← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

المطلب الرابع: قاعدة: تفسير جمهور السلف مقدم على كل تفسير شاذ * صورة القاعدة: إذا انفرد مفسر في تفسيرآية من كتاب الله - تعالى - بقول خالف فيه عامّة المفسرين، ولم يكن لقوله هذا دلالة واضحة قوية فهو قول شاذ، وقول الجماعة أولى بالصواب، وهم إلى الحق أقرب، ومن الخطأ أبعد. *** * بيان ألفاظ القاعدة: مما يشكل في هذه القاعدة هو تحديد مفهوم الشذوذ، والشاذ من الأقوال. والذي يظهر أن تحديد هذا المفهوم يختلف باختلاف الناظر فيه، فإذا كان الناظر لتحديده من أهل الاجتهاد، فإنه يحدّد مفهوم الشذوذ عنده بمخالفة دليل ثابت. وقد تكون هذه المخالفة لدليل قطعي من نص متواتر أو إجماع قطعي، وقد تكون المخالفة لدليل ظني كأخبار الآحاد. وكل قول كان كذلك فهو شاذ - وإن صدر من عالم مجتهد - فهو منه زلة، فلا يصح اعتمادها، ولا الأخذ بها تقليدا له، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها (١). وإن لم يكن الناظر لتحديد هذا المفهوم من أهل الاجتهاد، فإنه لا يتخذ حكمه على قول بالشذوذ مسلّما، وليس من السهل بمكان تحديد ذلك، وإنما وضع له العلماء ضابطا تقريبيا ليعرف به أولى الأقوال وأصحها وأبعدها عن الشذوذ.

стр. 247

وهذا الضابط التقريبي هو هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها، قال الإمام الشاطبي - محددا هذا الضابط الذي يعرف به الخطأ والزلل في الأقوال -: فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا؟ فالجواب أنّ له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين. اهـ (١). وقد جعل بعض الأصوليين هذا الضابط محددا لمعنى الشذوذ، فقالوا: الشذوذ قول الواحد وترك قول الأكثر (٢). وهذا هو ما اعتمده إمام المفسرين ابن جرير الطبري في معنى الشذوذ، فقال: ولا يعارض بالقول الشاذ ما استفاض به القول من الصحابة والتابعين. اهـ (٣) فجعل مخالفة الواحد والاثنين للجمهور أو إجماع الحجة شذوذا. فسبيلنا في تطبيق هذه القاعدة هو تنصيص أحد العلماء أو جماعة منهم على شذوذ قول معين، فإن لم يوجد هذا، وخالف مفسر عامة المفسرين ولا دليل على تصحيح وترجيح أحد الأقوال فهذه القاعدة هي المرجحة لقول جمهور السلف. إنما قلت «جمهور السلف» ولم أقل «جمهور المفسرين»؛ لأنه قد كثر الخطأ عند المتأخرين، وخاصة في أبواب العقائد وتواطأت عليه أقوالهم وهم كثير، فيلزم من ترجيح قول جمهور المفسرين ترجيح قولهم في ذلك، وتصحيح مذهبهم وهذا باطل، فلأجل هذا قلت «جمهور السلف». والشاذ هنا يشبه الشاذ في علوم الحديث، فإنهم يعرّفون الشاذ بأنه: رواية الثقة

стр. 248

حديثا يخالف ما روى الناس (١) فمخالفة الراوي الثقة لرواية الثقات ومن هو أولى منه بكثرة عدد أو زيادة حفظ يعدّ شذوذا، ويكون حكمه الرد، وكذلك المفسر إذا خالف عامة المفسرين. *** * أدلة القاعدة: الأدلة على أصل هذه القاعدة كثيرة (٢) منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «صلّى بنا النبيّ ﷺ الظهر - أو العصر - فسلّم، فقال له ذو اليدين (٣): الصلاة يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: أحقّ ما يقول؟ قالوا: نعم. فصلّى ركعتين أخريين، ثم سجد سجدتين» (٤). فهذا الحديث واضح الدلالة على تقوية قول الأكثر، وذلك أن النبي ﷺ قوّى قول ذي اليدين بقول الصحابة: «نعم». فوافقوه على ما قال، فأخذ بقولهم ورجحه على ظنه الذي ظنه بأنه صلى أربعا. ٢ - ومنها: حديث قبيصة بن ذؤيب (٥) قال: «جاءت الجدة إلى أبي بكر فسألته ميراثها فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت لك في سنة رسول الله ﷺ شيئا فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس

стр. 249

فقال هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة (١) فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر» (٢). فهذا يدل على ترجيح أبي بكر ﵁ خبر المغيرة بن شعبة لّما عضده خبر محمد بن مسلمة. وأمثال هذا كثير عن الصحابة ﵃ مما يدل على أنهم كانوا يرجحون بكثرة العدد. ٣ - ومنها: أن قول ورواية الأكثر أقوى في الظن وأبعد عن الخطأ وأقرب إلى الصواب من رواية وقول الأقل، وتقديم الأرجح والأغلب في الظن متعين (٣). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير، فنصوا عليها، ورجحوا بها، فكثيرا ما يذكرها ويرجح بها إمام المفسرين ابن جرير الطبري، ويعرف هذا عنده بالإجماع، فيقول أولى الأقوال ما أجمع عليه أهل التأويل (٤). ويرد القول المخالف لها بقوله: وهذا قول خلاف لقول أهل التأويل، وحسبه من الدلالة على فساده خروجه عن قول جميعهم (٥).

