← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ليست نصا في الصفة؛ لأنها جاءت نكرة في الإثبات، ولم تضف إلى الله - تعالى -، لذا وقع الخلاف بين السلف في تفسيرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات، فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها. وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله - تعالى - من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف؛ بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله، وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير. وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ فروى عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة، إن الله يكشف عن الشدة في الآخرة، وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدّوها في الصفات؟ للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيحين. ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله، ولم يقل عن ساقه، فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر، ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف. اهـ (١). إذا تقرر هذا، فإن أولى القولين هو ما قاله ابن مسعود، وأبو سعيد ﵄ وذلك لحديث أبي سعيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» (٢).

стр. 177

فهذا الحديث ذكر الكشف عن الساق والسجود له - سبحانه -، وهي كذلك مذكورة في الآية فهذا مما يؤيد القول الثاني، أما القول الأول فليس في معناه خبر من الرسول ﷺ ، ذكر فيه الشدة والكرب مقرونا بالسجود. وهذا الذي رجحته القاعدة هو مقتضى كلام ابن جرير الطبري (١)، وصدّر به ابن كثير تفسيرالآية (٢)، وانتصر له الشوكاني (٣)، وصديق خان (٤)، وعليه اقتصر السعدي (٥) - على الجميع رحمة الله -. قال الشوكاني - بعد أن ساق أقوال أهل اللغة، وحديث أبي سعيد، وأثر ابن عباس -: وقد أغنانا الله - سبحانه - في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله ﷺ كما عرفت، وذلك لا يستلزم تجسيما، ولا تشبيها، فليس كمثله شيء. دعوا كل قول عند قول محمد … فما آمن في دينه كمخاطر. اهـ (٦) ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة: «يجب حمل ألفاظ الوحي على الحقيقة». فإن الكلام على القول الذي رجحته القاعدة محمول على الحقيقة، أمّا على القول الأول فإنه يصرف إلى المجاز، والأصل حمل ألفاظ القرآن على الحقيقة فترجّح بذلك القول الثاني، وهو ما رجحته القاعدة. وانتصر اخرون للقول الأول، وردّوا القول الثاني، وذلك لأجل معتقد اعتقدوه - فنزّلوا الآيات والأحاديث على ذلك المعتقد - لا لأدلة دلت على ترجيحه وردّ ما

стр. 178

سواه، بل بناء على ذلك المعتقد ردّوا الأحاديث الصحيحة، وحرفوا معاني القرآن، ومن ذلك ردهم للقول الثاني في هذه الآية على الرغم من روايته عن السلف، وانتصروا للقول الأول لهوى وافقه، فترجيحهم ذلك مبني على أساس عقديّ ومستندهم فيه مستند عقلي، ليس هذا موضع مناقشته - وقد تكفل أئمة الإسلام، كشيخ الإسلام ابن تيميه وابن القيم وغيرهم كثير برد حججهم في ذلك المعتقد - وإنما الغرض هو بيان أن الحق الذي تقضي به أوجه الترجيح الصحيحة هو ما ردّه القوم، وأنهم إنما ردّوا القول الصحيح لا لدليل صحيح اعتمدوه، وإنما لأجل مذهب باطل اعتقدوه، وسوف أسرد بعض أقوالهم ليرى القارئ البصير بعض هذا الباطل الذي اعتقدوه في هذا الباب. قال الماوردي: فأمّا ما روي أن الله - تعالى - يكشف عن ساقه فإن الله - تعالى - منزه عن التبعيض، والأعضاء وأن ينكشف أو يتغطى. اهـ (١). ونقل القرطبي هذه المقالة بلفظها (٢). وقال الكرماني: العجيب: ابن مسعود: يوم يكشف الرب عن ساقه. وهذا يؤول كما يؤول غيرها من الآيات، ولا يوصف الله - سبحانه - بالأعضاء، والأجزاء والأبعاض. اهـ (٣). وقال الزمخشري: فمعنى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ في معنى يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا كشف ثمّ ولا ساق … وأما من شبّه فلضيق عطنه، وقلة نظره في علم البيان، والذي غره منه حديث ابن مسعود ﵁ (٤). اهـ ثم ذكره. ونظائر هذه الأقوال كثيرة في كتبهم (٥).

стр. 179

_________ = ومدارك التنزيل (٣/ ١٨٥٠). * ونظائر هذا المثال كثيرة، انظر على سبيل المثال جملة منها: في جامع البيان (١/ ١١٢)، و (٢/ ٣٦٥)، و (٣/ ٢٩١)، و (٤/ ٤٥)، و (٥/ ١٠٥)، و (٧/ ١١١ - ٣٠٣)، و (٩/ ١٦٦)، و (١٠/ ١٢٠)، و (١٣/ ١٧٠)، و (١٤/ ٥٧)، و (١٥/ ٨١)، و (١٦/ ١١٢)، و (٢٢/ ٩٢)، و (٢٦/ ١٧٠). والمحرر الوجيز (١/ ٢٨٦)، (٢/ ٤ - ٥ - ٢١ - ١٨٠ - ٣٣١)، و (٧/ ١٢). وتفسير ابن كثير (١/ ١٢٧ - ٣٩٧)، و (٢/ ٢٧٧)، (٧/ ٢٢ - ٢٧ - ٦١). وروح المعاني (٨/ ٨٢)، و (٣٠/ ١٤١). وأضواء البيان (١/ ٢٠٦ - ٣٢٢ - ٣٧٧)، و (٢/ ٣٣٥)، و (٣/ ٧١)، و (٤/ ١١٣)، و (٧/ ٢٦٦).

