وبعدها فيهم نزلت، فأولى أن تكون هي في معنى ما قبلها وبعدها إذا كانت في سياق واحد. اهـ (١).
واستدل بهذه القاعدة على صحة ترجيحه لبعض الأقوال في تفسير بعض الآيات، منها قوله: فإن قال قائل: وما دليلك على أن المقصود بهذه الآية اليهود؟ قيل: دليلنا على ذلك ما قبلها من الآيات وما بعدها فإنهم هم المعنيون به، فكان ما بينهما بأن يكون خبرا عنهم أحق وأولى من أن يكون خبرا عن غيرهم حتى تأتي الأدلة واضحة بانصراف الخبر عنهم إلى غيرهم. اهـ (٢).
ثمّ بيّن هذه الأدلة التي تصرف الخبر عمّا قبله وبعده بقوله - في موضع آخر -:
فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره، إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل، أو خبر عن الرسول تقوم به حجّة، فأمّا الدّعاوى، فلا تتعذر على أحد. اهـ (٣).
واستعمل هذه القاعدة في مواطن كثيرة جدا من كتابه، ونص عليها بلفظها كذلك في مواضع كثيرة، فهي من القواعد الأساسية التي اعتمدها في الترجيح (٤).
٤ - ومنهم ابن عطية (٥): فهي عنده من قواعد الترجيح الأساسية، ورجح بها كثيرا من الأقوال، وضعّف بها كذلك كثيرا من الأقوال، في متن كتابه (٦).
стр. 107
فمن هذه المواضع التي رجح بهذه القاعدة فيها، قوله - معلقا على قول خالف هذه القاعدة -: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخرالآية عما تقدمها، وارتبط بها من المعنى، وعما تأخر أيضا … اهـ (١).
وقال في موضع آخر - معلقا على قول خالف القاعدة -: وهذا القول وإن كانت ألفاظ الآية تقتضيه فما قبلها وما بعدها يرده ويتبرأ منه، ويختل أسلوب القول به. اهـ (٢).
٥ - ومنهم الرازي: قال - مرجحا بمضمون هذه القاعدة بعد أن فسرآية -: وكل من أنصف ولم يتعسف علم أنا إذا فسرنا هذه الآية على الوجه الذي ذكرناه صارت هذه السورة من أولها إلى آخرها كلاما واحدا منتظما مسوقا نحو غرض واحد، فيكون هذا التفسير أولى مما ذكروه. اهـ (٣).
٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى اهـ (٤).
ونقل عنه الزركشي قوله: السياق يرشد إلى تبيين المجملات، وترجيح المحتملات، وتقرير الواضحات، وكل ذلك بعرف الاستعمال. اهـ (٥).
٧ - ومنهم القرطبي (٦): قال - في معرض تعليله لأحد اختياراته في التفسير -: قال ابن عباس: هو من محاورة نوح لقومه -: وهو أظهر؛ لأنه ليس قبله ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه. اهـ (٧).
стр. 108
٨ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: حيث قرر أن من أهم أسباب الخطأ في التفسير هو ما فعله أقوام حيث فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به. فراعوا مجرد اللفظ، وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به، ولسياق الكلام (١).
وقال في موضع آخر: فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن تبين له المراد، وعرف الهدى والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج اهـ (٢).
٩ - ومنهم ابن القيم: فهو ممن اعتمد هذه القاعدة وقررها (٣)، ورجح بها بين الأقوال في التفسير، فصحح أقوالا، وضعّف أخرى.
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤]: والسياق يدل على أنها الثمار المعروفة لا غيرها. اهـ (٤).
وضعّف في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٤١) [الحجر: ٤١] قول من قال: إنه على التهديد والوعيد، بهذه القاعدة فقال: والسياق يأبى هذا ولا يناسبه لمن تأمله. اهـ (٥).
١٠ - ومنهم ابن جزي الكلبي (٦): ذكر هذه القاعدة في مقدمة تفسيره من أوجه الترجيح، قال: السادس: أن يشهد بصحة القول سياق الكلام، ويدل عليه ما قبله
стр. 109
أو ما بعده. اهـ (١).
١١ - ومنهم ابن كثير: فقد استظهر بهذه القاعدة أقوالا في تفسيره (٢).
١٢ - ومنهم الزركشي: قال: الرابع - من الأمور التي تعين على المعنى عند الإشكال -: دلالة السياق، فإنها ترشد إلى تبيين المجمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظيره، وغالط في مناظراته. اهـ (٣).
١٣، ١٤ - ومنهم الشوكاني وصديق خان (٤): فقد استعملاها في ترجيح بعض الأقوال في أمثلتها (٥).
١٥ - ومنهم الألوسي: فقد رجح بها أقوالا، واستبعد بها أخرى (٦).
١٦ - ومنهم محمد رشيد رضا (٧): قال: وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ: موافقته لما سبق له من القول، واتفاقه مع جملة المعنى. اهـ (٨).
***
стр. 110
الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
الأمثلة على هذه القاعدة كثيرة منها:
١ - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. اختلف أهل التأويل في المعنيّ بقوله: ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفي تأويل ذلك (١).
فقال بعضهم: كان قائل ذلك رجلا من اليهود، ثم اختلفوا في اسم ذلك الرجل على أقوال. فقيل مالك بن الصيف، وقيل: فنحاص اليهودي ..
وقال آخرون: بل عنى بذلك جماعة من اليهود سألوا النبي ﷺ مثل آيات موسى ﵇. والقولان بمعنى واحد، وهو أن هذه الآية خبر عن اليهود.
وقال آخرون: هذا خبر من الله - جلّ ثناؤه - عن مشركي قريش أنهم قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء.
وهذا القول الأخير هو الأوفق للسياق، وهو الذي رجحه الطبري بهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.
قال ﵀: وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك، قول من قال:
عنى بذلك: وما قدروا الله حق قدره مشركو قريش، وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فأن يكون ذلك أيضا خبرا عنهم أشبه من أن يكون خبرا عن اليهود، ولما يجر لهم ذكر يكون هذا به متصلا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعروف من دين اليهود، الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود، وإذا لم يأت بما روى من الخبر، بأن قائل ذلك كان رجلا من اليهود خبر صحيح متصل السند، ولا كان على أن ذلك كان كذلك من أهل التأويل إجماع، وكان الخبر
стр. 111
من أول السورة ومبتدئها إلى هذا الموضع خبرا عن المشركين من عبدة الأوثان، وكان قوله: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ موصولا بذلك غير مفصول منه، لم يجز لنا أن ندعي أن ذلك مصروف عما هو به موصول، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل. أهـ (١).
