاشم ... فهم عِنْده فِي نعْمَة وفواضل)
(كَذبْتُمْ وَبَيت الله رب مُحَمَّد ... وَلما نُقَاتِل دونه ونناضل)
(وَلَا نسلمه حَتَّى نصرع حوله ... ونذهل عَن أَبْنَائِنَا والحلائل) الطَّوِيل
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ أجل
ثمَّ قَامَ رجل من كنَانَة فأنشده
(لَك الْحَمد وَالْحَمْد مِمَّن شكر ... سقينا بِوَجْه النَّبِي الْمَطَر)
(دَعَا الله خالقه دَعْوَة ... إِلَيْهِ وأشخص مِنْهُ الْبَصَر)
(فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَا سَاعَة ... وأسرع حَتَّى رَأينَا الذرر)
(دفاق العزالى وجم البعاق ... أغاث بِهِ الله عليا مُضر)
(فَكَانَ كَمَا قَالَ عَمه ... أَبُو طَالب ذَا رواء غرر)
(بِهِ يسر الله صوب الْغَمَام ... فَهَذَا العيان لذاك الْأَثر)
(فَمن يشْكر الله يلقى الْمَزِيد ... وَمن يكفر الله يلقى الْغَيْر) المتقارب
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ اجْلِسْ إِن يَك شَاعِرًا أحسن فقد أَحْسَنت
وَأَخْبرنِي سديد الدّين بن رقيقَة أَن مولده فِي سنة أَربع وَسِتِّينَ وَخَمْسمِائة بِمَدِينَة حيني وَنَشَأ بهَا
وَلما كَانَ فَخر الدّين المارديني بِمَدِينَة حيني وصاحبها نور الدّين بن جمال الدّين بن أرتق كَانَ قد عرض لنُور الدّين مرض فِي عَيْنَيْهِ فداواه الشَّيْخ فَخر الدّين مُدَّة أَيَّام
ثمَّ عزم على السّفر وَأَشَارَ على نور الدّين ابْن ارتق بِأَن يداويه سديد الدّين بن رقيقَة فعالجه سَرِيعا وَبرا برءا تَاما وَأطلق لَهُ جامكية وجراية فِي صناعَة الطِّبّ
وَقَالَ لي سديد الدّين أَن عمره يَوْمئِذٍ كَانَ دون الْعشْرين سنة
وَاسْتمرّ فِي خدمته
ثمَّ خدم بعد ذَلِك الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد صَاحب حماه ابْن تَقِيّ الدّين عمر وَبَقِي مَعَه مُدَّة
ثمَّ سَافر إِلَى خلاط وَكَانَ صَاحبهَا فِي ذَلِك الْوَقْت الْملك الأوحد نجم الدّين أَيُّوب بن الْملك الْعَادِل
стр. 692
أبي بكر بن أَيُّوب
وخدم صَلَاح الدّين بن ياغيسان وَكَانَ هَذَا صَلَاح الدّين قد تزوج الْملك الأوحد ابْن الْملك الْعَادِل بأخته وَكَانَ سديد الدّين بن رقيقَة يتَرَدَّد إِلَى خدمتها أَيْضا وَكَانَت كَثِيرَة الْإِحْسَان إِلَيْهِ
وَأقَام بخلاط مُدَّة إِلَى أَن توفّي الْملك الأوحد فِي ملازكرد بعلة ذَات الْجنب وَذَلِكَ فِي يَوْم السبت ثامن عشر ربيع الأول سنة تسع وسِتمِائَة
وَكَانَ يعالجه هُوَ وَصدقَة السامري
وخدم أَيْضا بعد ذَلِك الْملك الْأَشْرَف أَبَا الْفَتْح مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل وَأقَام بميافارقين سِنِين كَثِيرَة
وَلما كَانَ فِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وصل سديد الدّين بن رَقِيقه إِلَى دمشق إِلَى السُّلْطَان الْملك الْأَشْرَف فَأكْرمه واحترمه
وَأمر بِأَن يتَرَدَّد إِلَى الدّور السُّلْطَانِيَّة بالقلعة وَأَن يواظب أَيْضا معالجة المرضى بالبيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي وَأطلق لَهُ جامكية وجراية
وَكَانَ لي أَيْضا فِي ذَلِك الْوَقْت مُقَرر جامكية وجراية لمعالجة المرضى فِي هَذَا البيمارستان وتصاحبنا مُدَّة فَوجدت من كَمَال مروءته وَشرف أرومته وغزارة علمه وَحسن تَأتيه فِي معرفَة الْأَمْرَاض ومداواتها مَا يفوق الْوَصْف
وَلم يزل بِدِمَشْق وَهُوَ يشْتَغل بصناعة الطِّبّ إِلَى أَن توفّي ﵀ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكنت أَنا قد انْتَقَلت إِلَى صرخد فِي خدمَة صَاحبهَا الْأَمِير عز الدّين المعظمي فِي شهر ربيع الأول سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة
وَمن شعر سديد الدّين بن رقيقَة وَهُوَ مِمَّا أَنْشدني لنَفسِهِ فَمن ذَلِك قَالَ
(يَا ملبسي بالنطق ثوب كَرَامَة ... ومكملي جواد بِهِ ومقومي)
(خذني إِذا أَجلي تناهى وانقضى ... عمري على خطّ إِلَيْك مقوم)
(واكشف بلطفك يَا إلهي غمتي ... وَأجل الصدا عَن نفس عَبدك وَارْحَمْ)