стр. 180

المطلب الثالث: قاعدة: كلّ تفسير خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة فهو ردّ * صورة القاعدة: هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة، ووجه كونها ترجيحية من جهتين: إحداهما: رد الأقوال الموسومة بمعارضة القرآن، أو السنة، أو الإجماع. والأخرى: حصر الصواب فيما عدا الأقوال المردودة، على تفاوت بينها في القوة والضعف، وينظر في الترجيح بينها بقواعد أخرى. ثم هذه القاعدة والقاعدة التالية من القواعد المشتركة بين القرآن والسنة، وآثرت ذكرها ضمن قواعد الترجيح بالسنة النبوية؛ لأن شواهدها، وأمثلتها في السنة أكثر؛ ولأن السنة شارحة ومبينة للقرآن. *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولي: «خالف القرآن أو السنة أو إجماع الأمة» أعني به مخالفة قطعي الثبوت والدلالة، وظني الثبوت قطعي الدلالة إذا اقترن بوصف يقوّيه ويصححه. قال الإمام الشاطبي: إن المخالفة للأدلة الشرعية على مراتب: فمن الأقوال ما يكون خلافا لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي في حكم كلي، ومنها ما يكون خلافا لدليل ظني، والأدلة الظنية متفاوتة، كأخبار الآحاد والقياس الجزئية. فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطّراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه وعلى ما فيه، لا للاعتداد به، وأما المخالفة للظني ففيه الاجتهاد بناء على التوازن بينه وبين ما

стр. 181

اعتمده صاحبه من القياس أو غيره. اهـ (١) وكلامه ﵀ في مخالفة الدليل الظني بحكم أن الأدلة الظنية متفاوتة ويدخل فيها خبر الآحاد، والقياس وغيره. فإذا كان الدليل الظني خبر الآحاد فلا سبيل لمخالفته بعد صحته وثبوته وقول المخالف مردود ما لم يستند قوله إلى خبر آخر. قال الإمام ابن عبد البر: كل قول تعارضه السنة أو تدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له. اهـ (٢) وهذا لا يكون إلا في السنة النبوية. وأمّا إذا كانت مخالفة الآية أو الحديث في دلالة ظنية فالأمر يختلف، وهو موضع اجتهاد. والقرائن هي التي ترجح أحد الأقوال. قولي: «فهو ردّ» أي مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٣) أي مردود. فردّ الأقوال الآنفة الوصف، يرجح بالمقابل قولا أو أقوالا أخرى في الآية (٤). قال الإمام الشاطبي: فإذا كان بيّنا ظاهرا أن قول القائل مخالف للقرآن أو للسنة لم يصح الاعتداد به ولا البناء عليه … ولا يصح اعتمادها -[أي زلّة العالم]- خلافا في المسائل الشرعية؛ لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد. وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف. وأما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا؛ فلذلك قيل إنه لا تصح أن يعتد بها في الخلاف، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل، والمتعة، ومحاشي النساء،

стр. 182

وأشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها. اهـ (١). *** * أدلة القاعدة: ١ - من أدلة هذه القاعدة: قول الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فإذا قضى الله - تعالى - ورسوله ﷺ بأمر أو نهي، أو أخبر بخبر فليس لأحد قول مع قول الله وقول رسوله ﷺ ، فما تعارض مع قول الله أو قول رسوله أو ما اجتمعت عليه الأمة المعصومة من الاجتماع على ضلالة وخطأ فهو مردود. قال الإمام ابن عبد البر: كل قول تعارضه السنة، وتدفعه، ولا دليل عليه من مثلها، لا وجه له، قال الله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. اهـ (٢). وقال في موضع آخر: وليس في خلاف السنة عذر لأحد إلا لمن جهلها، ومن جهلها مردود إليها محجوج بها. اهـ (٣) وكذا مخالفة القرآن والإجماع. قال الحافظ ابن كثير: - معلقا على هذه الآية -: فهذه الآية في جميع الأمور وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأي ولا قول. اهـ (٤). ٢ - ومنها قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥٩) [النساء: ٥٩]. قال ابن كثير: قال مجاهد وغير واحد من السلف أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله وهذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه

стр. 183

أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟. اهـ (١). ٣ - ومنها: قول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (٢). قال الإمام البخاري: باب إذا اجتهد العامل - أو الحاكم - فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود لقول النبي ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ». اهـ (٣). وقال في كتاب الأحكام: باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردّ. اهـ. (٤) وساق حديث ابن عمر في بعث خالد بن الوليد (٥) إلى بني جذيمة (٦). قال الحافظ ابن حجر: ترجمة إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو مردود، معقودة لمخالفة الإجماع، وهذه -[يعني ترجمة إذا اجتهد العامل فأخطأ خلاف الرسول من غير علم … ]- معقودة لمخالفة الرسول ﵊. اهـ (٧).

стр. 184

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من الأصول المتفق عليها بين الصحابة وتابعيهم بإحسان وهي محل إجماع المسلمين. وما كانت مخالفة المخالف لهذه القاعدة في قول أو منهج إلا لجهل بسنة، أو اجتهاد خالف محله، أو كان صاحب هوى وبدعة قدّم عقله ووجده على الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. لذلك سوف أعرض عن سرد بعض أقوال العلماء هنا؛ لكون هذه القاعدة من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وتابعيهم بإحسان، وأكتفي هنا بكلمات تحبّر بماء الذهب لشيخ الإسلام ابن تيمية - وسوف ترى بعض أقوال العلماء في ترجيحهم بهذه القاعدة في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله - تعالى -. قال ﵀: ومن الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن الرسول جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم … ، ولهذا لا يوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة، ولا قال قط قد تعارض في هذا العقل والنقل، فضلا عن أن يقول: فيجب تقديم العقل. والنقل - يعني القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين - إما أن يفوض وإما أن يؤول. ولا فيهم من يقول: إن له ذوقا أو وجدا أو مخاطبة أو مكاشفة تخالف القرآن والحديث، فضلا عن أن يدعي أحدهم أنه يأخذ من حيث يأخذ الملك الذي يأتي الرسول. ولم يكن السلف يقبلون معارضة الآية إلا بآية أخرى تفسرها وتنسخها، أو بسنة الرسول ﷺ تفسرها، فإن سنة رسول الله ﷺ تبين القرآن وتدل عليه وتعبر عنه والمقصود أنهم كانوا متفقين على أن القرآن لا يعارضه إلا قرآن، لا رأي ومعقول

