← Тараджим

Тараджим · id 6687

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

ابن أبي أصيبعة

Полный текст (754 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (وأهيف الْقد قاني الخد تيمني ... وَفِي بحار الأسى الفاني ألقاني) (لَو حل فِي الْقلب ثَان غَيره وثنى ... عَنهُ هواي ثنيت الثَّانِي الثَّانِي) (وَلَو جنيت جنى مَا كَانَ غارسه ... فِيهِ هَوَاهُ لَكُنْت الْجَانِي الْجَانِي) (وَلَو وَحقّ هَوَاهُ زار فِي حلمي ... خياله موهنا ألفاني الفاني) (ألغى ودادي ومغناه الْفُؤَاد فَهَل ... لي من مجير وَقد ألغاني الغاني) الْبَسِيط وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (ومهفهف ساجي اللواحظ أوردا ... عشاقه بدلاله ورد الردى) (تخذ العذار مفاضة تحميه من ... عين الْمُحب ولحظ مقلته ردا) (لَو كَانَ أوردني برود رضابه ... لم يصبح السقم المبرح لي ردا) (إِن مَاس أودى بالقضيب تأودا ... أَو لَاحَ أزرى بالهلال إِذا بدا) (مَا شمت شامة خَدّه إِلَّا سَطَا ... بمهند من مقلتيه وعربدا) (أَو رمت من حبيه يَوْمًا سلوة ... إِلَّا وَقَالَ طلبت مَسْأَلَة البدا) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أَيهَا الشادن الَّذِي طَابَ هتكي ... وافتضاحي بعد الصيانة فيكا) (عِلّة الجفن فِيك عِلّة سقمي ... وشفاي ارتشاف خمرة فيكا) وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يمدح صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن باغيبسان (ومدلل ساجي الجفون مهفهف ... جمع الملاحة ذُو الْجلَال لَدَيْهِ) (وأحلها فِيهِ فاصبح رَبهَا ... وأمال أَفْئِدَة الْأَنَام إِلَيْهِ) (من جفْنه سيف الصّلاح مُحَمَّد ... باد وَمن جفني سحب يَدَيْهِ) الْكَامِل وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يهنئ الصاحب جلال الدّين أَبَا الْفَتْح مُحَمَّد بن نباتة بِبِنَاء دَاره (يَا أَيهَا الصاحب الصَّدْر الْكَبِير جلال ... الدّين ابْن الْكِرَام السَّادة الشرفا) (بنيت دَارا على الجوزاء مشرفة ... كَمَا قَدِيما بنيت الْمجد والشرفا) (دَامَت مَحل سرُور لَا يحول وَلَا ... زَالَت رُؤُوس أعاديكم لَهَا شرفا) (شرفت أصلا وأخلاقا وشنشنة ... فلست مِمَّن بِأَصْل وَحده شرفا) الْبَسِيط وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ وَقد كتبهَا لي شَيْخه فَخر الدّين مُحَمَّد بن عبد السَّلَام المارديني

стр. 702

(يَا سائقا نَحْو ميا فارقين أنخ ... بهَا الركاب وَبلغ بعض أشواقي) (وَمَا أعانيه من وجد وَمن كمد ... ولوعة وصبابات وإيراق) (إِلَى الَّذِي فاق أَبنَاء الزَّمَان نهى ... ومحتدا وثناهم طيب أعراق) (وَقل محب لكم قد شفه مرض ... وَمَا سواك لَهُ من دائه راقي) (صل الطبيعة لَا يَنْفَكّ يلذعه ... فاصرف نكايته عَنهُ بترياق) (شطر الْحَيَاة مضى وَالنَّفس نَاقِصَة ... فَكُن مكملها فِي شطرها الْبَاقِي) (فَأَنت أولى بتهذيبي وتبصرتي ... بِمَا يهذب أوصافي وأخلاقي) (وَمَا يخلص نَفسِي من موانعها الْوُصُول ... عِنْد التفاف السَّاق بالساق) (مشكاة ذهني قد أمست زجاجتها ... صديئة فأجلها بِالْوَاحِدِ الواقي) (ورو مصباحها من زَيْت علمك كي ... تعود بعد انطفاء ذَات إشراق) (حبس الطبيعة قد طَال الثواء بِهِ ... فها أَنا متوخ مِنْك إطلاقي) (فاحلل حبائل أشراك الشواغل عَن ... جيدي وجد لي من رقي باعتاقي) (لَعَلَّ نَفسِي أَن ترقى مهذبة ... عِنْد الْفِرَاق إِذا مَا قيل من راقي) (وتغتدي فِي نعيم لَا انْتِهَاء لَهُ ... وَلَا فنى فِي جوَار الْوَاحِد الْبَاقِي) الْبَسِيط وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ يرثي ولدا لَهُ (بني لقد غادرت بَين جوانحي ... لفقدك نَارا حرهَا يتسعر) (واغربت بالأجفان بعد رقادها ... سهادا فَلَنْ تنفك بعْدك تسهر) (فلست أُبَالِي حِين بنت بِمن ثوى ... وَلم أر من أخْشَى عَلَيْك وَاحْذَرْ) (وَقَالَ أنَاس يصغر الْحزن كلما ... تَمَادى وحزني الدَّهْر ينمى وَيكبر) (وَكنت صبورا عِنْد كل ملمة ... تلم فمذ أرديت عز التصبر) (كملت فوافتك الْمنون وَهَكَذَا ... يوافي الخسوف الْبَدْر أبان يبدر) الطَّوِيل وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ فِي غَرَض (تقربت بالإطراء بالشعر مُدَّة ... إِلَيْكُم وبالتنجيم والنحو والطب) (وأبدعت آلَات النُّجُوم وَغَيرهَا ... وأعربت عَمَّا اعتاص من لُغَة الْعَرَب) (وَحدثت أَخْبَار النَّبِي وَمَا أَتَى ... بِهِ الْحُكَمَاء الْقدَم قبلي فِي الْكتب) (وعاملتكم بِالصّدقِ فِيمَا أقوله ... وَلم آل جهدا فِي النَّصِيحَة وَالْحب) (فَلم اكْتسب شَيْئا سوى االبؤس والعنا ... وإنفاق عمري بئس ذَلِك من كسب) (بِكُل تداوينا فَلم يشف مَا بِنَا ... إِلَّا أَن بعد الدَّار خير من الْقرب)

стр. 703

(أَلا إِن بعد الدَّار لَيْسَ بضائر ... إِذا كَانَ من تغشاه لَيْسَ بِذِي لب) وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (قيل لي لم هجوت نجل فلَان ... الْكَلْب بل لم أوغلت فِيهِ المثاقب) (وأولو الْفضل لَا يرَوْنَ هجاء ... قطّ إِلَّا لذِي حجى ومناقب) (قلت إِنِّي سخطت يَوْمًا على ... شعري فقابلت بِهِ كالمعاقب) الْخَفِيف وأنشدني أَيْضا لنَفسِهِ (قَالُوا خليق بالطبيب بِأَن يرى ... بالطبع يعْدم رونقا وجمالا) (صدقُوا وَلَكِن لَا إِلَى حد بِهِ ... يُؤْذِي الْمَرِيض ويفزع الأطفالا) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أيا فَاعِلا خل التطبب واتئد ... فكم تقتل المرضى الْمَسَاكِين بِالْجَهْلِ) (فتركيب أجسام الْأَنَام مُؤَجل ... فَلم لَا كلاك الله تعجل بِالْحلِّ) (كَأَنَّك يَا هَذَا خلقت موكلا ... على رَجَعَ أَرْوَاح الْأَنَام إِلَى الأَصْل) (بهرت الوبا إِذْ قَتلك النَّاس دَائِما ... وَذَلِكَ فِي الأحيان يحدث فِي فصل) (كفى الوصب الْمِسْكِين شخصك قَاتلا ... إِذا عدته قبل التَّعَرُّض للْفِعْل) الطَّوِيل ولسديد الدّين بن رقيقَة من الْكتب كتاب لطف السَّائِل وتحف الْمسَائِل وَهَذَا الْكتاب قد نظم فِيهِ مسَائِل حنين كليات القانون لَا بن سينا رجزا ومعاني أخر ضَرُورِيَّة يحْتَاج إِلَيْهَا فِي صناعَة الطِّبّ وَشرح هَذَا الْكتاب وَله أَيْضا عَلَيْهِ حواش مفيدة كتاب مُوضحَة الِاشْتِبَاه فِي أدوية الباه كتاب الفريدة الشاهية وَالْقَصِيدَة الباهية وَهَذِه القصيدة صنعها بميافارقين فِي سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة للْملك الْأَشْرَف شاه أرمن مُوسَى بن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَذكر لي أَنه نظمها فِي يَوْمَيْنِ وَهِي بَيت وصنع لَهَا أَيْضا شرحا مستقصى بليغا فِي مَعْنَاهُ كتاب قانون الْحُكَمَاء وفردوس الندماء كتاب الْغَرَض الْمَطْلُوب فِي تَدْبِير الْمَأْكُول والمشروب مقَالَة مسَائِل وأجوبتها فِي الحميات أرجوزة فِي الفصد صَدَقَة السامري هُوَ صَدَقَة بن منجا بن صَدَقَة السامري من الأكابر فِي صناعَة الطِّبّ والمتميزين من أَهلهَا والأماثل من أَرْبَابهَا كَانَ كثير الِاشْتِغَال محبا للنَّظَر والبحث وافر الْعلم جيد الْفَهم قَوِيا فِي

стр. 704

الفلسفة حسن الدِّرَايَة لَهَا متقنا لغوامضها وَكَانَ يدرس صناعَة الطِّبّ وينظم متوسطا وَرُبمَا ضمنه ملحا من الْحِكْمَة وَأكْثر مَا كَانَ يَقُوله دوبيت وَله تصانيف فِي الْحِكْمَة وَفِي الطِّبّ وخدم الْملك الْأَشْرَف مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَبَقِي مَعَه سِنِين كَثِيرَة فِي الشرق إِلَى أَن توفّي فِي الْخدمَة وَكَانَ الْملك الْأَشْرَف يحترمه غَايَة الاحترام ويكرمه كل الْإِكْرَام ويعتمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَله مِنْهُ الجامكية الوافرة والصلات المتواترة وَتُوفِّي صَدَقَة بِمَدِينَة حران فِي سنة نَيف وَعشْرين وسِتمِائَة وَخلف مَالا جزيلا وَلم يكن لَهُ ولد وَمن كَلَامه مِمَّا نقلته من خطه قَالَ الصَّوْم منع الْبدن من الْغذَاء وكف الْحَواس عَن الخطاء والجوارح عَن الآثام وَهُوَ كف الْجَمِيع عَمَّا يلهي عَن ذكر الله وَقَالَ اعْلَم أَن جَمِيع الطَّاعَات ترى إِلَّا الصَّوْم لَا يرَاهُ إِلَّا الله فَإِنَّهُ عمل فِي الْبَاطِن بِالصبرِ الْمُجَرّد وللصوم ثَلَاث دَرَجَات صَوْم الْعُمُوم وَهُوَ كف الْبَطن والفرج عَن قَضَاء الشَّهْوَة وَصَوْم الْخُصُوص وَهُوَ كف السّمع وَالْبَصَر وَاللِّسَان وَسَائِر الْجَوَارِح عَن الآثام وَأما صَوْم خُصُوص الْخُصُوص فصوم الْقلب عَن الهمم الدنية والأفكار الدنياوية وكفه عَمَّا سوى الله تَعَالَى وَقَالَ مَا كَانَ من الرطوبات الْخَارِجَة من الْبَاطِن لَيْسَ مستحيلا وَلَيْسَ لَهُ مقرّ فَهُوَ طَاهِر كالدمع والعرق واللعاب والمخاط وَأما مَا لَهُ مقرّ وَهُوَ مُسْتَحِيل فَهُوَ نجس كالبول والروث وَقَالَ اعْلَم أَن الْوَزير مُشْتَقّ اسْمه من حمل الْوزر عَمَّن خدمه وَحمل الْوزر لَا يكون إِلَّا بسلامة من الْوَزير فِي خلقته وخلائقه أما فِي خلقته فَإِن يكون تَامّ الصُّورَة حسن الْهَيْئَة متناسب الْأَعْضَاء صَحِيح الْحَواس وَأما فِي خلائقه فَهُوَ أَن يكون بعيد الهمة سامي الرَّأْي ذكي الذِّهْن جيد الحدس صَادِق الفراسة رحب الصَّدْر كَامِل الْمُرُوءَة عَارِفًا بموارد الْأُمُور ومصادرها فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ أفضل عدد المملكة لِأَنَّهُ يصون الْملك عَن التبذل وَيَرْفَعهُ عَن الدناءة ويغوص لَهُ على الفرصة ومنزلته منزلَة الْآلَة الَّتِي يتَوَصَّل بهَا إِلَى نيل البغية ومنزلة السُّور الَّذِي يحرز الْمَدِينَة من دُخُول الآفة ومنزلة الْجَارِح الَّذِي يصيد لطعمة صَاحبه وَلَيْسَ كل أحد يصلح لهَذِهِ الْمنزلَة يصلح لكل سُلْطَان مَا لم يكن مَعْرُوفا بالإخلاص لمن خدمه والمحبة لمن استخصه والإيثار لمن قربه وَقَالَ صَبر الْعَفِيف ظريف وَمن شعره قَالَ (سلوه لما صدني تيها وَلم هجرا ... وأورث الجفن بعد الرقدة السهرا) (وَقد جفاني بِلَا ذَنْب وَلَا سَبَب ... وَقد وفيت بميثاقي فَلم غدرا) (يَا للرِّجَال قفوا واستشرحوا خبري ... مني فغيري لم يصدقكم خَبرا) (إِن لنت ذلا قسا عزا عَليّ وَإِن ... دانيته بَان أَو آنسته نَفرا)

стр. 705

(هَذَا هُوَ الْمَوْت عِنْدِي كَيفَ عنْدكُمْ ... هَيْهَات أَن يَسْتَوِي الصادي وَمن صَدرا) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (يَا وَارِثا عَن أَب وجد ... فَضِيلَة الطِّبّ والسداد) (وضامنا رد كل روح ... هَمت عَن الْجِسْم بالبعاد) (اقْسمْ لَو كَانَ طب دهرا ... لعاد كونا بِلَا فَسَاد) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (فَإِذا قَرَأت كَلَامه قدرته ... سحبان أَو يُوفي على سحبان) (لَو كَانَ شَاهده معد خاطبا ... أَو ذُو الفصاحة من بني قحطان) (لاقر كل طائعين بِأَنَّهُ ... أولاهم بفصاحة وَبَيَان) (رب الْعُلُوم إِذا أجال قداحه ... لم يخْتَلف فِي فوزهن اثْنَان) (ذُو فطنة فِي المشكلات وخاطر ... أمضى وأنفذ من شباة سِنَان) (فَإِذا تفكر عَالم فِي كتبه ... يَنْفِي التقى وشرائط الْإِيمَان) (أضحت وُجُوه الْحق فِي صفحاتها ... ترمي إِلَيْهِ بواضح الْبُرْهَان) (وَدلَالَة تجلو بطالع بشرها ... عز القرائح من ذَوي الأذهان) الْكَامِل وَوجدت بِخَطِّهِ أَيْضا فِي الْحَاشِيَة هَذَا الْبَيْت وَهُوَ متكرر القافية (من حجَّة ضمن الْوَفَاء بنصرها ... نَص الْقيَاس وواضح الْبُرْهَان) وَكَأَنَّهُ كتبه عوضا عَن الْبَيْت الَّذِي أَوله أضحت وُجُوه وَقَالَ يهجو (درى ومولاته وسيده ... حُدُود شكل الْقيَاس مَجْمُوعه) (وَالسَّيِّد فَوق الِاثْنَيْنِ منحمل ... والست تَحت الِاثْنَيْنِ مَوْضُوعه) (وَالْعَبْد مَحْمُول ذِي وحامل ذَا ... لحُرْمَة بَينهُنَّ مرفوعه) (ذَاك قِيَاس جَاءَت نتيجته ... قرينَة فِي دمشق مطبوعه) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (يَا ابْن قسيم أَصبَحت تنتحل ... النَّحْو ودعواك فِيهِ منحوله)

стр. 706

(أمك مَا بالها فَقل وأجب ... مَرْفُوعَة السَّاق وَهِي مَفْعُوله) (فاعلها الأير وَهُوَ منتصب ... مسَائِل قد آتتك مجهوله) (وَالْعين عطل وَعين عصعصها ... بِنُقْطَة الخصيتن مشكوله) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (شيخ لنا من عظمه داهيه ... مَا مثله فِي الْأُمَم الخاليه) (مهندس فِي طول أَيَّامه ... مَعَ قصره يبتلع الساريه) (مثلث يدعمه قَائِم ... لِأَنَّهُ منفرج الزاوية) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (يَا شمس علا بأبرج السعد تسير ... الْعَالم فِي عظم معالك يسير) (مَا زلت كَذَا ملكك بِالْعَدْلِ تسير ... فِينَا وَتَفُك بالندى كل أَسِير) دوبيت وَقَالَ أَيْضا (يَا سائلي عَن صِفَات مِنْهَا دائي ... اسْمَع نكتا وخلني مَعَ رائي) (فِي ريقتها سلافة الصَّهْبَاء ... فِي جبهتها كواكب الجوزاء) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (مَا لَاحَ لناظري من الْعين عُيُون ... إِلَّا وَجَرت من أدمعي فيض عُيُون) (غزلان نقا بَين أَرَاك وغصون ... أعرضن عني فزدن مَا بِي جُنُون) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (بِاللَّه عَلَيْكُمَا ألما وَسَلاهُ ... كم يقتلني ويحسب الْقلب سلاه) (قد أوعد بالوفا فَإِن خَان وفاه ... قبلت جَبينه وَعَيْنَيْهِ وفاه) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (الراح بَدَت بريحها الريحاني ... ثمَّ افتخرت بلطفها الروحاني) (لما سطعت بنورها النوراني ... رقت وصفت خلائق الْإِنْسَان) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (أنفي نكد الزَّمَان بالأقداح ... فالراح قوام جَوْهَر الْأَرْوَاح)

стр. 707

(فَمَا يفلح من يظل يَوْمًا صاحي ... أَو يسمع من زخارف النصاح) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (أطفئ نكد الْعَيْش بِمَاء وشراب ... فالدهر كَمَا ترى خيال وسراب) (واغنم زمن اللَّذَّة بَين الأتراب ... فالجسم مصيره كَمَا كَانَ تُرَاب) الدوبيت وَقَالَ أَيْضا (الراح هِيَ الرّوح فواصل يَا صَاح ... صفراء بلطفها تنَافِي الأتراح) (لَوْلَا شَبكَ يصيدها فِي الأقداح ... طارت فَرحا إِلَى مَحل الْأَرْوَاح) ولصدقة السامري من الْكتب شرح التَّوْرَاة كتاب النَّفس تعاليق فِي الطِّبّ ذكر فِيهَا الْأَمْرَاض وعلاماتها شرح كتاب الْفُصُول لأبقراط لم يتم مقَالَة فِي أسامي الْأَدْوِيَة المفردة مقَالَة أجَاب فِيهَا عَن مسَائِل طبية سَأَلَهُ عَنْهَا الأسعد الْمحلي الْيَهُودِيّ مقَالَة فِي التَّوْحِيد وسمها كتاب الْكَنْز فِي الْفَوْز كتاب الِاعْتِقَاد مهذب الدّين يُوسُف بن أبي سعيد ... هُوَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الصاحب الْوَزير مهذب الدّين يُوسُف بن أبي سعيد بن خلف السامري قد أتقن الصِّنَاعَة الطبية وتميز فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة واشتغل بِعلم الْأَدَب وَبلغ فِي الْفَضَائِل أَعلَى الرتب وَكَانَ كثير الْإِحْسَان غزير الامتنان فَاضل النَّفس صائب الحدس وَقَرَأَ صناعَة الطِّبّ على الْحَكِيم إِبْرَاهِيم السامري الْمَعْرُوف بشمس الْحُكَمَاء وَكَانَ هَذَا شمس الْحُكَمَاء فِي خدمَة الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف وَقَرَأَ أَيْضا على الشَّيْخ إِسْمَاعِيل بن أبي الْوَقار الطَّبِيب وَقَرَأَ على مهذب الدّين بن النقاش وَقَرَأَ الْأَدَب على تَاج الدّين النكدي أبي الْيمن وتميز فِي صناعَة الطِّبّ واشتهر بِحسن العلاج والمداواة وَمن حسن معالجاته أَنه كَانَت سِتّ الشَّام أُخْت الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب قد عرض لَهَا دوسنطاريا كبدية وَتَرْمِي كل يَوْم دَمًا كثيرا والأطباء يعالجونها بالأدوية الْمَشْهُورَة لهَذَا الْمَرَض من الْأَشْرِبَة وَغَيرهَا فَلَمَّا حضرها وجس نبضها قَالَ للْجَمَاعَة يَا قوم مَا دَامَت الْقُوَّة قَوِيَّة أعطوها الكافور ليصلح كَيْفيَّة هَذَا الْخَلْط الحاد الَّذِي فعل هَذَا الْفِعْل وَأمر بإحضار كافور قيصوري وسقاها مَعَ حليب بزر بقلة محمصة وشراب رمان وصندل فتقاصر عَنْهَا الدَّم وحرارة الكبد الَّتِي كَانَت وسقاها أَيْضا مِنْهُ ثَانِي يَوْم فَقل أَكثر ولاطفها بعد ذَلِك إِلَى أَن تَكَامل برؤها وصحلت وحَدثني بعض جمَاعَة الصاحب بن شكر وَزِير الْملك الْعَادِل قَالَ كَانَ قد عرض للصاحب ألم فِي ظَهره عَن برد