(فعساي من بعد المهانة أكتسي ... حلل المهابة فِي الْمحل الأكرم)
(وأبوء بالفردوس بعد إقامتي ... فِي منزل بَادِي السماجة مظلم)
(فقد اجتويت ثواي فِيهِ وَمن تكن ... دَار الْغرُور لَهُ محلا يسأم)
(دَار يُغَادر بؤسها وشقاءها ... من حلهَا وَكَأَنَّهُ لم ينعم)
(ويديل صافي عيشه وحياته ... كدرا فَلَا تجنح إِلَيْهَا تسلم)
(فبك المعاذ إلهنا من شَرها ... وَبِك الملاذ من الغواية فاعصم)
(وَعَلَيْك متكلي وعفوك لم يزل ... قصدي فوا خسراه إِن لم ترحم)
(يَا نفس جدي وادأبي وتمسكي ... بعرى الْهدى وعرى الْمَوَانِع فافصمي)
(لَا تهملي يَا نفس ذاتك أَن فِي ... نسيانها نِسْيَان رَبك فاعلمي)
стр. 693
(وَعَلَيْك بالتفكير فِي آلائه ... لتبوئي جناته وتنعمي)
(وتيممي نهج الْهِدَايَة أَنه ... مَنْهَج وَعَن لقم الضَّلَالَة أحجمي)
(لَا تَرْتَضِي الدُّنْيَا الدنية موطنا ... تعلي على رتب السَّوَارِي الأنجم)
(وتعايني مَا لَا رَأَتْ عين وَلَا ... أذن وعت فإليه جدي تغنمي)
(وتشاهدي مَا لَيْسَ يدْرك كنهه ... بالفكر أَو بتوهم المتوهم)
(قدس يجل بِأَن يحل جنابه ... يَا نفس إِلَّا كل شهم أَيهمْ)
(وَهُوَ المنزه أَن يكون مركبا ... من رَابِع أَو ثَالِث أَو توأم)
(وتجاوري الْأَبْرَار فِي مستوطن ... لَا دائر أبدا وَلَا متهدم)
(يَا أَيهَا الْمَغْرُور شبت وَلم تعد ... عَمَّا لهجت بِهِ وَلم تتندم)
(لَا تحسبن الشيب فِيك لعِلَّة ... عرضت وَلَا لتكرج فِي البلغم)
(لَكِن شبابك كَانَ شَيْطَانا وَمن ... يَك ماردا بِالشُّهُبِ حَقًا يرْجم)
(لَا تقرن الشيب الْمُنِير رواؤه ... بظلام أَعْرَاض الشبيبة تظلم)
(فالشيب إشراق الحجى وضياؤه ... فأهن هَوَاك أَوَان شيبك تكرم)
(واعكف على تمجيد موجدك الَّذِي ... غمر الْوُجُود الْجُود مِنْهُ وَعظم)
(فبذكره تشفى النُّفُوس من الجوى ... فَعَلَيهِ أَن آثرت برءك صمم)
(اكرم بِنَفس فَتى رأى سبل الْهوى ... تهوى فَمَال إِلَى الصِّرَاط الأقوم)
(ذَاك الَّذِي يخْتَار يَوْم معاده ... ملكا سجيس الدَّهْر لم يتصرم)
(يَا جَابر الْعظم الكسير وغافر ... الجرم الْكَبِير لكل عبد مجرم)
(مَالِي إِلَيْك وَسِيلَة وذريعة ... أنجو بهَا إِلَّا اعْتِقَاد الْمُسلم)
(فَأقبل بمنك تَوْبَتِي عَن حوبتي ... فَعَسَى سَعَادَة أوبتي لم أحرم)
(حمدا لَك اللَّهُمَّ ينمى مَا جلا ... وضح الصَّباح سَواد ليل أسحم)
(وعَلى نبيك ذِي السناء وَآله ... السَّادة الْأُمَنَاء صل وَسلم)
(المذهبي سغب الْيَتِيم ومؤثري ... العاني الْأَسير بزادهم والمعدم)
(وعَلى صحابته الَّذين بنصره ... قَامُوا ونار الْكفْر ذَات تضرم) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(أَرَاك عَن الْمحل الرحب ساهي ... وَعنهُ بمضمحل الأَصْل لاهي)
стр. 694
(فكم بالسجن وَيحك أَنْت زاه ... وَكم بالضيق الواهي تباهي)
(وتمنح من بِهِ يغريك ودا ... وتتهم الزواجر والنواهي)
(ألم تعلم بأنك كل يَوْم ... بِهِ تفجاك أَصْنَاف الدَّوَاهِي)
(تحل قواك جُزْءا بعد جُزْء ... وتفنى أَنْت وَالدُّنْيَا كَمَا هِيَ)
(وتحسبها صديقا وَهِي أردى ... عَدو بَين الشحناء داهي)
(همومك فِيهِ لَا تنفك تترى ... وعيشك فِيهِ عَيْش غير زاهي)
(أما يَكْفِيك زجر الشيب زجرا ... وَحسب أخي النَّهْي بالشيب ناهي)
(فعد عَنهُ إِلَى رحب فسيح ... مقامك فِيهِ لَيْسَ لَهُ تناهي)
(فحتام التغافل والتعامي ... وَكم هَذَا الجنوح إِلَى الملاهي)
(فَلَا تغتر أَن أَصبَحت فِيهِ ... أَخا مَال وَبت عريض جاه)
(فكم من أيد أضحى فأمسى ... بعيد ثرائه والأيد واهي)
(وَكَانَ يَقُول من سفه بِأَن لَا ... يصاب لَهُ شَبيه أَو مضاهي)
(فتب فَجَمِيع مَا تَأتيه يلفى ... صَغِيرا عندغفران الْإِلَه) الوافر
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(أَقُول لنَفْسي حِين أبدت تشوقا ... إِلَى الْعَالم الْأَعْلَى رويدك يَا نَفسِي)
(محالا ترومين النجَاة وَأَنت فِي ... المهالك من جنس الطبيعة والحس)
(ودونك بَحر إِن تعديت لجه ... أمنت وفزت بالخلاص من الْحَبْس)
