← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

إذا علم هذا، فالحجة التي ثبتت بخلاف هذه القاعدة هي الآيات والحديث والقرائن التي رجحت لنا القول بأن «الإمام» في الآية هو كتاب الأعمال. فإن لم يسلّم الإمام الطبري بهذه الحجج، فالمسألة من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق في التمهيد تقرير هذا، ومما ورد هناك أن القواعد التي ترجح التفسير الأثري مقدمة على القواعد التي ترجح التفسير الاجتهادي اللغوي، خاصة إذا كان المعنى الذي تفسر به الآية مما عرف في العربية، ولم يخرج إلى الشذوذ والنكارة، وإن كان أقلّ استعمالا من الآخر. وعللت ذلك بأنه مفيد لغلبة الظن أكثر من الترجيح بغلبة الاستعمال في العربية، ونبهت هناك على بعض أمثلة ذلك، وهذا المثال يندرج تحت تلك الصورة. إذ علم هذا، فأولى الأقوال بتفسير الآية هو القول بأن «إمامهم» في الآية هو كتاب أعمالهم (١) والله أعلم.

стр. 457

المطلب الخامس عشر: قاعدة: يجب حمل نصوص الوحي على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص * صورة القاعدة: يجب أن تحمل نصوص الوحي العامة على عموم ألفاظها - فأصل التشريع جاء عاما - ما لم يرد نص بالتخصيص. فإذا اختلفت أقوال المفسرين في تفسير آية من كتاب الله - تعالى - فمنهم من يحملها على عموم ألفاظها، ومنهم من يخصصها ويقصرها على بعض أفراد العموم، فالصواب هو حملها على العموم. ومتى أمكن حمل الآية على معنى كليّ عام شامل يجمع تفسيرات جزئية جاءت في تفسيرها - من قبيل التفسير بالمثال، أو بالجزء، أو بالثمرة، أو بنحو ذلك - ولا معارض له، وتشهد الأدلة لصحته، فهو أولى بتفسير الآية حملا لها على عموم ألفاظها، ولا داعي لتخصيصها بواحد من المعاني الجزئية التي جاءت في التفاسير إلا أن يكون السياق يقتضي تخصيصها حتما، أو يقوم الدليل على ذلك (١). *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولي: « … على العموم ما لم يرد نص بالتخصيص». العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. فقولهم: «بحسب وضع واحد» احتراز من اللفظ المشترك، أو الذي له حقيقة

стр. 458

ومجاز، فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهوميه معا (١). وللعموم صيغ كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائتين وخمسين صيغة (٢)، منها المتفق عليه، ومنها المختلف فيه، وأفردها بعضهم بالتصنيف (٣)، وتكلم عنها عامة علماء الأصول وغيرهم (٤). ويستدل على عموم اللفظ بقبوله الاستثناء منه، إلا في العدد (٥). فمن هذه الألفاظ «كل» وهي أعمها، كقوله الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨) [المدثر: ٣٨]. ومنها: «من» وتكون موصولة، واستفهامية، وشرطية. فالموصولة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]. والاستفهامية كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. والشرطية كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] و [الجاثية: ١٥]. ومنها: «ما»، و «جميع»، و «عامة»، و «كافة»، و «قاطبة»، و «أين»، و «كيف»، و «إذا» الشرطية، والجمع المعرف بلام الجنس، أو المضاف إليها، واسم الجنس المحلى بلام الجنس، أو بالإضافة، والأسماء الموصولة، والنكرة في سياق النفي، أو النهي، أو الشرط، أو الاستفهام، وغيرها.

стр. 459

ويستفاد العموم - أيضا - من غير هذه الصيغ فيؤخذ من المعنى، لا من اللفظ وهذا هو ما يسمى بالعموم المعنويّ، وهو أنواع (١): منها: عموم المفهوم مطلقا، سواء أكان مفهوم موافقة أم مخالفة، وذلك كعموم مفهوم الموافقة في قول الله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] فهو نهي عما هو مثل التأفف، أو أعلى منه من الأذى في حق الوالدين. ومنها: خطاب الله تعالى للنبي ﷺ ، فهو يعم الأمة على الصحيح، وهو ما ورد في القرآن مبدوءا بقول الله تعالي: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ فهو من حيث اللفظ خاص موجّه إلى النبي ﷺ إلا أنه يحمل على العموم للأمة؛ وذلك لما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وكذا الأمر بمتابعته ﷺ . وقد دلّ عليه - أيضا - استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائما بالصيغة الخاصة به ﷺ ، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ ثم قال: ﴿إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فدل على دخول الكل حكما تحت قوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ وقال في سورة التحريم ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] فدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ،﴾ نحو ذلك من الآيات. وقد جاء معنى هذا النوع مصرحا به في قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي ﷺ ، وقد صرح - تعالى - بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآية. وجاء مشارا إليه في قوله تعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛

стр. 460

لأن الخطاب الخاص به ﷺ في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، لو كان حكمه خاصا به ﷺ لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،﴾ كما هو ظاهر (١). والتخصيص هو: إخراج بعض ما تناوله العموم (٢). ومخصصات العموم قسمان (٣). القسم الأول: المخصصات المتصلة: وهي ما لا يستقل بنفسه، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله، وهي أنواع: منها: الاستثناء، نحو قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]. ومنها: الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. ومنها: الغاية، نحو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. ومنها: الصفة، والمراد بها المعنوية لا النعت بخصوصه، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]. القسم الثاني: المخصصات المنفصلة: وهي: ما يستقل بنفسه، ولا يكون متصلا بالعام في الكلام، وتشمل دليل العقل، ودليل الحس، والدليل النقلي، والإجماع. نحو قوله تعالى: ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] فإنا نعلم بالضرورة أنه