стр. 185

وقياس، ولا ذوق ووجد وإلهام ومكاشفة. اهـ (١). وقال في موضع آخر: فكل معنى يخالف الكتاب والسنة فهو باطل وحجته داحضة. اهـ (٢). *** * * تنبيهات: * التنبيه الأول: في طرق معرفة الأقوال المخالفة للقرآن أو للسنة أو لإجماع الأمة. ليس كل أحد يدرك وجه مخالفة تلك الأقوال للقرآن أو للسنة أو لإجماع الأمة، وسبيل معرفتها هو تنبيه العلماء المجتهدين على ذلك؛ لأنهم هم العارفون بما وافق أو خالف. قال الإمام الشاطبي: فإن قيل: فبماذا يعرف من الأقوال ما هو كذلك مما ليس كذلك؟ فالجواب: أنه من وظائف المجتهدين، فهم العارفون بما وافق أو خالف، وأما غيرهم فلا تمييز لهم في هذا المقام فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده [أو] (٣) لا؟ فالجواب: أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين. اهـ. (٤). * التنبيه الثاني: إذا قال قائل: كيف يتحقق الإجماع مع وجود الخلاف الذي أنت بصدد

стр. 186

الترجيح فيه؟! فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن العلماء ﵏ قد نقلوا الإجماع في مسائل كثيرة، وكذا نقلوا لنا الخلاف في بعضها. وفعلهم هذا لا يخلو من أمرين: إمّا أنهم لم يعتدوا بهذا الخلاف، ولم يعتبروه ناقضا للإجماع لأن مستند الإجماع النص، ومن خالفه خالف النص، فلا عبرة بقوله. أو أن يكون الإجماع انعقد بعد هذا الخلاف. وفي الحالتين إذا ذكرت الخلاف، إنما أذكره ليعلم سقوط ذلك القول المخالف؛ لأجل مخالفته لما استقر عليه الإجماع. والآخر: أني لست بدعا في ذلك، فلقد فعل ذلك الأئمة الأعلام. فتجد أحدهم يناقش خلافا في مسألة ما، ويردّ أحد الأقوال، محتجا على ذلك بالإجماع المنعقد على القول الآخر. ودونك مثال يوضح صنيعهم هذا - وسيأتي غيره في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى -. قال الإمام أبو بكر بن العربي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: فيه قولان: الأول: من شهد منكم الشّهر، وهو مقيم، ثم سافر لزمه الصوم في بقيته. قاله ابن عباس، وعائشة. الثاني: من شهد منكم الشهر فليصم منه ما شهد وليفطر ما سافر. وقد سقط القول الأول بالإجماع من المسلمين كلّهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربّنا - سبحانه -: «فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد»،

стр. 187

وقد روي «أن النبيّ ﷺ سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكديد (١)، فأفطر وأفطر المسلمون» (٢). اهـ (٣). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: الأمثلة في هذه القاعدة ربما تتداخل، فمثلا، المثال المضروب لمعارضة القرآن قد يكون - أيضا - معارضا للسنة، أو لإجماع الأمة، وإنما اقتصرت على ذكره تحت جزء واحد من أجزاء القاعدة تقريبا للأفهام، وابتعادا عن التكرار. ثم إنني اقتصرت على ذكر القول المردود بهذه القاعدة دون أن أذكر القول الصحيح في الآية، أو حتى سائر الأقوال فيها، اعتمادا على سياق القاعدة في ردّ أقوال موصوفة بالصفات المذكورة، فاقتصرت على منصوص القاعدة. وإذا سقطت هذه الأقوال انحصر الصواب فيما سواه من الأقوال، على تفاوت بينها في التقديم والتأخير بحسب النظر إليها بقواعد ترجيحية أخرى - وهذا لا يعنينا في هذا الموضع - فلذلك آثرت عدم ذكرها اختصارا. وقد سبق في مبحث «بيان متى يكون الترجيح» من مباحث التمهيد ذكر بعض الأمثلة على هذه القاعدة بما أغنى عن إعادتها في هذا الموضع، وعن ذكر

стр. 188

نظائرها (١). وتركت هنا التمثيل للمناهج التي سلكها بعض الفرق في معارضة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة - كمعارضة الكتاب والسنة بالعقل عند المتكلمين، وكذا معارضتها بالذوق والوجد والمكاشفة عند الصوفية، وكذا المنهج الباطني الذي سلكه الرافضة وغيرهم -؛ لأنه سبق في أكثر من قاعدة التنبيه على بطلان هذه المناهج، وضرب أمثلة عليها.

стр. 189

المطلب الرابع: قاعدة: لا يصح حمل الآية على تفسيرات وتفصيلات لأمور مغيبة لا دليل عليها من القرآن أو السنة * صورة القاعدة: لا سبيل إلى معرفة الأمور المغيبة - وهي كل الأمور التي لا يمكن إدراكها بطرق الاجتهاد وقوة الاستنباط - إلا بنص من قرآن أو سنة، وهذا كله مما لا تعلق له بالأحكام التكليفية، ويتضمن هذا ما قد مضى وسلف كأمور بدء الخلق، وأخبار الأمم البائدة، وما لم يقع كالملاحم والبعث، وصفة الجنة والنار، ونحوها، فكل ذلك لا يصح تفسيره باجتهادات لا دليل عليها، أو بأخبار إسرائيلية. وجعلت هذه القاعدة ترجيحية، لأنها ترجّح أصل الإبهام والإجمال والاختصار في الآية على تلك التفصيلات التي لا دليل عليها، وإنما هي مبنية على أخبار إسرائيلية. فمن هذا المنظور كانت قاعدة ترجيحية. *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولي: «لا يصح حمل الآية» يدخل تحت القاعدة التفسيرات والتفصيلات للأمور المغيبة العارية عن الدليل إذا سيقت على أنها بيان لكلام الله - تعالى - وتفسير له. ولا تدخل هذه الأمور تحت القاعدة إذا سيقت من باب التحديث عن بني إسرائيل الذي أجازه النبي ﷺ بقوله: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (١)، لا من باب التفسير والبيان لكلام الله. فالإذن في التحديث عنهم لا في جعل ذلك التحديث

