← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والزيادة والطهارة والصلاح (١). وأما من حملها على زكاة المال يعني صدقة المال، ففسرها بالمعنى الشرعي لها، والحقيقة الشرعية مقدمة في تفسير كلام الشارع كما تقرر هذه القاعدة - ما لم يرد دليل يمنع من أرادتها، ولا دليل هنا. وهذا القول الذي ترجحه هذه القاعدة، قد رجحه جماعة من المفسرين. قال الطبري - بعد أن ذكر القولين -: والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: معناه: لا يؤدّون زكاة أموالهم، وذلك أن ذلك هو الأشهر من معنى الزكاة، وأن قوله في: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) دليل على أن ذلك كذلك؛ لأن الكفار الذين عنوا بهذه الآية كانوا لا يشهدون أن لا إله إلا الله، فلو كان قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مرادا به الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله لم يكن لقوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) معنى؛ لأنه معلوم أن من لا يشهد أن لا إله إلا الله لا يؤمن بالآخرة، وفي إتباع الله قوله: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٧) قوله: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ما ينبئ عن أن الزكاة في هذا الموضع معنى بها زكاة الأموال اهـ (٢). وقال ابن كثير: وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين اهـ (٣). وهو اختيار ابن جزيّ (٤)، والألوسي (٥)، وعليه اقتصر آخرون كالفراء (٦)، والزجاج (٧)،

стр. 352

والرازي (١)، وغيرهم. وأمّا الذين اختاروا القول الأول كابن عطية (٢)، وغيره فاحتجوا على ذلك أن سورة فصلت نزلت بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المفروضة إنما فرضت بالمدينة بعد الهجرة بسنتين، فدلّ ذلك على أن المراد بالزكاة تزكية النفس بالتوحيد والطاعة لله رب العالمين. والجواب عن ذلك أنه غير ممتنع أن تكون السورة والآية مكيّة والمراد بها زكاة المال، بأن فرض أصل الزكاة في مكة وفصّلت المقادير وبقية الأحكام في المدينة فيكون المراد أصل الصدقة كما هو في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٣).

стр. 353

* تنبيه: «القرآنيون (١) وموقفهم من الحقائق الشرعية»: مما يحسن التنبية عليه في هذا المقام - بمناسبة الكلام على ترجيح الحقائق الشرعية على الحقائق اللغوية في تفسير القرآن عند اختلافها - ذلك المنهج الخطير الذي سلكته هذه الفرقة في تفسير القرآن، وهو اعتمادهم على اللغة العربية كليا في شرح مفردات القرآن، ومعانيه، وأحكامه، وجعل ذلك أصلا من أصول التفسير عندهم (٢)، ويريدون من هذا التفسير بهذا الشكل إبطال الحقائق الشرعية، واجتثاثها من أصولها، لهدم شريعة الإسلام، فهم يفسرون الألفاظ والحقائق الشرعية وفق معانيها في أصل اللغة، ولا يعترفون لها بمعان وحقائق شرعية، حتى لو كانت مما أصبح علما على أمر معين من الأمور الشرعية كالصلاة والزكاة والطواف وغيرها واعتمادا على هذا المسلك الخطير نفى أكثر القرآنيين جلّ الحقائق الشرعية المستفادة من الألفاظ التي خصها الشارع لها، ومن أمثلة ذلك قولهم في تفسير الطواف: ليس معنى الطواف أن ندور حول البيت، بل معناه أن نتردد بين الحين والآخر، وهو المقصود لقوله : ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾

стр. 354

﴿بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨] (١)، ولهم طوامّ ليس هذا موضع ذكرها.

стр. 355

المطلب السادس: قاعدة: إذا اختلفت الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله - تعالى - قدمت العرفية * صورة القاعدة: إذا لم يمكن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية، لدليل صارف عنها، أو لكونه لا معنى شرعيا له، ثم كان هذا اللفظ دائرا بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، ولا دليل يوجب حمل اللفظ على إحداهما، فالحمل على العرفية أرجح. *** * بيان ألفاظ القاعدة: «الحقيقة العرفية». سبق بيان معنى الحقيقة. والعرف في اللغة: ضد النّكر، يقال أولاه عرفا أي معروفا، والمعروف، والعارفة خلاف النّكر، وهو كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئن إليه (١). وفي الاصطلاح الفقهي: هو عادة جمهور قوم في قول أو عمل (٢). وأمّا إثبات الاسم من جهة عرف الاستعمال فهو: أن يكون اللفظ في اللغة موضوعا لمعنى إلا أن الناس استعاروه في غيره، واستعملوه فيه، وكثر استعمالهم له حتى غلب على ما وضع له اللفظ في اللغة (٣).

стр. 356

وقد قسم الإمام الشاطبي العادات إلى قسمين: الأول: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا أو نهى عنها كراهة أو تحريما أو أذن فعلا وتركا. والآخر: العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه أو إثباته دليل، فأما الأول فثابت كسائر الأمور الشرعية (١)، فالمنظور فيه هو الدليل الشرعي الذي حكم عليها، ولا يدخل هذا تحت العرف والعادة المرادة هنا، ولذلك لن أورد في شروطه شرط عدم مخالفته لنصوص شرعية اكتفاء بإخراجه هنا. وأما الآخر فهو المراد وسواء أكانت هذه العادة أو العرف قولا أم عملا، فإن كلامي في هذا الجانب يقتصر على ما كان متعلقا بخطاب الشارع، لا بأقوال وأعمال المكلفين؛ لأنه تفسير لكلام الله كما هو معلوم، أمّا أقوال وأعمال المكلفين فقد تكلم الفقهاء عنها، والفقه وقواعده مجال بحثها. ولهذا لن أذكر في شروط العرف الآتية - إلا ما كان له تعلق بموضوعنا هذا. - شروط العرف الذي يقدم على اللغة: ١ - «أن يكون هذا العرف قائما في زمان رسول الله ﷺ أو موجودا قبله، فأما عرف حدث بعد رسول الله ﷺ واصطلح الناس على استعمال اللفظ فيما بينهم فيه، فإنه لا يجوز حمل خطاب الله عليه وخطاب رسول الله ﷺ . وإنما قلنا ذلك؛ لأنا نريد أن نعرف مراد الله ومراد رسول الله ﷺ في خطابهما، ولا يمكن معرفة مرادهما بالكلام إلاّ من عرف كان قائما موجودا عند ورود الخطاب، فنعلم أنه قصد بإطلاق الكلام ما يقتضيه ذلك العرف، فأما عرف حدث بعده فإنه لا يجوز أن يتعرف منه مراد رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن موجودا في زمانه» (٢).