стр. 461

ليس خالقا لنفسه، - تعالى وتقدس - أن يكون مخلوقا. ومن حكم الدليل العقلي أن لا يخصّص إلا بالقضايا العقلية. ومن حكم الدليل السمعي أن لا يخصّص إلا بالقضايا السمعية، والدليل العقلي لا يتصور فيه إخراج أمر خاص من خطاب عام، وإنما يتصور ذلك في الدليل السمعي (١). ومثال التخصيص بدليل الحس قول الله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] مع أنها لم تؤت ما كان في يد سليمان. وذهب بعض العلماء منهم الإمام الشاطبي إلى أن هذا ليس من باب التخصيص؛ لأن الخارج بالعقل والحس لم يدخل في العموم حتى يبحث عن إخراجه فيكون مخصصا. فما لا يخطر ببال المتكلم عند قصده التعميم إلا بالإخطار لا يحمل لفظه عليه، إلا مع الجمود على مجرد اللفظ، وأما المعنى فيبعد أن يكون مقصودا للمتكلم، وهذا هو ما يصح بحسب لسان العرب (٢). ومثال تخصيص القرآن بالقرآن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خصص من هذا العموم الحامل بقول الله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، والمطلقة غير المدخول بها بقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩]. ومثال تخصيص القرآن بالسنة قول الله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]. خصّ من هذا العموم سرقة ما هو دون النصاب بقول النبي ﷺ : «لا تقطع اليد

стр. 462

إلا في ربع دينار فصاعدا» (١) ومثال تخصيص عموم القرآن بالإجماع قول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فاللفظ العام في كل ولد حر أو عبد، وقد أجمع المسلمون أن الولد إذا كان عبدا لم يرث، وكذلك الأب إذا كان عبدا لم يرث (٢). *** * أدلة القاعدة: ١ - من أدلة هذه القاعدة قول الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (٩٨) [الأنبياء: ٩٨]. لما نزلت هذه الآية شق على كفار قريش، وقالوا: شتم آلهتنا، وأتوا ابن الزّبعرى وأخبروه، فقال: لو حضرته لرددت عليه، قالوا: وما كنت تقول له؟ قال: كنت أقول له: هذا المسيح تعبده النصارى، واليهود تعبد عزيرا أفهما من حصب جهنم؟ فعجبت قريش من مقالته، ورأوا أن محمدا قد خصم، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (١٠١) [الأنبياء: ١٠١] (٣) تنبيها على صرف العام عن شموله لبعض أفراده بالتخصيص، ولم ينكر ﷺ ، ولا أصحابه تعلقه بعموم الآية (٤). قال القرطبي: هذه الآية أصل في القول بالعموم، وأن له صيغا مخصوصة، خلافا لمن قال: ليست له صيغة موضوعة للدلالة عليه، وهو باطل بما دلّت عليه هذه الآية

стр. 463

وغيرها، فهذا عبد الله بن الزّبعرى قد فهم «ما» في جاهليته جميع من عبد، ووافقه على ذلك قريش وهم العرب الفصحاء، واللسن البلغاء، ولو لم تكن للعموم لما صح أن يستثنى منها، وقد وجد ذلك فهي للعموم وهذا واضح اهـ (١). ٢ - ومن أدلة هذه القاعدة أن النبي ﷺ قررها بقوله وفعله، فمن ذلك قوله ﷺ في قضايا خاصة سئل فيها أهي لنا خاصة أم للناس عامّة؟: «بل للناس عامة» كما في قضية الذي نزلت فيه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] وأشباهها، وقد جعل نفسه ﵊ قدوة للناس (٢). وسيأتي الكلام على هذا الدليل في قاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». ومن ذلك قول النبي ﷺ حين سئل عن الحمر الأهلية: «ما أنزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذّة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٨) [الزلزلة: ٧ - ٨]» (٣)، فاستدل رسول الله ﷺ بعموم «من» لما لم يذكر له حكم؛ لأن السائل سأل عن صدقة الحمر وليس لها حكم خاص، فهذا استدلال بالعموم وإثبات لصيغته خلافا لمن أنكر أو وقف، وفيه تحقيق لإثبات العمل بظواهر العموم وأنها ملزمة حتى يدل دليل التخصيص (٤). ٣ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع سلف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على العموم إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وقد ثبت أنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم (٥).

стр. 464

وشواهد هذا كثيرة جدا: منها: فهم الظلم في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] على عموم لفظه فشق عليهم ذلك حتى بين لهم النبي ﷺ أن الظلم في الآية هو الشرك، وليس على عمومه في شمول ما ينطوي تحته من أفراد العام (١). ومنها: منع أبي بكر الصديق ﵁ توريث فاطمة ﵂ من أبيها ﵊ مع عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] تخصيصا لهذا العموم بقول النبي ﷺ : «لا نورّث ما تركناه صدقة» (٢)، وكان احتجاج فاطمة ﵂ وبعض الصحابة في هذه المسألة بعموم آية الميراث حتى نقل لهم هذا الحديث المخصص لعموم آية الميراث، مما يدلّ على فهمهم الطبعي للعموم من آية الميراث، وكان بحثهم عن النص المخصص لهذا العموم (٣). وأمثال ذلك كثير جدا في احتجاجهم لأقوالهم وفتاواهم (٤) (¬،*).