стр. 190

بيانا لكلامه - سبحانه -. وقولي: «لا دليل عليها من القرآن أو السنة» خرج به ما ثبت فيه تفصيل أو تفسير أو تعيين مبهم من قبل الله - تعالى - أو رسوله ﷺ . كتعيينه ﷺ اسم صاحب موسى ﵇ بأنه الخضر (١). فمثل هذا يجب الجزم به، وحمل الآية عليه إذا صح الحديث، لأنه وحي يوحى كما قال تعالى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (٤) [النجم: ٣ - ٤]. وألحق العلماء بالحديث المرفوع قول الصحابي فيما لا مجال للرأي فيه، ولا تعلّق له ببيان لغة وشرح غريب. فقالوا: له حكم الرفع. وجزم به على هذا الإطلاق غير واحد (٢). وقيّده جماعة من الأئمة بأن لا يكون ذلك الصحابي ممن عرف بالنظر في الإسرائيليات (٣). وهو الحق؛ لأن الإطلاق مشكل، وذلك لاحتمال أن يكون

стр. 191

ذلك المروي - الذي ليس للرأي فيه مجال - من الإسرائيليات التي أخذها عن أهل الكتاب، وهو موجود في مرويات بعض الصحابة، كمسلمة أهل الكتاب، وعبد الله بن عمرو (١)، وابن عباس، وابن مسعود، وأبي هريرة، وغيرهم ﵃

стр. 192

فإن قيل: حكم قوله الرفع إذا لم يكن للرأي فيه مجال. لزم منه قبول الإسرائيليات التي من هذا القبيل ويكون حكمها الرفع كذلك. وهذا باطل. *** * أقسام الإسرائيليات، والموقف منها في التفسير: الإسرائيليات: إمّا أن يعلم كذبها بما عندنا من الشريعة. وإمّا أن يعلم صدقها بما عندنا من الشريعة. وإمّا أن تكون من المسكوت عنه؛ لكنها أقرب إلى الخرافة والكذب وتحيلها العقول السليمة. وإما أن تكون من المسكوت عنه، والعقول لا تحيل وقوعها. فهذه أربعة أقسام للإسرائيليات. فالقسم الأول: وهو ما علم كذبه بشهادة شرعنا له بالبطلان يجب رده واطراحه، ولا تجوز حكايته إلا على سبيل التنبيه على بطلانه. قال الحافظ ابن كثير: وما شهد له شرعنا منها -[يعني من الإسرائيليات]- بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته إلا على سبيل الإنكار والإبطال. اهـ (١). والقسم الثاني: وهو ما علم صدقه بشهادة شرعنا له بالصحة. فإذا ذكر هذا القسم إنما يذكر استشهادا لا اعتقادا، ولا حاجة لنا فيه اسغناء بما ثبت في شرعنا. وإذا ذكر في التفسير لا يكون هو المفسّر للآية، بل المفسّر للآية هو ما ثبت في شرعنا، فانتفى كون الآية مفسّرة بها ومحمولة عليها. والقسم الثالث: وهو ما كان من المسكوت عنه؛ لكن العقول السليمة تحيله، ويغلب على الظنون كذبه، وهو أقرب إلى الخرافة. كجبل قاف المزعوم، والحوت «نون» الذي تحمل عليه الأرض. قال الحافظ ابن كثير: وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: «حدثوا عن بني

стр. 193

إسرائيل ولا حرج» فيما قد يجوّزه العقل، فأما ما تحيله العقول، ويحكم عليه بالبطلان، ويغلب على الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل. اهـ (١). والقسم الرابع: وهو ما كان من المسكوت عنه، ولا تحيله العقول السليمة، ولا يغلب على الظنون كذبه، فيجب في مثل هذا التوقف فلا يحكم عليه بصدق أو كذب، وعلى هذا القسم ينزّل قول النبي ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا .. » (٢). قال الحافظ ابن حجر: أي إذا كان ما يخبرونكم به محتملا لئلا يكون في نفس الأمر صدقا فتكذبوه، أو كذبا فتصدقوه، فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه ولا عن تصديقهم، فيما ورد شرعنا بوفاقه، نبه على ذلك الشافعي ﵀ اهـ (٣). وقال الحافظ ابن كثير في قول النبي ﷺ : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»: هذا محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها عندنا، فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها فيجوز روايتها للاعتبار. اهـ (٤). وهذا القسم أكثر الأقسام ذكرا في كتب التفسير، وغالبه في تحديد مبهمات لا فائدة للأمة في تحديدها، كأسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، ومكان الكهف، وكم عدد الدراهم التي اشتري بها يوسف ﵇ أمّا ما تحتاجه الأمة فقد بينه لنا رسولنا ﷺ ، وشرحه، وأوضحه، عرفه من عرفه، وجهله من جهله (٥). فإذا كان حكم هذا النوع هو التوقف في التصديق والتكذيب؛ فلا يصح تفسير

стр. 194

كلام الله بأمور مشكوك في صدقها وكذبها؛ فلربما حملت الآية عليها فكانت كذبا فيكون قد فسر كلام الله - تعالى - بالكذب حقيقة، أو يكون قد خولف أمر النبي ﷺ وذلك باعتقادنا صدق هذه الإسرائيليات، وأيّ تصديق لها أعظم من جعلها بيانا لمراد الله - تعالى - فيما أبهمه عن خلقه. وكلا الأمرين باطل، فالقرآن حق ولا يحمل إلا على حق، واعتقادنا في الإسرائيليات المسكوت عنها التوقف. فتعين صحة عدم تفسيرآيات القرآن بهذه الإسرائيليات. قال العلاّمة عبد الرحمن السعدي: واعلم أن كثيرا من المفسرين ﵏ قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل، ونزلوا عليها الآيات القرآنية، وجعلوها تفسيرا لكتاب الله، محتجين بقوله ﷺ : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، والذي أرى أنه، وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه، تكون مفردة غير مقرونة، ولا منزلة على كتاب الله، فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله ﷺ . وذلك أن مرتبتها كما قال ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم». فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها، وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه. فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة، التي يغلب على الظن كذبها، أو كذب أكثرها، معاني لكتاب الله، مقطوعا بها، ولا يستريب بهذا أحد. ولكن بسبب الغفلة عن هذا، حصل ما حصل. والله الموافق. اهـ (١). وقال العلاّمة أحمد شاكر (٢): إن إباحة التحدّث عنهم فيما ليس عندنا دليل على