стр. 708

فَأتى إِلَيْهِ الْأَطِبَّاء فوصف بَعضهم مَعَ إصْلَاح الأغذية بغلي يسير جندبيدستر مَعَ زَيْت ويدهن بِهِ وَقَالَ آخر دهن بابونج ومصطكى فَقَالَ الْمصلحَة أَن يكون عوض هَذِه الْأَشْيَاء شَيْء ينفع مَعَ طيب رَائِحَة فأعجب الصاحب قَوْله وَأمر مهذب الدّين يُوسُف بإحضار غَالِيَة ودهن بَان فَحل ذَلِك على النَّار ودهن بِهِ الْموضع فَانْتَفع بِهِ وخدم مهذب الدّين يُوسُف بصناعة الطِّبّ لعز الدّين فرخشاه ابْن شاهان شاه بن أَيُّوب وَلما توفّي عز الدّين فرخشاه ﵀ وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الأولى سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة خدم بعده لوَلَده الْملك الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن عز الدّين فرخشاه بصناعة الطِّبّ وَأقَام عِنْده ببعلبك وحظي فِي أَيَّامه ونال من جِهَته من الْأَمْوَال وَالنعَم شَيْئا كثيرا وَكَانَ يستشيره فِي أُمُوره ويعتمد عَلَيْهِ فِي أَحْوَاله وَكَانَ الشَّيْخ مهذب الدّين حسن الرَّأْي وافر الْعلم جيد الْفطْرَة فَكَانَ يستصوب آراءه ويشكر مقاصده ثمَّ استوزره واشتغل بالوزارة وارتفع أمره وارتقت مَنْزِلَته عِنْده حَتَّى صَار هُوَ الْمُدبر لجَمِيع الدولة وَالْأَحْوَال بأسرها لَا تعدل عَن أمره وَنَهْيه وَلذَلِك قَالَ فِيهِ الشَّيْخ شهَاب الدّين فتيَان (الْملك الأمجد الَّذِي شهِدت ... لَهُ جَمِيع الْمُلُوك بِالْفَضْلِ) (أصبح فِي السامري مُعْتَقدًا ... مَا اعْتقد السامري فِي الْعجل) المنسرح أَنْشدني هذَيْن الْبَيْتَيْنِ شمس الدّين مُحَمَّد بن شهَاب الدّين فتيَان قَالَ أنْشد فيهمَا وَالِدي لنَفسِهِ أَقُول وَلم تزل أَحْوَال الشَّيْخ مهذب الدّين على سننها وعلو مَنْزِلَته على كيانها حَتَّى كثرت الشكاوي من أَهله وأقاربه السمرَة فَإِنَّهُ كَانَ قد جَاءَهُ إِلَى بعلبك جمَاعَة مِنْهُم من دمشق واستخدمهم فِي جَمِيع الْجِهَات وَكثر مِنْهُم العسف وَأكل الْأَمْوَال وَالْفساد وَكَانَ لَهُ الجاه العريض بالوزير مهذب الدّين السامري فَلَا يقدر أحد أَن يقاومهم بِالْجُمْلَةِ فَإِن الْملك الأمجد لما تحقق أَن الْأَمْوَال قد أكلوها وَكثر فسادهم ولامته الْمُلُوك فِي تَسْلِيم دولته للسمرة قبض على الْمُهَذّب السامري وعَلى جَمِيع السمرَة المستخدمين واستقصى مِنْهُم أَمْوَال عَظِيمَة وَبَقِي الْوَزير معتقلا عِنْده مُدَّة إِلَّا أَن لم يبْق لَهُ شَيْء يعْتد بِهِ ثمَّ أطلقهُ وَجَاء إِلَى دمشق ورأيته فِي دَاره وَلما جَاءَ من بعلبك وَكنت مَعَ أبي لنسلم عَلَيْهِ فَوَجَدته شَيخا حسنا فصيح الْكَلَام لطيف الْمعَانِي وَمَات بعد ذَلِك وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس مستهل صفر سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَمن شعر مهذب الدّين يُوسُف (إِن سَاءَنِي الدَّهْر يَوْمًا ... فَإِنَّهُ سر دهرا) (وَإِن دهاني بِمَال ... فقد تعوضت أجرا) (الله أغْنى وأقنى ... وَالْحَمْد لله شكرا) الْبَسِيط

стр. 709

ولمهذب الدّين يُوسُف بن أبي سعيد من الْكتب شرح التَّوْرَاة الصاحب أَمِين الدولة هُوَ الصاحب الْوَزير الْعَالم الْعَامِل الرئيس الْكَامِل أفضل الوزراء سيد الْحُكَمَاء إِمَام الْعلمَاء أَمِين الدولة أَبُو الْحسن بن غزال بن أبي سعيد كَانَ سامريا وَأسلم ولقب بِكَمَال الدّين وَكَانَ مهذب الدّين السامري عَمه وَكَانَ أَمِين الدولة هَذَا لَهُ الذكاء الَّذِي لَا مزِيد عَلَيْهِ وَالْعلم الَّذِي لَا يصل إِلَيْهِ والإنعام الْعَام وَالْإِحْسَان التَّام والهمم الْعَالِيَة والآلاء المتوالية وَقد بلغ من الصِّنَاعَة غاياتها وانْتهى إِلَى نهاياتها واشتمل على محصولها وأتقن معرفَة أُصُولهَا وفصولها حَتَّى قل عَنهُ المماثل وَقصر عَن إِدْرَاك معاليه كل فَاضل وكامل كَانَ أَولا عِنْد الْملك الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه ابْن عز الدّين فرخشاه بن أَيُّوب مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فِي الصِّنَاعَة الطبية وأعمالها مفوضا إِلَيْهِ أُمُور دولته وَأَحْوَالهَا وَلم يزل عِنْده إِلَى أَن توفّي الْملك الأمجد ﵀ وَذَلِكَ فِي دَاره بِدِمَشْق آخر نَهَار يَوْم الثُّلَاثَاء حادي عشر شهر شَوَّال سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَبعد ذَلِك اسْتَقل بالوزراة للْملك الصَّالح عماد الدّين أبي الْفِدَاء إِسْمَاعِيل ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب فساس الدولة أحسن السياسة وَبلغ فِي تَدْبِير المملكة نِهَايَة الرياسة وَثَبت قَوَاعِد الْملك وأيدها وَرفع مباني الْمَعَالِي وشيدها وجدد معالم الْعلم وَالْعُلَمَاء وأوجد من الْفضل مَا لم يكن لأحد من القدماء وَلم يزل فِي خدمَة الْملك الصَّالح وَهُوَ عالي الْقدر نَافِذ الْأَمر مُطَاع الْكَلِمَة كثير العظمة إِلَى أَن ملك دمشق الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل وَجعل نَائِبه بهَا الْأَمِير معِين الدّين بن شيخ الشُّيُوخ وَكَانَ لما ملك دمشق أعْطى الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بعلبك وَنقل إِلَيْهَا ثقله وَأَهله وَذَلِكَ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ أَمِين الدولة فِي مُدَّة وزارته يحب جمع المَال وَحصل لصَاحبه الْملك الصّلاح إِسْمَاعِيل أَمْوَالًا عَظِيمَة جدا من أهل دمشق وَقبض على كثير من أملاكهم وَكَانَ موافقه فِي ذَلِك قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق وَهُوَ رفيع الدّين الجيلي والنواب وَلما بلغ نَائِب السلطنة بِدِمَشْق وَهُوَ الْأَمِير معِين الدّين بن شيخ الشُّيُوخ والوزير جمال الدّين بن مطروح بِدِمَشْق وأكابر الدولة مَا وصل إِلَى أَمِين الدولة من الْأَمْوَال قصدُوا أَن يقبضوا عَلَيْهِ ويستصفوا أَمْوَاله فعملوا لَهُ مكيدة وَهِي أَنهم استحضروه وعظموه وَقَامُوا لَهُ لما أَتَى وَلما اسْتَقر فِي الْمجْلس قَالُوا لَهُ إِن أردْت أَن تقيم بِدِمَشْق فابق كَمَا أَنْت وَإِن أردْت أَن تتَوَجَّه إِلَى صَاحبك ببعلبك فافعل فَقَالَ لَا وَالله أروح إِلَى مخدومي وأكون عِنْده ثمَّ إِنَّه خرج وَجمع أَمْوَاله وذخائره

стр. 710

وحواصله وَجَمِيع مَا يملكهُ حَتَّى الأثاث وَحصر دوره وَجمع الْجَمِيع على عدَّة بغال وَتوجه قَاصِدا إِلَى بعلبك وَلما صَار ظَاهر دمشق قبض عَلَيْهِ وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ مَعَه واحتيط على أملاكه واعتقل وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي شهر رَجَب سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة ثمَّ سير إِلَى الديار المصرية تَحت الحوطة وأودع السجْن فِي قلعة الْقَاهِرَة مَعَ جمَاعَة أخر من أَصْحَاب الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَلما كَانَ بعد ذَلِك بِزَمَان وَتُوفِّي الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بِمصْر فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَجَاء الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد من حلب وَملك دمشق وَذَلِكَ فِي يَوْم الْأَحَد ثامن شهر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة صَار مَعَه الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وملوك الشَّام وَتوجه إِلَى مصر ليأخذها فَخرجت عَسَاكِر مصر وَكَانَ ملك مصر يَوْمئِذٍ الْملك الْمعز عز الدّين أيبك التركماني كَانَ قد تملك بعد وَفَاة أستاذه الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب والتقوا فَكَانَت أول الكسرة على عَسْكَر مصر ثمَّ عَادوا وكسروا عَسْكَر الشَّام وَقبض على الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَجَمَاعَة كَثِيرَة من الْمُلُوك والأمراء وحبسوا جَمِيعهم فِي مصر ثمَّ أطلق بَعضهم فِيمَا بعد وَأما الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ وَقيل إِنَّه خنق بِوتْر حَدثنِي الْأَمِير سيف الدّين المشد عَليّ بن عمر ﵀ قَالَ لما سمع الْوَزير أَمِين الدولة فِي قلعة الْقَاهِرَة بِأَن مُلُوك الشَّام قد كسروا عَسْكَر مصر وَوصل الْخَبَر إِلَيْهِم بذلك من بلبيس قَالَ أَمِين الدولة لصَاحب الْآمِر فِي القلعة دَعْنَا نخرج فِي القلعة حَتَّى تطلع الْمُلُوك وتبصر أيش تعْمل مَعَك من الْخَيْر فاطمعته نَفسه وأخرجهم وَكَانُوا فِي ذَلِك الْموضع فِي الْحَبْس ثَلَاثَة من أَصْحَاب الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وزيره أَمِين الدولة وأستاذ دَاره نَاصِر الدّين بن يغمور وأمير كردِي يُقَال لَهُ سيف الدّين فَقَالَ الْكرْدِي لَهُم يَا قوم لَا تستعجلوا مواضعكم فَإِن كَانَ الْأَمر صَحِيحا فمصير أستاذنا يخرجنا ويعيدنا إِلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ وَيحسن إِلَيْنَا ونخلف وَإِن كَانَ الْأَمر غير صَحِيح فنكون فِي موضعنا لم نخرج مِنْهُ فَهُوَ أسلم لنا فَلم يقبلُوا مِنْهُ وَخرج الْوَزير وناصر الدّين بن يغمور وبسطوا مَوَاضِع فِي القلعة وَأمرُوا ونهوا وَلما صَحَّ الْخَبَر بعكس مَا أَملوهُ أَمر عز الدّين التركماني لما طلع القلعة بقتل نَاصِر الدّين بن يغمور فَقتل وَأمر بشنق الْوَزير فشنقوه وَحكى لي من رَآهُ لما شنق وَأَنه كَانَ عَلَيْهِ قندورة عنابي خضراء وسرموزة فِي رجلَيْهِ وَلم ينظر مشنوقا فِي رجلَيْهِ سرموزة سواهُ وَأما رفيقهم الْكرْدِي فَأَطْلقهُ وخلع عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ خيرا أَقُول وأعجب مَا أَتَى من الْأَحْكَام النجومية فِيمَا يتَعَلَّق بِهَذَا الْمَعْنى مَا حَكَاهُ الْأَمِير نَاصِر الدّين زكري الْمَعْرُوف بِابْن عليمة وَكَانَ من جمَاعَة الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب قَالَ لما حبس الصاحب أَمِين الدولة أرسل إِلَى منجم فِي مصر لَهُ خبْرَة بَالِغَة فِي علم النُّجُوم وإصابات لَا تكَاد تخرم فِي أَحْكَامهَا

стр. 711

وَسَأَلَهُ مَا يكون من حَاله وَهل يخلص من الْحَبْس قَالَ فَلَمَّا وصلت الرسَالَة إِلَيْهِ أَخذ ارْتِفَاع الشَّمْس للْوَقْت وحقق دَرَجَة الطالع والبيوت الاثْنَي عشر ومركز الْكَوَاكِب ورسم ذَلِك كُله فِي تخت الْحساب وَحكم بِمُقْتَضَاهُ فَقَالَ يخلص هَذَا من الْحَبْس وَيخرج مِنْهُ وَهُوَ فرحان مسرور وتلحظه السَّعَادَة أَن يبْقى لَهُ أَمر مُطَاع فِي الدولة بِمصْر ويمتثل أمره وَنَهْيه جمَاعَة من الْخلق فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ الْجَواب بذلك فَرح بِهِ وعندما وَصله مَجِيء الْمُلُوك وَأَن النَّصْر لَهُم خرج وأيقن أَن يبْقى وزيرا بِمصْر وَتمّ لَهُ مَا ذكره المنجم من الْخُرُوج من الْحَبْس والفرح وَالْأَمر وَالنَّهْي وَصَارَ لَهُ أَمر مُطَاع فِي ذَلِك الْيَوْم وَلم يعلم أَمِين الدولة مَا يجْرِي عَلَيْهِ بعد ذَلِك وَأَن الله قد أنفذ مَا جعله عَلَيْهِ مَقْدُورًا وَكَانَ ذَلِك فِي الْكتاب مسطورا وَكَانَ للصاحب أَمِين الدولة نفس فاضلة وهمة عالية فِي جمع الْكتب وتحصيلها واقتنى كتبا كَثِيرَة فاخرة فِي سَائِر الْعُلُوم وَكَانَت النساخ أبدا يَكْتُبُونَ لَهُ حَتَّى أَنه أَرَادَ مرّة نُسْخَة من تَارِيخ دمشق لِلْحَافِظِ ابْن عَسَاكِر وَهُوَ بالخط الدَّقِيق ثَمَانُون مجلدا فَقَالَ هَذَا الْكتاب الزَّمن يقصر أَن يَكْتُبهُ نَاسخ وَاحِد ففرقه على عشرَة نساخ كل وَاحِد مِنْهُم ثَمَان مجلدات فكتبوه فِي نَحْو سنتَيْن وَصَارَ الْكتاب بِكَمَالِهِ عِنْده وَهَذَا من علو همته وَلما كَانَ ﵀ بِدِمَشْق وَهُوَ فِي دست وزارته فِي أَيَّام الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل وَكَانَ أبي صديقه وَبَينهمَا مَوَدَّة فَقَالَ لَهُ يَوْمًا سديد الدّين بَلغنِي أَن ابْنك قد صنف كتابا فِي طَبَقَات الْأَطِبَّاء مَا سبق إِلَيْهِ وَجَمَاعَة الْأَطِبَّاء الَّذين يأْتونَ إِلَيّ شاكرين مِنْهُ وَهَذَا الْكتاب جليل الْقدر وَقد اجْتمع عِنْدِي فِي خزانتي أَكثر من عشْرين ألف مُجَلد مَا فِيهَا شَيْء من هَذَا الْفَنّ وأشتهي مِنْك أَن تبْعَث إِلَيْهِ يكْتب لي نُسْخَة من هَذَا الْكتاب وَكنت يَوْمئِذٍ بصرخد عِنْد مَالِكهَا الْأَمِير عز الدّين أيبك المعظمي فامتثل أمره وَلما وصلني كتاب أبي أتيت إِلَى دمشق واستصحبت معي مسودات من الْكتاب واستدعيت الشريف النَّاسِخ وَهُوَ شمس الدّين مُحَمَّد الْحُسَيْنِي وَكَانَ كثيرا ينْسَخ لنا وخطه مَنْسُوب فِي نِهَايَة الْجَوْدَة وَهُوَ فَاضل فِي الْعَرَبيَّة فأخليت لَهُ موضعا عندنَا وَكتب الْكتاب فِي مُدَّة يسيرَة فِي تقطيع ربع الْبَغْدَادِيّ أَرْبَعَة أَجزَاء وَلما تجلدت عملت قصيدة مديح فِي الصاحب أَمِين الدولة وَبعثت بِالْجَمِيعِ إِلَيْهِ مَعَ قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق رفيع الدّين الجيلي وَهُوَ من جملَة الْمَشَايِخ الَّذين اشتغلت عَلَيْهِم فَإِنِّي قَرَأت عَلَيْهِ شَيْئا من كتاب الإشارات والتنبيهات لِابْنِ سينا وَكَانَ بيني وَبَينه أنس كثير وَلما وقف أَمِين الدولة على ذَلِك أعجبه غَايَة الْإِعْجَاب وَفَرح بِهِ كثيرا وَأرْسل إِلَيّ مَعَ القَاضِي المَال الجزيل وَالْخلْع الفاخرة وتشكر وَقَالَ أشتهي مِنْك أَن كلما تصنفه من الْكتب تعرفنِي بِهِ وَهَذِه نُسْخَة القصيدة الَّتِي قلتهَا فِيهِ وَذَلِكَ فِي أَوَائِل سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وسِتمِائَة (فُؤَادِي فِي محبتهم أَسِير ... وأنى سَار ركبهمْ يسير) (يحن إِلَى العذيب وساكنيه ... حنينا قد تضمنه سعير)

стр. 712

(ويهوى نسمَة هبت سحيرا ... بهَا من طيب نشرهم عبير) (وَإِنِّي قَانِع بعد التداني ... بطيف من خيالهم يزور) (ومعسول اللمى مر التجني ... يجور على الْمُحب وَلَا يجير) (تصدى للصدود فَفِي فُؤَادِي ... بوافر هجره أبدا هجير) (وَقد وصلت جفوني فِيهِ سهدي ... فَمَا هذي القطيعة والنفور) (كَأَن قوامه غُصْن رطيب ... وطلعة وَجهه بدر مُنِير) (يرى نشوان من خمر التصابي ... يميد وَفِي لواحظه فتور) (فَفِي وجناته لِلْحسنِ روض ... وَفِي خدي من دمعي غَدِير) (وَكم زمن أرَاهُ قد تعدى ... عَليّ وإنني فِيهِ صبور) (وحالي مَعَ بنيه غير حَال ... وسري لَا يمازجه سرُور) (وَأَن أَشْكُو الزَّمَان فَإِن ذخري ... أَمِين الدولة الْمولى الْوَزير) (كريم أريحي ذُو أياد ... تعم كَمَا همى الجون المطير) (تسامى فِي سَمَاء الْمجد حَتَّى ... تأثر تَحت أَخْمُصُهُ الْأَثِير) (وَهل شعر يعبر عَن علاهُ ... وَدون مَحَله الشعرى العبور) (لَهُ أَمر وَعدل مُسْتَمر ... بِهِ فِي الْخلق تعتدل الْأُمُور) (فَفِي الْأَزْمَان للعافي مبر ... وَفِي العزمات للعادي مبير) (لقد فاق الْأَوَائِل فِي الْمَعَالِي ... وَكم من أول فاق الْأَخير) (يطول الْعَالمين بِكُل علم ... وَيقصر عَنهُ فِي رَأْي قصير) (وَقد صلحت بِهِ الدُّنْيَا ودانت ... لصالحها الْمَدَائِن والثغور) (أيا من عَم أنعاما وَيَا من ... لَهُ الأفضال وَالْفضل الغزير) (لقد أَحييت ميت الْعلم حَتَّى ... تبين فِي الْوُجُود لَهُ نشور) (وأوردت الْأَنَام بحار جود ... وَقد كَادَت مناهلها تغور) (وَكم فِي الطِّبّ من معنى خَفِي ... بشرح مِنْك عَاد لَهُ ظُهُور) (وَقد قَاس الرئيس إِلَيْك يَوْمًا ... يجده إِلَيْك مرؤوسا يصير) (وَهل يحكيك فِي لفظ وَفضل ... وَمَا لَك فيهمَا أبدا نَظِير) (وَقد أرْسلت تأليفا ليبقى ... على اسْمك لَا تغيره الدهور) (فريد مَا سبقت إِلَيْهِ قدما ... ومولانا بِذَاكَ هُوَ الْخَبِير) (وَلَكِن فِي علومك فَهُوَ يهدى ... كَمَا تهدى إِلَى هجر التمور)