стр. 357

٢ - أن يكون هذا العرف مطّردا أو غالبا، فإن كان مضطربا فلا يقدم، ويرجع إلى اللغة (١). ٣ - أن لا يوجد للّفظ محمل شرعي، أو وجد دليل صارف عن إرادته، وهذا من اقتضاء تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية والعرفية. *** * أدلة القاعدة: من أدلة هذه القاعدة: ١ - أن المعنى العرفي أظهر في الخطاب من المعنى اللغوي؛ لأنه هو المتبادر إلى الفهم، وما وضع الكلام، إلا للإفهام؛ فلذلك يقدم المعنى العرفي (٢). ٢ - أن المعنى العرفي ناسخ للّغة، والناسخ يقدم على المنسوخ (٣). ٣ - أن التكلم بالمعتاد عرفا أغلب من المراد عند أهل اللغة (٤). * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة مبنية على أصول المذاهب الفقهية؛ ولذلك سوف أعرض في هذه الفقرة أقوال العلماء باقتضاب؛ لأنه معلوم أن المفسرين يتبعون تلك الأصول غالبا، وكذلك من ألف في أصول الفقه أو القواعد الفقهية، فالكلام في الجميع متكرر، فمن المفسرين الذين ذكروها: الماوردي: ففي معرض كلامه عن أقسام التفسير، تكلم عن القسم الذي يرجع إلى اجتهاد العلماء، وقرر أنه أقسام، فمن تلك الأقسام ما إذا كان اللفظ محتملا

стр. 358

لمعنيين أو أكثر، وهذا أيضا أقسام بالنسبة إلى تلك المعاني المحتملة في اللفظ فمنها القسم الثاني قال فيه: أن يكون أحد المعنيين مستعملا في اللغة والآخر مستعملا في العرف، فيكون حمله على المعنى العرفي أولى من حمله على معنى اللّغة لأنه أقرب معهود اهـ (١). ومنهم الزركشي: قال: إذا دار اللفظ بين اللغوية والعرفية، فالعرفية أولى لطريانها على اللغة اهـ (٢). وذكرها وقررها الشنقيطي على طريقة الأصوليين وطبّقها في تفسيره (٣). وهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الأصوليين والفقهاء خلافا لأبي حنيفة، فهي مذهب المالكية (٤) والشافعية (٥)، والحنابلة (٦)، وهو قول أبي يوسف (٧)، ومحمد بن الحسن (٨) من الحنفية (٩). ***

стр. 359

* المخالفون للقاعدة: المخالفون لهذه القاعدة، هم المخالفون للقاعدة السابقة، وذلك؛ لأن الأصول واحدة، فعند أبي حنيفة تقديم الحقيقة اللغوية على الشرعية والعرفية (١)، والذين قالوا بالإجمال كذلك قالوا به هنا لأجل تردده بين الاحتمالين، فيحتاج إلى بيان المقصود (٢). وقد سبق في القاعدة السابقة حكاية مذاهبهم والجواب عنهم فلا داعي لتكراره هنا، وأدلة هذه القاعدة، والقاعدة السابقة تردّ على من ذهب إلى خلافهما. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]. في المراد ب «سبيل الله» أقوال (٣). منها: أن المراد الغزاة في سبيل الله الذين لا ديوان لهم، وبهذا قال جماهير العلماء. ومنها: أن المراد الحجيج، ويروى هذا عن ابن عمر، وبه قال محمد بن الحسن من الحنفية، وإسحاق، وهو رواية عن الإمام أحمد. ومنها: أن المراد طلبة العلم. ومنها: أن المراد جميع القرب فيدخل فيه كل سعي في طاعة الله، وسبل الخير. وأولى هذه الأقوال بتفسير الآية القول الأول، وهو أن المراد الغزاة في سبيل الله،

стр. 360

ويكاد يكون مجمعا عليه وذلك أن العلماء الذين قالوا بغيره أدخلوه معه (١)، واقتصر عليه آخرون فلم يذكروا غيره (٢). وإنّ إطلاق لفظ «في سبيل الله» على الغزو والجهاد كان شائعا في الاستعمال عند نزول القرآن، فكان عرفا. قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قال ابن الجوزي (٣): إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد … وقال ابن دقيق العيد (٤): «في سبيل الله» العرف الأكثر فيه استعماله في الجهاد … اه (٥). فكان هذا القول أولى الأقوال بتفسير الآية تقديما للعرف المقارن للخطاب على العرف المتأخر عنه، وعلى الاستعمال اللغوي. فإطلاق في «سبيل الله» على كل طاعة قصد بها وجه الله، والحكم بإرادة ذلك في الآية غير صحيح يأباه سياق الآية وفحواها؛ لأنها في سياق حصر الأصناف التي تصرف لهم الزكاة، فإن جعل صنف «في سبيل الله» في طاعة الله ووجوه الخير، لا يكون لذلك الحصر كبير فائدة؛ لأنه يدخل فيه كل ما ذكر في الآية دون تقييد بغنى أو فقر، وفعل الطاعة ووجوه الخير لا تحصر لا في الأغنياء ولا في الفقراء. وأما القول إن المراد طلبة العلم، فالكلام على ذلك من وجهين:

стр. 361

أحدهما: أن يكون طلبة العلم داخلين في عموم القول السابق الذي أجيب عنه. الآخر: أن يكون عرفا للفظ «سبيل الله» فإن كان هذا عرفا، فهو طارئ بعد نزول القرآن، وليس مقارنا له، فلا يجوز حمل الآية عليه - كما سبق في شروط اعتبار العرف - والترجيح به، «وإن النص التشريعي يظل محمولا على معناه العرفي الأول عند صدوره، ومعمولا به في حدود ذلك المعنى؛ لأنه هو مراد الشارع، ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحية الحادثة بعد ورود النص» (١). وأما القول إن المراد الحجيج، فإنه وإن ورد في الحديث «الحج والعمرة من سبيل الله» (٢) فلا تظهر إرادته في هذه الآية - والله أعلم - وذلك؛ لأنه قال: «من سبيل الله» على عموم ذلك المعنى، وقد سبق الجواب عنه. وجاء هذا مقترنا بالحج والعمرة مبينا لهما؛ لكن الكلام على إطلاق لفظ «في سبيل الله» دون أن يقيّد بعمل معين. قال أبو بكر ابن العربي: والذي يصح عندي من قولهما -[يعني أحمد وإسحاق]- أن الحج من جملة السّبّل مع الغزو؛ لأنه طريق برّ، فأعطي منه باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر اهـ (٣).

стр. 362

المطلب السابع: قاعدة: القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار ويلى هذه القاعدة ثلاث قواعد في الحذف والتقدير: الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير. الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره. الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى. * صورة القاعدة: إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله - تعالى -، فمنهم من يرى افتقار الكلام إلى التقدير، ومنهم من يرى استقلال الكلام وعدم احتياجه إلى ذلك التقدير، والمعنى مستقيم بدونه، فحمل الآية على الاستقلال مقدم؛ لأجل موافقة الأصل. * بيان ألفاظ القاعدة: أولا: الاستقلال: أصل مادة «قلّ» يدل على نزارة الشيء، يقال: قلّ الشيء يقلّ قلّة فهو قليل، ويقال: استقلّ القوم إذا مضوا لمسيرهم (١)، «ويقال: استقلّ الطائر في طيرانه: أي نهض للطيران وارتفع في الهواء، والاستقلال بمعنى الارتفاع والاستبداد» (٢). «وتأتي استقلّ» لازمة، ومتعدية بالباء فتدل على الانفراد، يقال: استقل فلان: أي انفرد بتدبير أمره، واستقل بالشيء: انفرد به، وبهذا المعنى يعرّف الاستقلال هنا بأنه: إفادة المعنى المراد بالكلام الملفوظ به منفردا دون حاجة إلى تقدير» (٣)،

стр. 363

فالاستقلال هو عدم التقدير (١). ثانيا: الإضمار: يستعمل «الإضمار» في اللغة في معان عديدة، الذي يعنينا منها هو ما يتعلق بموضوع القاعدة، وهو الإسقاط والإخفاء، وقد ذكر ابن فارس أن مادة «ضمر» لها أصلان صحيحان، أحدهما: يدل على غيبة وتستّر - وهو الذي يهمنا في هذه القاعدة - ثم شرع في بيانه فقال: الضّمار هو المال الغائب الذي لا يرجى، وكلّ شيء غاب عنك فلا تكون منه على ثقة فهو ضمار اهـ (٢). فيدور هذا المعنى اللغوي على الغيبة والتستر والخفاء، فالإضمار في الجملة هو كذلك. والإضمار في الاصطلاح هو: أن يخفي المتكلم في نفسه معنى ويريد من المخاطب أن يفهمه (٣)، وذلك يكون بإسقاط بعض الكلام لفظا لغرض ما، مع قيام قرينة على ذلك لئلا يلتبس المعنى، قال الكفوي: الإضمار ما ترك ذكره من اللفظ وهو مراد بالنية اهـ (٤). والحذف هو: إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل (٥). فالمحذوف وإن سقط لفظه فإن معناه باق وينتظمه المقدر (٦). ومن العلماء من يفرق بين الحذف والإضمار، ويرى أن الحذف إسقاط الشيء لفظا ومعنى، أما الإضمار فهو إسقاط الشيء لفظا لا معنى. لكنه لا بد فيهما من مقدر، قال الكفوي: وشرط الحذف والإضمار هو أن يكون

стр. 364

ثمّة مقدّر اهـ (١). واشترط بعضهم في مقدر المضمر، بقاء أثره في اللفظ (٢)، وأيّا كان الأمر فالذي يهمنا هنا هو وجود هذا المقدر، فإذا دار الكلام بين الإضمار والاستقلال حمل على الاستقلال، أو بعبارة أخرى إذا دار الكلام بين التقدير وعدمه، حمل على عدم التقدير؛ لذلك فإني في هذه القاعدة لن أعتمد فروقا بين هذه المصطلحات، لعدم أثرها الواضح في القاعدة، وسوف أعبر عن هذه القضية أعني التقدير في الكلام بالإضمار أو الحذف أو التقدير ولن ألتزم أحدها. *** * الحذف والإضمار في كلام العرب والقرآن، وفي هذه القاعدة: الإضمار والحذف والتقدير خلاف الأصل (٣)، فيجب التقليل من مخالفة الأصل مهما أمكن، والعرب لا تحذف من الكلام شيئا إلا وتركت عليه دليلا، بل من عادتها الحسنة أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلا عليه اختصارا، ودلالة الكلام على المحذوف قد تحصل من صريحه تارة، ومن سياقه، ومن قرائنه المتصلة به تارة أخرى (٤). وهذا وارد في فصيح كلامها، وهو كثير في القرآن الكريم (٥)، كقوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فمعلوم أن المراد فضرب فانفلق؛

стр. 365

لكن لم يحتج إلى ذكر ذلك في اللفظ إذ كان قوله: فقلنا اضرب، فانفلق: دليلا على أنه ضرب فانفلق (١). قال الطاهر بن عاشور: إنك تجد في كثير من تراكيب القرآن حذفا، ولكنك لا تعثر على حذف يخلو الكلام من دليل عليه من لفظ أو سياق اهـ (٢). فمثل هذا الإضمار والتقدير غير داخل تحت هذه القاعدة التي نحن بصدد عرضها - وستأتي قواعد تتعلق بهذا النوع - إن شاء الله - تعالي - لأنه في حكم الملفوظ به وإن حذف اختصارا لدلالة الكلام عليه، وهذه الدلالة تسمى عند الأصوليين «دلالة الاقتضاء» وهي: أن يكون الكلام المذكور لا يصح ضرورة إلا بتقدير محذوف، وهذا المحذوف هو «المقتضى» (٣)، هذا المحذوف الذي دلّ الدليل عليه قد يكون جملة بأسرها أو أحد أركانها. أما الفضلة فلا يشترط ذكرها بحيث إذا لم تذكر قيل عنها إنها محذوفة؛ ولكن إذا تعلق الغرض بمجرد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليها، ولا يذكر المفعول، ولا ينوى؛ إذ المنويّ كالثابت، ولا يسمى محذوفا؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] … إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة (٤) … فلا يقال فيه إنه حذف بغير دليل (٥).

стр. 366

وأمّا الذي يعنينا في هذه القاعدة فهو ما سوى ذلك - أعني سوى ما دلّ الدليل على حذفه - فإذا لم يقم دليل على الحذف، فلا تصح دعواه، لما فيه من مخالفة الأصل دون دليل، ومثل هذا لا يرد في كلام العرب، ولا يحسن فيه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب معرفته (١). قال العز بن عبد السلام: … والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وصلة إليه؛ لأن حذف ما لا دلالة عليه مناف لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام اه (٢). وهو - أيضا - لا يرد في كلام من يريد البيان والهدى، فإن الإضمار إذا سلط على الكلام أفسد التخاطب وأبطل التكاليف، ولم يفهم أحد مراد أحد، إذ يمكنه أن يضمر كلمة تغيّر المعنى، ولا يدل المخاطب عليها، وباب الإضمار لا ضابط له فكل من أراد إبطال كلام متكلم ادعى فيه إضمارا يخرجه عن ظاهره، وبمثل هذا حرفت كثير من النصوص من قبل المبتدعة والباطنية والزنادقة، فمثل هذا الإضمار باطل، يعلم انتفاؤه قطعا (٣). ومنه - أعني مما يعنينا في القاعدة - إذا احتمل الكلام الإضمار وعدمه، فحمله على عدم الإضمار أولى، لموافقته الأصل، وظاهر الخطاب؛ ولأنه هو الموافق لقصد البيان والهدى. قال العلاّمة ابن القيم: النوع الثالث -[أي من أنواع الإضمار]- كلام يحتمل الإضمار ويحتمل عدمه فهذا إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدى والدلالة والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ، وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه وأنه اللائق بحكمته لم يشك السامع

стр. 367

في أن مراده ما دلّ عليه ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ما لم يجعل للسامع عليه دليلا، ولا له إلى معرفته سبيلا … اه (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها المفسرون والأصوليون، وهي قاعدة لغوية معروفة قد نبّه علماء العربية عليها، واستعملها أئمة التفسير في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير فمن هؤلاء الأئمة: ١ - الإمام الطبري: ففي معرض ردّه على من ادعى التقدير في قوله تعالى: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٤٤] أي: وقال لهم، قال: وذلك إنما يجوز في الموضع الذي يدل ظاهر الكلام على حاجته إليه، ويفهم السامع أنه مراد به الكلام وإن لم يذكر، فأمّا في الأماكن التي لا دلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدع أنه مراد فيها اهـ (٢). ٢ - ومنهم الفخر الرازي: فقد ذكر هذه القاعدة، ورجح بها، فصحح أقوالا وضعّف أخرى، ونص على أن الإضمار خلاف الأصل (٣). ٣ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض ردّه على من ادعى إضمار استفهام في قوله تعالى: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] أي: أفمن نفسك؟ -: قلت: وإضمار الاستفهام - إذا دل عليه الكلام - لا يقتضي جواز إضماره في الخير المخصوص من غير دلالة، فإن هذا يناقض المقصود، ويستلزم أن كل من أراد أن ينفي ما أخبر الله به يقدر أن ينفيه، بأن يقدر في خبره استفهاما، ويجعله استفهام إنكار اهـ (٤).

стр. 368

٤ - ومنهم أبو حيان: قال: متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار، كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار، وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن، لا نسلك فيه إلى الحمل على أحسن الوجوه، وأبعدها من التكلف، وأسوغها في لسان العرب اهـ (١). ٥ - ومنهم ابن القيم: وقد مرّ في الفقرة السابقة نقل بعض أقواله في تقرير القاعدة واعتمادها. ٦ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد اعتمد هذه القاعدة وجها من أوجه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره، قال فيه: الحادي عشر: تقديم الاستقلال على الإضمار إلا أن يدل دليل على الإضمار اهـ (٢). ٧ - ومنهم ابن كثير: ففي معرض ردّه على من قال في تفسير القاف في أول سورة «ق»: قضي الأمر والله، قال: وفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دلّ الدليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف اهـ (٣). ٨ - ومنهم الزركشي: قال: والحذف خلاف الأصل، وعليه ينبني فرعان: أحدهما: إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه كان الحمل على عدمه أولى؛ لأن الأصل عدم التغيير اه (٤). ٩ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة -: … اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف اهـ (٥).

стр. 369

وقال - في موضع آخر مرجحا بهذه القاعدة -: والقول الأول أظهر عندي؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر اهـ (١). وذكر الأصوليون هذه القاعدة: من أوجه الترجيح التي ذكروها بين الألفاظ المتعارضة من الكتاب والسنة، قال القاضي أبو يعلى: وأمّا الترجيح الذي يعود إلى متنه فمن وجوه: … التاسع: أن يكون أحد التأويلين موافقا لفظه من غير إضمار … اه (٢). وقالوا في الترجيح بين مقتضيات الألفاظ إن اللفظ إذا دار بين أن يكون مضمرا أو مستقلا فإنه يحمل على استقلاله وهو عدم التقدير (٣). * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: هذه القاعدة تعمل في ثلاثة أنواع من الخلاف: الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي. الثاني: خلاف المفسرين الذي ليس مما سبق. الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات. *** النوع الأول: مخالفة المؤولة المبتدعة لمذهب السلف بناء على ما اعتقدوه، سالكين سبيل الإضمار في نصوص الوحي: ١ - فمن أمثلة ذلك: ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢٢) [الفجر: ٢٢].