(فَإِن رمت وصلا نَحْو سنخك فاكشفي ... غطاءك وانضي مَا عَلَيْك من اللّبْس)
(وَلَا تقبلي نَحْو الكثيف فتحرمي ... مجاورة الْأَطْهَار فِي حَضْرَة الْقُدس)
(وَلَا تتركي مَا يَأْمر الله ضلة ... فتبقي سجيس الدَّهْر فِي الشَّك واللبس)
(وَلَا تهملي يَا نفس ذاتك وأكثري ... التفكر فِيهَا واهجري كل مَا ينسي)
(وَلَا تغفلي عَن ذكرك الأول الَّذِي ... بِهِ قَامَت الأفلاك وَالْعرش والكرسي)
(وصلت على كره إِلَى الهيكل الَّذِي ... بِهِ اعتضت بالذعر الطَّوِيل عَن الْإِنْس)
(وَمَا كَانَ هَذَا الْوَصْل إِلَّا لترجعي ... منزهة بِالْعلمِ عَن وصمة الوكس)
(فَعَن أُمَم يقْضِي أيابك فاعملي ... لأخراك مَا ينجيك من ظلمَة الرمس)
(فَإِن تتركي نهج الْهدى كنت فِي غَد ... كمن بَاعَ رَأس المَال بِالثّمن البخس)
(فعودي إِلَى باريك يَا نفس ترتقي ... إِلَيْهِ وَإِلَّا دمت فِي الْعَالم المنسي)
(حليفة هم دَائِم وكآبة ... مجاورة أهل الدناءة والرجس)
стр. 695
(مخلاة مَمْنُوعَة ومهانة ... مبدلة بعد التنعم بالتعس)
(مبوأة دَار الهوان مذالة ... ومحشورة فِي زمرة الصم والخرس)
(سَبِيل الْهدى يَا نفس عِنْد ذَوي النهى ... أَشد وضوحا من سنا الْبَدْر وَالشَّمْس) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(لَا يغرنك من زَمَانك بشره ... فالبشر مِنْهُ لَا محَالة حَائِل)
(فقطوبه طبع وَلَيْسَ تطبعا ... والطبع بَاقٍ والتطبع زائل) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(لست من يطْلب التكسب بالسخف ... وَلَو كنت مت عريا وجوعا)
(وَلَو أَنِّي ملكت ملك سُلَيْمَان ... لما اخْتَرْت عَن وقاري رُجُوعا) الْخَفِيف
وَقَالَ اقْتِدَاء بقول أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ انْظُر إِلَى مَا قَالَ وَلَا تنظر إِلَى من قَالَ
(لَا تكن نَاظرا إِلَى قَائِل القَوْل ... بل انْظُر إِلَيْهِ مَاذَا يَقُول)
(وَخذ القَوْل حِين تلقيه معقولا ... وَلَو قَالَه غبي جهول)
(فنباح الْكلاب مَعَ خسة فِيهَا ... على منزل الْكَرِيم دَلِيل)
(وكذاك النضار معدنه الأَرْض ... وَلكنه الخطير الْجَلِيل) الْخَفِيف
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(توق صُحْبَة أَبنَاء الزَّمَان وَلَا ... تأمن إِلَى أحد مِنْهُم وَلَا تثق)
(فَلَيْسَ يسلم مِنْهُم من تصاحبه ... طبعا من الْمَكْر والتمويه والملق) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(أرى كل ذِي ظلم إِذا كَانَ عَاجِزا ... يعف ويبدي ظلمه حِين يقدر)
(وَمن نَالَ من دُنْيَاهُ مَا كَانَ زَائِدا ... على قدره أخلاقه تتنكر)
(وكل امْرِئ تلفيه للشر مؤثرا ... فَلَا بُد أَن يلقى الَّذِي كَانَ يُؤثر) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(لما رَأَيْت ذَوي الْفَضَائِل والحجا ... لَا يُنْفقُونَ وكل فدم ينْفق)
стр. 696
(ألزمت نَفسِي الْيَأْس علما أَن لي ... رَبًّا يجود بِمَا أروم ويرزق)
(ولزمت بَيْتِي واتخذت مسامري ... سفرا بأنواع الْفَضَائِل ينْطق)
(لي مِنْهُ إِنِّي جِئْته متصفحا ... عَمَّا حوى روض نضير مونق) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(مَا ضرّ خلقي أقلالي وَلَا شيمي ... وَلَا نهاني عَن نهج النهى عدمي)
(وَكَيف وَالْعلم حظي وَهُوَ أنفس مَا ... أعْطى الْمُهَيْمِن من مَال وَمن نعم)
(الْعلم بِالْفِعْلِ يزكو دَائِما أبدا ... وَالْمَال إِن أدمن الْإِنْفَاق لم يدم)
(فَالْمَال صَاحبه الْأَيَّام يَحْرُسهُ ... وَالْعلم يحرس أهليه من النقم) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(خلقت مشاركا فِي النَّوْع قوما ... وَقد خالفتهم إِذْ ذَاك شخصا)
(أُرِيد كمالهم والنفع جهدي ... وهم يَبْغُونَ لي ضرا ونقصا)
(إِذا عددت مَا فيهم عيوبا ... فقد حاولت شَيْئا لَيْسَ يُحْصى) الوافر
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(لَا تصحبن فَتى أَرَاك تكلفا ... ودا وأضمر ضد ذَاك بطبعه)