стр. 713

(وحاشا أَن أبكار الْمَعَالِي ... إِذا زفت إِلَى الْمولى تبور) (وَإِن تَكُ زلَّة أبديت فِيهِ ... فَعَن أَمْثَالهَا أَنْت الغفور) الوافر ونقلت من خطّ الشَّيْخ موفق الدّين هبة الله أبي الْقَاسِم بن عبد الْوَهَّاب بن مُحَمَّد بن عَليّ الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن النّحاس من أَبْيَات كتبهَا إِلَى الصاحب أَمِين الدولة يطْلب مِنْهُ خطا وعده بِهِ الْملك الأمجد وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَعشْرين وسِتمِائَة (وعدت بالخط فَأرْسل مَا وعدت بِهِ ... يَا من لَهُ نعم تترى بِلَا منن) (من يفعل الْخَيْر يجن كل مكرمَة ... وَيَشْتَرِي مدحا تتلى بِلَا ثمن) (خطا يزيدك حظا كلما صدحت ... وَرْقَاء فِي شجر يَوْمًا على فنن) الْبَسِيط وأنشدني شرف الدّين إِسْمَاعِيل بن عبد الله بن عمر الْكَاتِب الْمَعْرُوف بِابْن قَاضِي الْيمن لنَفسِهِ قصيدة كتبهَا إِلَى الصاحب أَمِين الدولة من جُمْلَتهَا (نالني من زماني التَّغْيِير ... ومحا صفو لَذَّة التكدير) (كَانَ عيشي يظل حلوا وَقد عَاد ... بجور الزَّمَان وَهُوَ مرير) (ونأى من أحب لم يلو عطفا ... فبقلبي للهجر مِنْهُ هجير) (ورجوت الشفاه من دَاء سقم ... شفني فَهُوَ فِي حشاي سعير) (قَالَ لي قَائِل وَقد أعضل الدَّاء ... وَعزا الدوا وعاز المشير) (كَيفَ تَشْكُو الآلام أَو يعضل الدَّاء ... على الْجِسْم والطبيب الْوَزير) (أقصد الصاحب الْوَزير وَلَا ... تخش فإحسانه عميم غزير) (وَإِذا الدَّاء خيف مِنْهُ تلافا ... لَيْسَ يشفي إِلَى الْحَكِيم الْبَصِير) (سيد صَاحب أريب حَكِيم ... عَالم ماجد وَزِير كَبِير) (منقذ منصف لطيف رؤوف ... محسن مُؤثر كريم أثير) الْخَفِيف وَمن شعر الصاحب أَمِين الدولة قَالَ وَكتب بِهِ فِي كتاب إِلَى برهَان الدّين وَزِير الْأَمِير عز الدّين المعظمي تَعْزِيَة لبرهان الدّين فِي وَلَده الْخَطِيب شرف الدّين عمر (قولا لهَذَا السَّيِّد الْمَاجِد ... قَول حَزِين مثله فَاقِد) (لَا بُد من فقد وَمن فَاقِد ... هَيْهَات مَا فِي النَّاس من خَالِد) (كن المعزي لَا المعزى بِهِ ... إِن كَانَ لَا بُد من الْوَاحِد) السَّرِيع

стр. 714

وللصاحب أَمِين الدولة من الْكتب كتاب النهج الْوَاضِح فِي الطِّبّ وَهُوَ من أجل كتاب صنف فِي الصِّنَاعَة الطبية وَأجْمع لقوانينها الْكُلية والجزئية وَهُوَ يَنْقَسِم إِلَى كتب خَمْسَة الْكتاب الأول فِي ذكر الْأُمُور الطبيعية والحالات الثَّلَاث للأبدان وأجناس الْأَمْرَاض وعلائم الأمزجة المعتدلة والطبيعية والصحية للأعضاء الرئيسية وَمَا يقرب مِنْهَا ولأمور غَيرهَا شَدِيدَة النَّفْع يصلح أَن تذكر فِي هَذَا الْموضع ويتبعها بالنبض وَالْبَوْل وَالْبرَاز والبحران الْكتاب الثَّانِي فِي الْأَدْوِيَة المفردة وقواها الْكتاب الثَّالِث فِي الْأَدْوِيَة المركبة ومنافعها الْكتاب الرَّابِع فِي تَدْبِير الأصحاء وعلاج الْأَمْرَاض الظَّاهِرَة وأسبابها وعلائمها وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من عمل الْيَد فِيهَا وَفِي أَكثر الْمَوَاضِع وَيذكر فِيهِ أَيْضا تَدْبِير الزِّينَة وتدبير السمُوم الْكتاب الْخَامِس فِي ذكر الْأَمْرَاض الْبَاطِنَة وأسبابها وعلائمها وعلاجها وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من عمل الْيَد مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ هُوَ شَيخنَا الإِمَام الصَّدْر الْكَبِير الْعَالم الْفَاضِل مهذب الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن عَليّ بن حَامِد وَيعرف بالدخوار وَكَانَ ﵀ أوحد عصره وفريد دهره وعلامة زَمَانه وَإِلَيْهِ انْتَهَت رياسة صناعَة الطِّبّ ومعرفتها على مَا يَنْبَغِي وَتَحْقِيق كلياتها وجزئياتها وَلم يكن فِي اجْتِهَاده من يجاريه وَلَا فِي علمه من يماثله أتعب نَفسه فِي الِاشْتِغَال وكد خاطره فِي تَحْصِيل الْعلم حَتَّى فاق أهل زَمَانه فِي صناعَة الطِّبّ وحظي عِنْد الْمُلُوك ونال من جهتهم من المَال والجاه مَا لم ينله غَيره من الْأَطِبَّاء إِلَى أَن توفّي وَكَانَ مولده ومنشؤه بِدِمَشْق وَكَانَ أَبوهُ عَليّ بن حَامِد كحالا مَشْهُورا وَكَذَلِكَ كَانَ أَخُوهُ وَهُوَ حَامِد بن عَليّ كحالا وَكَانَ الْحَكِيم مهذب الدّين أَيْضا فِي مبدأ أمره يكحل وَهُوَ مَعَ ذَلِك مواظب على الِاشْتِغَال والنسخ وَكَانَ خطه مَنْسُوبا وَكتب كتبا كَثِيرَة بِخَطِّهِ وَقد رَأَيْت مِنْهَا نَحْو مائَة مُجَلد أَو أَكثر فِي الطِّبّ وَغَيره واشتغل بِالْعَرَبِيَّةِ على الشَّيْخ تَاج الدّين الْكِنْدِيّ أبي الْيمن وَلم يزل مُجْتَهدا فِي تَحْصِيل الْعُلُوم وملازمة الْقِرَاءَة وَالْحِفْظ حَتَّى فِي أَوْقَات خدمته وَهُوَ فِي سنّ الكهولة وَكَانَ فِي أول اشْتِغَاله بصناعة الطِّبّ قد قَرَأَ شَيْئا من الْمَكِّيّ على الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي ﵀ ثمَّ بعد ذَلِك لَازم موفق الدّين بن المطران وتتلمذ لَهُ واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وَلم يزل ملازما لَهُ فِي أَسْفَاره وحضره إِلَى أَن تميز وَمهر واشتغل بعد ذَلِك أَيْضا على فَخر الدّين المارديني لما ورد إِلَى دمشق فِي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة بِشَيْء من القانون لِابْنِ سينا وَكَانَ فَخر الدّين المارديني كثير الدِّرَايَة لهَذَا الْكتاب وَالتَّحْقِيق لمعانيه وخدم الْحَكِيم مهذب الدّين الْملك الْعَادِل أَبَا بكر بن أَيُّوب بصناعة الطِّبّ وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَنه فِي أول أمره كَانَ يعاني صناعَة الْكحل ويحاول أَعمالهَا وخدم بهَا فِي البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه وَوَقفه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ثمَّ بعد ذَلِك لما اشْتغل على ابْن المطران ورسم بصناعة الطِّبّ أطلق لَهُ الصاحب صفي الدّين بن شكر وَزِير الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب جامكية على الطِّبّ وخدم بهَا وَهُوَ مَعَ ذَلِك يشْتَغل ويتزيد فِي الْعلم وَالْعَمَل وَلَا

стр. 715

يخل بِخِدْمَة الصاحب صفي الدّين بن شكر والتردد إِلَيْهِ وَعرف الصاحب مَنْزِلَته فِي صناعَة الطِّبّ وَعلمه وفضله وَلما كَانَ فِي شهر شَوَّال سنة أَربع وسِتمِائَة كَانَ الْملك الْعَادِل قد قَالَ للصاحب بن شكر نُرِيد أَن يكون مَعَ الْحَكِيم موفق الدّين عبد الْعَزِيز حَكِيم آخر برسم خدمَة الْعَسْكَر والتردد إِلَيْهِم فِي أمراضهم فَإِن الْحَكِيم عبد الْعَزِيز مَا يلْحق لذَلِك فامتثل أمره وَقَالَ هَهُنَا حَكِيم فَاضل فِي صناعَة الطِّبّ يُقَال لَهُ الْمُهَذّب الدخوار يصلح أَن يكون فِي خدمَة مَوْلَانَا فَأمره باستخدامه وَلما حضر مهذب الدّين عِنْد الصاحب قَالَ لَهُ إِنِّي شكرتك للسُّلْطَان وَهَذِه ثَلَاثُونَ دِينَارا ناصرية لَك فِي كل شهر وَتَكون فِي الْخدمَة فَقَالَ يَا مَوْلَانَا الْحَكِيم موفق الدّين عبد الْعَزِيز لَهُ فِي كل شهر مائَة دِينَار ورواتب مثلهَا وَأَنا أعرف منزلتي فِي الْعلم وَمَا أخدم بِدُونِ مقرره وانفصل عَن الصاحب وَلم يقبل ثمَّ أَن الْجَمَاعَة ذمت مهذب الدّين على امْتِنَاعه وَمَا بَقِي يُمكنهُ أَن يعاود الصاحب ليخدم وَكَانَ مقرره فِي البيمارستان شَيْء يسير وَاتفقَ الْمَقْدُور أَن بعد ذَلِك الحَدِيث بِنَحْوِ شهر وَكَانَ يعاود الْمُوفق عبد الْعَزِيز قولنج صَعب فَعرض لَهُ وتزايد بِهِ وَمَات مِنْهُ وَلما بلغ الْملك الْعَادِل مَوته قَالَ للصاحب كنت قد شكرت لنا حكيما يُقَال لَهُ الْمُهَذّب نزله على مُقَرر الْمُوفق عبد الْعَزِيز فتنزل على جَمِيع مقرره وَاسْتمرّ فِي خدمَة الْملك الْعَادِل من ذَلِك الْوَقْت ثمَّ لم تزل تسمو مَنْزِلَته عِنْده وتترقى أَحْوَاله حَتَّى صَار جليسه وأنيسه وَصَاحب مشورته وَظهر أَيْضا مِنْهُ فِي أول خدمته لَهُ نَوَادِر فِي تقدمة الْمعرفَة أكدت حسن ظَنّه بِهِ واعتماده عَلَيْهِ وَمن ذَلِك أَن الْملك الْعَادِل كَانَ قد مرض ولازمه أَعْيَان الْأَطِبَّاء فَأَشَارَ الْحَكِيم مهذب الدّين عَلَيْهِ بالفصد فَلم يستصوب ذَلِك الْأَطِبَّاء الَّذين كَانُوا مَعَه فَقَالَ وَالله لم نخرج لَهُ دَمًا إِلَّا خرج الدَّم بِغَيْر اختيارنا وَلم يوافقوه فِي قَوْله فَمَا كَانَ بعد ذَلِك بأيسر وَقت إِلَّا وَالسُّلْطَان قد رعف رعافا كثيرا وَصلح فَعرف أَن مَا فِي الْجَمَاعَة مثله وَمن ذَلِك أَيْضا أَنه كَانَ يَوْمًا على بَاب دَار السُّلْطَان وَمَعَهُ جمَاعَة من أطباء الدّور فَخرج خَادِم وَمَعَهُ قَارُورَة جَارِيَة يستوصف لَهَا من شَيْء يؤلمها فَلَمَّا رَآهَا الْأَطِبَّاء وصفوا لَهَا مَا حضرهم وعندما عاينها الْحَكِيم مهذب الدّين قَالَ إِن هَذَا الْأَلَم الَّذِي تشكوه لم يُوجب هَذَا الصَّبْغ الَّذِي للقارورة يُوشك أَنه يكون الصَّبْغ من حناء قد اختضبت بِهِ فَأعلمهُ الْخَادِم بذلك وتعجب مِنْهُ وَأخْبر الْملك الْعَادِل فتزيد حسن اعْتِقَاده فِيهِ وَمن محَاسِن مَا فعله الشَّيْخ مهذب الدّين من كَمَال مروءته ووافر عصبيته حَدثنِي أبي قَالَ كَانَ الْملك الْعَادِل قد غضب على قَاضِي الْقُضَاة محيي الدّين بن زكي الدّين بِدِمَشْق لأمر نقم عَلَيْهِ بِهِ وَأمر باعتقاله فِي القلعة ورسم عَلَيْهِ أَن يزن للسُّلْطَان عشرَة آلَاف دِينَار مصرية وشدد عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَبَقِي فِي الْحَبْس والمطالبة عَلَيْهِ كل وَقت فوزن الْبَعْض وَعجز الْبَعْض وَعجز عَن وزن بَقِيَّة المَال وَعظم الْملك الْعَادِل عَلَيْهِ الْأَمر وَقَالَ لَا بُد أَن يزن بَقِيَّة المَال وَإِلَّا عَذبته فتحير القَاضِي وأبلغ جَمِيع موجوده وأثاث بَيته حَتَّى الْكتب الَّتِي لَهُ وتوسل إِلَى السُّلْطَان وَتشفع بِكَثِير من الْأُمَرَاء والخواص والأكابر مثل الشميس أستاذ الدَّار وشمس الْخَواص صَوَاب والوزير وَغَيرهم أَن يسامحه بِالْبَعْضِ أَو يسْقط عَلَيْهِ فَمَا

стр. 716

فعل السُّلْطَان وَحمل القَاضِي هما عَظِيما على ذَلِك حَتَّى قل أكله ونومه وَكَاد يهْلك فافتقده الْحَكِيم مهذب الدّين وَكَانَ بَينهمَا صداقة قديمَة وشكا إِلَيْهِ حَاله وَسَأَلَهُ المساعدة بِحَسب مَا يقدر عَلَيْهِ ففكر مهذب الدّين وَقَالَ أَنا أدبر لَك أمرا وَأَرْجُو أَن يكون فِيهِ نفع لَك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وفارقه وَكَانَت سَرِيَّة الْملك الْعَادِل أم الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل بن الْملك الْعَادِل متغيرة المزاج فِي تِلْكَ الْأَيَّام وَكَانَت تركية الْجِنْس وَعِنْدهَا عقل وَدين وَصَلَاح وَلها مَعْرُوف كثير وصدقات فَلَمَّا حضر الْحَكِيم مهذب الدّين عِنْدهَا وزمام الدّور أوجدها مهذب الدّين حَال القَاضِي وضرره وَأَنه مظلوم وَقد ألزمهُ السُّلْطَان بِشَيْء لَا يقدر عَلَيْهِ وَطلب مِنْهَا شَفَاعَة لَعَلَّ السُّلْطَان ينظر إِلَيْهِ بِعَين الرَّحْمَة ويسامحه بِالْبَعْضِ أَو يقسط عَلَيْهِ وساعده الزِّمَام فِي ذَلِك فَقَالَت وَالله كَيفَ لي بِالْخَيرِ للْقَاضِي وَأَن أَقُول للسُّلْطَان عَنهُ وَلَكِن مَا يُمكن هَذَا فَإِن السُّلْطَان يَقُول لي أيش الْمُوجب أَنَّك تتكلمي فِي القَاضِي وَمن أَيْن تعرفيه وَلَو كَانَ هُوَ فِي الْمثل حَكِيم يتَرَدَّد إِلَيْنَا أَو تَاجر يَشْتَرِي لنا القماش كَانَ فِيهِ توجه للْكَلَام والشفاعة وَهَذَا فَمَا يُمكن أَتكَلّم فِيهِ فَقَالَ لَهَا الْحَكِيم يَا ستي أَنْت لَك ولد وَمَالك غَيره وتطلبي لَهُ السَّعَادَة والبقاء وتلقي من الله كل خير بِشَيْء تقدري تفعليه وَمَا تقولي للسُّلْطَان شَفَاعَة أصلا فَقَالَت أيش هُوَ فَقَالَ وَقت يكون السُّلْطَان وَأَنْتُم نيام توجديه أَنَّك أَبْصرت مناما فِي أَن القَاضِي مظلوم وَعرفهَا مَا تَقول هَذَا يُمكن وَلما تكاملت عَافِيَتهَا وَكَانَ الْملك الْعَادِل نَائِما عِنْدهَا وَهِي إِلَى جَانِبه انْتَبَهت فِي أَوَاخِر اللَّيْل وأظهرت أَنَّهَا مرعوبة وَأَمْسَكت فؤادها وَبقيت ترتعد وتتباكى فانتبه السُّلْطَان وَقَالَ مَالك وَكَانَ يُحِبهَا كثيرا فَلم تجبه مِمَّا بهَا فَأمر بإحضار شراب تفاح وسقاها ورش على وَجههَا مَاء ورد وَقَالَ أما تخبريني أيش جرى عَلَيْك وأيش عرض لَك فَقَالَت يَا خوند مَنَام عَظِيم هالني وكدت أَمُوت مِنْهُ وَهُوَ أنني رَأَيْت كَأَن الْقِيَامَة قد قَامَت وَخلق عَظِيم وَكَانَ فِي مَوضِع بِهِ نيران كَثِيرَة تشعل وناس يَقُولُونَ هَذَا للْملك الْعَادِل لكَونه ظلم القَاضِي ثمَّ قَالَت هَل فعلت قطّ بِالْقَاضِي شَيْئا فَمَا شكّ فِي قَوْلهَا وانزعج ثمَّ قَامَ لوقته وَطلب الخدام وَقَالَ امضوا إِلَى القَاضِي وطيبوا قلبه وسلموا عَلَيْهِ عني وَقُولُوا لَهُ يَجْعَلنِي فِي حل مِمَّا تمّ عَلَيْهِ وَأَن جَمِيع مَا وَزنه يُعَاد إِلَيْهِ وَمَا أطالبه بِشَيْء فراحوا إِلَيْهِ وَفَرح القَاضِي غَايَة الْفَرح بقَوْلهمْ ودعا للسُّلْطَان وَجعله فِي حل وَلما أصبح أَمر لَهُ بخلعة كَامِلَة وَبغلة وَأَعَادَهُ إِلَى الْقَضَاء وَأمر بِالْمَالِ الَّذِي وَزنه أَن يحمل إِلَيْهِ من الخزانة وَأَن جَمِيع مَا بَاعه من الْكتب وَغَيرهَا تسترجع من المشترين لَهَا ويعطوا الثّمن الَّذِي وزنوه وَحصل للْقَاضِي الْفرج بِأَهْوَن سعي وألطف تَدْبِير قَالَ وَلما كَانَ الْملك الْعَادِل بالشرق وَذَلِكَ فِي سنة عشر وسِتمِائَة مرض مَرضا صعبا وَتَوَلَّى علاجه الْحَكِيم مهذب الدّين إِلَى أَن برِئ مِمَّا كَانَ بِهِ فَحصل لَهُ مِنْهُ فِي تِلْكَ المرضة نَحْو سَبْعَة آلَاف دِينَار مصرية وَبعث إِلَيْهِ أَيْضا أَوْلَاده الْملك الْعَادِل وَسَائِر مُلُوك الشرق وَغَيرهم الذَّهَب وَالْخلْع والبغلات بأطواق الذَّهَب وَغير ذَلِك وَكَذَلِكَ توجه الْملك الْعَادِل إِلَى الديار المصرية فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وسِتمِائَة وَأقَام بِالْقَاهِرَةِ أَتَى فِي ذَلِك الْوَقْت وباء عَظِيم إِلَى أَن هلك أَكثر الْخلق وَكَانَ قد مرض الْملك

