← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

هي المقدمة، وقد نص على ذلك كله غير واحد من أئمة العربية (١). والمراد ب «الشاذ والضعيف والمنكر» يجمعها جميعا قلة الاستعمال فالشاذ: هو الذي يكون وجوده قليلا؛ لكن لا يجيء على القياس (٢)، والشذوذ يلحق القياس والاستعمال (٣). والضعيف: ما انحط عن درجة الفصيح، ويكون في ثبوته كلام (٤). والمنكر: هو أضعف من الضعيف، وأقل استعمالا بحيث أنكره بعض أئمة اللغة ولم يعرفه (٥). ومثلها القليل، ومثلها النادر: وهو ما قلّ وجوده وإن لم يكن بخلاف القياس، وهو أقل من القليل (٦). ويدخل تحت هذه القاعدة دخولا أوّليا، ما لم تستعمله العرب البتة ولم يرد في لسانها وقت نزول القرآن، وذلك كالاصطلاحات والمعاني الحادثة المستجدة والتي حدثت بعد عصر التنزيل؛ لأن الله - تعالى - خاطب العرب باللغة، والعادة، والعرف التي كانت موجودة وقت نزول القرآن لا بما حدث بعد ذلك، ومن فسر القرآن بتلك المعاني الحادثة فقد زعم أن الله خاطب العرب بما لم يعرفوا من لغتهم، وهو في زعمه مبطل. فيجب أن يفسر القرآن وتفهم نصوصه بحسب مدلولاتها الشرعية والعرفية واللغوية في عصر نزول القرآن.

стр. 317

* أدلة القاعدة: دلالة القرآن على هذه القاعدة واضحة جلية، وذلك من وجوه أذكر منها ما يلي (١): ١ - أن الله - تعالى - حض عباده على تدبر القرآن وتعقله فقال تعالى: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩) [ص: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤) [محمد: ٢٤] وأخبر - سبحانه - عن تيسيره للقرآن في تلاوته وحفظه، وفي فهمه وتدبره بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧) [القمر: ١٧]. وتدبره لا يكون إلا بفهم معانيه، ومن تيسير الله - تعالى - له أن تفهمه الأمة ثم تعمل به، وفهمه والعمل به لا بد لهما من العلم بمعانيه التي يحمل عليها، وهذا خطاب عام للأمة جميعا، ولا يكون لجمهور الأمة تدبر وتفهم لمعانيه إلا إذا كانت تلك المعاني هي المعروفة والمشهورة من لسان العرب، لا ما قل استعماله وندر، وإنّ حمله على المعاني الغريبة، أو النادرة، أو قليلة الاستعمال ينافي التيسير الذي امتنّ الله به على هذه الأمة في فهم كتابه والادكار به، فليس كل مخاطب بهذه الآيات يعلم ما قلّ وندر في استعمال العرب، فضلا عن كون العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لا يعرفون هذا المعنى؛ «لأن الله - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهاهم معنى ما خاطبهم به» (٢). قال الإمام الشاطبي: إنما يصح - في مسلك الأفهام والفهم - ما يكون عاما لجميع العرب، فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه بحسب الألفاظ والمعاني؛ فإن الناس - في الفهم وتأتي التكليف فيه - ليسوا على وزان واحد ولا متقارب، إلا أنهم يتقاربون في الأمور الجمهورية وما والاها، … فيلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة، بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف،

стр. 318

واشتركت فيه اللغات حتى كانت قبائل العرب تفهمه فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوري الذي يسع الأميين كما يسع غيرهم اهـ (١). ٢ - ومنها أن الله - تعالى - أخبر أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين فقال سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (١٩٥) [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] فهو نزل على أفصح اللغات وأكملها وأظهرها وأبينها، فحمله على خلاف ذلك مخالفة للسانه الذي نزل به، وخروج به عن حكمة الله - تعالى - في إنزاله على هذه الفصاحة. ٣ - ومنها أن الله - تعالى - وصف هذا القرآن بالبيان والهدى والرحمة، فقال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (٨٩) [النحل: ٨٩] مما يدل على أنه بيّن واضح في ألفاظه ومعانيه، فيه الهدى والرحمة للمسلمين جميعا، فلا يحتاج في إدراك معانيه تكلف وعناء، ومطاردة شواذ وغرائب المعاني وهذا لا يكون إلا بحمله على أفصح الوجوه وأشهرها، وأغلبها في استعمال المخاطبين. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: نص على هذه القاعدة، ورجح بها كثير من العلماء: ١ - منهم الإمام الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة: إنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى تأتي بخلاف ذلك مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه حجة يجب التسليم لها من كتاب، أو خبر عن الرسول ﷺ ، أو إجماع من أهل التأويل اهـ (٢).

стр. 319

وقال في موضع آخر: إن الكلام إذا تنوزع في تأويله، فحمله على الأغلب والأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ما لم تأت حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها اهـ (١). وقال في موضع آخر: وغير جائز حمل كتاب الله - تعالى - ووحيه - جل ذكره - على الشواذ من الكلام وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود اه (٢). وهذه القاعدة من القواعد التي ذكرها الطبري ورجح بها في مواضع كثيرة جدا - وستأتي الإحالة إلى بعضها في الأمثلة التطبيقية. ٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك اهـ (٣). ٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: ففي معرض ردّه على من جعل «إلا» في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] بمعنى الواو أي: واللمم، قال: وكون «إلا» بمعنى الواو بعيد شاذ، ولو جعلت «إلا» بمعنى «لكن» لكان أقرب وأجود اهـ (٤). ٤ - ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً﴾ [الزخرف: ١٥] قال: ومن بدع التفاسير تفسير الجزء بالإناث، وادعاء أن الجزء لغة اسم للإناث، وما هو إلا كذب على العرب، ووضع مستحدث منحول اهـ (٥). ٥ - ومنهم القاضي ابن عطية: فقد اعتمد هذه القاعدة في معرض ردّه لقول ابن