стр. 465

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها عامة علماء، وأصحاب المذاهب، وعليها إجماع سلف الأمة، وأقوالهم في اعتمادها كثيرة جدا، أذكر هنا بعض أقوالهم، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها: ١ - الإمام الشافعي: قال في الرسالة: ولا يقال بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما، ولا يقال بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن يكون أريد بها ذلك الخاصّ، فأمّا ما لم تكن محتملة له فلا يقال فيها بما لم تحتمل الآية اهـ (١). وقال في موضع آخر: فكلّ كلام كان عامّا ظاهرا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدلّ على

стр. 466

أنه إنما أريد بالجملة العامّة في الظاهر بعض الجملة دون بعض اهـ (١). ٢ - ومنهم الإمام الطبري: فقد نص على هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح بين الأقوال المختلفة في التفسير في مواضع كثيرة جدا لا تحصر من تفسيره إلا بمشقة. فهو يردّ بهذه القاعدة الأقوال التي ادّعت الخصوص في آيات ظاهرها العموم، فيقرر أنه غير جائز ادعاء خصوص في آية عامّ ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها (٢). ويبدي ويعيد في تقرير هذا المعنى بنحو قوله: وليس لأحد أن يجعل خبرا جاء الكتاب بعمومه، في خاصّ مما عمه الظاهر، بغير برهان من حجة خبر أو عقل (٣). وبنحو قوله: وغير جائز أن يخصّ ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوصه، فهو على عمومه كما عمه (٤). ٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد قرر هذه القاعدة بقوله: اعلم أن القرآن إذا أتت اللفظة منه تعم ما تحتها حملت على ذلك من عمومها - عند مالك وأصحابه - حتى يأتي ما يخصّصها فتحمل عليه اهـ (٥). ٤ - ومنهم أبو بكر بن العربي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] ذكر الخلاف في المراد بالمساجد المذكور في الآية. إلى أن قال: الرابع: أنه كلّ مسجد، وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة

стр. 467

الجمع، فتخصيصه ببعض المساجد، أو بعض الأزمنة محال اهـ (١). ٥ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح كثيرا، فردّ كثيرا من الأقوال التي ادّعت التخصيص لعمومات بعض الآيات بقوله: إنه تخصيص لا دليل عليه (٢)، وأحيانا يقول: وهذا التخصيص كله لا وجه له إذ اللفظ يعم اهـ (٣) وأحيانا يقول: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول اهـ (٤) ونحو هذا كثير. ٦ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة في وجوه الترجيح التي قررها في مقدمة تفسيره قال فيها: التاسع: تقديم العمومي على الخصوصي، فإن العمومي أولى؛ لأنه الأصل إلا أن يدل دليل على التخصيص اهـ (٥). ٧ - ومنهم العلاّمة الألوسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] بعد أن ذكر أقوالا تحمل الآية على أفراد مخصوصين كالقول بأنهم أبو بكر، وعمر، أو علي، ونحو ذلك، قال - معقبا على ذلك -: وأنا أقول العموم أولى، وهما - وكذا علي كرم الله وجهه - يدخلان دخولا أوليا. اه (٦). ٨ - ومنهم العلاّمة الشنقيطيي: فقد قرر هذه القاعدة، واستعملها في الترجيح في مواضع كثيرة، فهو يقررها بما تقرر في أصول الفقه، بنحو قوله: وقد تقرر في الأصول أنه لا يمكن تخصيص العام إلى بدليل يجب الرجوع إليه، سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة اهـ (٧).

стр. 468

وهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي قررها علماء الأصول. فيجب حمل اللفظ عندهم على عمومه إلا أن يرد دليل يخصصه (١). وإذا دار الأمر في اللفظ بين جريانه على عمومه أو تخصيصه، فإنه يحمل على عمومه؛ لأن الأصل بقاء العموم (٢). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. اختلف العلماء في تفسير هذه الآية على قولين: أحدهما: أن حكم هذه الآية عام في المطلقات، والمتوفى عنهن أزواجهن، فعدّتهن وضع الحمل، وهذا قول جماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم. والآخر: أن حكم الآية خاصّ في المطلقات، وأمّا المتوفى عنها فإن عدتها أبعد الأجلين، وهذا القول مروي عن عليّ وابن عباس ﵃ وهو أحد القولين في مذهب مالك (٣). وهذه القاعدة ترجح القول الأول، أخذا بعموم ألفاظ الآية، ولا دليل يوجب تخصيص عموم ألفاظها. وصيغة العموم في الآية جمع مضاف إلى معرف بأل - ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ﴾ - والمضاف إلى المعرف بأل من صيغ العموم (٤).

стр. 469

قال الإمام الطبري: والصواب من القول في ذلك أنه عامّ في المطلقات والمتوفى عنهنّ؛ لأن الله - جلّ وعزّ -، عمّ بقوله ذلك فقال: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ،﴾ ولم يخص بذلك الخبر عن مطلقة دون متوفى عنها، بل عمّ الخبر به عن جميع أولات الأحمال، إن ظنّ ظانّ أن قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ في سياق الخبر عن أحكام المطلقات دون المتوفى عنهنّ، فهو بالخبر عن حكم المطلقة أولى بالخبر عنهنّ، وعن المتوفى عنهنّ، فإن الأمر بخلاف ما ظنّ؛ وذلك أن ذلك وإن كان في سياق الخبر عن أحكام المطلقات، فإنه منقطع عن الخبر عن أحكام المطلقات، بل هو مبتدأ عن أحكام عدد جميع أولات الأحمال المطلقات منهنّ وغير المطلقات، ولا دلالة على أنه مراد به بعض الحوامل دون بعض من خبر ولا عقل، فهو على عمومه لما بيّنا اهـ (١). ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته قاعدة: «إذ ثبت الحديث، وكان في معنى أحد الأقوال فهو مرجّح له على ما خالفه». وقد ثبت في الصحيحين أن زوج سبيعة الأسلمية (٢) قتل وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ (٣). وهذا الحديث فصل الخطاب في موضع النزاع. ومن العلماء من جعل هذه الآية وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] من تعارض

стр. 470

الأعمين من وجه (١)، فالحامل المتوفى عنها زوجها تدخل تحت عموم الآيتين، ومن قال بأنها تعتد بآخر الأجلين أراد الجمع بين الآيتين، فهي إذا قضت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين (٢). والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أنه لا عموم في آية البقرة؛ إذ لفظ «أزواجا» نكرة والجمع المنكّر لا يفيد العموم عند أكثر العلماء (٣)، وبقى عموم آية ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ﴾ [الطلاق: ٤]، ولا مخصص له، فوجب حملها على العموم، فسقطت بهذا دعوى التعارض بين الأعمين في الآيتين. الثاني: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، فإن عموم آية البقرة دخله تخصيص، وهو في حالة تمادي حمل الحامل أكثر من أربعة أشهر وعشرا فإنها تتربص حتى تضع، ولا ينتهي أجلها إلا بوضع الحمل إجماعا. إذا تقرر هذا فعموم آية البقرة مخصوص، وعموم آية سورة الطلاق غير مخصوص، والعموم الذي لم يدخله التخصيص مقدم (٤). الثالث: على القول بأن الجموع المنكرة تفيد العموم، وبعدم وجود المخصص لآية البقرة يظهر التعارض بين الأعمين، فيرجح بينهما، والراجح يخصّص به عموم المرجوح. إذا تقرر هذا فالراجح عموم آية سورة الطلاق وذلك لحديث سبيعة الأسلمية الآنف الذكر، فإنه في موضع النزاع، فالرسول ﷺ جعل عدّتها وضع الحمل، فتبين أن آية سورة الطلاق محمولة على عمومها في المطلقة والمتوفى عنها زوجها.

стр. 471

فإذا كان ذلك كذلك فعموم آية سورة الطلاق مخصّص لعموم آية سورة البقرة (١)، فيجب إجراؤها على عمومها كما تقرر هذه القاعدة وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير (٢).

стр. 472

المطلب السادس عشر: قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب * صورة القاعدة: إذا صح للآية سبب نزول، وجاءت ألفاظها أعم من سبب نزولها، ومستقلا بنفسه إن كان جواب سؤال - أي يصح الابتداء به ويكون تاما مفيدا للعموم (١) - واختلف العلماء فيها، فمنهم من جعلها قاصرة على سبب نزولها لا تتعداه إلى ما سواه، وآخرون حملوها على عموم ألفاظها، شاملة لأفراد السبب، ولأفراد غيره مما شابهه، فالقول الحق هو قول من حملها على عموم ألفاظها ولم يقصرها على سبب نزولها، بل تتعداه إلى غيره مما ينطبق عليه لفظ الآية. ما لم يدل دليل على تخصيص عموم اللفظ (٢)، «وما لم تكن هناك قرينة تعميم، فإن كانت، فالقول بالتعميم ظاهر كل الظهور، بل لا ينبغي أن يكون في التعميم خلاف» (٣). *** * أدلة القاعدة: أولا: قرر هذه القاعدة النبي ﷺ ، وبين للأمة أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ «أن رجلا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فأنز الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤].

стр. 473

فقال رجل: يا رسول الله، ألي هذا؟ قال: «لجميع أمّتي كلّهم» (١). قال العلامة الشنقيطي - معلقا على هذا الحديث -: فهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي ﷺ ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي ﷺ له: «لجميع أمتي» معناه أن العبرة بعموم لفظ ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ لا بخصوص السبب. والعلم عند الله - تعالى - اه (٢). ثانيا - أفتى النبي ﷺ بمضمون هذه القاعدة، وبما تقرره، في قصة سلمة بن صخر الأنصاري (٣) حين ظاهر من امرأته (٤)، حيث أجرى عليه عموم لفظ آيات الظهار

стр. 474

دون أن يذكر قياسا أو دليلا آخر. ثالثا: روى الزركشي حكاية الإجماع على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (١). رابعا - أن الله تعالى لم يجعل الأحكام معلقة بالأسباب، بل ربما أعرض عنها، بالكلية، وانتقل إلى بيان المهم كما في قوله تعالى: ﴿* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فإن السؤال كان عن شكل الهلال، ما باله يبدو فيطلع دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يكون كما كان (٢). فجاء الجواب على غير السبب. وكقوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥] فجاء الجواب على خلاف السؤال الذي كان سببا في النزول، «فإن الاعتبار للفظ في كلام الشارع، واللفظ يقتضي العموم بإطلاقه فيجب إجراؤه على عمومه إذا لم يمنع عنه مانع، والسبب لا يصلح مانعا؛ لأنه لا ينافي عمومه، والمانع هو المنافي» (٣). خامسا - احتجاج الصحابة وغيرهم من أئمة الإسلام الأعلام في جميع الأعصار والأمصار في وقائع مختلفة بعموم آيات نزلت على أسباب خاصة، وهذا أمر شائع ذائع بينهم، ولم يعرف عنهم أنهم لجأوا إلى قياس أو استدلال بغير ألفاظ الآيات، فدل ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤).

стр. 475

- وسيأتي في الفقرة التالية بعض أقوالهم في اعتمادها وتقريرها - وأدلة هذه القاعدة كثيرة (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة أكثر علماء الأمة من مفسرين وغيرهم، واتفق عليها المحققون من أهل الأصول، فمن هؤلاء الأئمة: ١ - حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵄: أخرج الطبري بسنده عنه قوله - في قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) [البقرة: ٨]-: يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. اه (٢). ٢ - ومنهم كعب بن عجرة (٣) ﵁: فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله بن معقل بن مقرن (٤) قال: جلست إلى كعب بن عجرة فسألته عن الفدية، فقال: نزلت في خاصة وهي لكم عامة .. » (٥).

стр. 476

٣ - ومنهم محمد بن كعب القرظي: أخرج الطبري بسنده قوله: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. اه (١). ٤ - ومنهم الإمام محمد بن جرير الطبري: قرر هذه القاعدة بقوله: إن الآية كانت قد نزلت لسبب من الأسباب، ويكون الحكم بها عامّا في كل ما كان بمعنى السبب الذي نزلت فيه اهـ (٢). ٥ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٤) [البقرة: ٢٧٤] بعد أن ذكر أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال: والآية وإن كانت نزلت في علي ﵁ فمعناها يتناول كل من فعل فعله اهـ (٣). ٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - في معرض تقريره لهذه القاعدة -: فالآية التي لها سبب معين إن كانت أمرا أو نهيا فهي متناولة لذلك الشخص ولغيره ممن كان بمنزلته، وإن كانت خبرا بمدح أو ذم فهي متناولة لذلك الشخص وغيره ممن كان بمنزلته أيضا. اه (٤). وقال - أيضا -: وقصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه اهـ (٥). ٧ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾

стр. 477

﴿مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] بعد أن ذكر جملة من الأقوال في أسباب النزول، قال: وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصا، فالعبرة به لا بخصوص السبب. اه (١). ٨ - ومنهم الحافظ ابن كثير: فبعد أن ساق أسباب نزول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الآية. قال: قلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء. اه (٢). ٩ - ومنهم العلامة عبد الرحمن ابن سعدي: فقد ذكر هذه القاعدة ضمن قواعده الحسان فقال: القاعدة الثانية: العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، وهذه القاعدة نافعة جدا، بمراعاتها يحصل للعبد خير كثير وعلم غزير، وبإهمالها وعدم ملاحظتها يفوته علم كثير، ويقع في الغلط والارتباك الخطير. وهذا الأصل اتفق عليه المحققون من أهل الأصول وغيرهم اهـ (٣). ١٠ - ومنهم العلامة محمد الأمين الشنقيطي: فقد نص على هذه القاعدة كثيرا ورجح بها، واستند إليها في تفسير الآيات (٤)، وقد سبق في أدلة القاعدة بعض كلامه. وغير هؤلاء الأئمة كثير جدا (٥).

стр. 478

واعتمد هذه القاعدة ونص عليها أكثر علماء الأصول فهي قاعدة أصولية مشهورة (١)، وكذا هي ذات تعلق وثيق بمبحث أسباب النزول من مباحث علوم القرآن (٢). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) [النور: ٢٣]. اختلف أهل التأويل في المحصنات اللاتي هذا حكمهن (٣). فقال بعضهم: إنما ذلك لعائشة خاصة، وحكم من الله فيها وفيمن رماها، دون

стр. 479

سائر نساء أمة نبينا محمد ﷺ وفيها نزلت. وقال آخرون: بل ذلك لأزواج النبي ﷺ خاصة، دون سائر النساء غيرهن. وقال آخرون: ذلك للمهاجرات. كانت المرأة المؤمنة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة، وقالوا: إنما خرجت لتفجر فنزلت هذه الآية. وقال آخرون: بل هي عامة لأزواج النبي ﷺ ولغيرهن ممن كان بالصفة التي وصف الله في هذه الآية، وإن كانت نزلت في شأن عائشة ﵂ خاصة، وذلك حكم كل من رمى محصنة لم تقارف سوءا. وهذا القول أصح الأقوال في تفسير الآية، والذي ترجحه هذه القاعدة، وذلك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقد نزلت هذه الآية في شأن عائشة ﵂ ومن رماها، وألفاظها عامة، فتحمل على عموم ألفاظها في كل محصنة، إذ لا دليل يدل على تخصيصها، ورجح هذا القول الإمام الطبري بقوله: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب: قول من قال: نزلت هذه الآية في شأن عائشة، والحكم بها عام في كل من كان بالصفة التي وصفه الله بها فيها. وإنما قلنا ذلك أولى تأويلاته بالصواب؛ لأن الله عم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ [النور: ٢٣] كل محصنة غافلة مؤمنة، رماها رام بالفاحشة، من غير أن يخص بذلك بعض دون بعض، فكل رام محصنة بالصفة التي ذكر الله جل ثناؤه في هذه الآية، فملعون في الدنيا والآخرة، وله عذاب عظيم، إلا أن يتوب من ذنبه ذلك قبل وفاته، فإن الله دل باستثنائه بقوله: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥] على أن ذلك حكم رامي كل محصنة بأي صفة كانت المحصنة المؤمنة المرمية، وعلى أن قوله: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٣) معناه: لهم ذلك إن هلكوا ولم يتوبوا. اه (١).

стр. 480

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - بعد أن ذكر هذا القول -: وجهه ظاهر الخطاب، فإنه عام فيجب إجراؤه على عمومه، إذ لا موجب لخصوصه، وليس هو مختصا بنفس السبب بالاتفاق؛ لأن حكم غير عائشة من أزواج النبي ﷺ داخل في العموم؛ وليس هو من السبب؛ ولأنه لفظ جمع والسبب في واحدة هنا؛ ولأن قصر عمومات القرآن على أسباب نزولها باطل، فإن عامة الآيات نزلت بأسباب اقتضت ذلك، وقد علم أن شيئا منها لم يقصر على سببه … -[إلى أن قال:]- وقد روي عن النبي ﷺ من غير وجه وعن أصحابه: «إن قذف المحصنات من الكبائر» وفي لفظ الصحيح: «قذف المحصنات الغافلات المؤمنات» (١). اه (٢). وقال الحافظ ابن كثير - بعد أن ذكر اختيار ابن جرير -: وهو الصحيح اهـ (٣). ثم عضده بحديث الصحيحين الذي أشار إليه شيخ الإسلام. وقد صرح جماعة من المفسرين بهذه القاعدة عند ترجيحهم هذا القول منهم الرازي (٤) والشوكاني (٥) وصديق خان (٦) (*) وغيرهم.

стр. 481

***

стр. 482

المطلب السابع عشر: قاعدة: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه * صورة القاعدة: إذا ورد شيء من نصوص الوحي مطلقا غير مقيد بقيد أو شرط فلا يجوز تقييده بل يجب العمل بالنص وتفسيره على إطلاقه وإبهامه إلا إذا قام الدليل على التقييد، ومن خالف ذلك بحمل النصوص المطلقة على غير إطلاقها فقوله مردود، وفعله تحكم في تفسير النصوص بلا دليل، فلا يقبل منه ذلك أبدا. كما أن النص إذا ورد مقيدا فلا بد أن يفسر ويعمل به بمقتضى قيده، ومن أوله بما يؤدي إلى بطلان قيده فلا يقبل منه ذلك، ولا يعتمد عليه، بل هو رد على صاحبه (١). *** * بيان ألفاظ القاعدة: * تعريف المطلق والمقيد: أصل مادة «طلق» في اللغة تدل على التخلية والإرسال، وترجع جميع فروع هذه المادة إلى هذا المعنى (٢). ومادة «قيد» في اللغة مأخوذة من القيد، وهو معروف، ثم يستعار في كل شيء يحبس (٣).

стр. 483

وفي اصطلاح الأصوليين: المطلق: هو المتناول لواحد لا بعينه باعتبار حقيقة شاملة لجنسه. فقولهم: «هو المتناول لواحد» خرج به ألفاظ الأعداد المتناولة لأكثر من واحد. وقيد «لا بعينه» أخرج المعارف كزيد ونحوه. وقولهم: «باعتبار حقيقة شاملة لجنسه» خرج به المشترك والواجب المخير، فإن كلا منهما يتناول واحدا لا بعينه، لا باعتبار حقائق مختلفة. والمقيّد: هو المتناول لمعين، أو لغير معين موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. فقولهم: «أو لغير معين» أي كان متناولا لغير معين لكنه موصوف بأمر زائد على الحقيقة الشاملة لجنسه. وتتفاوت مراتبه في تقييده باعتبار قلة القيود وكثرتها (١). * ما يدخل تحت هذه القاعدة: يدخل تحت هذه القاعدة المطلق الذي لم يرد مقيدا في نص آخر، ولم يقم دليل على تقييده، وهذا هو المقصود الأول من هذه القاعدة. وتشمل - أيضا - المطلق الذي ورد مقيّدا في نص آخر غير أن اتفاق الأئمة قائم على عدم حمل المطلق على المقيد في صورته. أو كان عدم حمل المطلق على المقيّد يجعله بيانا له راجحا، فبناء على هذا الترجيح يدخل تحت مضمون هذه القاعدة. ولا يدخل تحت هذه القاعدة ما اتفق الأئمة فيه على وجوب حمل المطلق على المقيد بجعل المقيّد بيانا للمطلق. أو كان الراجح فيه ذلك. على ما سيأتي في تفصيل حالات المطلق مع المقيد. أما المقيّد الذي لم يرد مطلقا في نص آخر، ولم يقم دليل على أن المراد به الإطلاق لا التقييد فإنه يفسر ويعمل بمقتضى قيده، ولا يخرج عن ذلك فيه.

стр. 484

* ما يقيد به المطلق: المطلق والمقيد، كالعام والخاص في هذا الجانب، فكل ما يخصص العام فهو يقيد المطلق، فيقيد مطلق الكتاب بمقيده، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع. وما اختلف فيه في تخصيص العام وهو كذلك مختلف فيه هنا كخبر الآحاد والمفهوم وهو يقيد المطلق على الصحيح (١). * حالات المطلق مع المقيد: إذا ورد اللفظ مطلقا في نص ومقيدا في نص آخر فله أربع حالات: الأولى: أن يتحدا في الحكم والسبب معا، كتحريم الدم، فإنه ورد مقيدا في سورة الأنعام بكونه مسفوحا في قوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ومطلقا عن هذا القيد في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وفي سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، وفي سورة النحل في قوله تعالى: ﴿إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [النحل: ١١٥] وفي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد عند الأئمة الأربعة، وحكي الإجماع على ذلك. الثانية: أن يختلفا في الحكم والسبب معا، كلفظ «اليد» جاءت مطلقة في السرقة في قول الله تعالى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقيدت في آية الوضوء بالمرفقين في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]. فالسبب مختلف فيهما فهو في المطلق السرقة، وفي المقيد الصلاة، والحكم مختلف كذلك ففي المطلق القطع، وفي المقيد الغسل. ففي مثل هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد إجماعا. الثالثة: أن يتحدا في الحكم، ويختلفا في السبب، مثل الرقبة جاءت مطلقة في كفارة

стр. 485

الظهار في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا﴾ [المجادلة: ٣] وجاءت مقيدة بالإيمان في كفارة القتل في قوله الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فالحكم واحد، وهو عتق رقبة كفارة؟ لكن الظهار والقتل سببان مختلفان. ففي هذه الحالة وقع الخلاف بين العلماء فعند الشافعية والحنابلة وكثير من المالكية يحمل المطلق على المقيد، خلافا لأبي حنيفة. الرابعة: عكس الحالة الثالثة، وهي: أن يختلفا في الحكم ويتحدا في السبب، مثل اليد جاءت مقيدة بالمرفقين في الوضوء في قول الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وفي آية التيمم جاءت مطلقة في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] فاتحدا في السبب وهو الصلاة، واختلفا في الحكم، فحكمها في الوضوء الغسل، وفي التيمم المسح. وهذه الحالة أكثر العلماء لا يحملون فيها المطلق على المقيد (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي تشبه قاعدة العموم التي سبق تحريرها، واعتاد أهل الأصول على ذكر المطلق والمقيد عقب العام والخاص لتشابههما، إذ عموم العام شمولي، وعموم المطلق بدلي (٢)، بل جعلهما بعضهم قسما في العموم

стр. 486

والخصوص (١). وهما سواء عند المتقدمين (٢)؛ لذلك لا أطيل هنا بسرد الأقوال، وإنما أذكر مرة نبذا منها إضافة إلى ما سبق ذكره في قاعدة العموم. فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة: ١ - عامة الصحابة والتابعين فيما نقله عنهم الإمام الطبري: فبعد أن نقل أقوال بعضهم - كابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم - في تفسير قوله تعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ (٧٠) [البقرة: ٧٠]، بأنهم لو أخذوا أدنى بقرة كما أمرهم الله فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم. قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه - من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم، من قولهم إن بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم - من أوضح الدلالة على أن القوم كانوا يرون أن حكم الله، فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ ، على العموم الظاهر، دون الخصوص الباطن، إلا أن يخص بعض ما عمّه ظاهر التنزيل، كتاب من الله أو رسول الله؛ وأن التنزيل أو الرسول، إن خص بعض ما عمه ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دل عليه الظاهر، فالمخصوص من ذلك خارج من حكم الآية التي عمّت ذلك الجنس خاصة، وسائر حكم الآية على العموم، على نحو ما قد بيناه في كتابنا (كتاب الرسالة) من (لطيف القول في البيان عن أصول الأحكام) في قولنا في العموم والخصوص، وموافقة قولهم في ذلك قولنا ومذهبهم مذهبنا، وتخطئتهم قول القائلين بالخصوص في الأحكام، وشهادتهم على فساد قول من قال: حكم الآية الجائية مجيء العموم على العموم، ما لم يختصّ منها ما عمّته الآية. فإن خص منها بعض، فحكم

стр. 487

الآية حينئذ على الخصوص فيما خصّ منها، وسائر ذلك على العموم. وذلك أن جميع من ذكرنا قوله آنفا - مما عاب على بني إسرائيل مسألتهم نبيّهم ﷺ عن صفة البقرة التي أمروا بذبحها وسنّها وحليتها - رأوا أنهم كانوا في مسألتهم رسول الله ﷺ موسى ذلك مخطئين، وأنهم لو كانوا استعرضوا أدنى بقرة من البقر - إذ أمروا بذبحها بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، فذبحوها - كانوا للواجب عليهم من أمر الله في ذلك مؤدّين، وللحق مطيعين، إذ لم يكن القوم حصروا على نوع من البقر دون نوع وسنّ دون سنّ. ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك - مع الرواية التي رويناها عن رسول الله ﷺ بالموافقة لهم (١) - دليل واضح على صحة قولنا في العموم والخصوص، وأن أحكام الله جل ثناؤه في آي كتابه - فيما أمر ونهى - على العموم، ما لم يخص ذلك ما يجب التسليم له. وأنه إذا خصّ منه شيء، فالمخصوص منه خارج حكمه من حكم الآية العامة الظاهر، وسائر حكم الآية على ظاهرها العام - ومؤيد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه. اه (٢). وقال في موضع آخر مقررا هذه القاعدة في معرض ترجيحه بها: فكذلك كل مبهمة في القرآن، غير جائز رد حكمهما على المفسّرة قياسا؛ ولكن الواجب أن يحكم لكل واحدة منها بما احتمله ظاهر التنزيل، إلا أن يأتي في بعض ذلك خبر عن الرسول ﷺ ، بإحالة حكم ظاهره إلى باطنه، فيجب التسليم حينئذ لحكم الرسول، إذ كان هو المبين عن مراد الله. اه (٣).

стр. 488

٢ - ومنهم أبو بكر بن العربي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. بعد أن ذكر قول الحسن وعكرمة: بأنه صيام عشرة أيام. قال: قالوا: لأن الله تعالى ذكر الصيام ههنا مطلقا، وقيده في التمتع بعشرة أيام، فيحمل المطلق على المقيد. قلنا: هذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل في نازلة واحدة الثاني: أن النبي ﷺ قد بين في الحديث الصحيح قدر الصيام، وذلك ثلاثة أيام (١). اه (٢). ٣ - ومنهم الفخر الرازي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في تفسيره، فبعد أن اختار ما ترجح هذه القاعدة، قال معللا لاختياره: لأن اللفظ مطلق، فتخصيصه ببعض الجهات دون البعض ترجيح من غير مرجح وهو غير جائز. اه (٣). ٤ - ومنهم ابن جزي الكلبي: فقد ذكر هذه القاعدة من وجوه الترجيح التي ذكرها في مقدمة تفسيره، قال فيها: العاشر: تقديم الإطلاق على التقييد، إلا أن يدل دليل على التقييد. اه (٤). ٥ - ومنهم بدر الدين الزركشي: قال في البرهان: إن وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه، وإلا فلا، والمطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده؛ لأن الله - تعالى

стр. 489

- خاطبنا بلغة العرب. والضابط أن الله تعالى إذا حكم في شيء بصفة أو شرط ثم ورد حكم آخر مطلقا نظر، فإن لم يكن له أصل يردّ إليه إلا ذلك الحكم المقيد وجب تقييده به، وإن كان له أصل غيره لم يكن رده إلى أحدهما بأولى من الآخر. اه (١). وغيرهم كثير (٢)، وسيأتي الإحالة إلى بعض أقوالهم في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله -. وهذه القاعدة من القواعد الأصولية التي حررها علماء الأصول بقولهم: إذا دار اللفظ بين أن يكون مقيدا أو مطلقا فإنه يحمل على إطلاقه (٣). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. اختلف العلماء في قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ هل يلزم في هذه الأيام التتابع أو لا؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب في هذه الأيام التتابع. والآخر: أنه لا يجب التتابع فيها، بل إن شاء فرقها، وإن شاء تابعها (٤). فمن قال بوجوب التتابع علل قوله بأن القضاء يحكي الأداء فيلزم فيه التتابع،

стр. 490

وبقراءة أبي بن كعب في هذه الآية: (فعدة من أيام أخر متتابعات) (١). ومستند من قال بعدم وجوب التتابع هو ظاهر كتاب الله - تعالى - فقد أطلق - سبحانه - وجوب صيام هذه الأيام دون أن يقيدها بقيد، أو شرط، أو زمان. وهذا القول هو الصواب الذي تضافرت الأدلة على ترجيحه، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة؟ وذلك أن الله - تعالى - أطلق في وجوب صيام عدة ما أفطر ولم يقيدها بتتابع، وهذا يدل على عدم اشتراط التتابع فيها، ولم يرد بقيد التتابع نص من كتاب الله، ولا ثبت عن رسول الله ﷺ فيه شيء، ولا إجماع على تقييده منعقد ولا يجوز تقييد النصوص المطلقة إلا بدليل يدل على ذلك، ولا دليل هنا يصلح لذلك، فوجب حمل الآية وتفسيرها على إطلاقها دون قيد، والعمل بمقتضى ذلك الإطلاق. وهذا هو مذهب جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين. قال الحافظ ابن كثير مصححا هذا القول: وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل. اه (٢). وعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال أئمة التفسير (٣). ومما يؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا﴾ [البقرة: ١٨٥] بعد قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ فهذه قرينة في الآية تدل على أن هذه الأيام الأخر مقصود فيها اليسر «فكل ما كان أيسر عليه فقد اقتضى الظاهر جواز فعله، وفي إيجاب التتابع نفي اليسر وإثبات العسر، وذلك منتف بظاهر الآية» (٤)، ومستندهم في إيجاب التتابع تعليل لا يصلح

стр. 491

أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، وما وجب التتابع في الأداء وهو رمضان إلا لضرورة أدائه في الشهر، وأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وأما قراءة أبي بن كعب فهي قراءة مخالفة لسواد مصاحف المسلمين، فلم يثبتها الصحابة في المصاحف، وقد اجتمعت الأمة في قراءة هذه الآية على خلاف قراءته، فهي قراءة شاذة، والشاذ لا يعارض الثابت والمتواتر، ولا يصلح أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، إضافة إلى ما عارضها من وجوه الترجيح الأخرى، وقد سبق في قاعدة «معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة» بيان بعض ذلك. وفوق ذلك ما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت (متتابعات) (٢)، فهو - إن صح - يدل على أنها نزلت أولا ثم نسخت، فكانت قراءة أبيّ على ما كان أولا من الوجوب، فلا دلالة فيها على وجوب التتابع؟ لأنها منسوخة (٣). ومما يشمله الإطلاق في هذه الآية الزمان، فلم توقت هذه الأيام بوقت معين، «فدل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض» (٤)، ولم يجئ عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها (٥)، وهذا يردّ قول من أوجب على من أفطر يوما من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط (٦).

стр. 492

وحديث عائشة ﵂ يردّه - أيضا - وفيه أنها قالت: «كان يكون عليّ الصّوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (١)، وفي رواية أنها قالت: «إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان» (٢) ففي هذا الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر … ؛ لأن الظاهر إطلاع النبي ﷺ على ذلك مع توافر دواعي أزواجه على السؤال عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة ﵂ عليه (٣). ***

стр. 493

المطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب وفي النواهي أنها للتحريم * صورة القاعدة: إذا ورد في شيء من نصوص الوحي صيغة أمر مجردة عن القرائن فإنها تحمل على الوجوب، وكذا إذا وردت صيغة نهي مجردة عن القرائن فإنها تحمل على التحريم. فإذا اقترن بالصيغة قرينة أو ورد دليل يدل على أن المراد بالأمر غير الوجوب، وبالنهي غير التحريم، فإنها تحمل على ما دلت عليه القرينة أو الدليل بلا إشكال. *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولهم: «الأصل في الأوامر … ». الأصل في اللغة هو أساس الشيء (١). وفي الاصطلاح يطلق ويراد به عدة معان: أحدها: يطلق ويراد به الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها. الثاني: يطلق ويراد به الراجح من الأمور بالنسبة إلى المرجوح، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، وهذا المعنى هو المراد في هذه القاعدة. الثالث: يطلق على القاعدة المستمرة، كقولهم: أكل الميتة على خلاف الأصل، يعني على خلاف الحالة المستمرة.

стр. 494

الرابع: يطلق على المقيس عليه، وهو يقابل الفرع في باب القياس (١). * الأمر في اصطلاح الأصوليين: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء (٢). فقولهم: «استدعاء الفعل» يتناول الأمر والشفاعة والالتماس؛ لأن طلب الفعل إما أن يكون من الأدنى وهو سؤال، أو من المساوي فهو شفاعة والتماس، أو من الأعلى وهو الأمر. وقولهم: «بالقول» أخرج الإشارة ونحوها. وقولهم: «على وجه الاستعلاء» خرج به السؤال، والالتماس، والشفاعة (٣). والنهي ضد الأمر، فهو: استدعاء الترك بالقول على جهة الاستعلاء (٤). * صيغة الأمر، وصيغة النهي، ودلالاتهما: للأمر صيغة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرّت عن القرائن وهي «افعل» للحاضر، والمضارع المقرون باللام «ليفعل» للغائب، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]، (٥) فهذه صيغة صريحة في الأمر، وهناك صيغ أخرى منها: حمل الفعل المطلوب على المطلوب فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٦). ومنها: الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾

стр. 495

﴿الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ومنها: الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. ومنها: الوصية بالفعل كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وصيغة الأمر الصريحة حقيقة في الوجوب ظاهرة فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وتخرج عن الوجوب إلى معان أخر تعينها القرائن، وهي كثيرة: منها: الندب، وهي احتمال فيه (١)؛ لذلك رجّح حملها على الوجوب دون الندب ترجيحا للظاهر على المحتمل. ومثال الندب قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك لوجود الصارف عن الوجوب، وهو بيع وشراء النبي ﷺ دون أن يشهد (٢). ومنها: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] فهو أمر بعد حظر، وكان الفعل مباحا قبل الحظر. ومنها: الإهانة، نحو قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٩) [الدخان: ٤٩]. وغيرها كثير (٣). وأمّا النهي فصيغته المضارع المسبوق بلا الناهية «لا تفعل» من الأعلى إلى الأدنى، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢]، ونحوها (٤). أو فعل الأمر الدال
следующие страницы →