стр. 717

الْكَامِل ابْن الْملك الْعَادِل وَمرض كثير من خواصه وَهُوَ صَاحب الديار المصرية فعالجه بألطف علاج إِلَى أَن برِئ وَحصل لَهُ أَيْضا من الذَّهَب وَالْخلْع والعطايا السّنيَّة شَيْء كثير وَكَانَ مبلغ مَا وصل إِلَيْهِ من الذَّهَب نَحْو اثْنَي عشر ألف دِينَار وَأَرْبع عشرَة بغلة بأطواق ذهب وَالْخلْع الْكَثِيرَة من الثِّيَاب الأطلس وَغَيرهَا أَقُول وولاه السُّلْطَان الْكَبِير فِي ذَلِك الْوَقْت رياسة أطباء ديار مصر بأسرها وأطباء الشَّام وَكنت فِي ذَلِك الْوَقْت مَعَ أبي وَهُوَ فِي خدمَة الْملك الْعَادِل ففوض إِلَيْهِ النّظر فِي أَمر الكحالين واعتبارهم وَأَن من يصلح مِنْهُم لمعالجة أمراض الْعين ويرتضيه يكْتب لَهُ خطا بِمَا يعرفهُ مِنْهُ فَفعل ذَلِك وَلما كَانَ فِي سنة أَرْبَعَة عشرَة وسِتمِائَة وَسمع الْملك الْعَادِل بتحرك الفرنج فِي السَّاحِل أَتَى إِلَى الشَّام وَأقَام بمرج الصفر ثمَّ حصل لَهُ وَهُوَ فِي أثْنَاء ذَلِك مرض وَهُوَ بمنزله بخانقين وَتُوفِّي ﵀ بهَا فِي السَّاعَة الثَّانِيَة من يَوْم الْجُمُعَة سَابِع جُمَادَى الآخر سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة وَلما اسْتَقر ملك الْملك الْمُعظم بِالشَّام استخدم جمَاعَة عدَّة مِمَّن كَانُوا فِي خدمَة أَبِيه الْملك الْعَادِل وانتظم فِي خدمته مِنْهُم من الْحُكَمَاء الْحَكِيم رشيد الدّين بن الصُّورِي وَأبي وَأما الْحَكِيم مهذب الدّين فَإِنَّهُ أطلق لَهُ جامكية وجراية ورسم أَنه يُقيم بِدِمَشْق وَأَن يتَرَدَّد إِلَى البيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي ويعالج المرضى بِهِ وَلما أَقَامَ الشَّيْخ مهذب الدّين بِدِمَشْق شرع فِي تدريس صناعَة الطِّبّ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ خلق كثير من أَعْيَان الْأَطِبَّاء وَغَيرهم يقرأون عَلَيْهِ وأقمت أَنا بِدِمَشْق لأجل الْقِرَاءَة عَلَيْهِ وَأما أَولا فَكنت أشتغل عَلَيْهِ فِي المعسكر لما كَانَ أبي والحكيم مهذب الدّين فِي خدمَة السُّلْطَان الْكَبِير فَبَقيت أتردد إِلَيْهِ مَعَ الْجَمَاعَة وشرعت فِي قِرَاءَة كتب جالينوس وَكَانَ خَبِيرا بِكُل مَا يقْرَأ عَلَيْهِ من كتب جالينوس وَغَيرهَا وَكَانَت كتب جالينوس تعجبه جدا وَإِذا سمع شَيْئا من كَلَام جالينوس فِي ذكر الْأَمْرَاض ومداواتها وَالْأُصُول الطبية يَقُول هَذَا هُوَ الطِّبّ وَكَانَ طلق اللِّسَان حسن التأدية للمعاني جيد الْبَحْث لازمته أَيْضا فِي وَقت معالجته للمرضى بالبيمارستان فتدربت مَعَه فِي ذَلِك وباشرت أَعمال صناعَة الطِّبّ وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت أَيْضا مَعَه فِي البيمارستان لمعالجة المرضى الْحَكِيم عمرَان وَهُوَ من أَعْيَان الْأَطِبَّاء وأكابرهم فِي المداواة وَالتَّصَرُّف فِي أَنْوَاع العلاج فتضاعفت الْفَوَائِد المقتبسة من اجْتِمَاعهمَا وَمِمَّا كَانَ يجْرِي بَينهمَا من الْكَلَام فِي الْأَمْرَاض ومداواتها وَمِمَّا كَانَا يصفاه للمرضى وَكَانَ الْحَكِيم مهذب الدّين يظْهر من ملح صناعَة الطِّبّ وَمن غرائب المداواة والتقصي فِي المعالجة والإقدام بِصِفَات الْأَدْوِيَة الَّتِي تبرئ فِي أسْرع وَقت مَا يفوق بِهِ أهل زَمَانه وَيحصل من تأثيرها شَيْء كَأَنَّهُ سحر وَمن ذَلِك أنني رَأَيْته يَوْمًا وَقد أَتَى مَحْمُوم بحمى محرقة وقواريره فِي غَايَة الحدة فَاعْتبر قوته ثمَّ أَمر بِأَن يتْرك لَهُ فِي قدح بزور من الكافور مِقْدَارًا صَالحا عينه لَهُم فِي الدستور

стр. 718

وَأَن يشربه وَلَا يتَنَاوَل شَيْئا غَيره فَلَمَّا أَتَيْنَا من الْغَد وجدنَا ذَلِك الْمَرِيض والحمى قد انحطت عَنهُ وقارورته لَيْسَ فِيهَا شَيْء من الحدة وَمثل هَذَا أَيْضا أَنه وصف فِي قاعة الممرورين لمن بِهِ الْمَرَض الْمُسَمّى مانيا وَهُوَ الْجُنُون السبعي أَن يُضَاف إِلَى مَاء الشّعير فِي وَقت اسقائه إِيَّاه مِقْدَار متوفر من الأفيون فصلح ذَلِك الرجل وَزَالَ مَا بِهِ من تِلْكَ الْحَال ورأيته يَوْمًا فِي قاعة المحمومين وَقد وقفنا عِنْد مَرِيض وجست الْأَطِبَّاء نبضه فَقَالُوا عِنْده ضعف ليُعْطى مرقة الْفروج للتقوية فَنظر إِلَيْهِ وَقَالَ إِن كَلَامه وَنظر عَيْنَيْهِ يَقْتَضِي الضعْف ثمَّ جس نبض يَده الْيُمْنَى وجس الْأُخْرَى وَقَالَ جسوا نبض يَده الْيُسْرَى فوجدناه قَوِيا فَقَالَ انْظُرُوا نبض يَده الْيُمْنَى وَكَيف هُوَ من قريب كوعه قد انفرق الْعرق الضَّارِب شعبتين فَوَاحِدَة بقيت الَّتِي تجس وَالْأُخْرَى طلعت فِي أَعلَى الزند وامتدت إِلَى نَاحيَة الْأَصَابِع فوجدناه حَقًا ثمَّ قَالَ إِن من النَّاس وَهُوَ نَادِر مَا يكون النبض فِيهِ هَكَذَا وَيشْتَبه على كثير من الْأَطِبَّاء ويعتقدون أَن النبض ضَعِيف وَإِنَّمَا يكون جسم لتِلْك الشعبة الَّتِي هِيَ نصف الْعرق فيعتقدون أَن النبض ضَعِيف وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت أَيْضا فِي البيمارستان الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي وَهُوَ من أكبر الْأَطِبَّاء سنا وأعظمهم قدرا وأشهرهم ذكرا فَكَانَ يجلس على دكة وَيكْتب لمن يَأْتِي إِلَى البيمارستان ويستوصف مِنْهُ للمرضى أوراقا يعتمدون عَلَيْهَا وَيَأْخُذُونَ بهَا من البيمارستان الْأَشْرِبَة والأدوية الَّتِي يصفها فَكنت بعد مَا يفرغ الْحَكِيم مهذب الدّين والحكيم عمرَان من معالجة المرضى المقيمين بالبيمارستان وَأَنا مَعَهم أَجْلِس مَعَ الشَّيْخ رَضِي الدّين الرَّحبِي فأعاين كَيْفيَّة استدلاله على الْأَمْرَاض وَجُمْلَة مَا يصفه للمرضى وَمَا يكْتب لَهُم وأبحث مَعَه فِي كثير من الْأَمْرَاض ومداواتها وَلم يجْتَمع فِي البيمارستان مُنْذُ بني والى مَا بعده من الزَّمَان من مَشَايِخ الْأَطِبَّاء كَمَا اجْتمع فِيهِ فِي ذَلِك الْوَقْت من هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الثَّلَاثَة وبقوا كَذَلِك مُدَّة (ثمَّ انْقَضتْ تِلْكَ السنون وَأَهْلهَا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم أَحْلَام) وَكَانَ الشَّيْخ مهذب الدّين ﵀ إِذا تفرغ من البيمارستان وافتقد المرضى من أَعْيَان الدولة وأكابرها وَغَيرهم يَأْتِي إِلَى دَاره ثمَّ يشرع فِي الْقِرَاءَة والدرس والمطالعة وَلَا بُد لَهُ من ذَلِك من نسخ فَإِذا فرغ مِنْهُ أذن للْجَمَاعَة فَيدْخلُونَ إِلَيْهِ وَيَأْتِي قوم بعد قوم من الْأَطِبَّاء والمشتغلين وَكَانَ يقْرَأ كل وَاحِد مِنْهُم درسه ويبحث مَعَه فِيهِ ويفهمه إِيَّاه بِقدر طاقته ويبحث فِي ذَلِك مَعَ المتميزين مِنْهُم إِن كَانَ الْموضع يحْتَاج إِلَى فضل بحث أَو فِيهِ إِشْكَال يحْتَاج إِلَى تَحْرِير وَكَانَ لَا يقرئ أحدا إِلَّا وَبِيَدِهِ نُسْخَة من ذَلِك الْكتاب يقرأه ذَلِك التلميذ ينظر فِيهِ ويقابل بِهِ فَإِن كَانَ فِي نُسْخَة الَّذِي يقْرَأ غلط أمره بإصلاحه وَكَانَت نسخ الشَّيْخ مهذب الدّين الَّتِي تقْرَأ عَلَيْهِ فِي غَايَة الصِّحَّة وَكَانَ أَكْثَرهَا بِخَطِّهِ وَكَانَ أبدا لَا يُفَارِقهُ إِلَى جَانِبه مَعَ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من الْكتب الطبية وَمن كتب اللُّغَة كتاب الصِّحَاح للجوهري والمجمل لِابْنِ فَارس وَكتاب النَّبَات لأبي حنيفَة الدينَوَرِي فَكَانَ إِذا فرغت الْجَمَاعَة من الْقِرَاءَة يعود هُوَ إِلَى نَفسه فيأكل شَيْئا ثمَّ يشرع بَقِيَّة نَهَاره فِي الْحِفْظ والدرس

стр. 719

والمطالعة يسهر أَكثر ليله فِي الِاشْتِغَال وَكَانَ أَيْضا فِي ذَلِك الزَّمَان يجْتَمع بالشيخ سيف الدّين عَليّ بن أبي عَليّ الْآمِدِيّ وَكَانَ يعرفهُ قَدِيما فلازمه فِي الِاشْتِغَال عَلَيْهِ بالعلوم الْحكمِيَّة وَحفظ شَيْئا من كتبه وَحصل مُعظم مصنفاته ليشتغل بهَا مثل كتاب دقائق الْحَقَائِق وَكتاب رموز الْكُنُوز وَكتاب كشف التمويهات فِي شرح التَّنْبِيهَات وَكتاب أبكار الأفكار وَغير ذَلِك من مصنفات سيف الدّين ثمَّ بعد ذَلِك أَيْضا نظر فِي علم الْهَيْئَة والنجوم واشتغل بهَا على أبي الْفضل الإسرائيلي المنجم واقتنى من آلَات النّحاس الَّتِي يحْتَاج إِلَيْهَا فِي هَذَا الْفَنّ مَا لم يكن عِنْد غَيره وَمن الْكتب شَيْئا كثيرا جدا وسمعته يَحْكِي أَن عِنْده سِتّ عشرَة رِسَالَة غَرِيبَة من الإصطرلاب لجَماعَة من المصنفين وَفِي أثْنَاء ذَلِك طلبه الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْفَتْح مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل وَهُوَ بالشرق فَتوجه إِلَيْهِ وَذَلِكَ فِي شهر ذِي الْقعدَة سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة وَقَالَ لي أَنه خرج مِنْهُ فِي هَذِه السفرة لما عزم على الْحَرَكَة من شِرَاء بغلات وخيم وآلات لَا بُد مِنْهَا للسَّفر عشرُون ألف دِرْهَم وَلما وصل ذَلِك إِلَى الْملك الْأَشْرَف أكْرمه وَأحسن إِلَيْهِ وَأطلق لَهُ إقطاعا فِي الشرق يغل لَهُ فِي كل سنة ألف وَخَمْسمِائة دِينَار فَبَقيَ مَعَه مُدَّة ثمَّ عرض لَهُ ثقل فِي لِسَانه واسترخاء فَبَقيَ لَا يسترسل فِي الْكَلَام وَوصل إِلَى دمشق لما ملكهَا الْملك الْأَشْرَف فِي سنة سِتّ وَعشْرين وسِتمِائَة وَهُوَ مَعَه فولاه رياسة الطِّبّ وَبَقِي كَذَلِك مديدة وَجعل لَهُ مَجْلِسا لتدريس صناعَة الطِّبّ ثمَّ زَاد بِهِ ثقل لِسَانه حَتَّى بَقِي إِذا حاول الْكَلَام لَا يفهم ذَلِك مِنْهُ إِلَّا بعسر وَكَانَت الْجَمَاعَة تبحث قدامه فَإِذا استعصى مِنْهُ معنى يُجيب عَنهُ بأيسر لفظ يدل على كثير من الْمَعْنى وَفِي أَوْقَات يعسر عَلَيْهِ الْكَلَام فيكتبه فِي لوح وتنظره الْجَمَاعَة ثمَّ اجْتهد فِي مداواة نَفسه واستفرغ بدنه بعدة أدوية مسهلة وَكَانَ يتَنَاوَل كثيرا من الْأَدْوِيَة والمعاجين الحارة ويغتذي بِمِثْلِهَا فعرضت لَهُ حمى وتزايدت بِهِ حَتَّى ضعفت قوته وتوالت عَلَيْهِ أمراض كَثِيرَة وَلما جَاءَ الْأَجَل بَطل الْعَمَل (وَإِذا الْمنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تَمِيمَة لَا تَنْفَع) وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي اللَّيْلَة الَّتِي صبيحتها يَوْم الِاثْنَيْنِ خَامِس عشر صفر سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَدفن بجبل قاسيون وَلم يخلف ولدا وَلما كَانَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة وَذَلِكَ قبل سفر الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ عِنْد الْملك الْأَشْرَف وخدمته لَهُ وقف دَاره وَهِي بِدِمَشْق عِنْد الصاغة العتيقة شَرْقي سوق المناخليين وَجعلهَا مدرسة يدرس فِيهَا من بعده صناعَة الطِّبّ ووقف لَهَا ضيَاعًا وعدة أَمَاكِن يستغل مَا ينْصَرف فِي مصالحها وَفِي جامكية الْمدرس وجامكية المشتغلين بهَا ووصى أَن يكون الْمدرس فِيهَا الْحَكِيم شرف الدّين عَليّ بن الرَّحبِي وابتدأ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِه الْمدرسَة يَوْم الْجُمُعَة صَلَاة الْعَصْر ثامن ربيع الأول سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَلما كَانَ يَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي عشر ربيع الآخر سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة حضر الْحَكِيم سعد الدّين إِبْرَاهِيم بن الْحَكِيم موفق الدّين عبد الْعَزِيز وَالْقَاضِي شمس الدّين الخوئي وَالْقَاضِي جمال الدّين

стр. 720

الخرستاني وَالْقَاضِي عَزِيز الدّين السنجاري وَجَمَاعَة من الْفُقَهَاء والحكماء وَشرع الْحَكِيم شرف الدّين ابْن الرَّحبِي فِي التدريس بهَا فِي صناعَة الطِّبّ وَاسْتمرّ على ذَلِك وَبَقِي سِنِين عدَّة ثمَّ صَار الْمدرس فِيمَا بعد الْحَكِيم بدر الدّين المظفر بن قَاضِي بعلبك وَذَلِكَ أَنه لما ملك دمشق الْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن شمس الدّين مَمْدُود ابْن الْملك الْعَادِل كتب للحكيم بدر الدّين ابْن قَاضِي بعلبك منشورا برياسته على سَائِر الْحُكَمَاء فِي صناعَة الطِّبّ وَأَن يكون مدرسا للطب فِي مدرسة الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ وَتَوَلَّى ذَلِك فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وأنشدني مهذب الدّين أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن الْخضر الْحلَبِي قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ الأديب شهَاب الدّين فتيَان بن عَليّ الشاغوري لنَفسِهِ يمدح الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ (أنعم ولذ بأقذار تؤاتيكا ... حَتَّى تنَال بهَا أقْصَى أمانيكا) (مهذب الدّين يَا عبد الرَّحِيم لقد ... شأوت يَا ابْن عَليّ من يباريكا) (فازت قداحك فِي حفظ الدُّرُوس ... بأيام سلفن وَمَا خابت لياليكا) (مَا زلت تسْعَى لكسب الْحَمد مُجْتَهدا ... حَتَّى بلغت الْأَمَانِي من مساعيكا) (أَنْت امْرُؤ أودعت أَلْفَاظه حكما ... أملت دَقِيق الْمعَانِي من معانيكا) (حَتَّى ربيت بِحجر الْعلم متخذا ... لَك التَّوَاضُع لبسا فِي تعاليكا) (فللمعاني ابتسام فِي خلائقك الحسان ... مثل ابتسام الْمجد فِي فيكا) (يَا من لَهُ قلم كم مد من لقم ... فِي الْفضل سُبْحَانَ باريه وباريكا) (لَك الثَّنَاء جميلا حَيْثُ كنت فَمَا ... خلق عَن الْمجد والعلياء يثنيكا) (مَتى تَمَادى الْمجِيد الْمَدْح فِي مدح ... يبد أقْصَى المدى أدنى الَّذِي فيكا) (يَا جَامعا حسبا عدا إِلَى أدب ... جم عدمت امْرَءًا فِي الْجُود يحكيكا) (عِنْدِي إِلَيْك صبابات يؤكدها ... حسن الْوَفَاء بِمَعْرُوف يوافيكا) (ولي إِلَيْك اشتياق لَا يفارقني ... يَا لَيْت لي سَببا للوصل مسلوكا) (وَلَو تهَيَّأ لي الْمَسْعَى إِلَيْك لما ... فَارَقت بابك بوابا أناجيكا) (لكنني فِي يَدي شيخوخة وضنا ... قد غادر الْجِسْم منهوبا ومنهوكا) (كم همة لَك قد أوفت على الْفلك الْأَعْلَى ... بأخمصها كيوان معروكا) (وددت أَن عليا والرشيد مَعًا ... عاشا وَقد رَأيا مَا الله يوليكا) (كِلَاهُمَا كَانَ فِي سر وَفِي علن ... لَك الْمُحب فَمَا يَنْفَكّ يطريكا) (عش وابق وارفل طوال الدَّهْر فِي خلع ... الْمُلُوك واخلع قلوبا من أعاديكا) (وَلَا تزل أبدا فِي بَاب دَارك للرسل ... أزحام إِلَى السُّلْطَان تدعوكا) (ونلت بالعادل الميمون طَائِره ... قصوى بالمنى منجعا فِيهِ تداويكا)

стр. 721

(فَهُوَ الَّذِي ثل عرش الشّرك إِذْ دمهم ... أَمْسَى وأضحى بِسيف الدّين مسفوكا) (معود النَّصْر وَالْفَتْح الْقَرِيب فسل ... بِهِ الْمُلُوك فَكل عَنهُ ينبيكا) (ستهزم الْملك الأنكور وثبته ... وَفِي كلاء سِنَان الرمْح مشكوكا) (دع حمل هم دمشق الله كالئها ... مِمَّا تخوفه وَالله كاليكا) (هَل الرئيس ابْن سينا وَهُوَ يطرب ... بالقانون وافاك بالبشرى يغنيكا) (وَهل مقالات جالينوس صادرة ... عَمَّا تَقول فتأويها فتاويكا) (فَنعم حدث مُلُوك أَنْت أَفْلح من ... مِنْهُم بناديه فِي الجلى يناديكا) (كم قلت لِابْنِ خروف دع هجاءك من ... تنمى سعادته يَا أنوكا النوكا) (حَتَّى هوى بحضيض قد تبوأه ... إِلَى الْقِيَامَة مَا يَنْفَكّ مدكوكا) (وعشت أَنْت غَنِيا بالهبات وَمن ... عاداك مَاتَ شَدِيد الْفقر صعلوكا) (دمشق جنَّة عدن للمقيم بهَا ... فَلَا نأت عَن مغانيها مفانيكا) (شَوَتْ كلى ابْن خروف نَار سعدك إِذْ ... دَعَا بِهِ نحسه يَوْمًا ليهجوكا) (فكم أَسِير سقام من جوامعه ... جعلته بعد ضيق الْأسر مفكوكا) (نزهت عَن هفوات يستفز بهَا ... سواك من للخنا يَبْغِي المماليكا) (وَلم تضع صلوَات مَا بَرحت لَهَا ... حلما بِخَير تحيات تحييكا) (وَلم تكن رَاغِبًا فِي شرب صَافِيَة ... صحت فَأصْبح مِنْهَا الْعقل موعوكا) الْبَسِيط أَقُول وَكَانَ هَذَا ابْن خروف الَّذِي ذكره شهَاب الدّين فتيَان مغربيا شَاعِرًا وَكَانَ كثير الهجاء للحكيم مهذب الدّين وَكَانَ آخِرَة ابْن خروف أَنه توجه إِلَى حلب ومدح صَاحبهَا الْملك الظَّاهِر غَازِي بن صَلَاح الدّين وأنشده المديح وَلما فرغ تَأَخّر الْقَهْقَرَى إِلَى خلف وَكَانَ ثمَّ بِئْر فَوَقع فِيهَا وَمَات وَمن شعر مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ قَالَ وَكتب بِهِ إِلَى عمي الْحَكِيم رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة فِي مرضة مَرضهَا (يَا من أؤمله لكل ملمة ... وأخاف إِن حدثت لَهُ أَعْرَاض) (حوشيت من مرض تُعَاد لأَجله ... وَبقيت مَا بقيت لنا أَعْرَاض) (إِنَّا نعدك جوهرا فِي عصرنا ... وَسوَاك أَن عدوا فهم أَعْرَاض) الْكَامِل ولمهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ من الْكتب اخْتِصَار كتاب الْحَاوِي فِي الطِّبّ للرازي اخْتِصَار كتاب الأغاني الْكَبِير لأبي الْفرج الْأَصْفَهَانِي مقَالَة فِي الاستفراغ ألفها بِدِمَشْق فِي شهر ربيع الأول سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة كتاب الجنينة فِي الطِّبّ تعاليق ومسائل فِي الطِّبّ وشكوك طبية ورد

