← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أحدها: أن المراد بالبيوت هي المنازل المعروفة، والإتيان هو المجيء إليها ودخولها. قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما. والثاني: أن المراد بالبيوت، النساء أمرنا لإتيانهنّ من القبل لا من الدّبر. قاله ابن زيد. والثالث: أنها مثل. فقيل أمر الناس أن يأتوا الأمور من وجوهها. وقيل: المعنى: ليس البر أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلّة وغيرها فتأتوا الأمور على غير ما يجب. وقيل غير ذلك. وأولى هذه الأقوال بالصواب هو القول الأوّل، وذلك لما صح في سبب نزول هذه الآية من حديث البراء بن عازب (١) ﵄ قال: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال: فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه، فقيل له ذلك فنزلت هذه الآية ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها﴾ (٢). وهذا ما ترجحه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها. وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم ابن العربي (٣)، وابن عطية (٤)، والقرطبي (٥)، وأبو حيان (٦)، وغيرهم.

стр. 212

قال أبو بكر بن العربي - بعد أن ذكر الأقوال في تفسيرالآية -: المسألة الحادية عشرة: في تحقيق هذه الأقوال: أما القول إنّ المراد بها النساء: فهو تأويل بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، فلم يوجد ولا دعت إليه حاجة. وأما كونه مثلا في إتيان الأمور من وجوهها: فذلك جائز في كل آية؛ فإنّ لكل حقيقة مثلا منها ما يقرب ومنها ما يبعد. وحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة، بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق متعددة ذكرنا أوعبها، عن الزهري (١)، فحقّق أنها المراد بالآية، ثم ركّب من الأمثال ما يحمله اللفظ ويقرب، ولا يعارضه شيء. اهـ (٢). وقال القرطبي - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -: قلت: القول الأول أصح هذه الأقوال؛ لما رواه البراء. -[وذكر حديث البراء السابق]- إلى أن قال: وأمّا تلك الأقوال فتؤخذ من موضع آخر لا من الآية، فتأمّله. اهـ (٣). واقتصر على ما رجحته القاعدة آخرون من أئمة التفسير، ولم يذكروا غيره مستندين إلى سبب النزول، منهم ابن جرير الطبري (٤)، والزجاج (٥)، والنحاس (٦)، والبغوي (٧)، وابن كثير (٨)، وغيرهم.

стр. 213

ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته قاعدة: «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة»، وذلك أن القول الذي رجحته هذه القاعدة هو الحقيقة في لفظ «البيوت» على عكس غيره من الأقوال فهي تحمل لفظ البيوت على المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة. قال أبو حيان - بعد أن ذكر سبب نزول الآية -: وهذه أسباب تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز مع مخالفة ما تضافرت من هذه الأسباب. اهـ (١) أي: أسباب النزول. ٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية: فقال بعضهم: المراد بالمحصنات هنا المزوجات، والاستثناء في ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ أي السبايا اللواتي فرق بينهن وبين أزواجهن السّباء. وقال آخرون: المحصنات المزوجات، والمستثنى هنّ الإماء، فتحرم المزوجات إلا ما ملك منهنّ بشراء أو هبة أو صدقة أو إرث، فإن مالكها أحق ببضعها من الزوج، والبيع والهبة والصدقة والإرث طلاق لها. وقال آخرون: المحصنات هنّ العفائف، وتأويل الآية على هذا: والعفائف من النساء حرام عليكم، إلا ما ملكت أيمانكم منهن بنكاح أو ملك. فالمعنى على هذا القول تحريم الزنا. وقال آخرون: المحصنات الحرائر، والمعنى: حرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم أي بنكاح. على جعل الاستثناء متصلا. وأمّا إن كان منقطعا فيكون المعنى: حرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، أي بالتسري (٢).

стр. 214

وأولى هذه الأقوال بتفسيرالآية، القول الأول؛ وذلك لما صح في سبب نزولها من حديث أبي سعيد الخدري (١) ﵄ أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس - وهو واد بديار هوازن (٢) - فلقوا العدو فقاتلوهم وظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأن ناسا من أصحاب النبي ﷺ تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين فأنزل الله : ﴿* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٣). فهذا سبب نزول الآية صحيح صريح في السببية، مصحح للقول الأول لموافقته له، وقد رجّح هذا القول بهذه القاعدة جماعة من أئمة التفسير، منهم أبو جعفر النحاس (٤)، وابن العربي (٥)، والقرطبي (٦)، والشنقيطي (٧)، ومال إليه ابن كثير (٨)، وابن جزي (٩) وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -. قال القرطبي - بعد أن ذكر القول واستدل له بحديث أبي سعيد -: وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرّج أصحاب النبي ﷺ عن وط ء المسبيات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]

стр. 215

وبه قال مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأصحابه، والشافعي، وأحمد وإسحاق (٣)، وأبو ثور (٤)، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى. اهـ (٥). وقال الشنقيطي - معلقا على القول الذي رجحته هذه القاعدة بعد أن ختم به الأقوال في الآية -: وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته ويؤيده سبب النزول. اهـ (٦). أما القول الثاني، وهو حمل قوله تعالى ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على العموم في الإماء دون تخصيصه بالمسبيّات، أخذا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيكون بيع الأمة طلاقا لها من زوجها. وعليه يكون هذا من باب تنازع قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» مع هذه القاعدة التي يمثّل لها. وقاعدة «العبرة بعموم اللفظ … » مقدّمة كما هو مبين في مبحث تنازع القواعد. والجواب عنه هو ما تقدم تحريره في أول هذه القاعدة، من أن قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ … » مقدّمة إلا في صورتين، هذه إحداهما، وهي ما إذا ثبت تخصيص

стр. 216

العموم، وقد أحلت هناك على هذا المثال لبيان هذه الصورة، وهذا موطن البيان. ذلك أن قوله تعالى: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ ليس على عمومه في جميع الإماء، وليس بيع الأمة طلاقا لها، لما في الصحيحين وغيرهما أن عائشة ﵂ اشترت بريرة وأعتقتها، وكانت ذات زوج فخيرها النبي ﷺ بين البقاء مع زوجها أو الفراق، فاختارت الفراق (١). ففي تخيير النبي ﷺ لها دليل على أن عقد الزوجية لم ينفسخ بالبيع، ولم يعد شراء عائشة ﵂ طلاقا، ولو كان شراؤها طلاقها لم يكن لتخيير النبي ﷺ معنى، ولوجب بالشراء والعتق الفراق، فدل ذلك على أن عقد النكاح السابق ثابت، فتحرم على غير زوجها حتى يطلقها، أو تختار هي الفراق، أو تنقضي عدتها لوفاته (٢). فإذا انتفى العموم في «ملك اليمين» كان أولى الأقوال بتفسيرالآية فيه على الخصوص هو ما وافق سبب النزول. وصورة سبب النزول قطعية الدخول في العام - كما هو معروف عند الأصوليين - (٣). قال الزركشي: ومن فوائد أسباب النزول: أنه قد يكون اللفظ عاما، ويقوم الدليل على التخصيص، فإن محل السبب لا يجوز إخراجه بالاجتهاد والإجماع، كما حكاه

стр. 217

القاضي أبو بكر (١) في «مختصر التقريب» (٢)؛ لأن دخول السبب قطعي اهـ (٣). أما حمل قوله: ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ على التسرّي، والنكاح الشرعي، فهو خلاف الظاهر، وخلاف استعمال القرآن. وقاعدة: «حمل معاني كلام الله على الغالب من أسلوب القرآن أولى من الخروج به عن ذلك» تضعّفه، بل [إن ملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقوله: ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقوله:، ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣٠] فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فهذه الآيات -[ونحوها]- تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر] (٤).

стр. 218

_________ = وتفسير ابن كثير (٢/ ٢١٤)، وفتح القدير (١/ ٢٤٢)، وروح المعاني (٤/ ٢٤٨)، وأضواء البيان (١/ ٣٧٨) ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ [الأعراف: ١٩٩]، انظر الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠) ٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال: ١]. انظر المحرر الوجيز (٨/ ٧). ٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [هود: ١١٤] انظر الجامع لأحكام القرآن (٩/ ١١٠). ٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور: ٢٢] انظر فتح القدير (٤/ ١٦)، وأضواء البيان (٦/ ١٦٠ - ١٦١). - وانظر مزيدا من الأمثلة في بدع التفاسير للغماري ص ٨١ - ٨٣ - ٩٠ - ١٠٠ - ١٤٠.

стр. 219

المطلب الثاني: قاعدة: إذا ثبت تاريخ نزول الآية أو السورة فهو مرجّح لما وافقه من أوجه التفسير * صورة القاعدة: إذا اختلف العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، فالقول الذي يوافق تاريخ نزول الآية هو القول الراجح، والقول الذي يخالف تاريخ نزولها، ولا يتفق معه فهو قول ضعيف أو مردود. وإنما قلت: أو مردود؛ لأن تاريخ نزول الآية لا يخلو إما أن يكون متفقا عليه أو مختلفا فيه، فإن كان متفقا عليه فالقول الذي يخالفه ولا يتفق معه مردود؛ لأجل مخالفته أمرا مجمعا عليه. وإن كان تاريخ نزولها مختلفا فيه، غير أنه تبين الصحيح. والراجح بأدلته، فالقول الذي يوافق الصحيح والراجح، هو الراجح، والقول الذي يخالفه ويوافق القول الضعيف في تاريخ نزولها، هو ضعيف مرجوح. *** * بيان ألفاظ القاعدة: «ثبوت تاريخ النزول» أعني به في هذه القاعدة أمرين، أحدهما: اتفاق العلماء عليه، وذلك كاتفاقهم على السور المكية، وكذا المدنية، والآيات التي نزلت في تبوك، أو في حجة الوداع، ونحو ذلك. والآخر: ثبوت تاريخ النزول برجحان أحد الأقوال وظهوره دون غيره، وذلك كأن تكون الرواية فيه صحيحة، والقول الآخر روايته ضعيفة، وهذا يقع في الآيات والسور المختلف في تاريخ نزولها.

стр. 220

- وأصل هذه القاعدة، هو المكي والمدني، ولكنها ليست قصرا عليه، وإنما هي أعم وأشمل منه، فهي تتعلق بتاريخ نزول الآية أو السورة، فقد يقع الترجيح بين أقوال في التفسير بناء على التاريخ في قرآن مكي فقط، أو مدني فقط. وإن كان العلماء تنازعوا في المراد بالمكي والمدني، غير أن المشهور والصحيح في تحديد المكي والمدني - وهو الذي يتفق مع هذه القاعدة التي تحرر - هو: ما نزل قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، فهو مكي، وما نزل بعدها، فهو مدني، وإن نزل بمكة (١). وإنما اخترت هذا الاصطلاح للمكي والمدني؛ لتعلقه بزمن النزول، وهو الذي يعنينا في هذه القاعدة؛ ولأنه حاصر لجميع القرآن، ومطرد فيه، على عكس غيره من تعريفات المكي والمدني. وأما سبيل معرفة المكّي والمدنيّ، فهو الرواية عن الصحابة والتابعين (٢)، فالصحابة ﵃ هم الذين شاهدوا التنزيل، فعلموا متى نزل؟ وأين نزل؟ وكان