ونصر ابن كثير اختيار الطبري، قال: والأول -[يعني أنه خبر عن المشركين]- أظهر؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش - والعرب قاطبة - كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر، كما قال: ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] وقال تعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ﴾ ﴿الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولاً﴾ ﴿(٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي﴾ ﴿الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ (٩٥) [الإسراء: ٩٤ - ٩٥] وقال ها هنا: ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. اهـ (٢).
٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٣].
قال الطبري: اختلف أهل التأويل في المعنيّ بالنعمة التي أخبر الله - تعالى ذكره - عن هؤلاء المشركين أنهم ينكرونها، مع معرفتهم بها، فقال بعضهم: هو النبي ﷺ عرفوا نبوّته ثم جحدوها وكذبوه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنهم يعرفون أن ما عدّد الله - تعالى ذكره - في هذه السورة من النعم من عند الله، وأن الله هو المنعم بذلك عليهم، ولكنهم ينكرون ذلك، فيزعمون أنهم ورثوه عن آبائهم.
وقال آخرون: إنكارهم إياها أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا.
стр. 112
وقال آخرون: معنى ذلك أن الكفار إذا قيل لهم: من رزقكم؟ أقرّوا بأن الله هو الذي رزقهم، ثم ينكرون ذلك بقولهم: رزقنا ذلك بشفاعة آلهتنا.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، وأشبهها بتأويل الآية، قول من قال: عنى بالنعمة التي ذكرها الله في قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ﴾ النعمة عليهم بإرسال محمد ﷺ إليهم داعيا إلى ما بعثه بدعائهم إليه، وذلك أن هذه الآية بين آيتين كلتاهما خبر عن رسول الله ﷺ ، وعما بعث به، فأولى ما بينهما أن يكون في معنى ما قبله وما بعده، إذ لم يكن معنى يدلّ على انصرافه عما قبله وعما بعده، فالذي قبل هذه الآية قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾ [النحل: ٨٢ - ٨٣]، وما بعده ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ [النحل: ٨٤] وهو رسولها. فإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية: يعرف هؤلاء المشركون بالله نعمة الله عليهم يا محمد بك، ثم ينكرونك ويجحدون نبوّتك ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٣) يقول: وأكثر قومك الجاحدون نبوّتك، لا المقرّون بها. اهـ (١).
стр. 113
_________
(١) - جامع البيان (١/ ٥١٣).
٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ [البقرة: ١٧١]. انظر جامع البيان (٢/ ٨٢).
٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: ١٧٧]. انظر جامع البيان (٢/ ٩٥).
٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [البقرة: ٢٦٧]. انظر جامع البيان (٢/ ٣٢٣).
٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٨٠]. انظر جامع البيان (٣/ ١١٤).
١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا [النساء: ٣]. انظر التفسير القيم ص ٢٢٠.
١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ [النساء: ٢٥]. انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢٨) وأضواء البيان (١/ ٣٨١).
١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء: ٣٧]. انظر روح المعاني (٦/ ١٥٣).
١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [المائدة: ٤٨]. انظر روح المعاني (٦/ ١٥٣).
١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ [المائدة: ١٠٣].
انظر المحرر الوجيز (٥/ ٢١٤).
١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) [الأعراف: ١٤٥]. انظر جامع البيان (٩/ ٥٩).
والأمثلة على هذه القاعدة كثيرة جدا، انظر مزيدا منها في جامع البيان (٧/ ٢٢٥) و (٩/ ١٠٥، ١٣٩، ١٤٨، ١٥٥، ٢١٢) و (١٧/ ١٣٣، ٢٠٣) و (١٨/ ١٣٥) و (٢٦/ ٨، ١٢) و (٢٧/ ٤٧) و (٢٩/ ٢٤، ١٥٠) و (٣٠/ ٥٥، ١٤٦).
وفي المحرر الوجيز (٦/ ٧٠) و (٧/ ٢٢٥) و (٨/ ٣٤، ١٣٩) و (٩/ ٧٦، ١٤٠) و (١٥/ ٤٤٧) و (١٦/ ١٥٦).
وفي تفسير ابن كثير (٧/ ٢٥، ٦١).
وفي التفسير القيم ص ٢٩١، ٣١٧، ٣٦١.
وفي أضواء البيان (٢/ ٤٣٠) و (٤/ ١٢٩، ١٣٥، ١٨٢، ٢١٢) و (٥/ ٦٦) و (٦/ ٦٩١).
стр. 114
المطلب الثاني:
قاعدة: لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه
* صورة القاعدة:
الأصل في نصوص القرآن - وكذا السنة - أن تحمل على ظواهرها، وتفسر على حسب ما يقتضيه ظاهر اللفظ، ولا يجوز أن يعدل بألفاظ الوحي عن ظاهرها إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه، وهذا ما تقرر في علم الأصول (١)؛ ولأنه لا يعرف مراد المتكلم إلا بالألفاظ الدالة عليه، والأصل في كلامه وألفاظه أن يكون دالا على ما في نفسه من المعاني، وليس لنا طريق لمعرفة مراده غير كلامه وألفاظه (٢).
فمن خالف ظاهر القرآن فقوله مرجوح، وهذه القاعدة ترد عليه، فمن هذا المنظور كانت هذه القاعدة من قواعد الترجيح.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
المراد ب «الظاهر» هو ما يتبادر إلى الذهن من المعاني وأنه ليس لها معنى باطن يخالف ظاهرها، وهو يختلف بحسب السياق، وما يضاف إليه الكلام، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى في سياق، وآخر في سياق آخر، وتركيب الكلام يفيد معنى على وجه، ومعنى آخر على وجه (٣).
ومعنى الظاهر في هذه القاعدة لا يوافق معنى الظاهر في اصطلاح الأصوليين من
стр. 115
كل وجه، فهو عندهم ما احتمل أمرين هو في أحدهما أظهر من الآخر (١). وهو في مقابل النص - وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال (٢). فالظاهر في هذه القاعدة قد يكون تارة هو الظاهر في اصطلاح الأصوليين، وقد يكون أخرى هو النص في اصطلاحهم.