стр. 195

صدقه ولا كذبه - شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يعين فيها، أو في تفصيل ما اجمل فيها - شيء آخر؛ لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أنّ هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مبيّن لمعنى قول الله - سبحانه -، ومفصّل لما أجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك. وإن رسول الله ﷺ إذ أذن بالتحدث عنهم - أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم. فأيّ تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟ اللهم غفرا. اهـ (١) وبهذا التحرير يعلم أن جميع أقسام الإسرائيليات لا يصح تفسير القرآن بها. ويدخل تحت هذه القاعدة كل تفسير لأمر غيبي - ولو لم يكن من الإسرائيليات - ليس عليه دليل من القرآن أو السنة. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: أقوال العلماء في اعتماد هذه القاعدة كثيرة جدا، فمنها: ١ - قول الإمام الطبري في معرض تقريره لهذه القاعدة في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]. فبعد أن ذكر أقوال المفسرين في مبلغ هذه الدراهم قال: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - ذكره أخبر أنهم باعوه بدراهم معدودة غير موزونة، ولم يحدّ مبلغ ذلك بوزن ولا عدد، ولا وضع عليه دلالة من كتاب، ولا خبر من الرسول ﷺ وقد يحتمل أن يكون كان عشرين، ويحتمل أن يكون كان اثنين وعشرين، وأن يكون كان أربعين، وأقل من ذلك وأكثر، وأيّ ذلك كان فإنها كانت معدودة غير موزونة، وليس في العلم بمبلغ وزن ذلك فائدة تقع في دين، ولا

стр. 196

في الجهل به دخول ضرّ فيه، والإيمان بظاهر التنزيل فرض، وما عداه فموضوع عنا تكلف علمه. اهـ (١). ٢ - نقل القرطبي قول أبي بكر بن العربي في تقرير هذه القاعدة في معرض ردّه للإسرائيليات في قصة أيوب ﵇ قال: «ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبرنا الله عنه في كتابه في آيتين: الأولى قوله تعالى: ﴿* وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] والثانية في (ص): ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (٤١) [ص ٤١] وأما النبي ﷺ : فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: «بينما أيوب يغتسل، إذ خر عليه رجل من جراد من ذهب … » (٢) الحديث، وإذا لم يصح فيه قرآن، ولا سنة إلا ما ذكرنا: فمن الذي يوصل السامع إلى أيوب خبره، أم على أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات مرفوضة عند العلماء على البتات، فأعرض عن سطورها بصرك، وأصم عن سماعها أذنيك، فإنها لا تعطي فكرك إلا خيالا، ولا تزيد فؤادك إلا خبالا». اهـ (٣). ٣ - ومنها: قول ابن عطية بعد أن ساق الإسرائيليات في تحديد الشجرة التي أكل منها آدم ﵇: وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله - تعالى - نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها. اهـ (٤).

стр. 197

٤ - ومنها: قول الرازي في البعض الذي ضرب به قتيل بني إسرائيل قال: واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى .. ولا شك أن القرآن لا يدل عليه، فإن ورد خبر صحيح قبل، وإلا وجب السكوت عنه. اهـ (١). ٥ - ومنها: قول الحافظ ابن كثير في معرض تعليقه على ما روي من الإسرائيليات في قصة هاروت وماروت: وقصّها خلق من المفسرين المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله - تعالى - والله أعلم بحقيقة الحال. اهـ (٢). ٦ - ويقرر هذه القاعدة على وجه العموم العلامة ابن الوزير فيقول في مراتب التفسير فيما يرجع إلى الدراية إنه يرجع إلى سبعة أنواع: النوع السابع: ما لم يصح فيه شيء من جميع ما تقدم ويختلف فيه أهل التفسير وأهل العلم، مثل تفسير الحروف التي في فواتح السور، وتفسير الروح ونحو ذلك مما لم يصح دليل لنا على تفسيره، ولا معنا ضرورة عملية تلجئ إلى وجوب البحث عنه، وقد يرتكب فيه مخالفة الظواهر ويبتني على أسباب مختلف في صحتها، فالحزم الوقف فيه لما تقدم من حديث ابن عباس في وعيد من فسر القرآن برأيه (٣).

стр. 198

وعن جندب (١) مثله (٢) رواه أبو داود (٣) والترمذي (٤). وأوضح منهما قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. اهـ (٥). ٧ - وقال العلاّمة الشنقيطي: واعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا، كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي ﷺ شيء زائد على ما في القرآن، وللمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها. اهـ (٦). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: أمثلة هذه القاعدة كثيرة جدا. ١ - فمنها: ما جاء في تفسير قول الله - تعالى - في قصة نوح ﵇: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠].

