على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر فكان عليه، فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت» (١).
فهذه الأحاديث وغيرها صريحة في إثبات تسبيح الجمادات وكلامها، كشفه الله لنبيه ﷺ ولبعض أصحابه، وهو عن كثير من الناس محجوب. فهذا يشهد لصحة قول من جعل التسبيح عاما لجميع الخلق.
ويشهد لهذه القاعدة - أيضا - فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص».
فقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ عموم لا يجوز تخصيصمه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه، ولا دليل هنا، فوجب حمله على العموم. ومن جعل قوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾
عموما، ومعناه الخصوص في كل حيّ ونام (٢)، فقوله مرجوح بهذه القاعدة، وهو مرتهن بإقامة الحجة على دعواه.
قال الشوكاني: ومدافعة عموم هذه الآية بمجرّد الاستبعادات ليس دأب من يؤمن بالله - سبحانه - ويؤمن بما جاء من عنده. اهـ (٣).
стр. 142
_________
= ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥]. انظر جامع البيان (١/ ٥٣٧).
٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً [البقرة: ٢٢٩].
انظر جامع لأحكام القرآن (٣/ ١٣٧).
٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: ٧]. انظر جامع البيان (٣/ ١٨٠).
٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ٢ - ٣).
٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ [الأنعام: ١٥٤]. انظر جامع البيان (٨/ ٩١).
٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ [التوبة: ٥٥]. انظر جامع البيان (١٠/ ١٥٣).
٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ [الكهف: ٥٠]. انظر جامع البيان (٤/ ١٢٢).
١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ [الأنبياء: ٤٧] انظر جامع البيان (٨/ ١٢٣ - ١٢٤) والمحرر الوجيز (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) ط: القطرية و (٧/ ١٢) ط: المغربية، مع التنبّه إلى وجود تقديم وتأخير أخل بالكلام في هذه الطبعة، وأضواء البيان (٤/ ٥٨٤).
١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ [النور: ٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ١٣٢ - ١٣٣).
١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ [الفرقان: ١٢]. انظر أضواء البيان (٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) [الرحمن: ٢٢]. انظر أضواء البيان (٢/ ٢١١).
١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الحديد: ٢٨]. انظر أضواء البيان (٦/ ٥٧٦).
١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً [المجادلة: ٤]. انظر شرح مختصر ابن الحاجب (٢/ ٤٢٣)، وأضواء البيان (١/ ٣٣٠).
وانظر مزيدا من أمثلة هذه القاعدة في جامع البيان (١/ ٢٨٠، ٤٦٧) و (٢/ ٥٧، ٥٩، ٧٥، ٢٦٧) و (٨/ ٦٠) و (١٧/ ٨٤) و (٢١/ ٩٣، ١٤١) و (٢٥/ ٣٨) والمحرر الوجيز (٩/ ٤٠٩) ومفاتيح الغيب (٤/ ٦٣).
стр. 143
ذكر صور خرجت عن هذه القاعدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره، إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة، وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه، ولموافقة السنة والسلف عليه؛ ولأنه تفسير للقرآن بالقرآن ليس تفسيرا له بالرأي. والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين. اهـ (١).
وقال ابن جرير ﵀: … وإنما الكلام يوجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره، فيكون حينئذ مسلّما للحجة الثابتة بذلك اهـ (٢).
وهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه أمثلة دلت آيات قرآنية وأحاديث نبوية على أن الظاهر المتبادر منها حسب الوضع اللغوي غير مراد، وهذا هو ما استثنيناه من القاعدة بقولنا «إلا بدليل يجب الرجوع إليه».
أ - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل قرآني:
قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾
[سورة الأنعام: ١٥٢] و [الإسراء: ٣٤] فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، ولكنه - تعالى - بيّن أن المراد بالغاية أنه إن بلغها
стр. 144
يدفع إليه إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٣] (١).
ب - مثال ما صرفت فيه الآية عن ظاهرها بدليل من السنة:
قوله تعالى بعد ذكر المحرمات: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. أخبر - تعالى - أنه أحل ما سوى من ذكر في الآيتين السابقتين وظاهره العموم، ويدخل تحت هذا العموم الذي أفاده ظاهرالآية جواز نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها والجمع بينهما؛ ولكن النبي ﷺ بيّن أن الظاهر المتبادر من هذه الآية غير مراد في نكاح امرأة على عمتها وعلى خالتها بقوله ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها» (٢).
وقال ابن عطية: وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية حكم حرم الله به سبعا من النسب وستا من بين رضاع وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة وذلك الجمع بين المرأة وعمتها ومضى عليه الإجماع. اهـ (٣) وعلى هذا تجري كل عمومات القرآن التي صح تخصيصها فظاهرها خارج عن الاعتبار فيما دل عليه الخاص.
والآيات التي صح نسخها فإن ظاهرها قبل النسخ كان هو المراد فلما نسخت تحول إلى النص الناسخ لها. وأصبح بعد النسخ ظاهرها غير داخل في التكليف، وكذا تقييد المطلق، فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيّده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمل هو المقيد (٤).
стр. 145
المطلب الثالث:
قاعدة: حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله أولى من الخروج به عن ذلك
* صورة القاعدة:
إذا تنازع المفسرون في تفسيرآية أو جملة أو لفظة من كتاب الله فأولى الأقوال بالصواب، القول الذي يوافق استعمال القرآن في غير موضع النزاع، سواء أكان ذلك في الألفاظ المفردة، أو في التراكيب.
وسواء أكان ذلك الاستعمال، استعمالا أغلبيا - بأن كان لموضع النزاع نظائر وقع فيها النزاع ولكن الكثرة الكاثرة من الاستعمال هي مما اتفق على معناه - أو مطردا - بأن يكون استعمالها في جميع مواردها في القرآن متفقا عليه، غير موضع الخلاف بأن يقول مفسر قولا في آية جميع نظائرها في القرآن على خلاف هذا القول (١) - أو عادة في أسلوب القرآن (٢).
