فقال بعض المعربين: خبر «لا» المحذوف تقديره: موجود (١). فيكون المعنى: لا معبود موجود إلا الله.
وقدّره غيرهم ب «حق، أو بحق» فيكون المعنى «لا معبود بحق إلا الله» وهذا التقدير هو الحق، وذلك لموافقته للغرض من هذه الجملة، وهو إثبات الوحدانية في الإلهية له وحده، ونفيها عمن سواه.
إلى جانب ما يوهمه التقدير الأول - أي موجود - من معنى فاسد، مخالف لما علم بالاضطرار من توحيده - تعالى -، ولمخالفته لأدلة الكتاب والسنة، ولمخالفته الغرض الذي سيقت هذه الجملة من أجله، وهذا المعنى الذي أوهمه ذلك التقدير هو إثبات معنى الاتحاد - تعالى الله وتقدس -؛ لأن المعنى مع هذا التقدير يصبح «لا معبود موجود إلا الله» أي كل معبود موجود في الوجود فهو الله، فكل ما عبد بحق أو بباطل فهو الله، فتأمل.
قال العلاّمة حافظ الحكمي (٢) في نقد ونقض هذا التقدير: فمعنى «لا إله إلا الله» لا معبود بحق إلا الله، «لا إله» نافيا جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد «إلا الله» مثبتا العبادة لله فهو الإله الحق المستحق للعبادة، فتقدير خبر لا المحذوف بحق هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة كما سنوردها - إن شاء الله - وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد، فإن الإله هو المعبود، فإذا قيل لا معبود موجود إلا الله، لزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله فيكون ذلك كله توحيدا، فما عبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو، وهذا
стр. 387
والعياذ بالله أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق، وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل، وكفر بجميع الكتب، وجحود لجميع الشرائع وتكذيب بكل ذلك وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرا إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله فلم يكن عندهم مشركا بل موحدا - تعالى الله عما يقول الظالمون الجاحدون علوا كبيرا - فإذا فهمنا هذا فلا يجوز تقدير الخبر «موجود»، إلا أن ينعت اسم لا «بحق» فلا بأس ويكون التقدير «لا إله حقا موجود إلا الله»، فبقيد الاستحقاق ينتفي المحذور الذي ذكرنا اهـ (١).
والتقدير ب «حق» فقط أولى؛ لما فيه من تقليل المقدر، أما تقديره ب «حق موجود» ففيه تكثير للمقدر، والقاعدة التالية هي التي ترجح في هذا:
***
стр. 388
القاعدة الثالثة:
إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى
* صورة القاعدة:
إذا دلّ الدليل على الإضمار في آية، ولم يظهر ذلك المضمر في آية أخرى، واحتاج المفسر أو المعرب إلى تقدير ذلك المضمر، فأولى التقديرات ما قلّ فيه التقدير دون ما كثر؛ وذلك لتقليل مخالفة الأصل بكثرة الحذف والتقدير.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
١ - ألمع إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام، وذلك باختياره وترجيحه لتقديرات معللا ذلك بأنه أخصر (١) وضعّف بعض التقديرات معللا ذلك بأنه فيه طول، قال ﵀: … ولأن اختصار المحذوفات أحسن من إطالتها فلا يقدر ما فيه طول إلا عند الاضطرار إلى الإطالة اهـ (٢).
٢ - وذكرها العلاّمة ابن القيم: وقرر أن تقليل الإضمار أولى من تكثيره، واستعملها في الترجيح فضعّف بها ما كان فيه تكثير للمقدر (٣).
٣ - وذكرها ابن هشام في المغني فقال: بيان مقدار المقدر، ينبغي تقليله ما أمكن، لتقلّ مخالفة الأصل اهـ (٤).
٤ - واستعملها السمين الحلبي في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾
стр. 389
﴿كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، ذكر عشرة أوجه في إعراب ﴿يَوْمَ نَدْعُوا،﴾
قال في العاشر منها: إنه مفعول به بإضمار «اذكر» وهذا - وإن كان أسهل التقادير - أظهر ممّا تقدم؛ إذ لا بعد فيه ولا إضمار كثير اهـ (١).
٥ - ونص الزركشي على هذه القاعدة، باللفظ الذي ذكرته (٢).
٦ - وذكرها السيوطي قال: قاعدة: ينبغي تقليل المقدر مهما أمكن لتقل مخالفة الأصل اهـ (٣).
٧ - وكذا قال الكفوي في كلياته (٤).
وذلك؛ لأن الحذف والتقدير والإضمار خلاف الأصل كما سبق تقريره، وكلما توسع المفسر والمعرب في التقدير ازدادت مخالفته للأصل، وكلما قلل المقدر كلما قرب من الأصل.
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
- منها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾
[البقرة: ٩٣].
قال أبو حيان: ﴿الْعِجْلَ﴾ هو على حذف مضافين، أي حب عبادة العجل (٥).
وقال عامّة المفسرين والمعربين: إن التقدير: حب العجل، على حذف مضاف واحد (٦).
стр. 390
وأولى القولين القول الثاني، وذلك تقليلا للمحذوف.
قال ابن هشام: وضعّف قول بعضهم في: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ إن التقدير: حب عبادة العجل، والأولى تقدير الحب فقط اهـ (١).
وهذا المحذوف مما دلّ عليه سياق الكلام، قال الطبري: ولكنه ترك ذكر الحبّ اكتفاء بفهم السامع لمعنى الكلام، إذ كان معلوما أن العجل لا يشرب القلب، وأن الذي يشرب منه حبه … اه (٢).
***
стр. 391
المطلب الثامن:
قاعدة: القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير
* صورة القاعدة:
إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله وكان خلافهم دائرا بين مدع للتقديم والتأخير في الآية ومبق لها على ترتيبها، فأولى القولين بالصواب قول من قال بالترتيب؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا ينتقل عن الأصل إلا بدليل واضح، وقرينة بيّنة، لا سيما إذا استقام المعنى بدونه، فإذا احتمل الأمر وعدم الدليل والقرينة فالقول الحق أن يبقى الكلام علي ترتيبه.
***
* التقديم والتأخير في اللغة والقرآن، وفي هذه القاعدة:
الأصل في ترتيب الكلام أن يوضع كل لفظ في موضعه تقديما وتأخيرا وكل تقديم وتأخير في الكلام هو خلاف الأصل.
غير أن العرب كانت تتفنن في كلامها، ولها أساليب في عرضه حسب ما تملي به مقتضيات الأحوال، ومقاصد المتكلم، ومن هذه الأساليب التي تستخدمها أحيانا حسب الأغراض أسلوب التقديم والتأخير (١)، ونزل القرآن على هذا اللسان العربي فجاء هذا الأسلوب فيه (٢)، فنجد بعض الألفاظ قدمت في موضع وأخرت في
стр. 392
موضع آخر (١)، ولم يختلف أهل التفسير في بعض الآيات على أنها من باب المقدم والمؤخر، وهذا التقديم والتأخير الذي جاء في القرآن لا يخل بأصل المعنى، ولا يقدح في البيان ولا يلتبس على السامع (٢) وذلك لوجود قرينة، ودليل في الكلام عليه، - وجواز التقديم والتأخير مشروط بوجود القرينة أما مع اللبس فلا يجوز (٣) - سواء أكان من المقدم بنية التأخير، أم غير ذلك «وهذا هو الذي يتكلم عليه علماء المعاني والبيان ويقع في باب الاستفهام والنفي والمبتدأ والخبر والفاعل والمفعول» (٤).
وهذا النوع من التقديم والتأخير غير مقصود في قاعدتنا هذه، وهو مما لا يقع فيه الخلاف بين المفسرين (٥).
مثل قوله تعالى: ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٥) [الفاتحة: ٥]. فقدم ﴿إِيّاكَ﴾ وحقه التأخير.
وقوله تعالى: ﴿* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]. فقدم ﴿إِبْراهِيمَ﴾ وحقه التأخير.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها﴾ [الحج: ٣٧]. فقدم لفظ الجلالة ﴿اللهَ﴾ وحقه التأخير.
ونحوها من الآيات.
стр. 393
أما التقديم والتأخير الذي يعنينا في هذه القاعدة، فهو دعوى التقديم والتأخير في كلام لم ينصب عليه دليل في الكلام، ولا أرشدت إليه قرينة، ويخل بفهم أصل المعنى، «فإرادة التقديم والتأخير بمثل هذا الخطاب خلاف البيان، وأمر المخاطب بفهمه تكليف لما لا يطاق» (١).
فمثل هذه الدعوى في التقديم والتأخير هي التي نعني، وهي التي تضعّف وتؤخر، والذي يصحح ويرجح إبقاء الكلام على ترتيبه ونظمه، وهذا النوع من التقديم والتأخير خفي، تنازع فيه العلماء، بين مجيز لوقوعه في القرآن كالقائلين به - على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى - ومانع لوقوعه في القران مطلقا كأبي حيان (٢)، وسالك سبيل التوسط بين ذلك، كما هو حال كثير من المفسرين، وهذا هو الحق، وهو ما تقرره هذه القاعدة، من أن تضعيف القول به من باب الترجيح وتقديم الراجح - وهو القول بالترتيب - وذلك لأن التقديم والتأخير له أصل في اللغة والقرآن، وقد أثر عن بعض الصحابة وعلى رأسهم حبر الأمة وترجمان القرآن، ابن عباس (٣) وعن بعض التابعين وعلى رأسهم من إذا جاءك التفسير عنه كفاك، مجاهد بن جبر (٤)، وقتادة (٥) وغيرهم.
وهؤلاء كانوا أعلم بلغة العرب وبلغة القرآن وتفسيره، فالقول بردّه مطلقا جملة
стр. 394
وتفصيلا وأنه لا يقع في القرآن فيه اطراح لأقوال هؤلاء وأمثالهم، وفي النفس هنات من ذلك، ولكن الأولى هو الترجيح الذي هو من باب تقديم الأرجح والأولى دون اطراح للأقوال المرجوحة، قد يكون لبعضها وجه ولو بعيد، ومما يزيد الأمر جلاء ووضوحا أن أبا حيان وهو القائل بمنع التقديم والتأخير - الذي هو من هذا النوع - في القرآن، مضطرب في ذلك، فتارة يرد ويطرح القول بالتقديم والتأخير بناء على ما قرر، وتارة تجده يرجح الأصل وهو الترتيب، وإن أجاب على القول بالتقديم والتأخير فبعبارة لطيفة توحي بثبوته قولا في تفسير الآية، ولا توجب اطراحه، وإن كان ضعيفا (١)، وربما ذكر القول بالتقديم والتأخير ولم يعقب عليه بشيء (٢).
وأيّا كان الأمر، فإذا لم توجد قرينة تدل على التقديم والتأخير، وتنازع العلماء في الآية، فالصحيح هو حمل الآية على الترتيب، ومن قال أو اختار التقديم والتأخير - ولو كان ممن يقرر هذه القاعدة كالطبري (٣) وابن عطية (٤) والرازي (٥) وأبي حيان وغيرهم - فقوله واختياره محجوج بهذه القاعدة، وقوله واختياره هو المؤخّر والمضعّف، والقول بالترتيب هو المقدم والمصحح، والله أعلم.
***
стр. 395
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد المفسرون هذه القاعدة، ونصوا عليها ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، فمن هؤلاء الأئمة:
١ - إمام المفسرين ابن جرير الطبري: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -
وهذا القول وإن كان غير مدفوع … غير صواب عندي، بخلافه تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المخرج بالتقديم والتأخير، إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير اهـ (١).
وقال في موضع آخر: … ولا وجه لتقديم شيء من كتاب الله عن موضعه أو تأخيره عن مكانه إلا بحجة واضحة اهـ (٢).
٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: قال: … فالتقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما اهـ (٣).
وقال في موضع آخر: ولا يقع التقديم والتأخير إلا بتوقيف أو دليل قاطع. اه (٤).
٣ - ومنهم أبو عمرو الداني (٥): - فقد نص على هذه القاعدة في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] قال: وهذا خطأ؛ لأن التقديم والتأخير مجاز فلا يستعمل إلا بتوقيف، أو دليل قاطع اهـ (٦).
стр. 396
٤ - ومنهم الزمخشري: قال - في معرض رده على دعوى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٩٩) [يوسف: ٩٩]: ومن بدع التفاسير أن قوله: ﴿إِنْ شاءَ اللهُ﴾ من باب التقديم والتأخير، وأن موضعها ما بعد قوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] في كلام يعقوب، وما أدري ما أقول فيه وفي نظائره اهـ (١).
٥ - ومنهم ابن عطية الأندلسي: وسيأتي بعض كلامه (٢) في الأمثلة التطبيقية.
٦ - ومنهم الفخر الرازي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ [المائدة: ١٠١]-: وهذا ضعيف؛ لأن الكلام إذا استقام من غير تغيير النظم لم يجز المصير إلى التقديم والتأخير اهـ (٣).
٧ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -:
والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه اهـ (٤).
٨ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: قال - في معرض ردّه على من ادعى التقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]-: والتقديم والتأخير من ضرورات الشعر فينزه القرآن عن ذلك اهـ (٥).
٩ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في أوجه الترجيح التي اعتمدها، ونص عليها في مقدمة كتابه، فقال: الثاني عشر - أي من وجوه الترجيح -: حمل الكلام على ترتيبه إلا أن يدل دليل على التقديم والتأخير اهـ (٦).
стр. 397
١٠ - ومنهم الألوسي: قال - في معرض ردّه على من قال بالتقديم والتأخير في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] الآية -: ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله من له أدنى ذوق؛ لأنه وإن كان المعنى صحيحا في نفسه، إلا أن التركيب ينبو عنه والفصاحة تأباه ولا ضرورة تدعو إليه، لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة اهـ (١).
١١ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة من خلال تقرير علماء الأصول لها -: تقرر في الأصول وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ (٢).
وغيرهم من المفسرين (٣).
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ [المجادلة: ٣] ذهب بعض العلماء إلى أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ثم يعودون لما قالوا إنا لا نفعله فيفعلونه (٤).
стр. 398
فعلى هذا القول لا يكون العود شرطا في وجوب الكفارة (١).
وذهب جمهور المفسرين والمعربين إلى أن الآية على ترتيبها، وليس فيها تقديم ولا تأخير، على خلاف بينهم في تفسير العود (٢).
والذي يهمنا في هذه القاعدة هو الخلاف الأول، فالذي تقرره هذه القاعدة صحة قول الجمهور القائلين بالترتيب، وضعف قول من قال بالتقديم والتأخير، وذلك؛ لأن الأصل وظاهر النظم هو الترتيب ولا يوجد في الكلام دليل صريح أو قرينة واضحة تدل على صحة دعوى التقديم والتأخير، وهذا هو الذي رجحه واختاره أئمة التفسير اعتمادا لمضمون هذه القاعدة، ومنهم من نص عليها حال ترجيحه بها كابن قتيبة (٣)، والطبري (٤)، والجصاص (٥)، والبغوي (٦)، والزمخشري (٧)، ابن العربي (٨)، ابن عطية (٩)، وغيرهم.
стр. 399
قال ابن عطية: وقال بعض الناس في هذه الآية تقديم وتأخير، وتقديرها فتحرير رقبة لما قالوا، وهذا قول يفسد [نظم] (١) الآية، وحكي عن الأخفش (٢)؛ لكنه غير قويّ اهـ (٣).
وقال أبو حيان - وبعد أن حكى قول الأخفش: وهذا قول ليس بشيء؛ لأنه يفسد نظم الآية اهـ (٤).
وقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالتقديم والتأخير: … وهذا غير صحيح، لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب إلا لدليل اهـ (٥).
***
стр. 400
المطلب التاسع:
قاعدة: لا ينبغي حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح
* صورة القاعدة:
إذا ورد خلاف بين المفسرين في تفسير آية من كتاب الله، وكان خلافهم دائرا بين حمل الآية على القلب أو عدمه، فحمل الآية على عدم القلب أولى وأصح، متى صح ذلك؛ لأنه هو الموافق لظاهر الآية، ولا يجوز العدول عن الظاهر إلا بدليل يرجع إليه؛ ولأنه هو الأصل في الكلام، ولا ضرورة بنا إلى الخروج عن الأصل وللآية فيه وجه صحيح، ومن ادعى أمرا خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الدليل على داعواه؛ ولأنه فيه خروج من الخلاف؛ لأنه قد أنكر جماعة من العلماء وجود القلب في القرآن - كما سيأتي إن شاء الله.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
- تعريف القلب:
ذكر ابن فارس أن لمادة «قلب» في اللغة أصلين صحيحين أحدهما يدل على خالص شيء وشريفه، والآخر على ردّ شيء من جهة إلى جهة، وهذا الأصل هو المعنيّ في هذه القاعدة، قال ابن فارس: والأصل الآخر قلبت الثوب قلبا، والقلب: انقلاب الشّفه … وقلبت الشيء: كببته، وقلّبته بيديّ تقليبا ويقال: أقلبت الخبزة، إذا حان لها أن تقلب … والقليب: البئر قبل أن تطوى، وإنما سميت قليبا؛ لأنها كالشيء يقلب من جهة إلى جهة، وكانت أرضا فلما حفرت صار ترابها كأنه قلب اهـ (١).
стр. 401
وعرّف البلاغيون القلب بأنه: جعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر، والآخر مكانة (١)، على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر (٢).
ويلحظ من هذا أن بين المعنى اللغوي للقلب والمعنى الاصطلاحي تقاربا كبيرا حيث هو في اللغة ردّ الشيء من جهة إلى جهة وفي الاصطلاح ردّ أحد أجزاء الكلام من مكان إلى مكان، فهما يشتركان في أنه وضع الشيء على غير وجهة الذي هو عليه في الأصل، سواء أكان هذا في الجملة الواحدة بتغير ترتيبها مع أخذ كل جزء منها حكم الآخر أم كان القلب في استعمال ألفاظ على غير وضعها وغرضها، لغرض ما.
وقولهم: «على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر» ليخرج به نحو في الدار زيد وضرب عمرا زيد بتقديم المفعول، فإن كلا - ولو جعل في محل الآخر - باق على حكمه (٣) فهذا القيد هو الذي أخرج التقديم والتأخير؛ لأنه وإن كان فيه قلب بجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر غير أن كلا منهما باق على حكمه، ولذلك أفردته في قاعدة مستقلة.
وهذا هو الفرق بين أمثلة قاعدة التقديم والتأخير وقلب الإسناد في هذه القاعدة.
***
* أنواع القلب:
القلب يكون في الكلمة الواحدة، ويكون في الجملة، فالقلب في الكلمة هو عبارة عن تقليب بعض حروف الكلمة تقديما وتأخيرا، كقولهم: «جبذ وجذب» (٤) وقد تكلم على هذا علماء اللغة وأفرده بعضهم بالتأليف (٥).
стр. 402
وهذا النوع ليس مرادا في هذه القاعدة، وليس منه شيء في القرآن، كما قال ابن فارس (١).
والقلب في الجملة هو المراد في هذه القاعدة، وذكر له العلماء أنواعا ومثّلوا له، وجعلوا بعض آيات التنزيل من ذلك، وهذه القاعدة ترجّح عدم القلب فيها - كما سترى في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله تعالى -.
ومن هذه الأنواع التي تعمل هذه القاعدة في أمثلتها:
١ - قلب الإسناد: وهو أن يكون الإسناد إلى شيء والمراد غيره كقلب الفاعل مفعولا والمفعول فاعلا ونحو ذلك، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ﴾
[الأحقاف: ٢٠]، وغيرها (٢).
٢ - ومنها قلب العطف: وذلك بجعل المعطوف عليه معطوفا، والمعطوف معطوفا عليه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨) [النمل: ٢٨]، وقوله: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ (٨) [النجم: ٨]، وغيرها (٣).
٣ - ومنها القلب بأن يوصف الشيء بضدّ صفته للاستهزاء: وجعلوا منه قول قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٨٧) [هود: ٨٧] (٤) أو للتطير، أو التفاؤل، أو للمبالغة في الوصف.
وهناك أنواع أخر من القلب ذكرها الأئمة غير أنها ليست مرادة في هذه القاعدة، ولا تدخل تحت أمثلتها.
منها: ما قلب على الخطأ، وليس في كتاب الله منه شيء قطعا (٥).
стр. 403
ومنها: تسمية المتضادين باسم واحد، والأصل واحد (١)، وهذا من الأضداد، وبعض أفراده من المشترك اللفظي.
ومنها: قلب العكس، وهو أمر لفظي كقوله تعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] (٢).
ومنها: القلب المستوي، وهو أن الكلمة أو الكلمات تقرأ من أوّلها إلى آخرها، ومن أخرها إلى أوّلها لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾
[الأنبياء: ٣٣] (٣).
وهذا - أيضا - لفظي لا أثر له في التفسير.
***
* موقف العلماء من أسلوب القلب:
اختلف العلماء في كون القلب من أساليب البلاغة، ومن ثمّ في جواز حمل القرآن عليه (٤).
فذهب بعض العلماء إلى إنكاره مطلقا، وجعلوه من الضرورات التي يسلكها الشعراء لمراعاة القافية والوزن، والقرآن منزه عنه فلا يحمل عليه أبدا (٥).
وذهب آخرون إلى قبوله مطلقا.
стр. 404
واشترط له آخرون عدم اللبس (١).
وفصّل آخرون: فقالوا: إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل، وإلا ردّ (٢)؛ لأن العدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة تقتضيه خروج عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال (٣).
وهذه القاعدة الترجيحية ترجّح عدم حمل الآية على القلب ولها بدونه وجه صحيح، سواء قيل بقبوله مطلقا أو بشرط أن يتضمن اعتبارا لطيفا، فإن جاز حمل القرآن عليه لا يعدو أن يكون وجها في الآية، والصواب فيها خلافه، أمّا على القول بإنكاره مطلقا فهو لا يوجد أصلا في القرآن، والحمد لله رب العالمين.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد جماعة من أئمة التفسير مضمون هذه القاعدة وقرروه على تفاوت بينهم في العبارة وفي التطبيق.
فمن هؤلاء الأئمة:
١ - ابن قتيبة: قال بعد أن نقل أقوال بعض أصحاب اللغة في ادعاء القلب في بعض الآيات: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله
стр. 405
لو لم يجد له مذهبا؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلم على الغلط أو على طريق الضرورة للقافية أو لاستقامة وزن البيت … والله - تعالى - لا يغلط ولا يضطرّ اهـ (١).
٢ - ومنهم أبو جعفر النحاس: وسيأتي كلامه في الأمثلة التطبيقية.
٣ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تعليقه على القول بالقلب واختيار الطبري له (٢) في قوله تعالى: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] الآية - قال القاضي أبو محمد: وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ورصفه … اه (٣).
٤ - ومنهم الرازي: قال مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل الكلام على معنى صحيح وهو على ترتيبه فهو أولى من أن يحمل على أنه مقلوب اهـ (٤).
٥ - ومنهم القرطبي: وسيأتي ترجيحه وفق هذه القاعدة (٥) ضمن الأمثلة التطبيقية.
٦ - ومنهم أبو حيان: فقد قرر في مواضع كثيرة من تفسيره أن القلب من ضرورات الشعر، ولا يجوز حمل القرآن عليه، فمن هذه المواضع قوله: ولا ينبغي حمل القرآن على القلب، إذ الصحيح في القلب أنه مما يضطر إليه في الشعر، وإذا كان المعنى صحيحا واضحا مع عدم القلب، فأي ضرورة تدعو إليه؟! اه (٦).
