← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أردت من ذكرها هنا التذكير بهذا الخلاف لما فيه من تقوية بعض جوانب القاعدة، بغض النظر عن ترجيح أحد الأقوال بإثبات الترادف في اللغة أو نفيه. ولابن القيم تقسيم - في غاية الحسن - للأسماء الدالة على مسمى واحد، وما بينها من ترادف أو تباين، وموقف العلماء منها، أسوقه لنفاسته، قال ﵀: فالأسماء الدالة على مسمى واحد نوعان: أحدهما: أن يدلّ عليه باعتبار الذات فقط، فهذا النوع هو المترادف ترادفا محضا، وهذا كالحنطة والقمح والبرّ والاسم والكنية واللّقب إذا لم يكن فيه مدح ولا ذم وإنما أتي به لمجرد التعريف. والنوع الثاني: أن يدلّ على ذات واحدة باعتبار تباين صفاتها كأسماء الرب تعالى، وأسماء كلامه، وأسماء نبيه، وأسماء اليوم الأخر، فهذا النوع مترادف بالنسبة إلى الذات، ومتباين بالنسبة إلى الصفات، فالربّ والرحمن والعزيز والقدير والملك يدل على ذات واحدة باعتبار صفات متعددة، وكذلك البشير والنذير والحاشر والعاقب والماحي، وكذلك يوم القيامة ويوم البعث ويوم الجمع ويوم التّغابن ويوم الآزفة ونحوها، وكذلك القرآن والفرقان والكتاب والهدى ونحوها، وكذلك أسماء السيف فإنّ تعدّدها بحسب أوصاف وإضافات مختلفة، كالمهنّد والعضب والصّارم ونحوها، … وقد أنكر كثير من الناس الترادف في اللغة، وكأنهم أرادوا هذا المعنى، وأنه ما من اسمين لمسمي واحد إلا وبينهما فرق في صفة أو نسبة أو إضافة، سواء علمت لنا أو لم تعلم، وهذا الذي قالوه صحيح باعتبار الواضع الواحد، ولكن قد يقع الترادف باعتبار واضعين مختلفين يسمي أحدهما المسمى باسم، ويسميه الواضع الآخر باسم غيره، ويشتهر الوضعان عند القبيلة الواحدة، وهذا كثير ومن ههنا يقع الاشتراك أيضا، فالأصل في اللغة هو التباين وهو أكثر اللغة والله أعلم اهـ (١). وأمّا وقوع الترادف في القرآن، فقد منعه بعض العلماء، وعلى رأسهم من منع وجوده

стр. 422

في اللغة. قال الراغب الأصفهاني في مقدمة مفرداته: وأتبع هذا الكتاب - إن شاء الله تعالى ونسأ في الأجل - بكتاب ينبئ عن تحقيق «الألفاظ المترادفة على المعنى الواحد، وما بينها من الفروق الغامضة»، فبذلك يعرف اختصاص كل خبر بلفظ من الألفاظ المترادفة دون غيره من أخواته، نحو ذكر القلب مرّة والفؤاد مرة والصدر مرّة، ونحو ذكره تعالى في عقب قصة: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧) [الروم: ٣٧]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤) [يونس: ٢٤]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٢٣٠) [البقرة: ٢٣٠]، وفي أخرى: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨) [الأنعام: ٩٨]، وفي أخرى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣) [آل عمران: ١٣]، وفي أخرى: ﴿لِذِي حِجْرٍ﴾ (٥) [الفجر: ٥]، وفي أخرى: ﴿لِأُولِي النُّهى﴾ (٥٤) [طه: ٥٤]، ونحو ذلك مما يعدّه من لا يحقّ الحقّ ويبطل الباطل أنّه باب واحد، فيقدّر أنه إذا فسّر: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ بقوله: الشكر لله، و ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] بلا شك فيه، فقد فسّر القرآن ووفاه التبيان اهـ (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الترادف في اللغة قليل، وأما في ألفاظ القرآن فإمّا نادر وإما معدوم، وقلّ أن يعبر عن لفظ واحد بلفظ واحد يؤدي جميع معناه؛ بل يكون فيه تقريب لمعناه، وهذا من أسباب إعجاز القرآن اهـ (٢). وذهب بعض العلماء إلى جواز وقوع الترادف في القرآن؛ لأنه واقع في اللغة، والقرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليبها، وفنون كلامها، والترادف من ذلك، وصحح الزركشي هذا القول (٣). وسواء قيل بالترادف في القرآن أو قيل بعدمه، متى أمكن حمل ألفاظ القرآن على التباين كان ذلك هو المعتمد؛ لموافقته الأصل، ولإفادته فائدة جديدة وهي أولى من التأكيد.

стр. 423

* أدلة القاعدة: أولا: لا ريب أن القرآن الكريم أفصح الكلام، وجميع ألفاظه وتراكيبه في قمة الفصاحة والبيان، وكل كلمة قد جعلت في موضعها اللائق بها، وكل لفظ في موضعه يؤدي معنى لا يؤديه غيره من الألفاظ، وظاهر القرآن التفريق بين معاني الألفاظ، حيث فرّق بين قول لفظ وآخر مما يدل على وجوب اهتمام المفسر بالفروق بين الألفاظ وأن لا يجزم بترادف الألفاظ ولها بدونه وجه ثابت صحيح. وقد قرر الله - تعالى - هذا المسلك في تفريقه بين لفظي «الإيمان والإسلام»، وبين لفظي «راعنا وانظرنا» في قول الله تعالى: ﴿* قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وفي هذا الاستعمال القرآني التنبيه إلى منهج متميز في إثبات معنى لكل لفظ يخصه، ويفرقه عن غيره من الألفاظ المناظرة له، وإن اتفقت في كثير من معانيها. ثانيا: أن النبي ﷺ سلك هذا المسلك القرآني في التفريق بين الألفاظ في الاستعمال والمعنى بدقة بالغة، بما يكون فيه تنبيه على حمل كل لفظ على دقائق معانية دون ادعاء الترادف عليها، وذلك في عدّة أحاديث، منها: ١ - حديث البراء بن عازب قال: قال النبي ﷺ : «إذا أتيت مضجعك فتؤضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متّ من ليلتك فأنت على الفطرة واجعلهن آخر ما تتكلم به»، قال: فردّدتها على النبي ﷺ ، فلما بلغت «اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت» قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت» (١).