стр. 722

أجوبتها لَهُ كتاب الرَّد على شرح ابْن صَادِق لمسائل حنين مقَالَة يرد فِيهَا عل رِسَالَة ابي الْحجَّاج يُوسُف الإسرائيلي فِي تَرْتِيب الأغذية اللطيفة والكثيفة فِي تنَاولهَا عمي رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن خَليفَة بن يُونُس بن أبي الْقَاسِم بن خَليفَة من الْخَزْرَج من ولد سعد بن عبَادَة مولده بحلب فِي سنة تسع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ مولد أبي قبله فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة بِالْقَاهِرَةِ المعزية وَنَشَأ أَيْضا بِالْقَاهِرَةِ واشتغلا بهَا وَذَلِكَ أَن جدي ﵀ كَانَت لَهُ همة عالية ومحبة للفضائل وَأَهْلهَا وَله نظر فِي الْعُلُوم وَيعرف بِابْن أبي أصيبعة وَكَانَ قد توجه إِلَى الديار المصرية عِنْدَمَا فتحهَا الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَكَانَ فِي خدمته وخدمة أَوْلَاده وَكَانَ من جملَة معارف جدي وأصدقائه من دمشق جمال الدّين أبي الحوافر الطَّبِيب وشهاب الدّين أَبُو الْحجَّاج يُوسُف الكحال وَذَلِكَ أَن مولد جدي كَانَ بِدِمَشْق وَنَشَأ بهَا وَأقَام سِنِين كَثِيرَة فَلَمَّا اجْتمع بِجَمَال الدّين بن أبي الحوافر بِمصْر وبأبي الْحجَّاج يُوسُف وَكَانَ قد ترعرع أبي وَعمي وَقصد إِلَى تعليمهما صناعَة الطِّبّ لمعرفته بِشَرَفِهَا وَكَثْرَة احْتِيَاج النَّاس إِلَيْهَا وَأَن صَاحبهَا الْمُلْتَزم لما يحب من حُقُوقهَا يكون مبجلا حظيا فِي الدُّنْيَا وَله الدرجَة الْعليا فِي الْآخِرَة وَترك أبي وَعمي يلازمان ذَيْنك الشَّيْخَيْنِ ويغتنمانهما فلازم أبي أَبَا الْحجَّاج يُوسُف واشتغل بصناعة الْكحل وباشر مَعَه أَعمالهَا وَكَانَ أَبُو الْحجَّاج يكحل فِي البيمارستان بِالْقَاهِرَةِ غير الْموضع الَّذِي صَار حِينَئِذٍ بِالْقَاهِرَةِ بيمارستانا وَهُوَ من جملَة الْقصر وَكَانَ البيمارستان فِي ذَلِك الْوَقْت فِي السقطين أَسْفَل الْقَاهِرَة وَكَانَ جدي يسكن إِلَى جَانِبه فَبَقيَ أبي ملازما لأبي الْحجَّاج يُوسُف ومتعلما مِنْهُ إِلَى أَن أتقن صناعته وَقَرَأَ أَيْضا على غَيره من أَعْيَان الْمَشَايِخ الْأَطِبَّاء فِي ذَلِك الْوَقْت بِمصْر مثل الرئيس مُوسَى الْقُرْطُبِيّ صَاحب التصانيف الْمَشْهُورَة وَمن هُوَ فِي طبقته ولازم عمي لجمال الدّين بن أبي الحوافر واشتغل عَلَيْهِ بصناعة الطِّبّ وَأول اشْتِغَال عمي بِالْعلمِ أَنه كَانَ عِنْد تَقِيّ الْمعلم وَهُوَ أَبُو التقي صَالح بن أَحْمد إِبْرَاهِيم بن الْحسن ابْن سُلَيْمَان العرشي الْمَقْدِسِي وَكَانَ هَذَا تَقِيّ يعرف علوما كَثِيرَة وَكَانَت لَهُ سيرة حسنه فِي التَّعْلِيم فِي الْكتب وسياسة مَشْهُورَة عَنهُ لم يكن أحد يقدر عَلَيْهَا إِلَّا هُوَ وَلما أتقن عمي ﵀ حفظ الْقُرْآن عِنْد تَقِيّ وَعلم الْحساب وَشرع فِي تعلم صناعَة الطِّبّ وَالنَّظَر فِيهِ لَازم جمال الدّين بن أَي الحوافر وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت رَئِيس الْأَطِبَّاء بالديار المصرية وصاحبها الْملك الْعَزِيز عُثْمَان بن عبد الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين وَقَرَأَ عَلَيْهِ شَيْئا من كتب جالينوس السِّتَّة عشر وَحفظ مِنْهَا الْكتب الأولة فِي أسْرع وَقت

стр. 723

ثمَّ باحث الْأَطِبَّاء ولازم مُشَاهدَة المرضى بالبيمارستان وَمَعْرِفَة أمراضهم وَمَا يصف الْأَطِبَّاء لَهُم وَكَانَ فِيهِ جمَاعَة من أَعْيَان الْأَطِبَّاء ثمَّ قَرَأَ فِي أثْنَاء ذَلِك علم صناعَة الْكحل وباشر أَعمالهَا عِنْد القَاضِي نَفِيس الدّين الزبير وَكَانَ الْمُتَوَلِي للكحل فِي ذَلِك الْوَقْت فِي البيمارستان وَكَذَلِكَ أَيْضا بَاشر مَعَه فِي البيمارستان أَعمال الْجراح وَكَانَ الشَّيْخ موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ يَوْمئِذٍ فِي الْقَاهِرَة وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا مَوَدَّة أكيدة فاشتغل عمي عَلَيْهِ بِشَيْء من الْعَرَبيَّة وَالْحكمَة وَكَانَ يبْحَث مَعَه فِي كتب أرسطوطاليس ويناقشه فِي الْمَوَاضِع المشكلة مِنْهَا وَكَانَ يجْتَمع أَيْضا بسديد الدّين وَهُوَ عَلامَة فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة ويشتغل عَلَيْهِ وَكَانَ أَيْضا قبل ذَلِك قد اشْتغل بِعلم النُّجُوم على أبي مُحَمَّد بن الْجَعْدِي وَكَانَ هَذَا الشَّيْخ فَاضلا فِي علم النُّجُوم متميزا فِي أَحْكَامه وَكَانَ لحق الْخُلَفَاء المصريين ويعد من الْخَواص عِنْدهم وَكَانَ أَبوهُ من أَعْيَان الْأُمَرَاء فِي دولتهم وَأما صناعَة الموسيقى فَكَانَ قد أَخذهَا عَن ابْن الديجور الْمصْرِيّ وَعَن صفي الدّين أبي عَليّ بن التبَّان ثمَّ بعد ذَلِك أَيْضا اجْتمع بأعيان المصنفين فِي هَذَا الْفَنّ مثل الْبَهَاء المصلح الْكَبِير وشهاب الدّين النقجوني وشجاع الدّين بن الْحصن الْبَغْدَادِيّ وَمن هُوَ فِي طبقتهم وَأخذ عَنْهُم كثيرا من تصانيف الْعَرَب والعجم وَلم يكن لِعَمِّي دأب فِي سَائِر أوقاته من صغره إِلَّا النّظر فِي الْعُلُوم والاشتغال وتكميل نَفسه بالفضائل وَلما عَاد جدي إِلَى الشَّام وانتقل إِلَيْهَا وَذَلِكَ فِي سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة وَكَانَ لِعَمِّي فِي ذَلِك الْوَقْت من الْعُمر نَحْو الْعشْرين سنة شرع عمي فِي معالجة المرضى والتزيد فِي صناعَة الطِّبّ وَكَانَ فِي دمشق الشَّيْخ رَضِي الدّين يُوسُف بن حيدرة الرَّحبِي وَكَانَ كثير الصداقة لجدي من السنين الْكَثِيرَة وَسمع بعمي وَلما شَاهده وَرَأى تَحْصِيله فَرح بِهِ وَبَقِي عمي يحضر مَجْلِسه وَيقْرَأ عَلَيْهِ ويبحث مَعَه فِي صناعَة الطِّبّ وباشر المرضى فِي البيمارستان الَّذِي أنشأه الْملك الْعَادِل نور الدّين بن زنكي وَكَانَ فِيهِ من الْأَطِبَّاء موفق الدّين بن الصّرْف وَالشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ واشتغل أَيْضا بالحكمة فِي ذَلِك الْوَقْت على موفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ لِأَنَّهُ كَانَ أَيْضا قد عَاد إِلَى الشَّام وَكَانَ بِدِمَشْق أَيْضا جمَاعَة من أهل الْأَدَب وَمَعْرِفَة الْعَرَبيَّة مثل زين الدّين بن معطي فلازمه واشتغل عَلَيْهِ وَمثل تَاج الدّين بن حسن الْكِنْدِيّ أبي الْيمن وَكَانَ صديقا لجدي وَبَينهمَا مَوَدَّة سالفة من عِنْد عز الدّين فرخشاه فلازمه عمي أَيْضا واشتغل عَلَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وأتقن عمي هَذِه الْعُلُوم بأسرها وَصَارَ شَيخا يقْتَدى بِهِ فِي صناعَة الطِّبّ ويشتغل عَلَيْهِ بهَا وَله من الْعُمر دون الْخمس وَعشْرين سنة وَكَانَ أَيْضا يشْعر ويترسل وَكَانَ يتَكَلَّم بِالْفَارِسِيَّةِ وَيعرف تصاريف لُغَة الْفرس وينظم شعرًا بالفارسي وَكَانَ أَيْضا يتَكَلَّم بالتركي وَلما كَانَ فِي يَوْم الْجُمُعَة خَامِس عشر شهر رَمَضَان سنة خمس وسِتمِائَة استدعاه السُّلْطَان الْملك الْمُعظم عِيسَى ابْن الْملك الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَسمع كَلَامه وَحسن موقعه عِنْده وأنعم عَلَيْهِ وَأمر أَن يَنْتَظِم فِي خدمته فاتفقت تعاويق من حركات السُّلْطَان وَبعد ذَلِك بأيام سمع بِهِ صَاحب بعلبك وَهُوَ الْملك الأمجد مجد الدّين بهْرَام شاه بن عز الدّين

стр. 724

فرخشاه بن شاهان شاه بن أَيُّوب فَبعث إِلَيْهِ يستدعيه ويستدعي جدي لِأَنَّهُ كَانَ يعرفهُ من عهد أَبِيه فَلَمَّا وصلا إِلَيْهِ تلقاهما وَأحسن إِلَيْهِمَا غَايَة الْإِحْسَان وَأطلق لَهما الجامكية والجراية والرتب وَحسن موقع عمي عِنْده جدا حَتَّى كَانَ لَا يُفَارِقهُ فِي أَكثر أوقاته وَلما رأى علمه بِالْحِسَابِ وجودة تصرفه فِيهِ طلب مِنْهُ يرِيه شَيْئا من الْحساب فامتثل أمره وعرفه جملَة مِنْهُ وَألف لَهُ كتابا فِي الْحساب يحتوي على أَربع مقالات وَكَانَ للْملك الأمجد ﵀ نظر فِي الْفَضَائِل ورغبة فِي أَهلهَا وينظم شعرًا جيدا وَله ديوَان مَشْهُور وَلما كَانَ فِي سنة تسع وسِتمِائَة مَرضت عَيْني خَادِم يُقَال لَهُ سليطة للسُّلْطَان الْملك الْعَادِل أبي بكر ابْن أَيُّوب وَهُوَ يعزه كثيرا وتفاقم الْمَرَض فِي عَيْنَيْهِ حَتَّى هَلَكت ويئس مِنْهَا وَرَآهُ الْمَشَايِخ من الْأَطِبَّاء والكحالين وكل عجز عَن مداواته وَأَجْمعُوا أَنه قد عمي وَأَن المداواة لم يبْق لَهَا فِيهِ تَأْثِير أصلا وَلما رَآهُ أبي وَتَأمل عَيْنَيْهِ قَالَ أَنا أداوي عَيْني هَذَا ويبصر بهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَشرع فِي مداواته وَفِي علاجه وَعَيناهُ فِي كل وَقت تصلح حَتَّى كملت عافيته وبرأ برءا تَاما وَركب وَعَاد إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَولا حَتَّى كَانَ يتعجب مِنْهُ وَظَهَرت مِنْهُ فِي مداواته معْجزَة لم يسْبق إِلَيْهَا فَأحْسن الْملك الْعَادِل ظَنّه بِهِ كثيرا وأكرمه غَايَة الْإِكْرَام من الْخلْع وَغَيرهَا وَكَانَ لَهُ قبل ذَلِك أَيْضا تردد إِلَى الدّور السُّلْطَانِيَّة بالقلعة بِدِمَشْق وداوى بهَا جمَاعَة كَانَت فِي أَعينهم أمراض صعبة فصلحوا فِي أسْرع وَقت وَعرف بذلك أَيْضا الْملك الْعَادِل وَقَالَ مثل هَذَا يجب أَن يكون معي فِي السّفر والحضر وَطَلَبه للْخدمَة فَسَأَلَ أَن يُعْفَى وَأَن يكون مُقيما بِدِمَشْق فَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك وَأطلق لَهُ جامكية وجراية واستقرت خدمته لَهُ فِي خَامِس عشر ذِي الْحجَّة سنة تسع وسِتمِائَة وَكَانَ حظيا عِنْده وَعند جَمِيع أَوْلَاده الْمُلُوك ويعتمدون عَلَيْهِ فِي المداواة وَله مِنْهُم الْإِحْسَان الْكثير والافتقاد التَّام وَلم يزل فِي الْخدمَة إِلَى أَن توفّي الْملك الْعَادِل ﵀ وَملك دمشق بعده الْملك الْمُعظم فَأمر أَن يسْتَمر فِي خدمته وَكَانَ لَهُ فِيهِ أَيْضا من حسن الِاعْتِقَاد والرأي مثل أَبِيه وَأكْثر وخدم الْملك الْمُعظم لاستقبال صفر سنة عشرَة وسِتمِائَة وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن توفّي الْملك الْمُعظم ﵀ ورسم الْملك النَّاصِر دَاوُد ابْن الْملك الْمُعظم بِأَن يسْتَمر فِي خدمته وَأَن يجْرِي لَهُ مَا كَانَ مقررا فِي أَيَّام وَالِده فَبَقيَ مَعَه إِلَى أَن اتّفق توجه الْملك النَّاصِر إِلَى الكرك فَأَقَامَ أبي بِدِمَشْق وَصَارَ يتَرَدَّد إِلَى القعلة لخدمة الدّور السُّلْطَانِيَّة لكل من ملك دمشق من أَوْلَاد الْملك الْعَادِل وَغَيرهم وَكلهمْ يرَوْنَ لَهُ ويعتمدون عَلَيْهِ فِي المداواة وَله الجامكية والجراية والإنعام الْكثير ويتردد أَيْضا إِلَى البيمارستان نور الدّين الْكَبِير وَله الجامكية والجراية وَالنَّاس يقصدونه من كل نَاحيَة لما يَجدونَ فِي مداواته من سرعَة الْبُرْء وَإِن أمراضا كَثِيرَة مِمَّا تكون مداواتها بالحديد يبرئها بذلك على أَجود مَا يُمكن وَمِنْهَا مَا يعالجها بالأدوية ويبرئها بهَا ويستغني أَصْحَابهَا عَن الْحَدِيد وَهَذَا الْمَعْنى قد مدحه جالينوس فِي كِتَابه فِي محنة الطَّبِيب الْفَاضِل وَقَالَ رَأَيْت طَبِيبا يُبرئ بالأدوية الأدواء الَّتِي يبرئها المعالجون بالحديد بِالْقطعِ فعد ذَلِك على أَن لَهُ علما ودربة وحذقا قَالَ وَأحمد أَيْضا من رَأَيْته يُبرئ بالأدوية وَحدهَا

стр. 725

من أدواء الْعين مَا يعالجه غَيره بِالْقطعِ مثل الظفرة والجرب وَالْبرد وَالْمَاء والغلظ وَالشعر وَزِيَادَة اللَّحْم الَّذِي فِي المآقي ونقصانه وَأحمد أَيْضا من رَأَيْته حلل من الْعين مَادَّة محتقنة فِيهَا بِسُرْعَة أَو رد الطَّبَقَة الَّتِي يُقَال لَهَا العنابية بعد أَن نتأت نتوءا كثيرا إِلَى موضعهَا حَتَّى لطئت أَو ظهر مِنْهُ غير ذَلِك مِمَّا هُوَ شَبيه فِي علاج الْعين بِغَيْر حَدِيد هَذَا نَص جالينوس وَقد رَأَيْت كثيرا من ذَلِك وَأَمْثَاله قد تأتى لأبي فِي المداواة وَكَثِيرًا أَيْضا من أمراض الْعين الَّتِي قد يئس من برئها قد صلحت بمداواته كَمَا قَالَ فِيهِ بعض من عالجه وبرأ على يَدَيْهِ وَهُوَ شمس الْعَرَب الْبَغْدَادِيّ (لسديد الدّين فِي الطِّبّ يَد ... لم تزل تنقذ طرفا من قذى) (كم جلت عَن مقلة من ظلمَة ... وأماطت عَن جفون من أَذَى) (لَا يعاني طب عين فِي الورى ... قطّ إِلَّا حاذق كَانَ كَذَا) (يَا مسيح الْوَقْت كم من أكمه ... بك أضحى مبصرا ذَاك وَذَا) (فبآرائك للداء دوا ... وبألفاظك للروح غذا) (لَك عِنْدِي منن لَو إِنَّنِي ... شَاكر أيسرها يَا حبذا) الرمل وشمس الْعَرَب هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْعَزِيز بن النفيس بن هبة الله بن وهبان السّلمِيّ وَلم يزل أبي مترددا إِلَى الْخدمَة بقلعة دمشق وَإِلَى البيمارستان الْكَبِير النوري إِلَى أَن توفّي ﵀ وَكَانَت وَفَاته فِي لَيْلَة الْخَمِيس الثَّانِي وَالْعِشْرين من ربيع الآخر سنة تسع وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَدفن ظَاهر بَاب الفريدس فِي طَرِيق جبل قاسيون وَذَلِكَ فِي أَيَّام الْملك النَّاصِر يُوسُف بن مُحَمَّد صَاحب دمشق وَلما كَانَ عمي عِنْد الْملك الأمجد وأتى إِلَى بعلبك الْملك الْمُعظم لنجدة الْملك الأمجد عِنْد عداوته الاسبتار واجتمعوا كَانَ عمي يجْتَمع مَعَهم وَلم يكن فِي زَمَانه من يعرف الموسيقى واللعب بِالْعودِ مثله وَلَا أطيب صَوتا مِنْهُ حَتَّى أَنه شوهد من تأثر الْأَنْفس عِنْد سَمَاعه مثل مَا يحْكى عَن أبي نصر الفارابي فَكثر إعجاب الْملك الْمُعظم بِهِ جدا وَبعد ذَلِك أَخذه إِلَيْهِ وَاسْتمرّ فِي خدمته من أول جُمَادَى سنة عشر وسِتمِائَة وَأطلق لَهُ الجامكية والجراية وَلم يزل يواصله بالافتقاد والإنعام وَلَا يُفَارِقهُ فِي أَكثر أوقاته وَكَانَ يعْتَمد عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وَكَذَلِكَ كَانَ الْملك الْكَامِل مُحَمَّد وَالْملك الْأَشْرَف يعتمدان عَلَيْهِ وَإِذا حضر أَحدهمَا عِنْد أَخِيه الْملك الْمُعظم لَا يزَال عِنْدهمَا وَكَانَ لَهُ مِنْهُمَا الإنعام الْكثير وَأعرف مرّة قد حضر الْملك الْكَامِل عِنْد أَخِيه الْملك الْمُعظم وَكَانَ عمي مَعَهُمَا وَكَانُوا فِي مجْلِس الْأنس فَأعْطى الْملك الْكَامِل لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة خلعة كَامِلَة وَخَمْسمِائة دِينَار مصرية وَلما كَانَ الْملك