стр. 199

نقل الإمام الطبري خلاف المفسرين في عدد الذين آمنوا مع نوح فحملهم معه في الفلك، وذكر أربعة أقوال وأسندها إلى قائليها (١). فقال بعضهم: كانوا ثمانية أنفس. وقال آخرون: بل كانوا سبعة أنفس. وقال آخرون: كانوا عشرة سوى نسائهم. وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسا. فهذه أربعة أقوال في تحديد العدد الذي آمن بنوح ﵇ وحمل معه في السفينة، وكلها لا دلالة عليها من كتاب أو سنة، بل هي مما أخذ من بني إسرائيل، فالصواب ألا تحمل الآية على أي منها، فهو مما أبهمه الله عنا، ولم تقم حجة ببيانه. قال الإمام الطبري - بعد أن ذكر الأقوال السابقة -: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) [هود: ٤٠] يصفهم بأنهم كانوا قليلا، ولم يحدد عددهم بمقدار، ولا خبر عن رسول الله ﷺ صحيح، فلا ينبغي أن يتجاوز في ذلك حد الله، إذ لم يكن لمبلغ عدد ذلك حد من كتاب الله أو أثر عن رسول الله ﷺ . اهـ (٢). ٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء عن مجاهد في تفسير قول الله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (٧٩) [الإسراء: ٧٩]. قال: يجلسه معه على عرشه. اهـ (٣). وهذا أمر غيبي من أحوال الآخرة، ولم يقم عليه دليل من القرآن أو السنة، ولم ينقل بسند صحيح عن أحد من الصحابة؛ فهو مردود بهذه القاعدة.

стр. 200

وقد صح التفسير النبوي للآية بخلافه، فثبت في السنة أن المقام المحمود هو الشفاعة (١). قال الإمام ابن عبد البر: وعلى هذا أهل العلم في تأويل قول الله تعالى: ﴿عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً﴾ (٧٩) [الإسراء: ٧٩] أنه الشفاعة. وقد روى عن مجاهد أن المقام المحمود: أن يقعده معه يوم القيامة على العرش. وهذا - عندهم - منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة. اهـ (٢). والغريب كلام الإمام الطبري بعد أن رجح أن المقام المحمود هو الشفاعة، قال عن قول مجاهد: فإن ما قاله مجاهد من أن الله يقعد محمدا ﷺ على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك؛ لأنه لا خبر عن رسول الله ﷺ ،

стр. 201

ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك. اهـ (١). ثم شرع في بيان وجه عدم إحالة قول مجاهد من جهة النظر. وهذا التوجيه من الإمام الطبري غير وجيه، ومخالف لمنهجه في مثل هذه المسألة الذي يقرره كثيرا في تفسيره، وهو عدم إطلاق قول عن المنقولات لم يرد به نقل. وذلك؛ لأن مثل هذا الخبر الذي أخبر به مجاهد من الأمور المغيبة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالنص، ولا نص هنا بهذا، بل النصوص متضافرة على أنه الشفاعة. فالأصل في إثبات المغيبات هو ورود النص بها، لا ورود النصوص المانعة منها (٢).

стр. 202

المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بالآثار وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير. المطلب الثاني: قاعدة: إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير. المطلب الثالث: قاعدة: تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم. المطلب الرابع: قاعدة تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ.

стр. 203

المطلب الأول: قاعدة: إذا صح سبب النزول الصريح فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير * صورة القاعدة: قرر الأئمة الأعلام أن من أهم فوائد معرفة أسباب النزول، أنها تعين على فهم الآية على وجه صحيح (١). فإذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله وتعددت أقوالهم فيها، فأولى الأقوال بتفسيرالآية ما وافق سبب النزول الصحيح الصريح في السببية. *** * بيان ألفاظ القاعدة: تعريف «سبب النزول». السبب لغة: كل شيء يتوصل به إلى غيره (٢). النزول في اللغة: هبوط شيء ووقوعه (٣). سبب النزول اصطلاحا، عرّف بأكثر من تعريف، أختار منها تعريف شيخنا الشيخ مناع القطان؛ لأنه جامع مانع. قال ﵀: ما نزل قرآن بشأنه وقت وقوعه، كحادثة أو سؤال. اهـ (٤). فهذا التعريف يحدد لنا سبب النزول، وأنه قاصر على نوعين:

стр. 204

أحدهما: إما بسبب حادثه. تنزل الآية أو الآيات مبينة ما يتصل بتلك الآيات، كالذي نزل في غزوة بدر وأحد وقصة الإفك واللّعان ونحوها. والآخر: أو بسبب سؤال. فينزل القرآن بالجواب عن ذلك السؤال الذي طرح على النبي ﷺ كما في السؤال عن الأهلة والإنفاق والأنفال والروح ونحوها. وهذا في الآيات التي لنزولها سبب، وإلا فأكثر القرآن نزل ابتداء من غير سبب. والمراد ب «وقت وقوعه» أي وقت وقوع السبب، حادثه أو سؤال، سواء أكان النزول بعد السبب مباشرة، كالسؤال عن الروح والآيات التي نزلت بالجواب عن ذلك. أم تأخر عنه كما في قصة الإفك، والثلاثة الذين خلّفوا، ونحو ذلك، وهذا كله في عصر النبوة، ووقت التنزيل. خرج بذلك الآيات التي نزلت ابتداء متحدثة عن قصص الأنبياء والأمم السالفة، وعواقب المكذبين كأصحاب الفيل ونحو ذلك فليست من أسباب النزول. قال السيوطي: والذي يتحرّر في سبب النزول أنه مانزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحديّ في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة نوح وعاد وثمود وبناء البيت، ونحو ذلك. اهـ (١). قولي: «إذا صح سبب النزول» هذا قيد أخرج سبب النزول الضعيف فلا تعويل عليه في تصحيح قول، أو تضعيف آخر، فلا بد من صحة الرواية عن النبي ﷺ ، أو عن الصحابة (٢)، أو عن التابعين عند من اعتمد قولهم في هذا، لذلك اعتمد العلماء

стр. 205

الصحيح من أسباب النزول عند تعدد الأسباب والنازل واحد (١). قال الزرقاني (٢): لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح. اهـ (٣) وعلى هذا عمل الأئمة الأعلام، فهذا الإمام الطبري يعرض عن اعتماد سبب نزول آية لأجل ضعفه، ويرجح غيره من الأقوال معللا ذلك بعدم ثبوت الخبر من طريق صحيح متصل السند (٤). ويرجح القرطبي أقوالا اعتمادا على صحة الرواية في سبب النزول (٥). وهذا شيخ الإسلام ابن تيميه يردّ سبب نزول آية لعلة ضعف السند قال: ومن قال: إن سبب نزول الآية سؤال اليهود عن حروف المعجم في «ألم» بحساب الجمل، فهذا نقل باطل، أما أولا: فلأنه من رواية الكلبي. اهـ (٦). وكلام الحافظ ابن حجر - في سبب نزول سورة الضحى - في قصة إبطاء جبريل بالوحي وأنه كان بسبب كلب ميت تحت سرير النبي ﷺ مشهور، قال فيه: وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه

стр. 206

الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح. اهـ (١). وقال السيوطي: كثيرا ما يذكر المفسرون لنزول الآية أسبابا متعدّدة، وطريق الاعتماد في ذلك أن ينظر إلى العبارة الواقعة فإن عبّر أحدهم بقوله: نزلت في كذا، والآخر: نزلت في كذا، وذكر أمرا آخر، فقد تقدم أن هذا يراد به التفسير لا سبب النزول -[إلى أن قال]- وإن ذكر واحد سببا، وآخر سببا غيره، فإن كان إسناد أحدهما صحيحا دون الآخر فالصحيح المعتمد. اهـ (٢). وأعني بالصحيح هنا رتبة القبول ويشمل الحسن بنوعيه، والصحيح بنوعيه. وقولي: «الصريح» خرج به سبب النزول غير الصريح في السببية، فلا يعتبر مرجحا؛ لذلك جعل العلماء صيغة سبب النزول النظر الثاني في الترجيح بين أسباب النزول المتعددة إذا صحت، فالصريحة هي المقدّمة، والمعتمدة في السببية. وأول من رأيته ذكر الصراحة في السببية، واعتبارها مرجحة، الإمام القرطبي ﵀ المتوفى سنة إحدى وسبعين وستمائة. قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٤]-: وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي ﷺ عن وط ء المسبيات ذوات الأزواج. اهـ (٣). فهذا تنبيه من الإمام القرطبي على أن من أسباب النزول ما تكون صيغته صريحة، ومنها ما تكون غير صريحة. ثم حدّد هذا المفهوم بشكل أكثر وضوحا ودقة بعد ذلك.

стр. 207

فتكون الصيغة نصا في السببية في الحالات الآتية: ١ - إذا نص الراوي على السببية كأن يقول «سبب نزول هذه الآية كذا وكذا .. ». ٢ - إذا أتى بفاء تعقيبية داخلة على مادّة النزول بعد ذكر الحادثة أو السؤال. ٣ - إذا سأل سائل النبي ﷺ عن شيء فينزل الوحي بالجواب عن السؤال، حاكيا السؤال مع جوابه، كالسؤال عن الروح أو الأهلّة أو نحوها. وتكون الصيغة غير صريحة في السببية - وإنما هي محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام، والقرائن هي التي تحدد أحدهما - في الحالات الآتية: ١ - إذا قال الراوي «نزلت هذه الآية في كذا» فهذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أخرى أن هذا المذكور داخل تحت معنى الآية، وإن لم يكن السبب (١). ٢ - إذا قال الراوي «أحسب هذه الآية نزلت في كذا» أو «ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في كذا». فتلك ثلاث صيغ دلالتها على سبب النزول صريحة وهاتان صيغتان تحتملان السببية وغيرها (٢). وقولي: «فهو مرجح لما وافقه من أوجه التفسير» هذا هو الترجيح. ويرد هنا منازعة قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصحوص السبب» لهذه القاعدة في الترجيح، وسيأتي - بإذن الله - بسط الكلام على قاعدة «العبرة بعموم اللفظ .. ». لكنّي أذكر هنا الحالات التي تقدم فيها هذه القاعدة على غيرها، وذلك في صورتين:

стр. 208

إحداهما: إذانزلت الآية بسبب معيّن ولا عموم للفظها - أي ليس فيها صيغة من صيغ العموم - فإنّ أصح الأقوال في تفسيرالآية هو ما وافق سبب النزول، وذلك كما في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة. قال السيوطي: أمّاآية نزلت في معيّن ولا عموم للفظها فإنها تقصر عليه قطعا. اهـ (١). الأخرى: إذا خصّص العموم بدليل، فأولى الأقوال بهذا الخصوص ما وافق صورة سبب النزول من الأقوال؛ لأن صورتها قطعية الدخول في العموم (٢)، وليس ذلك لغيرها. كما في المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة في الترجيح أئمة التفسير؛ فصححوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى، وهذا شائع منتشر في تفاسيرهم، سوف أذكر جماعة منهم هنا، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في الأمثلة ذكر آخرين استعملوا هذه القاعدة في الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة: ١ - أبو جعفر النحاس: فعند كلامه على قول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ذكر خلاف العلماء في معناها، ومحكمة هي أو منسوخة، ومن هذه الأقوال التي ذكرها قول عبد الله (٣) وعروة (٤) ابني الزبير: إنما أنزل الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾

стр. 209

من أخلاق الناس. اهـ (١). قال أبو جعفر: وهذا أولى ما قيل في الآية، لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يخبر بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدا مخالفته، والمعنى عليه ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم .... اهـ (٢). ٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] قال - بعد أن ذكر الخلاف في تفسيرالآية -: وحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق متعددة. اهـ (٣). ٣ - ومنهم أبو محمد ابن عطية: استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي معرض مناقشته للأقوال في معنى الأنفال ضعّف ما لا يوافق أسباب النزول، ورجّح ما وافقها، فقال: وهذا قول بعيد عن الآية غير ملتئم مع الأسباب المذكورة … -[إلى أن قال]-: وأولى هذه الأقوال، وأوضحها القول الأول الذي تظاهرت الروايات بأسبابه وناسبه الوقت الذي نزلت الآية فيه. اهـ (٤). ٤ - ومنهم القرطبي: وسيأتي ترجيحه بالقاعدة (٥) في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله تعالى -. ٥ - ومنهم ابن القيم (٦).