стр. 424

٢ - ومنها حديث سعد بن أبي وقاص (١) ﵁ قال: قسم رسول الله ﷺ قسما فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن فقال النبي ﷺ : «أو مسلم أقولها ثلاثا ويرددها عليّ ثلاثا» (٢). ٣ - ومنها حديث البراء بن عازب ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة»، فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة؟ فقال: «لا، إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها» (٣). ففرق النبي ﷺ في هذه الأحاديث بين ألفاظ قد ظنّ أنها مترادفة ففي الحديث الأول فرّق بين الرسول والنبي، ولم يجعل أحدهما يكفي، عن الآخر. وفي الحديث الثاني فرّق بين المؤمن والمسلم، وفي الحديث الثالث فرّق بين عتق النسمة وفك الرقبة، «فتأمل كيف رتب الكلامين واقتضى من كل واحد أخص البيانين فيما وضع له من المعنى، وضمنه من المراد» (٤) مما يدل على اهتمامه ﷺ بإثبات الفروق بين الألفاظ، وإن دل أحدهما على معظم معاني الآخر (٥). ثالثا: التباين هو الأصل في الكلام، والترادف خلاف الأصل؛ لأنه يخل بالفهم

стр. 425

التامّ، لاحتمال أن يكون المعلوم لكل واحد من المتخاطبين غير الاسم الذي يعلمه الآخر، فعند التخاطب لا يعلم كل واحد منهما مراد الآخر؛ ولأنه يتضمن تعريف المعرّف وهو خلاف الأصل (١). ومن ادعى خلاف الأصل بقي مرتهنا بإقامة الحجة على دعواه رابعا: والتباين هو أكثر اللغة (٢)، وحمل الكلام على الأكثر أولى من حمله على الأقل، على قول من أثبت الترادف في اللغة والقرآن، وإلا فقد أنكره جماعة من الأئمة. خامسا: والتباين فيه إفادة جديدة، وأما الترادف فهو تأكيد لما سبق، والتأسيس أولى من التأكيد. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة كثير من العلماء، ونص عليها وصرح بها جماعة منهم، وهي قاعدة أصولية مشهورة، فمن هؤلاء: ١ - شيخ الإسلام ابن تيمية: فمقتضى كلامه من أن الترادف في القرآن إما نادر أو معدوم (٣)، يوحي باعتماده لهذه القاعدة، وإن لم ينص عليها هنا. وقد ردّ القول بالترادف في آيات سيأتي بسط الكلام على بعضها في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -. ٢ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد اعتمدها في ترجيحاته، حيث يختار ويرجح التباين ويرد القول بالترادف، وقرر أن الأصل في اللغة هو التباين،

стр. 426

وأنه أكثر اللغة (١). ٣ - ومنهم الزركشي قال مقررا هذه القاعدة: الترادف خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين كونه مترادفا أو متباينا فحمله على التباين أولى اهـ (٢). وقال في موضع آخر: قاعدة في ألفاظ يظن بها الترادف وليست منه، ولهذا وزّعت بحسب المقامات، فلا يقوم مرادفها فيما استعمل فيه مقام الآخر، فعلى المفسر مراعاة الاستعمالات والقطع بعدم الترادف ما أمكن اهـ (٣). أمّا المفسرون فلم أقف على كلام لأحدهم ينص على هذه القاعدة بلفظها، اللهم إلا ما يفهم من كلام الإمام الطبري بعد أن ذكر أسماء القرآن الواردة فيه، وذكر الآيات في ذلك قال: ولكل اسم من أسمائه الأربعة -[يعني القرآن، والذكر، والفرقان، والكتاب]- في كلام العرب معنى ووجه غير معنى الآخر ووجه اهـ (٤). بيد أن اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة ظاهر بيّن، وعملهم بمقتضاها واضح كوضوح الشمس في رابعة النهار، وذلك أن كثيرا منهم يفسر الآيات التي قيل بترادف بعض ألفاظها تفسيرا يدل على أنه يرى عدم ترادفها، وذلك بذكر فروق بين تلك الألفاظ، مع الإغفال التام للقول بالترادف (٥).

стр. 427

وربما حكى بعضهم القول بالترادف؛ لكنه يختار ويرجح القول بالتباين (١). وأحيانا يحكي بعضهم القول بالترادف بصيغة التمريض منبها بذلك على ضعفه (٢). وكل هذا يدل على اعتمادهم لمضمون هذه القاعدة. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة قول المرجئة: إن الإيمان مرادف للتصديق، وقالوا: إن الله تعالى قال: ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمصدق لنا، والإيمان في اللغة التصديق، والرسول ﷺ إنما خاطب الناس بلغة العرب، فيكون مراده بالإيمان التصديق، والتصديق يكون بالقلب واللسان، فالأعمال ليست من الإيمان (٣). ومذهبهم هذا باطل، قد تولى أئمة الإسلام إبطاله، والرد عليه من وجوه كثيرة (٤)، أسوق منها محل الغرض، وهو إبطال دعوى الترادف بين لفظ الإيمان، ولفظ التصديق، تمثيلا لهذه القاعدة. فمنها: أن هذه القاعدة تصحح القول بالتباين بين اللفظين. فحمل ألفاظ نصوص الوحي على التباين أرجح من حملها على الترادف في حالة ورود الاحتمالين، كما تقرر هذه القاعدة فكيف الحال إذا لم يرد الاحتمال، ولم تصح دعوى الترادف بين اللفظين لغة؟، وذلك أن لفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير

стр. 428

باللام دائما، وليس كذلك لفظ التصديق فإنه يتعدى بنفسه، فإنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه، وآمن به، بل يقال آمن له. وجاء تعدي لفظ الإيمان إلى مفعوله باللام في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿* فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١) [الدخان: ٢١]، ونحوها من الآيات. وهذا من الفروق بين اللفظين في اللغة مما يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما. ومنها: أن لفظ الإيمان ليس مرادفا للفظ التصديق في المعنى، فإن لفظ التصديق يستعمل في كل خبر عن أمر مشاهد أو غائب، أما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، ولم يوجد في القرآن والسنة ولغة العرب أنه استعمل في الخبر عن مشاهد، بل كل ما ورد من استعماله فهو في الخبر عن غائب. وهذا يدل على بطلان دعوى الترادف بينهما. ومنها: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، فيقال: لكل مخبر صدقت، أو كذبت، أو صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر آمنا له، أو كذبناه. والكفر ليس تكذيبا فقط بل هو تكذيب وزيادة، فقد يكون عنادا ومخالفة ومعاداة بلا تكذيب. فإذا كان كذلك كان لفظ الإيمان ليس هو لفظ التصديق فقط، بل فيه موالاة وموافقة وانقياد، فدل هذا على عدم ترادف اللفظين. فإذا تقرر هذا، وانتفى الترادف بين لفظ الإيمان ولفظ التصديق، بطلت دعوى أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان. والأدلة على دخول الأفعال في مسمى الإيمان كثيرة أذكر منها حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم: «آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة،

стр. 429

وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغانم الخمس» (١) فدل هذا الحديث بوضوح على دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ومثله قول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» (٢).

стр. 430

والأدلة على ذلك كثيرة، والكلام في إبطال مذهب القوم يطول، وإنما اقتصرت على ما يحصل به المقصود، والله أعلم. ***

стр. 431

المطلب الثاني عشر: قاعدة: إذا دار الكلام بين الزيادة والتأصيل فحمله على التأصيل أولى * صورة القاعدة: إذا اختلف المفسرون في تفسير لفظة من كتاب الله، فمنهم من يجعلها زائدة، وأصل المعنى تام بدونها، وما جاءت إلا للتقوية والتأكيد، ومنهم من يجعلها أصلية في الكلام، وأصل المعنى لا يتم إلا بها. فالأولي حملها على التأصيل - وهو عدم الزيادة -؛ لأنه الأصل في الكلام، ولا يعدل عن الأصل إلا بدليل يجب الرجوع إليه؛ ولأن التأسيس أولى من التأكيد كما مرّ في قاعدة سابقة، فيرجح بهذه القاعدة في خلاف المفسرين فيما احتمل فيه اللفظ الزيادة والتأصيل، فخرج بهذا ما إذا كان زائدا للتقوية والتأكيد قولا واحدا؛ لأن زيادة بعض الحروف والكلمات للتأكيد وارد في لسان العرب (١) ومن سننها في الكلام، وبه جاء القرآن (٢)، فإذا لم يحتمل اللفظ التأصيل والزيادة فإنه لا يقع فيه خلاف أصلا، ومن ثمّ لا ترجيح بهذه القاعدة فيه. * الزيادة بين مثبتيها ومنكريها، وتحديد مفهومها في هذه القاعدة: اختلف العلماء في وقوع الزائد - أي الصلة - في القرآن الكريم.

стр. 432

- فمنهم من أنكره. - ومنهم من أثبته، وينسب هذا إلى عامّة العلماء من الفقهاء والمفسرين وغيرهم (١)؛ لأنه نزل بلسان القوم ومتعارفهم وهو كثير؛ لأن الزيادة بإزاء الحذف هذا للاختصار والتخفيف وهذا للتوكيد والتوطئة (٢). فمن أنكر وقوع الزائد في العربية وفي القرآن إنما أراد إنكار زيادة لفظ لا فائدة فيه ولا معنى له؛ لأن الكلام العاري عن الفائدة والمعنى هذيان ونقص لا يقصده العقلاء في كلامهم، فكيف برب العالمين؟! (٣). قال الرازي: لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشيء ولا يعني به شيئا؛ لأن التلكّم بما لا يفيد شيئا هذيان، وهو نقص، والنقص على الله تعالى محال؛ ولأن الله وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه اهـ (٤). أما من أثبته فهو يقول زائد عن أصل المعنى؛ جاء لغرض التقوية والتأكيد، وهذا هو ما نص عليه العلماء في بيانهم لحقيقة مذهب من أنكر الزيادة في القرآن، ومذهب من أثبتها. قال ابن عطية - في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]-: و «ما» جرّد عنها معنى النفي، ودخلت للتأكيد، وليست زائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه (٥) اسم الزيادة من حيث زال عملها اهـ (٦).

стр. 433

وقال البيضاوي: ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقة وقوة وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه اهـ (١). وقال السمين الحلبي - في تقريره لمعنى الزيادة عند القائلين بها -: إن القائلين يكون هذا زائدا لا يعنون أنه يجوز سقوطه ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون زائد للتوكيد، فله أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن اهـ (٢). وتجنبا لما يوهمه لفظ «الزيادة» كانوا يرون استبداله بألفاظ «الصلة، والمقحم، والتأكيد» تأدبا مع القرآن لئلا يتوهم فيه ما لا يليق به من وجود ألفاظ لا فائدة فيها ولا معنى لها. ويقرر الزركشي هذا بقوله: والأكثرون ينكرون إطلاق هذه العبارة -[يعني الزيادة]- في كتاب الله، ويسمونه التأكيد ومنهم من يسميه بالصلة، ومنهم من يسميه المقحم … والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله، فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب، لا من جهة المعنى اهـ (٣). ومثل هذا الخلاف في تسميتها - زيادة أو صلة أو مقحم - ليس مهما في هذه القاعدة، فالأمر يستوي فيها جميعا، وذلك؛ لأنها أتت لتقوية وتأكيد المعنى على كل تسمية، وإنما وقع الكلام فيها طلبا للتأدب مع القرآن. وأمّا الخلاف المعتبر في أمثله هذه القاعدة هو الخلاف الذي يجعل اللفظة زائدة، بحيث يكون المعنى تاما بدونها عدا التوكيد، «فالزائد هو ما أتي به لغرض التقوية والتأكيد» (٤).