стр. 726

الْمُعظم بِدِمَشْق نَدبه أَن يتَوَلَّى كِتَابَة الْجَيْش وأكد عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَلم يَسعهُ إِلَّا امْتِثَال أمره وَقعد فِي الدِّيوَان وَحضر عِنْده الْجَمَاعَة والنواب وَشرع فِي الْكِتَابَة أَيَّامًا ثمَّ رأى أَن أوقاته تمر بأسرها فِي الْكِتَابَة والحساب وَلم يبْق لَهُ وَقت لنَفسِهِ ولاشتغاله فِي الْعُلُوم الْعَقْلِيَّة وَغَيرهَا فَطلب من السُّلْطَان أَن يعفيه من ذَلِك وَتشفع إِلَيْهِ بِجَمَاعَة من خواصه حَتَّى أقاله وَلما كَانَ فِي سنة إِحْدَى عشرَة وسِتمِائَة حج الْملك الْمُعظم وَحج عمي مَعَه وَلم يزل فِي خدمته إِلَى أَن اتّفقت نوبَة عمنَا فِي نصف شعْبَان سنة أَربع عشرَة وسِتمِائَة وَتَقَدَّمت الفرنج وتخالف الطَّرِيق بَين السُّلْطَان الْكَبِير الْملك الْعَادِل وَولده الْمُعظم فَمضى عمي صُحْبَة الْملك الْعَادِل نَحْو دمشق وَمضى الْملك الْمُعظم نَحْو نابلس ثمَّ خرج عمي من دمشق صُحْبَة الْملك النَّاصِر دَاوُد ابْن الْملك الْمُعظم وَلما وصلوا عجلون أَمر بِرُجُوع وَلَده فَرَجَعُوا وَبعد ذَلِك مرض عمي مَرضا وَطَالَ إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة فَرَأى أَن الْحَرَكَة تضره وَهُوَ بالطبع يمِيل إِلَى الِانْفِرَاد والاشتغال بالكتب واستدعاه الْملك الْعَادِل أَبُو بكر بن أَيُّوب لما سمع بتحصيله وَسيرَته وَذَلِكَ فِي الْخَامِس من الْمحرم سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة وولاه طب البيمارستانين بِدِمَشْق اللَّذين وقفهما الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي فَكَانَ يتَرَدَّد إِلَيْهِمَا وَإِلَى القلعة وَقرر لَهُ جامكية وجراية وأطلقت لَهُ أَيْضا سِتّ الشَّام أُخْت الْملك الْعَادِل جامكية فِي الطِّبّ وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى دارها وَلما أَقَامَ بِدِمَشْق وَجعل لَهُ مَجْلِسا عَاما لتدريس صناعَة الطِّبّ واشتغل عَلَيْهِ جمَاعَة وَكلهمْ تميزوا فِي الطِّبّ وَكَانَ يجْتَمع فِي ذَلِك الْوَقْت مَعَ علم الدّين قَيْصر بن أبي الْقَاسِم بن عبد الْغَنِيّ وَهُوَ عَلامَة وقته فِي الْعُلُوم الرياضية فَقَرَأَ عَلَيْهِ علم الْهَيْئَة واتقنها فِي أسْرع وَقت وَلَقَد كَانَ علم الدّين يَوْمًا عِنْده وَهُوَ يرِيه أشكالا فِي علم الْهَيْئَة وَقَالَ لَهُ وَأَنا أسمع وَالله يَا رشيد الدّين هَذَا الَّذِي قد عَلمته فِي نَحْو شهر دأب غَيْرك فِي خمس سِنِين حَتَّى يُعلمهُ وَاجْتمعَ أَيْضا عمي فِي دمشق بالسيد الإِمَام الْعَالم شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين بن حمويه وَألبسهُ خرقَة التصوف وَذَلِكَ فِي الْعشْرين من شهر رَمَضَان سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة وَهَذِه نُسْخَة مَا كتبه لَهُ مَعهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا أنعم بِهِ الْمولى السَّيِّد الْأَجَل الإِمَام الْعَالم شيخ الشُّيُوخ صدر الدّين حجَّة الْإِسْلَام علم الْمُوَحِّدين أَبُو الْحسن مُحَمَّد ابْن الإِمَام السَّيِّد الْأَجَل الْعَالم شيخ الشُّيُوخ عماد الدّين أبي حَفْص عمر بن أبي الْحسن بن مُحَمَّد بن حمويه أدام الله تأييده من إلباس خرقَة التصوف على مريده عَليّ بن خَليفَة بن يُونُس الخزرجي الدِّمَشْقِي وَفقه الله على الطَّاعَات ألبسهُ وَأخْبرهُ أَنه أَخذهَا عَن وَالِده الْمَذْكُور ﵀ وَأَن وَالِده أَخذهَا عَن أَبِيه شيخ الْإِسْلَام معِين الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن حمويه

стр. 727

رَحمَه الله وَإنَّهُ أَخذهَا عَن الْخضر ﵇ وَالْخضر عَن رَسُول الله ﷺ وَأَخذهَا جده أَيْضا عَن الشَّيْخ أبي عَليّ الفارندي الطوسي وَأَخذهَا الْمَذْكُور عَن شيخ وقته أبي الْقَاسِم الكركاني وَأَخذهَا أَبُو الْقَاسِم عَن الْأُسْتَاذ الإِمَام أبي عُثْمَان المغربي وَأَخذهَا أَبُو عُثْمَان عَن شيخ الْحرم أبي عَمْرو الزجاجي وَأَخذهَا الْمَذْكُور عَن سيد الطَّائِفَة الْجُنَيْد بن مُحَمَّد وَأَخذهَا الْجُنَيْد عَن خَاله سري السَّقطِي عَن معرف الْكَرْخِي عَن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا ﵇ وَصَحبه وتأدب بِهِ وخدمه وَأخذ عَليّ عَن أَبِيه مُوسَى بن جَعْفَر الكاظم عَن أَبِيه جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق عَن أَبِيه مُحَمَّد بن عَليّ الباقر عَن أَبِيه عَليّ بن الْحُسَيْن زين العابدين عَن أَبِيه عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَأَخذهَا عَليّ كرم الله وَجهه عَن سيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَأخذ مَعْرُوف أَيْضا عَن دَاوُد الطَّائِي عَن حبيب العجمي عَن سيد التَّابِعين الْحسن الْبَصْرِيّ عَن عَليّ ﵇ عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ لِبَاسه الْخِرْقَة أعَاد الله عَلَيْهِ من بركاتها وعَلى جَمِيع من تشرف بهَا فِي الْعشْرين من شهر رَمَضَان سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة بِدِمَشْق المحروسة وَبَين الأسطر بِخَط الْمولى صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ مَا هَذَا مِثَاله ألبست الْخِرْقَة للمذكور وَفقه الله تَعَالَى وَكتب ابْن حمويه أَبُو الْحسن بن عمر بن أبي الْحسن بن مُحَمَّد فِي شهر رَمَضَان سنة خمس عشرَة وسِتمِائَة حامدا لرَبه ومصليا على رَسُوله ومستغفرا من ذنُوبه وَلما كَانَ فِي سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وصل إِلَى عمي كتاب من الْملك الصَّالح إِسْمَاعِيل ابْن الْملك الْعَادِل بِخَطِّهِ وَهُوَ يطْلب مِنْهُ أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِ إِلَى مَدِينَة بصرى ليعالج والدته ومرضى أخر عِنْده وَيعود وَكَانَ قد عرض فِي بصرى وباء عَظِيم فَتوجه إِلَيْهِ وعالج والدته فصلحت فِي مُدَّة يسيرَة وأنعموا عَلَيْهِ بِالذَّهَب وَالْخلْع وَعرضت لِعَمِّي حمى حادة فَعَاد إِلَى دمشق وَلم يزل الْمَرَض يتزايد بِهِ وأعيان الْأَطِبَّاء

стр. 728

ومشايخهم يلازمونه ويعالجونه إِلَى أَن انْقَضتْ مُدَّة حَيَاته وَكَانَت وَفَاته ﵀ فِي السَّاعَة الثَّانِيَة من يَوْم الِاثْنَيْنِ سَابِع عشر شعْبَان سنة سِتّ عشرَة وسِتمِائَة وَله من الْعُمر ثَمَان وَثَلَاثُونَ سنة وَدفن عِنْد أَبِيه وأخيه فِي ظَاهر بَاب الفراديس وَمن كَلَامه فِي الْحِكْمَة مِمَّا سمعته مِنْهُ ﵀ فَمن ذَلِك وَصِيَّة أول النَّهَار قَالَ قد أقبل هَذَا النَّهَار وَأَنت فِيهِ مُهَيَّأ لكل فعل فاختر لنَفسك أفضلهَا لتوصلك إِلَى أفضل الرتب وَعَلَيْك بِالْخَيرِ فَإِنَّهُ يقربك من الله ويحببك إِلَى النَّاس وَإِيَّاك وَالشَّر فَإِنَّهُ يبعدك عَن الله ويبغضك إِلَى النَّاس وَافْعل مَا تحاسب نَفسك عَلَيْهِ عِنْد انْقِضَاء هَذَا النَّهَار والحذر من أَن يغلب شرك على خيرك وَلَيْسَ الْفَاضِل من بَقِي على حَالَة الطبيعة مَعَ عدم المؤذيات بل الْفَاضِل من بَقِي عَلَيْهَا مَعَ وجود المؤذيات والانقطاع عَن النَّاس أكبر مَانع للأذى وَأَقْبل وَصَايَا الْأَنْبِيَاء واقتد بِأَفْعَال الْحُكَمَاء وَعَلَيْك بِالصّدقِ فَإِن الْكَذِب يصغر الْإِنْسَان عِنْد نَفسه فضلا عَن غَيره واحلم تشكر وتفضل فَإِن الحقد يعجل الْهم ويوقع فِي العداوات والشرور وَكَذَلِكَ الْحَسَد وتجنب الأشرار تكف الْأَذَى وَأبْعد عَن أَرْبَاب الدُّنْيَا تكف الأشرار واقنع من دنياك بِمَا تدفع بِهِ ضَرُورَة بدنك وَأعلم أَن نهارك هَذَا قِطْعَة تذْهب من حياتك فأنفقها فِيمَا يعود عَلَيْك نَفعه وَإِذا اندفعت ضَرُورَة بدنك اقْضِ بَاقِي نهارك فِي مصلحَة نَفسك وَافْعل بِالنَّاسِ مَا تشْتَهي أَن يفعلوه بك وَإِيَّاك وَالْغَضَب والمبادرة إِلَى الانتقام من الْمُغْضب أَو الِانْفِصَال عَنهُ فَإِنَّهُ رُبمَا أوقع فِي النَّدَم وَعَلَيْك بِالصبرِ فَإِنَّهُ رَأس كل حِكْمَة وَصِيَّة أول اللَّيْل قد انْقَضى نهارك بِمَا فِيهِ وَأَقْبل عَلَيْك هَذَا اللَّيْل وَلَيْسَ لَك فِيهِ فعل بدني ضَرُورِيّ فاعطف على مصلحَة نَفسك بالاشتغال فِي الْعلم والفكر فِي الإطلاع على الْحَقَائِق وَمهما اسْتَطَعْت الْيَقَظَة فِي ذَلِك فافعل فَإِذا أردْت النّوم فَاجْعَلْ فِي نَفسك مُلَازمَة مَا أَنْت فِيهِ لتَكون رُؤْيَاك من هَذَا الْجِنْس وَافْعل مَا تحاسب نَفسك عَلَيْهِ عِنْد الصَّباح واحرص أَن تكون فِي غدك أفضل من يَوْمك المنقضي وَإِيَّاك أَن تجدبك الطباع إِلَى الْفِكر فِيمَا عاينته فِي نهارك من أَحْوَال أَرْبَاب الدُّنْيَا فتضيع وقتك وتنفتح لَك أَبْوَاب الخداع والحيل وَالْمَكْر فِي تَحْصِيل أُمُور الدُّنْيَا وتظلم نَفسك وتفسد حالك وتبعد عَن الْحَقَائِق وتكتسب الْأَخْلَاق المذمومة ويعسر تخلصك مِنْهَا لَكِن اعْلَم أَن هَذِه أعرض زائلة لَا فَائِدَة فِيهَا وَإِن ضرورات الْإِنْسَان قَليلَة جدا وفكر فِيمَا يعود على نَفسك نَفعه وتهيأ للقاء الله فَإِن علمك بموتك مَتى يكون مَسْتُورا عَنْك وَمَا جاؤوك فِي أَن يَأْتِي يَوْم آخر عَلَيْك أقوى من وهمك أَن تَمُوت فِي هَذِه اللَّيْلَة فودع بالثبات على مَا تنْتَفع بِهِ بعد الْمُفَارقَة وَالسَّلَام وَقَالَ احترم الْمَشَايِخ وَلَو سكتوا عَن جَوَاب سؤالك فَلَعَلَّ ذَلِك لبعد الْعَهْد وكلال القوى أَو لِأَنَّك سَأَلت عَمَّا لَا يَعْنِيك أَو معرفتهم بعجز فهمك عَن الْجَواب وَاعْلَم أَن فوائدك مِنْهُم أَكثر من ذَلِك وَقَالَ اشْتغل بِكَلَام الْمَشْهُورين الجامعة أَولا فَإِذا حصلت الصِّنَاعَة فاشتغل بالكتب الْجُزْئِيَّة من

стр. 729

كَلَام كل قَائِل عَارِيا عَن محبَّة أَو بغضة ثمَّ زنه بِالْقِيَاسِ وامتحنه إِن أمكن بالتجربة وَحِينَئِذٍ أقبل الصَّحِيح وَإِن أشكل فأشرك غَيْرك فِيهِ فَإِن لكل ذهن خاصية بمعان دون معَان وَقَالَ إِذا أقدمك الأفاضل تقدم وَإِلَّا تَأَخَّرت وَقَالَ أطلب الْحق دَائِما تحظ بِالْعلمِ لنَفسك وبالمحبة من النَّاس وَقَالَ طابق أعمالك الْجُزْئِيَّة مَا فِي ذهنك من القانون الْكُلِّي يتَيَقَّن علمك وتجود تجربتك وتتأكد تقدمة معرفتك وتكثر منافعك من النَّاس وَقَالَ اشْتغل من الْكَلَام بِمَا قصد قَائِله التَّعْلِيم فَإِذا حصلت الصِّنَاعَة فأكدها بالاشتغال بِكَلَام محبي الْحق مبطلي الْبَاطِل فَإِذا تبرهن علمك وتيقن بِحَيْثُ لَا تقدح فِيهِ الشكوك لَا يَضرك حِينَئِذٍ فِي بعض أوقاتك مطالعة كتب المتشككين والجدليين فَإِن قصدهم إِظْهَار قوتهم فِيمَا يَدعُونَهُ سَوَاء كَانُوا يعلمونه علما يَقِينا أم لَا وَسَوَاء كَانَ مَا يَدعُونَهُ حَقًا أم بَاطِلا وَقَالَ إِذا تطببت فَاتق الله واجتهد أَن تعْمل بِحَسب مَا تعلمه علما يَقِينا فَإِن لم تَجِد فاجتهد أَن تقرب مِنْهُ وَقَالَ إِذا وصلت إِلَى رُتْبَة المعلمين فَلَا تمنع مُسْتَحقّا وَهُوَ الْعَاقِل الذكي الْخَيْر الْحَكِيم النَّفس وامنع من سواهُ وَقَالَ إِذا رَأَيْت أدوية كَثِيرَة لمَرض وَاحِد فاختر أوفقها فِي حَال حَال وَقَالَ الْأَمْرَاض لَهَا أَعمار والعلاج يحْتَاج إِلَى مساعدة الأقدار وَأكْثر صناعَة الطِّبّ حدس وتخمين وقلما يَقع فِيهِ الْيَقِين وجزآها الْقيَاس والتجربة لَا السفسطة وَحب الْغَلَبَة ونتيجتها حفظ الصِّحَّة إِذا كَانَت مَوْجُودَة وردهَا إِذا كَانَت مفقودة وَفِيهِمَا يتَبَيَّن سَلامَة الْفطر ودقة الْفِكر ويتميز الْفَاعِل عَن الْجَاهِل وَالْمجد فِي الطّلب عَن المتكاسل والعمال بِمُقْتَضى الْقيَاس والتجربة عَن الْمُحْتَال على اقتناء المَال وعلو الْمرتبَة وَقَالَ إِن بِالْعلمِ من الطول وعسر الْحُصُول وَلَو سلك فِيهِ الإيجاز وَالْبَيَان جهد الْإِمْكَان مَعَ طول الْأَعْمَار ودقة الأفكار وتعاون الْبشر وسلامة الْفطر مَا يعجز النَّاظر ويذبذب الخاطر وَقَالَ انْظُر إِلَى أَفعَال الطبيعة إِذا لم يعقها عائق واقتد بهَا فِي أفعالك وَقَالَ مَا أحسن الصَّبْر لَوْلَا أَن النَّفَقَة عَلَيْهِ من الْعُمر وَقَالَ كلما انْتظر الشَّيْء استبعد زَمَانه واستقل مِقْدَاره وَقَالَ الْخَيْر منتظر فالظن فِيهِ قَلِيل وَقَالَ الظُّلم فِي الطباع وَإِنَّمَا يتْرك خوف معاد أَو خوف سيف وَقَالَ لَا تتمّ مصلحَة إِلَّا بمفاسد وَقَالَ القاصدون مصالحهم أَكثر من المشفقين على مخلوقات الله تَعَالَى بأضعاف مضاعفة

стр. 730

وَقَالَ إِن شِئْت الْمقَام بَين النَّاس مَظْلُوما فاحترز مِنْهُم أَو غير مظلوم فأظلمهم وَأما الْحَال الْوُسْطَى فَلَا تطمع بهَا وَقَالَ الِانْقِطَاع أفضل أَوْقَات الْحَيَاة وَقَالَ الِانْقِطَاع أفضل السّير وَقَالَ الِانْقِطَاع نتيجة الْحِكْمَة وَقَالَ الإردباء يطْلبُونَ مَعَ من يفنون نهارهم فِي الحَدِيث وَاللَّهْو والبطالة وَأَنَّهُمْ مَتى خلوا بِأَنْفسِهِم تألموا مِمَّا يجدونه فِي أنفسهم من الرداءة والأخيار على خلاف ذَلِك لأَنهم يأنسون بِأَنْفسِهِم وَقَالَ أصل كل بلية الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَقَالَ طالما يلبث النَّاس عَن مصالحهم لتشبثهم بالدنيا ففاتتهم وَقَالَ عجبي لمن لَا يعلم مَتى يَمُوت ويعتقد سَعَادَة وشقاء على أَي حَال كَانَت كَيفَ يركن إِلَى الدُّنْيَا ويهمل المهم من أمره وَقَالَ مَا أَكثر الملتذين بالآمال من غير الشُّرُوع فِي بُلُوغهَا وَقَالَ الآمال أَحْلَام الْيَقظَان وَقَالَ لكل وَقت أشغال كَثِيرَة فَلْيفْعَل فِيهِ أهمها وَقَالَ كَيفَ حَال من يهمل مهماته فِي أَوْقَاتهَا مؤملا أَن ستأتي أَوْقَات أُخْرَى لَهَا مدافعا من كل وَقت إِلَى غَيره إِلَى أَن يَمُوت مؤملا وَقَالَ مادمت فِي حَال تقدر على تَدْبِير جسدك ورياضة نَفسك بِحَسب استعدادهما غير مقتر وَلَا مُسْرِف فَلَا تنْتَقل إِلَى غَيره فَإِن لَك محركا لَو رمت السّكُون لما أمكنك وَكم من متنقل إِلَى حَال خالها أفضل ألفاها أخس وَقَالَ لَا تُعَاد السعيد فضد السعيد الشقي وَقَالَ إِن القى كل من عدوين همته على الآخر فأسعدهما جدا يقهر عدوه وَلذَلِك أَمر بِإِجْمَاع الهمم عِنْد طلب الْأُمُور الْعَظِيمَة لتقوم مقَام الهمة الْوَاحِدَة المعانة بالتأييد السماوي وَقَالَ احرص على اتِّخَاذ النَّاس إخْوَانًا وَإِيَّاك وسهام الهمم فَإِنَّهَا صائبة وَقَالَ احْذَرُوا أذية الْعلمَاء فَإِنَّهُم آل الله وَقَالَ مَا ظلم ذُو علم حَقِيقِيّ إِلَّا كشف الله ظلامته وَنَصره وخذل ظالمه قَرِيبا وَقَالَ إِن لله أحبابا يحرسهم بِعَيْنِه الَّتِي لَا تنام هم الْعلمَاء وَقَالَ الْعلمَاء هم السُّعَدَاء على الْحَقِيقَة وَقَالَ سعداء الدُّنْيَا على اصْطِلَاح الْجُمْهُور مَا لم تصدر عَنْهُم الْخيرَات فهم الأشرار وَقَالَ قد ينْطق إِنْسَان فِي وَقت مَا بالحكمة فَإِذا طلب من نَفسه ذَلِك فِي وَقت آخر لم يجده وَقَالَ من صَاحب الْجُهَّال على جهالاتهم وجذبه حب الدُّنْيَا إِلَى الْحُضُور فِي مجَالِسهمْ فناله شرهم فليسلم نَفسه وَقَالَ أصلح الْمِيزَان ثمَّ زن بِهِ وَقَالَ إِذا صرت ذَا عقل هيولاني صرت إنْسَانا بِالْفِعْلِ بقول مُطلق وَقَالَ ثق بعلمك إِذا لم يقْدَح فِيهِ الِاعْتِرَاض وَقَالَ نعم الرَّأْي الْوَاحِد وَقَالَ نعم الرَّأْي المتناسب وَقَالَ الْعَمَل فِي الرَّأْي بِحَسب غَايَة تصدر بِهِ لَا بِحَسب الْمصلحَة الْمُطلقَة وَقَالَ نعم الرَّأْي الْحَادِث بَين المستشير الصَّادِق والمستشار الْأمين الْعَاقِل وَقَالَ لَا تثق إِلَّا بمعتقد فِي شَيْء مَا يرجوه ويخافه مُتَيَقن أَنه لَا حق إِلَّا اعْتِقَاده فَأَما الشاك فِيمَا يَعْتَقِدهُ أَو من لَا يعْتَقد شَيْئا أَلْبَتَّة فَلَا تثق بِهِ وَلَا تتخذه صاحبا وَذَلِكَ المعتقد الْمُتَيَقن اعْتِقَاده إِن كَانَ غير أهل ملتك فاحذره أَيْضا لِأَنَّهُ يعْتَقد فِيك الْكفْر بمعتقده فيتخذك عدوا فيفعل بك فعل الْأَعْدَاء وَقَالَ ثق بِالدّينِ من أهل دينك وَقَالَ تَيَقّن أَن صِحَة