стр. 221

النبي ﷺ إذانزلت عليه السورة تلاها، وعلّمها الصحابة. والتابعون تتلمذوا على الصحابة؛ وأخذوا العلم عنهم ﵃ جميعا - ولا يعني القول إن هذه السورة مكية أن يكون جميعها مكيا، بل قد يكون فيها بعض الآيات مدنية، والعكس صحيح - على أن يكون هذا جاريا على الاصطلاح الذي اخترته للمكي والمدني في هذه القاعدة (١) - فالعمدة على ثبوت تاريخ الآية المفسّرة، سواء استقلت بتاريخ غير تاريخ بقية السورة، أو كان تاريخها هو تاريخ نزول السورة. ولا أعني بالتاريخ ضرورة معرفة الساعة واليوم والعام، بل قد يكفي في التاريخ مرحلة زمنية كالعهد المكي قبل الهجرة، أو حادثة معينة كالإسراء، أو غزوة معينة، أو القبلية والبعدية بالنسبة لسورة أخرى، كأن يقال سورة كذانزلت قبل سورة كذا. فهذا هو ما أعني به «تاريخ النزول». وأعني بقولي: «لما وافقه من أوجه التفسير» أي ترجيح التفسير الذي يتفق مع تاريخ النزول على غيره مما لا يتفق معه. مثلا إذا اختلف العلماء في تفسيرآية على قولين، أحدهما يلزم منه أن تكون الآية مكية، والآخر يلزم منه أن تكون الآية مدنية. واتفق العلماء على أن هذه الآية المفسّرة مثلا مكية، فالقول الذي يلزم منه أن تكون الآية مكية هو الراجح. وسترى في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - إيضاح ذلك. ***

стр. 222

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، فصححوا بها أقوالا، وضعّفوا بها أخرى بناء على ما تقضي به هذه القاعدة، فمن هؤلاء الأئمة: ١ - التابعي الجليل سعيد بن جبير (١): أخرج ابن جرير الطبري بسنده عن أبي بشر (٢) قال: قلت لسعيد بن جبير ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (٤٣) [الرعد: ٤٣] أهو عبد الله بن سلام، قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام! قال: وكان يقرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ يقول: «من عند الله» (٣). ٢ - ومنهم مسروق بن الأجدع: فقد أخرج ابن جرير الطبري بسنده عنه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١٠]، أنه قال: والله مانزلت في عبد الله بن سلام، مانزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال: فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﷺ ، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم. اهـ (٤).

стр. 223

٣ - ومنهم الشعبي (١): أخرج الطبري بسنده عنه أنه قال: أناس يزعمون أن شاهدا من بني إسرائيل على مثله عبد الله بن سلام، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن آل حم إنمانزلت بمكة. اهـ (٢). ٤ - ومنهم ابن جرير الطبري: فقد أسند إلى ابن زيد في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥] قوله: قال الله له حين رجع من غزوه ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية. يريدون أن يبدّلوا كلام الله: أرادوا أن يغيروا كلام الله الذي قال لنبيه ﷺ ويخرجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيه ﷺ . قال الطبري - معلقا على هذا القول -: وهذا الذي قاله ابن زيد قول لا وجه له، لأن قول الله : ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ إنما نزل على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، وعني به الذين تخلّفوا عنه حين توجه إلى تبوك لغزو الروم، ولا اختلاف بين أهل العلم بمغازي رسول الله ﷺ أن تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة أيضا، فكيف يجوز أن يكون الأمر على ما وصفنا معنيا بقول الله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ - وهو خبر عن المتخلفين عن المسير مع رسول الله ﷺ ، إذ شخص معتمرا يريد البيت، فصدّه المشركون عن البيت - الذين تخلّفوا عنه في غزوة تبوك، وغزوة تبوك لم تكن كانت يوم نزلت هذه الآية، ولا كان أوحي إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾. اهـ (٣).

стр. 224

٥ - ومنهم القاضي ابن عطية: ففي معنى «الإثم» من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣] قال: قال بعض الناس: هي الخمر، واحتج على ذلك بقول الشاعر: شربت الإثم حتى طار عقلي (١) … قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود؛ لأن هذه السورة مكية، ولم تعن الشريعة بتحريم الخمر إلا بالمدينة بعد أحد؛ لأن جماعة من الصحابة اصطبحوها يوم أحد، وماتوا شهداء وهي في أجوافهم، وأيضا فبيت الشعر يقال إنه مصنوع مختلق، وإن صح فهو على حذف مضاف .. اهـ (٢). ٦ - ومنهم أبو عبد الله القرطبي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]-: قيل: ﴿فَصَّلَ﴾ بيّن، وهو ما ذكره في سورة المائدة من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية. قلت -[القائل القرطبي]-: هذا فيه نظر؛ فإن «الأنعام» مكية، و «المائدة» مدنية، فكيف يحيل بالبيان على ما لم ينزل بعد. اهـ (٣). ٧ - ومنهم ابن المنيّر: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) [المزمل: ١]، حكى الزمخشري قولا مفاده أن النبي ﷺ كان في مرط لعائشة يصلي وقت خطابه بهذه السورة. قال ابن المنيّر - معلقا على هذا القول -: وأما نقله -[أي الزمخشري]- أن ذلك

стр. 225

كان في مرط عائشة ﵂ فبعيد، فإن السورة مكية، وبنى النبي ﷺ على عائشة ﵂ بالمدينة. اهـ (١). ٨ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: قال - في منهاج السنة في معرض رده على الرافضي الذي ادعى أن سورة، «هل أتى» نزلت في حق علي وفاطمة (٢) والحسن (٣) والحسين (٤) -: إن سورة «هل أتى» مكية باتفاق العلماء، وعليّ إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد الهجرة، ولم يدخل بها إلا بعد غزوة بدر، وولد له الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة بعد نزول «هل أتى» بسنين كثيرة، وقول القائل: إنهانزلت فيهم من الكذب الذي لا يخفى على من له علم بنزول القرآن، وعلم بأحوال هؤلاء السادة الاخيار اهـ (٥). ٩، ١٠ - ومنهم أبو حيان الأندلسي، وابن جزيّ الكلبي: فقد ذكرا في تفسير قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ﴾ [الفتح: ١٥] قول ابن زيد في الآية، ورداه بهذه القاعدة (٦)، وقد سبق ذكر قول ابن زيد وردّه بهذه القاعدة، في كلام ابن جرير

стр. 226

الطبري في اعتماده لهذه القاعدة، بما يغني عن إعادته هنا. وغير هؤلاء كثير يطول المقام بسرد أقوالهم في ذلك (١). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: سبق في «أقوال العلماء في اعتماد القاعدة» الإشارة إلى بعض أمثلة هذه القاعدة، والترجيح بها، بما يغني عن الإطناب والبسط في هذا الموضع؛ لذلك سوف أذكر مثالا واحدا مختصرا، ثم أحيل بعده على جملة من الأمثلة في مظانّها. فمن أمثلة هذه القاعدة، ما جاء عند الرافضة في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] حيث ساق مفسرهم بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لمانزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ قالوا: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال: علي، وفاطمة، وولداهما. اهـ (٢).

стр. 227

وقال مفسر آخر منهم في تفسير هذه الآية: قال أبو عبد الله (١) ﵇: إنمانزلت فينا خاصة أهل البيت في علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، أصحاب الكساء (٢) ﵈. اهـ (٣). وهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها ترد وتبطل كذب الرافضة؛ وذلك أن عليا لم يتزوج فاطمة الزهراء إلا في المحرم من السنة الثانية (٤) للهجرة، ولم يولد لهما الحسن إلا في السنة الثالثة (٥)، والحسين في السنة الرابعة من الهجرة (٦) ﵃ جميعا - وهذه السورة مكية، فكيف تكون نزلت فيهم، وعليّ لم يتزوج فاطمة فضلا عن أن يولد لهما أولاد!!! فهذا يدل على كذب القوم وبطلان ما يدّعون على كتاب الله، وقد أطال شيخ الإسلام ابن تيميه في إبطال تفسيرهم لهذه الآية، وأكتفي بذكر الأوجه التي لها تعلق بهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها. قال ﵀: الوجه الثالث: أن هذه الآية في سورة الشورى وهي مكيّة

стр. 228

باتفاق أهل السنة (١)، بل جميع ال حم مكيّات، وكذلك آل طس. ومن المعلوم أن عليّا إنما تزوج فاطمة بالمدينة بعد غزوة بدر، والحسن ولد في السنة الثالثة من الهجرة، والحسين في السنة الرابعة، فتكون هذه الآية قدنزلت قبل وجود الحسن والحسين بسنين متعددة، فكيف يفسر النبي ﷺ الآية بوجوب مودة قرابة لا تعرف، ولم تخلق بعد. الوجه الثامن: أن القربى معرّفة باللام، فلا بد أن يكون معروفا عند المخاطبين الذين أمر أن يقول لهم: ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الشورى: ٢٣] وقد ذكرنا أنها لمانزلت لم يكن قد خلق الحسن، ولا الحسين، ولا تزوج عليّ بفاطمة. فالقربى التي كان المخاطبون يعرفونها يمتنع أن تكون هذه، بخلاف القربى التي بينه وبينهم، فإنها معروفة عندهم. اهـ (٢). وقال الحافظ ابن كثير: وذكر نزول هذه الآية في المدينة بعيد، فإنها مكيّة ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة. والحق تفسيرالآية بما فسرها به الإمام حبر الأمة، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري (٣). اهـ (٤).

стр. 229

ولفظه أن ابن عباس ﵄ سئل عن قوله: ﴿إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣] فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: «إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة» (١). وصحح هذا القول في تفسيرالآية ابن جرير الطبري (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيميه (٣)، وابن كثير (٤)، وابن حجر (٥)، والشوكاني (٦)، والطاهر ابن عاشور (٧)، والشنقيطي (٨)، وغيرهم (٩) - عليهم رحمة الله جميعا -.

стр. 230

_________ = ٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣) [الرعد: ٤٣]. انظر المحرر الوجيز (١٠/ ٥٤)، والجامع لأحكام القرآن (٩/ ٣٣٦). ٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ [الفتح: ١٥]. انظر جامع البيان (٢٦/ ٨١)، والمحرر الوجيز (١٥/ ١٠٠)، والبحر المحيط (٩/ ٤٨٩)، والتسهيل (٤/ ٥٣)، وتفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٠)، وروح المعاني (٢٦/ ١٠١) وفتح القدير (٥/ ٤٩)، ومحاسن التأويل (١٥/ ٥٤١٣). - وانظر مزيدا من الأمثلة في المحرر الوجيز (٦/ ٥٦)، (٧/ ٤٩)، (٨/ ٦٨ - ١٩٢ - ٣٠١)، (١٤/ ١٤٧ - ١٤٨)، (١٥/ ٢٣)، ومنهاج السنة النبوية (٤/ ٢٠)، (٨/ ٤٩٤). وتفسير ابن كثير (٢/ ١٥٩ - ٣٤٦)، (٥/ ٩٧).

стр. 231

المطلب الثالث: قاعدة: تفسير السلف وفهمهم لنصوص الوحي حجة على من بعدهم * صورة القاعدة: هذه القاعدة تردّ تفاسير أصحاب الأهواء والبدع الذين خالفوا تفاسير الصحابة وتابعيهم بإحسان، فحملوا القرآن على معان اعتقدوها، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم. وترجّح فهم وتفاسير السلف على فهم وتفاسير أولئك القوم وبالجملة فأقوال السلف هي المعتمدة دون أقوال من خالفهم من أصحاب الأهواء والبدع. * بيان ألفاظ القاعدة: - المراد ب «السلف» - السلف هم: الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف دون من رمي ببدعة، أو اشتهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية (١)، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية (٢)، ونحو هؤلاء (٣).

стр. 232

* أدلة القاعدة: أدلتها كثيرة منها: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ﴾ ﴿﴾ ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا﴾ ﴿﴾ ﴿الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) [التوبة: ١٠٠]. ووجه الدلالة أن الله - تعالى - أثنى على من اتبعهم، فإذا قالوا قولا فاتبعهم متبع عليه قبل أن يعرف صحته فهو متبع لهم، فيجب أن يكون محمودا على ذلك، وأن يستحق الرضوان. والرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ، فإنه لو كان خطأ لكان غاية صاحبه أن يعفى له عنه، فإن المخطئ إلى أن يعفى عنه أقرب منه إلى أن يرضى عنه، وإذا كان صوابا وجب اتباعه. والاتباع عام في كل الأمور التي يأتي فيها الاتباع، في أصول الدين وفي الشرائع (١) ومن ذلك تفسير كتاب الله - تعالى -. ٢ - وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١١٥) [النساء: ١١٥]. وتفسير القرآن بمعان لا تدل عليها ألفاظه ولم يسلك ذلك أحد من سلف هذه الأمة وإنما حمله على ذلك معتقده الذي خالف فيه سبيل المؤمنين، فهذا من اتباع غير سبيلهم المستوجب للعقوبة العظيمة المذكورة في الآية. ٣ - ومنها: حديث عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … » الحديث (٢). فأخبر النبي ﷺ أن خير القرون قرنه مطلقا، وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب

стр. 233

من أبواب الخير، وإلا لو كانوا خيرا من بعض الوجوه، فلا يكونون خير القرون مطلقا، فلو جاز أن يخطئ الرجل منهم في حكم وسائرهم لم يفتوا بالصواب - وإنما ظفر بالصواب من بعدهم وأخطأواهم - لزم أن يكون ذلك القرن خيرا منهم من ذلك الوجه؛ لأن القرن المشتمل على الصواب خير من القرن المشتمل على الخطأ في ذلك الفن، ثم هذا يتعدد في مسائل عديدة ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها (١). ٤ - ومنها: حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» (٢) وهذا خطاب منه لخالد بن الوليد ولأقرانه من مسلمة الحديبية والفتح، فإذا كان مدّ أحد أصحابه أو نصيفه أفضل عند الله من مثل أحد ذهبا من مثل خالد وأضرابه من أصحابه فكيف يجوز أن يحرمهم الله الصواب في الفتاوى -[وفي تفسير وفهم كتاب الله]- ويظفر به من بعدهم؟ هذا من أبين المحال (٣). وأدلة هذه القاعدة كثيرة جدا (٤)، أكتفي بما ذكرت منها طلبا للاختصار. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: النقول عن الأئمة في ذلك كثيرة جدا، وتعظيم شأن الصحابة وسلف هذه الأمة في فهمهم لكتاب الله مشتهر، فمن أقوال هؤلاء الأئمة: ١ - قول عبد الله بن عباس ﵄ للخوارج حين ناظرهم: جئتكم من

стр. 234

عند أصحاب رسول الله ﷺ وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله ﷺ وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله. اهـ (١). فهذا الأثر يدل على أن الصحابة، هم أعلم بتأويل القرآن، وأن الخوارج لم يكن فيهم أحد منهم - وكذا باقي الفرق - فمن سار على نهج الصحابة في العلم والعمل كان أعلم بتأويل القرآن من جميع الفرق الضالة. ٢ - وأقوال إمام المفسرين ابن جرير الطبري في اعتماد مضمون هذه القاعدة مبثوثة في تفسيره، فكثيرا ما يحكي الخلاف في تفسيرآية ثم يردف القول بترجيح تفسير الصحابة والتابعين على تفسير من دونهم بقوله: غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عنى به [كذا]- وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به (٢). ويقول أحيانا: ولولا أن أقوال أهل التأويل مضت بما ذكرت عنهم من التأويل، وأنّا لا نستجيز خلافهم فيما جاء عنهم، لكان وجها يحتمله التأويل أن يقال … (٣). ويستعمل مضمون هذه القاعدة في رد أقوال ليس لها سلف في أقوال من سلف فيقول: وهذا قول لا نعلم له قائلا من متقدّمي العلم قاله وإن كان له وجه، فإذا كان ذلك كذلك، وكان غير جائز عندنا أن يتعدّى ما أجمعت عليه الحجة، فما صح من الأقوال في ذلك إلا أحد الأقوال التي ذكرناها عن أهل العلم (٤). وأحيانا كثيرة يجعل مضمون هذه القاعدة من براهينه على تضعيف بعض الأقوال، لكونها خلاف تأويل السلف، ولخروجها عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير (٥).

стр. 235

بل جعل مخالفة أقوال الصحابة والتابعين شذوذا فقال: ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين (١). اهـ ونحو هذه العبارات المقررة تماما لمضمون هذه القاعدة. ٣ - وقرر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه القاعدة أتم تقرير فقال: فإن الصحابة والتابعين والأئمة إذا كان لهم في تفسيرالآية قول، وجاء قوم فسرواالآية بقول آخر لأجل مذهب اعتقدوه، وذلك المذهب ليس من مذاهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان صاروا مشاركين للمعتزلة وغيرهم من أهل البدع في مثل هذا. و «في الجملة» من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئا في ذلك، بل مبتدعا وإن كان مجتهدا مغفورا له خطؤه، فالمقصود بيان طرق العلم وأدلته، وطرق الصواب. ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله ﷺ ، فمن خالف قولهم وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا. اهـ (٢). وقال في موضع آخر بعد أن تكلم عن تفاسير الصوفية: وقد تبين بذلك أن من فسر القرآن أو الحديث، وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام. اهـ (٣). ٤ - ومنها: قول العلامة ابن القيم: فإن قيل .. ما تقولون في أقوالهم - يعني الصحابة - في تفسير القرآن هل هي حجة يجب المصير إليها؟ قيل: لا ريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب

стр. 236

بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم في حكم المرفوع، قال أبو عبد الله الحاكم (١) في مستدركه: وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع (٢)، ومراده أنه في حكمه في الاستدلال به والاحتجاج، لا أنه إذا قال الصحابي في الآية قولا فلنا أن نقول هذا القول قول رسول الله ﷺ ، أو قال رسول الله ﷺ . وله وجه آخر، وهو أن يكون في حكم المرفوع بمعنى أن رسول الله ﷺ بين لهم معاني القرآن وفسّره لهم كما وصفه تعالى بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فبين لهم القرآن بيانا شافيا كافيا، وكان إذا أشكل على أحد منهم معنى سأله عنه فأوضحه له، كما سأله الصديق عن قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فبين له المراد (٣)، وكما سأله الصحابة عن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فبين لهم معناها (٤)، وكما سألته أم سلمة (٥) عن قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً﴾ (٨) [الانشقاق: ٨] فبين

стр. 237

لها أنه العرض (١)، وكما سأله عمر عن الكلالة فأحاله على آية الصّيف التي في آخر السورة (٢)، وهذا كثير جدا، فإذا نقلوا لنا تفسير القرآن فتارة ينقلونه عنه بلفظه، وتارة بمعناه، فيكون ما فسروا بألفاظهم من باب الرواية بالمعنى، كما يروون عنه السنة تارة بلفظها وتارة بمعناها، وهذا أحسن الوجهين، والله أعلم. اهـ (٣). ٥ - ونص على هذه القاعدة في الترجيح ابن جزيّ الكلبي في مقدمة تفسيره. قال: الرابع -[أي من وجوه الترجيح]-: أن يكون القول قول من يقتدى به من الصحابة كالخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عباس لقول رسول الله ﷺ : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٤). اهـ (٥). ٦ - ومنها قول الشاطبي بعد أن ذكر حال الفرق الضالة بأنها تستدل بأدلة شرعية قال: فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل. اهـ (٦). ٧ - وذكر السيوطي في التحبير نوعا هو أشبه ما يكون بهذه القاعدة: قال: النوع الحادي والتسعون: من يقبل تفسيره ومن يرد. اهـ (٧). ثم ذكر مآخذ

стр. 238

التفسير وأنه يؤخذ عن الصحابة والتابعين؛ لأنه كان عندهم علوم العربية بالطبع لا بالاكتساب، وحصّلوا بقية العلوم من القرآن والسنن التي تلقوها عن النبي ﷺ ، وذكر أن هذا العلم - أعني التفسير - يؤخذ - أيضا - ممن استكمل علوم الآلة التي تعينه على تفسير كتاب الله، ثم ذكر أن من لم يستكمل تلك العلوم يردّ تفسيره ويكون من باب الرأي المنهي عنه. ثم قال بعدها: وممن لا يقبل تفسيره: المبتدع خصوصا الزمخشري في كشافه فقد أكثر من إخراج الآيات عن وجهها إلى معتقده الفاسد - إلى أن قال: ولا يقبل ممن عرف بالجدال والمراء والتعصب لقول قاله وعدم الرجوع إلى الحق إذا ظهر له، ولا ممن يقدّم الرأي على السنة، ولا من عرف بالمجازفة وعدم التثبت أو بالجرأة والإقدام على الله وقلة المبالاة. اهـ (١). وعلى ذلك درج مفسرو أهل السنة - وإن كانوا قليلا - فإنهم يقدمون أقوال السلف في تفسير القرآن ويردون تفاسير أهل الضلال الذين حرفوا نصوص القرآن لتوافق ما اعتقدوه من البدع التي أصّلها لهم شيوخهم، والسيوطي من المحجوجين بهذه القاعدة، فكما قرر ردّ تفاسير المبتدعة أمثال الزمخشري، فكذلك تأويلات الأشاعرة لبعض الآيات مردودة. وبالجملة فتقديم تفسير الصحابة على تفسير غيرهم مسألة معلومة مشتهرة قد سطرها أهل العلم في كتبهم حيث جعلوا تفسير الصحابي بعد التفسير النبوي في المرتبة في أحسن طرق التفسير (٢). وكذلك هي قاعدة معتمدة من أوجه الترجيح عند الأصوليين (٣). ***

стр. 239

* مسألة في حكم إحداث قول في تفسيرالآية مخالف لأقوال السلف: إذا اختلف السلف في تفسيرآية على قولين - مثلا - فهل يجوز إحداث قول ثالث في تفسيرالآية أو لا؟ فالجواب عن ذلك: أن الخلاف نوعان: خلاف تنوع، وخلاف تضاد. فإن كان هذا القول الثالث المحدث في تفسيرالآية مع القولين السابقين من خلاف التنوع فهو جائز، وحمل الآية عليه لا يخرج الآية عما قال السلف، وهو إلى الوفاق أقرب منه إلى الخلاف. وإن كان القول المحدث مع القولين السابقين من خلاف التضاد فالصحيح أنه لا يجوز إحداثه، ولا تفسيرالآية به؛ لأن إجماعهم على قولين إجماع على بطلان ما عداهما، كما أن الإجماع على واحد إجماع على بطلان ما عداه، ولا فرق بينهما (١). ويلزم من أجاز إحداث قول مخالف لأقوالهم إذا اختلفوا أن يجيز كذلك إحداث قول إذا أجمعوا (٢). وفي تجويز إحداث قول مخالف لأقوالهم يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق؟ لأن اختلافهم على قولين اقتضى حصر الصواب فيهما فلو كان القول الثالث المحدث حقا لكانت الأمة قد ضيعته، وهذا غير جائز؛ لأن الأمة معصومة من الاجتماع على غير الحق (٣). وهذا القول هو الذي اعتمده إمام المفسرين الإمام الطبري وصرح به (٤).

стр. 240

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر من يفسر القرآن بمجرد الاحتمالات اللغوية، وأنهم أكثر غلطا من المفسرين المشهورين -: وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله؛ بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها، وهؤلاء يقعون في أنواع من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف وقالوا: إذا اختلف الناس في تأويل الآية على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث: بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين، وهذا خطأ، فإنهم إذا أجمعوا على أن المراد بالآية إما هذا وإما هذا كان القول بأن المراد غير هذين القولين خلافا لإجماعهم؛ ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد، وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن، ويفهمون منه كلهم غير المراد، والمتأخرون يفهمون المراد؟! (١). وقال في موضع آخر رادّا على من جوّز إحداث قول ثالث: فجوّزوا أن تكون الأمة مجتمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون؛ ولكن قالوا: إن الله أراد معنى آخر، وهم لو تصوروا هذه «المقالة» لم يقولوا هذا، فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث لم يقولوه؛ لكن قد اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم، والتأويل عندهم مقصوده بيان احتمال في لفظ الآية بجواز أن يراد ذلك المعنى بذلك اللفظ، ولم يستشعروا أن المتأول هو مبين لمرادالآية مخبر عن الله - تعالى - أنه أراد هذا المعنى إذا حملها على معنى. وكذلك إذا قالوا يجوز أن يراد بها هذا المعنى والأمة قبلهم لم يقولوا أريد بها إلا هذا أو هذا، فقد جوزوا أن يكون ما أراده الله لم يخبر به الأمة، وأخبرت أن مراده غير ما أراده، لكن الذي قاله هؤلاء يتمشى إذا كان التأويل أنه يجوز أن يراد هذا المعنى من غير حكم بأنه مراد، وتكون الأمة قبلهم كلها كانت جاهلة بمراد الله، ضالة

стр. 241

عن معرفته، وانقرض عصر الصحابة والتابعين وهم لم يعلموا معنى الآية، ولكن طائفة قالت: يجوز أن يريد هذا المعنى، وطائفة قالت يجوز أن يريد هذا المعنى، وليس فيهم من علم المراد. فجاء الثالث وقال: ههنا معنى يجوز أن يكون هو المراد، فإذا كانت الأمة من الجهل بمعاني القرآن والضلال عن مراد الرب بهذه الحال توجه ما قالوه. وبسط هذا له موضع آخر. اهـ (١). وهذا القول هو الصواب في المسألة وعليه جمهور علماء الأصول (٢). * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: أمثلة هذه القاعدة كثيرة ومنها: تفاسير أهل البدع كفرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة والصوفية وغيرهم. فهؤلاء يتأولون القرآن على آرائهم، فتارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه (٣). وقد سبق في أكثر من قاعدة ذكر جملة وافرة من تفاسير هؤلاء القوم؛ فلذلك لا أطيل هنا فالمقصود مطلق المثال، وخاصة في تفاسير هؤلاء. فمن ذلك قول القاضي عبد الجبار المعتزلي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ [يونس: ٣] قال: المراد بالاستواء هو الاستيلاء والاقتدار … وبينا أن القول إذا احتمل هذا والاستواء الذي هو بمعنى الانتصاب، وجب حمله عليه؛ لأن العقل قد اقتضاه، من حيث دل على أنه تعالى قديم، ولو كان جسما يجوز عليه الأماكن لكان محدثا، - تعالى - الله عن ذلك؛ لأن الأجسام لا بد من أن يلزمها دلالة الحدث، وهي أيضا لا تنفك من

стр. 242

الحوادث ولا تخلو منها. اهـ (١). وذهب إلى تأويل صفة الاستواء بالاستيلاء، أو الملك والسلطان، أو نحوها كثير من المتأخرين من أهل التفسير كالزمخشري (٢)، وابن عطية (٣)، والرازي (٤)، وأبي السعود (٥)، وغيرهم (٦). فخالفوا بهذا فهم السلف الصالح لنصوص القرآن والسنة في باب الصفات، ومنها الاستواء، فإن الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة الإسلام كان الإثبات منهجهم، وعدم التقدم بين يديّ الله ورسوله طريقتهم، فهم يثبتون ما أثبته الله ورسوله ﷺ من غير تحريف ولا تكييف ولا تمثيل، وينفون عن الله - تعالى - ما نفاه عن نفسه ونفاه عنه رسوله ﷺ ، مستندين في كل ذلك إلى دلائل الكتاب والسنة، وأجمعوا على ذلك، مع تأييد العقل والفطرة له. وليس هذا الموضع مجال سرد الأدلة على ذلك، أو نقض كلام أهل التأويل نقلا وعقلا (٧)؛ لأن الغرض من هذا المثال في هذه القاعدة هو بيان مخالفة المتأخرين من

стр. 243

أهل التأويل لفهم السلف لنصوص الوحي. فإن تأويل صفة الاستواء - وكذا باقي الصفات - مذهب محدث مخالف لما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، والنقل عنهم في إثبات صفة الاستواء لله رب العالمين - وكذا باقي الصفات - مستفيض. فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما بين سما القصوى وبين الكرسي خمسمائة سنة، وما بين الكرسي والماء خمسمائة سنة والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم (١). وعن ابن عباس ﵄ قال: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (٢). وكان لعبد الله بن رواحه (٣) جارية فوقع عليها، فقالت: له امرأته فعلتها؟ فجاحدها ذلك، قالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن. قال: شهدت بأنّ وعد الله حقّ … وأنّ النّار مثوى الكافرينا وأنّ العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش ربّ العالمينا وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مسوّمينا فقالت: آمنت بالله، وكذبت البصر. فأتى رسول الله ﷺ فحدّثه، فضحك ولم يغير عليه (٤).

стр. 244

وعن أم سلمة ﵂ قالت في قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ (٥) [طه: ٥]: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر (١). وقال الضحاك في قول الله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية: هو على العرش ولن يخلو شيء من علمه (٢). وقال الأوزاعي (٣): كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله - تعالى - ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته - جل وعلا - (٤). وقال إسحاق بن راهوية: إجماع أهل العلم أنه - تعالى - على العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة (٥). والآثار عن الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في إثبات صفة الاستواء كثيرة جدا لا تحصى إلا بكلفة بالغة (٦)، وهم مجمعون على ذلك، وكل من صنّف في العقائد من المتقدمين نقل عن السلف مذهبهم في إثبات الصفات - ومنها الاستواء - لله ، ولم ينقل حرف واحد عن الصحابة وأئمة الإسلام أنهم ذهبوا

стр. 245

إلى التأويل، أو التحريف، أو التشبيه، بل مذهبهم الإثبات بلا كيف، وبلا تمثيل، وبلا تحريف، ولم ينقل عنهم أنهم اختلفوا في تفسيرآية من آيات الصفات، بعضهم يثبتها وبعضهم ينفيها، لم ينقل عنهم مثل هذا البتة (١). وهذا هو ما أثبته مفسرون أهل السنة من المتقدمين والمتأخرين كالطبري (٢)، والبغوي (٣)، وابن كثير (٤)، والقاسمي (٥)، والسعدي (٦)، والشنقيطي (٧)، وغيرهم. قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة، وما رووه من الحديث، ووقفت من ذلك على ما شاء الله - تعالى - من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير، فلم أجد - إلى ساعتي هذه - عن أحد من الصحابة أنه تأول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف، بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته، وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله. وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير. اهـ (٨). وكفى بمخالفة الصحابة والتابعين لهم بإحسان دليلا على بطلان قول مخالفهم. والقول في باقي الصفات كالقول في هذه الصفة فالقاعدة ترد عليهم، وكذلك نفاة الأفعال والقدر، وغيرها من المحدثات التي أحدثت بعد عصر الصحابة، ويدخل في ذلك تفاسير الإشارات والباطنية قاطبة من باب أولى. والله أعلم.

стр. 246

المطلب الرابع: قاعدة: تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ * صورة القاعدة: إذا انفرد مفسر في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى - بقول خالف فيه عامّة المفسرين، ولم يكن لقوله هذا دلالة واضحة قوية فهو قول شاذ، وقول الجماعة أولى بالصواب، وهم إلى الحق أقرب، ومن الخطأ أبعد. *** * بيان ألفاظ القاعدة: مما يشكل في هذه القاعدة هو تحديد مفهوم الشذوذ، والشاذ من الأقوال. والذي يظهر أن تحديد هذا المفهوم يختلف باختلاف الناظر فيه، فإذا كان الناظر لتحديده من أهل الاجتهاد، فإنه يحدّد مفهوم الشذوذ عنده بمخالفة دليل ثابت. وقد تكون هذه المخالفة لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي، وقد تكون المخالفة لدليل ظني كأخبار الآحاد. وكل قول كان كذلك فهو شاذ - وإن صدر من عالم مجتهد - فهو منه زلة، فلا يصح اعتمادها، ولا الأخذ بها تقليدا له، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها (١). وإن لم يكن الناظر لتحديد هذا المفهوم من أهل الاجتهاد، فإنه لا يتخذ حكمه على قول بالشذوذ مسلّما، وليس من السهل بمكان تحديد ذلك، وإنما وضع له العلماء ضابطا تقريبيا ليعرف به أولى الأقوال وأصحها وأبعدها عن الشذوذ.

стр. 247

وهذا الضابط التقريبي هو هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها، قال الإمام الشاطبي - محددا هذا الضابط الذي يعرف به الخطأ والزلل في الأقوال -: فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أنّ له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين. اهـ (١). وقد جعل بعض الأصوليين هذا الضابط محددا لمعنى الشذوذ، فقالوا: الشذوذ قول الواحد وترك قول الأكثر (٢). وهذا هو ما اعتمده إمام المفسرين ابن جرير الطبري في معنى الشذوذ، فقال: ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين. اهـ (٣) فجعل مخالفة الواحد والاثنين للجمهور أو إجماع الحجة شذوذا. فسبيلنا في تطبيق هذه القاعدة هو تنصيص أحد العلماء أو جماعة منهم على شذوذ قول معين، فإن لم يوجد هذا، وخالف مفسر عامة المفسرين ولا دليل على تصحيح وترجيح أحد الأقوال فهذه القاعدة هي المرجحة لقول جمهور السلف. إنما قلت «جمهور السلف» ولم أقل «جمهور المفسرين»؛ لأنه قد كثر الخطأ عند المتأخرين، وخاصة في أبواب العقائد وتواطأت عليه أقوالهم وهم كثير، فيلزم من ترجيح قول جمهور المفسرين ترجيح قولهم في ذلك، وتصحيح مذهبهم وهذا باطل، فلأجل هذا قلت «جمهور السلف». والشاذ هنا يشبه الشاذ في علوم الحديث، فإنهم يعرّفون الشاذ بأنه: رواية الثقة

стр. 248

حديثا يخالف ما روى الناس (١) فمخالفة الراوي الثقة لرواية الثقات ومن هو أولى منه بكثرة عدد أو زيادة حفظ يعدّ شذوذا، ويكون حكمه الرد، وكذلك المفسر إذا خالف عامة المفسرين. *** * أدلة القاعدة: الأدلة على أصل هذه القاعدة كثيرة (٢) منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «صلّى بنا النبيّ ﷺ الظهر - أو العصر - فسلّم، فقال له ذو اليدين (٣): الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: أحقّ ما يقول؟ قالوا: نعم. فصلّى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين» (٤). فهذا الحديث واضح الدلالة على تقوية قول الأكثر، وذلك أن النبي ﷺ قوّى قول ذي اليدين بقول الصحابة: «نعم». فوافقوه على ما قال، فأخذ بقولهم ورجحه على ظنه الذي ظنه بأنه صلى أربعا. ٢ - ومنها: حديث قبيصة بن ذؤيب (٥) قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس

стр. 249

فقال هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة (١) فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر» (٢). فهذا يدل على ترجيح أبي بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة لّما عضده خبر محمد بن مسلمة. وأمثال هذا كثير عن الصحابة ﵃ مما يدل على أنهم كانوا يرجحون بكثرة العدد. ٣ - ومنها: أن قول ورواية الأكثر أقوى في الظن وأبعد عن الخطأ وأقرب إلى الصواب من رواية وقول الأقل، وتقديم الأرجح والأغلب في الظن متعين (٣). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، فنصوا عليها، ورجحوا بها، فكثيرا ما يذكرها ويرجح بها إمام المفسرين ابن جرير الطبري، ويعرف هذا عنده بالإجماع، فيقول أولى الأقوال ما أجمع عليه أهل التأويل (٤). ويرد القول المخالف لها بقوله: وهذا قول خلاف لقول أهل التأويل، وحسبه من الدلالة على فساده خروجه عن قول جميعهم (٥).

стр. 250

وأحيانا يقول: وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا، وقولا، وعملا (١). ومذهب الإمام الطبري في الإجماع معروف عند الأصوليين، فهو يرى انعقاد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين - ووافقه على هذا آخرون (٢) - لأنه يندر إصابة الواحد والاثنين وخطأ الباقين. وهذه المسألة مدونة في كتب الأصول (٣). ونص على هذه القاعدة ابن جزي الكلبي في وجوه الترجيح التي سردها في مقدمة تفسيره. قال: الثالث: أن يكون قول الجمهور وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. اهـ (٤) وطبّق ذلك عمليا في كتابه (٥). ورجح بها جماعة من المفسرين منهم ابن عطية (٦)، والرازي (٧)، والقرطبي (٨)، والألوسي (٩)، والشنقيطي (١٠)، وغيرهم عليهم - رحمة الله -. قال العلاّمة الشنقيطي: وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك
следующие страницы →