стр. 434

أو يجعلها متأصلة بحيث لا يتم المعنى بدونها، وهي أصلية في الكلام، فمثل هذا الخلاف هو الذي يظهر فيه اختلاف المعنى على القولين، وهو الذي يدخل تحت هذه القاعدة، ويرجّح بها فيه، فبهذا التحرير يظهر المقصود بالزيادة والتأصيل في القاعدة. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة وقررها جماعة من المفسرين والأصوليين، ورجحوا بها في أمثلتها، وعلى رأس هؤلاء إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري فقد قرر أنه غير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام (١)، وذلك بادعاء زيادته، ورجح بها في مواضع من كتابه (٢)، استعملها في الترجيح تقديما لمحتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح جماعة من المفسرين كابن العربي (٣)، وابن عطية (٤)، والرازي (٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، وأبي حيان (٧)، وابن القيم (٨)، والقاسمي (٩)، والشنقيطي (١٠)، وغيرهم (١١).

стр. 435

وسيأتي ذكر بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - تعالى -. وهي قاعدة مشهورة عند علماء الأصول، فهم يقررون أنه إذا دار اللفظ بين أن يكون زائدا أو متأصلا فإنه يحمل على تأصيله (١)، وهذه القاعدة من القواعد المتفرعة عن القاعدة الكلية «إعمال الكلام أولى من إهماله» كما هو مقرر في الأصول. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦]. اختلف العلماء في «إن» في هذه الآية: فقال بعضهم: هي شرطية، وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم. وهذا القول ضعيف؛ لأن فيه حذفا وتقديرا، وهو خلاف الأصل، ولا يصار إليه إلا بحجة واضحة، كما تقرر في قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار»، قال ابن عطية بعد حكاية هذا القول: وهذا تنطع في التأويل اهـ (٢). وقال آخرون: هي زائدة بعد «ما» الموصولة حملا ل «ما» الموصولة على «ما» النافية؛ لأن «ما» تزاد بعدها لفظة «إن»، ويكون المعنى: مكناهم في مثل ما مكناكم فيه. واستشهدوا على زيادة «إن» بعد «ما» النافية بوروده في شعر العرب، وبهذا قال ابن قتيبة (٣). وقال آخرون: هي أصلية في الكلام، بمعنى النفي، أي: ولقد مكناهم في الذي

стр. 436

لم نمكنكم فيه من القوة في الأجساد وكثرة في الأموال والأولاد وهذا القول أولى الأقوال بالصواب، وهو الذي تقرره هذه القاعدة التي نحن بصدد التمثيل لها، لأن التأصيل هو الأصل ولا ينتقل عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. ويؤيد هذه القاعدة: فيما رجحته في هذا المثال قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» فقد جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً﴾ (٧٤) [مريم: ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩]، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر: ٨٢]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً﴾ [الزخرف: ٨]، وغيرها من الآيات. وعلى هذا القول اقتصر الفراء (١)، والطبري (٢) - وأسنده إلى ابن عباس، وقتادة -، والبغوي (٣)، وابن كثير (٤)، وغيرهم (٥). واختاره ورجحه جماعة من أئمة التفسير الأعلام كأبي جعفر النحاس (٦)،

стр. 437

والزمخشري (١)، وابن عطية (٢)، والرازي (٣)، وأبي حيان (٤)، وأبي السعود (٥)، والشوكاني (٦)، والألوسي (٧)، والقاسمي (٨)، والشنقيطي (٩)، وغيرهم. قال القاسمي - بعد أن اختار القول الراجح وذكر الآيات التي تدل على معناه: والأصل توافق المعاني في الآي الواردة في نبأ واحد، على ما فيه أيضا من سلامة الحذف والزيادة اهـ (١٠). وقال الشنقيطي - بعد أن ذكر القول بالشرطية والقول بالزيادة -: وهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحد منهما؛ لأن الأول منهما فيه حذف وتقدير، والثاني منهما فيه زيادة كلمة، وكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه اه (١١).

стр. 438

***

стр. 439

المطلب الثالث عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مشتركا أو مفردا فإنه يحمل على إفراده * صورة القاعدة: إذ ورد لفظ في كتاب الله - تعالى - واحتمل الاشتراك، والإفراد، فيحمل على إفراده؛ لأنه هو الأصل في اللغات، والأكثر في الاستعمال والتخاطب. *** * بيان ألفاظ القاعدة: المشترك هو: اللفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين أو أكثر دلالة على السواء عند أهل تلك اللغة، سواء أكانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول أم من كثرة الاستعمال، أم استفيدت إحداهما من الوضع والأخرى من كثرة الاستعمال (١). ومثاله: لفظ العين: فإنه يطلق على الباصرة، وعين الشمس وما ينبع من الماء والجاسوس، وغير ذلك. *** * وقوع المشترك في اللغة وفي القرآن: ذهب بعض العلماء إلى: إحالة وقوع المشترك في اللغة. وذهب بعضهم: إلى أنه يجب بحكم المصلحة العامة أن يكون في اللغات ألفاظ مشتركة.

стр. 440

وذهب آخرون: إلى منعه في اللغة الواحدة من واضع واحد. وذهب قوم: إلى جواز وقوعه في اللغة، ومنعه في القرآن خاصة، وقيل غير ذلك. والمختار جواز وقوعه عقلا، ووقوعه سمعا في اللغة، والصحيح وقوعه في القرآن كما في القرء يطلق على الطهر وعلى الحيض - وكما في «عسعس» في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ (١٧) [التكوير: ١٧]، يراد به إقبال الليل وإدباره، وغيرهما، فلا وجه لمن أنكر ذلك (١). وقد سبق في «مبحث: بيان متى يكون الترجيح» شرح بعض مسائل المشترك وذكر بعض أمثلته، وحكم الجمع بين مدلوليه أو مدلولاته، وذكر أقوال ومذاهب العلماء في ذلك بما أغنى عن إعادتها في هذا الموضع. *** * أدلة القاعدة: يدل على صحة هذه القاعدة أدلة: منها: أنه لا خلاف في أن الاشتراك على خلاف الأصل، فالأصل عدمه، والمراد بهذا أنه إذا دار اللفظ بين الاشتراك وعدمه كان الأغلب على الظن عدم الاشتراك (٢). ومنها: أنه ثبت بالاستقراء أن أكثر اللغة مفردة، فكان الحمل عليه أولى؛ لأن الكثرة تفيد ظن الرجحان (٣). ومنها: أنه لو لم يكن الأصل الإفراد لما حصل التفاهم حال التخاطب إلا بالاستفسار، وقد علمنا حصول التفاهم، فكان الغالب حصول احتمال الانفراد (٤).

стр. 441

ومنها: أنه لو تساوى الاحتمالان - أي الاشتراك والإفراد - لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظنون فضلا عن تحصيل العلوم لجواز أن تكون ألفاظها موضوعة لمعان أخر وتكون تلك المعاني هي المرادة (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي قررها واعتمدها علماء الأصول (٢)، وغيرهم. قال الزركشي: المشترك خلاف الغالب وهو خلاف الأصل، والمراد بالأصل هنا الغالب، فإذا جهلنا كون اللفظ مشتركا أو منفردا فالغالب عدم الاشتراك فيحكم بأنه منفرد للاستقراء أن أكثر الألفاظ مفردة اهـ (٣). وقال ابن القيم: إن الاشتراك خلاف الأصل بل لا يعلم أنه وقع في اللغة من واضع واحد، كما نصّ على ذلك أئمة اللغة، منهم المبرد (٤) وغيره، وإنما يقع وقوعا عارضا اتفاقيا بسبب تعدد الواضعين، ثم تختلط اللغة فيقع الاشتراك اهـ (٥). وقال ابن هشام - في معرض ترجيحه بمضمون هذه القاعدة -: وقول الجماعة بعيدّ من جهات، إحداها: اقتضاؤه الاشتراك، والأصل عدمه لما فيه من الإلباس، حتى إن قوما نفوه، ثم المثبتون له يقولون: متى عارضه غيره مما يخالف الأصل كالمجاز قدّم عليه اهـ (٦).

стр. 442

* الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة لفظ «النكاح» في نحو قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٢٢]. فقد ذهب بعض العلماء إلى: أن لفظ «النكاح» مشترك بين العقد والوط ء حقيقة فيهما. وذهب آخرون إلى: أنه حقيقة في الجماع مجاز في العقد، وقيل بعكس هذا (١)، والذي ترجحه هذه القاعدة أنه ليس مشتركا بينهما، بل يحمل على أحدهما إما الوط ء وإما العقد، فهذا أرجح من كونه مشتركا (٢)، لأن الاشتراك خلاف الأصل كما تقرر. أما أيّ المعنيين يقدم في تفسير الآية، فهذا بحث آخر في قاعدة تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية في تفسير كلام الله، خلاصته حمل لفظ «النكاح» على العقد؛ لأنه الحقيقة الشرعية فيه. أما حمل لفظ «النكاح» على أنه حقيقة في الوط ء مجاز في العقد أو العكس فهو قول مرجوح؛ لأن المجاز خلاف الأصل كما هو مقرر في قاعدته (٣). ويدخل تحت هذه القاعدة، القواعد التي يذكرها الأصوليون في ترجيح غير الاشتراك عليه، وهي القواعد التالية:

стр. 443

القاعدة الأولى: إذا دار الأمر بين الإضمار والاشتراك، فالإضمار أولى (١). القاعدة الثانية: إذا دار الأمر بين التخصيص والاشتراك، فالتخصيص أولى (٢). القاعدة الثالثة: إذا دار الأمر بين النقل (٣) والاشتراك، فالنقل أولى (٤). القاعدة الرابعة: إذا دار الأمر بين التواطؤ (٥) والاشتراك، فالتواطؤ أولى (٦). ***

стр. 444

المطلب الرابع عشر: قاعدة: القول الذي يؤيده تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها أولى بتفسير الآية * صورة القاعدة: إذا اختلف المفسرون في تفسير آية من كتاب الله، وأيد تصريف الكلمة أو أصل اشتقاقها أحد الأقوال، فهذا القول هو أولى الأقوال بتفسير الآية، لأن التصريف والاشتقاق يعيدان الألفاظ إلى أصولها فتتضح الألفاظ والمعاني المتفرعة عنها. وقد يدل تصريف الكلمة واشتقاقها على ضعف أحد الأقوال في تفسير الآية؛ لأجل مخالفته لهما (١).

стр. 445

- وسترى بإذن الله الأمثلة على تصحيح القاعدة لبعض الأقوال، وتضعيفها لأقوال أخرى -. *** * بيان ألفاظ القاعدة: التصريف: هو لغة: ردّ الشيء من حالة إلى حالة، ومنه صريف الرياح: صرفها من جهة إلى جهة (١). واصطلاحا بالمعنى العمليّ: تحويل الأصل الواحد إلى أمثلة مختلفة، لمعان مقصودة، لا تحصل إلا بها، كاسمي الفاعل والمفعول، واسم التفضيل والتثنية والجمع إلى غير ذلك. وبالمعنى العلميّ: علم بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلمة، التي ليست بإعراب ولا بناء (٢). الاشتقاق: اشتقاق الشيء: بنيانه: من المرتجل، واشتقاق الكلام: الأخذ فيه يمينا وشمالا، واشتقاق الحرف من الحرف: أخذه منه (٣). واصطلاحا هو: ردّ لفظ إلى آخر لموافقته له في الحروف الأصلية، ومناسبته في المعنى (٤).

стр. 446

فأركان الاشتقاق أربعة: الأول: المشتق. الثاني: المشتق منه. الثالث: الموافقة في الحروف الأصلية. الرابع: المناسبة في المعنى مع التغيير (١). أقسام الاشتقاق: الاشتقاق على قسمين: صغير وكبير. فالصغير: هو أن يكون بين اللفظين توافق في الحروف الأصلية مرتبة من غير اعتبار بما يفصل بينها من حروف زائدة (٢). وذلك كتركيب «س ل م» فإنه يؤخذ منه السلامة في تصرّفه نحو سلم ويسلم، وسالم سلمان والسلامة (٣)، فيشترط فيه أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية، وترتيبها. وهذا القسم هو الذي يسميه أهل النحو، والصرف، والبيان اشتقاقا، وعليه يحمل ما يرد في استعمالاتهم (٤)؛ بل هو الذي ينصرف إليه إطلاق الاشتقاق من غير قيد (٥). وهذا القسم هو المراد في هذه القاعدة. وأما الاشتقاق الكبير فهو: أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب، وما تصرف منها. مثل مادة «ك ل م» تتقلب إلى «ك م ل»، و «م ك ل»، و «م ل ك»، و «ل ك م»

стр. 447

فجميع تقاليب الكلام الستة تدور على القوة والشدة (١). فيشترط في هذا القسم أن يتفق المشتق والمشتق منه في الحروف الأصلية دون ترتيبها. وهذا القسم لا يجري في جميع اللغة (٢). وهناك قسم ثالث ذكره بعض العلماء يسمى «الأكبر» وهو: أن يكون بين اللفظين تناسب في المخرج، فيبدل حرف مكان آخر نحو «نعق» من النهق (٣)، فالعين والهاء من حروف الحلق، وأكثر العلماء أنكروا هذا القسم ولم يثبتوه (٤). الفرق بين الاشتقاق والتصريف: مما سبق يمكن أن تلحظ بعض الفروق بين علم التصريف وعلم الاشتقاق فمنها: أن علم الاشتقاق يراعى فيه جانب المناسبة في المعنى بين المشتق والمشتق منه. وأما علم التصريف فلا يلزم فيه وجود هذه المناسبة. ومنها: أن الاشتقاق ينفرد عن التصريف فيما يراعى فيه الحروف الأصلية دون ترتيبها، كما هو في الاشتقاق الكبير. ومنها: أن التصريف أعم من الاشتقاق (٥)، فالاشتقاق جزء من التصريف. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: لقد قرر كثير من المفسرين وغيرهم مضمون هذه القاعدة، حيث استعملوها في ترجيح وتصحيح بعض الأقوال والتي تتفق مع تصريف الكلمة وأصل اشتقاقها،

стр. 448

وكذلك ضعفوا وردّوا أقوالا أخرى لأجل مخالفتها للتصريف والاشتقاق، فبهما تعرف المعاني المختلفة المتشعبة من معنى واحد، فمن هؤلاء الأئمة: ١ - الإمام الطبري: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في الترجيح في مواضع متعددة فمن ذلك قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]: وقد قيل في «التصدية»: إنها «الصدّ عن بيت الله الحرام»، وذلك قول لا وجه له؛ لأن «التصدية» مصدر من قول القائل: «صدّيت تصدية»، وأمّا «الصدّ» فلا يقال منه: «صدّيت»، إنما يقال منه «صددت»، فإن شدّدت منها الدال على معنى تكرير الفعل، قيل: «صدّدّت تصديدا» … اه (١). ٢ - ومنهم جار الله الزمخشري: وسيأتي بعض كلامه في الأمثلة التطبيقية إن شاء الله. ٣ - ومنهم أبو بكر بن العربي: فهو ممن يرجح بمضمون هذه القاعدة، فإذا اختار قولا ورجحه - في أمثلة هذه القاعدة - جعل من وجوه الترجيح أن الاشتقاق أو التصريف يعضده (٢). ٤ - ومنهم القاضي ابن عطية: فهو يرجح بهذه القاعدة، فكثيرا ما يقول: ويؤيد هذا ويعضده الاشتقاق، أو يوهن هذا التصريف، أو ويردّ التصريف هذا، ونحوها من العبارات التي تدل دلالة واضحة على اعتماده لمضمون هذه القاعدة، وترجيحه بها في تصحيح أقوال، وتضعيف أخرى (٣). ٥ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: ففي قوله تعالى: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ (٢) [الإخلاص: ٢] بعد أن ذكر الأقوال في معنى الصمد قال: قلت: الاشتقاق يشهد للقولين جميعا قول من قال: إن ﴿الصَّمَدُ﴾ (٢) الذي لا جوف له، وقول من قال:

стр. 449

إنه السيد، وهو على الأول أدل؛ فإن الأول أصل الثاني اهـ (١). ٦ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ﴾ [الكهف: ١٧] قال: قال أبو علي: معنى ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تعطيهم من ضوئها شيئا ثم تزول سريعا كالقرض يسترد، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة وتصيبه بالعشي إصابة خفيفة، انتهى، ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيا فكان يكون ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تقرض لهم أي تقطع لهم من ضوئها شيئا اهـ (٢). ٧ - ومنهم العلاّمة ابن القيم: فقد استند إلى الاشتقاق في بعض ترجيحاته في تفسير بعض الآيات (٣). ٨ - ٩ - : ومنهم السمين الحلبي: والحافظ ابن كثير، وسيأتي بعض كلامهما في الترجيح بمضمون هذه القاعدة في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -. ١٠ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال: الخامس: أن يدل على صحة القول كلام العرب من اللغة والإعراب، أو التصريف، أو الاشتقاق اهـ (٤). ١١ - ١٢ - ومنهم الزركشي، والسيوطي: فقد ذكرا أهمية علم التصريف والاشتقاق، وأنه لا غنى للمفسر عنهما، وهما من العلوم التي يحتاج المفسر إليها، وضربا لذلك أمثلة من القرآن يتبين بها أهمية معرفة التصريف والاشتقاق للوصول إلى أصح المعاني في تفسيرها، ونفي الوجوه الضعيفة والباطلة عنها (٥). ١٣ - ومنهم العلاّمة الشنقيطي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً﴾

стр. 450

(٥٢) [الكهف: ٥٢] بعد أن ذكر خلاف العلماء في معنى ﴿مَوْبِقاً﴾ (٥٢) (١)، قال: والتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم: وبق يبق، كوعد يعد: إذا هلك، وفيه لغة أخرى وهي: وبق يوبق، كوجل يوجل، ولغة ثالثة أيضا: وهي: وبق يبق كورث يرث، ومعنى كل ذلك: الهلاك، والمصدر من وبق - بالفتح - الوبوق على القياس، والوبق، ومن وبق - بالكسر - الوبق بفتحتين على القياس وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يهلكهن، ومنه الحديث: «فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها» (٢). وحديث: «السبع الموبقات» (٣) أي: المهلكات اهـ (٤). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوّابِينَ غَفُوراً﴾ (٢٥) [الإسراء: ٢٥]. اختلف المفسرون في المراد بالأوابين: فقال بعضهم: هم المسبحون. وقال آخرون: هم المطيعون المحسنون.

стр. 451

وقال آخرون: هم الذين يصلون بين المغرب والعشاء. وقال آخرون: هم الذين يصلون الضّحى. وقال آخرون: «الأوّاب» هو الراجع من ذنبه، والتائب منه. وقيل غير ذلك (١). وأولى الأقوال بتفسير الآية القول الأخير؛ لأن اشتقاق كلمة «أوّاب» يدل عليه، «يقال قد آب يؤوب أوّبا إذا رجع» (٢). قال الإمام الطبري - مرجحا بين هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: الأوّاب: هو التائب من الذنب، الراجع من معصية الله إلى طاعته، ومما يكرهه إلى ما يرضاه؛ لأن الأوّاب إنما هو «فعّال» من قول القائل: آب فلان من كذا إما من سفره إلى منزلة، أو من حال إلى حال، كما قال عبيد بن الأبرص: وكلّ ذي غيبة يؤوب … وغائب الموت لا يؤوب (٣) فهو يئوب أوبا، وهو رجل آئب من سفره، وأوّاب من ذنوبه اهـ (٤). وقال الحافظ ابن كثير - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا الذي قاله هو الصواب، لأن الأوّاب مشتق من الأوب، وهو الرجوع، يقال: آب فلان إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ﴾ (٢٥) [الغاشية: ٢٥]، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون» (٥) اه (٦).

стр. 452

٢ - ومن أمثلة هذه القاعدة - أيضا - ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٧١) [الإسراء: ٧١]. اختلف المفسرون في معنى الإمام في قوله: ﴿بِإِمامِهِمْ﴾. فقال بعضهم: هو نبيهم، ومن كان يقتدى به في الدنيا ويؤتم به. ويروى هذا القول عن أنس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم. وقال آخرون: بل معنى ذلك أن يدعوهم بكتب أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وبهذا القول قال ابن عباس والحسن والضحاك. وقال آخرون: بل معناه: يوم ندعو كل أناس بكتابهم الذي أنزل على نبيهم، من التشريع، وبه قال ابن زيد ومجاهد (١). وقال بعضهم: إن معنى «إمام» جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم، ويحكى هذا القول عن محمد بن كعب القرظي (٢). وهذه القاعدة تردّ القول الأخير؛ وذلك لأن «أمّ» لا تجمع على «إمام»، وإنما تجمع على أمهات. قال الزمخشري: ومن بدع التفاسير أن الإمام جمع «أمّ» وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم، وأن الحكمة في الدعاء بالأمهات دون الأباء رعاية حق عيسى ﵇ وإظهار شرف الحسن والحسين، وأن لا يفتضح أولاد الزنى، وليت شعري أيهما أبدع أصحة لفظه أم بهاء حكمته؟ اه (٣) وفي الإتقان قال: وهذا غلط أوجبه جهله بالتصريف فإن «أمّا» لا يجمع على «إمام». اه (٤). وقال السمين الحلبي - معلقا على كلام الزمخشري السابق -: قلت: وهو معذور؛

стр. 453

لأن «أمّ» لا يجمع على «إمام»، هذا قول من لا يعرف الصناعة ولا لغة العرب اه (١). ومما يدل على بطلان هذا القول - أيضا - ما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «إذ جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان» (٢). فقوله: «هذه غدرة فلان بن فلان» دليل على أن الناس يدعون في الآخرة بأسمائهم وأسماء آبائهم، وهذا يرد على من قال: إنما يدعون بأسماء أمهاتهم (٣). ومثله قول النبي ﷺ : «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم» (٤). إذا تقرر هذا، فإبطال هذا القول بهذه القاعدة هو المقصود من هذا المثال. وإتماما للفائدة فأولى الأقوال بتفسير الآية القول الثاني، وهو أن «الإمام» الذي يدعون به هو كتاب أعمالهم. وقد دلت قواعد متعددة على ترجيحه: منها قاعدة: «القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما عدم ذلك» حيث جاء معنى هذا القول في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢) [يس: ١٢] حيث سمى الكتاب إماما، ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ﴾

стр. 454

﴿عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩) [الجاثية: ٢٨ - ٢٩] على أقرب الأقوال في تفسير ﴿كِتابِهَا﴾ (١)، حيث أخبر - سبحانه - أن كل أمة تدعى إلى كتابها الذي فيه أعمالها، ومنها قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (١٤) [الإسراء: ١٣ - ١٤]، ونحوها من الآيات. ورجح الحافظ ابن كثير، والقاسمي هذا القول بمضمون هذه القاعدة، قال القاسمي: ورجح ابن كثير ﵀ القول أن الإمام هو كتاب الأعمال … -[ثم ذكر الآيات]- وما رجحه ﵀ هو الصواب؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا، وأول ما ينبغي الاهتمام به في معاني الآيات، هو الرجوع إلى نظائرها اهـ (٢). ومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة: «إذا ثبت الحديث وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه» حيث جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ قال: «يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه ويمدّ له في جسمه ستون ذراعا … » الحديث (٣).

стр. 455

وهذا الحديث في معنى القول الذي رجحته القاعدة السابقة فهو - أيضا - مرجّح له. ومن القواعد التي دلت على ترجيح هذا القول قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق فهو مرجّح على ما خالفه». قال العلاّمة الشنقيطي: وقوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن «الإمام» في هذه الآية كتاب الأعمال اهـ (١). وقال الطاهر بن عاشور - بعد أن فسّر قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ -: وفرّع على هذا قوله: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ تفريع التفصيل لما أجمله قوله: ﴿نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ،﴾ أي ومن الناس من يؤتى كتابه، أي كتاب أعماله بيمينه اهـ (٢). وآخر هذه الوجوه التي ترجح هذا القول أنه قول حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁. وذهب الإمام الطبري إلى ترجيح القول بأن «الإمام» هو الذي كانوا يقتدون به، ويأتمون به في الدنيا. وعلل ترجيحه هذا بقوله: لأن الأغلب من استعمال العرب الإمام فيما ائتمّ واقتدى به، وتوجيه معاني كلام الله إلى الأشهر أولى، ما لم يثبت حجة بخلافه يجب التسليم لها اهـ (٣). وهذه القاعدة التي استعملها الطبري في الترجيح هنا من القواعد المشتهرة عنده، وقد سبق الكلام عليها وهي قاعدة: «يجب حمل كلام الله - تعالى - على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر».

стр. 456

إذا علم هذا، فالحجة التي ثبتت بخلاف هذه القاعدة هي الآيات والحديث والقرائن التي رجحت لنا القول بأن «الإمام» في الآية هو كتاب الأعمال. فإن لم يسلّم الإمام الطبري بهذه الحجج، فالمسألة من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق في التمهيد تقرير هذا، ومما ورد هناك أن القواعد التي ترجح التفسير الأثري مقدمة على القواعد التي ترجح التفسير الاجتهادي اللغوي، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقلّ استعمالا من الآخر. وعللت ذلك بأنه مفيد لغلبة الظن أكثر من الترجيح بغلبة الاستعمال في العربية، ونبهت هناك على بعض أمثلة ذلك، وهذا المثال يندرج تحت تلك الصورة. إذ علم هذا، فأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول بأن «إمامهم» في الآية هو كتاب أعمالهم (١) والله أعلم.

стр. 457

المطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص * صورة القاعدة: يجب أن تحمل نصوص الوحي العامة على عموم ألفاظها - فأصل التشريع جاء عاما - ما لم يرد نص بالتخصيص. فإذا اختلفت أقوال المفسرين في تفسير آية من كتاب الله - تعالى - فمنهم من يحملها على عموم ألفاظها، ومنهم من يخصصها ويقصرها على بعض أفراد العموم، فالصواب هو حملها على العموم. ومتى أمكن حمل الآية على معنى كليّ عام شامل يجمع تفسيرات جزئية جاءت في تفسيرها - من قبيل التفسير بالمثال، أو بالجزء، أو بالثمرة، أو بنحو ذلك - ولا معارض له، وتشهد الأدلة لصحته، فهو أولى بتفسير الآية حملا لها على عموم ألفاظها، ولا داعي لتخصيصها بواحد من المعاني الجزئية التي جاءت في التفاسير إلا أن يكون السياق يقتضي تخصيصها حتما، أو يقوم الدليل على ذلك (١). *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولي: « … على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص». العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. فقولهم: «بحسب وضع واحد» احتراز من اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة

стр. 458

ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا (١). وللعموم صيغ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائتين وخمسين صيغة (٢)، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه، وأفردها بعضهم بالتصنيف (٣)، وتكلم عنها عامة علماء الأصول وغيرهم (٤). ويستدل على عموم اللفظ بقبوله الاستثناء منه، إلا في العدد (٥). فمن هذه الألفاظ «كل» وهي أعمها، كقوله الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨) [المدثر: ٣٨]. ومنها: «من» وتكون موصولة، واستفهامية، وشرطية. فالموصولة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]. والاستفهامية كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والشرطية كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] و [الجاثية: ١٥]. ومنها: «ما»، و «جميع»، و «عامة»، و «كافة»، و «قاطبة»، و «أين»، و «كيف»، و «إذا» الشرطية، والجمع المعرف بلام الجنس، أو المضاف إليها، واسم الجنس المحلى بلام الجنس، أو بالإضافة، والأسماء الموصولة، والنكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام، وغيرها.

стр. 459

ويستفاد العموم - أيضا - من غير هذه الصيغ فيؤخذ من المعنى، لا من اللفظ وهذا هو ما يسمى بالعموم المعنويّ، وهو أنواع (١): منها: عموم المفهوم مطلقا، سواء أكان مفهوم موافقة أم مخالفة، وذلك كعموم مفهوم الموافقة في قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فهو نهي عما هو مثل التأفف، أو أعلى منه من الأذى في حق الوالدين. ومنها: خطاب الله تعالى للنبي ﷺ ، فهو يعم الأمة على الصحيح، وهو ما ورد في القرآن مبدوءا بقول الله تعالي: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ فهو من حيث اللفظ خاص موجّه إلى النبي ﷺ إلا أنه يحمل على العموم للأمة؛ وذلك لما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وكذا الأمر بمتابعته ﷺ . وقد دلّ عليه - أيضا - استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به ﷺ ، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ ثم قال: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ وقال في سورة التحريم ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ نحو ذلك من الآيات. وقد جاء معنى هذا النوع مصرحا به في قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ ، وقد صرح - تعالى - بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية. وجاء مشارا إليه في قوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛

стр. 460

لأن الخطاب الخاص به ﷺ في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، لو كان حكمه خاصا به ﷺ لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ كما هو ظاهر (١). والتخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله العموم (٢). ومخصصات العموم قسمان (٣). القسم الأول: المخصصات المتصلة: وهي ما لا يستقل بنفسه، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله، وهي أنواع: منها: الاستثناء، نحو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]. ومنها: الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. ومنها: الغاية، نحو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. ومنها: الصفة، والمراد بها المعنوية لا النعت بخصوصه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. القسم الثاني: المخصصات المنفصلة: وهي: ما يستقل بنفسه، ولا يكون متصلا بالعام في الكلام، وتشمل دليل العقل، ودليل الحس، والدليل النقلي، والإجماع. نحو قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه
следующие страницы →