стр. 320

زيد في تفسير السّنة في قوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال ابن زيد: الوسنان الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل. قال أبو محمد: وهذا فيه نظر وليس ذلك بمفهوم من كلام العرب اهـ (١). ٦ - ومنهم العز بن عبد السلام: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة -: وعلى الجملة فالقاعدة في ذلك أن يحمل القرآن على أصح المعاني، وأفصح الأقوال، فلا يحمل على معنى ضعيف، ولا على لفظ ركيك اهـ (٢). ٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة رادّا على من خالفها بحمل ألفاظ الكتاب والسنة على معان حادثة -: الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك. اه (٣). واستعمل هذه القاعدة في الترجيح ونبّه عليها في مواضع (٤). ٨ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة تقريرا يشفي الغليل قال فيه: للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير

стр. 321

من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم - تعالى - بكلامه، وسنزيد هذا إن شاء الله - تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير، فهذا أصل من أصوله، بل هو أهم أصوله اهـ (١). وقال في موضع آخر في معرض ذكره لأنواع التأويل الباطل قال فيه: الرابع: ما لم يؤلف استعماله في ذلك المعنى في لغة المخاطب، وإن ألف في الاصطلاح الحادث، وهذا موضع زلت فيه أقدام كثير من الناس، وضلت فيه أفهامهم، حيث تأولوا كثيرا من ألفاظ النصوص بما لم يؤلف استعمال اللفظ له في لغة العرب البتة، وإن كان معهودا في اصطلاح المتأخرين، وهذا مما ينبغي التنبه له فإنه حصل بسببه من الكذب على الله ورسوله ما حصل اهـ (٢). وطبق هذه القاعدة في تحقيقه وترجيحه لبعض الأقوال في التفسير (٣). ٩ - ومنهم الإمام الشاطبي: قال مقررا هذه القاعدة: إنه لا بد في فهم الشريعة من اتباع معهود الأميين - وهم العرب الذين نزل القرآن بلسانهم - فإن كان العرب في لسانهم عرف مستمر، فلا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، وإن لم يكن ثم عرف فلا يصح أن يجري في فهمها على ما لا تعرفه. وهذا جار في المعاني، والألفاظ والأساليب … وإذا كان كذلك، فلا يستقيم للمتكلم في كتاب الله أو سنة رسول الله أن يتكلف فيهما فوق ما يسعه لسان العرب اه (٤). ١٠ - ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض بيانه للتفسير باللغة قال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف المشهور على الشاذ … اه (٥).

стр. 322

وغير هؤلاء كثير، تركت بعض أقوالهم خوف الإطالة (١). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: هذه القاعدة تعمل في التفاسير التالية وما شابهها: أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة. ثانيا التفسير الباطني. ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصريّ. رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة. أولا: تأويلات أهل الكلام والفلسفة: إن من أهم الأسباب التي دفعت بعض المفسرين للعدول في تفسير القرآن عن الفصيح إلى الركيك أو إلى ما لا يعرف من لسان العرب الذي نزل به القرآن هي تلك المذاهب التي اعتقدوها فأرادوا تصحيح مذاهبهم بحمل الآيات عليها، «فإذا حمل حامل آية من كتاب الله، أو لفظا من ألفاظ رسول الله ﷺ على أمثال هذه المحامل، وأزال الظاهر الممكن إجراء لمذهب اعتقده، فهذا لا يقبل» (٢)، ويرد على قائله. فمن أمثلة هذا تفسير طائفة من الجهمية والمعتزلة «الأفول» في قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦) [الأنعام: ٧٦] بالحركة والانتقال (٣). وقد تولى شيخ الإسلام ابن تيمية - وغيره - الرد عليهم في هذا من عدة وجوه، أحدها مضمون هذه القاعدة فقال ﵀:

стр. 323

الوجه الرابع: أن هذا القول الذي قالوه لم يقله أحد من علماء السلف أهل التفسير، ولا من أهل اللغة، بل هو من التفسيرات المبتدعة في الإسلام … ومن المعلوم بالضرورة من لغة العرب أنهم لا يسمون كل مخلوق موجود آفلا، ولا كل موجود بغيره آفلا، ولا كل موجود يجب وجوده بغيره لا بنفسه آفلا، ولا ما كان من هذه المعاني التي يعنيها هؤلاء بلفظ الإمكان، بل هذا أعظم افتراء على القرآن واللغة من تسمية كل متحرك آفلا، ولو كان الخليل أراد بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦) هذا المعنى، لم ينتظر مغيب الكوكب والشمس والقمر اهـ (١). وقال العلامة ابن القيم: ولا يعرف في اللغة التي نزل بها القرآن أن الأفول هو الحركة البتة في موضع واحد اهـ (٢). ثانيا التفسير الباطني: هذه القاعدة ترد كل تأويلات الباطنية، وإشارات الصوفية، فكل ذلك تفسير بما لا تعرف العرب من لسانها، فضلا عن أن يكون مستعملا على سبيل القلّة أو الندرة، فإذا كان يجب حمل القرآن على الأكثر استعمالا، والابتعاد به عن الأقل والنادر والشاذ ونحوها، فما بالك بما لا يعرف من لغتها وقت التنزيل مطلقا؟! فردّه بهذه القاعدة أولى وأحرى - كما سبق ذلك في بيان ألفاظ القاعدة. وقد سبق في بعض القواعد ذكر أمثلة لتفاسير الباطنية، فلا أطنب هنا بذكر أمثلة كثيرة، فمنهج القوم واحد، وأكتفي من ذلك بمثالين من تفسير القرآن العظيم لسهل التستري مع ذكر ردّ الإمام الشاطبي لهما بما تقتضيه هذه القاعدة.