стр. 731

الِاعْتِقَاد سَبَب لملازمة الْأَعْمَال الدِّينِيَّة وملازمة الْأَعْمَال الدِّينِيَّة قد تكون دَلِيلا على تَيَقّن صِحَة الِاعْتِقَاد وَقد يَفْعَلهَا فاعلها تَابعا لغيره غير عَالم بِشَيْء آخر وَقد يَفْعَلهَا تقية وعلامتها إِذا كَانَت تَابِعَة لتيقن صِحَة الِاعْتِقَاد ظُهُور الْآثَار الإلهية عَلَيْهَا وَعدل سَائِر سيرة فاعلها من نَفسه مَعَ جَمِيع الْمَخْلُوقَات وَقَالَ الْحُرِّيَّة نعم الْعَيْش وَقَالَ القناعة بَاب الْحُرِّيَّة وَقَالَ من قدر على الْعَيْش الكفاف بِحَسب ضروراته ثمَّ ملك نَفسه لغير رَغْبَة فِي فضول الْعَيْش فَهُوَ أَحمَق الحمقاء وَقَالَ مَا أقل ضرورات الْإِنْسَان لَو انصف نَفسه وَقَالَ اجْتنب الْألف بِأَهْل الدُّنْيَا فأنهم يشغلونك إِن وَجَدتهمْ ويحزنونك إِن فقدتهم وَقَالَ أصحب عِنْد ضجرك من تبعدك صحبته مِمَّا كنت فِيهِ وَقَالَ فقد الْخَلِيل مُؤذن بالرحيل وَقَالَ الْحَكِيم إِن اسأت إِلَيْهِ أَو توهم أَنَّك أَسَأْت إِلَيْهِ وَإِن لم تسئ فقد تنْتَفع عِنْده بالتنصل إِن كنت بَرِيئًا وبالاعتذار إِن كنت مسيئا فَأَما الحقود فَمَتَى أشعرت بِأَنَّهُ توهم مِنْك إساءة عدم نفع أَو مُخَالفَة أَمر فاحذره فَإِنَّهُ لَا يزَال فِي خاطره التَّدْبِير فِي أذيتك وَقَالَ الأصدقاء كَنَفس وَاحِدَة فِي أجساد مُتَفَرِّقَة وَقَالَ الطَّبِيب مُدبر لبدن الْإِنْسَان من حَيْثُ هُوَ مُقَارن لنَفسِهِ لَا من حَيْثُ هُوَ بدن إِنْسَان بالْقَوْل الْمُطلق وَهَذَا التَّرْكِيب من أشرف التراكيب فَيَنْبَغِي أَن يكون مَعَانِيه من أشرف النَّاس وَقَالَ المَال مغناطيس أنفس الجهلاء وَالْعلم مغناطيس أنفس الْعُقَلَاء وَقَالَ رَأَيْت الجهلاء يعظمون أَرْبَاب الْأَمْوَال مَعَ تيقنهم أَنهم لَا ينيلونهم مِنْهُ شَيْئا إِلَّا ثمن مَتَاع أَو أُجْرَة صناعَة كَمَا ينالونه من الْفُقَرَاء وَقَالَ خير الْعلمَاء من ناسب علمه عقله وَقَالَ إِذا أمكن الِانْقِطَاع عَن النَّاس بِأَقَلّ المقنعات فَهُوَ أفضل الْأَحْوَال وَقَالَ إِذا كنت تشفق على مَالك فَلَا تنْفق شَيْئا مِنْهُ إِلَّا فِي المهم فأحرى أَن تفعل ذَلِك فِي عمرك وَقَالَ الْحِكْمَة الِاقْتِدَاء بِاللَّه تَعَالَى وَقَالَ إِنَّمَا يطلع الْإِنْسَان على عُيُوب نَفسه من إطلاعه على عُيُوب النَّاس وَقَالَ إِذا لَزِمت نَفسك الْخلق الْجَمِيل فكأنك أكرمتها غَايَة الْكَرَامَة وَذَلِكَ أَنَّك إِذا لم تغْضب مثلا وَالنَّاس كلهم يغضبون فَأَنت أفضل النَّاس من هَذَا الْوَجْه وَقَالَ بِقدر مَا لكل ذَات من الْكَمَال لَهَا من اللَّذَّة بِقدر مَا فِي كل ذَات من النَّقْص فِيهَا من الْأَلَم وَقَالَ أَكثر من مطالعة سير الْحُكَمَاء واقتد مِنْهَا بِمَا يُمكن الِاقْتِدَاء بِهِ فِي زَمَانك وَقَالَ قو نَفسك على جسدك وَقَالَ أصلح كَيْفيَّة الْغذَاء واقتصد فِي كميته وَقَالَ اكتف من غذَاء الْجِسْم بِمَا يحفظ قواه وَإِيَّاك وَالزِّيَادَة فِيهَا واستكثر من غذَاء النَّفس وَقَالَ غذَاء النَّفس بالعلوم على التدريج فابتدئ بالسهل الْقَلِيل وتدرج فَإِنَّهَا تشتاق حِين تقوى وتعتاد إِلَى الصعب الْكثير فَإِذا صَار لَهَا ملكة سهل عَلَيْهَا كل شَيْء قَالَ الْمعدة القوية تهضم جَمِيع مَا يرد إِلَيْهَا من أَنْوَاع الأغذية وَالنَّفس الفاضلة تقبل جَمِيع مَا يرد عَلَيْهَا من الْعُلُوم وَقَالَ مَا لم تطق التوحد فَأَنت مُضْطَر إِلَى مصاحبة النَّاس وَقَالَ صَاحب النَّاس بِمَا يرضيهم وَلَا تطرح جَانب الله تَعَالَى وَقَالَ كتب بَعضهم إِلَى شَيْخه يشكو تعذر أُمُوره فَكتب إِلَيْهِ إِنَّك لن تنجو مِمَّا تكره حَتَّى تصبر عَن كثير مِمَّا تحب وَلنْ تنَال مَا تحب حَتَّى تصبر على كثير مِمَّا تكره وَالسَّلَام وَقَالَ اشكر المحسن وَمن لَا يسيء واعذر النَّاس فِيمَا يظْهر مِنْهُم وَلَا تلمهم فَلِكُل من الموجودات طبع خَاص وَقَالَ اسْتحْسنَ للنَّاس مَا تستحسنه لنَفسك واستقبح لنَفسك مَا تستقبحه

стр. 732

لَهُم وَقَالَ لَا تخل فعلا من أفعالك من تقوى الله تَعَالَى وَقَالَ أطع الله محقا يطعك النَّاس وَقَالَ لَا شَيْء أنجع فِي الْأُمُور من الهمة الصادقة وَقَالَ خُذ من كل شَيْء مَا يوصلك إِلَى الْغَايَة الَّتِي وضع من أجلهَا وَقَالَ كل مَا يحصل بِالْعرضِ فَلَا تثق بِهِ وَقَالَ اخضع للنَّاس وخاصة الْعلمَاء والمشايخ وَلَا تزدر أحدا فطالما كتم الْعَالم علمه ليتخير لَهُ من يودعه إِيَّاه كَمَا يتَخَيَّر الْفَلاح الأَرْض وَقَالَ اشْتغل من كل علم بِكَلَام أربابه الأول وَقَالَ استكثر من الْعِنَايَة بالكتب الإلهية الْمنزلَة فَفِيهَا كل حِكْمَة وَقَالَ أَكثر من صُحْبَة الْمَشَايِخ فَأَما أَن تستفيد من علمهمْ وَأما من سيرتهم وَقَالَ إِذا تَأَمَّلت حركات الْفُضَلَاء وسكناتهم وجدت فِيهَا حكما جمة وَقَالَ رَأَيْت الْهم عِنْد أَكثر النَّاس مَا يجتلبون بِهِ المَال وَقَالَ مَا أَكثر مَا يسمع النَّاس الْوَصَايَا النَّبَوِيَّة والحكمية وَلَا يستعملون مِنْهَا إِلَّا مَا يجتلبون بِهِ المَال وَقَالَ مَا أَشد ركون النَّاس إِلَى اللَّذَّات الجسمانية وَقَالَ لَا تخل وقتك الْحَاضِر من الْفِكر فِي الْآتِي وَقَالَ من لم يفكر فِي الْآتِي أَتَى قبل أَن يستعد لَهُ وَقَالَ القناعة سَبَب كل خير وفضيلة وَقَالَ وبالقناعة يتَوَصَّل إِلَى كل مَطْلُوب وَقَالَ القانع مساعد على بُلُوغ مآربه وَقَالَ اقصد من الْكَمَال الإنساني الْغَايَة القصوى فَإِن لم يكن فِي قوتك الْوُصُول إِلَيْهَا فَإنَّك تصل إِلَى مَا فِي قوتك أَن تصل إِلَيْهِ وَإِذا قصدت الْكَمَال التَّالِي لكمالك آملا إِذا وصلته أَن تقصد مَا يَلِيهِ فَرُبمَا ركنت إِلَى الرَّاحَة وقنعت بِدُونِ مَا تستحقه وَقَالَ احرص على أَن لَا تخل بِشَيْء من الْعِبَادَات الْبَدَنِيَّة فَإِنَّهَا نعم الْمعِين الْموصل إِلَى الْعِبَادَات النفسانية وَقَالَ كفى بالوحدة شرفا أَن الله تَعَالَى وَاحِد وَقَالَ كلما تمحضت الْوحدَة كَانَت أشرف لِأَن وحدة الله تَعَالَى لَا يشوبها كَثْرَة من وَجه أصلا وَقَالَ اعْتصمَ بِاللَّه تَعَالَى وتوكل عَلَيْهِ وثق بِهِ محقا يحرسك وَيَكْفِيك كل مؤونة وَلَا يخيب لَك ظنا وَقَالَ اجْعَل الْملَّة عضدك وَأَهْلهَا إخوانك وَلَا تركن إِلَى الدول فَإِن الْملَل هِيَ الْبَاقِيَة وَقَالَ عود نَفسك الْخَيْر علما وَعَملا تلق الْخَيْر من الله تَعَالَى وَمن النَّاس عَاجلا وآجلا وَقَالَ لَا تطمع بالانقطاع مَا دَامَ لَك أدنى طمع وَقَالَ لَو وقف الضَّعِيف عِنْد قدره لأمن كثيرا من الأخطار وَقَالَ لَيْت شعري بِمَا أعْتَذر إِذا علمت وَلم أعمل أَرْجُو عَفْو الله تَعَالَى وَمن شعره وَهُوَ مِمَّا سمعته من لَفظه ﵀ فَمن ذَلِك قَالَ (يَا صَاحِبي سلا الْهوى وذراني ... مَاذَا تريدا من مشوق عاني) (لَا تسألاه عَن الْفِرَاق وطعمه ... إِن الْفِرَاق هُوَ الْمَمَات الثَّانِي) (نَادَى الحداة دنا الرحيل فودعوا ... ففجعت فِي قلبِي وَفِي خلاني) (وسرت ركائبهم وَقد غسق الدجى ... فأضاء مِمَّن سَار فِي الأظعان) (مَا كنت أعلم أَن بعْدك قاتلي ... حَتَّى فعلت وغرني سلواني) (وبكيت وجدا بعد ذَاك فَلم أجد ... إِنِّي وَقد صَار اللِّقَاء أماني) الْكَامِل

стр. 733

وَقَالَ فِي صفة مجْلِس (سقيا ليَوْم تمّ السرُور بِنَا ... فِيهِ وكأس الشُّمُول تجمعنا) (والدهر ولت عَنَّا حوادثه ... وَنحن فِي لَذَّة ونيل مني) (بِمَجْلِس كَامِل المحاسن لَو ... بِهِ يحل الجنيذ لافتتنا) (فكاهة بَيْننَا وَفَاكِهَة ... وكاس رَاح وراحة وغنا) (بَين ندامى مثل الشموس لَهُم ... علم وَفضل ورفعة وسنا) (حَدِيثهمْ لَا يمل سامعه ... لطيبه الْعين تحسد الإذنا) (إخْوَان صدق صفت ضمائرهم ... أولو عفاف لَا يضمرون خنا) (أهل سماح مَا أَن يزَال لَهُم ... صنع لَهُ فِي الْأَنَام طيب ثَنَا) (ننشد أغزالنا ونلغزها ... باسم غزال أضحى يغازلنا) (فِي يَوْم دجن تهمي سحائبه ... كَأَنَّهَا كف رب منزلنا) (وَعند منقل تلألأ فِي ... أرجائه النَّار فَهِيَ تدفئنا) (تجاهه شاد وَفِي يَده ... طير كصب لَدَيْهِ ذاب ضنا) (كَأَنَّهُ إِذْ غَدا يقلبه ... فِي النَّار قلبِي الَّذِي قد أرتهنا) (ظلت كؤوس المدام طاردة ... للهم حَيْثُ السرُور عكرنا) (نسر مَا بَيْننَا الحَدِيث وَلَا ... نبديه خوف الوشاة تسمعنا) (فَمَا تَرَانَا عين لذِي بصر ... إِلَّا عُيُون الْحباب ترمقنا) (فاطيب الْعَيْش مَا نكتمه ... خوفًا وَإِن كَانَ سرنا علنا) (يَا يَوْمنَا هَل نرَاك ثَانِيَة ... ببعلبك أم تعود لنا) المنسرح وَقَالَ أَيْضا (يَا صَاح ضَاعَ نسكي ... مذ صرت فِي بعلبك) (وَكَيف يسلم ديني ... بعد افتتاني وهتكي) (بِكُل أهيف لدن ... القوام للبدر يَحْكِي) (يرنو بصارم لحظ ... ماسل إِلَّا لفتكي) (كَأَن فِي فِيهِ خمرًا ... شيبت بشهد ومسك) (جذلان يضْحك تيها ... إِذا رَآنِي أبْكِي) (وَلَا يرق إِذا مَا ... خضعت عِنْد التشكي) (وَزَادَنِي زور واش ... وشى إِلَيْهِ بإفك) (مَا راقب الله لما ... سعى إِلَيْهِ بهلكي)

стр. 734

(فَصَارَ فِي مَذْهَب الْحبّ ... مالكي وَهُوَ ملكي) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا (سر الْمُحب بدمعه إعلان ... فَمَتَى يكون مَعَ الورى كتمان) (أرأيتما يَا صَاحِبي فَتى تذل ... لَهُ الْأسود تذلة الغزلان) (مَا كنت مِمَّن يسترق فُؤَاده ... عشق وَلَكِن الْهوى سُلْطَان) (مولَايَ إِن الهجر بعد تواصل ... ورجاؤنا قد أمه الهجران) (هَل ترحم الصب الكئيب بزورة ... يَا من جَمِيع فعاله إِحْسَان) (تلقى فَتى رحب الفنا ذَا عفة ... طلق الْمحيا قلبه ولهان) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (أفدي رَشِيق الْقد لَيْسَ لَهُ ... فِي الْحسن وَالْإِحْسَان من ند) (وَسنَان مَا لجفون عاشقه ... من رائد التسهيد من بُد) (وَكَأن ريقته مُعتقة ... مشمولة بِالْمَاءِ والند) (لكنه أضحى يعارضني ... بالهجر والإعراض والصد) (فلأصبرن على ملالته ... فَعَسَى عَلَيْهِ تصبري يجدي) الْكَامِل وَقَالَ أَيْضا (قد رق لي ورق الْحمى فِي لعلع ... بالنوح فِي الدوح فَفَاضَتْ أدمعي) (ناحت مراء من حنين قَلبهَا ... ونحت نوح ثاكل مفجع) (ودعتهم ثمَّ رجعت عادما ... قلبِي وهم يَا خيبة الْمُودع) (وَقلت يَا روحي بيني فَلَقَد ... بانوا وَإِن لم يرجِعوا لَا تَرْجِعِي) الرجز وَقَالَ أَيْضا (أسفت وَمَا يجدي التأسف والوجد ... ونحت على نجد وَقد اقفرت نجد) (وَسَار بِمن أَهْوى الركاب وأدمعي ... تفيض وَقَالُوا مت فَهَذَا هُوَ الْفَقْد) (حرمت لذيذ الْعَيْش بعد فِرَاقه ... وبالرغم مني أَن يطول بِهِ الْعَهْد) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (أتبخل بالتحية وَالسَّلَام ... فديتك لم وَأَنت أَبُو الْكِرَام)

стр. 735

(أَتَى رَمَضَان فافعل فِيهِ خيرا ... لتضحي فِيهِ مَقْبُول الصّيام) (وَلَا تشهر حسام اللحظ فِيهِ ... وَلَا تهزز بِهِ رمح القوام) (أما تخشى من الرَّحْمَن يَا من ... يحل الْقَتْل فِي الشَّهْر الْحَرَام) الوافر وَقَالَ لغزا فِي أَبُو الْكِرَام (يَا سائلي عَمَّن لعَيْنِي حلا ... فكر فقد جئْتُك بالمشكل) (ذُو تِسْعَة تعد لَهَا شَاءَ فِي ... أعدادها فَافْهَم وَلَا تغفل) (وثامن الأحرف كالرابع ... الْمَعْرُوف وَالرَّابِع كَالْأولِ) (وَالسَّابِع التَّاسِع فِي خَمْسَة ... وَعشرَة السَّادِس فأظهره لي) (وَعشر ثَانِيَة إِذا كَانَ فِي ... خامسه كالثالث الْأَفْضَل) (هَذَا اسْم من أَهْوى فَإِن كنت ذَا ... معرفَة فَأخْبر وَلَا تمطل) السَّرِيع وَقَالَ لغزا فِي أَبُو الْكِرَام (يَا سائلي عَن حبيب لَا أُسَمِّيهِ ... خوف الرَّقِيب وَلَكِنِّي أعميه) (مركب الِاسْم من سِتِّينَ قد ضربت ... فِي نصف سدس لَهَا فَافْهَم مَعَانِيه) (وَخمْس سابعه ضعف لسادسه ... وَعشر سادسه مَال لثانيه) (وثالث الِاسْم فِي هَاء كخامسه ... وَالرَّابِع الأول الْمَعْرُوف بحكيه) (هَذَا اسْم سؤلي فَلَا تفصح بأحرفه ... إِنِّي فديتك مهما عِشْت أخفيه) الْبَسِيط وَقَالَ أَيْضا لغزا فِيهِ (فديت من نصف اسْمه جذر قَاف ... وخمسه لَام وياء وكاف) (وسادس الأحرف فِي نصفه ... وربعه مثل الثمان الظراف) (وَضعف ثَانِي الِاسْم فِي خَمْسَة ... كَنِصْف أنهاه قِيَاسا كفاف) (وَالسَّابِع الثُّلُثَانِ وَالثَّالِث ... الْخمس وَالرَّمْز كَاف) (وَالرَّابِع الأول يَا سَيِّدي ... هَذَا الَّذِي أورث جفني الرعاف) (وَهُوَ على قسمَيْنِ إِحْدَاهمَا ... أقصده مِنْهُ وَقسم مُضَاف) (هَذَا اسْم من أَهْوى فَهَل عاشق ... أُوتِيَ على مثل افتناني عفاف) السَّرِيع وَقَالَ لغزا فِي أتش (يَا سائلي عَن الأقمار تحكيه ... مهلا فَإِنِّي طول الدَّهْر أخفيه