стр. 250

وأحيانا يقول: وما جاء به المنفرد فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا، وقولا، وعملا (١). ومذهب الإمام الطبري في الإجماع معروف عند الأصوليين، فهو يرى انعقاد الإجماع مع مخالفة الواحد والاثنين - ووافقه على هذا آخرون (٢) - لأنه يندر إصابة الواحد والاثنين وخطأ الباقين. وهذه المسألة مدونة في كتب الأصول (٣). ونص على هذه القاعدة ابن جزي الكلبي في وجوه الترجيح التي سردها في مقدمة تفسيره. قال: الثالث: أن يكون قول الجمهور وأكثر المفسرين، فإن كثرة القائلين بالقول يقتضي ترجيحه. اهـ (٤) وطبّق ذلك عمليا في كتابه (٥). ورجح بها جماعة من المفسرين منهم ابن عطية (٦)، والرازي (٧)، والقرطبي (٨)، والألوسي (٩)، والشنقيطي (١٠)، وغيرهم عليهم - رحمة الله -. قال العلاّمة الشنقيطي: وقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك

стр. 251

كثرة الأدلة، كما عقده في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي: وكثرة الدليل والرواية … مرجح لدى ذوي الدراية والقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف. اهـ (١). وكذلك هي من وجوه الترجيح بين الأحاديث المختلفة عند علماء الحديث كما هو مسطر في علوم الحديث (٢). * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (٦٥) [البقرة: ٦٥]. ذهب عامة المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن المسخ في هذه الآية كان مسخا حقيقيا معنويا وصوريا. مسخت قلوبهم ومسخت صورهم قردة. روي هذا من طرق عن ابن عباس، وقتادة، والسدّي، وغيرهم، وهو قول عامّة المفسرين بعدهم. وذهب مجاهد إلى أن المسخ كان معنويا لا صوريا، مسخت قلوبهم، ولم يمخسوا قردة، وإنما مثل ضربه الله لهم مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارا (٣).

стр. 252

وهذا القول من مجاهد قول غريب (١)، خالف فيه عامّة المفسرين، قال القرطبي - بعد أن ذكر قول مجاهد: ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم. اهـ (٢). وقد ردّ هذا القول أهل التحقيق؛ لأجل مخالفته لقول عامّة المفسرين، وللظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] (٣). قال الإمام الطبري - في معرض ردّه لقول مجاهد: قال أبو جعفر: وهذا القول الذي قاله مجاهد، قول لظاهر ما دلّ عليه كتاب الله مخالف. وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا لنبيهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وأن الله - تعالى ذكره - أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربّهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أمروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤) [المائدة: ٢٤] فابتلاهم بالتيه. فسواء قائل قال: هم لم يمسخهم قردة، وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم. ومن أنكر شيئا من ذلك وأقر بآخر منه، سئل البرهان على قوله، وعورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقر به. ثم يسأل الفرق من خبر مستفيض أو أثر صحيح. هذا مع خلاف قول مجاهد قول جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه. وكفى دليلا على فساد قول، إجماعها على تخطئته. اهـ (٤).

стр. 253

_________ =* ونظائر هذا المثال كثيرة جدا انظر جملة منها في: جامع البيان (١/ ٧٥، ١٢٦، ١٧٢، ٢٧٤، ٤٦٧، ٥٥٢)، و (٢/ ١٤١، ٢٩٣، ٥٩٠)، و (٧/ ٦٢)، و (١٢/ ١٤٧)، و (١٣/ ١١٩، ١٢٢)، و (١٥/ ٧٦)، و (١٦/ ١٨٣)، و (٢٦/ ١٢، ١٨٢)، و (٣٠/ ١٦٣، ١٦٩) والمحرر الوجيز (٤/ ١٢٤) والجامع لأحكام القرآن (٢/ ٣٥٤). وتفسير ابن كبير (٢/ ٩٠). وأضواء البيان (٤/ ٣٨٨)، و (٥/ ٧٤٠)، و (٦/ ٦٧٣)، و (٧/ ٦٠٣).

стр. 254

المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالقرائن وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه. المطلب الثاني: قاعدة: القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك. المطلب الثالث: قاعدة: القول الذي يعظّم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية. وقاعدة: كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود.

стр. 255

المطلب الأول: قاعدة: القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه * صورة القاعدة: إذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، وكان في السياق قرينة - إما لفظة، أو جملة، أو غيرها - تؤيد أحد الأقوال المقولة في الآية، فالقول الذي تؤيده القرينة أولى الأقوال بتفسيرالآية. فإن تنازع المثال قرينتان، كل قرينة تؤيد قولا، رجّح القول الذي تؤيده أرجح القرينتين وأقواهما (١). والقرينة هي: ما يوضح المراد لا بالوضع، بل تؤخذ من لا حق الكلام الدال على خصوص المقصود، أو سابقه (٢). * أدلة القاعدة: ١ - منها قول الله - تعالى - عن شاهد يوسف: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ ﴿(٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ ﴿وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿(٢٧) فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ﴾ ﴿﴾ ﴿كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢٨) [يوسف: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨]. في هذه الآية الكريمة أقر الله فيها حكم شاهد يوسف ﵇ حين حكم بحكمه اعتمادا على قرائن الحال وهي «قد القميص» فجعل قده من قبل قرينة على أنه كان مقبلا عليها فيكون هو المراود لها وتكون هي صادقة في دعواها. وإن كان القدّ من دبر فهذه قرينة تدل على أنه كان موليا مدبرا عنها فتكون هي المراودة، ويكون هو صادقا في دعواه، فاستحق يوسف البراءة عند سيده بهذا الحكم المبني على القرائن،

стр. 256

مما يدل على صحة اعتماد القرائن في الترجيح بين الأقوال وتصحيح الصحيح منها في الأحكام والدعاوى، وكذا هو في تفسير وفهم كتاب الله. ٢ - ومنها: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود ﵇ فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل - يرحمك الله - هو ابنها، فقضى به للصغرى» (١). فترى في هذا الحديث الصحيح حكم سليمان بن داود ﵇ وتصحّيحه لدعوى الصغرى وذلك اعتمادا على القرينة التي استنبطها من حالهما، فإشفاق الصغرى على المولود وتنازلها عنه مقابل بقائه حيا، يدل على إشفاق الأمومة الحانية، فإن الأم ترضى ببقاء ابنها حيا ولو كان عند غيرها - كما فعلت أم موسى ﵇ أما الأخرى فهي إما أن تظفر به أو يموت حتى تستويا في المصاب (٢). فهذا الحكم من هذا النبي الكريم بتصحيحه قول الصغرى وإعطائها المولود يدل على اعتماد القرائن في تصحيح أقوال وتضعيف أخرى على حسب ما تقضي به القرينة. * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وغيرهم، ونص بعضهم على مضمونها ورجح بها، ورجح بها آخرون دون التنصيص عليها، وكل معتمد لها في الترجيح. فمن هؤلاء الأئمة: ١ - إمام أهل السنة أحمد بن حنبل: فقد اعتبر قرائن السياق في فهم خطاب الله - تعالى -.

стр. 257

نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن القاضي أبي يعلى (١) قوله: وقد اعتبر أحمد القرائن فقال في قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: المراد به علم الله، لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم. اهـ (٢). ٢ - ومنهم إمام المفسرين ابن جرير الطبري: ففي معرض ترجيحه بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ﴿كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما﴾ [الأنبياء: ٣٠]، قال: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا من المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب في ذلك لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] على ذلك، وأنه - جلّ ثناؤه - لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدمه من ذكر أسبابه. اهـ (٣). ٣ - ومنهم البغوي (٤): فقد اعتمدها ورجح بها (٥).

стр. 258

٤ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة -: وهذا قول يردّه قوله: «في قلوبهم». اهـ (١). ٥ - ومنهم الرازي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة: الحجة الخامسة قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ [آل عمران: ٧] يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة. اهـ (٢). ٦ - ومنهم القرطبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، اختلف في القائل فقيل: الله … وقيل: سمع هاتفا من السماء وقيل: خاطبه جبريل. -[وقيل غير ذلك]. قلت: - القائل القرطبي - والأظهر أن القائل هو الله - تعالى -، لقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً﴾ [البقرة: ٢٥٩]. اهـ (٣). ٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيميه: فقد قرر هذه القاعدة أتم تقرير، قال - في معرض كلامه على مذاهب نفاه الصفات ومثبتيها: إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نصت عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ - حيث ورد - دالا على الصفة ظاهرا فيها. ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا. وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة، جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله - تعالى - إضافة صفة - من آيات الصفات، كقوله تعالى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٦] وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط، فإن الدلالة في كل موضع

стр. 259

بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية. اهـ (١). ٨ - ومنهم أبو حيان: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال -: ولأن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم قالوا «آمنا به» ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان في الإيمان به مدح، لأن من علم شيئا على التفصيل لا بد أن يؤمن به. اهـ (٢). ٩ - ومنهم الحافظ ابن كثير: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤]-: أي: ألا يعلم الخالق، وقيل: معناه: ألا يعلم الله مخلوقه؟ والأول أولى لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٤) [الملك: ١٤]. اهـ (٣). ١٠ - ومنهم العلامة ابن القيم: ففي معرض ترجيحه بهذه القاعدة، قال - معلقا على قول من قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، إنه مثل للمنافقين وما يوقدونه من نار الفتنة التي يوقعونها بين أهل الإسلام -: وهذا التقدير - وإن كان حقا - ففي كونه مرادا بالآية نظر، فإن السياق إنما قصد لغيره، ويأباه قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧] وموقد نار الحرب لا يضيء ما حوله أبدا، ويأباه قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ وموقد نار الحرب لا نور له، ويأباه قوله تعالى: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٧) [البقرة: ١٧]. اهـ (٤). ١١ - ومنهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي: قال مقررا هذه القاعدة في مقدمة كتابه: ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول. اهـ (٥).

стр. 260

وطبق ذلك عمليا في كتابه في مواضع كثيرة جدا، سوف ترى - بإذن الله - جملة وافرة منها في الأمثلة التطبيقية على هذه القاعدة. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - منها: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. اختلف المفسرون في الذي أخفاه النبي ﷺ في نفسه. فقيل: هو وقوع زينب (١) في قلبه ومحبته لها وهي في عصمة زيد (٢)، وكان حريصا على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو. ومستندهم في ذلك روايات عن قتادة (٣)، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم مضمونها، أن النبي ﷺ أتى زيدا ذات يوم لحاجة، فأبصر زينب فوقعت في قلبه وأعجبه حسنها فقال: «سبحان الله مقلب القلوب وانصرف». وتناقل هذه الروايات كثير من المفسرين. وقال أهل التحقيق: إن الذي أخفاه النبي ﷺ هو زواجه من زينب بعد أن يطلقها زيد. فعاتبه الله على قوله لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ بعد أن أعلمه الله أنها ستكون زوجه، وأنه ما فعل ذلك إلا خشية أن يقول الناس تزوج امرأة ابنه.

стр. 261

وهذا القول مروي عن علي بن الحسين زين العابدين (١). والسّديّ (٢). وهذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها تصحح القول الثاني وترد القول الأول. ووجه ذلك أن في الآية قرينة تدل على صحة القول الثاني وهي أن الله - تعالى - عاتب النبي ﷺ لإخفائه في نفسه ما الله مبديه، والذي أبداه الله هو زواجه من زينب، ولم يبد حبّ النبي ﷺ وشغفه بزينب، وذلك قوله بعدها: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فهذه قرينة واضحة الدلالة على صحة ما قاله المحققون، ومبطلة لما ادعي من حبه ﷺ لها، وقد رجح ما رجحته القاعدة جماعة من أئمة المفسرين وأهل التحقيق. قال الإمام البغوي بعد أن ذكر قول علي بن الحسين السابق: وهذا هو الأولى والأليق بحال الأنبياء، وهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله علم أنه يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه فقال: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ فلو كان الذي أضمره رسول الله ﷺ محبتها أو إرادة طلاقها لكان يظهر ذلك، لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره ثم يكتمه فلا يظهره، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه الله أنها ستكون زوجة له. اهـ (٣).