стр. 370

فذهب أهل السنة في تفسير هذه الآية إلى إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، صفة تليق به - سبحانه -، وأن الآية مستقلة لا تقدير فيها، وليس في ألفاظها ولا سياقها ولا في دلالة شرعية تدل على إضمار شيء فيها وبإثبات هذه الصفة فسرها مفسرو أهل السنة كالطبري، وابن كثير، وغيرهما. قال الطبري: يقول - تعالى - ذكره: وإذا جاء ربك يا محمد وأملاكه صفوفا صفا بعد صف اهـ (١) وساق آثارا في إثبات الصفة عن ابن عباس، والضحاك، وأعقبها بحديث مرفوع عن النبي ﷺ . وقال ابن كثير: «وجاء ربك» يعنى لفصل القضاء بين خلقه وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ … اه (٢). ودلائل القرآن والسنة متظاهرة مشهورة في إثبات صفة المجيء لله - تعالى -، وهو مذهب السلف. وأما الخلف فذهبوا في تفسير هذه الآية إلى تقدير مضاف محذوف أي: جاء أمر ربك، أو جاء قضاؤه، ونحوها. قال ابن عطية: في تفسير هذه الآية: معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه اه (٣). وقال القرطبي: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أي أمره وقضاؤه، قاله الحسن، وهو من باب حذف المضاف اهـ (٤). وبمثل هذا قال جماعة (٥).

стр. 371

ولا شك في صحة مذهب السلف في هذا، غير أني ذكرت هذا الخلاف في تفسير الآية؛ لأنه مذكور في جلّ كتب التفسير، خاصة المتأخرة منها، وحتى أبين دور القاعدة - التي نحن بصدد عرضها - في الترجيح في مثل هذا الخلاف، وإن كانت دلائل الكتاب، والسنة وأقوال الصحابة، والتابعين تغني عنها - وذلك أن دعوى الحذف والإضمار في هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات باطل؛ لأنه لا دليل عليه من ألفاظ الآية وسياقها ولا من دلائل الكتاب والسنة، والذين ذهبوا إلى تقدير محذوف فيها، إنما ذهبوا إلى هذا لأجل ما اعتقدوه من نفي هذه الصفة وغيرها من صفات الأفعال عن الله - تعالى -، ومستندهم في ذلك العقل، فإنه يحيل عندهم اتصاف الباري - سبحانه - بهذه الصفة قال الرازي في تفسير هذه الآية: واعلم أنه ثبت بالدليل العقلي أن الحركة على الله - تعالى - محال؛ لأن كل ما كان كذلك كان جسما والجسم يستحيل أن يكون أزليا فلا بد من التأويل، وهو أن هذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اهـ (١). فأنت ترى السبب الذي جعله يقول بأن هذه الآية من باب حذف المضاف، وكذلك جعلها العز بن عبد السلام (٢)، والزركشي (٣) - وغيرهم من أهل التأويل - ودليلهم جميعا على الحذف هو دلالة العقل على استحالة اتصاف الله بهذه الصفة، وهو دليل ظاهر البطلان، فلا تعارض نصوص الكتاب والسنة بالعقل الفاسد، وأمّا العقل الصحيح الذي استنار بنور الكتاب والسنة فلا يجد تعارضا مع الكتاب والسنة، ويتّبع في اعتقاده الكتاب والسنة. وأمّا الذين يتبعون الكتاب والسنة لما اعتقدوه فهم يحرفون الكلم عن مواضعه ويلوون النصوص بالإضمار والتقدير وغيرها حتى توافق ما اعتقدوه وما رأوه حسنا.

стр. 372

وبالجملة فباب الصفات مبناه على التسليم لله ولرسوله ﷺ فما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ أثبتناه كما أثبته، وما نفاه الله ورسوله ﷺ نفيناه كما نفاه. فآيات الصفات كلها مستقلة لا إضمار ولا تقدير فيها كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، والحمد لله رب العالمين (١). ٢ - ومن أمثلته - أيضا -: إضمار الرافضة في نصوص القرآن بناء على ما اعتقدوه دون نظر إلى دليل أو قرينة أو سياق يدل على المقدر، وإنما هي أهواء. فمنه ما قاله مفسرهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤١) [الزخرف: ٤١] قال: فإما نذهبنّ بك يا محمد ﷺ من مكة إلى المدينة فإنا رادوك إليها ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب اهـ (٢). وأنت ترى في هذا القول صبغة تحريف الكلم عن مواضعه، وهو ظاهر البطلان، وبطلانه أظهر من أن يناقش. قال العلامة ابن القيم: ومن رأى ما أضمره المتأولون من الرافضة والجمهية والقدرية والمعتزلة، مما حرفوا به الكلم عن مواضعه وأزالوا به عن ما قصد له من البيان والدلالة، علم أن لهم أوفر نصيب من مشابهة أهل الكتاب الذين ذمهم الله بالتحريف واللي والكتمان اهـ (٣).