٧ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة: … وهذا النوع من القلب وإن
стр. 406
أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه اهـ (١).
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
١ - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ذهب أبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج إلى أن في الآية قلبا، والمعنى خلق العجل من الإنسان، وهو العجلة، والعرب تفعل هذا إذا كان الشيء من سبب الشيء بدءوا بالسبب (٢).
وذهب عامة المفسرين أن الآية على ترتيبها، واختلفت عباراتهم في معناها (٣).
فقال بعضهم: خلق الإنسان عجولا، أي: يستعجل الأمور قبل أوانها، وهو ضد التأني والتثبت.
وقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه ومن سرعة فيه وعلى عجل، وقالوا: خلقه الله في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس على عجل في خلقه إياه قبل مغيبها.
وقال آخرون: خلق الإنسان من تعجيل من الأمر؛ لأنه قال: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٠) [النحل: ٤٠] قالوا فهذا العجل.
وقال آخرون: العجل هو الطين، وهي لغة حمير (٤)، ومنه قول الشاعر:
стр. 407
والنبع في الصخر الصماء منبتة … والنخل تنبت بين الماء والعجل (١)
والقول بالترتيب - على الخلاف في توجيه المعنى - أولى القولين بتفسير الآية؛ لموافقته ظاهر الآية، ولا موجب للقول بالقلب، ولا دليل عليه مع مخالفته الظاهرة لظاهر الآية.
وهذا هو قول وترجيح عامّة المفسرين، وهو ما ترجحه هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها.
وردّ أئمة التفسير ادعاء القلب في الآية، قال الإمام الطبري - بعد أن ذكره عن بعض أهل العربية: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره اهـ (٢).
واستبعد الرازي القول بالقلب في الآية، وجعله أبعد الأقوال، ونص على هذه القاعدة في ترجيحه (٣) - وقد سبق نقل بعض كلامه في أقوال العلماء في اعتماد القاعدة.
وضعّف القرطبي هذا القول، ونقل كلاما للنحاس يقرر هذه القاعدة قال فيه:
وهذا القول لا ينبغي أن يجاب به في كتاب الله؛ لأن القلب إنما يقع في الشعر اضطرارا اهـ (٤).
وقال أبو حيان: ومن يدعى القلب فيه … وأن التقدير خلق العجل من الإنسان
стр. 408
فليس قوله بجيد؛ لأن القلب الصحيح فيه أن لا يكون في كلام فصيح، وأن بابه الشعر اهـ (١).
وردّه كذلك الألوسي (٢).
وقال ابن منظور عن القلب في هذه الآية: وحمله على القلب يبعد في الصنعة، ويصغّر المعنى اهـ (٣) وهذا هو الصحيح - إن شاء الله - وهو ما تقرره هذه القاعدة، وذلك بأن تحمل آيات القرآن على ترتيبها ما أمكن ذلك، ولا يدّعى فيها القلب ولها بدونه وجه صحيح.
وهذا ما أردت إيضاحه من خلال هذا المثال، بغض النظر عن تعيين القول الراجح في تفسير الآية من بين تلك الأقوال السابقة الذكر، ولكن إتماما للفائدة، أسوق أقوال العلماء في الترجيح بين تلك الأقوال، أمّا القولان الأخيران فهما ظاهرا الضعف، وذلك؛ لأن قول من قال المعنى: خلق الإنسان من تعجيل في الأمر، يلزم منه إلغاء تخصيص الإنسان بذكر أنه خلق من عجل؛ لأن كل شيء أراده الله يقول له كن فيكون.
قال الطبري - بعد أن ذكره -: وعلى قول صاحب هذه المقالة يجب أن يكون كل خلق الله خلق على عجل؛ لأن كل ذلك خلق بأن قيل له كن فكان، فإذا كان ذلك كذلك، فما وجه خصوص الإنسان إذا بذكر أنه خلق من عجل دون الأشياء كلها، وكلها مخلوق من عجل، وفي خصوص الله تعالى ذكره الإنسان بذلك الدليل الواضح على أن القول في ذلك غير الذي قاله صاحب هذه المقالة اهـ (٤).
وقول من قال: العجل هو الطين بلغة حمير، يرده قوله تعالى بعده: ﴿فَلا﴾
стр. 409
﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧)، فهذا يدل على أن المراد بالعجل في أول الآية غير الطين.
قال الشنقيطي: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما، أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته فهو قول من قال: العجل الطين وهي لغة حميرية … والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل في الآية ليس الطين قوله بعده: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧) وقوله:
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨) [الأنبياء: ٣٨] اه (١).
وأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الأول، وهو قول من قال المعنى: خلق الإنسان عجولا، وقد رجحه جماعة من المفسرين كابن عطية (٢)، الرازي (٣)، والقرطبي (٤)، والألوسي (٥)، والشوكاني (٦)، والشنقيطي، وغيرهم.
стр. 410
ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٣٧) [الأنبياء: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (١١) [الإسراء: ١١].
стр. 411
المطلب العاشر:
قاعدة: إذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أولى
* صورة القاعدة:
إذا احتمل اللفظ - أو الجملة - من كتاب الله تعالى أن يكون مؤكدا للفظ - أو جملة - سابق، أو يكون مفيدا لمعنى جديد لم يسبق في الكلام، فحمله على الإفادة أولى من حمله على الإعادة؛ لأن إفادة معنى جديد أولى من إلغاء هذا المعنى بجعله مؤكّدا لما تقرر في كلام سابق، فالتأكيد خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإن تعذر حمله على فائدة جديدة حمل حينئذ على التأكيد.
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
التأسيس في اللغة: من الأسّ، والأساس وهو: أصل البناء، وأسّ البناء مبتدؤه، والأسيس: أصل كل شيء، والتأسيس في الشعر ألف تلزم القافية وبينها وبين حرف الروي حرف يجوز كسره ورفعه ونصبه (١).
وفي الاصطلاح: إفادة معنى آخر لم يكن حاصلا قبّل (٢).
والتأكيد أو التوكيد هو: تقوية مدلول ما ذكر بلفظ آخر، وهو إما معنويّ كقولك:
جاء القوم كلهم أجمعون، أو لفظيّ وهو: إعادة اللفظ الأول بعينه (٣).
стр. 412
وقد تخرج بعض صور التأكيد من هذه القاعدة، كالتأكيد المعنويّ فهو محصور في سبعة ألفاظ وهي: النفس، والعين، وكلا، وكلتا، وكل، وجميع، وعامّة، فمثل هذا التأكيد لا ينازع التأسيس هنا ولا يقع في مثله الخلاف بين التأسيس والتأكيد.
ويدخل تحت التأكيد الذي أعنيه في هذه القاعدة تأكيد معنى سابق، ولو لم يكن في ذلك تكرار لأي لفظ من ألفاظ الجملة السابقة؛ ولكن معنى اللفظة أو الجملة المتأخرة دائر بين أن يكون مقررا ومؤكدا لمعنى سابق، أو مؤسسا ومفيدا لمعنى جديد، فالتأسيس أولى.
وهذه القاعدة من القواعد الترجيحية، ومن القواعد التفسيرية، وهي متفرّعة عن القاعدة الأصولية «إعمال الكلام أولى من إهماله» فإن كان المفسر لكتاب الله تعالى ينشئ تفسيرا فهو يستعملها في بيان معاني كلام الله، فهي في هذه الحالة تفسيرية.
وإن كان ناظرا بين أقوال المفسرين المختلفة مرجحا بينها فهي قاعدة ترجيحية.
فحديثي إذا عما وقع فيه الخلاف، أما ما لم يقع فيه خلاف، بأن كان الكلام على أصله في التأسيس، أو كان مؤكدا، ولم يدخل عليه احتمال التأسيس، ولا خلاف بين العلماء في ذلك فلا ترجيح بهذه القاعدة.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
هذه القاعدة من القواعد التي استعملها عامة المفسرين مختلفين في طرق اعتمادها والتنبيه عليها، فمنهم من ينشئ تفسيره ويعتمدها كقاعدة تفسيرية، ويفسر أمثلتها بما يوافقها.
ومنهم من يرجح مضمون القاعدة، وإن لم يصرح بلفظها، ومن العلماء من يرجح بها وينص عليها مستشهدا بها على صحة ترجيحه، وكل هؤلاء يعتمدون عليها في ترجيحاتهم، فمن هؤلاء الأئمة:
١ - الإمام الطبري: فعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾
стр. 413
﴿مِنْهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ (٥٥) [الحج: ٥٥] بعد أن ذكر الخلاف بين أهل التأويل في «اليوم» أيّ يوم هو؟ فقال بعضهم يوم القيامة، وقال آخرون: يوم بدر.
قال - معقبا - على القول الثاني -:
وهذا القول الثاني أولى بتأويل الآية؛ لأنه لا وجه لأن يقال: لا يزالون في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو تأتيهم الساعة؛ وذلك أن الساعة هي يوم القيامة، فإن كان اليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة، فإنما معناه ما قلنا من تكرير ذكر الساعة مرتين باختلاف الألفاظ، وذلك ما لا معنى له، فإذا كان ذلك كذلك، فأولى التأويلين به أصحهما معنى، وأشبههما بالمعروف في الخطاب، وهو ما ذكرناه في معناه اهـ (١).
٢ - ومنهم أبو محمد مكي بن أبي طالب: قال - مقررا مضمون هذه القاعدة: وحمل اللفظين على فائدتين، ومعنيين أولى من حملهما على التكرار بمعنى واحد اهـ (٢).
٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: قال - مقررا هذه القاعدة: إذا أمكن حمل اللفظ على فائدة مجدّدة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف كلام العليم الحكيم؟ اه (٣).
٤ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: ففي معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٤) [التكاثر: ٣ - ٤] قال: قيل: تأكيد لحصول العلم كقوله تعالى: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٥) [النبأ: ٤ - ٥]، وقيل:
ليس تأكيدا، بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثاني في القبر
ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه:
стр. 414
أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره، مع فخامة المعنى وجلالته، وعدم الإخلال بالفصاحة اهـ (١).
٥ - ومنهم الشوكاني: قال - معللا لاختياره وترجيحه: والأول أولى؛ لأن التأسيس خير من التأكيد اهـ (٢).
٦ - ومنهم الألوسي: فقد ذكرها في معرض الترجيح بها فقال: التأسيس خير من التأكيد اهـ (٣).
٧ - ومنهم محمد الأمين الشنقيطي: قال - مقررا هذه القاعدة بما تقرر في الأصول:
إن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا احتمل التأسيس والتأكد معا، وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد إلا لدليل يجب الرجوع إليه اهـ (٤).
وقال في موضع آخر: وقد تقرر في الأصول أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس اهـ (٥).
وهذه القاعدة من القواعد الأصولية المتفرّعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله»، التي قررها علماء الأصول فهم متفقون على أن التأكيد على خلاف الأصل؛ لأن الأصل في وضع الكلام إنما هو إفهام السامع ما ليس عنده، فإذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد، تعين حمله على التأسيس (٦).
стр. 415
وغير هؤلاء الأئمة كثير (١).
***
* الأمثلة التطبيقية على القاعدة:
أمثلة هذه القاعدة كثيرة، منها ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) [النور: ٤١].
اختلف العلماء في عائد الضمير المحذوف الذي هو فاعل «علم».
فقال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله تعالى في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ﴾ الآية، وعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين، قد علم الله صلاته وتسبيحه.
وقال آخرون: بل هو راجع إلى قوله: ﴿كُلٌّ،﴾ فعلى هذا يكون المعنى: كل من المصلين والمسبحين قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه (٢).
وأولى القولين في هذا بالصواب القول الثاني، أي إعادة الضمير إلى قوله: ﴿كُلٌّ،﴾
وذلك حتى يكون قوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) تأسيسا لمعنى جديد، وهو إحاطة علمه تعالى بكل ما يفعلون.
أمّا على القول الأول فإن جملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) تكون مؤكدة لمعنى جملة ﴿قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فالجملة الأولى مخبرة عن علمه تعالى بصلاتهم وتسبيحهم، وكذلك جملة ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) مخبرة بذلك فتكون مؤكدة لها.
وإذا دار الكلام بين التأسيس والتأكيد فحمله على التأسيس أرجح.
стр. 416
وهذا القول الذي رجحته هذه القاعدة هو ما اختاره ورجحه أئمة التفسير كأبي حيان (١)، وتلميذه السمين (٢)، والشوكاني (٣)، وتلميذه صديق خان (٤)، والطاهر ابن عاشور (٥)، والشنقيطي (٦)، وغيرهم.
قال العلاّمة الشنقيطي - بعد أن ذكر القولين، ثم أردف بذكر القاعدة:
وإذا علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين، أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ راجعا إلى قوله: ﴿كُلٌّ﴾ أي كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين، قد علم تسبيح نفسه، وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾
(٤١) تأسيس لا تأكيد، أما على القول بأن الضمير راجع إلى الله - أي: قد علم الله صلاته - يكون قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٤١) كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي.
وقد علمت أن المقرر في الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد اهـ (٧).
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها».
فإعادة ضمائر ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ إلى ﴿كُلٌّ﴾ أولى من تفريقها بإعادة ضمير ﴿عَلِمَ﴾ إلى ﴿اللهَ،﴾ وإعادة ضميرا ﴿صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ إلى
стр. 417
﴿كُلٌّ﴾.
قال السمين الحلبي - في معرض ترجيحه لما رجحت القاعدة: وهذا أولى لتوافق الضمائر اهـ (١).
وقال الطاهر ابن عاشور: وضمائر ﴿عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ راجعة إلى ﴿كُلٌّ﴾
لا محالة، ولو كان المراد بها التوزيع على من في السموات والأرض والطير من جهة، وعلى اسم الجلالة من جهة لوقع ضمير فصل بعد ﴿عَلِمَ﴾ فلكان راجعا إلى الله - تعالى - اه (٢).
ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده» فأقرب المذكورين هو لفظ ﴿كُلٌّ﴾ فإعادة الضمير إليه أولى من إعادته إلى الأبعد، وهو لفظ الجلالة.
***
стр. 418
المطلب الحادي عشر:
قاعدة: حمل ألفاظ الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف
* صورة القاعدة:
عند اختلاف المفسرين في تفسير ألفاظ القرآن الكريم، بين قائل بترادف بعض ألفاظها تأكيدا للمعنى المذكور، وقائل بالتباين بين معانيها، فأرجح القولين وأصحهما في ذلك، قول من حملها على التباين؛ لأنه هو الأصل، وهو أكثر اللغة؛ ولأن حملها على التباين يفيد معنى جديدا، وأما حملها على الترادف (١) فهي لا تكون إلا مؤكدة لسابقتها، والتأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في القاعدة السابقة.
والفرق بين المترادف والمؤكّد، أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت أصلا، وأمّا المؤكّد فإنه لا يفيد عين فائدة المؤكّد، بل يفيد تقويته (٢).
***
* بيان ألفاظ القاعدة:
تعريف الترادف والتباين:
الترادف في اللغة: التتابع، قال ابن فارس: الراء والدال والفاء أصل واحد مطرد يدل على اتّباع الشيء، فالترادف: التتابع، والرّديف: الذي يرادفك … ويقال: نزل بهم أمر فردف لهم أعظم منه أي: تبع الأوّل ما كان أعظم منه اهـ (٣).
стр. 419
وفي الاصطلاح: عرّفه الزركشي بقوله: هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد.
ثم شرع في بيان محترزات التعريف فقال: واحترز ب «المفرد» عن دلالة الرسم والحد -[أي التعريف]- فإنهما يدلان على شيء واحد، وليسا مترادفين؛ لأن الحد مركب.
وخرج ب «اعتبار واحد» المتزايلات كالسيف والصارم فإن مدلولهما واحد؛ لكن باعتبارين اهـ (١).
والتباين في اللغة: أصل مادة «بين» هو: بعد الشيء وانكشافه (٢).
وفي الاصطلاح: الألفاظ المختلفة للمعاني المختلفة (٣).
***
* موقف العلماء من الترادف في اللغة وفي القرآن:
اختلف العلماء في وقوع الترادف في اللغة:
فقال بوقوعه جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه (٤) وابن جني (٥)، وغيرهما (٦).
стр. 420
وصححه من الأصوليين الرازي (١)، والزركشي (٢) وغيرهما (٣)، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
وذهب آخرون منهم إلى منع الترادف في العربية، ومن هؤلاء ابن الأعرابي (٥)، وابن فارس (٦)، وابن الأنباري (٧)، والراغب (٨)، وغيرهم (٩).
قال ابن الأعرابي: كل حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه، ربما عرفناه فأخبرنا به، وربما غمض علينا فلم نلزم العرب جهله اهـ (١٠).
والخلاف بين العلماء في هذه المسألة مشهور، وقد نصر كل فريق منهم قوله بأدلة، ليس هذا مجال بسطها (١١)؛ لأنها ليست مقصودة في هذه القاعدة، وإنما
стр. 421
أردت من ذكرها هنا التذكير بهذا الخلاف لما فيه من تقوية بعض جوانب القاعدة، بغض النظر عن ترجيح أحد الأقوال بإثبات الترادف في اللغة أو نفيه.
ولابن القيم تقسيم - في غاية الحسن - للأسماء الدالة على مسمى واحد، وما بينها من ترادف أو تباين، وموقف العلماء منها، أسوقه لنفاسته، قال ﵀: فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان:
أحدهما: أن يدلّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا، وهذا كالحنطة والقمح والبرّ والاسم والكنية واللّقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف.
والنوع الثاني: أن يدلّ على ذات واحدة باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى، وأسماء كلامه، وأسماء نبيه، وأسماء اليوم الأخر، فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات، ومتباين بالنسبة إلى الصفات، فالربّ والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وكذلك البشير والنذير والحاشر والعاقب والماحي، وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التّغابن ويوم الآزفة ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها، وكذلك أسماء السيف فإنّ تعدّدها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة، كالمهنّد والعضب والصّارم ونحوها، … وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة، وكأنهم أرادوا هذا المعنى، وأنه ما من اسمين لمسمي واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة، سواء علمت لنا أو لم تعلم، وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد، ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين يسمي أحدهما المسمى باسم، ويسميه الواضع الآخر باسم غيره، ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة، وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا، فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم اهـ (١).
وأمّا وقوع الترادف في القرآن، فقد منعه بعض العلماء، وعلى رأسهم من منع وجوده
стр. 422
في اللغة.
قال الراغب الأصفهاني في مقدمة مفرداته: وأتبع هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل - بكتاب ينبئ عن تحقيق «الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة»، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرّة والفؤاد مرة والصدر مرّة، ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧) [الروم: ٣٧]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤) [يونس: ٢٤]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
(٢٣٠) [البقرة: ٢٣٠]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨) [الأنعام: ٩٨]، وفي أخرى:
﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣]، وفي أخرى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥) [الفجر: ٥]، وفي أخرى: ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ (٥٤) [طه: ٥٤]، ونحو ذلك مما يعدّه من لا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل أنّه باب واحد، فيقدّر أنه إذا فسّر: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بقوله: الشكر لله، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] بلا شك فيه، فقد فسّر القرآن ووفاه التبيان اهـ (١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإمّا نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن اهـ (٢).
وذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع الترادف في القرآن؛ لأنه واقع في اللغة، والقرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليبها، وفنون كلامها، والترادف من ذلك، وصحح الزركشي هذا القول (٣).
وسواء قيل بالترادف في القرآن أو قيل بعدمه، متى أمكن حمل ألفاظ القرآن على التباين كان ذلك هو المعتمد؛ لموافقته الأصل، ولإفادته فائدة جديدة وهي أولى من التأكيد.
стр. 423
* أدلة القاعدة:
أولا: لا ريب أن القرآن الكريم أفصح الكلام، وجميع ألفاظه وتراكيبه في قمة الفصاحة والبيان، وكل كلمة قد جعلت في موضعها اللائق بها، وكل لفظ في موضعه يؤدي معنى لا يؤديه غيره من الألفاظ، وظاهر القرآن التفريق بين معاني الألفاظ، حيث فرّق بين قول لفظ وآخر مما يدل على وجوب اهتمام المفسر بالفروق بين الألفاظ وأن لا يجزم بترادف الألفاظ ولها بدونه وجه ثابت صحيح.
وقد قرر الله - تعالى - هذا المسلك في تفريقه بين لفظي «الإيمان والإسلام»، وبين لفظي «راعنا وانظرنا» في قول الله تعالى: ﴿* قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وفي هذا الاستعمال القرآني التنبيه إلى منهج متميز في إثبات معنى لكل لفظ يخصه، ويفرقه عن غيره من الألفاظ المناظرة له، وإن اتفقت في كثير من معانيها.
ثانيا: أن النبي ﷺ سلك هذا المسلك القرآني في التفريق بين الألفاظ في الاستعمال والمعنى بدقة بالغة، بما يكون فيه تنبيه على حمل كل لفظ على دقائق معانية دون ادعاء الترادف عليها، وذلك في عدّة أحاديث، منها:
١ - حديث البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتؤضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فردّدتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (١).
стр. 424
٢ - ومنها حديث سعد بن أبي وقاص (١) ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسما فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي ﷺ : «أو مسلم أقولها ثلاثا ويرددها عليّ ثلاثا» (٢).
٣ - ومنها حديث البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة»، فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة؟ فقال: «لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها» (٣).
ففرق النبي ﷺ في هذه الأحاديث بين ألفاظ قد ظنّ أنها مترادفة ففي الحديث الأول فرّق بين الرسول والنبي، ولم يجعل أحدهما يكفي، عن الآخر.
وفي الحديث الثاني فرّق بين المؤمن والمسلم، وفي الحديث الثالث فرّق بين عتق النسمة وفك الرقبة، «فتأمل كيف رتب الكلامين واقتضى من كل واحد أخص البيانين فيما وضع له من المعنى، وضمنه من المراد» (٤) مما يدل على اهتمامه ﷺ بإثبات الفروق بين الألفاظ، وإن دل أحدهما على معظم معاني الآخر (٥).
ثالثا: التباين هو الأصل في الكلام، والترادف خلاف الأصل؛ لأنه يخل بالفهم
стр. 425
التامّ، لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه الآخر، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر؛ ولأنه يتضمن تعريف المعرّف وهو خلاف الأصل (١).
ومن ادعى خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الحجة على دعواه
رابعا: والتباين هو أكثر اللغة (٢)، وحمل الكلام على الأكثر أولى من حمله على الأقل، على قول من أثبت الترادف في اللغة والقرآن، وإلا فقد أنكره جماعة من الأئمة.
خامسا: والتباين فيه إفادة جديدة، وأما الترادف فهو تأكيد لما سبق، والتأسيس أولى من التأكيد.
***
* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة:
اعتمد هذه القاعدة كثير من العلماء، ونص عليها وصرح بها جماعة منهم، وهي قاعدة أصولية مشهورة، فمن هؤلاء:
١ - شيخ الإسلام ابن تيمية: فمقتضى كلامه من أن الترادف في القرآن إما نادر أو معدوم (٣)، يوحي باعتماده لهذه القاعدة، وإن لم ينص عليها هنا.
وقد ردّ القول بالترادف في آيات سيأتي بسط الكلام على بعضها في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -.
٢ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد اعتمدها في ترجيحاته، حيث يختار ويرجح التباين ويرد القول بالترادف، وقرر أن الأصل في اللغة هو التباين،