стр. 262

وصحح هذا القول القاضي عياض (١)، وأبو بكر بن العربي (٢)، والقرطبي (٣)، وأبو حيان (٤)، وابن كثير (٥)، وابن حجر (٦)، والشنقيطي وغيرهم - عليهم رحمة الله جميعا -. قال الشنقيطي في تفسيرالآية: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه ﷺ في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحى إليه ذلك وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة؛ لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن وهو اللائق بجنابه ﷺ وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه وأبداه الله، وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد وأنها سمعته قال: «سبحان مقلب القلوب» إلى آخر القصة فإنه كله لا صحة له، والدليل

стр. 263

عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئا مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسوله ﷺ . اهـ (١). وهذا ما أردت بيانه في هذا المثال على هذه القاعدة، وهو بيان وجه الترجيح بهذه القاعدة، وهناك أوجه أخرى تؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال. منها: أن القول الأول فيه خدش لجانب العصمة النبوية، وتجاوز على مقام النبوة. وأن القول الثاني هو الذي يوافق جانب العصمة ومقام النبوة وذلك لما فيه من بيان وتشريع للأمة (٢). ومنها: أن هذه الروايات ضعيفة سندا ومتنا، بل هي ساقطة (٣). ومنها: أن النبي ﷺ كان يعرف زينب أتم المعرفة فهي بنت عمته، ولم يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه ﷺ ، وهو زوّجها لزيد، ولم تقع في قلبه، فكيف يتجدد له هوى لم يكن. حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة (٤). ٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما روي عن الحسن البصري في تفسير قوله تعالى: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ﴾ ﴿بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً﴾ [المائدة: ٢٧]. قال: كان الرجلان اللذان في القرآن واللذان قال الله: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً﴾ من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (٥).

стр. 264

فلحظ الحسن قوله: ﴿قَرَّبا قُرْباناً﴾ فكانت عنده قرينة تدل على صحة قوله؛ لأن القرابين إنما كانت في بني إسرائيل. وقال جماهير المفسرين: إن الابنين كانا لآدم من صلبه، وهو ظاهر التلاوة. ويؤيد قول الجمهور قرينة في السياق، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١] فإنها تدل على أن هذه الحادثة حدثت قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، وذلك في عهد ابني آدم لصلبه (١). فإذا نظرت إلى القولين وجدت تنازعا بين القرينتين في الترجيح، وبالنظر في القرينتين نجد أن القرينة التي استدل بها الحسن البصري قرينة ضعيفة، إذ العلم بأن القرابين كانت في بني إسرائيل لا يدل على أنها لم تعرف من قبل ذلك، هذا إذا كانت على المعنى العرفي وهو اسم للنّسيكة التي هي الذبيحة، أما على المعنى العام فلا حجة ولا قرينة لقول الحسن فيها، وذلك أن القربان عام في كل ما يتقرب به إلى الله (٢)، وهذا هو الذي يظهر من سياق الآية. أما القرينة التي تؤيد قول الجمهور - وهي تعليم الغراب لأحدهما كيف يدفن الميت - فهي قرينة قوية على أن هذه الحادثة حدثت في العهد الأول إذ لم يعرف دفن الموتى، وهما أول أبناء آدم وجدوا على الأرض، فعدم العلم بالدفن عندهما مقطوع به، أما في بني إسرائيل فالدفن كان معروفا قطعا، نظرا لتوالي الموتى من أول الخليقة إلى عهدهم. فلا ينتقل من أمر مقطوع به إلى أمر محتمل لمجرد قرينة محتملة، فدلّ ذلك على صحة قول من قال هما ابنا آدم لصلبه، كما هو قول جماهير المفسرين (٣).

стр. 265

_________ = التفسير القيم ص ١١٧. ٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [البقرة: ٢٨]. انظر المحرر الوجيز (١/ ١٥٨). ٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ [البقرة: ٧٨]. انظر أضواء البيان (١/ ١٤١). ٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [البقرة: ٩٣]. انظر أضواء البيان (١/ ١٤٣). ٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى. وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣]. انظر المحرر الوجيز (١/ ٢٩٥). ٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [البقرة: ١٥٠]. انظر المحرر الوجيز (٢/ ١٧). ٧ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]. انظر أضواء البيان (١/ ١٨٤). ٨ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتَ [البقرة: ٢٥٩]. انظر الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٩١). ٩ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا [البقرة: ٢٨٢] انظر جامع البيان (٣/ ١٢٩). ١٠ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران: ٧]. انظر جامع البيان (٣/ ١٨٤)، ومفاتيح الغيب (٧/ ١٩٠ - ١٩٢)، والبحر المحيط (٣/ ٢٨)، وروح المعاني (٣/ ٨٤) وما بعدها وأضواء البيان (١/ ٣٣١ - ٣٣٢). ١١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا [النساء: ٣٢]. انظر المحرر الوجيز (٤/ ٩٩). ١٢ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ [المائدة: ٩٥]. انظر أضواء البيان (٢/ ١٣٠). ١٣ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا [الأنعام: ٢٧]. انظر المحرر الوجيز (٦/ ٣٢). ١٤ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ [الأعراف: ١٧٦] انظر -

стр. 266

_________ = جامع البيان (٩/ ١٢٩). ١٥ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) [الأعراف: ١٩٠] انظر أضواء البيان (٢/ ٣٤٠). ١٦ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها [الأعراف: ٢٠٣]. انظر جامع البيان (٩/ ١٦١). وانظر مزيدا من أمثلة هذه القاعدة في جامع البيان (٩/ ١٨٣) و (١٦/ ٩٩) و (١٧/ ١٩) و (١٨/ ٦٨ - ١٤٥) و (٢٣/ ١١). وفي المحرر الوجيز (٨/ ٥٨) و (١٠/ ٢٠). وفي تفسير ابن كثير (٨/ ٢٠٦). وفي أضواء البيان (٣/ ٣١٦، ٣٩١، ٦١٧) و (٤/ ٣٤، ٤٢، ٢٤٦، ٢٤٨، ٥٤٨، ٥٧٣، ٥٩٦) و (٥/ ٧٢٩، ٧٣٦) و (٦/ ٧١، ١٩٨، ٣٨٨، ٤١٦، ٤٤٢). وغيرها كثير.

стр. 267

المطلب الثاني: قاعدة: القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدّم على ما عدم ذلك * صورة القاعدة: إذا تنازع العلماء في تفسيرآية من كتاب الله، وكان أحد الأقوال تؤيده آية أوآيات أخرى أو قراءة متواترة في نفس الآية -؛ لأنها بمثابة الآية (١) - فهو أولى بحمل الآية عليه؛ لأن تأييد القرآن له يدل على صحته واستقامته. فإن تأيّد كل قول بآية أوآيات خرج الترجيح بينها عن هذه القاعدة ويطلب من قواعد أخرى (٢). ويدخل تحت هذه القاعدة ما إذا كانت الآيات تردّ أحد الأقوال، وتقضي ببطلان مقتضاه؛ وذلك لأنه إذا ردّ أحد الأقوال أو ضعّف ترجح القول الآخر أو انحصر الراجح في بقية الأقوال. *** * أدلة القاعدة: ١ - من أدلة هذه القاعدة: ما وصف الله به آيات كتابه من التفصيل والإحكام، كقوله

стр. 268

تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥٥) [الأنعام: ٥٥] وقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧) [الأنعام: ٩٧] وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) [هود: ١]، ونحوها من الآيات التي أخبر الله - تعالى - فيها عن تفصيل آيات كتابه، والتفصيل هو الإيضاح والبيان، مشتق من الفصل بمعنى التفريق بين الشيء وغيره بما يميزه (١). وتفصيل الآيات تبيّنها وشرحها وإيضاح معانيها (٢)، سواء كان هذا البيان والإيضاح من أول خطابه، فتكون معاني الآيات واضحة بينة ابتداء. أو كان هذا الإيضاح والبيان من آياته الأخرى؛ بأن أوضح بعضه بعضا، - وهذا هو مضمون هذه القاعدة - أو كان الإيضاح والبيان من النبي ﷺ وسيأتي إن شاء الله. ٢ - ولهذه القاعدة أصل في التفسير النبوي: فإن النبي ﷺ قد استعملها في تفسيره لبعض الآيات؛ ففسر القرآن بالقرآن، وصحح فهم الصحابة لآيات بمقتضى هذه القاعدة. كالذي جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لمانزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١٣) [لقمان: ١٣]» (٣). فهذا الحديث وأمثاله أصل في تفسير القرآن بالقرآن، وأن الفهم إذا وافق القرآن فهو أولى من غيره، كما صحح النبي ﷺ فهم الصحابة بآية لقمان. ثم جاء الصحابة ومن بعدهم وطبقوا ذلك في تفسيرهم، ففسروا القرآن بالقرآن ما وجدوا إلى ذلك

стр. 269

سبيلا، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية. ٣ - إجماع العلماء: فقد أجمع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله من الله - جل وعلا - (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: إن تفسير القرآن بالقرآن في طرق التفسير أشهر من أن يعزى إلى مصدر معين، واعتماد العلماء له مستفيض ومشتهر، من عهد النبي ﷺ ومرورا بالصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا؛ لذلك فإن تتبع أقوالهم في اعتماده يطول جدا، وسوف أكتفي بذكر بعضها بما يكفي في تقرير القاعدة من وجه كونها ترجيحية، تأصيلا، أو تطبيقيا. فمن هؤلاء الأئمة: ١ - أبيّ بن كعب (٢) وعامة الصحابة: أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي (٣) قال: مرّ عمر بن الخطاب برجل يقرأ ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ .. ﴾. حتى بلغ ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠] قال: وأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: أبيّ بن كعب، فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم. قال: أنت سمعتها من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. قال: لقد كنت أظنّ أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، فقال أبيّ: بلى تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) [الجمعة: ٣]، وفي سورة الحشر: ﴿وَالَّذِينَ﴾

стр. 270

﴿جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ﴾ [الحشر: ١٠]، وفي الأنفال ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٥] … إلى آخرالآية (١). فكان اختلاف القراءة سبب الحادثة، ولكن عمر ﵁ أبان عن فهمه من قراءته، فأثبت أبيّ ﵁ صحة القراءة (٢)، ثم تحول ليثبت عدم صحة المعنى الذي كان يفهمه عمر ﵁ من الآية، فاحتج عليه بهذه الآيات التي تلاها من سورة الجمعة، والحشر، والأنفال، مما يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال. ٢ - وفي استنباط علي بن أبي طالب ﵁ أقل مدة الحمل من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] ومن قوله: ﴿* وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، واعتراضه بذلك على حكم عثمان ابن عفان ﵁ بالرجم على المرأة التي ولدت لستة أشهر، ونزول عثمان على رأيه (٣) لأكبر دليل على اعتمادهم لما تقرر هذه القاعدة. وأمثال ذلك كثير سيأتي بعضه في الأمثلة على القاعدة. ٣ - ومنهم الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير ﴿واصِبٌ﴾ (٩) من قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ (٩) [الصافات: ٩]-: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال: معناه: دائم خالص، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِباً﴾ [النحل: ٥٢] فمعلوم أنه لم يصفه بالإيلام والإيقاع وإنما وصفه

стр. 271

بالثبات والخلوص. اهـ (١). ٤ - ومنهم مكي بن أبي طالب (٢): قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] قال: أي وإن كنتم أيها الناس في شك من القرآن أنه ليس من عند الله فأتوا بسورة من مثل القرآن، وقيل: من مثل محمد ﷺ … وقيل: من مثله: من التوراة والإنجيل، والاختيار عند الطبري من مثل القرآن في بيانه، دليله قوله تعالى في موضع آخر: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ولا يحسن هنا إلا مثل القرآن، فحمل الآيتين على معنى واحد أولى. اهـ (٣). ٥ - ومنهم البغوي: - قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]: واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة، فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٣٠) [الحجر: ٣٠]. اهـ (٤). ٦ - ومنهم ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] ردّ قول من قال: كان ذلك ليسارّه فخشي هارون أن يتوهم الناظر إليهما أنه لغضب .. بقوله: وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح -[أي من الغضب]- لقوله تعالى ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ (٩٤) [طه: ٩٤]. اهـ (٥).

стр. 272

٧ - ومنهم الرازي: قال - معللا اختياره لأحد الأقوال الذي تؤيده آية أخرى: فوجب أن يكون ههنا مفسرا بذلك؛ لأن تفسير كلام الله - تعالى - بكلام الله أقرب الطرق إلى الصدق والصواب. اهـ (١). ٨ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - في معرض بيانه ضروب التفسير والترجيح بينها: وقد يتردد بين محامل كثيرة يتساوى بعضها مع بعض، ويترجح بعضها على بعض، وأولى الأقوال ما دل عليه الكتاب في موضع آخر، أو السنة، أو إجماع الأمة .. اهـ (٢). ٩ - ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيميه وقرر في مقدمته في أصول التفسير أن أصح طرق التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن. فقال: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر. اهـ (٣). ١٠ - ونص ابن جزيّ الكلبي على هذه القاعدة على أنها وجه من أوجه الترجيح عنده، فقال: وأمّا وجوه الترجيح فهي [اثنا] (٤) عشر، الأول: تفسير بعض القرآن ببعض فإذا دل موضع من القرآن على المراد بموضع آخر حملناه عليه، ورجحنا القول بذلك على غيره من الأقوال. اهـ (٥). ١١ - وتميز ابن كثير في هذا الجانب، فهو يهتم بتفسير القرآن بالقرآن، ويرجح بين الأقوال بما تقضي به هذه القاعدة، ومدمن النظر في تفسيره يجد ذلك واضحا جليا، فمن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (٢٦) [الحجر: ٢٦] بعد أن ذكر الخلاف في المراد بالصلصال قال: والظاهر أنه

стр. 273

كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ (١٥) [الرحمن: ١٤ - ١٥] وتفسيرالآية بالآية أولى. اهـ (١). ١٢ - وللعلامة ابن الأمير الصنعاني (٢) «مفاتح الرضوان في تفسير الذكر بالآثار والقرآن» (٣). وهذا جانب من جوانب تطبيق هذه الطريقة في التفسير. ١٣ - وختم هؤلاء الأئمة الذين اعتنوا بتفسير القرآن بالقرآن وطبقوا ذلك عمليا في تفسيرهم، وفي الترجيح بين أقوال من سلف بالقرآن، معتمدين هذه القاعدة، ختموا بالعلامة محمد الأمين الشنقيطي في كتابه العظيم «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»، والذي حدد مقاصده من تأليفه في مقدمته فقال: أولها: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله؛ إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله - جل وعلا - من الله - جل وعلا -. اهـ (٤). وقدم لهذا الكتاب بمقدمة قيّمة في أنواع بيان القرآن بالقرآن، وقد استعمل هذه القاعدة كثيرا في الترجيح بين أقوال العلماء، وسترى - بإذن الله - في الأمثلة التطبيقية أمثلة ذلك. ومضمون هذه القاعدة اعتمده الأصوليون في الترجيح بين الأدلة المتعارضة؛ بأن يكون أحد الدليلين موافقا لظاهر القرآن، فيقدم لأجل موافقته لآية أوآيات من كتاب الله (٥).

стр. 274

فالترجيح بين أقوال المفسرين لأجل موافقة آية أوآيات لأحد الأقوال من باب أولى. بل يجب أن يرجح ذلك القول الموافق للقرآن إذا لم ينازعه وجه آخر مثله أو أقوى منه، لدلالة القرآن على صحته. وكذلك اعتمده المحدّثون كوجه من أوجه الترجيح عندهم بين الأحاديث المختلفة، كما هو مسطر في علوم الحديث (١). *** * مسألة: في تحرير مفهوم مصطلح «تفسير القرآن بالقرآن»: يذكر العلماء «تفسير القرآن بالقرآن» على أنه من أنواع التفسير بالمأثور، وأنه أبلغ أنواع التفسير وأصحها، وما وجدت لأحد منهم عناية بتقرير حدّ وضابط واضح يضبط هذا النوع الذي استحق هذه الرتبة العظيمة في التفسير، وإنما هو كلام عام فيه وتطبيقات عليه لا يظهر منها تحديد دقيق له. وبعد طول تأمل في هذا المصطلح وأمثلته ظهر لي - والله تعالى أعلم - أن تفسير القرآن بالقرآن ينقسم إلى قسمين، أحدهما: توقيفي، لا اجتهاد فيه ولا نظر. والآخر: اجتهادي، يعتمد على قوة نظر المفسر وتجرده، في قربه من الصحة أو بعده عنها. فالقسم الأول: التوقيفي هو: «أن يكون في الكلام لبس وخفاء فيأتي بما يزيله ويفسره» (٢)، إما بعده مباشرة، أو في موضع آخر وارد مورد البيان له. فمن أمثلة هذا القسم تفسير الهلوع في قوله تعالى: ﴿* إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (١٩) [المعارج: ١٩] بقوله: ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢١) [المعارج: ٢٠ - ٢١] وتفسير الطارق في قوله: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ﴾ (٢) بقوله: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ (٣) [الطارق: ١ - ٣].

стр. 275

وتفسير أولياء الله في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣) [يونس: ٦٢ - ٦٣]. ومثال ما فسر في موضع آخر قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النحل: ١١٨] وذلك في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦]. وغير ذلك من الأمثلة (١)، فهذا القسم ولا شك أنه أبلغ أنواع التفسير ولا قول لأحد معه، ومثله لا يختلف فيه، وهو الذي يصنّف من التفسير بالمأثور. والقسم الثاني: الاجتهادي، وهو المعتمد على صحة النظر وقوة الاستنباط، وذلك بأن يحمل معنى آية على آية أخرى تكون مبينة وشارحة للآية الأولى، وهذا النوع منه المقبول ومنه المردود كأيّ اجتهاد في تفسيرآية، ولا اعتبار في قبوله بكونه فسّرت آية بأخرى، فكثيرا ما تجعل الآية أو لفظ منها نظيرا لما ليس مثله (٢)، وقد يكون حمل

стр. 276

الآية على الأخرى اجتهادا مجردا خاليا من الهوى والبدعة؛ لكنه خلاف الراجح، لوجود معارض أقوى منه، واعتماد غيره بوجه من وجوه الترجيح (١). إذا تقرر هذا، فالمعتبر في هذا هو صحة النظر، وقوة الاستنباط، والتجرد من كل هوى وبدعة، فإذا توفر هذا وسلم من المعارض الأقوى منه فهو مرجّح للقول الموافق له على ما خالفه من الأقوال، وهو مضمون هذه القاعدة. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - منها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] اختلف المفسرون في قوله: ﴿هذا رَبِّي﴾ هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ (٢). فقال بعضهم: هو مقام نظر، كان إبراهيم ﵇ مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله وآتاه الرشد فلم يضرّه ذلك في حالة الاستدلال. وقال آخرون: بل هو مقام مناظرة لقومه، ليبين لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام. وهذا القول هو الحق الذي يدل عليه القرآن. كما في سورة مريم والأنبياء

стр. 277

والشعراء وغيرها، فمجادلة إبراهيم لأبيه وقومه هي التي جاءت في القرآن، ولم يرد حرف واحد في القرآن أنه كان مشركا في زمن ما. والقرآن أيضا يدل على بطلان القول الأول، الذي جعل إبراهيم مشركا بالله في فترة من الزمن وقت نظره سواء قبل أن يوحى إليه أو في صغره، وقد نفى الله - تعالى - عن إبراهيم الشرك، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٠) [النحل: ١٢٠] وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٢٣) [النحل: ١٢٣] وقوله. ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً﴾ ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١) [الأنعام: ١٦١]، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوما ما (١)، فكيف يصح أن يكون ناظرا وهو الذي زكّاه الله بكمال توحيده، ونفي الشرك عنه. مما يدل على بطلان القول الأول، وصحة القول الثاني حسب ما قررت هذه القاعدة، وهذا ما صححه أئمة التفسير ورجحوه، كالزجاج (٢)، والنحاس (٣)، وابن عطية (٤)، وابن الجوزي (٥)، والرازي (٦)، وابن تيمية (٧)، وأبي حيان (٨)، وابن جزيّ (٩)، وابن كثير (١٠)، والألوسي (١١) والقاسمي (١٢)

стр. 278

والشنقيطي (١) وغيرهم - عليهم رحمة الله -. ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته في هذا المثال، قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه». وهذه القرائن هي أن السياق قد دلّ على أن إبراهيم ﵇ قد عرف ربّه قبل حدوث هذه القصة، وذلك في موضعين، أحدهما: إخبار الله عنه بأنه خاطب أباه ناهيا له عن عبادة الأصنام مقررا ضلال من فعل ذلك، في قوله: ﴿* وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٧٤) [الأنعام: ٧٤] (٢) والآخر: ترتيب قوله تعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً﴾ [الأنعام: ٧٦] الآيات «بالفاء» على قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥) [الأنعام: ٧٥] فدل علي أنه قال ذلك موقنا مناظرا ومحاجا لهم كما قال تعالى: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: ٨٠] الآية، وقال: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] (٣). ويؤيد هذه القاعدة - أيضا - فيما رجحته في هذا المثال، عصمة النبوة فإن الأنبياء معصومون ممّا يخدش هذه العصمة، أو ينال من مقام النبوة، والشرك أعظمها، وما بعثوا إلا لنفي الشرك وتقرير التوحيد. قال السيوطي (٤): والأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة، وبعدها إجماعا. اهـ (٥). ٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا﴾

стр. 279

﴿اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية. فقال ابن مسعود وابن عباس والضحاك وغيرهم: هي كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨] (١) أي: المراد بالإماتتين في هذه الآية، الإماتة الأولى: كونهم في بطون أمهاتهم نطفا وعلقا ومضغا، قبل نفخ الروح فيهم، والإماتة الثانية: إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في دار الدنيا. وأن المراد بالإحياءتين، الإحياءة الأولى في دار الدنيا، والإحياء الثانية، البعث من القبور إلى الحساب والجزاء والخلود الأبدي إما في الجنة وإما في النار (٢). وقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة. وقال ابن زيد: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة (٣). وأصح الأقوال وأولاها بتفسيرالآية قول ابن مسعود وابن عباس ومن تبعهما، وهو الذي تقرره هذه القاعدة، وذلك لموافقة قولهما لكتاب الله. وصحح هذا القول، وضعّف ما سواه أئمة التفسير، كالطبري (٤) وابن عطية (٥) وابن كثير والشنقيطي وغيرهم. قال ابن كثير - بعد أن ذكر قول ابن مسعود -: وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.

стр. 280

وقال - معقبا على قول السدي وابن زيد -: وهذان القولان ضعيفان؛ لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما. اهـ (١). وقال الشنقيطي - بعد أن ذكر معنى قول ابن مسعود -: والدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح به واضحا في قوله جل وعلا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨] وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال لا معوّل عليه. اهـ (٢).

стр. 281

المطلب الثالث: قاعدة: القول الذي يعظم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية وقاعدة: كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود * صورة القاعدة: يرد في تفسير بعض الآيات التي تتحدث عن قصص الأنبياء أو أعمالهم أو خطاب الله - تعالى - لهم، خلاف بين المفسرين في تفسيرها، وهذا الخلاف لا تخرج أقواله عن أربع صور. الأولى: أن يرد قول في تفسيرالآية فيه وصف نبي بأنه ترك أو فعل أمرا خلاف الأولى به. كالذي ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣) [ص: ٣٣] بأنه عقر الخيل وضرب أعناقها (١). الثانية: أن يرد قول في تفسيرالآية يفهم منه وصف النبي بما لا يليق بمقام النبوة ومنزلة الرسالة. وقد يصح توجيه هذا القول إلى معنى آخر ليس فيه ذلك، لكن هذا التوجيه ليس الظاهر والمتبادر إلى الذهن من القول. كما في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة. الثالثة: أن يذكر قول على أنه وجه في تفسيرالآية، لكنه متضمن للطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة، كأن يصف بعض الأنبياء بأوصاف ينزه عن مثلها

стр. 282

كل مؤمن فضلا عن نبي، أو يطعن في رسالته أو تبليغه لها، أو يلفّق له قصصا وحوادث تطعن في نبوته، كنسبتهم إلى الخنا والفحش أو الخديعة والمكر (١). وذلك كما في المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة. الرابعة: ما سوى تلك الصور، والتي ليس فيها مما ذكر شيء، وهي متفقة مع عصمة النبوة وعظم مكان الرسالة، معظمة تلك الجوانب معتمدة على دلائل الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، وسياق الآيات، وما صح من لغة العرب. فهذه الصورة أقوالها هي المعتمدة في تفسيرالآية بالنسبة للأقوال التي تندرج تحت الصور الثلاث السابقة. وأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الأولى والثانية، فالقاعدة الأولى هي التي تضعّفها وتقدم عليها أقوال الصورة الرابعة، وهذا التقديم لا يعني أنه يجب رد تلك الأقوال، ولوم من قالها أو من نقلها واعتمدها، كلا، وإنما هو تقديم الأصح في تفسيرالآية، وقد يكون من باب تقديم الأولى. وأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الثالثة، فالقاعدة الثانية هي التي تردها، وتوجب إطراحها، فكل طعن في الرسالة والنبوة وأصحابها، فهو مردود على قائله. فهذا فصل الخطاب في الخلاف الذي يرد متعلقا بجناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا. *** * بيان ألفاظ القاعدة: العصمة هي: صرف دواعي المعصية عن المعصوم، بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) [الأنعام: ١٥] (٢).

стр. 283

واتفقت الأمة على أن الأنبياء معصومون فيما يخبرون به عن الله (١) ويستحيل عليهم الكذب، والكتمان، والخطأ، والسهو، والإغفال، والتورية، والألغاز فيما طريقه البلاغ والأداء عن الله، وقد حرسهم الله من كل سبب يقدح في نبوتهم ودلالة معجزاتهم وما خصهم الله به من شرف المنزلة وعلو القدر (٢). وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عصمتهم من الكبائر ومما يجري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة (٣). ثم اختلفوا في الصغائر التي تزري بمنصب النبوة. واختلفوا في العصمة هل هي في الفعل أو في الإقرار؟ وهل قبل البعثة عصمة؟ ثم من قالوا بجواز وقوع شيء منهم بعد النبوة، أجمعوا على أنه لا يقر عليه البتة (٤). وأما قبل النبوة، فالحق أنهم معصومون من الكفر والإشراك بالله، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك (٥). وروي عن الإمام أحمد أنه قال: من قال إنه كان ﷺ على دين قومه فهو قول سوء. اهـ (٦). ومستند هذا الباب النقل، ولم يرد في الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر أن من الأنبياء أحدا بعث واصطفي وكان معروفا بالكفر أو الشرك قبل ذلك.

стр. 284

قال القاضي عياض: إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وعيّر كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نصّ الله - تعالى - عليه، أو نقلته إلينا الرّواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته، وتقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلوّنه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم من قبل. ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه؟ إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة، وقالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، كما حكاه الله عنهم. اهـ (١). وقد طعن الكفار في إرسال الرسل لكونهم مشتركين معهم في البشرية كما قال الله تعالى عنهم: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [إبراهيم: ١٠]. فلو كانوا مشتركين معهم في عبادة الأصنام والإشراك بالله لكان أكبر حجة لهم في الطعن في إرسالهم. والقدح في إرسالهم بحجة الاشتراك في الشرك أقوى وأعظم من الاشتراك في البشرية كما لا يخفى، فلمّا لم يرد ذلك دلّ على أنهم لم يكونوا معهم على ملة واحدة. فإذا تقرر ذلك كله، فلا يجوز أن يفسر القرآن بتفسير فيه قدح في مقام النبوة، وله في غير ذلك محمل صحيح سليم. *** * أدلة القاعدة: الأدلة على عصمة الأنبياء والرسل كثيرة نقلية وعقلية، فإذا ثبت ذلك، فالتفسير الذي يتمشى مع هذه العصمة أولى بتفسيرالآية، وكل قول طعن فيها وخالفها فهو

стр. 285

مردود لمخالفته للدلائل الصريحة عليها. ١ - كقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) [البقرة: ١٢٤]. قال السدي: العهد: النبوة وقال مجاهد: الإمامة (١)؛ أي: الإمامة في الدين خاصة (٢). قال الرازي: والغاية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين: الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد الإمامة، ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقا، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقا فاعلا للذنب والمعصية أولى. الثاني: قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة؛ فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه؛ فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم. اهـ (٣). ٢ - وقوله تعالى مخبرا عن اصطفائه لهم: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقوله: ﴿* إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، وقال - تعالى - عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال في موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ونحوها من الآيات. فلا يفسر القرآن ويحمل على أوجه تنافي هذا الاصطفاء وهذه الخيرية وله في غيرها محمل صحيح.
следующие страницы →