وقد استعمل لفظ «الظاهر» عند المتكلمين استعمالا يخالف ما كان عليه السلف، وما أريد به في القاعدة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأمّا سؤاله عن «إجراء القرآن على ظاهره» فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين.
ولفظ «الظاهر» في عرف المتأخرين قد صار فيه اشتراك، فإن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو من خصائص المخلوقين حتى يشبّه الله بخلقه فهذا ضال، بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله. فقد قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. يعني أن موعود الله في الجنة من الذهب، والحرير، والخمر، واللبن، تخالف حقائقه حقائق هذه الأمور الموجودة في الدنيا، فالله - تعالى - أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما يدركه العباد، ليست حقيقته كحقيقة شيء منها.
وأمّا إن أراد بإجرائه على الظاهر الذي هو الظاهر في عرف سلف الأمة، لا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يلحد في أسماء الله - تعالى -، ولا يقرأ القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة، بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة، فهذا مصيب في ذلك وهو الحق. اهـ (٣).
فالظاهر في هذه القاعدة هو مدلول النصوص المفهوم بمقتضى الخطاب العربي (٤).
стр. 116
والمراد بقولهم «إلا بدليل يجب الرجوع إليه».
هذا الدليل الذي يجوز صرف الظاهر له، إما أن يكون عقليا ظاهرا أو سمعيا ظاهرا. أما الدليل العقلي الظاهر، هو الذي يعلم به كل أحد المراد، وأن الظاهر غير مراد، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك قوله: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) [الزمر: ٦٢] يعلم المستمع أن الخالق لا يدخل في هذا العموم.
وأما الأدلة السمعية فهي الدلالات في الكتاب والسنة التي تصرف بعض الظواهر (١)
فإذا وجد الدليل جاز صرف اللفظ عن ظاهره (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه؛ ولموافقة السنة والسلف عليه، ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي، والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. اهـ (٣).
стр. 117
وسيأتي التمثيل لما صح فيه صرف اللفظ عن ظاهره بدلالة القرآن أو السنة تحت بحث ما استثني من القاعدة.
أما ما أحدثه المتأخرون من صرف ألفاظ القرآن والسنة عن ظواهرها، وتأويلها دون دليل من القرآن أو السنة وإنما فعلوا ذلك كي توافق مذاهبهم التي اعتقدوها وأسسوها على ما أملته عليهم عقولهم، فمثل هذا ردّ على أصحابه، وسيأتي أمثلة لذلك والردّ عليها بهذه القاعدة العظيمة - إن شاء الله -.
***
* أدلة القاعدة:
١ - منها: خبر الله - تعالى - في كتابه أن هذا القرآن عربي لا عوج فيه، وأنه فصّل آياته، قال تعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) [فصلت: ٣] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧] ونحوها من الآيات التي أخبرت عن تفصيل آياته، وعن كونه بلسان عربي مبين، وتفصيل الآيات، وإنزاله عربيا يقتضى لزاما أن تكون معانيه جارية على ظاهر دلالة ألفاظه التي تدل عليها عربته، ولا يحاد به عن ظاهر ألفاظه العربية، وإلا كان منافيا لتفصيله وكمال عربته التي أخبر الله بها عنه.
٢ - ومنها قول الله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦) [سبأ: ٦]، وقول الله تعالى:
﴿* أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٩) [الرعد: ١٩] فمدح الله - تعالى - العلماء الذين عرفوا الحق من طريق الوحي وشهدوا به، فلو كانت ظواهره لا تدل على مراد الشارع لما استحقوا هذا المدح والتكريم (١).
٣ - ومنها قوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ﴾
стр. 118
﴿نَذِيراً﴾ (١) [الفرقان: ١]. وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]. ونحوها من الآيات، التي تصف النبي ﷺ بأنه منذر، وبهذا القرآن ينذر، فكيف يتم البلاغ ويكمل الإنذار، وتقوم الحجة، وتنقطع المعذرة به وظاهر ألفاظه غير مقصودة، وليست هي الدالة على مراد المتكلم، ولم يبين الله ولا رسوله ﷺ دليلا يدل على الذي صرف لأجله الظاهر. هذا مناف لمهمة الإنذار والبلاغ، وليس بمثل هذه الأحاجي تقوم الحجة وتنقطع المعذرة. فلا سبيل إلى قيام الحجة وانقطاع المعذرة، وكمال الإنذار إلا أن يكون ظاهر الألفاظ مراده، ويكون بها الإنذار، وبها الإيمان وإليها المرجع والتحاكم (١).
٤ - ومنها قول الله - تعالى - عن هذا القرآن: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤) [محمد: ٢٤]. ونحوها من الآيات الدالة على أن هذا القرآن هدى للناس والآمرة بتدبره، فإن الله - تعالى - خاطب عباده جميعا بذلك، وفيهم الذكي والبليد، والفقيه وغير الفقيه وأوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الخطاب ويعقلوه ويتفكروا فيه، ويعتقدوا موجبه فإذا لم يكن هذا كله يفهم من ظاهر الخطاب، ولم ينصب دليلا ظاهرا على إحالته عن ظاهره، أو نصب دليلا خافيا يستنبطه أفراد الناس يدل على أنه لم يرد ظاهره كان هذا تدليسا وتلبيسا، وكان نقيض البيان وضد الهدى وهو بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالهدى والبيان (٢).
٥ - ومنها: حديث زيد بن أرقم (٣) أن النبي ﷺ قام خطيبا فحمد الله وأثنى
стр. 119
عليه ووعظ وذكّر ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله ورغب فيه» (١).
فهذا أمر عام لجميع الأمة بالاستمساك بهذا الكتاب العظيم، ليهتدوا بهداه فلما اشترك جميع الأمة في هذا الأمر، وكان معتصمهم واحدا دل على أن ظاهره هو المراد، وبه المعتصم، وإلا لو كان المراد غير ظاهره - الذي يتبادر إلى الأذهان عند قراءته وسماعه لمن صحت لغته واستقامت فطرته - ولم يبينه النبي ﷺ لكان ذلك طعنا في تبليغه الرسالة وإكمال الدين، وقيام الحجة.
٦ - ومنها: إجماع الأمة على أنه يجب العمل بالظاهر حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، وأن صرفه عنه بغير دليل باطل.
قال الشنقيطي: وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه إلى المحتمل المرجوح وعلى هذا كل من تكلم في الأصول اهـ (٢).
وقال الفخر الرازي: إن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل باطل بإجماع المسلمين اهـ (٣).
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة عامة علماء الأمة فمن هؤلاء الأئمة:
١ - الإمام الشافعي: قال - في معرض حديثه عن السنة مقررا هذه القاعدة: فكل كلام كان عاما ظاهرا في سنة النبي ﷺ فهو على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في
стр. 120
الظاهر بعض الجملة دون بعض. اهـ (١).
٢ - ومنهم إمام المفسرين ابن جرير الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة، ناصا عليها، مرجحا بها -: وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته (٢). اهـ.
وقال في موضع آخر: وإذا تنوزع في تأويل الكلام كان أولى معانيه به أغلبه على الظاهر إلا أن يكون من العقل أو الخبر دليل واضح على أنه معنيّ به غير ذلك اهـ (٣). واستعمل ابن جرير الطبري هذه القاعدة في الترجيح كثيرا، ولا يكاد يرجح بها إلا وينص عليها ويقررها، - وسترى بإذن الله في الأمثلة التطبيقية جملة وافرة من ذلك.
٣ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - في معرض ردّه لأحد الأقوال التي خرجت، باللفظ عن ظاهره: وهذا غير جيد؛ لأنه إخراج لفظ بيّن في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برئ القرآن منه اهـ (٤).
٤ - ومنهم الفخر الرازي: قال: إن صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل باطل لإجماع المسلمين؛ ولأنا إن جوزنا ذلك انفتحت أبواب تأويلات الفلاسفة في أمر المعاد، فإنهم يقولون في قوله: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ (٥) ليس هناك لا أنهار ولا أشجار وإنما مثل للّذة والسعادة … ومعلوم أن ذلك يفضي إلى رفع الشرائع وفساد الدين اهـ (٦).
٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: فقد أبان هذه القاعدة في مواطن كثيرة من
стр. 121
مؤلفاته وأوضح ما حصل من اشتراك في لفظ «الظاهر» (١) وأن سلف الأمة كانوا يجرون ألفاظ الوحي على ظاهرها دون تأويل، قال ﵀: لم يكن في الصحابة من تأول شيئا من نصوصه -[أي الوحي]- على خلاف ما دل عليه، لا فيما أخبر به الله عن أسمائه وصفاته، ولا فيما أخبر عما بعد الموت اهـ (٢).
٦ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد عقد فصلا في الصواعق المرسلة قال فيه: الفصل الحادي عشر في أن قصد المتكلم من المخاطب حمل كلامه على خلاف ظاهره وحقيقته ينافي البيان، والإرشاد، والهدى، وأن القصدين متنافيان، وأن تركه بدون ذلك الخطاب خير له وأقرب إلى الهدى.
فإذا بين المتكلم مراده، بالألفاظ الدالة على مراده، ولم يعلم السامع معنى تلك الألفاظ، لم يحصل له البيان، فلا بد من تمكن السامع من الفهم، وحصول الإفهام من المتكلم، فحينئذ لو أراد الله ورسوله ﷺ من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب لكان قد كلّفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده … اهـ (٣).
٧ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من أوجه الترجيح التي اعتمدها في كتابه، ونص عليها في مقدمته، قال ﵀: السابع: أن يكون ذلك المعنى المتبادر إلى الذهن، فإن ذلك دليل على ظهوره ورجحانه. اهـ (٤).
٨ - ومنهم الزركشي: قال - مقررا هذه القاعدة -: وكل لفظ احتمل معنيين فهو قسمان:
أحدهما: أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فيجب الحمل على الظاهر إلا أن يقوم دليل على أن المراد هو الخفي دون الجليّ فيحمل عليه اهـ (٥).
стр. 122
٩ - ومنهم ابن الوزير (١): قال: وأمّا الأمر الثاني: وهو النقص في الدين برد النصوص والظواهر ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها أيضا. اهـ (٢).
١٠ - ومنهم محمد الأمين الشنقيطي: قال: والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح. اهـ (٣).
وغير هؤلاء كثير جدا، ونقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة على وجوب الأخذ بظواهر الكتاب والسنة - كما سبق - فهذا يغني عن الإطناب في سرد أقوال أئمة الإسلام في ذلك.
***
* المخالفون لهذه القاعدة والرد عليهم:
أولا: المرجئة (٤):
ذهبت المرجئة إلى أنه يجوز أن يعني الله بكلامه خلاف ظاهره، دون أن يدل دليل على ذلك (٥).
والخلاف معهم في آيات وأحاديث الوعيد، وفاقا لمذهبهم في أنه لا يضر مع الإيمان معصية، فقالوا إن ظاهر النصوص الذي يقتضي الوعيد غير مراد.
стр. 123
قال الزركشي: والخلاف في آيات الوعيد والأحاديث الدالة على وعيد الفساق لا غير، على ما فهم من أدلتهم، وأمّا الأمر والنهي فلا خلاف فيهما. اهـ (١).
ومذهبهم هذا كما هو ظاهر مبني على أصل عقديّ معلوم بطلانه - وليس هذا مجال مناقشته -، وفيه إبطال للنصوص الشرعية في هذا الباب، وإبطال لفائدة الإفهام منها، ولو فتح لهم الباب لما بقي الاعتماد على شيء من خبر الله وخبر رسوله ﷺ ؛ لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرا وراء الإفهام، ومعلوم أن ذلك ظاهر الفساد (٢). واللفظ بالنسبة إلى غير ظاهره لا يدل عليه فهو كالمهمل، والخطاب بالمهمل باطل (٣).
ثانيا - الصاوي المالكي (٤):
ذهب الصاوي في حاشيته على الجلالين إلى إبطال الأخذ بظاهر نصوص الكتاب والسنة، بل شطّ حتى جعل الأخذ بظاهرهما من أصول الكفر، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] قال: أي كنصارى نجران ومن حذا حذوهم من أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة. اهـ (٥).