стр. 736

(مركب الِاسْم من تَاء وَمن ألف ... وَسدس ثالثه نصف لثانيه) (وَأول الِاسْم عشر الْيَاء فاصغ لما ... أَقُول واكتمه أَنِّي لَا أُسَمِّيهِ) الْبَسِيط وَقَالَ (حرم بعد الْقَوْم آرابه ... صب غَدا ينْدب مَا صابه) (ودع من يهواه ثمَّ انثنى ... يعالج الْمَوْت وأسبابه) (قَالَ لَهُ صَاحبه هَكَذَا ... جَزَاء من فَارق أحبابه) السَّرِيع وَقَالَ أَيْضا (سيرتي كالمرآة يبصر مِنْهَا ... شبهه ذُو الْجمال والقبح حَقًا) (فيسر الْجَمِيل حسن يوافي ... ويسوء الْقَبِيح قبح يلقى) (فيديم الْجَمِيل رُؤْيَته فِيهَا ... وينأى عَنْهَا الْقَبِيح الأشقى) (وَكَذَا لَا يلم بِي من بني الدُّنْيَا ... سوى الأكرمين طبعا وخلقا) الْخَفِيف وَقَالَ أَيْضا (ثَلَاثُونَ عَاما من حَياتِي مَضَت وَمَا ... يئست وَلَا نولت بعض مطالبي) (تعاندني الْأَيَّام عمدا وإنني ... صبور على الْبلوى منيع الجوانب) (تقربت من حظي بِكُل فَضِيلَة ... وَفضل فجاراني بِضيق الْمذَاهب) (إِلَّا أَن يأس النَّفس أوفق للفتى ... وَأطيب من نجوى الْأَمَانِي الكواذب) الطَّوِيل وَقَالَ أَيْضا (هِيَ الدُّنْيَا فَلَا تغتر مِنْهَا ... بِشَيْء أَنه عرض يَزُول) الوافر ولعمي رشيد الدّين عَليّ بن خَليفَة من الْكتب كتاب الموجز الْمُفِيد فِي علم الْحساب أَربع مقالات أَلفه للْملك الأمجد صَاحب بعلبك وَذَلِكَ فِي شهر صفر سنة ثَمَان وسِتمِائَة وهم فِي المخيم بِالطورِ كتاب فِي الطِّبّ أَلفه للْملك الْمُؤَيد نجم الدّين مَسْعُود بن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب وَقد استقصى فِيهِ ذكر الْأُمُور الْكُلية من صناعَة الطِّبّ وَمَعْرِفَة الْأَمْرَاض وأسبابها ومداواتها كتاب طب السُّوق أَلفه لبَعض تلامذته وَهُوَ يشْتَمل على ذكر الْأَمْرَاض الَّتِي تحدث كثيرا ومداواتها بالأشياء السهلة الْوُجُود الَّتِي قد اشْتهر التَّدَاوِي بهَا مقَالَة فِي نِسْبَة النبض وموازنته إِلَى الحركات الموسيقارية مقَالَة فِي السَّبَب الَّذِي لَهُ خلقت الْجبَال ألفها للْملك الأمجد كتاب الاسطقسات تعاليق ومجريات فِي الطِّبّ

стр. 737

بدر الدّين ابْن قَاضِي بعلبك هُوَ الْحَكِيم الْأَجَل الْعَالم الْكَامِل بدر الدّين المظفر ابْن القَاضِي الإِمَام الْعَالم مجد الدّين عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم كَانَ وَالِده قَاضِيا ببعلبك وَنَشَأ هُوَ بِدِمَشْق واشتغل بهَا فِي صناعَة الطِّبّ وَقد جمع الله فِيهِ من الْعلم الغزير والذكاء المفرط والمروءة الْكَثِيرَة مَا تعجز الألسن عَن وَصفه قَرَأَ صناعَة الطِّبّ على شَيخنَا الْحَكِيم مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ ﵀ وأتقنها فِي أسْرع الْأَوْقَات وَبلغ فِي الْجُزْء العلمي والعملي مِنْهَا إِلَى الغايات وَله همة عالية فِي الِاشْتِغَال وَنَفس جَامِعَة لمحاسن الْخلال وَوجدت لَهُ فِي أَوْقَات اشْتِغَاله من الِاجْتِهَاد مَا لَيْسَ لغيره من المشتغلين وَلَا يقدر عَلَيْهِ سواهُ أحد من المتطببين كَانَ لَا يخلي وقتا من التزيد فِي الْعلم والعناية فِي المطالعة والفهم وَحفظ كثيرا من الْكتب الطبية والمصنفات الْحكمِيَّة وَمِمَّا شاهدته من علو همته وجودة قريحته أَن الشَّيْخ مهذب الدّين عبد الرَّحِيم بن عَليّ كَانَ قد صنف مقَالَة فِي الاستفراغ وَقرأَهَا عَلَيْهِ كل وَاحِد من تلامذته وَأما هُوَ فَإِنَّهُ شرع فِي حفظهَا وَقرأَهَا عَلَيْهِ من خاطره غَائِبا من أَولهَا إِلَى آخرهَا فأعجب الشَّيْخ مهذب الدّين ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ ملازما لَهُ مواظبا على الْقِرَاءَة والدرس وَلما خدم الشَّيْخ مهذب الدّين الْأَشْرَف مُوسَى ابْن الْملك الْعَادِل وَكَانَ فِي بِلَاد الشرق وسافر الْحَكِيم مهذب الدّين إِلَى خدمته وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وسِتمِائَة توجه الْحَكِيم بدر الدّين مَعَ الشَّيْخ مهذب الدّين وَلم يقطع الِاشْتِغَال عَلَيْهِ ثمَّ خدم الْحَكِيم بدر الدّين بالرقة فِي البيمارستان الَّذِي بهَا وصنف مقَالَة حَسَنَة فِي مزاج الرقة وأحوال أهويتها وَمَا يغلب عَلَيْهَا وَأقَام بهَا سِنِين واشتغل بهَا فِي الْحِكْمَة على زين الدّين الْأَعْمَى ﵀ وَكَانَ إِمَامًا فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة ثمَّ أَتَى بدر الدّين إِلَى دمشق وَلما تملك الْملك الْجواد مظفر الدّين يُونُس بن شمس الدّين مودود ابْن الْملك الْعَادِل دمشق وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة استخدمه وَكَانَ حظيا عِنْده مكينا فِي دولته مُعْتَمدًا عَلَيْهِ فِي صناعَة الطِّبّ وولاه الرياسة على جَمِيع الْأَطِبَّاء والكحالين والجرائحيين وَكتب لَهُ منشورا بذلك فِي شهر صفر سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة فجدد من محَاسِن الطِّبّ مَا درس وَأعَاد من الْفَضَائِل مَا دثر وَذَلِكَ أَنه لم يزل محبا لفعل الْخيرَات مفكرا فِي الْمصَالح فِي سَائِر الْأَوْقَات وَمِمَّا وجدته قد صنعه من الْآثَار الْحَسَنَة الَّتِي تبقى مدى الْأَيَّام ونال بهَا من المثوبة أوفر الْأَقْسَام أَنه لم يزل مُجْتَهدا حَتَّى اشْترى دورا كَثِيرَة ملاصقة للبيمارستان الْكَبِير الَّذِي أنشأه وَوَقفه الْملك الْعَادِل نور الدّين مَحْمُود بن زنكي ﵀ وتعب فِي ذَلِك تعبا كثيرا واجتهد بِنَفسِهِ وَمَاله حَتَّى أضَاف هَذِه الدّور الْمُشْتَرَاة إِلَيْهِ وَجعلهَا من جملَته وَكبر بهَا قاعات كَانَت صَغِيرَة للمرضى وبناها أحسن الْبناء وشيدها وَجعل المَاء فِيهَا جَارِيا فتكمل بهَا البيمارستان وَأحسن فِي فعله ذَلِك غَايَة الْإِحْسَان وَلم يزل يدرس صناعَة الطِّبّ وخدم أَيْضا الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب ابْن الْملك الْكَامِل لمداواة الأدر السعيدة بقلعة دمشق وَمن يلوذ بهَا والتردد إِلَيّ البيمارستان ومعالجة المرضى فِيهِ وَكتب لَهُ منشورا برياسنه أَيْضا على جَمِيع الْأَطِبَّاء وَذَلِكَ فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة

стр. 738

وخدم أَيْضا لمن أَتَى بعده من الْمُلُوك الَّذين ملكوا دمشق وَله مِنْهُم الْجَارِي المستمر والراتب المستقر والمنزلة الْعلية والفواضل السّنيَّة وَهُوَ ملازم التَّرَدُّد إِلَى القلعة والبيمارستان ودائم التزايد فِي الْعلم فِي سَائِر الْأَزْمَان وَمِمَّا وجدته من علو همته وَشرف أرومته أَنه تجرد لعلم الْفِقْه فسكن بَيْتا فِي الْمدرسَة القليجية الَّتِي وَقفهَا الْأَمِير سيف الدّين عَليّ بن قليج ﵀ وَهِي مجاورة لدار الْحَكِيم بدر الدّين فَقَرَأَ الْكتب الْفِقْهِيَّة والفنون الأدبية وَحفظ الْقُرْآن حفظا لَا مزِيد عَلَيْهِ وَعرف التَّفْسِير والقراءات حَتَّى صَار فِيهَا هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ واشتغل بذلك على الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدّين أبي شامة ﵀ وَلَيْسَ للحكيم بدر الدّين دأب إِلَّا الْعِبَادَة وَالدّين والنفع لسَائِر الْمُسلمين وَلم يزل يبلغنِي تفضله ويصلني أنعامه وتفضله وَكَانَ وصل إِلَيّ من تصنيفه كتاب مفرح النَّفس فَكتبت إِلَيْهِ فِي رِسَالَة وقف الْمَمْلُوك على مَا أودعهُ مَوْلَانَا الْحَكِيم الإِمَام الْعَالم بدر الدّين أيد الله سعادته وأدام سيادته فِي كِتَابه المعجز وَلَفظه الموجز الموسوم بمفرح النَّفس الموجد للسرور والأنس الَّذِي أربى بِهِ على القدماء وَعجز سَائِر الْأَطِبَّاء والحكماء وتقلبت الْأَدْوِيَة القلبية مِنْهُ فرقا وَصَارَ الرئيس مرؤوسا فِي هَذَا المرتقى وَلَا غرو صُدُور مثله عَن مَوْلَانَا وَهُوَ شيخ الأوان وعلامة الزَّمَان فَالله يَجْعَل حَيَاته مَقْرُونا بهَا السَّعَادَة ويملأ الْآفَاق من تصانيفه لتكثر مِنْهَا الإفادة وكتبت فِي هَذِه الرسَالَة إِلَيْهِ هَذِه الأبيات ونظمتها بديها (تكَاد لنُور بدر الدّين ... تخفى طلعة الشَّمْس) (حَكِيم فَاضل حبر ... شرِيف الخيم وَالنَّفس) (وأدرى النَّاس فِي طب ... وَعلم النبض وَالْحَبْس) (خَبِير بالتداوي عَن ... يَقِين لَيْسَ عَن حدس) (فَمن بقراط وَالشَّيْخ ... من اليونان وَالْفرس) (فكم أوجد من برْء ... وَكم أنقذ من عكس) (سما فِي الرَّأْي عَن قيس ... وَفِي الْأَلْفَاظ عَن قس) (وَقد أهْدى إِلَى قلبِي ... كتاب مفرح النَّفس) (كتاب حل تأييد ... بِهِ فِي عَالم الْقُدس) (تجلى نور مَعْنَاهُ ... لنا فِي ظلمَة النَّفس) (وَمَا أحسن زهر الْخط ... فِي روض من الطرس) (بَدَت أبكار أفكار ... فَكَانَ الطّرف فِي عرس) (وَمَا أَكثر لي فِيهِ ... من الرَّاحَة والأنس) (وَقد قابلت مَا يحويه ... بالتقبيل والدرس)

стр. 739

(فاجني مِنْهُ إثمارا ... حلت من طيب الْغَرْس) الهزج وَمِمَّا كتبته إِلَيْهِ أَيْضا فِي كتاب (مولَايَ بدر الدّين يَا من لَهُ ... فَضَائِل تتلى وإحسان) (وَمن علا فِي الْمجد حَتَّى لقد ... قصر عَن علياه كيوان) (وَمن إِذا قَالَ فَمن لَفظه ... يسحب ذيل العي سحبان) (شوقي إِلَى لقياك قد زَاد عَن ... حد وَصدق الود برهَان) (لم تخل عَن فكري وَمَالِي بِمَا ... أَنْعَمت طول الدَّهْر نِسْيَان) السَّرِيع أدام الله أَيَّام الْمجْلس السَّامِي الأجلي المولوي الحكيمي العالمي الفاضلي الصدري الكبيري المخدومي عَلامَة عصره وفريد دهره بدر الدُّنْيَا وَالدّين عُمْدَة الْمُلُوك والسلاطين خَالِصَة أَمِير الْمُؤمنِينَ حرص الله معاليه وبلغه فِي الدَّاريْنِ نِهَايَة أمانيه وكبت حَسَدْته وأعاديه وَلَا زَالَت السَّعَادَة مخيمة بفنائه والألسن مجتمعة على شكره وثناءه الْمَمْلُوك يُنْهِي أَن عِنْده من تزايد الأشواق إِلَى الْخدمَة مَا لَو أَن لَهُ فصاحة الشَّيْخ الرئيس مَعَ طول عبارَة الْفَاضِل جالينوس لقصر عَن ذكر بعض مَا يجده من برح الأشواق ومكابدة مَا يشكوه من ألم الْفِرَاق وَهُوَ يبتهل إِلَى الله تَعَالَى فِي تسهيل الِاجْتِمَاع السار وتيسير اللِّقَاء على الِاخْتِيَار والإيثار وَلما اتَّصل بالمملوك مَا صَار إِلَى الْمولى من رياسته على سَائِر الْأَطِبَّاء وَمَا خصهم الله تَعَالَى بذلك من النِّعْمَة وأسبغ عَلَيْهِم من جزيل الآلاء وجد نِهَايَة الْفَرح وَالسُّرُور وَغَايَة مَا يتوخاه من الحبور وَتحقّق أَن الله تَعَالَى قد نظر إِلَى الْجَمَاعَة بِعَين رعايته وشملهم بِحسن عنايته وَأَن هَذِه الصِّنَاعَة قد علا مقدارها وارتفع منارها وَصَارَ لَهَا الْفَخر الْأَكْبَر وَالْفضل الْأَكْثَر والسعد الأسمى وَالْمجد الْأَسْنَى وَقد شرف وَقتهَا بِهِ على سَائِر الْأَوْقَات وَصَارَت حَال الْعلم حِينَئِذٍ على خلاف مَا ذكره ابْن الْخَطِيب فِي الكليات فَللَّه الْحَمد على مَا أولى من نعمه الشاملة ومننه الْكَامِلَة وَالْمولى هُوَ من جعلت أُمُور هَذِه الصِّنَاعَة لَدَيْهِ وفوضت رياسة أَهلهَا وأربابها إِلَيْهِ (وَلم تَكُ تصلح إِلَّا لَهُ ... وَلم يَك يصلح إِلَّا لَهَا) فَإِن شَوَاهِد الْمجد لم تزل تُوجد من شمائله وأعلام السؤدد تدل على فضائله وفواضله فَالله تَعَالَى يُؤَيّدهُ فِيمَا أولاه ويسعده فِي آخرته وأولاه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَمِمَّا قلته أَيْضا وكتبت بِهِ إِلَيْهِ فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وسِتمِائَة (كتبت ولي شوق يزِيد عَن الْحصْر ... وفرط ارتياح مُسْتَمر مَعَ الدَّهْر) (ونار أسى للبعد بَين جوانحي ... لَهَا لَهب أذكى وقودا من الْجَمْر) (وَعِنْدِي حنين لَا يزَال إِلَى الَّذِي ... لَهُ منن عِنْدِي تردد فِي فكري) (هُوَ الصَّدْر بدر الدّين أفضل مَا جد ... وَمن هُوَ فِي أوج العلى أوحد الْعَصْر)

стр. 740

(حَكِيم حوى مَا قَالَ بقراط سالفا ... وَمَا قَالَ جالينوس من بعده يدْرِي) (وَيعلم للشَّيْخ الرئيس مباحثا ... إِذا مَا تَلَاهَا أورد اللَّفْظ كالدر) (إِذا قَالَ بذ الْقَائِلين وَلَفظه ... هُوَ السحر لَكِن الْحَلَال من السحر) (وَإِن طب ذَا سقم وأسعف مقترا ... أَتَى الْفضل والإفضال بالبرء وَالْبر) (كثيرا الحيا طلق الْمحيا إِذا هَمت ... سحائب جود مِنْهُ أغنت عَن الْقطر) (بعيد المدى داني الندى وافر الجدى ... إِذا مَا بدا كَانَ الْهدى من سنا الْبَدْر) (وَمَا مثل بدر الدّين فِي الْعلم والحجى ... وَمَا قد حواه من خلائقه الزهر) (فيا أَيهَا الْمولى الَّذِي مكرماته ... يَرَاهَا ذَوُو الآمال من أفضل الذخر) (لقد زَاد بِي شوق إِلَيْك وإنني ... لشط التداني وَاجِد عادم الصَّبْر) (وَإِنِّي على بعد الديار وقربها ... كثير وَلَاء لَا يزَال مدى الْعُمر) (ويبلغني من وَالِدي عَنْك أنعما ... تجود بهَا جلت عَن الْعد والحصر) (رعيت لنا عهدا قَدِيما عَرفته ... وَحسن وَفَاء الْعَهْد من شيم الْحر) (وَمثلك من يولي جميلا لصَاحب ... إِذا كَانَ فِي أوقاته نَافِذ الْأَمر) (وَمَالِي إِلَّا بَث شكر أقوله ... وَحسن دُعَاء فِي السريرة والجهر) (وأثني على علياك فِي كل محفل ... وأتلو آي الْحَمد بالنظم والنثر) (وَقد جَاءَ شعري مادحا لَك شاكرا ... لِأَنَّك أهل للمدائح وَالشُّكْر) (فَلَا زلت فِي سعد مُقيم ونعمة ... وَعمر مديد سالما عالي الْقدر) الطَّوِيل الْمَمْلُوك يقبل الْيَد المولوية الحكيمية الأجلية العالمية الْفَاضِلِيَّةِ الرئيسية الصدرية الأوحدية البدرية أدام الله لَهَا التأييد والنعماء وضاعف من منائحها على أوليائها الآلاء وكبت بدواء سعودها الحسدة والأعداء وَلَا زَالَت فِي نعم مُتَوَالِيَة وعوارف دائمة وَغير زائلة مَا تَتَابَعَت الْأَيَّام فِي السنين وتلازمت حَرَكَة الْقلب والشرايين ويواظب لمولانا بِحسن الدُّعَاء الَّذِي مَا زَالَ عرف أنفاسه متضوعا وَالثنَاء الَّذِي مَا انْفَكَّ أَصله الثَّابِت متفرعا متنوعا ويواصل بالمحامد الَّتِي مَا برح نشرها فِي مجَالِس الْمجد وَالشُّكْر نافحا متأرجحا والمدائح الَّتِي مَا فتئ وَجه محاسنها أبدا متبرجا متبلجا وَيُنْهِي مَا عِنْده من كَثْرَة الأشواق والأتواق الَّتِي تستوعبها الْعبارَة وَلَا تسعها الأوراق غير أَنه يعول على إحاطة علم مَوْلَانَا بِصدق محبته وولائه واعتداده بجزيل أياديه وآلائه وَإِن كتاب وَالِد الْمَمْلُوك ورد إِلَيْهِ بِبِشَارَة مَلَأت قلبه سُرُورًا وَنَفسه حبورا بِنَظَر مَوْلَانَا فِي سَائِر الْأَطِبَّاء ورياسته واشتماله عَلَيْهِم بِحسن رعايته وعنايته وَوصف من أنعام مَوْلَانَا عَلَيْهِ وإحسانه إِلَيْهِ مَا الْمَعْهُود من إحسانه وَالْمَشْهُور من تفضله وامتنانه ومولانا فَهُوَ أعلم بطرق الْكَرم وأدرى بِأَن المعارف فِي أهل النهى ذمم فَالله يَجْعَل مَوْلَانَا أبدا
следующие страницы →