стр. 324

المثال الأول: قال سهل التستري في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦]: باطنها الرسول، يؤمن به من أثبت الله في قلبه التوحيد من الناس اهـ (١). قال الإمام الشاطبي: وهذا التفسير يحتاج إلى بيان، فإن هذا المعنى لا تعرفه العرب، ولا فيه من جهتها وضع مجازي مناسب ولا يلائمة مساق بحال اهـ (٢). المثال الثاني: قال التستري في قول الله تعالى: ﴿وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]: وأمّا باطنها فالجار ذو القربي هو: القلب، والجار الجنب: هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو: العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو: الجوارح المطيعة لله اهـ (٣). وقال الإمام الشاطبي: - بعد أن ذكر معنى الآية: وغير ذلك لا تعرفه العرب، لا من آمن ولا من كفر [إلى أن قال بعد أن ساق بعض تفاسير الصوفية للآية]: وهذا كله خارج عما تفهمه العرب، ودعوي ما لا دليل عليه في مراد الله اهـ (٤). ثالثا: تأويلات دعاة التجديد العصري: حاولت مدرسة التجديد التوفيق بين العلوم العصرية ونصوص القرآن الكريم، وإن كلفهم ذلك تحميل الآيات ما لا تحتمل، أو حمل القرآن على ما لا يعرف في لسان العرب الذي نزل القرآن به، أو حمل القرآن على معان ونظريات علمية، بغض النظر عن كون هذه المعاني تحتملها الألفاظ أو لا؟ وتعرفها العرب من لسانها أو لا؟ - ومن ذلك تجويز محمد عبده وأتباعه تأويل «الطير الأبابيل» التي رمت أصحاب

стр. 325

الفيل بحجارة من سجيل - كما في سورة الفيل - بأن تكون من جنس الذباب أو البعوض أو الميكروبات، والحجارة: هي الجراثيم التي تنقل الأمراض الفتاكة. قال محمد عبده: فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات فإذا اتصل بجسد دخل في مسامه فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وأن كثيرا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالمكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصي عددها إلا بارئها اهـ (١). فهل تعرف العرب من لسانها - وقت نزول القرآن بالإخبار عن هذه الحادثة - هذه الميكروبات والجراثيم - التي اكتشفها العلم الحديث - فيفسر القرآن بها ويحمل عليها؟! قال د. محمد حسين الذهبي بعد أن ساق كلام محمد عبده المذكور آنفا: وهذا ما لا نقره عليه؛ لأن هذه الجراثيم التي اكتشفها الطب الحديث لم يكن للعرب علم بها وقت نزول القرآن، والعربي إذا سمع لفظ الحجارة في هذه السورة لا ينصرف ذهنه إلى تلك الجراثيم بحال من الأحوال، وقد جاء القرآن بلغة العرب خاطبهم بما يعهدون ويألفون … اه (٢). وقال الشيخ محمد الصادق عرجون: وهل في عرف اللغة العربية واستعمالاتها إطلاق لفظ «الطير» على الحيوان المسمى بالمكروب، فهل كان القوم المخاطبون في وقت المواجهة بالخطاب التعجيبي الذي افتتحت به السورة يعلمون شيئا عن هذا الحيوان

стр. 326

المسمى (بالمكروب) … أليس هذا تحميلا لآيات القرآن فوق طاقة أساليب العربية وفوق طاقة أفهام من نزل القرآن لتعجيبهم من شأن هذه الحادثة المبدعة إرهاصا لمقدم بعثة خاتم النبيين محمد ﷺ … وهذا ضرب من التعسف في التأويل المتملق لنظريات العلم المستحدثة وهو مذهب لكثير من المجددين في تفسير القرآن … اه (١). وقال د. فهد الرومي: بل إن الآية صرحت بإرسال الطير ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ﴾ (٣) وبين المخاطبين كثير ممن عاصر الحادث بل ممن شاهده وفيهم كثير من أعداء الرسول ﷺ فالسورة مكية ولو أنهم لم يروا هذا الطير الأبابيل رأي العين لبادروا إلى تكذيب القرآن وإنكارهم لرمي الطير لجيش أبرهة ولا يقبل أن يقال أنهم رأوا المكروب أو الجراثيم لأنهم لا يستطيعون رؤيتها ولا يقال أنهم رأوا الذباب أو البعوض لأنهم لا يرون الحجارة التي تحملها فكان لا بد أن يكونوا رأوا طيرا ورأوا الحجارة التي تحملها ورأوا الرمي ولا يهم بعد ذلك أن يكون هلاك الجيش بمجرد وقوع الحجر أو أن تكون هذه الحجارة قد أصابته بمرض من الأمراض فالقرآن لم يصرح بذلك بل ذكر هلاكهم بهذا العقاب الشديد اهـ (٢). رابعا: بعض أقوال المفسرين التي ليست مما سبق وخالفت القاعدة: الأصل في هذا النوع أن يكون ذلك الوجه الذي تضعّفه القاعدة وتخالفه، هو ما كان ضعيفا، أو نادرا، أو قليل الاستعمال في لغة العرب. وأمثلة هذا النوع كثيرة جدا: ١ - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢٧) [آل عمران: ٢٧]. اختلف المفسرون في المراد بقوله: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.

стр. 327

فقال بعضهم: أنه يخرج الحي من النطفة الميتة، ويخرج النطفة الميتة من الشيء الحي. وقال آخرون: أنه يخرج النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والسنبل من الحب، والحب من السنبل، والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض. وقال آخرون: أنه يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. قال الطبري - بعد أن ذكر هذه الأقوال، ورواها عن قائليها -: وأولى التأويلات التي ذكرناها في هذه الآية بالصواب تأويل من قال: يخرج الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء من النطف الميتة، وذلك إخراج الحيّ من الميت، ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحيّ والأنعام والبهائم الأحياء، وذلك إخراج الميت من الحيّ، وذلك أن كل حيّ فارقه شيء من جسده، فذلك الذي فارقه منه ميت، فالنطفة ميتة لمفارقتها جسد من خرجت منه، ثم ينشئ الله منها إنسانا حيا وبهائم وأنعاما أحياء، وكذلك حكم كل شيء حيّ زايله شيء منه، فالذي زايله منه ميت، وذلك هو نظير قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٨) [البقرة: ٢٨]. وأما تأويل من تأوّله بمعنى الحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة، والبيضة من الدجاجة، والدجاجة من البيضة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فإن ذلك وإن كان له وجه مفهوم، فليس ذلك الأغلب الظاهر في استعمال الناس في الكلام، وتوجيه معاني كتاب الله إلى الظاهر المستعمل في الناس، أولى من توجيهها إلى الخفي القليل في الاستعمال اهـ (١). ٢ - ومن أمثلة هذا النوع - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]. اختلف المفسرون في معني ﴿وَفارَ التَّنُّورُ:﴾ فقال بعضهم: انبجس الماء من وجه الأرض، وفار التنور، وهو وجه الأرض.