стр. 373

النوع الثاني: خلاف المفسرين الذين ليس مما سبق: فمن أمثلته ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية (١): فقال ابن عباس في رواية عنه: من شهر السلاح في قبّة الإسلام وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار: إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، والحسن، والضحاك، والإمام مالك وغيرهم. وقال الجمهور وهي رواية عن ابن عباس: إن قطّاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتّلوا وصلّبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا: نفوا من الأرض. ومن ذهب إلى ترجيح القول الأول، كانت هذه القاعدة من وجوه ترجيحه، وقالوا: إن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والإضمار فحمله على الاستقلال أولى، وهذه القيود لم تذكر في ألفاظ الآية، وليس في ألفاظها وسياقها ما يدل عليها. قال الشنقيطي: ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل، إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذروف اهـ (٢). وأيدوا ذلك بالغالب من أسلوب القرآن ومعهود استعماله ل «أو» فإنها للتخيير،

стр. 374

كما في قوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله في كفارة الترفّه: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية (١). وقد أثر عن ابن عباس أنه قال: ما كان في القرآن «أو» فصاحبه بالخيار (٢). وحجة القول الثاني قول النبي ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدي ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (٣) فنفى النبي ﷺ قتل من خرج عن الوجوه الثلاثة، ولم يخصص فيه قاطع الطريق، فانتفى بذلك قتل من لم يقتل من قطاع الطريق (٤). وأجاب ابن العربي عن هذا بقوله: والآية نص في التخيير، وصرفها إلى التعقيب والتفصيل تحكّم على الآية وتخصيص لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصح؛ لأنهم قالوا: يقتل الرّدء (٥) ولم يقتل، وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف فيها، فلا تعلق بهذا الحديث لأحد اهـ (٦).

стр. 375

وأيد من اختار الإضمار في الآية قوله بحديث ضعيف، أخرجه الطبري وضعّفه فقال: وقد روي عن رسول الله ﷺ بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر. ثم ساق بسنده أن عبد الملك بن مروان (١) كتب إلى إنس بن مالك (٢) يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة (٣) قال أنس: فارتدوا عن الإسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل، وأخاف السبيل، واستحلّ الفرج الحرام فاصلبه (٤). وهذه المسألة كما ترى من المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأئمة، وهي من الأمثلة التي تنازعتها القواعد، فهذه القاعدة ترجح القول بأن الإمام مخير في أي عقوبة رآها من تلك العقوبات، والحديث ينازعها، وإن كان ضعيفا عند من يرى اعتماده في الترجيح. وأمّا معارضة حديث الصحيحين للقول بتخيير الإمام، فليست ظاهرة، وليس نصا فيها، وإلا وجب المصير إليه؛ إذ هو محتمل، وخاصة أنه قد ثبت بنصوص

стр. 376

أخر جواز قتل غير هؤلاء، بل الأمر بقتلهم كالصائل، والباغي، ومن عمل عمل قوم لوط، ومن خرج وأمر الناس مجتمع، وغيرهم، مما يضعف دلالة الحديث على الحصر. وأيّا كان الأمر، فالقصد بيان وجه الترجيح بالقاعدة، وكيف استعملها العلماء في الترجيح بين الأقوال، فإن صحت منازعة غيرها من القواعد لها فذلك لا يخرج المثال عن قصده وغرضه، والحمد لله أولا وآخرا (١).

стр. 377

النوع الثالث: خلاف المعربين في إعراب بعض الآيات (١): من أمثلة ذلك ما جاء في إعراب قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]. اختلف المعربون في العامل (٢) في قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمْ:﴾ فقال جماعة منهم: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب ب ﴿مَصْرُوفاً،﴾ والمعنى: ليس العذاب مصروفا عنهم يوم يأتيهم. وقال آخرون: العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف دلّ عليه الكلام، والتقدير: لا يصرف عنهم العذاب يوم يأتيهم، أو التقدير: يلازمهم يوم يأتيهم … ، ونحو ذلك. وأولى القولين في ذلك بالصواب القول الأول؛ لأنه سالم من الإضمار والتقدير، الذي هو خلاف الأصل. قال السيوطي: الإضمار خلاف الأصل؛ ولذلك ردّ … على من قال في قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ إنّ يوم ليس منصوبا بمصروف بل بفعل دل الكلام عليه، تقديره يلازمهم يوم يأتيهم أو يهجم عليهم؛ لأنه لا حاجة إليه مع أن الإضمار خلاف القياس اهـ (٣) وعلى هذا القول اقتصر جماعة من المعربين (٤).

стр. 378

وإذا قام الدليل على الإضمار في الآية فالقواعد التالية ترجح بين الأقوال في تقدير ذلك المضمر: القاعدة الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير. القاعدة الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره. القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى. ***

стр. 379

القاعدة الأولى: تقدير ما ظهر في القرآن أولى في بابه من كل تقدير * صورة القاعدة: إذا دل الدليل المعتبر على الحذف في آية، وظهر هذا المحذوف في آية أخرى، فتقدير ذلك المحذوف بما ظهر في موضع آخر أولى من كل تقدير، وأوفق للصواب، وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن. *** * إيضاح القاعدة: تقدم في القاعدة السابقة أن الحذف الذي دل عليه الدليل غير داخل فيها، وسيأتي في قواعد لاحقة، وهذا أوان الوفاء بالوعد، فهذه إحدى قواعده. وذلك أن المحذوف الذي دلّ عليه الدليل لا يخلو: إما أن يكون قد ذكر في آية أخرى، أو لا، فإن كان قد ذكر في آية أخرى فهذه القاعدة هي التي ترجح لنا صحة تقدير هذا المحذوف وهو ما ظهر في الآيات الأخرى، وإن كانت الصورة الثانية فالقواعد الآتية هي المرجحة لصحة تقدير ذلك المحذوف. وقد ذكر هذه القاعدة بلفظها العز بن عبد السلام وذكر لها جملة من الأمثلة (١)، واعتمدها عامّة المفسرين؛ لأنها تعتبر جزءا من تفسير القرآن بالقرآن، وقد سبق بسط ذلك، وذكر قواعده، وأدلتها، واعتماد العلماء لها في الفصل الأول، وسوف أقتصر في هذا الموضع على التمثيل لما يظهر المقصود منها، وهو ما حذف في موضع وقامت الدلائل على حذفه، وأظهر في موضع آخر، فإن أولى التقديرات في ذلك الموضع المحذوف هو ما ظهر في الموضع الآخر، مع ملاحظة أنه يصح تطبيق هذه القاعدة إذا

стр. 380

صح القول بالحذف والإضمار في الآية وذلك بوجود أدلة على المحذوف، ولا يصح تطبيقها إذا لم يصح القول بالإضمار وذلك بأن كان دعوى مجردة، أو كان يحتمل الإضمار والاستقلال، فيحمل على الاستقلال كما مرّ في القاعدة السابقة. إذا تقرر هذا * علم فساد قول من قال (١) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]: أي: أمره، ويدل على المحذوف ذكره في موضع آخر وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]؛ لأنه لا حذف أصلا وكلتا الآيتين مستقلة، فهو - سبحانه - يأتي يوم القيامة لفصل القضاء، وأمره آت بحشرهم لموقف القيامة، وما يعاينون فيه من أهوال. ولا دليل صحيح على الحذف، ومن قال بالحذف كان ذلك بسبب ما اعتقده من نفي هذه الصفة عن الله، ومستندهم في ذلك دلالة عقولهم التي عارضوا بها الوحي وجعلوا ذلك مستحيلا في حقه - تعالى -، فلجأوا إلى تأويلها بتقدير محذوف. وقد سبق مناقشة القول بالحذف والإضمار في آيات الصفات في الأمثلة التطبيقية في القاعدة السابقة. فإذا بطل القول بالحذف أصلا، بطل تعيين المحذوف بهذه القاعدة * ولا يدخل تحت هذه القاعدة عدم ذكر بعض الصفات المقيّدة لإطلاق الحكم وذكرها في موضع آخر، مثل صفة الإيمان في عتق الرقبة ذكرت في كفارة القتل الخطأ، ولم تذكر في كفارة الظهار وكفارة اليمين، فلا يعتبر عدم ذكرها هنا أنها

стр. 381

قد حذفت؛ لأنه لا دلالة من ألفاظ الآية وسياقها يدل على الحذف، وليس مسلّما أن ذكرها في موضع يكفي دليلا على الحذف في موضع آخر، بل النصوص جميعا مستقلة ولا حذف ولا إضمار فيها إلا بدليل خلافا لابن قتيبة وغيره (١). ولهذه المسألة بحث في المطلق والمقيد، وفي حمل المطلق على المقيد نزاع بين العلماء. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: - ومنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]. سبق في تقرير هذه القاعدة، أنه يرجح بها إذا قام الدليل على الإضمار، وفي هذه الآية توجد قرينة تدل على الإضمار وهي رفع «ثلاثة» بعد القول ولا رافع لها مذكور، فدل هذا على وجود مضمر. قال الإمام الطبري: ورفعت الثلاثة بمحذوف دلّ عليه الظاهر وهو «هم»، ومعنى الكلام ولا تقولوا هم ثلاثة، وإنما جاز ذلك؛ لأن القول حكاية، والعرب تفعل ذلك في الحكاية، وكل ما ورد من مرفوع بعد القول لا رافع معه ففيه إضمار اسم رافع لذلك الاسم اهـ (٢). إذا تقرر صحة الإضمار، فأولى التقديرات لهذا المضمر ما ظهر في القرآن في موضع آخر، كما تقرر هذه القاعدة.

стр. 382

ففي هذه الآية اختلفت عبارات العلماء في تقدير ذلك المضمر. قال الفراء (١) التقدير: هم ثلاثة (٢)، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وبه قال الطبري كما سبق نقله عنه. وقال الزجاج (٤)، والنحاس (٥)، ومكي (٦)، وابن الأنباري (٧): تقديره: آلهتنا ثلاثة. وقال أبو علي الفارسي: التقدير: هو ثالث ثلاثة (٨). وأولى هذه التقديرات هو تقدير أبي علي الفارسي، لأجل موافقته لما ظهر في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وهذا هو الذي تقرره هذه القاعدة. وقد رجح هذا التقدير العز بن عبد السلام، بعد أن ذكر الأقوال السابقة، قال: وتقدير ما ظهر في القرآن أولى من كل تقدير اهـ (٩).

стр. 383

وقال أبو حيان: ويترجح قول أبي علي بموافقته الآية التي ذكرناها (١) وبقوله تعالى: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، والنصارى وإن اختلفت فرقهم فهم مجمعون على التثليث اهـ (٢). ***

стр. 384

القاعدة الثانية: التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره * صورة القاعدة: إذا قامت الأدلة على وجود إضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، فأولى التقديرات بالصحة ما كان منها موافقا لغرض الآية المسوقة له، وأدلة الشرع العامة، ولم يكن مخالفا لها. *** * النظر بين هذه القاعدة والقاعدة الآتية: هذه القاعدة مقدّمة على القاعدة الآتية - «إذا دار الأمر بن قلة المحذوف وكثرته كان الحمل على قلته أولى» - في النظر بين تقديرات العلماء للمضمر في حالة تنازعهما لمثال واحد. فإن موافقة غرض الآية والأدلة الشرعية هو المقصود الأول، فهو مقدم بلا ريب على النظر لتقليل المقدر. فإن هذه القاعدة ملحوظ فيها ملاءمة السياق، وصحة المعنى سياقا وشرعا بعد التقدير، أمّا القاعدة الآتية فملحوظ فيها الجانب الصناعي. وخلاصة القول في هذا، أنه إذا لم يظهر المضمر في آية أخرى فيرجح بين تقديرات العلماء لهذا المضمر بهذه القاعدة أولا، فإن كانت جميع أقوالهم أو جملة منها موافقة لهذه القاعدة، نظر بينها ورجح منها ما كان موافقا للقاعدة الآتية وهو الأقل تقديرا. وهذه القاعدة مركبة من مجموع تأصيلات فريدة في الحذف للعز بن عبد السلام وقد نبه إلى بعضها غير واحد من العلماء - كما سترى في الأمثلة التطبيقية -.

стр. 385

قال ﵀ في معرض ترجيحه لأحد المقدرات في قوله تعالى: ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ﴾ [الحشر: ٦]: فيقدر من هذه المحذوفات أخفها وأحسنها وأفصحها وأشدها موافقة للغرض في هذه الآية … وكذلك جميع حذوف القرآن من المفاعيل الموصوفات، وغيرهما لا يقدر إلا أفصحها وأشدّها موافقة للغرض؛ لأن العرب لا يقدرون إلا ما لو لفظوا به لكان أحسن وأنسب لذلك الكلام كما يفعلون ذلك في الملفوظ به اهـ (١). وقال في موضع آخر: وقد يقدر بعض النحاة ما يقتضيه علم النحو لكن يمنع منه أدلة شرعية، فيترك ذلك التقدير ويقدر تقدير آخر يليق بالشرع … وكذلك لا يقدر فيه من المحذوفات إلا أحسنها وأشدها موافقة وملايمة للسياق اهـ (٢). وقال أبو حيان مرجحا أحد التقادير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]: والأظهر من التقادير السابقة في إضمار المبتدأ، القول الأول - أي مسألتنا حطة -؛ لأن المناسب في تعليق الغفران عليه هو سؤال حط الذنوب، لا شيء من تلك التقادير الأخر اهـ (٣). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة تقدير بعض المعربين والمفسرين خبر «لا» المضمر في جملة: «لا إله إلا الله» سواء كانت مفردة أو في آيات قرآنية كقوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦٣) [البقرة: ١٦٣]، وكقوله: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ونحوها.

стр. 386

فقال بعض المعربين: خبر «لا» المحذوف تقديره: موجود (١). فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله. وقدّره غيرهم ب «حق، أو بحق» فيكون المعنى «لا معبود بحق إلا الله» وهذا التقدير هو الحق، وذلك لموافقته للغرض من هذه الجملة، وهو إثبات الوحدانية في الإلهية له وحده، ونفيها عمن سواه. إلى جانب ما يوهمه التقدير الأول - أي موجود - من معنى فاسد، مخالف لما علم بالاضطرار من توحيده - تعالى -، ولمخالفته لأدلة الكتاب والسنة، ولمخالفته الغرض الذي سيقت هذه الجملة من أجله، وهذا المعنى الذي أوهمه ذلك التقدير هو إثبات معنى الاتحاد - تعالى الله وتقدس -؛ لأن المعنى مع هذا التقدير يصبح «لا معبود موجود إلا الله» أي كل معبود موجود في الوجود فهو الله، فكل ما عبد بحق أو بباطل فهو الله، فتأمل. قال العلاّمة حافظ الحكمي (٢) في نقد ونقض هذا التقدير: فمعنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، «لا إله» نافيا جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد «إلا الله» مثبتا العبادة لله فهو الإله الحق المستحق للعبادة، فتقدير خبر لا المحذوف بحق هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة كما سنوردها - إن شاء الله - وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد، فإن الإله هو المعبود، فإذا قيل لا معبود موجود إلا الله، لزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله فيكون ذلك كله توحيدا، فما عبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو، وهذا

стр. 387

والعياذ بالله أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق، وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل، وكفر بجميع الكتب، وجحود لجميع الشرائع وتكذيب بكل ذلك وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرا إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله فلم يكن عندهم مشركا بل موحدا - تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا - فإذا فهمنا هذا فلا يجوز تقدير الخبر «موجود»، إلا أن ينعت اسم لا «بحق» فلا بأس ويكون التقدير «لا إله حقا موجود إلا الله»، فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذكرنا اهـ (١). والتقدير ب «حق» فقط أولى؛ لما فيه من تقليل المقدر، أما تقديره ب «حق موجود» ففيه تكثير للمقدر، والقاعدة التالية هي التي ترجح في هذا: ***

стр. 388

القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى * صورة القاعدة: إذا دلّ الدليل على الإضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، واحتاج المفسر أو المعرب إلى تقدير ذلك المضمر، فأولى التقديرات ما قلّ فيه التقدير دون ما كثر؛ وذلك لتقليل مخالفة الأصل بكثرة الحذف والتقدير. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: ١ - ألمع إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام، وذلك باختياره وترجيحه لتقديرات معللا ذلك بأنه أخصر (١) وضعّف بعض التقديرات معللا ذلك بأنه فيه طول، قال ﵀: … ولأن اختصار المحذوفات أحسن من إطالتها فلا يقدر ما فيه طول إلا عند الاضطرار إلى الإطالة اهـ (٢). ٢ - وذكرها العلاّمة ابن القيم: وقرر أن تقليل الإضمار أولى من تكثيره، واستعملها في الترجيح فضعّف بها ما كان فيه تكثير للمقدر (٣). ٣ - وذكرها ابن هشام في المغني فقال: بيان مقدار المقدر، ينبغي تقليله ما أمكن، لتقلّ مخالفة الأصل اهـ (٤). ٤ - واستعملها السمين الحلبي في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾

стр. 389

﴿كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، ذكر عشرة أوجه في إعراب ﴿يَوْمَ نَدْعُوا،﴾ قال في العاشر منها: إنه مفعول به بإضمار «اذكر» وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممّا تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير اهـ (١). ٥ - ونص الزركشي على هذه القاعدة، باللفظ الذي ذكرته (٢). ٦ - وذكرها السيوطي قال: قاعدة: ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل اهـ (٣). ٧ - وكذا قال الكفوي في كلياته (٤). وذلك؛ لأن الحذف والتقدير والإضمار خلاف الأصل كما سبق تقريره، وكلما توسع المفسر والمعرب في التقدير ازدادت مخالفته للأصل، وكلما قلل المقدر كلما قرب من الأصل. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: - منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]. قال أبو حيان: ﴿الْعِجْلَ﴾ هو على حذف مضافين، أي حب عبادة العجل (٥). وقال عامّة المفسرين والمعربين: إن التقدير: حب العجل، على حذف مضاف واحد (٦).

стр. 390

وأولى القولين القول الثاني، وذلك تقليلا للمحذوف. قال ابن هشام: وضعّف قول بعضهم في: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ إن التقدير: حب عبادة العجل، والأولى تقدير الحب فقط اهـ (١). وهذا المحذوف مما دلّ عليه سياق الكلام، قال الطبري: ولكنه ترك ذكر الحبّ اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب، وأن الذي يشرب منه حبه … اه (٢). ***
следующие страницы →