стр. 210

٦ - ومنهم الشوكاني: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال -: والأول أولى بدليل سبب النزول. اهـ (١). ٧ - ومنهم الشنقيطي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] بعد أن ذكر الخلاف في «ما» موصولة أو مصدرية -: والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن «ما» موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء … ؛ لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول. اهـ (٢). ٨ - ويقول الدكتور صبحي الصالح - مقررا مضمون هذه القاعدة -: ولئن كانت معرفة جو القصيدة، والظروف التي نظمت خلالها تعين على الفهم السديد، وتسعف بالذوق السليم، وتواكب الشرح الأدبي جنبا إلى جنب، لتكوننّ معرفة قصة الآية والأسباب التي اقتضت نزولها أعون على دقة الفهم وأدنى إلى استلهام أرجح التأويل وأصح التفسير. اهـ (٣). وغير هؤلاء كثير. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ا - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ [البقرة: ١٨٩] اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على أقوال (٤):

стр. 211

أحدها: أن المراد بالبيوت هي المنازل المعروفة، والإتيان هو المجيء إليها ودخولها. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. والثاني: أن المراد بالبيوت، النساء أمرنا لإتيانهنّ من القبل لا من الدّبر. قاله ابن زيد. والثالث: أنها مثل. فقيل أمر الناس أن يأتوا الأمور من وجوهها. وقيل: المعنى: ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتوا الأمور على غير ما يجب. وقيل غير ذلك. وأولى هذه الأقوال بالصواب هو القول الأوّل، وذلك لما صح في سبب نزول هذه الآية من حديث البراء بن عازب (١) ﵄ قال: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له ذلك فنزلت هذه الآية ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ (٢). وهذا ما ترجحه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها. وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم ابن العربي (٣)، وابن عطية (٤)، والقرطبي (٥)، وأبو حيان (٦)، وغيرهم.

стр. 212

قال أبو بكر بن العربي - بعد أن ذكر الأقوال في تفسيرالآية -: المسألة الحادية عشرة: في تحقيق هذه الأقوال: أما القول إنّ المراد بها النساء: فهو تأويل بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، فلم يوجد ولا دعت إليه حاجة. وأما كونه مثلا في إتيان الأمور من وجوهها: فذلك جائز في كل آية؛ فإنّ لكل حقيقة مثلا منها ما يقرب ومنها ما يبعد. وحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة، بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق متعددة ذكرنا أوعبها، عن الزهري (١)، فحقّق أنها المراد بالآية، ثم ركّب من الأمثال ما يحمله اللفظ ويقرب، ولا يعارضه شيء. اهـ (٢). وقال القرطبي - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -: قلت: القول الأول أصح هذه الأقوال؛ لما رواه البراء. -[وذكر حديث البراء السابق]- إلى أن قال: وأمّا تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمّله. اهـ (٣). واقتصر على ما رجحته القاعدة آخرون من أئمة التفسير، ولم يذكروا غيره مستندين إلى سبب النزول، منهم ابن جرير الطبري (٤)، والزجاج (٥)، والنحاس (٦)، والبغوي (٧)، وابن كثير (٨)، وغيرهم.

стр. 213

ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة»، وذلك أن القول الذي رجحته هذه القاعدة هو الحقيقة في لفظ «البيوت» على عكس غيره من الأقوال فهي تحمل لفظ البيوت على المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة. قال أبو حيان - بعد أن ذكر سبب نزول الآية -: وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الأسباب. اهـ (١) أي: أسباب النزول. ٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية: فقال بعضهم: المراد بالمحصنات هنا المزوجات، والاستثناء في ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي السبايا اللواتي فرق بينهن وبين أزواجهن السّباء. وقال آخرون: المحصنات المزوجات، والمستثنى هنّ الإماء، فتحرم المزوجات إلا ما ملك منهنّ بشراء أو هبة أو صدقة أو إرث، فإن مالكها أحق ببضعها من الزوج، والبيع والهبة والصدقة والإرث طلاق لها. وقال آخرون: المحصنات هنّ العفائف، وتأويل الآية على هذا: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهن بنكاح أو ملك. فالمعنى على هذا القول تحريم الزنا. وقال آخرون: المحصنات الحرائر، والمعنى: حرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم أي بنكاح. على جعل الاستثناء متصلا. وأمّا إن كان منقطعا فيكون المعنى: حرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، أي بالتسري (٢).

стр. 214

وأولى هذه الأقوال بتفسيرالآية، القول الأول؛ وذلك لما صح في سبب نزولها من حديث أبي سعيد الخدري (١) ﵄ أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس - وهو واد بديار هوازن (٢) - فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين فأنزل الله : ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٣). فهذا سبب نزول الآية صحيح صريح في السببية، مصحح للقول الأول لموافقته له، وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم أبو جعفر النحاس (٤)، وابن العربي (٥)، والقرطبي (٦)، والشنقيطي (٧)، ومال إليه ابن كثير (٨)، وابن جزي (٩) وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -. قال القرطبي - بعد أن ذكر القول واستدل له بحديث أبي سعيد -: وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي ﷺ عن وط ء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]

стр. 215

وبه قال مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأصحابه، والشافعي، وأحمد وإسحاق (٣)، وأبو ثور (٤)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. اهـ (٥). وقال الشنقيطي - معلقا على القول الذي رجحته هذه القاعدة بعد أن ختم به الأقوال في الآية -: وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته ويؤيده سبب النزول. اهـ (٦). أما القول الثاني، وهو حمل قوله تعالى ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على العموم في الإماء دون تخصيصه بالمسبيّات، أخذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون بيع الأمة طلاقا لها من زوجها. وعليه يكون هذا من باب تنازع قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» مع هذه القاعدة التي يمثّل لها. وقاعدة «العبرة بعموم اللفظ … » مقدّمة كما هو مبين في مبحث تنازع القواعد. والجواب عنه هو ما تقدم تحريره في أول هذه القاعدة، من أن قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ … » مقدّمة إلا في صورتين، هذه إحداهما، وهي ما إذا ثبت تخصيص
следующие страницы →