стр. 328

وقال آخرون: هو تنوير الصبح من قولهم: نوّر الصبح تنويرا. وقال آخرون: معنى ذلك: وفار على الأرض وأشرف مكان فيها بالماء، وقال التنور: أشرف الأرض. وقال آخرون: هو التنور الذي يختبز فيه. قال الإمام الطبري - بعد أن ساق هذه الأقوال مسندة إلى من قال بها -: وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله: ﴿التَّنُّورُ﴾ قول من قال: هو التنور الذي يخبز فيه؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب، إلا أن تقوم حجة على شيء منه بخلاف ذلك، فيسلم لها، وذلك أنه - جل ثناؤه - إنما خاطبهم بما خاطبهم به، لإفهامهم معنى ما خاطبهم به. اه (١).

стр. 329

ويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التالية: القاعدة الأولى: إذا دار الكلام بين الإضمار والزيادة، فالإضمار أولى. *صورتها: إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يقول بالإضمار في الآية، ومنهم من يقول بالزيادة فيها، والكلام محتمل لذلك، فقول القائل بالإضمار أولى؛ لأنه في كلام العرب أكثر من الزيادة (١). القاعدة الثانية: إذا دار الأمر بين الاشتراك والمجاز، قدم المجاز. *صورتها: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز، فالمجاز أولى؛ لأنه أكثر استعمالا من المشترك بالاستقراء - عند القائلين به -، والحمل على الأكثر أولى (٢). القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين المجاز والإضمار، قدم المجاز. وسبب تقديمه أنه أكثر في اللسان، والإضمار أقل منه، والكثرة تدل على الرجحان (٣). القاعدة الرابعة: إذا دار الأمر بين الاختلاف والتقدير كان التقدير أولى.

стр. 330

*صورتها: إذا دار الأمر بين اختلاف الجمل في العطف، بأن تعطف جملة اسمية على فعلية، وتقدير فعل، بحيث تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، فالتقدير أولى، وذلك لكثرة التقدير في كلام العرب، وقلة الاختلاف في تعاطف الجمل، والحمل على الأكثر أولى (١). ***

стр. 331

المطلب الرابع: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة * صورة القاعدة: الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة، ولا يجوز العدول به عنها وله فيها محمل صحيح. فيجب حمل نصوص الوحي وتفسيرها على حقائقها. فإذا تنازع المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يحمل ألفاظها على حقائقها، ومنهم من يدعي عليها المجاز ويحملها على معان مخالفة لما تدل عليه حقائقها. فقول من حملها على حقائقها هو الصواب، والذي يجب أن يعتمد ويصار إليه. ومن ادعى صرف شيء من ألفاظها عن حقيقته إلى مجازه لم يتم له ذلك إلا بعد أربع مقدمات: أحدها: بيان امتناع إرادة الحقيقة، وصحة ذلك. الثاني: بيان صلاحية اللفظ لذلك المعنى الذي عينه وإلا كان مفتريا على اللغة. الثالث: الجواب عن الدليل الموجب لإرادة الحقيقة. الرابع: أن تكون القرينة تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها (١). * بيان ألفاظ القاعدة: الحقيقة في اللغة مأخوذة من قولهم: حق الشيء إذا وجب. واشتقاقه من الشيء المحقق وهو المحكم، تقول ثوب محقق النّسج: أي

стр. 332

محكمة (١). وفي اصطلاح الأصوليين هي: كل لفظ بقي على موضعه ولم ينقل إلى غيره (٢). وهذه هي الحقيقة اللغوية. وقسيمها المجاز - عند القائلين به - وهو: استعمال الكلمة في غير ما وضعت له لعلاقة بينهما مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي (٣). *** * موقف العلماء من المجاز في اللغة والقرآن: اختلف العلماء في وقوع المجاز في اللغة وفي القرآن - والخلاف في ذلك مشهور معروف،، أقتصر منه على ذكر الخلاف دون حجج المانعين، والمجيزين، وجواب كل فريق؛ لأنه ليس مقصودي من ذكر هذه القاعدة -. فذهب بعض العلماء إلى منع وجود المجاز في اللغة، ورجح هذا القول وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية، وألف رسالة في الحقيقة والمجاز (٤)، وردّ القول به، وهدم حدّه الذي حدّ به (٥). وتبعه تلميذه العلاّمة ابن القيم، وعقد له فصلا في الصواعق المرسلة قال فيه: كسر الطاغوت الثالث وهو المجاز من خمسين وجها (٦). وذهب كثير من العلماء إلى القول بالمجاز في اللغة.

стр. 333

ثم اختلف هؤلاء في جواز إطلاقه في القرآن، فمنهم من أجازه (١)، ومنهم من منعه (٢). وقد ألف العلاّمة الشنقيطي رسالة في منعه سمّاها «منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز» تكلم فيها عن المسألة، وأدلة كل فريق، وأجاب عن الآيات التي ادعي فيها المجاز، وحرر رأيه بقوله: والذي ندين الله به ويلزم قبوله كل منصف محقق أنه لا يجوز إطلاق المجاز في القرآن مطلقا على كلا القولين، أما على القول بأنه لا مجاز في اللغة أصلا وهو الحق، فعدم المجاز في القرآن واضح، وأما على القول بوقوع المجاز في اللغة العربية فلا يجوز القول به في القرآن اهـ (٣). وعلى قول من أجاز وقوع المجاز في القرآن فالذي يجب الجزم به واعتقاده ولا تجوز مخالفته أن آيات الصفات، ومسائل الغيب كالجنة والنار والميزان والصراط ونحوها، وأخبار الأمم البائدة لا يدخلها المجاز البتة، وكل من ادعى فيها المجاز فهو في دعواه مبطل. * أدلة القاعدة: ١ - منها: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧) [القمر: ١٧] فأخبر - تعالى - أنه يسر كتابه للذكر، وتيسيره يتضمن أنواعا من التيسير: إحداها: تيسير ألفاظه للحفظ. الثاني: تيسير معانيه للفهم. الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.

стр. 334

وإن الانصراف في تفسيره وفهم معانيه عن الحقيقة التي تدل عليها ألفاظه إلى أنواع الاستعارات وضروب المجازات مناف لهذا التيسير الذي أخبر الله به عن كتابه. فلو كان فهم ألفاظه على حقائقها غير مراد، والمراد فهم ما يدل على خلاف حقائقها فأيّ تيسير يكون في ذلك؟! وأيّ تعقيد وتعسير يكون أعظم منه؟ (١). إذا تقرر هذا فإن كمال التيسير وأحسن التفسير في حمل ألفاظه على حقائقها وظاهرها. ٢ - ومنها: أن الله - تعالى - أخبر في كتابه عن كمال علمه - تعالى -، وعن علم نبيه ﷺ به - تعالى -، وبكتابه، وأخبر - تعالى - أنه بيّن كتابه بأحسن بيان كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (٣٣) [الفرقان: ٣٣]، فالحق هو المعنى والمدلول الذي تضمنه الكتاب، والتفسير الأحسن: هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق فهي تفسيره وبيانه (٢). وأخبر - سبحانه - أنه أنزل الكتاب على رسوله ليبينه لهم كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فكمال علم الله - تعالى - الذي تكلم بهذا القرآن، وكمال بيانه - تعالى - لكتابه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ ، وكمال نصحه للناس يقتضي ذلك كله أن يفهم القرآن، وتفسر ألفاظه على حقائقها وتحمل على ظاهرها. «وإن حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها، وخلاف حقائقها يقدح في علم المتكلم بها، وفي بيانه، وفي نصحه وفي فصاحتها، وتقرير ذلك أن يقال: إما أن يكون المتكلم بهذه النصوص عالما أن الحق في تأويلات المتأولين لها على خلاف حقائقها أو لا يعلم.

стр. 335

فإن لم يعلم ذلك والحق فيها كان ذلك قدحا في علمه، وإن كان عالما أن الحق فيها فلا يخلو: إما أن يكون قادرا على التعبير بعبارتهم واستعاراتهم المجازية التي صرفوا بها النصوص عن حقائقها. أو لا يكون قادرا على تلك العبارات. فإن لم يكن قادرا على التعبير بذلك لزم القدح في فصاحة كلامه وكان أولئك المحرفين لنصوص الوحي أقدر على تأدية المعاني منه، وأفصح كلاما، وأحسن بيانا وتعبيرا عن الحق، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة. وإن كان قادرا على ذلك، ولم يتكلم به، وتكلم دائما بخلافه وما يناقضه كان ذلك قدحا في نصحه» (١) فبطل بهذا أن يكون الهدى والبيان في حمل نصوص الوحي على خلاف حقائقها، واتضح أن الحق والهدى والبيان في حملها على حقائقها، خاصة نصوص صفات الباري - سبحانه - ومسائل الغيب. ٣ - ومنها: أنه قد حكى غير واحد الإجماع على أن المجاز خلاف الأصل، والأصل هو الحقيقة، ولم يخالف في ذلك أحد، حتى الذين استعملوا المجاز لتحريف بعض نصوص الوحي التي تخالف معتقدهم يقررون أن الأصل في الكلام الحقيقة ولا يجوز صرف الكلام عنها إلا عند تعذر حمله عليها، وإن خالفوا هذا عند التطبيق. قال الرازي: وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الكلام إلى المجاز إلا بعد تعذر حمله على الحقيقة اهـ (٢). وقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة اهـ (٣).

стр. 336

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهم يكادون يتفقون على أصلها وهو أن الأصل في الكلام الحقيقة - كما سيأتي تصريحهم بهذا - فمن هؤلاء الأئمة: ١ - الإمام الطبري: وإن كنت لم أقف على نص له يصرح فيه بهذه القاعدة، إلا أنه رجح في أمثلتها وفق ما ترجح القاعدة (١). ٢ - ومنهم الإمام ابن عبد البر: قال مقررا هذه القاعدة: وحمل كلام الله - تعالى - وكلام نبيه ﷺ على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق؛ لأنه يقص الحق، وقوله الحق، ﵎ علوا كبيرا - اه (٢). ٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ (١): قيل: هو حقيقة، وقيل: عبّر به عن دمشق، أو جبالها، أو مسجدها، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل اهـ (٣). ٤ - ومنهم القاضي أبو محمد بن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨) [الأعراف: ٨] وذكر الخلاف في معنى الوزن والموازين إلى أن قال - معقبا على القول بأن الميزان حقيقي له عمود وكفتان: قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أصح من الأول من جهات: أولها: أن ظواهر كتاب الله تقتضيه، وحديث الرسول ﵇ ينطق به، من ذلك قوله لبعض الصحابة وقد قال له: يا رسول الله أين أجدك يوم

стр. 337

القيامة؟ فقال: «اطلبني عند الحوض فإن لم تجدني فعند الميزان» (١) ولو لم يكن الميزان مرئيا محسوسا لما أحاله رسول الله ﷺ على الطلب عنده. وجهة أخرى: أن النظر في الميزان والوزن والثقل والخفة المقترنات بالحساب لا يفسد شيء منه ولا تختل صحته، وإذا كان الأمر كذلك فلم نخرج من حقيقة اللفظ إلى مجازه دون علة؟ وجهة ثالثة: وهي أن القول في الميزان هو من عقائد الشرع الذي لم يعرف إلا سمعا، وإن فتحنا فيه باب المجاز غمرتنا أقوال الملحدة والزنادقة في أن الميزان، والصراط، والجنة، والنار والحشر، ونحو ذلك إنما هي ألفاظ يراد بها غير الظاهر. قال القاضي أبو محمد: فينبغي أن يجري في هذه الألفاظ إلى حملها على حقائقها اهـ (٢). ٥ - ومنهم الرازي: فهو ممن يقرر هذه القاعدة بل حكى الإجماع عليها - كما سبق في أدلة القاعدة - واستعملها في الترجيح بين الأقوال في غير آيات الصفات (٣)، أمّا إذا جاءت آيات الصفات فإنه يهرع إلى المجاز، ويخالف القاعدة مدعيا أنه لا يمكن حملها على الحقيقة لما فيها من التشبيه، وقد أعمل في كل ذلك العقل، وأفسد معاني النصوص وحملها على غير محاملها؛ لأجل ما اعتقد من اعتقاد باطل. ٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فموقفه من تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز مشهور، وهو ينكر المجاز في اللغة وفي القرآن (٤)؛ ولكني أذكر هنا حكايته اتفاق القائلين بالمجاز على أن الأصل في الكلام الحقيقة، بما يؤيد هذه القاعدة.

стр. 338

قال ﵀: ومن قسم الكلام إلى حقيقة ومجاز متفقون على أن الأصل في الكلام هو الحقيقة، وهذا يراد به شيئان: يراد به أنه إذا عرف معنى اللفظ. وقيل: هذا الاستعمال مجاز قيل: بل الأصل الحقيقة وإذا عرف أن للفظ مدلولين: حقيقي ومجازي فالأصل أن يحمل على معناه الحقيقي: فيستدل تارة بالمعنى المعروف على دلالة اللفظ عليه، وتارة باللفظ المعروف دلالته على المعنى المدلول عليه اهـ (١). ٧ - ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ١٨٩] قال في معرض ترجيحه لأحد الأقوال بهذه القاعدة: وهذه الأسباب -[يعني أسباب النزول]- تضافرت على أن البيوت أريد بها الحقيقة، وأن الإتيان هو المجيء إليها، والحمل على الحقيقة أولى من ادعاء المجاز. اه (٢). ٨ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد أطنب في إبطال دعوى جواز حمل نصوص الوحي على خلاف ظاهرها وحقيقتها، وأن ذلك ينافي قصد البيان والإرشاد والهدى، وينافي كمال علم المتكلم وفصاحته ونصحه، وينافي تيسير القرآن للذكر، ولو أراد الله ورسوله من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذي يفهمه المخاطب، لكان قد كلفه أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل يما يدل على نقيض مراده (٣). ٩ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره قال فيها: الثامن: تقديم الحقيقة على المجاز، فإن الحقيقة أولى أن يحمل عليها اللفظ عند الأصوليين اهـ (٤). ١٠ - ومنهم السيوطي: فقد ذكرها في القواعد الفقهية، قال: قاعدة: الأصل في

стр. 339

الكلام الحقيقة اهـ (١) وفرع عليها فروعا فقهية، وهي من القواعد الأصولية المقررة عند علماء الأصول (٢). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] وقوله تعالى: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقد سبق ذكر هذا المثال في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن … » ونبهت هناك على وجه تأييد قاعدة «يجب حمل نصوص الوحي على الحقيقة» لتلك القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، ووعدت هناك ببسط الحديث عنها هنا، وهذا أوان الوفاء بالوعد. وسوف أقتصر هنا على ما يتعلق بهذه القاعدة فقط إتماما لما سبق الحديث عنه في قاعدة «لا يجوز العدول عن ظاهر القرآن … ». فذهب المعتزلة وطائفة من الأشاعرة (٣) إلى أن المراد باليدين: النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا: القدرة (٤).

стр. 340

وذهب أهل السنة إلى إثبات صفتين ذاتيتين هما اليدان، وهذا هو الحق الذي نطق به القرآن والسنة، والدلائل على إثبات صحته، وإبطال غيره كثيرة. * منها: هذه القاعدة «حيث إن القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد، فيراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله «عندي» والتعبير باليد عن القدرة إنما يثبت ذلك بقرينة، وهو أن يقول: لفلان عليّ يد، فقوله «عليّ» قرينة تدل على أن المراد باليد القدرة» (١). ولا قرينة هنا فوجب حملها على الحقيقة. * ومنها: أنه لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع يمنع من إجرائها على ظاهر الخطاب. الثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها. والثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها فينتقل عنها إلى مجازها. فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله - تعالى - ممتنع لعارض يمنع. فليس بصحيح، من جهة أن الباري - تعالى - ذات قابلة للصفات المساوية لها

стр. 341

في الإثبات، فإن الباري - سبحانه - في نفسه ذات لا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، امتنع عنه المثل، فالنفار من قولنا «يد» مع هذه الحال، كالنفار من قولنا «ذات» ولا فرق بينهما في الإثبات، فإذا أقروا بالذات لزمهم الإقرار باليد التي هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها. وإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة تدل على صلاحية نقلها عن حقيقتها إلى مجازها، فذلك محال من جهات: إحداها: أن إضافة الفعل - «الخلق» - إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقة، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة. والثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد، فعندي قرينة تدل على النعمة، وإذا أريد بها القدرة قال لفلان عليّ يد ف «عليّ» هي القرينة الدالة على القدرة، وكلاهما معدومان ههنا. والثالثة: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد من إثبات العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية الداخل على جميع ذلك فحصل مثل وشبيه، وقد بينا أن ذلك محال في حقه؛ لأن نسبة اليد إليه - تعالى - كنسبة الذات إليه، على ما تقرر، فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة النافي لإثباتها الموجب لإبدالها بالمجاز. وإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد - وهو ذات الباري - لا يصلح لإثبات اليد الحقيقة، فهذا محال، من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على سبيل الحقيقة كالوجود والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات على ما قدمناه (١).

стр. 342

ويدخل تحت هذه القاعدة: قاعدة: إذا احتمل اللفظ التخصيص والمجاز، حمل على التخصيص (١)، وذلك؛ لأن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز. كما في قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فإنه يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليل مخصص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد به البعض،

стр. 343

فيقدم التخصيص لأمرين: أحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز. الثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة (١). ***

стр. 344

المطلب الخامس: قاعدة إذا اختلفت الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت الشرعية * صورة القاعدة: إذا دار كلام الشارع بين مسمى شرعي، ومسمى لغوي ولا دليل يعين أحدهما، فيجب حمله على المسمى الشرعي؛ لأنه عرفه، ويجب أن يحمل كلام كل أحد على عرفه الخاص به، ولما سيأتي من أدلة على ذلك، فإن قام دليل على تعيين أحدهما فلا ترجيح إذا بهذه القاعدة، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فلفظة «صلّ» مختلف فيها المعنى الشرعي والمعنى اللغوي، إلا أنه لم يرجّح المعنى الشرعي فيها لقيام الدليل على إرادة المعنى اللغوي، لحديث عبد الله بن أبي أوفى (١) قال: «كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللهم صلّ على آل أبي أوفى» (٢) (¬،٣). *** * بيان ألفاظ القاعدة: تنقسم الحقيقة إلى لغوية وعرفية وشرعية، لأن الوضع المعتبر فيه: إما وضع اللغة، وهي اللغوية، وهي: استعمال اللفظ في موضعه الأصلى، كالأسد للحيوان

стр. 345

المفترس أولا. وأما وضع الشارع وهي الشرعية، والمراد بها ما عرفت فيه التسمية الخاصة من قبل الشرع، كالصلاة للأركان وقد كانت في اللغة للدعاء أولا، وأمّا عرف الاستعمال، وهي العرفية (١)، وسيأتي الحديث عنها في القاعدة التالية - إن شاء الله تعالى. *** * أدلة القاعدة: أولا: أن القرآن أساس الشريعة، والنبي ﷺ بعث لبيان الأحكام الشرعية التي لا تعرف إلا من جهته، لا لتعريف ما هو معروف لأهل اللغة فوجب حمل اللفظ عليه لما فيه من موافقة مقصود البعثة (٢). ثانيا: أننا لو حملنا اللفظ على تعريف المعنى اللغوي كانت فائدة لفظ الشارع التأكيد، بتعريف ما هو معروف لنا، ولو حملناه على تعريف الحكم الشرعي كانت فائدته التأسيس وتعريف ما ليس معروفا لنا، وفائدة التأسيس أصل، وفائدة التأكيد تبع، فكان حمله على التأسيس أولى (٣)، وسيأتي الكلام عنها في قاعدة مستقلة. ثالثا: أن الأحكام تتعلق بالاسم الشرعي دون اللغوي (٤)، فوجب حمله عليه. رابعا: أن المعنى الشرعي كالناسخ المتأخّر - أي متأخر عن المعني اللغوي - فيجب حمله عليه (٥). خامسا: أن حمل خطاب الله - تعالى - على المسميات الشرعية يفيد تقرير معنى

стр. 346

شرعي أو حكم شرعي، ولا تتحقق هذه القاعدة عند حمله على المسميات اللغوية، وإذا دار أمر الخطاب بين حمله على معنى يؤدي فائدة شرعية وبين حمله على معنى خال عن هذه الفائدة، كان حمله على المعنى الذي يحققها أولى من حمله على غيره؛ لأن حمله على غيره إهمال لتلك الفائدة، ولا شك أن إعمال الكلام أولى من إهماله (١). سادسا: القاعدة: أن من له عرف وعادة في لفظ إنما يحمل لفظه على عرفه، فإن كان المتكلم هو الشرع حملنا لفظه على عرفه (٢). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة جمهور العلماء من المفسرين، والفقهاء، والأصوليين، وغيرهم. ١ - فمن هؤلاء أبو الحسن الماوردي: قال - مقررا هذه القاعدة في معرض كلامه على القسم الثالث من أقسام التفسير وهو ما يرجع إلى اجتهاد العلماء -: والقسم الثالث: ما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء، وهو تأويل المتشابه، واستنباط الأحكام، وبيان المجمل، وتخصيص العموم، والمجتهدون من علماء الشرع أخص بتفسيره من غيرهم حملا لمعاني الألفاظ على الأصول الشرعية، حتى لا يتنافي الجمع بين معانيها وأصول الشرع، فيعتبر فيه حال اللفظ، فإنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن يكون مشتملا على معنى واحد لا يتعداه، ومقصورا عليه ولا يحتمل ما سواه، فيكون من المعاني الجلية والنصوص الظاهرة، التي يعلم مراد الله - تعالى -

стр. 347

بها قطعا من صريح كلامه، وهذا قسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله. والقسم الثاني: أن يكون اللفظ محتملا لمعنيين أو أكثر، وهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون أحد المعنيين ظاهرا جليا، والآخر باطنا خفيّا فيكون محمولا على الظاهر الجلي دون الباطن الخفي، إلا أن يقوم الدليل على أن الجليّ غير مراد، فيحمل على الخفي. والضرب الثاني: أن يكون المعنيان جليّين، واللفظ مستعملا فيهما حقيقة، وهذا على ضربين: أحدهما: أن يختلف أصل الحقيقة فيهما، فهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة، والآخر مستعملا في الشرع، فيكون حمله على المعنى الشرعيّ أولى من حمله على المعني اللّغويّ، لأن الشرع ناقل اهـ (١). ٢ - ومنهم الفخر الرازي: فقد قرر هذه القاعدة في محصوله - كما سيأتي الإحالة إليه - وطبّقها في تفسيره (٢). ٣ - ومنهم الزركشي: فقد قرر هذه القاعدة، ونقل مضمون كلام الماوردي السابق، إلى أن قال: أن يكونا - أي المعنيين - جليين، والاستعمال فيهما حقيقة. وهذا على ضربين: أحدهما: أن تختلف أصل الحقيقة فيهما، فيدور اللفظ بين معنيين هو في أحدهما حقيقة لغوية، وفي الآخر حقيقة شرعية، فالشرعية أولى إلا أن تدل قرينة على إرادة اللغوية نحو قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] … ولو دار بين الشرعية والعرفية فالشرعية أولى؛ لأن الشرع

стр. 348

ألزم (١) اه (٢). ٤ - ومنهم العلاّمة ابن الوزير: ففي معرض كلامه على مراتب التفسير فيما يرجع منه إلى الدراية، قال إنه يرجع إلى سبعة أنواع، وفي النوع الخامس منها قرر هذه القاعدة فقال: وينبغي التنبيه في هذا النوع لتقديم المعروف على الشاذ وتقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية اهـ (٣). ٥ - ومنهم العلاّمة الألوسي: فقد رجح بها (٤)، كما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله - تعالى -. ٦ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: يقول - مقررا هذه القاعدة -: والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق خلافا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية ولمن قال يصير اللفظ مجملا لاحتمال هذا وذاك اهـ (٥). ٧ - وقال الشيخ محمد العثيمين في أصول التفسير: وإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي أخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيؤخذ به اهـ (٦).

стр. 349

٨ - وهي قاعدة أصولية قررها علماء الأصول في مصنفاتهم (١)، فقد قرروا أن خطاب الشارع إذا ورد بلفظ له حقيقة في اللغة، وحقيقة في الشرع كالوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج ونحوها، فإنه يجب حمل ذلك على عرف الشرع، على أرجح المذاهب في المسألة (٢). *** * المخالفون للقاعدة والجواب على قولهم: نازع في هذه القاعدة الإمام أبو حنيفة، وبعض الأصوليين فذهب الإمام أبو حنيفة إلى تقديم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية، وحجته في هذا أن المعنى الشرعي مجاز، والكلام لحقيقته، إلا أن يدل دليل على المجاز، بناء على أن اللفظ في الأصل موضوع لمعناه اللغوي، فإذا نقل إلى المعنى الشرعي صار مجازا (٣). وذهب بعض الأصوليين إلى أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة الشرعية، فإنه يصير مجملا (٤)، وذلك لتردده بينهما؛ لأن النبي ﷺ يناطق العرب بلغتهم، كما يناطقهم بعرف شرعه، إلا أن ترد قرينة ترجح إحداهما (٥).

стр. 350

ويجاب عما استدل به الحنفية، بأن اللفظ لما نقل من العرف اللغوي إلى عرف الشرع ترك المعنى اللغوي، وصار حقيقة شرعية؛ لأن المتبادر عند إطلاقه هو المعنى الشرعي، والمتبادر من إطلاقه الحقيقة (١)، فهو بالنسبة إلى الشرع حقيقة وإلى اللغة مجاز (٢). وأما القول بالإجمال إلا بقرينة، فيجاب عنه بأن أقوى قرينة ترجح إرادة الحقيقة الشرعية هي كون النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات ولم يبعث لبيان الحقائق اللغوية (٣). وأدلة هذه القاعدة توضح بجلاء تام صحتها وضعف قول المخالفين لها. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) [فصلت: ٦ - ٧]. اختلف المفسرون في المراد بقوله: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾. فقال بعضهم معناه: الذين لا يعطون الله الطاعة التي تطهرهم، وتزكي أبدانهم ولا يوحدونه. ويروى هذا القول عن ابن عباس وعكرمة غيرهما. وقال آخرون: بل معناه: الذين لا يقرون بزكاة أموالهم التي فرضها الله فيها، ولا يعطونها أهلها. ويروى هذا القول عن قتادة والحسن وغيرهما (٤). وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك أن من حمل معنى الزكاة على تزكية وتطهير أنفسهم بفعل الطاعة حملها على أصل المعنى اللغوي لها، وهو النماء

стр. 351

والزيادة والطهارة والصلاح (١). وأما من حملها على زكاة المال يعني صدقة المال، ففسرها بالمعنى الشرعي لها، والحقيقة الشرعية مقدمة في تفسير كلام الشارع كما تقرر هذه القاعدة - ما لم يرد دليل يمنع من أرادتها، ولا دليل هنا. وهذا القول الذي ترجحه هذه القاعدة، قد رجحه جماعة من المفسرين. قال الطبري - بعد أن ذكر القولين -: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن قوله في: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) دليل على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) معنى؛ لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنى بها زكاة الأموال اهـ (٢). وقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين اهـ (٣). وهو اختيار ابن جزيّ (٤)، والألوسي (٥)، وعليه اقتصر آخرون كالفراء (٦)، والزجاج (٧)،

стр. 352

والرازي (١)، وغيرهم. وأمّا الذين اختاروا القول الأول كابن عطية (٢)، وغيره فاحتجوا على ذلك أن سورة فصلت نزلت بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المفروضة إنما فرضت بالمدينة بعد الهجرة بسنتين، فدلّ ذلك على أن المراد بالزكاة تزكية النفس بالتوحيد والطاعة لله رب العالمين. والجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن تكون السورة والآية مكيّة والمراد بها زكاة المال، بأن فرض أصل الزكاة في مكة وفصّلت المقادير وبقية الأحكام في المدينة فيكون المراد أصل الصدقة كما هو في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣).

стр. 353

* تنبيه: «القرآنيون (١) وموقفهم من الحقائق الشرعية»: مما يحسن التنبية عليه في هذا المقام - بمناسبة الكلام على ترجيح الحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية في تفسير القرآن عند اختلافها - ذلك المنهج الخطير الذي سلكته هذه الفرقة في تفسير القرآن، وهو اعتمادهم على اللغة العربية كليا في شرح مفردات القرآن، ومعانيه، وأحكامه، وجعل ذلك أصلا من أصول التفسير عندهم (٢)، ويريدون من هذا التفسير بهذا الشكل إبطال الحقائق الشرعية، واجتثاثها من أصولها، لهدم شريعة الإسلام، فهم يفسرون الألفاظ والحقائق الشرعية وفق معانيها في أصل اللغة، ولا يعترفون لها بمعان وحقائق شرعية، حتى لو كانت مما أصبح علما على أمر معين من الأمور الشرعية كالصلاة والزكاة والطواف وغيرها واعتمادا على هذا المسلك الخطير نفى أكثر القرآنيين جلّ الحقائق الشرعية المستفادة من الألفاظ التي خصها الشارع لها، ومن أمثلة ذلك قولهم في تفسير الطواف: ليس معنى الطواف أن ندور حول البيت، بل معناه أن نتردد بين الحين والآخر، وهو المقصود لقوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾

стр. 354

﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] (١)، ولهم طوامّ ليس هذا موضع ذكرها.

стр. 355

المطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية * صورة القاعدة: إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، لدليل صارف عنها، أو لكونه لا معنى شرعيا له، ثم كان هذا اللفظ دائرا بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، ولا دليل يوجب حمل اللفظ على إحداهما، فالحمل على العرفية أرجح. *** * بيان ألفاظ القاعدة: «الحقيقة العرفية». سبق بيان معنى الحقيقة. والعرف في اللغة: ضد النّكر، يقال أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف، والعارفة خلاف النّكر، وهو كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه (١). وفي الاصطلاح الفقهي: هو عادة جمهور قوم في قول أو عمل (٢). وأمّا إثبات الاسم من جهة عرف الاستعمال فهو: أن يكون اللفظ في اللغة موضوعا لمعنى إلا أن الناس استعاروه في غيره، واستعملوه فيه، وكثر استعمالهم له حتى غلب على ما وضع له اللفظ في اللغة (٣).
следующие страницы →