وهذا القول بهتان عظيم، ومباهتة بيّنة قد تولى علماء الأمة الرد عليه، وسأكتفي بذكر بعض كلام العلامة محمد الأمين الشنقيطي في رده عليه، قال ﵀: فانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات الله، وكتابه ونبيه وسنته ﷺ ، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به. فإنه
стр. 124
جعل ما قاله نصارى نجران، هو ظاهر كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من حذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن.
وقد قال قبل هذا: قيل سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي ﷺ ألست تقول:
إن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال: «نعم»، فقالوا: حسبنا، أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية.
فاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] هو أن عيسى ابن الله ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.
وهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة، بوجه من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت.
فقول الصاوي كنصارى نجران ومن حذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن اعتقاد باطل! باطل!! باطل!!! حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره، بل هو لا يدل عليه البتة فضلا عن أن يكون ظاهره وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجائية: ١٣] أي كل ذلك من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض مبدؤه ومنشؤه منه - جل وعلا -.
فلفظة «من» في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن وهو الحق خلافا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران.
وقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يعلمون ما هي الظواهر وأنهم يعتقدون شيئا ظاهر النص. والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلا عن أن يكون ظاهره. فبنوا باطلا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا باطل، ولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها لمنعهم ذلك، من أن يقولوا ما قالوا … وقول الصاوي في
стр. 125
كلامه المذكور إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة. ومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟ سموهم لنا، وبيّنوا لنا من هم؟
والحق الذي لا شك فيه أن هذا القول لا يقوله عالم، ولا متعلم … وقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه، إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول (١). انتهى بلفظه. وقد أطنب الشيخ في الرد عليه، وعلى من نفى الصفات بحجة أن ظاهرها التشبيه، فليراجعه من أراد المزيد.
وقد نبّه شيخ الإسلام ابن تيمية من قبل على جذور هذا المنهج الذي سلكه الصاوي، وبنى عليه الحكم بأن ظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. وذلك تأسيسا لمذهبه العقدي المبني على تأويل آيات الصفات. قال شيخ الإسلام: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد. فإنه يقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك؛ فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد؛ ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرا وباطلا، والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:
تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.
وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل. اهـ (١).
***
стр. 126
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
كما أسلفت في مبحث بيان متى يكون الترجيح - من مباحث التمهيد - أن الترجيح قد يكون فيه ردّ أو تضعيف لبعض الأقوال التي قيلت في الآية، وقد يكون الترجيح بتصحيح قول لموافقته القاعدة، وتضعيف غيره لمخالفته لها، وغيرها من الأنواع، وضربت لذلك أمثلة مقتضبة. (١)
وهذه القاعدة يكون الترجيح بها شاملا لكل ذلك كما تدل عليه أمثلتها - كما سترى بإذن الله.
ومن التفاسير التي تعمل فيها هذه القاعدة:
أولا: تفاسير الباطنية قاطبة.
ثانيا: تفاسير أهل الإشارة والاعتبار.
ثالثا: تفاسير المتكلمين وأهل التأويل.
رابعا: أقوال بعض المفسرين التي ليست مما سبق وخالفوا بها القاعدة.
أولا: تفاسير الباطنية (٢):
ومن الباطنية الذين تردّ هذه القاعدة مذاهبهم وأقوالهم في التفسير.
- الإمامية الاثنا عشرية (٣):
تقول الإمامية الاثنا عشرية: إن القرآن له ظاهر وباطن .. بل له سبعة وسبعون
стр. 127
بطنا، ولم يقتصروا على ذلك بل تمادوا وادعوا أن الله - تعالى - جعل ظاهر القرآن في الدعوة إلى التوحيد والنبوة والرسالة، وجعل باطنه في الدعوة إلى الإمامة والولاية وما يتعلق بهما … ومن نتائج هذا التفسير الباطني للقرآن أن وجد القائلون به أمام أفكارهم مضطربا بالغا ومجالا رحبا، يتسع لكل ما يشاؤه الهوى وتزينه لهم العقيدة فأخذوا يتصرفون في القرآن كما يحبون وعلى أي وجه يشتهون (١).
فليس هناك ضابط لتأويلاتهم، ولا تدل عليه ألفاظ القرآن الكريم بأي نوع من أنواع الدلالة، بل هو مبني على ما تمليه عليهم عقيدتهم وأذواقهم ومشاربهم، فمثل هذه التأويلات لظاهر ألفاظ القرآن مردودة على صاحبها - ولا كرامة - بهذه القاعدة المسلّمة عند أهل السنة والقرآن.
وهناك أمثلة تبين شيئا من تلك الضلالات والهدم لمدلولات ألفاظ القرآن الكريم.
يقول مفسرهم عن قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ (١٧) [الرحمن: ١٧]:
المشرقين رسول الله وعلي - صلوات الله عليهما - والمغربين الحسن والحسين ﵉.
وعند قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) [الرحمن: ١٩ - ٢٢] يقول مفسرهم: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ علي وفاطمة ﵉ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ محمد ﷺ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ﴾ (٢٢) الحسن والحسين ﵉ (٢).
فأين هذا التفسير من ظاهر هذه الآية! تحطيم كامل لمدلولات ألفاظ القرآن الكريم.
وكقول مفسرهم في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾
стр. 128
﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠]: مثل ضربه الله لعائشة وحفصة (١) أن تظاهرتا على رسول الله وأفشتا سره (٢). اهـ وعن قوله تعالى: ﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] قال مفسرهم: نحن وجه الله، أهـ (٣) وأمثلة ذلك كثير من تفسيرهم الباطني لكتاب الله - تعالى - وإعراضهم عما دلّ عليه ظاهر القرآن، مع كون هذا الباطن لا دلالة عليه من اللفظ البتة، وإنما هي أهواء وضلالات تملي هذا التفسير على عقولهم وقلوبهم. نعوذ بالله من الخذلان.
والباطنية عامة الذين ترد عليهم هذه القاعدة، هم الذين فسروا القرآن بأمور باطنة تخالف ظاهره (٤)، فهذا معلوم الفساد من جهة مخالفته لظاهر القرآن.
стр. 129
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: .. وأمّا إذا أريد بالعلم الباطن الذي يبطن عن أكثر الناس أو عن بعضهم فهذا على نوعين:
أحدهما: باطن يخالف العلم الظاهر، والثاني: لا يخالفه. فأما الأول فباطل، فمن ادعى علما باطنا أو علما بباطن وذلك يخالف العلم الظاهر كان مخطئا، إما ملحدا زنديقا وإمّا جاهلا ضالا.
وأما الثاني فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا.
فإن الباطن إذا لم يخالف الظاهر لم يعلم بطلانه من جهة مخالفته للظاهر المعلوم، فإن علم أنه حق قبل، وإن علم أنه باطل ردّ وإلا أمسك عنه. وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة (١) من الإسماعيلية (٢).
стр. 130
والنصيرية (١) وأمثالهم ممن وافقهم من الفلاسفة (٢) وغلاة المتصوفة والمتكلمين. اهـ (٣).
ثانيا: تفاسير أهل الإشارة والاعتبار:
وتفاسير هؤلاء داخلة تحت النوع الثاني الذي سبق ذكره عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الباطن الذي لا يخالف العلم الظاهر، فهو بمنزلة الكلام في العلم الظاهر قد يكون حقا وقد يكون باطلا.
وقال شيخ الإسلام في موضع آخر: والثاني: ما كان في نفسه حقا، لكن يستدلون عليه من القرآن والحديث بألفاظ لم يرد بها ذلك، فهذا الذي يسمونه «إشارات»
وهو يشتبه كثيرا على بعض الناس فإن المعنى يكون صحيحا، لدلالة الكتاب والسنة عليه، ولكن الشأن في كون اللفظ الذي يذكرونه دل عليه، وهذا قسمان:
أحدهما: أن يقال: إن ذلك المعنى مراد باللفظ فهذا افتراء على الله، فمن قال المراد بقوله: ﴿تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] هي النفس وبقوله: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ﴾
[طه: ٢٤] هو القلب، ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر ﴿أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ عمر ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان ﴿تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ [الفتح: ٢٩] علي. فقد كذب على الله إما متعمدا وإمّا مخطئا.
стр. 131
والقسم الثاني: أن يجعل ذلك من باب الاعتبار والقياس لا من باب دلالة اللفظ، فهذا من نوع القياس، فالذي تسميه الفقهاء قياسا هو الذي تسميه الصوفية إشارة، وهذا ينقسم إلى صحيح وباطل، كانقسام القياس إلى ذلك. فمن سمع قول الله تعالى:
﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) [الواقعة: ٧٩] وقال: إنه اللوح المحفوظ أو المصحف، فقال: كما أن اللوح المحفوظ الذي كتب فيه حروف القرآن لا يمسه إلا بدن طاهر، فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين. كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا، ولهذا يروى هذا عن طائفة من السلف، قال تعالى: ﴿الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ١ - ٢] وقال: ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) [آل عمران: ١٣٨] وقال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ [المائدة: ١٦] وأمثال ذلك .. وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث، وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرّف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. اهـ (١).
وقال ابن الصلاح (٢): وجدت عن الإمام أبي الحسن الواحدي (٣) المفسر ﵀ أنه قال: صنف أبو عبد الرحمن السلمي (٤) «حقائق التفسير»، فإن كان قد
стр. 132
اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر، وأنا أقول الظن بمن يوثق به منهم أنه إذا قال شيئا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرا ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة من القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسالك الباطنية، وإنما ذلك ذكر منهم لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا بمثل ذلك لما فيه من الإبهام والالتباس والله أعلم. اهـ (١).
ويشبه ما يذكره أرباب الإشارات، ما روي عن الضحاك (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣].
قال: لم يعن بها الخمر، وإنما عنى بها سكر النوم اهـ (٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وهذا إذا قيل: إن الآية دلّت عليه بطريقة الاعتبار، أو شمول معنى اللفظ العام، فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السّكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك اهـ (٤).
وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم وهو اختيار ابن جرير الطبري (٥)، وترجيح ابن عطية (٦)، والشوكاني (٧)، وغيرهم.
стр. 133
فهذا المعنى الذي دلّت عليه، وهو سكر الخمر مقدم في تفسيرالآية - ولا شك - وهو المراد قطعا، وحمل الآية على ظاهر اللفظ، ودلالته الظاهرة هو المتعين، وإن صح اعتبار وقياس سكرة النوم عليه - كما هو قول الضحاك - قياسا لا تفسيرا لنفس لفظ الآية كما ذكر شيخ الإسلام.
ثالثا: تفاسير المتكلمين وأهل التأويل:
وقد ذهب هؤلاء إلى صرف نصوص القرآن والسنة عن ظاهرها فيما يتعلق بصفات الباري - سبحانه -.
قال أبو حامد الغزالي (١): كل خبر مما يشير إلى إثبات صفة الباري يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نظر، إن تطرق إليه التأويل قبل وأوّل، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل. اهـ (٢).
وقرر ذلك الرازي في أساس التقديس، وكذلك في مواضع متعددة من تفسيره (٣).
وإن كان هؤلاء في الجملة ممن يقولون بهذه القاعدة ويقررونها، إلا أنهم يخالفون في تطبيقها، فهم محجوجون بها. فهم يعتقدون معتقدا ويصرفون ظواهر الكتاب والسنة لتوافق معتقدهم، حيث أحال العقل عندهم اتصاف الله - تعالى - بتلك الصفات التي نفوها عنه - سبحانه -، فهم أرادوا حمل ألفاظ القرآن على ما اعتقدوا، وهذا منشأ الخطأ وأصل الضلال، وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الأصل بقوله:
وأمّا النوع الثاني من مستندي الاختلاف وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر
стр. 134
ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان - إحداهما: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. - فهؤلاء - راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظير إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان ..
تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول .. فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول - مثل طوائف من أهل البدع - اعتقدوا مذهبا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة، كسلف الأمة وأئمتها، وعمدوا إلى القرآن فتأوّلوه على آرائهم. تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأوّلون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج (١)، والروافض، والجهمية (٢)، والمعتزلة (٣)، والقدرية (٤)، والمرجئة، وغيرهم. اهـ (٥). والذي ألجأهم إلى هذا المعتقد أنهم
стр. 135
شبّهوا أولا الخالق بالمخلوق فجعلوا صفاته كصفاتهم، فجعلوا ظواهر الكتاب والسنة التشبيه فأوّلوها ليخرجوا من ذلك.
وهذا قول باطل أملته الأهواء والعقول الفاسدة، ولا دلالة عليه من كتاب أو سنة، والحق الذي لا مرية فيه أن كل ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ فظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات المخلوقين، فلا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، كما هو الحال في الذات. وليس هذا موطن القوم (١)، وإنما أردت التنبيه على أصل الشبهة والتي من أجلها أوّلوا ظواهر الكتاب والسنة.
وكتب التفسير إضافة إلى كتب العقائد مليئة بهذه التأويلات لصفات الباري - سبحانه -، ليس المقام مقام سردها وبسطها، وإنما المقصود مطلق المثال، يبيّن من خلاله مخالفة بعض المفسرين لظاهر القرآن والسنة.
فمن أمثله ذلك، الآيات الدالة على صفة اليدين لله - تعالى -، كقوله تعالى:
﴿مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ [المائدة: ٦٤].
قال القاضي عبد الجبار الهمداني (٢): والمراد بذلك: أن نعمتيه مبسوطتان على العباد، وأراد به نعمة الدين والدنيا، والنعمة الظاهرة والباطنة، وقد يعبر باليد عن النعمة فيقال: لفلان عندي يد وأياد ويد جسيمة. اهـ (٣).
стр. 136
ونفى صفة اليد الزمحشري (١) في كشافه، وجعلها من المجاز، على أصول مذهبه الاعتزالي، وكذا بن المنيّر (٢) في تعليقه على الكشاف، على طريقته في تقرير مذهب الأشاعرة في الانتصاف (٣). وهكذا فعل ابن عطية (٤)، والرازي (٥)، والقرطبي (٦)، وأبو حيان (٧)، والسمين الحلبي (٨)، وابن جزيّ الكلبيّ (٩)، وأبو السعود (١٠)، والشوكاني (١١)، وابن عاشور (١٢) وغيرهم.
стр. 137
ومن قبل نقل الماوردي مذاهب أهل التأويل، ولم ينقل قول أهل السنة والجماعة (١)
فهذا الجمع من أئمة التفسير ذهبوا إلى خلاف الصحيح في تفسيرالآية، وخالفوا بذلك ظاهر القرآن - الذي أثبت لله يدا - دون دليل صحيح.
فمن هؤلاء من اتخذ التأويل والتحريف منهجا له في صفات الله أو في بعضها، كالقاضي عبد الجبار، والزمخشري المعتزليين، وكالرازي، وابن عطية، وابن عاشور، وغيرهم الذين سلكوا مذهب الأشاعرة. ومن هؤلاء من زلّ به القلم في تفسير هذه الآية، وربما كان لها نظائر أخر، دون أن يعتقد صحة مذهب من المذاهب المخالفة لأهل السنة، بل هو يقرر في مواطن متعددة مذهب السلف في إثبات صفات الباري - سبحانه - كالشوكاني.
والصحيح الذي لا يجوز العدول عنه في تفسير هذه الآية ونظائرها من آيات الصفات، إثباتها لله - تعالى - على ظاهرها كما أثبتها الله لنفسه وأثبتها له نبيه ﷺ معلومة المعاني غير معقولة الكيف.
فدل ظاهر هذه الآية على إثبات صفة اليدين لله - تعالى -، وبهذا فسرها إمام المفسرين ابن جرير الطبري وأبطل قول من ذهب إلى تأويلها، فقال ﵀: .. ومع ما وصفناه من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤديان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى اليد في هذا الموضع: النعمة، وصحة قول من قال: إن «يد الله» هي صفة له، قالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ وقال به العلماء وأهل التأويل اهـ (٢).
وقال البغوي ﵀: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ويد الله صفة من صفاته كالسمع والبصر والوجه اهـ (٣).
стр. 138
ومن القواعد التي تؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال، قاعدة. «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» - وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله - فاليد في الصفة حقيقة وفي غيرها مجاز (١).
ولا يجوز صرفها من الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل واضح، وتعذر حمل اللفظ على الحقيقة. وهنا لا دليل، وليس متعذرا حملها على الحقيقة فالله أعلم بنفسه من خلقه، فهو الذي وصف نفسه بذلك فنحن نثبتها، كما أثبتها الله لنفسه.
قال أبو عمر ابن عبد البر (٢): أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيّفون شيئا من ذلك، ولا يحدّون فيه صفة محصورة، وأمّا أهل البدع، الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله، وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. اهـ (٣). والكلام في باقي الصفات كالكلام في هذه الصفة، فباب الصفات واحد.
رابعا: أقوال بعض المفسرين التي ليست مما سبق وخالفوا فيها القاعدة:
فمن أمثلة ذلك قولهم (٤) في تفسير قول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] إن كل شيء فيه روح يسبح، وما لا روح فيه فلا يسبح،
стр. 139
قاله الحسن (١)، والضحاك، وغيرهما.
وقال عكرمة (٢): الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح. وهو ما كان من نام من حيوان وغيره يسبح حقيقة.
وقيل: إن كل شيء لم يغيّر عن حاله يسبح، فإذا تغيّر انقطع تسبيحه.
وقيل: إن التراب يسبح ما لم يبتل، فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الورقة تسبّح ما دامت على الشجرة، فإذا سقطت تركت التسبيح، ونحو ذلك.
وقيل: إن هذا التسبيح تجوّز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر.
وترى هذه الأقوال كيف خالفت ظاهرالآية، فظاهرالآية يثبت التسبيح حقيقة لكل المخلوقات من حيوانات ناطقة وغير ناطقة، ومن نبات، وجماد، وما لم نعلم من خلق الله - تعالى - على الحقيقة كما يدل عليه ظاهرالآية. فهذا هو القول الصحيح الذي دل عليه ظاهر القرآن.
قال أبو حيان: ونسبة التسبيح للسموات والأرض ومن فيهنّ من ملك وإنس وجن حمله بعضهم على النطق بالتسبيح حقيقة، وأن ما لا حياة فيه ولا نمو يحدث الله له نطقا وهذا هو ظاهر اللفظ اهـ (٣).
وقال الشنقيطي: التحقيق أن تسبيح الجبال والطير مع داود تسبيح حقيقي؛ لأن الله - جل وعلا - يجعل لها إدراكات تسبّح بها.
стр. 140
والقاعدة المقررة عند العلماء: أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه. اهـ (١).
ورجح هذا القول أيضا القرطبي (٢)، وابن كثير (٣)، وغيرهما.
ويشهد لهذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة».
ويشهد لها أيضا قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه».
وقد صحت أحاديث كثيرة في تسبيح الجمادات حقيقة بالمقال، وفي كلامها بغير التسبيح بالمقال حقيقة.
منها قول ابن مسعود ﵁: « .. ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» (٤) أي على عهد رسول الله ﷺ .
ومنها حديث جابر بن سمرة (٥) ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» (٦).
ومنها حديث جابر بن عبد الله (٧) - رضى الله عنهما - قال: «كان المسجد مسقوفا
стр. 141
على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت» (١).
فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في إثبات تسبيح الجمادات وكلامها، كشفه الله لنبيه ﷺ ولبعض أصحابه، وهو عن كثير من الناس محجوب. فهذا يشهد لصحة قول من جعل التسبيح عاما لجميع الخلق.
ويشهد لهذه القاعدة - أيضا - فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».
فقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عموم لا يجوز تخصيصمه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه، ولا دليل هنا، فوجب حمله على العموم. ومن جعل قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾
عموما، ومعناه الخصوص في كل حيّ ونام (٢)، فقوله مرجوح بهذه القاعدة، وهو مرتهن بإقامة الحجة على دعواه.
قال الشوكاني: ومدافعة عموم هذه الآية بمجرّد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله - سبحانه - ويؤمن بما جاء من عنده. اهـ (٣).
стр. 142
_________
= ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]. انظر جامع البيان (١/ ٥٣٧).
٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة: ٢٢٩].
انظر جامع لأحكام القرآن (٣/ ١٣٧).
٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧]. انظر جامع البيان (٣/ ١٨٠).
٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ٢ - ٣).
٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤]. انظر جامع البيان (٨/ ٩١).
٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة: ٥٥]. انظر جامع البيان (١٠/ ١٥٣).
٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ [الكهف: ٥٠]. انظر جامع البيان (٤/ ١٢٢).
١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء: ٤٧] انظر جامع البيان (٨/ ١٢٣ - ١٢٤) والمحرر الوجيز (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) ط: القطرية و (٧/ ١٢) ط: المغربية، مع التنبّه إلى وجود تقديم وتأخير أخل بالكلام في هذه الطبعة، وأضواء البيان (٤/ ٥٨٤).
١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور: ٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ١٣٢ - ١٣٣).
١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: ١٢]. انظر أضواء البيان (٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ٢٢]. انظر أضواء البيان (٢/ ٢١١).
١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ٥٧٦).
١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [المجادلة: ٤]. انظر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٤٢٣)، وأضواء البيان (١/ ٣٣٠).
وانظر مزيدا من أمثلة هذه القاعدة في جامع البيان (١/ ٢٨٠، ٤٦٧) و (٢/ ٥٧، ٥٩، ٧٥، ٢٦٧) و (٨/ ٦٠) و (١٧/ ٨٤) و (٢١/ ٩٣، ١٤١) و (٢٥/ ٣٨) والمحرر الوجيز (٩/ ٤٠٩) ومفاتيح الغيب (٤/ ٦٣).
стр. 143
ذكر صور خرجت عن هذه القاعدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي. والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. اهـ (١).
وقال ابن جرير ﵀: … وإنما الكلام يوجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره، فيكون حينئذ مسلّما للحجة الثابتة بذلك اهـ (٢).
وهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه أمثلة دلت آيات قرآنية وأحاديث نبوية على أن الظاهر المتبادر منها حسب الوضع اللغوي غير مراد، وهذا هو ما استثنيناه من القاعدة بقولنا «إلا بدليل يجب الرجوع إليه».
أ - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل قرآني:
قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
[سورة الأنعام: ١٥٢] و [الإسراء: ٣٤] فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالغاية أنه إن بلغها
стр. 144
يدفع إليه إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٣] (١).
ب - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل من السنة:
قوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. أخبر - تعالى - أنه أحل ما سوى من ذكر في الآيتين السابقتين وظاهره العموم، ويدخل تحت هذا العموم الذي أفاده ظاهرالآية جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما؛ ولكن النبي ﷺ بيّن أن الظاهر المتبادر من هذه الآية غير مراد في نكاح امرأة على عمتها وعلى خالتها بقوله ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (٢).
وقال ابن عطية: وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية حكم حرم الله به سبعا من النسب وستا من بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ومضى عليه الإجماع. اهـ (٣) وعلى هذا تجري كل عمومات القرآن التي صح تخصيصها فظاهرها خارج عن الاعتبار فيما دل عليه الخاص.
والآيات التي صح نسخها فإن ظاهرها قبل النسخ كان هو المراد فلما نسخت تحول إلى النص الناسخ لها. وأصبح بعد النسخ ظاهرها غير داخل في التكليف، وكذا تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد (٤).
стр. 145
المطلب الثالث:
قاعدة: حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك
* صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو جملة أو لفظة من كتاب الله فأولى الأقوال بالصواب، القول الذي يوافق استعمال القرآن في غير موضع النزاع، سواء أكان ذلك في الألفاظ المفردة، أو في التراكيب.
وسواء أكان ذلك الاستعمال، استعمالا أغلبيا - بأن كان لموضع النزاع نظائر وقع فيها النزاع ولكن الكثرة الكاثرة من الاستعمال هي مما اتفق على معناه - أو مطردا - بأن يكون استعمالها في جميع مواردها في القرآن متفقا عليه، غير موضع الخلاف بأن يقول مفسر قولا في آية جميع نظائرها في القرآن على خلاف هذا القول (١) - أو عادة في أسلوب القرآن (٢).
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
المقصود ب «كلام الله» في قولي: «حمل معاني كلام الله» هو الكلام الذي وقع فيه النزاع بين العلماء، سواء أكان ذلك الكلام لفظة أو جملة من القرآن.
والإشارة ب «ذلك» في قولي: «أولى من الخروج به عن ذلك» عائدة إلى «الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله».
***