(واهجر أَخَاك إِذا تنكر وده ... فالعضو يحسم داؤه فِي قطعه) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(إِذا جَاهِل ناواك يَوْمًا بمحفل ... فَلَا ترفعن الطّرف جهدك نَحوه)
(فَإنَّك إِن سالمته كنت عَالِيا ... عَلَيْهِ وَإِن جَارِيَته كنت كفوه)
(فكم جَاهِل رام انتقاصي بجهله ... رَأَيْت سَوَاء مدحه لي وهجوه) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(إِن الْعَدو وَإِن بدا لَك ضَاحِكا ... كالشري تبدو غضة أوراقه)
(وَهُوَ الزعاف لمن تعمد أَخذه ... والمجتوي البشع الكريه مذاقه)
стр. 697
(وَاعْلَم بِأَن الضِّدّ سم قربه ... والبعد عَنهُ حَقِيقَة ترياقه) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(إِذا كنت غارس غرسا جميلا ... فَلَا تعطشنه يفتك الثَّمر)
(وداوم على سقيه مَا اسْتَطَعْت ... بِمَاء السخا لَا بِمَاء الْمَطَر)
(وَلَا تتبعنه بِمن فقد ... رَأَيْنَاهُ مفْسدَة للشجر) المتقارب
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(جَانب طباعا بني الدُّنْيَا فقربهم ... يجدي المكاره إِن ضنوا وَإِن جادوا)
(فَالنَّاس ينْدر فيهم من إِذا عرض ... عرَاك من فِيهِ إسعاد وانجاد)
(وَلَا تهن إِن حماك الدَّهْر جدك ... فالأحرار عِنْد انحراف الدَّهْر انجاد)
(واطو الفلا طَالبا نيل العلى أبدا ... وَلَا يهولنك أغوار وانجاد) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(وَإِن أَشد أهل الأَرْض حزنا ... وغما مِنْهُمَا لَا يستفيق)
(كريم حل مَوْضِعه الْمُعَلَّى ... سواهُ وَأَنه لبه الخليق) الوافر
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(وضع العوارف عِنْد النذل يتبعهُ ... على معاودة الألحاح فِي الطّلب)
(وَيحمل الْفَاضِل الطَّبْع الْكَرِيم على ... حسن الْجَزَاء لمولى الْعرف عَن كثب)
(فَالنَّاس كالأرض تسقى وَهِي وَاحِدَة ... عذبا وتنبت مثل الشري وَالرّطب) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(وَإِنِّي امْرُؤ بالطبع الغي مطامعي ... وازجر نَفسِي طابعا لَا تطبعا)
(وَعِنْدِي غنى نفس وَفضل قناعة ... وَلست كمن إِن ضَاقَ ذرعا تضرعا)
(وَإِن مد نَحْو الزَّاد قوم أكفهم ... تَأَخَّرت باعا إِن دنا الْقَوْم اصبعا)
(ومذ كَانَت الدُّنْيَا لدي دنيئة ... تعرضت للأعراض عَنْهَا ترفعا)
(وَذَاكَ لعلمي إِنَّمَا الله رَازِق ... فَمن غَيره أَرْجُو وأخشى وأجزعا)
(فَلَا الضعْف يقصي الرزق إِن كَانَ دانيا ... وَلَا الْحول يُدْنِيه إِذا مَا تجزعا)
стр. 698
(فَلَا تبطرن إِن نلْت من دهرك الْغنى ... وَكن شامخا بالأنف إِن كنت مدقعا)
(فَقدر الْفَتى مَا حازه وأفاده ... من الْعلم لَا مَال حواه وجمعا)
(فَكُن عَالما فِي النَّاس أَو متعلما ... وَإِن فاتك القسمان أصغ لتسمعا)
(وَلَا تَكُ للأقسام مَا اسطعت رَابِعا ... فتدرأ عَن ورد النجَاة وتدفعا) الطَّوِيل
وَقَالَ أَيْضا
(إِذا كَانَ رزق الْمَرْء عَن قدر أَتَى ... فَمَا حرصه يُغْنِيه فِي طلب الرزق)
(كَذَا مَوته إِن كَانَ ضَرْبَة لازب ... فأخلاده نَحْو الدنا غَايَة الْحمق)
(فَإِن شِئْت أَن تحيا كَرِيمًا فَكُن فَتى ... يؤوسا فَإِن الْيَأْس من كرم الْخلق)
(فيأس الْكَرِيم الطَّبْع حُلْو مذاقه ... لَدَيْهِ إِذا مَا رام مَسْأَلَة الْخلق)
وَقَالَ أَيْضا
(أرى وجودك هَذَا لم يكن عَبَثا ... إِلَّا لتكمل مِنْك النَّفس فانتبه)
(فاعدل عَن الْجِسْم لَا تقبل عَلَيْهِ ومل ... إِلَى رِعَايَة مَا الْإِنْسَان أَنْت بِهِ)
(فمؤيس النَّفس عَن أهوائها يقظ ... ومطمع النَّفس فِيهَا غير منتبه)
(فاسلك سَبِيل الْهدى تحمد مغبته ... فمنهج الْحق باد غير مشتبه) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(كن محسنا طبعا إِلَى ... من بدل الْحسنى مساءه)
(وَاشْفَعْ بإسداء الْجَمِيل ... صباحه أبدا مساءه)
(فَلَعَلَّهُ أَن ينثني ... ويحول عَن حَال الإساءه)
(فالحر يذكر من أَخِيه ... الْخَيْر لَا مَا مِنْهُ سَاءَهُ)
(فلكم مسيء رده الْإِحْسَان ... عَن ورد الرداءه)
(فصفا وَفَاء إِلَى الْوَفَاء ... وصير الْحسنى رِدَاءَهُ)
(فَإِذا منيت بمائن ... فِي الود لم يحسن أداءه)
(فأصدقه علك أَن تزيل ... بِصدق ودك عَنهُ داءه) الْكَامِل المرفل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(كن مُجملا فِيمَا تَقول وَلَا تقل ... قولا يهجنه بذا وَفَسَاد)
стр. 699
(فجامعة الْحُكَمَاء قبلك دأبهم ... كَانَ الْجَمِيل من الْمقَال فسادوا) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(وَمَا صَاحب السُّلْطَان إِلَّا كراكب ... بلجة بَحر فَهُوَ يستشعر الْغَرق)
(فَإِن عَاد مِنْهُ سَالم الْجِسْم ناجيا ... فَمَا نَفسه فِيهِ يفارقها الْفرق) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(يَا نَاظرا فِيمَا قصدت لجمعه ... اعذر فَإِن أَخا الْفَضِيلَة يعْذر)
(علما بِأَن الْمَرْء لَو بلغ المدى ... فِي الْعُمر لَاقَى الْمَوْت وَهُوَ مقصر) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ مِمَّا كتبه على كأس فِي وَسطه طَائِر على قبَّة مخرمَة إِذا قلب فِي الكاس مَاء دَار دورانا سَرِيعا وصفر صفيرا قَوِيا
وَمن إِذا وقف بإزائه الطَّائِر حكم عَلَيْهِ بالشرب فَإِذا شربه وَترك فِيهِ شَيْئا من الشَّرَاب صفر الطَّائِر وَكَذَلِكَ لَو شربه فِي مائَة مرّة فَمَتَى شرب جَمِيع مَا فِيهِ وَلم يبْق فِيهِ دِرْهَم وَاحِد فَإِن صفيره يَنْقَطِع
(أَنا طَائِر فِي هَيْئَة الزرزور ... مستحسن التكوين والتصوير)
(فَاشْرَبْ على نغمي سلاف مدامة ... صرفا تنير حنادس الديجور)
(صفراء تلمع فِي الكؤوس كَأَنَّهَا ... نَار الكليم بَدَت بِأَعْلَى الطّور)
(وَإِذا تخلف من شرابك درهما ... فِي الكلس نم بِهِ عَلَيْك صفيري) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ وَصِيَّة طبية
(توق الامتلاء وعد عَنهُ ... وَإِدْخَال الطَّعَام على الطَّعَام)
(وإكثار الْجِمَاع فَإِن فِيهِ ... لمن وَالَاهُ دَاعِيَة السقام)
(وَلَا تشرب عقيب الْأكل مَاء ... فتسلم من مضرات عِظَام)
(وَلَا عِنْد الخوى والجوع حَتَّى ... تلهن باليسير من الأدام)
(وَخذ مِنْهُ الْقَلِيل فَفِيهِ نفع ... لذِي الْعَطش المبرح والأوام)
(وهضمك فاصلحنه فَهُوَ أصل ... واسهل بالإبارج كل عَام)
стр. 700
(وفصد الْعرق نكب عَنهُ إِلَّا ... لذِي مرض رطيب الطَّبْع حامي)
(وَلَا تتحركن عقيب أكل ... وصير ذَاك بند الانهضام)
(لِئَلَّا ينزل الكيلوس فجا ... فيلحج فِي المنافذ والمسام)
(وَلَا تدم السّكُون فَإِن مِنْهُ ... تولد كل خلط فِيك خام)
(وقلل مَا اسْتَطَعْت المَاء بعد ... الرياضة واجتنب شرب المدام)
(وَعدل مزج كأسك فَهِيَ تبقي ... الْحَرَارَة فِيك دائمة الضرام)
(وخل السكر واهجره مَلِيًّا ... فَإِن السكر من فعل الظغام)
(وَأحسن صون نَفسك عَن هَواهَا ... تفز بالخلد فِي دَار السَّلَام) الوافر
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(غَرَض الطِّبّ يَا أَخا اللب عرفان ... مبادي أبداننا وَالْأُصُول)
(قيل حالاتها وَمَا توجب الْحَالَات ... فِيهَا وَمَا لَهَا من دَلِيل)
(لتدوم الْأَبدَان مَوْجُودَة الصِّحَّة ... منا وَذَاكَ بالتعديل)
(وتزال الْأَمْرَاض إِن أمكن الْحَال ... وَذَا بالإفراغ والتبديل) الْخَفِيف
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(إِن الْغذَاء وَإِن كَانَ الصّديق لما ... هُوَ الْمُدبر أَعنِي قُوَّة الوصب)
(فَهُوَ الْعَدو لَهَا أَيْضا لِأَن بِهِ ... زِيَادَة الضِّدّ أَعنِي عنصر الوصب) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(علل الصِّحَّة حَقًا سِتَّة ... وَهِي أَيْضا علل للمرض)
(فَإِذا عدلتها فِي أَربع ... كَانَ ذَا التَّعْدِيل أنهى للغرض) الرمل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(إِذا مَا اشْتهى ذُو عِلّة بعض مَا بِهِ ... شِفَاء من الدَّاء الَّذِي جِسْمه حلا)
(فَلَا تمنعنه مَا اشتهاه فَرُبمَا ... ترَاهُ وشيكا عقدَة الدَّاء قد حلا)
(وَكَانَ كَمَا قد قيل فِي مثل مَا جرى ... من السعد أَن يلقى هوى صَادف العقلا) الطَّوِيل
стр. 701
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(وأهيف الْقد قاني الخد تيمني ... وَفِي بحار الأسى الفاني ألقاني)
(لَو حل فِي الْقلب ثَان غَيره وثنى ... عَنهُ هواي ثنيت الثَّانِي الثَّانِي)
(وَلَو جنيت جنى مَا كَانَ غارسه ... فِيهِ هَوَاهُ لَكُنْت الْجَانِي الْجَانِي)
(وَلَو وَحقّ هَوَاهُ زار فِي حلمي ... خياله موهنا ألفاني الفاني)
(ألغى ودادي ومغناه الْفُؤَاد فَهَل ... لي من مجير وَقد ألغاني الغاني) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(ومهفهف ساجي اللواحظ أوردا ... عشاقه بدلاله ورد الردى)
(تخذ العذار مفاضة تحميه من ... عين الْمُحب ولحظ مقلته ردا)
(لَو كَانَ أوردني برود رضابه ... لم يصبح السقم المبرح لي ردا)
(إِن مَاس أودى بالقضيب تأودا ... أَو لَاحَ أزرى بالهلال إِذا بدا)
(مَا شمت شامة خَدّه إِلَّا سَطَا ... بمهند من مقلتيه وعربدا)
(أَو رمت من حبيه يَوْمًا سلوة ... إِلَّا وَقَالَ طلبت مَسْأَلَة البدا) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(أَيهَا الشادن الَّذِي طَابَ هتكي ... وافتضاحي بعد الصيانة فيكا)
(عِلّة الجفن فِيك عِلّة سقمي ... وشفاي ارتشاف خمرة فيكا)
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يمدح صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن باغيبسان
(ومدلل ساجي الجفون مهفهف ... جمع الملاحة ذُو الْجلَال لَدَيْهِ)
(وأحلها فِيهِ فاصبح رَبهَا ... وأمال أَفْئِدَة الْأَنَام إِلَيْهِ)
(من جفْنه سيف الصّلاح مُحَمَّد ... باد وَمن جفني سحب يَدَيْهِ) الْكَامِل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يهنئ الصاحب جلال الدّين أَبَا الْفَتْح مُحَمَّد بن نباتة بِبِنَاء دَاره
(يَا أَيهَا الصاحب الصَّدْر الْكَبِير جلال ... الدّين ابْن الْكِرَام السَّادة الشرفا)
(بنيت دَارا على الجوزاء مشرفة ... كَمَا قَدِيما بنيت الْمجد والشرفا)
(دَامَت مَحل سرُور لَا يحول وَلَا ... زَالَت رُؤُوس أعاديكم لَهَا شرفا)
(شرفت أصلا وأخلاقا وشنشنة ... فلست مِمَّن بِأَصْل وَحده شرفا) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ وَقد كتبهَا لي شَيْخه فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام المارديني
стр. 702
(يَا سائقا نَحْو ميا فارقين أنخ ... بهَا الركاب وَبلغ بعض أشواقي)
(وَمَا أعانيه من وجد وَمن كمد ... ولوعة وصبابات وإيراق)
(إِلَى الَّذِي فاق أَبنَاء الزَّمَان نهى ... ومحتدا وثناهم طيب أعراق)
(وَقل محب لكم قد شفه مرض ... وَمَا سواك لَهُ من دائه راقي)
(صل الطبيعة لَا يَنْفَكّ يلذعه ... فاصرف نكايته عَنهُ بترياق)
(شطر الْحَيَاة مضى وَالنَّفس نَاقِصَة ... فَكُن مكملها فِي شطرها الْبَاقِي)
(فَأَنت أولى بتهذيبي وتبصرتي ... بِمَا يهذب أوصافي وأخلاقي)
(وَمَا يخلص نَفسِي من موانعها الْوُصُول ... عِنْد التفاف السَّاق بالساق)
(مشكاة ذهني قد أمست زجاجتها ... صديئة فأجلها بِالْوَاحِدِ الواقي)
(ورو مصباحها من زَيْت علمك كي ... تعود بعد انطفاء ذَات إشراق)
(حبس الطبيعة قد طَال الثواء بِهِ ... فها أَنا متوخ مِنْك إطلاقي)
(فاحلل حبائل أشراك الشواغل عَن ... جيدي وجد لي من رقي باعتاقي)
(لَعَلَّ نَفسِي أَن ترقى مهذبة ... عِنْد الْفِرَاق إِذا مَا قيل من راقي)
(وتغتدي فِي نعيم لَا انْتِهَاء لَهُ ... وَلَا فنى فِي جوَار الْوَاحِد الْبَاقِي) الْبَسِيط
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يرثي ولدا لَهُ
(بني لقد غادرت بَين جوانحي ... لفقدك نَارا حرهَا يتسعر)
(واغربت بالأجفان بعد رقادها ... سهادا فَلَنْ تنفك بعْدك تسهر)
(فلست أُبَالِي حِين بنت بِمن ثوى ... وَلم أر من أخْشَى عَلَيْك وَاحْذَرْ)
(وَقَالَ أنَاس يصغر الْحزن كلما ... تَمَادى وحزني الدَّهْر ينمى وَيكبر)
(وَكنت صبورا عِنْد كل ملمة ... تلم فمذ أرديت عز التصبر)