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
المقصود ب «كلام الله» في قولي: «حمل معاني كلام الله» هو الكلام الذي وقع فيه النزاع بين العلماء، سواء أكان ذلك الكلام لفظة أو جملة من القرآن.
والإشارة ب «ذلك» في قولي: «أولى من الخروج به عن ذلك» عائدة إلى «الغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله».
***
стр. 146
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة في الترجيح أئمة التفسير الأعلام، فمن هؤلاء الأئمة:
١ - حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس ﵄:
فقد أخرج الطبري عنه في مخاصمته لنافع بن الأزرق (١) قوله: الورود: الدخول. -[يعني في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]]-، وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨] أورود هو أم لا؟ وقال ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) [هود: ٩٨] أورود هو أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟. اهـ (٢).
فاستدل ابن عباس لصحة قوله في تفسير «الورود» بمواردها في القرآن، فالغالب استعمال الورود بمعنى الدخول؛ فحمل الآية التي فيها الخلاف على ما غلب استعماله في القرآن أولى.
٢ - ومنهم الإمام الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠) [النحل: ١٠٠]- قال: والقول الأوّل، أعني قول مجاهد (٣)، أولى القولين في ذلك بالصواب، وذلك أن الذين يتولون الشيطان إنما يشركونه بالله في عبادتهم وذبائحهم ومطاعمهم ومشاربهم، لا أنهم
стр. 147
يشركون بالشيطان. ولو كان معنى الكلام ما قاله الربيع (١) لكان التنزيل: الذي هم مشركوه، ولم يكن في الكلام به. فكان يكون لو كان التنزيل كذلك، والذين هم مشركوه في أعمالهم، إلا أن يوجه موجه معنى الكلام، إلى أن القوم كانوا يدينون بألوهه الشيطان، ويشركون الله به في عبادتهم إياه، فيصح حينئذ معنى الكلام، ويخرج عما جاء التنزيل به في سائر القرآن، وذلك أن الله - تعالى - وصف المشركين في سائر سور القرآن أنهم أشركوا بالله، ما لم ينزل به عليهم سلطانا، وقال في كل موضع تقدّم إليهم بالزجر عن ذلك، لا تشركوا بالله شيئا، ولم نجد في شيء من التنزيل: لا تشركوا الله بشيء، ولا في شيء من القرآن، خبرا من الله عنهم أنهم أشركوا الله بشيء، فيجوز لنا توجيه معنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٠) [النحل: ١٠٠] إلى والذين هم بالشيطان مشركو الله، فبين إذا إذ كان ذلك كذلك، أن الهاء في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدة على الرب في قوله:
﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٩٩) [النحل: ٩٩]. اهـ (٢).
٣ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض ترجيحه لتفسير السلف في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] بأنه: كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه (٣).
стр. 148
ورده لتفسير المتكلمة (١) والمتصوفة (٢) ومن وافقهم بأن معنى الآية: كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك .. وإنما له الوجود من جهة ربه.
قال: الوجه الخامس: أن يقال: اسم الوجه في الكتاب والسنة، إنما يذكر في سياق العبادة له والعمل له، والتوجه إليه، فهو مذكور في تقرير ألوهيته، وعبادته وطاعته لا في تقرير وحدانية كونه خالقا وربا … ولهذا: قدمت في مثل قوله: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) وفي مثل قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى﴾ (٢٠) [الليل: ١٩ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً﴾ (٩) [الإنسان: ٨ - ٩] وقال تعالى:
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
وإذا كان كذلك كان حمل اسم الوجه في هذه الآية: على ما يدل عليه في سائر الآيات أولى من حمله على ما [لا] (٣) يدل عليه لفظ الوجه في شيء من الكتاب
стр. 149
والسنة، بل [هذا هو الواجب دون ذاك] (١)؛ لأن هذا استعمال للفظ فيما لم يرد به الكتاب، والكتاب قد ورد بغيره حيث ذكر. اهـ (٢).
وقال في موضع آخر - في معرض ردّه على من جعل لفظ السراح والفراق صريحا في الطلاق؛ لأنها وردت في القرآن بذلك - قال: الوجه الثاني: وهو القاصم أن هذه الألفاظ أكثر ما جاءت في القرآن في غير الطلاق. اهـ (٣) وهذه النصوص عنه ﵀ تدل بوضوح على اعتماده لهذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال المختلفة.
٤ - ومنهم العلامة ابن القيم: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (٨) [الطارق: ٨]- قال: والقول الصواب هو الأول (٤) لوجوه: أحدها: أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد. اهـ (٥).
وقال - في معرض ترجيحه لقول من قال في تفسير النجوم في قوله تعالى: ﴿* فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ (٧٥) [الواقعة: ٧٥] بأنها الكواكب -: قال ويرجح هذا القول أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٩) [الطور: ٤٩] وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. اهـ (٦).
стр. 150
ومقصود ابن القيم، أن الأغلب استعمالا في القرآن، النجم بمعنى الكوكب، وإلا فهو قد ذكر الخلاف في نفس الآية التي رجح فيها، وذكر الخلاف عن التابعين وغيرهم في سورة النجم (١) فيحمل قوله: «حيث وقعت في القرآن» على الأغلب، أو فيما عدا المتنازع فيه.
٥ - ومنهم القاسمي: قال في معرض ترجيحه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦٠) [الزخرف: ٦٠]. قال: إلا أن الأظهر هو الأول (٢)، لما جرت به عادة التنزيل من خواتيم أمثال ما تقدم، بنظائر هذا الوعيد والله أعلم. اهـ (٣).
٦ - ومنهم الشنقيطي: قال في مقدمة تفسيره: ومن أنواع البيان المذكور في هذا الكتاب المبارك الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في الآية بكونه هو الغالب في القرآن، فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية. اهـ (٤).
*** * «مسألة»:
في الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك».
إن هناك فرقا بين القاعدتين، وذلك أن هذه القاعدة تكون في الآيات المؤيدة للقول في استعمال القرآن لهذه اللفظة أو الجملة أو الأسلوب بمعنى معين فيحمل موضع النزاع على ما غلب استعماله في القرآن.
стр. 151
أما في تلك القاعدة - يعني قاعدة «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» - فليس الأمر كذلك، وإنما الحال أن يكون معنى أحد الأقوال ورد به القرآن في آية أخرى. فورود مضمون هذا القول في القرآن مع انعدام ورود بقية الأقوال دليل على صحته وأنه أولى من غيره. أو يكون الوارد في القرآن معنى يردّ أحد الأقوال التي قيلت في الآية.
وبالجملة فهذه القاعدة أقوى في الترجيح من تلك القاعدة؛ وذلك؛ لأن المعنى الذي ترجحه يكون واردا في القرآن في أكثر من موضوع بنفس اللفظ أو الأسلوب المتنازع فيه، وأمّا في تلك القاعدة فالآية الأخرى ليست واردة بنفس ألفاظ الآية المتنازع فيها، وإنما في معنى الآية، كما سيأتي بيانه في أمثلتها التطبيقية.
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاّ ما ظَهَرَ مِنْها﴾
[النور: ٣١].
قال العلاّمة الشنقيطي - بعد أن ساق أقوال العلماء في المراد بالزينة الظاهرة والزينة الباطنة -: وجميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال:
الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب، لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.
وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.
القول الثاني: أن المراد بالزينة، ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل،
стр. 152
ونحو ذلك، لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.
القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها: الوجه، والكفان. اهـ (١).
واستعمل الشيخ هذه القاعدة في الترجيح بين هذه الأقوال، وذلك، لأن لفظ الزينة في القرآن غلب استعماله على ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته، وكون هذا المعنى هو الغالب في استعمال لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع - أي في هذه الآية - يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم.
ثم شرع في إيضاح وبيان هذا فقال: وإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها كقوله تعالى: ﴿* يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾
[الأعراف: ٣٢] وقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] وقوله تعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] وقوله تعالى: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٦) [الصافات: ٦] وقوله تعالى:
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً﴾ الآية [النحل: ٨]. وقوله تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية [القصص: ٧٩]. وقوله تعالى: ﴿الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآية [الكهف: ٤٩]. وقوله تعالى: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ الآية [الحديد: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ الآية [طه: ٥٩].
وقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ [طه: ٨٧]
стр. 153
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن، يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى، الذي غلبت إرادته في القرآن العظيم، … وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر. اهـ (١).
وبهذا يعلم أن المراد بالزينة هو ما كان خارجا عن أصل خلقتها، وكونها ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة هو الصواب الذي دلت عليه الآيات، وجاءت به السنة.
فمن الآيات: قول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿﴾
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب: ٥٩] أي يغطين بها وجوههن وصدورهن، ليتميزن عن غير العفيفات وعن الإماء، فلا يتعرضن إلى أذية من في قلبه مرض (٢).
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ﴾
[الأحزاب: ٥٣] ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
والأحاديث كثيرة منها: قول النبي ﷺ : «ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين» (٣) وهذا يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن (٤).
стр. 154
ومنها: ما جاء في حديث الإفك عن عائشة ﵂ قالت: « … فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السّلميّ ثم الذّكوانيّ (١) من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه (وفي رواية فخمرت وجهي بجلبابي) حتّى أناخ راحلته فوطئ يدها فركبتها» (٢).
والأدله على هذه المسألة كثيرة جدا (٣) أكتفي بما ذكرت؛ لأنها ليست أصل البحث، وإنما الغرض بيان دور هذه القاعدة في الترجيج في هذا المثال وقد سبق والحمد لله.
٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨]. زعم بعض الناس أن هذه الآية تدل على أن الجبال الآن في الدنيا يحسبها رائيها جامدة: أي واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، وذلك دوران الأرض حول الشمس بل زعموا أن هذا التفسير هو المتناسب مع الإتقان المذكور بعده ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وإلا فالقيامة تخريب للعالم لا يتناسب مع الإتقان (٤).
وهذا القول مردود بهذه القاعدة، وذلك أن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال
стр. 155
كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ (١٠) [الطور: ٩ - ١٠] وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً﴾
[الكهف: ٤٧] وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ (٢٠) [النبأ: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣) [التكوير: ٣] فهذه الآيات ونحوها، جاء الخبر فيها عن حركة الجبال في يوم القيامة فهذه الآية هي كذلك (١)، كما جاء مطردا في القرآن.
ومما يدل على بطلان ذلك القول الذي زعموه، أن هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن أحوال الآخرة، فسبقها قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧] وعطفت آية ﴿وَتَرَى الْجِبالَ﴾ على ﴿فَفَزِعَ﴾ أي: ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السموات، وترى الجبال .. ، فدل ذلك على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن (٢).
ويدخل تحت هذه القاعدة، جلّ ما ذكره المفسرون من الكليات؛ لأن جلّها أغلبي، لا كلي مطرد إلا القليل منها. فيحكونها كلية لأجل ترجيحهم في موضع التنازع لما غلب استعماله في أكثر المواضع (٣).
стр. 156
_________
= ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران: ١٤٦] انظر أضواء البيان (١/ ٨٠، ٣٥٣).
٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) [الأنفال: ٦٤] انظر أضواء البيان (٢/ ٤١٦).
٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) [النحل: ١٠٠]، انظر جامع البيان (١٤/ ١٧٥).
٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ [الإسراء: ١١٠]، انظر التفسير القيم ص ٢٤٤.
٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها [مريم: ٧١]. انظر جامع البيان (١٦/ ١٠٨) والجامع لأحكام القرآن (١١/ ١٣٧) وفتح القدير (٣/ ٣٤٤) وأضواء البيان (٤/ ٣٤٩) وما بعدها.
٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ [النمل: ٨٠] انظر أضواء البيان (٦/ ٤١٧).
٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ [القصص: ٨٨]. انظر مجموع الفتاوى (٢/ ٣٠).
١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) [الصافات: ١٥٨].
انظر جامع البيان (٢٣/ ١٠٩).
١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) [الزخرف: ٦٠]. انظر محاسن التأويل (١٤/ ٥٢٨٠).
١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) [النجم: ١]. انظر أضواء البيان (٧/ ٧٠٠).
١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: * فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) [الواقعة: ٧٥]. انظر التبيان في أقسام القرآن ص ٢٧٩.
١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) [التكوير: ١٧]. انظر أضواء البيان (١/ ٧٠).
١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) [الطارق: ٨]. انظر التبيان في أقسام القرآن ص ١٣٦.
١٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) [الغاشية: ٢ - ٣]. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية (١٦/ ٢١٩).
стр. 157
وقد ذكر ابن فارس في كتابه الأفراد جملة من الكليات في التفسير نقلها عنه الزركشي (١) والسيوطي (٢) وزاد عليها جملة وافرة.
وذكر الراغب الأصفهاني في المفردات جملة منها واهتم بالأسلوب أكثر من غيره (٣). واهتم بها أيضا الكفوي في كلياته، وذكر المفسرون في مواضع متناثرة جملة منها (٤).
стр. 158
الفصل الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة والاثار والقرائن وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية.
المبحث الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار.
المبحث الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن.
стр. 159
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة بالسنة النبوية وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: قاعدة:
إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره.
المطلب الثاني: قاعدة:
إذا ثبت الحديث. وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجح له على ما خالفه.
المطلب الثالث: قاعدة:
كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو رد.
المطلب الرابع: قاعدة
لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة.
стр. 160
المطلب الأول:
قاعدة: إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره
* صورة القاعدة:
في تفسير بعض الآيات نجد تفسيرا للنبي ﷺ ، ومع ورود هذا التفسير عنه إلا أننا نجد أحيانا كثيرة أقوالا أخرى في تفسيرالآية، فإذا وجد ذلك، وثبت الحديث، وورد مورد التفسير والبيان للآية، فيجب المصير إليه، وحمل الآية عليه، فالنبي ﷺ أعلم الناس بتفسير وبيان كلام الله، وهذا من مهام رسالته كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا قول لأحد بعد قول رسول الله ﷺ .
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «إذا ثبت الحديث» يدخل تحته الصحيح بنوعيه، والحسن بنوعيه، وهذا موضع وفاق، أعني أنه إذا كانت درجة الحديث الوارد في تفسيرالآية الصحة أو الحسن فهو الثابت المعتمد عند جميع العلماء. أما الحديث الضعيف - لا الموضوع وشديد الضعف - ففي الترجيح به تفصيل:
فإذا عضد الحديث الضعيف وجوها أخرى للترجيح في ترجيح أحد الأقوال فلا إشكال في ذلك، وهو من تعاضد وجوه الترجيح، وفعل ذلك أئمة التفسير، فالإمام الطبري - مثلا - كثيرا ما يقول - بعد أن يرجح أحد الأقوال -: وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر (١). ثم يسوق الحديث مؤيدا به ما اختار.
стр. 161
ونص على هذا العلاّمة ابن القيم في جملة من وجوه الترجيح في ترجيح أحد الأقوال فقال: الوجه الثاني: أن هذا مروي عن النبي ﷺ ، ولو كان من الغرائب فإنه يصلح للترجيح. اهـ (١).
فإن عارض الحديث الضعيف وجوها للترجيح أقوى منه فلا يصار إليه، وعلى ذلك عمل الأئمة، فهذا الإمام الطبري كثيرا ما يختار قولا مخالفا للحديث الضعيف اعتمادا على وجوه أخرى للترجيح، ثم يردف ذلك بقوله: ولو كان الخبر عن رسول الله ﷺ صحيحا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه. اهـ (٢). ونحو ذلك من العبارات المؤدية إلى أن الذي منعه من المصير إلى الحديث هو ضعفه، فعدل عنه إلى غيره من وجوه الترجيح وإن خالف ترجيحها ما يرجحه الحديث الضعيف من الأقوال.
فإن انفرد الحديث الضعيف، ولم يعضده أو يعارضه أيّ وجه من وجوه الترجيح فالترجيح به سائغ، كما سبق في كلام ابن القيم، وكما يوحي به عمل فقهاء الأمة، فهم يقدمون الحديث الضعيف على الرأي، وما أحسن كلمة الإمام أحمد ﵀: ضعيف الحديث خير من الرأي (٣). فهم يخرّجون على الحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب ما يدفعه، وعلى هذا مذاهب الأئمة (٤).
فكذلك هنا إذا لم يوجد أيّ وجه من وجوه الترجيح إلا هذا الحديث الضعيف فالترجيح به سائغ غير أنه ليس تحت هذه القاعدة؛ ولكن تحت القاعدة التالية؛ لأن هذه القاعدة ملزمة بالمصير إلى الحديث، ولا يلزم ذلك في الحديث الضعيف. أما
стр. 162
القاعدة التالية فهي تقديم له على غيره دون إلزام بالمصير إليه.
واقتضى المقام هنا تفصيل القول فيه؛ لأجل أنه وارد مورد التفسير للآية؛ لكن قيد الثبوت لم يتحقق فضعفت مرتبته في الترجيح فاستحق درجة أقلّ من هذه القاعدة فألحق بالقاعدة التالية.
وقولي: «وكان نصا في تفسيرالآية» أعني به أمرين:
أحدهما: أن يكون الحديث مسوقا في تفسير ألفاظ الآية، سواء أكان جوابا عن سؤال، أم رفع إشكال ظهر لبعض الصحابة فيها، أو فسّرها ﷺ ابتداء بتلاوتها ثم بيان معناها، أو بذكر معناها ثم تلاوتها.
فتعلّق الأمر بتفسير ألفاظ الآية دون بيان وتفسير أحكامها، كما بيّن النبي ﷺ صفة الصلاة، وصفة الحج وأنصباء الزكاة، ومقاديرها، ونحو ذلك، فمثل هذه البيان غير داخل تحت هذه القاعدة؛ لأنه غير متعلق بتفسير ألفاظ الآية. ومما لا يدخل تحت هذه القاعدة ما ورد في غير تفسير ألفاظ الآية، ووافق معناها، أو أحد الأقوال المقولة فيها؛ لأنه إذا كان كذلك كان مؤيدا للمعنى الذي ظهر منها، لا نصا في تفسيرها.
وسيأتي هذا في القاعدة التالية - إن شاء الله تعالى -.
الآخر: اصطلاح الأصوليين في لفظ «النص»: وهو ما يفيد بنفسه من غير احتمال.
وقد يطلق على الظاهر - وهو: ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر - ولا مانع منه، فإن النص في اللغة بمعنى الظهور (١).
وخرج بهذا ما إذا كان التفسير النبوي عاما أو مجملا، كتفسير القوة في قوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] بالرمي (٢).
стр. 163
فالرمي عام في نوع الرمي، وفرد من أفراد القوة، فلا تقصرالآية عليه (١). وإن كان تفسيرالآية به أولى؛ لكن الكلام في وجوب المصير إليه، وحمل الآية عليه.
فإذا توافرت هذه الشروط - أعني بها ثبوت الحديث، ووروده مورد التفسير والبيان لألفاظ الآية، وكونه نصا أو ظاهرا فيه - في التفسير النبوي، فيجب حينئذ؛ حمل الآية عليه، ولا يصار إلى غيره.
***
* أدلة القاعدة:
قال ابن الوزير في بيانه لأنواع التفسير:
النوع الثالث: التفسير النبوي وهو مقبول بالنص والإجماع قال الله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وفي الحديث: «لا يأتي رجل مترف متكئ على أريكته يقول لا أعرف إلا هذا القرآن. ما أحله أحللته وما حرمه حرمته ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه ألا وإن الله حرم كل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير» (٢). ويدل على ذلك أن الإجماع قد انعقد على نسخ وجوب الوصية للوارثين بحديث «لا وصيّه لوارث» (٣)، وهو حديث حسن وإذا وجب قبول ذلك في نسخ فريضة منصوصة فيه فكيف بسائر
стр. 164
البيان والتخصيص، وقبوله في نسخ وجوب الوصية إجماع العترة والأمة. اهـ (١).
فذكر ﵀ بعض النصوص الدالة على وجوب قبول تفسيره وبيانه ﷺ للقرآن، وحكى الإجماع على ذلك، وهذا من المعلوم بالاضطرار، فإن النبي ﷺ أعلم الناس بمعاني القرآن، فإذا ثبت عنه فلا قول ولا رأي لأحد مع قوله، ﷺ ، فربنا - تعالى - هو المنزل، ونبينا ﷺ هو المبيّن.
قال الإمام الطبري - بعد أن ساق بعض الآيات في ذلك: فقد تبين ببيان الله، جل ذكره، أن مما أنزل الله من القرآن، على نبيه ﷺ ، ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلا ببيان الرسول ﷺ ، وذلك تأويل جميع ما فيه، من وجوه أمره، واجبه، وندبه، وإرشاده، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه، وحدوده، ومبالغ فرائضه، ومقادير اللازم بعض خلقه لبعض، وما أشبه ذلك من أحكام آية، التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسوله الله ﷺ لأمته. وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان رسول الله ﷺ بتأويله، بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله. اهـ (٢).
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة عامة العلماء، وما كانت مخالفة المخالف للتفسير النبوي إلا لمذهب اعتقده، أو لعدم بلوغه الحديث، أو لاعتماده على ما دلت عليه ألفاظ الآية من عموم، ونحو ذلك اجتهادا خالف به تفسير النبي ﷺ . وتفسير النبي ﷺ هو المعتمد وما خالفه مردود، وهذه القاعدة جزء من قاعدة: «كل تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ» وسيأتي بحثها وإنما أفردتها هنا لصراحتها في التفسير الذي هو مجال بحثي، وزيادة في العناية بها لأهميتها.
стр. 165
فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بها:
١ - الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها في تفسير قوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ (١) [الحج: ١]: وهذا القول (١) الذي ذكرناه عن علقمة (٢) والشعبي ومن ذكرنا ذلك عنه، قول لولا مجيء الصحاح من الأخبار عن رسول الله ﷺ بخلافه، ورسول الله ﷺ أعلم بمعاني وحي الله وتنزيله.
والصواب من القول في ذلك: ما صحّ به الخبر عنه اهـ (٣).
وقال في موضع آخر: ورسول الله ﷺ أعلم بما أنزل الله عليه، وليس لأحد مع قوله الذي يصح عنه قول. اهـ (٤).
стр. 166
٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٨٧) [الحجر: ٨٧] بعد أن ذكر الخلاف فيها:
يحتمل أن يكون السبع من السّور، ويحتمل أن يكون من الآيات؟ لكن النبي ﷺ قد كشف قناع الأشكال، وأوضح شعاع البيان؛ ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق أنها أمّ الكتاب، والقرآن العظيم - حسبما تقدم من قول النبي ﷺ لأبي ابن كعب: «هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت» (١).
وبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكلّ محتمل، والنصّ قاطع بالمراد، قاطع بمن أراد التكلف والعناد، وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير. وليس للمعترض إلى غيره إلا النكير. وقد كان يمكن لولا تفسير النبي ﷺ أن أحرّر في ذلك مقالا وجيزا، وأسبك من سنام المعارف إبريزا، إلا أنّ الجوهر الأغلى من عند النبي ﷺ أولى وأعلى. اهـ (٢).
٣ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - معلقا على تفسير للنبي ﷺ : وهذا هو التأويل الذي لا نظر لأحد معه؛ لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي ﵇. اهـ (٣).
٤ - ومنهم الإمام القرطبي: قال - في تفسيرسورة العاديات بعد أن ذكر الخلاف في معنى الكنود: قلت: هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى الكفران والجحود. وقد فسر النبيّ ﷺ معنى الكنود بخصال مذمومة، وأحوال غير محمودة، فإن صح فهو أعلى ما يقال، ولا يبقى لأحد معه مقال. اهـ (٤).
стр. 167
٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة: ومما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبي ﷺ لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم اهـ (١).
٦ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: فإذا ذكر الخلاف في تفسيرآية، وفيها تفسير النبي ﷺ فكثيرا ما يقول: وإذا صحّ هذا التّفسير وجب المصير إليه (٢).
٧ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر مضمون هذه القاعدة في وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره، قال: الوجه الثاني: حديث النبيّ ﷺ ، فإذا ورد عنه ﵇ تفسير شيء من القرآن عوّلنا عليه، لا سيما إن ورد في الحديث الصحيح اهـ (٣).
٨ - ومنهم الزركشي: قال - مقررا هذه القاعدة -: لطالب التفسير مآخذ كثيرة، أمهاتها أربعة:
الأول: النقل عن النبيّ ﷺ ، وهذا هو الطراز الأول، لكن يجب الحذر من الضعيف فيه والموضوع فإنه كثير .. اهـ (٤).
٩ - ومنهم ابن الوزير: فقد حكى الإجماع على قبوله، وقد سبق نقل بعض كلامه في فقرة أدلة القاعدة.
١٠ - ومنهم الشوكاني: فقد قرر هذه القاعدة في مقدمة تفسيره، وطبقها عمليا في الترجيح بين الأقوال، فمن ذلك قوله: فإن ما كان من التفسير ثابتا عن رسول الله ﷺ ، وإن كان المصير إليه متعينا وتقديمه متحتما، غير أن الذي صح عنه من ذلك إنما هو تفسيرآيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن. اهـ (٥).
стр. 168
١١ - ومنهم الألوسي: قال - رادا على من لم يعتمد تفسير النبي ﷺ : فمن زعم أن الحمل على ذلك -[يعني الحديث]- ضعيف … ؛ لأن اللفظ عام والتقييد خلاف الأصل فقد ضل ضلالا بعيدا إن كان قد بلغه ما صح عن رسول الله ﷺ وإلا فقد تجاسر على تفسير كتاب الله مع الجهل بأحاديث رسول الله ﷺ … وهل بعد قول رسول الله ﷺ الصادق الأمين قول لقائل أو قياس لقائس، هيهات هيهات دون ذلك أهوال اهـ (١).
وغير هؤلاء كثير (٢).
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
هذه القاعدة تردّ:
أولا: تفاسير العقلانيين التي ردّوا بها تفسير النبي ﷺ لاعتقادهم الباطل.
ثانيا: أقوال بعض المفسرين التي خالفت التفسير النبوي وليست مما سبق.
أولا: تفاسير العقلانيين التي ردوا بها تفسير النبي ﷺ .
فمن أمثلة هذا النوع ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية [الأنعام: ٨٢] قال الطبري ﵀: اختلف أهل التأويل في المعنى الذي عناه الله بقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ فقال بعضهم: بشرك، وعمدتهم حديث ابن مسعود قال: «لمانزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس فقالوا: يا رسول الله، وأينا لا يظلم نفسه؟! قال: «إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣] إنما هو الشرك» (٣).
стр. 169
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولم يخلطوا إيمانهم بشيء من معاني الظلم، وذلك فعل ما نهى الله عن فعله، أو ترك ما أمر الله بفعله، وقالوا: الآية على العموم؛ لأن الله لم يخص به معنى من معاني الظلم.
قالوا: فإن قال لنا قائل: أفلا أمن في الآخرة إلا لمن لم يعص الله في صغيرة ولا كبيرة، وإلا لمن لقي الله ولا ذنب له؟ قلنا: إن الله عنى بهذه الآية خاصا من خلقه دون الجميع منهم، والذي عنى بها وأراده بها خليله إبراهيم ﷺ ، فأما غيره فإنه إذا لقي الله لا يشرك به شيئا فهو في مشيئته إذا كان قد أتى بعض معاصيه التي لا تبلغ أن تكون كفرا، فإن شاء لم يؤمنه من عذابه، وإن شاء تفضل عليه، فعفا عنه، قالوا: وذلك قول جماعة من السلف وإن كانوا مختلفين في المعنيّ بالآية، فقال بعضهم: عني بها إبراهيم. وقال بعضهم: عني بها المهاجرين من أصحاب رسول الله ﷺ .
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصحة في ذلك، ما صحّ به الخبر عن رسول الله ﷺ . اهـ (١).
وبالتفسير النبوي قال عامّة الصحابة والتابعين، قال العلاّمة القاسمي: وبالجملة، فلا يعلم مخالف من الصحابة والتابعين في تفسير (الظلم) هنا بالشرك، وقوفا مع الحديث الصحيح في ذلك اهـ (٢).
وذهب الزمخشري - وكذا هو مذهب المعتزلة - إلى منع تفسير الظلم بالشرك، وفسره بالمعصية المفسقة.
قال: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بمعصية تفسقهم، وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس. اهـ (٣).
стр. 170
قال أبو حيان: وهذه دفينة اعتزال، أي أن الفاسق ليس له الأمن إذا مات مصرا على الكبيرة … وقد فسره الرسول ﷺ بالشرك فوجب قبوله اهـ (١).
والذي حمله على هذا التفسير، وردّه لتفسير النبي ﷺ هو ما اعتقده من اعتقاد فاسد في مرتكب الكبيرة أنه في الآخرة مخلد في النار.
والأدلة على ردّ ذلك كثيرة مبثوثة في كتب العقائد (٢)، وليس هذا مجال الردّ على معتقده، وإنما الغرض ردّ تفسيره المخالف لتفسير النبي ﷺ ، فالحديث صحيح، ونص في تفسيرالآية، فقوله مباهتة في مقابل الحديث لا تستحق المجاوبة.
*** ثانيا: أقوال بعض المفسرين التي خالفت التفسير النبوي وليست مما سبق:
من أمثلة هذا ما جاء في تفسير قوله تعالي ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾
[يس: ٣٨] اختلف أهل التفسير في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ على أقوال:
الأول: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات.
الثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها، وتكور وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني (٣).
стр. 171
الثالث: مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه ولا تتجاوزه.
الرابع: نهاية ارتفاعها في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء (١) وقيل غير ذلك.
والقول الأول هو الذي يجب المصير إليه؛ لأنه الثابت عن النبي ﷺ فيما أخرجه الإمام البخاري - وغيره - من حديث أبي ذر ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس فقال: «يا أبا ذر، أتدري أين تغرب الشمس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣٨) [يس: ٣٨]، وفي رواية له قال ﷺ : «مستقرها تحت العرش» (٢). فهذا هو تفسير النبي ﷺ فيجب المصير إليه، ولا قول لأحد معه.
قال الشوكاني - وغيره - بعد أن ذكر هذا القول: وهذا هو الراجح. اهـ (٣).
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: والقول الأول هو الأصح، لأن النبي ﷺ فسر المراد بمستقرها، ولا يجوز العدول عن تفسير النبي ﷺ إلى تفسير غيره. اهـ (٤).
стр. 172
المطلب الثاني:
قاعدة: إذا ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه
* صورة القاعدة:
إذا، ورد الخلاف بين المفسرين في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى -، وتعددت أقوالهم فيها، فالقول الذي يؤيده خبر عن النبي ﷺ فهو المقدم على غيره؛ وذلك لأن ورود معنى هذا القول في قول النبي ﷺ يدل على صحته. وترجيح غيره ترجيح بلا مرجح، ومخالفة لحديث النبي ﷺ دون مستند. أمّا إذا تأيد كل قول بسنة أو قرآن فبغير هذه القاعدة يرجّح بينها.
***
* الفرق بين هذه القاعدة وسابقتها:
الفرق بين هذه القاعدة والقاعدة السابقة وهي «إذا ثبت الحديث وكان نصا في تفسيرالآية فلا يصار إلى غيره» أن الحديث الوارد في هذه القاعدة لم يرد مورد التفسير لألفاظ الآية، بل كان وروده لأي سبب آخر في أي باب من أبواب العلم؛ لكن معناه يوافق معنى أحد الأقوال المقولة في الآية.
أمّا الحديث الوارد في القاعدة السابقة فهو وارد مورد التفسير والبيان لألفاظ الآية - كما سبق بيانه -.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة كثير من المفسرين، فمن هؤلاء:
١ - الإمام الطبري: فكثيرا ما يرجح بمضمون هذه القاعدة، فمن ذلك قوله - في
стр. 173
معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسيرآية: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكره الشعبي عن ابن مسعود؛ لصحة الخبر الذي ذكرناه عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ بتأييده اهـ (١).
٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] بعد أن حكى الأقوال فيها معلقا على أحدها: فهذا قول حسن، ويدل على صحته الحديث المسند عن رسول الله ﷺ .
اهـ (٢) ثم ساقه بسنده.
٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] بعد أن ذكر الخلاف في تفسيرها، قال: ومن خصّصه قال: معناه موضعا للصلاة المعهودة، وهو الصحيح، ثبت من كل طريق أن عمر ﵁ قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ الحديث (٣)، فلما قضى النبي ﷺ طوافه مشى إلى المقام المعروف اليوم، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وصلى فيه ركعتين. اهـ (٤).
٤ - ومنهم القاضي ابن عطية: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ﴾ الآية [البقرة: ٢٧١]-: ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع
стр. 174
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: ويقوي ذلك قول النبي ﷺ : «صلاة الرجل في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة» (١). اهـ (٢).
٥ - ومنهم الحافظ ابن كثير: ففي تفسير قول الله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً﴾ الآية [ص: ٣٥]، قال: الصحيح أنه سأل من الله ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ اهـ (٣).
٦ - ومنهم الشوكاني: وسيأتي بعض قوله في ذلك في الأمثلة التطبيقية.
٧ - ومنهم الألوسي: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في تأييد اختياره وترجيحه (٤).
٨ - وهذه القاعدة من وجوه الترجيح المعتمدة عند الأصوليين، قال القاضي أبو يعلى: وأما الترجيح الذي لا يعود إلى الإسناد والمتن، وإنما هو إلى غيرهما فمن وجوه:
أحدها: أن يكون أحدهما موافقا لظاهر القرآن أو موافقا لسنة أخرى، فيقدم بذلك. اهـ (٥).
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾
стр. 175
[القلم: ٤٢]، فقد اختلف السلف في تفسير هذه الآية على قولين (١):
القول الأول: أن معناها، يوم يكشف عن شدة وكرب، وذلك يوم القيامة.
والعرب تقول: كشف هذا الأمر عن ساق، إذا صار إلى شدة، وتقول وشمرّت الحرب عن ساقها، أي إذا اشتدت.
قال ابن عباس ﵄ عن هذه الآية: يكشف عن أمر عظيم، كقول الشاعر (٢):
وقامت الحرب بنا على ساق (٣) …
والقول الثاني: أن معنى الآية، يوم يكشف الرحمن - سبحانه - عن ساقه يوم القيامة.
وهذا القول مروي بإسناد صحيح (٤) عن ابن مسعود، وقال به طائفة (٥). وهذه الآية
стр. 176
ليست نصا في الصفة؛ لأنها جاءت نكرة في الإثبات، ولم تضف إلى الله - تعالى -، لذا وقع الخلاف بين السلف في تفسيرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها.
وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله - تعالى - من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف؛ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير.
وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدّوها في الصفات؟ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين.
ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. اهـ (١).
إذا تقرر هذا، فإن أولى القولين هو ما قاله ابن مسعود، وأبو سعيد ﵄ وذلك لحديث أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» (٢).
стр. 177
فهذا الحديث ذكر الكشف عن الساق والسجود له - سبحانه -، وهي كذلك مذكورة في الآية فهذا مما يؤيد القول الثاني، أما القول الأول فليس في معناه خبر من الرسول ﷺ ، ذكر فيه الشدة والكرب مقرونا بالسجود.
وهذا الذي رجحته القاعدة هو مقتضى كلام ابن جرير الطبري (١)، وصدّر به ابن كثير تفسيرالآية (٢)، وانتصر له الشوكاني (٣)، وصديق خان (٤)، وعليه اقتصر السعدي (٥) - على الجميع رحمة الله -.
قال الشوكاني - بعد أن ساق أقوال أهل اللغة، وحديث أبي سعيد، وأثر ابن عباس -: وقد أغنانا الله - سبحانه - في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيما، ولا تشبيها، فليس كمثله شيء.
دعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر. اهـ (٦)
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة: «يجب حمل ألفاظ الوحي على الحقيقة». فإن الكلام على القول الذي رجحته القاعدة محمول على الحقيقة، أمّا على القول الأول فإنه يصرف إلى المجاز، والأصل حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة فترجّح بذلك القول الثاني، وهو ما رجحته القاعدة.
وانتصر اخرون للقول الأول، وردّوا القول الثاني، وذلك لأجل معتقد اعتقدوه - فنزّلوا الآيات والأحاديث على ذلك المعتقد - لا لأدلة دلت على ترجيحه وردّ ما
стр. 178
سواه، بل بناء على ذلك المعتقد ردّوا الأحاديث الصحيحة، وحرفوا معاني القرآن، ومن ذلك ردهم للقول الثاني في هذه الآية على الرغم من روايته عن السلف، وانتصروا للقول الأول لهوى وافقه، فترجيحهم ذلك مبني على أساس عقديّ ومستندهم فيه مستند عقلي، ليس هذا موضع مناقشته - وقد تكفل أئمة الإسلام، كشيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم وغيرهم كثير برد حججهم في ذلك المعتقد - وإنما الغرض هو بيان أن الحق الذي تقضي به أوجه الترجيح الصحيحة هو ما ردّه القوم، وأنهم إنما ردّوا القول الصحيح لا لدليل صحيح اعتمدوه، وإنما لأجل مذهب باطل اعتقدوه، وسوف أسرد بعض أقوالهم ليرى القارئ البصير بعض هذا الباطل الذي اعتقدوه في هذا الباب.
قال الماوردي: فأمّا ما روي أن الله - تعالى - يكشف عن ساقه فإن الله - تعالى - منزه عن التبعيض، والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى. اهـ (١). ونقل القرطبي هذه المقالة بلفظها (٢).
وقال الكرماني: العجيب: ابن مسعود: يوم يكشف الرب عن ساقه.
وهذا يؤول كما يؤول غيرها من الآيات، ولا يوصف الله - سبحانه - بالأعضاء، والأجزاء والأبعاض. اهـ (٣).
وقال الزمخشري: فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ في معنى يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق … وأما من شبّه فلضيق عطنه، وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود ﵁ (٤). اهـ ثم ذكره.
ونظائر هذه الأقوال كثيرة في كتبهم (٥).
стр. 179
_________
= ومدارك التنزيل (٣/ ١٨٥٠).
* ونظائر هذا المثال كثيرة، انظر على سبيل المثال جملة منها:
في جامع البيان (١/ ١١٢)، و (٢/ ٣٦٥)، و (٣/ ٢٩١)، و (٤/ ٤٥)، و (٥/ ١٠٥)، و (٧/ ١١١ - ٣٠٣)، و (٩/ ١٦٦)، و (١٠/ ١٢٠)، و (١٣/ ١٧٠)، و (١٤/ ٥٧)، و (١٥/ ٨١)، و (١٦/ ١١٢)، و (٢٢/ ٩٢)، و (٢٦/ ١٧٠).
والمحرر الوجيز (١/ ٢٨٦)، (٢/ ٤ - ٥ - ٢١ - ١٨٠ - ٣٣١)، و (٧/ ١٢).
وتفسير ابن كثير (١/ ١٢٧ - ٣٩٧)، و (٢/ ٢٧٧)، (٧/ ٢٢ - ٢٧ - ٦١).
وروح المعاني (٨/ ٨٢)، و (٣٠/ ١٤١).
وأضواء البيان (١/ ٢٠٦ - ٣٢٢ - ٣٧٧)، و (٢/ ٣٣٥)، و (٣/ ٧١)، و (٤/ ١١٣)، و (٧/ ٢٦٦).
стр. 180
المطلب الثالث:
قاعدة: كلّ تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ
* صورة القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة، ووجه كونها ترجيحية من جهتين:
إحداهما: رد الأقوال الموسومة بمعارضة القرآن، أو السنة، أو الإجماع.
والأخرى: حصر الصواب فيما عدا الأقوال المردودة، على تفاوت بينها في القوة والضعف، وينظر في الترجيح بينها بقواعد أخرى.
ثم هذه القاعدة والقاعدة التالية من القواعد المشتركة بين القرآن والسنة، وآثرت ذكرها ضمن قواعد الترجيح بالسنة النبوية؛ لأن شواهدها، وأمثلتها في السنة أكثر؛ ولأن السنة شارحة ومبينة للقرآن.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة» أعني به مخالفة قطعي الثبوت والدلالة، وظني الثبوت قطعي الدلالة إذا اقترن بوصف يقوّيه ويصححه.
قال الإمام الشاطبي: إن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد والقياس الجزئية. فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطّراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه، لا للاعتداد به، وأما المخالفة للظني ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما