المطلب الثالث:
قاعدة: القول الذي يعظم مقام النبوة ولا ينسب إليها ما لا يليق بها أولى بتفسيرالآية وقاعدة: كل قول طعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة فهو مردود
* صورة القاعدة:
يرد في تفسير بعض الآيات التي تتحدث عن قصص الأنبياء أو أعمالهم أو خطاب الله - تعالى - لهم، خلاف بين المفسرين في تفسيرها، وهذا الخلاف لا تخرج أقواله عن أربع صور.
الأولى: أن يرد قول في تفسيرالآية فيه وصف نبي بأنه ترك أو فعل أمرا خلاف الأولى به.
كالذي ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣) [ص: ٣٣] بأنه عقر الخيل وضرب أعناقها (١).
الثانية: أن يرد قول في تفسيرالآية يفهم منه وصف النبي بما لا يليق بمقام النبوة ومنزلة الرسالة.
وقد يصح توجيه هذا القول إلى معنى آخر ليس فيه ذلك، لكن هذا التوجيه ليس الظاهر والمتبادر إلى الذهن من القول.
كما في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة.
الثالثة: أن يذكر قول على أنه وجه في تفسيرالآية، لكنه متضمن للطعن في عصمة النبوة ومقام الرسالة، كأن يصف بعض الأنبياء بأوصاف ينزه عن مثلها
стр. 282
كل مؤمن فضلا عن نبي، أو يطعن في رسالته أو تبليغه لها، أو يلفّق له قصصا وحوادث تطعن في نبوته، كنسبتهم إلى الخنا والفحش أو الخديعة والمكر (١).
وذلك كما في المثال الثاني من أمثلة هذه القاعدة.
الرابعة: ما سوى تلك الصور، والتي ليس فيها مما ذكر شيء، وهي متفقة مع عصمة النبوة وعظم مكان الرسالة، معظمة تلك الجوانب معتمدة على دلائل الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، وسياق الآيات، وما صح من لغة العرب. فهذه الصورة أقوالها هي المعتمدة في تفسيرالآية بالنسبة للأقوال التي تندرج تحت الصور الثلاث السابقة.
وأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الأولى والثانية، فالقاعدة الأولى هي التي تضعّفها وتقدم عليها أقوال الصورة الرابعة، وهذا التقديم لا يعني أنه يجب رد تلك الأقوال، ولوم من قالها أو من نقلها واعتمدها، كلا، وإنما هو تقديم الأصح في تفسيرالآية، وقد يكون من باب تقديم الأولى. وأما الأقوال التي تندرج تحت الصورة الثالثة، فالقاعدة الثانية هي التي تردها، وتوجب إطراحها، فكل طعن في الرسالة والنبوة وأصحابها، فهو مردود على قائله.
فهذا فصل الخطاب في الخلاف الذي يرد متعلقا بجناب الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
العصمة هي: صرف دواعي المعصية عن المعصوم، بما يلهم الله المعصوم من ترغيب وترهيب.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) [الأنعام: ١٥] (٢).
стр. 283
واتفقت الأمة على أن الأنبياء معصومون فيما يخبرون به عن الله (١) ويستحيل عليهم الكذب، والكتمان، والخطأ، والسهو، والإغفال، والتورية، والألغاز فيما طريقه البلاغ والأداء عن الله، وقد حرسهم الله من كل سبب يقدح في نبوتهم ودلالة معجزاتهم وما خصهم الله به من شرف المنزلة وعلو القدر (٢). وحكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على عصمتهم من الكبائر ومما يجري بمناصبهم كرذائل الأخلاق والدناءات وسائر ما ينفر عنهم، وهي التي يقال لها صغائر الخسة (٣).
ثم اختلفوا في الصغائر التي تزري بمنصب النبوة. واختلفوا في العصمة هل هي في الفعل أو في الإقرار؟ وهل قبل البعثة عصمة؟
ثم من قالوا بجواز وقوع شيء منهم بعد النبوة، أجمعوا على أنه لا يقر عليه البتة (٤). وأما قبل النبوة، فالحق أنهم معصومون من الكفر والإشراك بالله، وقد حكى غير واحد من أهل العلم الإجماع على ذلك (٥).
وروي عن الإمام أحمد أنه قال: من قال إنه كان ﷺ على دين قومه فهو قول سوء. اهـ (٦).
ومستند هذا الباب النقل، ولم يرد في الكتاب والسنة والإجماع ما يخبر أن من الأنبياء أحدا بعث واصطفي وكان معروفا بالكفر أو الشرك قبل ذلك.
стр. 284
قال القاضي عياض: إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته، وعيّر كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته، مما نصّ الله - تعالى - عليه، أو نقلته إلينا الرّواة، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهته، وتقريعه بذمّه بترك ما كان قد جامعهم عليه.
ولو كان هذا لكانوا بذلك مبادرين، وبتلوّنه في معبوده محتجين، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم، وما كان يعبد آباؤهم من قبل.
ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه؟ إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه، كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة، وقالوا: ﴿ما وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢]، كما حكاه الله عنهم. اهـ (١).
وقد طعن الكفار في إرسال الرسل لكونهم مشتركين معهم في البشرية كما قال الله تعالى عنهم: ﴿قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٠) [إبراهيم: ١٠]. فلو كانوا مشتركين معهم في عبادة الأصنام والإشراك بالله لكان أكبر حجة لهم في الطعن في إرسالهم. والقدح في إرسالهم بحجة الاشتراك في الشرك أقوى وأعظم من الاشتراك في البشرية كما لا يخفى، فلمّا لم يرد ذلك دلّ على أنهم لم يكونوا معهم على ملة واحدة. فإذا تقرر ذلك كله، فلا يجوز أن يفسر القرآن بتفسير فيه قدح في مقام النبوة، وله في غير ذلك محمل صحيح سليم.
***
* أدلة القاعدة:
الأدلة على عصمة الأنبياء والرسل كثيرة نقلية وعقلية، فإذا ثبت ذلك، فالتفسير الذي يتمشى مع هذه العصمة أولى بتفسيرالآية، وكل قول طعن فيها وخالفها فهو
стр. 285
مردود لمخالفته للدلائل الصريحة عليها.
١ - كقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) [البقرة: ١٢٤].
قال السدي: العهد: النبوة وقال مجاهد: الإمامة (١)؛ أي: الإمامة في الدين خاصة (٢).
قال الرازي: والغاية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين:
الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد الإمامة، ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقا، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقا فاعلا للذنب والمعصية أولى.
الثاني: قال: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ (١٢٤) فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة؛ فكذلك لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماما يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه؛ فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم. اهـ (٣).
٢ - وقوله تعالى مخبرا عن اصطفائه لهم: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقوله: ﴿* إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣) [آل عمران: ٣٣]، وقال - تعالى - عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا﴾ [البقرة: ١٣٠]، وقال في موسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ونحوها من الآيات. فلا يفسر القرآن ويحمل على أوجه تنافي هذا الاصطفاء وهذه الخيرية وله في غيرها محمل صحيح.
стр. 286
٣ - وقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾
[آل عمران: ١٦١]. وقال تعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٧٩].
قال ابن حزم: في معرض استدلاله بهاتين الآيتين على عصمة الأنبياء: فوجدنا الله - تعالى - وهو أصدق القائلين قد نفى عن الأنبياء ﵈ الغلول والكفر والتجبر، ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن حكم الغلول كحكم سائر الذنوب، وقد صح الإجماع بذلك، وأن من جوز على الأنبياء ﵈ شيئا من تعمد الذنوب جوز عليهم الغلول، ومن نفى الغلول نفى عنهم سائر الذنوب، وقد صح نفي الغلول عنهم بكلام الله - تعالى - فوجب انتفاء تعمد الذنوب عنهم بصحة الإجماع على أنها سواء والغلول. اهـ (١).
٤ - وقال النبي ﷺ : «إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين» (٢).
قال ابن حزم: فنفى ﵇ عن جميع الأنبياء ﵈ أن تكون لهم خائنة الأعين، وهو أخف ما يكون من الذنوب، ومن خلاف الباطن للظاهر؛ فدخل في هذا جميع المعاصي صغيرها وكبيرها سرها وجهرها. اهـ (٣)
والدلائل على عصمة الأنبياء كثيرة، أكتفي بما ذكرت طلبا للاختصار (٤).
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد العلماء مضمون هذه القاعدة، ورجحوا بها أقوالا، وردّوا بها أخرى، لأجل ما رأوه من مخالفتها لعصمة النبوة، ولما علم من حال الأنبياء وعظم منزلتهم.
стр. 287
فمن هؤلاء الأئمة:
١ - الصديقة بنت الصديق عائشة - رضى الله عنها - وسيأتي نص كلامها في المثال الأول من أمثلة هذه القاعدة - إن شاء الله تعالى -.
٢ - ومنهم ابن قتيبة: قال - بعد أن ساق أقوال المفسرين في تفسير قوله تعالى:
﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] الآية - وهذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلها، ولا نعلم ما أراد الله . غير أن أحسنها في الظاهر وأولاها بأنبياء الله - صلوات الله عليهم - ما قالت أم المؤمنين عائشة ﵂. اهـ (١).
٣ - ومنهم إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري: قال - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى عن يونس: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]:
وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصواب قول من قال: عنى به: فظنّ يونس أن لن نحبسه ونضيق عليه؛ عقوبة له على مغالبته ربه.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الكلمة؛ لأنه لا يجوز أن ينسب إلى الكفر، وقد اختاره لنبوّته، ووصفه بأن ظن أن ربه يعجز عما أراد به، ولا يقدر عليه، وصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر، وغير جائز لأحد وصفه بذلك. اهـ (٢).
٤ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - رادا على أقوال المفسرين في قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها﴾ [يوسف: ٢٤] معتمدا على جانب العصمة -: … فما تعرّض لامرأة العزيز، ولا أناب إلى المراودة بحكم المراودة؛ بل أدبر عنها، وفرّ منها؛ حكمة خصّ بها، وعملا بمقتضى ما علمه الله - سبحانه -، وهذا يطمس وجوه الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه ما لا يليق به، وأقلّ ما
стр. 288
اقتحموا من ذلك أنه هتك السراويل، وهمّ بالفتك فيما رأوه من تأويل، وحاش لله ما علمت عليه من سوء، بل أبرئه مما برأه منه، فقال: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ [يوسف: ٢٢]، وقوله: ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) [يوسف: ٢٤]. والفحشاء هي: الزنا، والسوء:
هو المراودة والمغازلة، فما ألمّ بشيء ولا أتى بفاحشة. اهـ (١).
٥ - ومنهم ابن عطية الأندلسي: في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]- بضم الكاف وكسر الذال - قال: وتحتمل هذه القراءة أيضا أن يكون الضمير في «ظنوا» وفي «كذبوا» عائدا على الرسل.
والمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله. والظن على بابه - وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم - والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم - قاله ابن عباس وابن مسعود أيضا وابن جبير - وقال: ألم يكونوا بشرا؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا: هو الذي نكره. وردّت هذا التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم. وأعظموا أن توصف الرسل بهذا. وقال أبو علي الفارسي: هذا غير جائز على الرسل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟. اهـ (٢).
٦ - ومنهم الفخر الرازي: ففي معرض ردّه لقول من قال إن إبراهيم حين نظر إلى الكوكب والقمر والشمس كان مستدلا لا مناظرا.
قال: إن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء. اهـ (٣).
٧ - ومنهم القرطبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]:
стр. 289
والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين بأنه نهى عن تزويج نساء الأبناء وتزوج بزوجة ابنه. فأما ما روي أن النبي ﷺ هوي زينب امرأة زيد - وربما أطلق بعض المجّان لفظ عشق - فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي ﷺ عن مثل هذا، أو مستخفّ بحرمته .. اهـ (١).
٨ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: قال في معرض نقده للأقوال التي قيلت في بيان (همّ يوسف) ﵇: وأمّا أقوال السلف فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؟ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلا عن المقطوع لهم بالعصمة
وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة، وبراءة يوسف ﵇ من كل ما يشين. اهـ (٢).
٩ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: قال - في تفسير قوله تعالى: ﴿ظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ الآية [ص: ٢٤]: واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة مما لا يليق بمنصب داود ﵇، وعلى نبينا - الصلاة والسلام - كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معول عليه، وما جاء منه مرفوعا إلى النبي ﷺ لا يصح منه شيء. اهـ (٣).
وغير هؤلاء من أئمة التفسير كثير ممن قرروا هذه القاعدة (٤).
стр. 290
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - منها: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، في «كذبوا» قراءتان (١).
الأولى: «كذّبوا» بضم الكاف وتشديد الذال وكسرها (٢).
والأخرى: «كذبوا» بضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها (٣).
فعلى قراءة التشديد:
يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم؛ لما لحقهم من البلاء والامتحان وتأخر النصر.
وبهذا قالت عائشة ﵂ وصحت الرواية عنها بذلك، وبه قال قتادة (٤)، ورجحه أبو جعفر النحاس، وقال: هو أشبه بالمعنى وهو أعلى إسنادا.
اهـ (٥).
وذهب الحسن وقتادة إلى أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم، وأيقنت الرسل أن قومهم قد كذبوهم.
فيكون الضميران في «ظنوا» و «كذبوا» يعودان على الرسل، وظن بمعنى اليقين.
وضعف هذا القول الطبري؛ لأجل مخالفته لجميع أقوال الصحابة في الآية، واستعمال العرب الظنّ بمعنى اليقين (٦).
وأما على قراءة تخفيف الذال:
стр. 291
فذهب ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك وغيرهم إلى أن المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من أن يستجيب لهم قومهم، وظن القوم أن الرسل قد كذبوهم (١). فيعود الضميران في «ظنوا» و «كذبوا» إلى المرسل إليهم وهم القوم (٢).
وروى عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير أن معنى الآية: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر (٣).
فيكون الضمير في «ظنوا» وفي «كذبوا» عائدا على الرسل (٤).
وهذه القاعدة تضعّف هذا القول؛ وذلك لما فيه من وصف الرسل بسوء الظن بربهم، وهذا يقدح في صالح المؤمنين فضلا عمّن فضّل بالنبوة والرسالة. فمقام النبوة عظيم، قد اصطفى الله لها أفضل الخلق على الإطلاق وأعرفهم بالله. وقد ردّت عائشة ﵂ هذا القول بما ألمحت له من رفعة مقام النبوة، ولما علم من حال الأنبياء والرسل.
أخرج البخاري - وغيره - بسنده عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾
[يوسف: ١١٠] قال: قلت: أكذبوا أم كذّبوا؟ قالت عائشة: كذّبوا قلت: فقد استيقنوا أنّ قومهم كذبوهم، فما هو بالظن. قالت: أجل لعمري، لقد استيقنوا بذلك.
فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذبوا؟ قالت: معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربّها.
قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدّقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذّبهم من قومهم،
стр. 292
وظنّت الرسل أن أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك» (١).
وكذلك ضعّف هذا القول أئمة التفسير؛ لأجل مخالفته لعظم مقام النبوة، ونسبة ما لا يليق إلى الرسل.
قال الطبري - بعد أن ساق الأسانيد إلى ابن عباس وغيره بهذا القول -:
وقول غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم، ويشكوا في حقيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسل إليهم، فيعذروا في ذلك أن المرسل إليهم الأولى في ذلك منهم بالعذر. اهـ (٢).
وقال الكرماني - بعد أن ذكر هذا القول من عجائب التفسير -: وهذا بعيد لا يعتقد مثله في الأنبياء والمرسلين. اهـ (٣).
وسبق نقل كلام ابن عطية في ردّه لهذا القول؛ لأجل العصمة (٤).
وصدّر القرطبي تفسير هذه الآية بقوله: هذه الآية فيها تنزيه الأنبياء وعصمتهم عما لا يليق بهم، وهذا باب عظيم، وخطره جسيم ينبغي الوقوف عليه … اهـ (٥).
وقال الألوسي - بعد أن ساق توجيه بعض العلماء لقول ابن عباس هذا -: … وأنت تعلم أن الأوفق بتعظيم الرسل، والأبعد عن الحوم حول حمى ما لا يليق بهم، القول بنسبة الظن إلى غيرهم - صلى الله عليهم وسلم - والله - تعالى - أعلم (٦). اهـ (٧).
стр. 293
٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا -: ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ [ص: ٣٤].
يذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الشيطان الذي أخذ خاتم سليمان وجلس على كرسي سليمان، وطرده عن ملكه، وتسلط على نسائه في الحيض، واستمر على ذلك حتى وجد سليمان الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر، مطرودا عن ملكه، إلى آخر القصة (١).
стр. 294
وهذه القصة باطلة مردودة؛ لأجل طعنها في عصمة النبوة، وقد نص على بطلانها بما تقرر هذه القاعدة أئمة التفسير وغيرهم، كالقاضي عياض (١)، والقرطبي (٢)، وأبي حيان (٣)، وابن كثير (٤)، والألوسي (٥)، والشنقيطي (٦).
стр. 295
الفصل الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بلغة العرب وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني المبحث الثاني:
قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير المبحث الثالث:
قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب
стр. 296
المبحث الأول:
قواعد الترجيح المتعلقة باستعمال العرب للألفاظ والمباني وفيه ثمانية عشر مطلبا:
المطلب الأول: قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو ردّ على قائله.
المطلب الثاني: قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه.
المطلب الثالث: قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر.
المطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة.
المطلب الخامس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية.
المطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالي - قدمت العرفية.
المطلب السابع: قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار.
стр. 297
المطلب الثامن: قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير.
المطلب التاسع: قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح.
المطلب العاشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى.
المطلب الحادي عشر: قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف.
المطلب الثاني عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى.
المطلب الثالث عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا، فإنه يحمل على إفراده.
المطلب الرابع عشر: قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية.
المطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص.
المطلب السادس عشر: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
المطلب السابع عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه.
المطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب. وفي النواهي أنها للتحريم.
стр. 298
المطلب الأول:
قاعدة: كل تفسير ليس مأخوذا من دلالة ألفاظ الآية وسياقها فهو رد على قائله
* صورة القاعدة:
كل تفسير خرج بمعاني كتاب الله عما تدل عليه ألفاظه وسياقه، ولم يدل اللفظ على هذا المعنى بأيّ نوع من أنواع الدلالة: مطابقة، أو تضمنا، أو التزاما، أو مفهوما موافقا، أو مفهوما مخالفا، فهو مردود على قائله؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة كان ضربا من التخرص، والقرمطة، والتلاعب بكتاب الله - تعالى -، لا تقره لغة، ولا يرضاه دين، ولا عقل، وليس من تفسير كلام الله في شيء.
فبالألفاظ يكون التخاطب والإفصاح عن المراد، والألفاظ قوالب المعاني، فإلغاء دلالاتها إبطال للغة التخاطب وفائدته.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
قولي: «دلالة ألفاظ الآية».
دلالة اللفظ هي: ما ينصرف إليه هذا اللفظ في الذهن من معنى مدرك أو محسوس، والتلازم بين الكلمة ودلالتها أمر لا بد منه في اللغة ليتم التفاهم بين الناس (١)، وإنما جعلت الألفاظ أدلّة يستدل بها على مراد المتكلم (٢).
قولي: «دلالة» حتى لا يقصر التفسير المقبول على التفسير بالمطابق، فيدخل بهذا، التفسير باللازم، سواء قيل دلالة اللازم لفظية أو عقلية، فمعنى اللازم ليس من
стр. 299
الألفاظ، وإنما هو أمر خارج عن اللفظ دلّ عليه اللفظ (١)، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدّر عدم هذا الانتقال الذهني لما كان ذلك اللازم مفهوما (٢).
وقولي: «ألفاظ» أدخل الدلالة اللفظية الوضعية، وهي: كون اللفظ إذا أطلق فهم من إطلاقه ما وضع له (٣)، فشمل دلالات المطابقة والتضمن، ودلالة الالتزام، ومفهوم الموافقة على الصحيح (٤).
وأخرج الدلالات غير اللفظية، وهي: الدلالة الوضعية كدلالة السبب على المسبب، والدلالة العقلية كدلالة الأثر على المؤثر (٥).
وقولي: «وسياقها» قيد هام في إدخال مفهوم المخالفة، فإنه لا يفهم من اللفظ المفرد، بل يفهم من النظم والتركيب.
ومثله على الصحيح دلالة مفهوم الموافقة لفظية فهمت من السياق والقرائن المفيدة للدلالة على المعنى الحقيقي لا المانعة من إرادته (٦) (¬،**).
стр. 300
قولي: «فهو ردّ على قائله» هذا حكم التفسير الموصوف سابقا.
وردّه يقتضي حصر الصواب فيما سواه.
وهذا الحكم أخرج الترجيح بتقديم الأولى، والترجيح بتضعيف بعض الأقوال؛ لأنه لا يوجب ردّها، واطراح حكمها.
***
* أدلة القاعدة:
١ - منها أن الله - تعالى - هدد وتوعد الذين يلحدون في آياته - تعالى - بأنه عالم محيط بهم، وأنه سيجزيهم على ذلك العقوبة والنكال، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠] والإلحاد في آيات الله: أن يوضع الكلام على غير موضعه، قاله ابن عباس (١) ﵄.
стр. 301
وقال عمر بن الخطاب ﵁ إن هذا القرآن كلام الله فضعوه على مواضعه، ولا تتبعوا فيه أهواءكم. اه (١)، فتفسير الآية بغير ما تدل عليه ألفاظها وضع للكلام في غير موضعه، وتحريف له عن مواضعه؛ فهو من الإلحاد في آيات الله - تعالى -.
قال السيوطي - بعد أن ذكر تفسير ابن عباس السابق -: ففيه الرد على من تعاطى تفسير القرآن بما لا يدل عليه جوهر اللفظ، كما يفعله الباطنية، والاتحادية (٢)، والملاحدة (٣)، وغلاة المتصوفة. اه (٤).
٢ - ومنها ذم الله - تعالى - لليهود الذين وصفهم بتحريف الكلم عن مواضعه فقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] وقال تعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
قال الحافظ ابن كثير - في قوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ -: أي:
فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل. اه (٥).
стр. 302
وقال - أيضا -: أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله قصدا منهم وافتراء. اه (١).
فمن أعرض عن تفسير كتاب الله بما تدل عليه ألفاظه وسياقاته فهو بهذا الذم أولى، وبذلك الوصف أحرى.
٣ - ومنها خبر الله عن كتابه بأنه عربي فقال: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾
[يوسف: ٢] وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى: ٧]، ونحوها من الآيات.
قال الإمام الشافعي - بعد أن ساق الآيات السابقة ونظائرها -: فأقام حجّته بأن كتابه عربيّ، في كل آية ذكرناها، ثم أكّد ذلك بأن نفى عنه - جل ثناؤه - كلّ لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه: فقال ﵎: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٠٣) [النحل: ١٠٣] وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] (٢).
إذا تقرر هذا فسبيل معرفة معانيه هو هذا اللسان الذي به نزل، فمن أراد فهم القرآن وتفسيره فمن هذه الجهة؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، كما قرر ذلك أئمة الإسلام.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس كل معنى صحيح يفسر به اللفظ لمجرد مناسبة، كالمناسبة التي بين الرؤيا والتعبير، وإن كانت خارجة عن وجوه دلالة اللفظ، كما تفعله القرامطة والباطنية؛ إذ دلالة اللفظ على المعنى سمعية، فلا بد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى بحيث قد دل على المعنى به، لا يكتفي في ذلك بمجرد أن
стр. 303
يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى؛ إذا الألفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم توضع لها لا يحصي عددها إلا الله. اه (١).
وقال الإمام الشاطبي: كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا مما يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل. اه (٢).
وقال في موضع آخر: فمن أراد تفهم القرآن فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة. اه (٣).
فيجب أن لا يحمل القرآن إلا على المعاني التي تدل عليها الألفاظ المفردة، والأساليب المركبة بأيّ نوع من أنواع الدلالة - على تفاوت في تقديم بعضها على بعض - سواء أكانت قطعية أم ظنية، وعلى هذا كافة تفاسير السلف الصالح، وأهل العلم والإيمان من هذه الأمة، كلّها جارية على ما تقضي به العربية في مدلولات ألفاظها، وما تدل عليه أدلة الشريعة، على عكس التفسير الباطني فكل ذلك مفقود فيه.
قال الإمام الشاطبي: وما نقل من فهم السلف الصالح في القرآن، فإنه كله جار على ما تقضي به العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية. اه (٤).
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد المسلّمة عند أهل العلم من سلف هذه الأمة، ومن تبعهم بإحسان، إذ جميع تفاسيرهم جارية وفق دلالات ألفاظ القرآن، ولم يخرج منها شيء عن ذلك.
стр. 304
فهم جميعا بهذا معتمدون لهذه القاعدة، وأقوالهم في إبطال تفاسير الباطنية التي أخرجت الألفاظ عن مدلولاتها كثيرة - سيأتي بعضها في الأمثلة إن شاء الله - تعالى -. ولم يعرض عن هذه القاعدة إلا الباطنية - قبحهم الله -؛ فلذلك سأكتفي هنا بذكر مقالتين لإمامين جليلين من أئمة الإسلام، اختصارا، واستغناء بما ظهر واشتهر من اعتماد مضمون هذه القاعدة.
أحدهما: شيخ الإسلام ابن تيمية.
فقد قعّد هذه القاعدة، وقررها أتم تقرير، وأصاب المحز في بيان وجه مخالفة المخالفين لها.
فقال ﵀: وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، فهذا أكثر ما فيه الخطأ من جهتين - حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان
- «إحداهما» قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، و «الثانية» قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزلة عليه، والمخاطب به.
ف «الأولون» راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان
وهم «صنفان» تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به، وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرد به، وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلا، فيكون خطؤهم في الدليل والمدلول، وقد يكون حقا فيكون خطؤهم في الدليل لا في المدلول … -[وهؤلاء]- عمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه، ومن هؤلاء فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، والمعتزلة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم
стр. 305
ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء وضلالهم دخلت الرافضة الإمامية، ثم الفلاسفة، ثم القرامطة وغيرهم فيما هو أبلغ من ذلك، وتفاقم الأمر في الفلاسفة والقرامطة والرافضة، فإنهم فسروا القرآن بأنواع لا يقضي العالم منها عجبه، فتفسير الرافضة كقولهم: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] هما أبو بكر وعمر، و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] أي: بين أبي بكر وعلي في الخلافة
وأعجب من ذلك قول بعضهم: ﴿وَالتِّينِ﴾ أبو بكر ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) عمر ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢) عثمان ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) علي، وأمثال هذه الخرافات التي تتضمن تارة تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال، فإن هذه الألفاظ لا تدل على هؤلاء الأشخاص. اه (١).
والآخر أبو حيان الأندلسي: قال - في مقدمة تفسيره - وربما ألممت بشيء من كلام الصوفية مما فيه بعض مناسبة لمدلول اللفظ، وتجنبت كثيرا، من أقاويلهم، ومعانيهم التي يحمّلونها الألفاظ، وتركت أقوال الملحدين الباطنية المخرجين الألفاظ القريبة عن مدلولاتها في اللغة إلى هذيان افتروه على الله - تعالى -، وعلى عليّ - كرم الله وجهه - وعلى ذريته، ويسمونه علم التأويل، وقد وقفت على تفسير لبعض رؤوسهم، وهو تفسير عجيب يذكر فيه أقاويل السلف مزدريا عليهم وذاكرا أنه ما جهل مقالاتهم، ثم يفسر هو الآية على شيء لا يكاد يخطر في ذهن عاقل، ويزعم أن ذلك هو المراد من هذه الآية وهذه الطائفة لا يلتفت إليها، وقد رد أئمة المسلمين عليهم أقاويلهم وذلك مقرر في علم أصول الدين، نسأل الله السلامة في عقولنا وأدياننا وأبداننا. اه (٢).
***
стр. 306
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد العظيمة التي ترد كل قول لم تدل عليه ألفاظ الآية الكريمة منطوقا أو مفهوما.
ومن التفاسير التي تعمل فيها هذه القاعدة:
أولا: تأويلات الباطنية قاطبة.
ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي.
أولا: التفسير الباطني:
١ - التفسير الباطني عند الرافضة:
من أمثله ذلك قول مفسرهم في تفسير قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] قال: الغسل عند لقاء كل إمام. اه (١).
ومنها - أيضا - قول مفسرهم عند قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) [التين: ١ - ٣].
قال: ﴿وَالتِّينِ﴾ رسول الله ﷺ ، و ﴿وَالزَّيْتُونِ﴾ (١) أمير المؤمنين ﵇، و ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ (٢) الحسن والحسين، و ﴿وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ (٣) الأئمة ﵈ (٢). اه وكتبهم مليئة بمثل هذه الخرافات والبهتان على كتاب الله (٣)، فما علاقة هذه الألفاظ بتلك المعاني المدّعاة؟!! منكر من القول وزور.
стр. 307
٢ - التفسير الباطني عند الصوفية:
من أمثلته ما جاء عنهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٢٦) [البقرة: ١٢٦].
قال مفسرهم: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا﴾ الصدر الذي هو حرم القلب ﴿بَلَداً آمِناً﴾ من استيلاء صفات النفس، واغتيال العدو للعين، وتخطّف جن القوى البدنية، أهله ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ من ثمرات معارف الروح، أو حكمه وأنواره ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من وحّد الله منهم وعلم المعاد، ﴿قالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾
أي: ومن احتجب أيضا من الذين سكنوا الصدر، ولا يجاوزون حدّه بالترقي إلى مقام العين لاحتجابهم بالعلم الذي وعاؤه الصدر، ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ من المعاني العقلية، والمعلومات الكلية النازلة إليهم من عالم الروح على قدر ما تعيشوا به. اه (١).
وقال آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦].
قال: … وأما باطنها فالجار ذو القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله، هذا باطن الآية. اه (٢).
قال الإمام الشاطبي: - معلقا على كلام التستري (٣) السابق -: وهو من المواضع المشكلة في كلامه، ولغيره مثل ذلك أيضا؛ وذلك أن الجاري على مفهوم كلام العرب في هذا الخطاب ما هو الظاهر، من أن المراد بالجار ذي القربي وما ذكر معه ما يفهم
стр. 308
منه ابتداء، وغير ذلك لا يعرفه العرب، لا من آمن، ولا من كفر، والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله، أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم، ولا أيضا ثمّ دليل يدل على صحة هذا التفسير، لا من مساق الآية - فإنه ينافيه -، ولا من خارج.
إذ لا دليل عليه كذلك، بل مثل هذا أقرب إلى ما ثبت رده ونفيه عن القرآن من كلام الباطنية، ومن أشبههم … وهذا كله إن صح نقله، خارج عن ما تفهمه العرب، ودعوى ما لا دليل عليه في مراد الله بكلامه (١).
وهكذا كل تفسير باطني فهو مردود بهذه القاعدة، فلا يقبل تفسير لا تدل عليه ألفاظ القرآن الكريم بدلالاتها؛ فالألفاظ قوالب المعاني، فهي التي تدل على المعنى، ومتى حاول المفسر للقرآن إلغاء ألفاظه ومدلولاتها، وفسّره بما هو خارج عن ألفاظه، وعما تدل عليه، ألغي تفسيره وردّ عليه.
واقتصرت على ذكر هؤلاء من الباطنية وهم كثر؛ لأنهم هم الذين أفردوا التفسير بالتأليف - على قصور علمي -، وأما غيرهم فحرفوا آيات معينة ولا يوجد لهم تفسير للقرآن كامل، وقد سبق في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن إلا بدليل يجب الرجوع إليه» شيء من تأويلاتهم (٢).
والله المستعان هو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 309
ثانيا: تأويلات دعاة التجديد، والشطط في التفسير العلمي التجريبي:
من أمثله ذلك ما قاله صاحب «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» (١) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأنبياء: ٧٩ - ٨١]، «يسبحن» يعبر عما تظهره الجبال من المعادن التي كان يسخرها داود في صناعته الحربية، «الطير» يطلق على ذي الجناح، وكل سريع السير من الخيل والقطارات البخارية، والطيارات الهوائية، «تجري بأمره» الآن تجري بأمر الدول الأوربية وإشارتها في التلغرافات، والتليفونات الهوائية. اه (٢).
قال الدكتور محمد حسين الذهبي - بعد أن نقل القول السابق -: وهذا بلا شك خروج صريح عن مدلولات النصوص القرآنية، وإلحاد في آيات الله - سبحانه - اه (٣).
стр. 310
المطلب الثاني:
قاعدة: ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه
* صورة القاعدة:
هذه القاعدة تضبط التفسير اللغوي، وتقيده بقبول السياق له، وأنه لا ينظر في التفسير اللغوي إلى ثبوته في اللغة فحسب بل لا بد مع ذلك من مراعاة السياق القرآني؛ لذلك خطئ قول من أهمل جانب السياق القرآني، وأسباب النزول، والقرائن التي حفت بالخطاب حال التنزيل، واعتمد على مجرد اللغة فحسب؛ لأن في ذلك إهمالا لغرض المتكلم به - سبحانه - من كلامه، ولكل كلمة معنى في سياق قد لا يصلح في سياق آخر.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي عليها عامة المفسرين، وصنيعهم في تفسير الآيات يدل على هذا، حيث نجدهم يضعّفون أقوالا ويردون أخرى على الرغم من ثبوت هذا المعنى للكلمة المفسّرة في اللغة، وهذه القضية من الظهور بمكان، وأشهر من أن يستدل لها، وفي أمثلة هذا البحث الشيء الكثير من ذلك.
١ - فمن هؤلاء الأئمة الإمام الطبري: وسيأتي في الأمثلة التطبيقية بعض النقول عنه في تقريره مضمون هذه القاعدة.
٢ - ومنهم الزمخشري: فنجده أحيانا يردّ بعض الأوجه في التفسير، ويطلق عليها أنها من بدع التفاسير، مع أن لها وجها في العربية غير أن السياق لا يقبلها فمن هذه المواضع قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٩) [الشعراء: ٨٩]:
стр. 311
ومن بدع التفاسير تفسير بعضهم السليم باللديغ من خشية الله. اه (١).