(كملت فوافتك الْمنون وَهَكَذَا ... يوافي الخسوف الْبَدْر أبان يبدر) الطَّوِيل
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ فِي غَرَض
(تقربت بالإطراء بالشعر مُدَّة ... إِلَيْكُم وبالتنجيم والنحو والطب)
(وأبدعت آلَات النُّجُوم وَغَيرهَا ... وأعربت عَمَّا اعتاص من لُغَة الْعَرَب)
(وَحدثت أَخْبَار النَّبِي وَمَا أَتَى ... بِهِ الْحُكَمَاء الْقدَم قبلي فِي الْكتب)
(وعاملتكم بِالصّدقِ فِيمَا أقوله ... وَلم آل جهدا فِي النَّصِيحَة وَالْحب)
(فَلم اكْتسب شَيْئا سوى االبؤس والعنا ... وإنفاق عمري بئس ذَلِك من كسب)
(بِكُل تداوينا فَلم يشف مَا بِنَا ... إِلَّا أَن بعد الدَّار خير من الْقرب)
стр. 703
(أَلا إِن بعد الدَّار لَيْسَ بضائر ... إِذا كَانَ من تغشاه لَيْسَ بِذِي لب)
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(قيل لي لم هجوت نجل فلَان ... الْكَلْب بل لم أوغلت فِيهِ المثاقب)
(وأولو الْفضل لَا يرَوْنَ هجاء ... قطّ إِلَّا لذِي حجى ومناقب)
(قلت إِنِّي سخطت يَوْمًا على ... شعري فقابلت بِهِ كالمعاقب) الْخَفِيف
وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ
(قَالُوا خليق بالطبيب بِأَن يرى ... بالطبع يعْدم رونقا وجمالا)
(صدقُوا وَلَكِن لَا إِلَى حد بِهِ ... يُؤْذِي الْمَرِيض ويفزع الأطفالا) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(أيا فَاعِلا خل التطبب واتئد ... فكم تقتل المرضى الْمَسَاكِين بِالْجَهْلِ)
(فتركيب أجسام الْأَنَام مُؤَجل ... فَلم لَا كلاك الله تعجل بِالْحلِّ)
(كَأَنَّك يَا هَذَا خلقت موكلا ... على رَجَعَ أَرْوَاح الْأَنَام إِلَى الأَصْل)
(بهرت الوبا إِذْ قَتلك النَّاس دَائِما ... وَذَلِكَ فِي الأحيان يحدث فِي فصل)
(كفى الوصب الْمِسْكِين شخصك قَاتلا ... إِذا عدته قبل التَّعَرُّض للْفِعْل) الطَّوِيل
ولسديد الدّين بن رقيقَة من الْكتب كتاب لطف السَّائِل وتحف الْمسَائِل وَهَذَا الْكتاب قد نظم فِيهِ مسَائِل حنين
كليات القانون لَا بن سينا رجزا ومعاني أخر ضَرُورِيَّة يحْتَاج إِلَيْهَا فِي صناعَة الطِّبّ وَشرح هَذَا الْكتاب وَله أَيْضا عَلَيْهِ حواش مفيدة
كتاب مُوضحَة الِاشْتِبَاه فِي أدوية الباه كتاب الفريدة الشاهية وَالْقَصِيدَة الباهية وَهَذِه القصيدة صنعها بميافارقين فِي سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة للْملك الْأَشْرَف شاه أرمن مُوسَى بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَذكر لي أَنه نظمها فِي يَوْمَيْنِ وَهِي بَيت وصنع لَهَا أَيْضا شرحا مستقصى بليغا فِي مَعْنَاهُ
كتاب قانون الْحُكَمَاء وفردوس الندماء
كتاب الْغَرَض الْمَطْلُوب فِي تَدْبِير الْمَأْكُول والمشروب
مقَالَة مسَائِل وأجوبتها فِي الحميات
أرجوزة فِي الفصد
صَدَقَة السامري
هُوَ صَدَقَة بن منجا بن صَدَقَة السامري من الأكابر فِي صناعَة الطِّبّ والمتميزين من أَهلهَا والأماثل من أَرْبَابهَا
كَانَ كثير الِاشْتِغَال محبا للنَّظَر والبحث وافر الْعلم جيد الْفَهم قَوِيا فِي
стр. 704
الفلسفة حسن الدِّرَايَة لَهَا متقنا لغوامضها
وَكَانَ يدرس صناعَة الطِّبّ وينظم متوسطا وَرُبمَا ضمنه ملحا من الْحِكْمَة وَأكْثر مَا كَانَ يَقُوله دوبيت
وَله تصانيف فِي الْحِكْمَة وَفِي الطِّبّ
وخدم الْملك الْأَشْرَف مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَبَقِي مَعَه سِنِين كَثِيرَة فِي الشرق إِلَى أَن توفّي فِي الْخدمَة
وَكَانَ الْملك الْأَشْرَف يحترمه غَايَة الاحترام ويكرمه كل الْإِكْرَام ويعتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَله مِنْهُ الجامكية الوافرة والصلات المتواترة
وَتُوفِّي صَدَقَة بِمَدِينَة حران فِي سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف مَالا جزيلا وَلم يكن لَهُ ولد
وَمن كَلَامه مِمَّا نقلته من خطه قَالَ الصَّوْم منع الْبدن من الْغذَاء وكف الْحَواس عَن الخطاء والجوارح عَن الآثام
وَهُوَ كف الْجَمِيع عَمَّا يلهي عَن ذكر الله
وَقَالَ اعْلَم أَن جَمِيع الطَّاعَات ترى إِلَّا الصَّوْم لَا يرَاهُ إِلَّا الله فَإِنَّهُ عمل فِي الْبَاطِن بِالصبرِ الْمُجَرّد
وللصوم ثَلَاث دَرَجَات صَوْم الْعُمُوم وَهُوَ كف الْبَطن والفرج عَن قَضَاء الشَّهْوَة وَصَوْم الْخُصُوص وَهُوَ كف السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح عَن الآثام وَأما صَوْم خُصُوص الْخُصُوص فصوم الْقلب عَن الهمم الدنية والأفكار الدنياوية وكفه عَمَّا سوى الله تَعَالَى
وَقَالَ مَا كَانَ من الرطوبات الْخَارِجَة من الْبَاطِن لَيْسَ مستحيلا وَلَيْسَ لَهُ مقرّ فَهُوَ طَاهِر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط
وَأما مَا لَهُ مقرّ وَهُوَ مُسْتَحِيل فَهُوَ نجس كالبول والروث
وَقَالَ اعْلَم أَن الْوَزير مُشْتَقّ اسْمه من حمل الْوزر عَمَّن خدمه وَحمل الْوزر لَا يكون إِلَّا بسلامة من الْوَزير فِي خلقته وخلائقه
أما فِي خلقته فَإِن يكون تَامّ الصُّورَة حسن الْهَيْئَة متناسب الْأَعْضَاء صَحِيح الْحَواس وَأما فِي خلائقه فَهُوَ أَن يكون بعيد الهمة سامي الرَّأْي ذكي الذِّهْن جيد الحدس صَادِق الفراسة رحب الصَّدْر كَامِل الْمُرُوءَة عَارِفًا بموارد الْأُمُور ومصادرها
فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ أفضل عدد المملكة لِأَنَّهُ يصون الْملك عَن التبذل وَيَرْفَعهُ عَن الدناءة ويغوص لَهُ على الفرصة
ومنزلته منزلَة الْآلَة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى نيل البغية ومنزلة السُّور الَّذِي يحرز الْمَدِينَة من دُخُول الآفة ومنزلة الْجَارِح الَّذِي يصيد لطعمة صَاحبه
وَلَيْسَ كل أحد يصلح لهَذِهِ الْمنزلَة يصلح لكل سُلْطَان مَا لم يكن مَعْرُوفا بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استخصه والإيثار لمن قربه
وَقَالَ صَبر الْعَفِيف ظريف
وَمن شعره قَالَ
(سلوه لما صدني تيها وَلم هجرا ... وأورث الجفن بعد الرقدة السهرا)
(وَقد جفاني بِلَا ذَنْب وَلَا سَبَب ... وَقد وفيت بميثاقي فَلم غدرا)
(يَا للرِّجَال قفوا واستشرحوا خبري ... مني فغيري لم يصدقكم خَبرا)
(إِن لنت ذلا قسا عزا عَليّ وَإِن ... دانيته بَان أَو آنسته نَفرا)
стр. 705
(هَذَا هُوَ الْمَوْت عِنْدِي كَيفَ عنْدكُمْ ... هَيْهَات أَن يَسْتَوِي الصادي وَمن صَدرا) الْبَسِيط
وَقَالَ أَيْضا
(يَا وَارِثا عَن أَب وجد ... فَضِيلَة الطِّبّ والسداد)
(وضامنا رد كل روح ... هَمت عَن الْجِسْم بالبعاد)
(اقْسمْ لَو كَانَ طب دهرا ... لعاد كونا بِلَا فَسَاد) الْكَامِل
وَقَالَ أَيْضا
(فَإِذا قَرَأت كَلَامه قدرته ... سحبان أَو يُوفي على سحبان)
(لَو كَانَ شَاهده معد خاطبا ... أَو ذُو الفصاحة من بني قحطان)
(لاقر كل طائعين بِأَنَّهُ ... أولاهم بفصاحة وَبَيَان)
(رب الْعُلُوم إِذا أجال قداحه ... لم يخْتَلف فِي فوزهن اثْنَان)
(ذُو فطنة فِي المشكلات وخاطر ... أمضى وأنفذ من شباة سِنَان)
(فَإِذا تفكر عَالم فِي كتبه ... يَنْفِي التقى وشرائط الْإِيمَان)
(أضحت وُجُوه الْحق فِي صفحاتها ... ترمي إِلَيْهِ بواضح الْبُرْهَان)
(وَدلَالَة تجلو بطالع بشرها ... عز القرائح من ذَوي الأذهان) الْكَامِل
وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا فِي الْحَاشِيَة هَذَا الْبَيْت وَهُوَ متكرر القافية
(من حجَّة ضمن الْوَفَاء بنصرها ... نَص الْقيَاس وواضح الْبُرْهَان)
وَكَأَنَّهُ كتبه عوضا عَن الْبَيْت الَّذِي أَوله أضحت وُجُوه
وَقَالَ يهجو
(درى ومولاته وسيده ... حُدُود شكل الْقيَاس مَجْمُوعه)
(وَالسَّيِّد فَوق الِاثْنَيْنِ منحمل ... والست تَحت الِاثْنَيْنِ مَوْضُوعه)
(وَالْعَبْد مَحْمُول ذِي وحامل ذَا ... لحُرْمَة بَينهُنَّ مرفوعه)
(ذَاك قِيَاس جَاءَت نتيجته ... قرينَة فِي دمشق مطبوعه) المنسرح
وَقَالَ أَيْضا
(يَا ابْن قسيم أَصبَحت تنتحل ... النَّحْو ودعواك فِيهِ منحوله)
следующие страницы →