والعرب تطلق لفظ السليم على اللديغ تفاؤلا بالسلامة، والسّلم: لدغ الحية (٢).
٣ - ومنهم ابن عطية: ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ (١٠) [الرعد: ١٠] القول بأن معنى ﴿مُسْتَخْفٍ:﴾ الظاهر، من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته.
قال ابن عطية: وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بينا - فضعيف؛ لأن اقتران الليل بالمستخفي، والنهار بالسارب يرد على هذا القول. اه (٣).
٤ - ومنهم الإمام القرطبي: قال: فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربية كثر غلطة ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي، والنقل والسماع لا بدّ له منه في ظاهر التفسير أوّلا ليتقي به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط. اه (٤).
٥ - وقد أشار إلى مضمون هذه القاعدة شيخ الإسلام ابن تيمية حين ذكر الخلاف الذي مستنده الاستدلال لا النقل، وذكر الجهات التي يكثر فيها الخطأ، وحصرها في جهتين.
قال: الجهة الثانية: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده بكلامه من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به … فهؤلاء راعوا اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به ولسياق الكلام (٥). اه.
стр. 312
٦ - ومنهم الحافظ ابن كثير: فقد راعى هذه القاعدة في اختياره وترجيحه، ففي معرض ردّه لقول الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٧) [النجم: ٦ - ٧] إن المعنى: استوى هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم بالأفق الأعلى أي: استويا جميعا بالأفق وذلك ليلة الإسراء (١).
قال ابن كثير: وهذا الذي قاله من جهة العربية متجه؛ ولكن لا يساعده المعنى على ذلك (٢) اه.
٧ - وذكر مضمون هذه القاعدة الزركشي، قال في البرهان: اعلم أن القرآن قسمان:
أحدهما: ورد تفسيره بالنقل عمن يعتبر تفسيره، وقسم لم يرد، - إلى أن قال:
الثاني: ما لم يرد فيه نقل عن المفسرين، وهو قليل، وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها، واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرا في كتاب «المفردات» فيذكر قيدا زائدا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتنصه من السياق. اه (٣).
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة كثيرة، متمثلة في المنهج الذي انتهجه أبو عبيدة معمر بن المثنى (٤) في «مجاز القرآن» حيث جعل القرآن نصا عربيا مجردا، ولم يراع في
стр. 313
تفسيره سياق الآيات ولا أسباب النزول ولا المعاني الشرعية التي تدل عليها ألفاظ القرآن، ولا ما أثر من التفسير عن الصحابة والتابعين ولا عادات المخاطبين بهذا القرآن، جرّد تفسيره للآيات من هذا كله، ونزّله على المعاني العربية دون أن يحتكم إلى غير استعمال العرب للألفاظ والتراكيب - وقد أنكر عليه هذا المنهج جماعة من تلاميذه ومعاصريه ومن بعدهم (١).
فمن أمثلة اعتماده للعربية فقط دون نظر لسياق أو أسباب نزول أو مأثور التفسير عن الصحب الكرام وأئمة التابعين في التفسير قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]: بكلمة من الله أي بكتاب من الله، تقول العرب للرجل: أنشدني كلمة كذا وكذا أي قصيدة فلان وإن طالت. اه (٢).
قال الطبري: وقد زعم بعض أهل العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن معنى قوله: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ بكتاب من الله، من قول العرب: أنشدني فلان كلمة كذا، يراد به قصيدة كذا جهلا منه بتأويل الكلمة، واجتراء على ترجمة القرآن برأيه (٣) اه.
ومن أمثلة ذلك - أيضا - قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) [يوسف: ٤٩]:
أي به ينجون، وهو من العصر، وهي العصرة - أيضا - وهي المنجاة، قال:
ولقد كان عصرة المنجود (٤)
стр. 314
أي: المقهور المغلوب … اه (١).
قال الطبري - معلقا على هذا القول: وكان بعض من لا علم له بأقوال السلف من أهل التأويل ممن يفسر القرآن برأيه على مذهب كلام العرب يوجّه معنى قوله: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) - ثم ذكر قول أبي عبيدة ثم قال: وذلك تأويل يكفي من الشهادة على خطئه، خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين اهـ (٢).
ويدخل تحت أمثلة هذه القاعدة بعض أقوال المفسرين واللغويين في تفسير القرآن على وجه تحتمله العربية غير أن سياق الآيات لا يحتمله، وإن لم يكن ذلك منهجا لقائله.
وقد سبق ذكر بعض ذلك عند الحديث عن اعتماد العلماء لهذه القاعدة.
***
стр. 315
المطلب الثالث:
قاعدة: يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر
* صورة القاعدة:
يجب أن يفسر القرآن ويحمل على أحسن المحامل، وأفصح الوجوه، فلا يحمل على معنى ركيك، ولا لفظ ضعيف، وإنما يحمل على المعروف عند العرب من الأوجه المطردة دون الشاذّة والضعيفة، ويحمل على الأكثر استعمالا دون القليل والنادر، ويحمل على المعاني والعادات والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، دون ما حدث واستجد بعد التنزيل؛ وذلك لأن القرآن أفصح الكلام، ونزل على أفصح اللغات وأشهرها، فلا يعدل به عن ذلك كله وله فيها وجه صحيح.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
المراد ب «المعروف من كلام العرب» أي: المستعمل في كلامهم، سواء أكان ذلك الاستعمال مطردا وهو: الذي لا يتخلف البتة، ولا تعرف العرب غيره (١)، أم غالبا وهو: أكثر الاستعمال عليه؛ لكنه يتخلف أحيانا قليلة (٢).
وعلى كثرة الاستعمال مدار الفصاحة، فما كثر استعماله في ألسنة العرب الموثوق بعربيتهم فهو الفصيح، فإن تعارض قوة القياس وكثرة الاستعمال، فكثرة الاستعمال
стр. 316
هي المقدمة، وقد نص على ذلك كله غير واحد من أئمة العربية (١).
والمراد ب «الشاذ والضعيف والمنكر» يجمعها جميعا قلة الاستعمال فالشاذ: هو الذي يكون وجوده قليلا؛ لكن لا يجيء على القياس (٢)، والشذوذ يلحق القياس والاستعمال (٣).
والضعيف: ما انحط عن درجة الفصيح، ويكون في ثبوته كلام (٤).
والمنكر: هو أضعف من الضعيف، وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه (٥).
ومثلها القليل، ومثلها النادر: وهو ما قلّ وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس، وهو أقل من القليل (٦).
ويدخل تحت هذه القاعدة دخولا أوّليا، ما لم تستعمله العرب البتة ولم يرد في لسانها وقت نزول القرآن، وذلك كالاصطلاحات والمعاني الحادثة المستجدة والتي حدثت بعد عصر التنزيل؛ لأن الله - تعالى - خاطب العرب باللغة، والعادة، والعرف التي كانت موجودة وقت نزول القرآن لا بما حدث بعد ذلك، ومن فسر القرآن بتلك المعاني الحادثة فقد زعم أن الله خاطب العرب بما لم يعرفوا من لغتهم، وهو في زعمه مبطل.
فيجب أن يفسر القرآن وتفهم نصوصه بحسب مدلولاتها الشرعية والعرفية واللغوية في عصر نزول القرآن.
стр. 317
* أدلة القاعدة:
دلالة القرآن على هذه القاعدة واضحة جلية، وذلك من وجوه أذكر منها ما يلي (١):
١ - أن الله - تعالى - حض عباده على تدبر القرآن وتعقله فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩) [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤) [محمد: ٢٤] وأخبر - سبحانه - عن تيسيره للقرآن في تلاوته وحفظه، وفي فهمه وتدبره بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧) [القمر: ١٧].
وتدبره لا يكون إلا بفهم معانيه، ومن تيسير الله - تعالى - له أن تفهمه الأمة ثم تعمل به، وفهمه والعمل به لا بد لهما من العلم بمعانيه التي يحمل عليها، وهذا خطاب عام للأمة جميعا، ولا يكون لجمهور الأمة تدبر وتفهم لمعانيه إلا إذا كانت تلك المعاني هي المعروفة والمشهورة من لسان العرب، لا ما قل استعماله وندر، وإنّ حمله على المعاني الغريبة، أو النادرة، أو قليلة الاستعمال ينافي التيسير الذي امتنّ الله به على هذه الأمة في فهم كتابه والادكار به، فليس كل مخاطب بهذه الآيات يعلم ما قلّ وندر في استعمال العرب، فضلا عن كون العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون هذا المعنى؛ «لأن الله - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهاهم معنى ما خاطبهم به» (٢).
قال الإمام الشاطبي: إنما يصح - في مسلك الأفهام والفهم - ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني؛ فإن الناس - في الفهم وتأتي التكليف فيه - ليسوا على وزان واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها، … فيلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف،
стр. 318
واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه
فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيرهم اهـ (١).
٢ - ومنها أن الله - تعالى - أخبر أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال سبحانه:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾
(١٩٥) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] فهو نزل على أفصح اللغات وأكملها وأظهرها وأبينها، فحمله على خلاف ذلك مخالفة للسانه الذي نزل به، وخروج به عن حكمة الله - تعالى - في إنزاله على هذه الفصاحة.
٣ - ومنها أن الله - تعالى - وصف هذا القرآن بالبيان والهدى والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩) [النحل: ٨٩] مما يدل على أنه بيّن واضح في ألفاظه ومعانيه، فيه الهدى والرحمة للمسلمين جميعا، فلا يحتاج في إدراك معانيه تكلف وعناء، ومطاردة شواذ وغرائب المعاني وهذا لا يكون إلا بحمله على أفصح الوجوه وأشهرها، وأغلبها في استعمال المخاطبين.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
نص على هذه القاعدة، ورجح بها كثير من العلماء:
١ - منهم الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة: إنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ ، أو إجماع من أهل التأويل اهـ (٢).
стр. 319
وقال في موضع آخر: إن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب والأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها اهـ (١).
وقال في موضع آخر: وغير جائز حمل كتاب الله - تعالى - ووحيه - جل ذكره - على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود اه (٢).
وهذه القاعدة من القواعد التي ذكرها الطبري ورجح بها في مواضع كثيرة جدا - وستأتي الإحالة إلى بعضها في الأمثلة التطبيقية.
٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك اهـ (٣).
٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: ففي معرض ردّه على من جعل «إلا» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] بمعنى الواو أي: واللمم، قال: وكون «إلا» بمعنى الواو بعيد شاذ، ولو جعلت «إلا» بمعنى «لكن» لكان أقرب وأجود اهـ (٤).
٤ - ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾
[الزخرف: ١٥] قال: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء لغة اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول اهـ (٥).
٥ - ومنهم القاضي ابن عطية: فقد اعتمد هذه القاعدة في معرض ردّه لقول ابن
стр. 320
زيد في تفسير السّنة في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال ابن زيد:
الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل.
قال أبو محمد: وهذا فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب اهـ (١).
٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك اهـ (٢).
٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة رادّا على من خالفها بحمل ألفاظ الكتاب والسنة على معان حادثة -: الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك. اه (٣). واستعمل هذه القاعدة في الترجيح ونبّه عليها في مواضع (٤).
٨ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة تقريرا يشفي الغليل قال فيه:
للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.
فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير