← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، وما وجب التتابع في الأداء وهو رمضان إلا لضرورة أدائه في الشهر، وأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَرَ﴾ (١). وأما قراءة أبي بن كعب فهي قراءة مخالفة لسواد مصاحف المسلمين، فلم يثبتها الصحابة في المصاحف، وقد اجتمعت الأمة في قراءة هذه الآية على خلاف قراءته، فهي قراءة شاذة، والشاذ لا يعارض الثابت والمتواتر، ولا يصلح أن يكون مقيدا لإطلاق الآية، إضافة إلى ما عارضها من وجوه الترجيح الأخرى، وقد سبق في قاعدة «معنى القراءة المتواترة أولى بالصواب من معنى القراءة الشاذة» بيان بعض ذلك. وفوق ذلك ما جاء عن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت (فعدة من أيام أخر متتابعات) فسقطت (متتابعات) (٢)، فهو - إن صح - يدل على أنها نزلت أولا ثم نسخت، فكانت قراءة أبيّ على ما كان أولا من الوجوب، فلا دلالة فيها على وجوب التتابع؟ لأنها منسوخة (٣). ومما يشمله الإطلاق في هذه الآية الزمان، فلم توقت هذه الأيام بوقت معين، «فدل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض» (٤)، ولم يجئ عن الله ولا عن رسوله ولا إجماع على تقييدها بأيام لا تجزيء في غيرها (٥)، وهذا يردّ قول من أوجب على من أفطر يوما من رمضان لعذر أن يصوم الثاني من شوال، فإن ترك صيامه فقد أثم وفرط (٦).

стр. 492

وحديث عائشة ﵂ يردّه - أيضا - وفيه أنها قالت: «كان يكون عليّ الصّوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان» (١)، وفي رواية أنها قالت: «إن كانت إحدانا لتفطر في زمان رسول الله ﷺ فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله ﷺ حتى يأتي شعبان» (٢) ففي هذا الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقا سواء كان لعذر أو لغير عذر … ؛ لأن الظاهر إطلاع النبي ﷺ على ذلك مع توافر دواعي أزواجه على السؤال عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزا لم تواظب عائشة ﵂ عليه (٣). ***

стр. 493

المطلب الثامن عشر: قاعدة: الأصل في الأوامر أنها للوجوب وفي النواهي أنها للتحريم * صورة القاعدة: إذا ورد في شيء من نصوص الوحي صيغة أمر مجردة عن القرائن فإنها تحمل على الوجوب، وكذا إذا وردت صيغة نهي مجردة عن القرائن فإنها تحمل على التحريم. فإذا اقترن بالصيغة قرينة أو ورد دليل يدل على أن المراد بالأمر غير الوجوب، وبالنهي غير التحريم، فإنها تحمل على ما دلت عليه القرينة أو الدليل بلا إشكال. *** * بيان ألفاظ القاعدة: قولهم: «الأصل في الأوامر … ». الأصل في اللغة هو أساس الشيء (١). وفي الاصطلاح يطلق ويراد به عدة معان: أحدها: يطلق ويراد به الدليل، كقولهم: أصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي: دليلها. الثاني: يطلق ويراد به الراجح من الأمور بالنسبة إلى المرجوح، كقولهم: الأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز، وهذا المعنى هو المراد في هذه القاعدة. الثالث: يطلق على القاعدة المستمرة، كقولهم: أكل الميتة على خلاف الأصل، يعني على خلاف الحالة المستمرة.

стр. 494

الرابع: يطلق على المقيس عليه، وهو يقابل الفرع في باب القياس (١). * الأمر في اصطلاح الأصوليين: استدعاء الفعل بالقول على جهة الاستعلاء (٢). فقولهم: «استدعاء الفعل» يتناول الأمر والشفاعة والالتماس؛ لأن طلب الفعل إما أن يكون من الأدنى وهو سؤال، أو من المساوي فهو شفاعة والتماس، أو من الأعلى وهو الأمر. وقولهم: «بالقول» أخرج الإشارة ونحوها. وقولهم: «على وجه الاستعلاء» خرج به السؤال، والالتماس، والشفاعة (٣). والنهي ضد الأمر، فهو: استدعاء الترك بالقول على جهة الاستعلاء (٤). * صيغة الأمر، وصيغة النهي، ودلالاتهما: للأمر صيغة تدل بمجردها على كونها أمرا إذا تعرّت عن القرائن وهي «افعل» للحاضر، والمضارع المقرون باللام «ليفعل» للغائب، كقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، والمصدر المؤكد لعامله كقوله تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]، (٥) فهذه صيغة صريحة في الأمر، وهناك صيغ أخرى منها: حمل الفعل المطلوب على المطلوب فيه، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٦). ومنها: الإخبار بأن الفعل مكتوب على المخاطبين كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾

стр. 495

﴿الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ومنها: الإخبار بأن الفعل على الناس عامة أو على طائفة منهم خاصة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. ومنها: الوصية بالفعل كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]. وصيغة الأمر الصريحة حقيقة في الوجوب ظاهرة فيه، وذلك كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. وتخرج عن الوجوب إلى معان أخر تعينها القرائن، وهي كثيرة: منها: الندب، وهي احتمال فيه (١)؛ لذلك رجّح حملها على الوجوب دون الندب ترجيحا للظاهر على المحتمل. ومثال الندب قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك لوجود الصارف عن الوجوب، وهو بيع وشراء النبي ﷺ دون أن يشهد (٢). ومنها: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] فهو أمر بعد حظر، وكان الفعل مباحا قبل الحظر. ومنها: الإهانة، نحو قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٩) [الدخان: ٤٩]. وغيرها كثير (٣). وأمّا النهي فصيغته المضارع المسبوق بلا الناهية «لا تفعل» من الأعلى إلى الأدنى، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى﴾ [الإسراء: ٣٢]، ونحوها (٤). أو فعل الأمر الدال

стр. 496

على طلب الكف كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]. وهي حقيقة في التحريم ظاهرة فيه، واحتمال في الكراهة (١)؛ فلذلك رجّح حملها على التحريم من ترجيح الظاهر على المحتمل، وهو مضمون هذه القاعدة. وترد لمعان آخر كالدعاء والإهانة وغيرها حسب ما تحدده القرائن (٢). ومثل النهي بصيغة «لا تفعل»: * ما يكون من نفي الفعل كقوله تعالى ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩) [الواقعة: ٧٩] (٣). * ولفظ التحريم، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. * والتعبير بنفي الصحة بلفظ «ما كان»، كقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. * والحكم على الفعل بأنه كفر أو ظلم أو فسق، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤) [المائدة: ٤٤]، وفي الأخرى ﴿الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) [المائدة: ٤٥]، وفي الأخرى ﴿الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) [المائدة: ٤٧]. *** * أدلة القاعدة: دل على هذه القاعدة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأهل اللسان (٤). ١ - فمن أدلة الكتاب أن الله تعالى ذمّ - في آيات كثيرة - من خالف أمره وأمر رسوله ﷺ ، أو ارتكب نهيه، وسماه عاصيا، ورتب على هذه المخالفة العقاب

стр. 497

العاجل والآجل مما يفيد أن الأمر المطلق للوجوب، والنهي المطلق للتحريم (١). ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦٣) [النور: ٦٣]، فتوعد - سبحانه - في هذه الآية المخالفين عن أمره بالفتنة أو العذاب، وحذرهم من مخالفة الأمر (٢)، وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف، والنهي للتحريم ما لم يصرف عنه صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير (٣). وكقوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨) [المرسلات: ٤٨] فإن قوله: ﴿اِرْكَعُوا﴾ أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه، بقوله ﴿لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨) يدل على أن امتثاله واجب (٤). وكقوله تعالى لإبليس: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الإعراف: ١٢] فإنكاره على إبليس موبخا له بقوله: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ،﴾ يدل على أنه تارك واجبا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى: ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] وعلق الذم على تركه (٥). وكقوله تعالى عن موسى ﵇: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (٩٣) [طه: ٩٣] فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) [الأعراف: ١٤٢]، فأطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر مما يدل على أن الأمر المطلق واجب الامتثال.

стр. 498

وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦) [التحريم: ٦] وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيا إلا بترك واجب، أو ارتكاب محرم. وكقوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فإنه يدل على أن أمر الله وأمر رسوله ﷺ مانع من الاختيار موجب للامتثال، ونبه إلى أن مخالفته وعدم امتثاله معصية بقوله بعده: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٣٦) [الأحزاب: ٣٦] وهذا يدل على اقتضائه الوجوب (١). والآيات في هذا المعنى كثيرة. ٢ - ومن أدلة السنة على هذه القاعدة: أ - حديث أبي سعيد بن المعلى (٢) قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي، فقال: «ألم يقل الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]»، الحديث (٣). فلامه على تركه الإجابة بعد أمر الله تعالى بها، فدل على أن الأمر للوجوب (٤). ب - ومنها حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» (٥). قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: فيه دليل على أن الأمر للوجوب من

стр. 499

وجهين: أحدهما: أنه نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ولو كان للندب لما جاز النفي. ثانيهما: أنه جعل الأمر مشقة عليهم، وذلك إنما يتحقق إذا كان الأمر للوجوب، إذ الندب لا مشقة فيه؛ لأنه جائز الترك. اه (١). ج - ومنها قوله ﷺ لبريرة (٢): «لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع؟. قالت: لا حاجة لي فيه» (٣). ومعلوم أن مقتضى شفاعته مستحب. فلما تبرأ من الأمر، وفرق بينه وبين الشفاعة دل على أنه لو أمر لاقتضى الوجوب (٤). ٣ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على وجوب طاعة الله - تعالى - وامتثال أوامره من غير سؤال النبي ﷺ عما عنى بأوامره في حال من الأحوال، فلما لم ينقل ذلك عنهم دل على أنهم عقلوا من أمره الوجوب، وعقلوا من نهيه الكف عن الفعل والترك فكان إجماعا منهم (٥). ٤ - ومن أدلة هذه القاعدة إجماع أهل اللسان العربي على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعا موقعه؛ لأن صيغة «افعل» ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول: صيغة «افعل» لم توجب عليّ الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني

стр. 500

لم أترك شيئا لازما حتى تعاقبني عليه. وإجماعهمم على أنه ليس له ذلك وأن عقابه له صواب لعصيانه دليل على أن صيغة «افعل» تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف (١). وكذلك لو نهى عبده عن فعل شيء فخالفه وفعله، عاقبه، لم يلم في عقوبته، فلو لم يكن النهي يقتضي التحريم والمنع لما استحق به العقوبة (٢). ***

стр. 501

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: أقوال العلماء في اعتماد القاعدة - عند المعتمدين لها - كثيرة، وقد سبق في أدلة القاعدة أقوال بعضهم في تقريرها، وسيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله - بعضها، ولم يخالف في اعتمادها إلا من سبق التنبيه على مخالفته، والصحيح من ذلك هو ما

стр. 502

تقرر هذه القاعدة لما سبق من الأدلة، وأقوال العلماء في تقرير ذلك كثيرة. فهذا الإمام الطبري يقرر في غير موضع من تفسيره: أن كل أمر لله ففرض لازم إلا ما قامت حجته من الوجه الذي يجب التسليم له بأنه ندب وإرشاد (١). واستعملها في الترجيح، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية. وقال أبو جعفر النحاس: وأمّا الندّب، فلا يحمل عليه الأمر إلا بدليل قاطع (٢). وقال مكي: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل. اه (٣). وقال أبو عمر ابن عبد البر: إن النهي من قبل الله إذا ورد فحكمه التحريم إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يبين المراد منه. اه (٤). وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾ (٦٨) [البقرة: ٦٨]: وهذا يدل على مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه. اه (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وذمه تعالى في غير موضع من القرآن من تولى دليل على وجوب طاعة الله ورسوله، وأن الأمر المطلق يقتضي وجوب الطاعة اهـ (٦). وقال الشنقيطي: وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك، وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم. اه (٧). وهذه القاعدة مذهب جماهير العلماء من الفقهاء والأصوليين وغيرهم، فقرروا في

стр. 503

كتبهم أن الأصل في الأوامر أنها للوجوب. وأن الأصل في النواهي أنها للتحريم، وبهذا قال الأئمة الأربعة وغيرهم (١). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) [البقرة: ٢٣٦]. اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ هل هي على الوجوب أو على الندب؟ فقال بعضهم: هي على الوجوب، يقضى بالمتعة في مال المطلق كما يقضى عليه بسائر الديون الواجبة عليه لغيره وبهذا قال ابن عمر، وقتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، وابن المسيب، وغيرهم، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد. وقال آخرون: إنما ذلك من الله تعالى ذكره ندب وإرشاد إلى أن تمتّع المطلقة. وهو مذهب مالك وأصحابه (٢). قال ابن عبد البر: وهي مستحبة يؤمر المطلق بها ولا يجبر عليها، ولكنه يندب إليها، وهي من أخلاق المحسنين المتقين، والسلطان هو الذي يأمر بها ويحض عليها، هذا كله قول مالك وأصحابه. اه (٣). وأولى القولين بالصواب القول بوجوب المتعة، وهو الذي ترجحه هذه القاعدة

стр. 504

وذلك؛ لأن الأمر المجرد من القرائن يقتضي الوجوب إلا أن يدل دليل على أنه للندب والإرشاد، ولا دليل هنا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ للندب والإرشاد لا من خبر الله - تعالى -، ولا من خبر رسوله ﷺ ، ولا كان ذلك إجماعا من الأمة. قال الإمام الطبري: وأرى أن المتعة للمرأة حق واجب، إذا طلقت، على زوجها المطلّقها - على ما بينا آنفا - يؤخذ بها الزوج كما يؤخذ بصداقها، لا يبرئه منها إلا أداؤه إليها أو إلى من يقوم مقامها في قبضها منه، أو ببراءة تكون منها له، وأرى أن سبيلها سبيل صداقها وسائر ديونها قبله، يحبس بها إن طلقها فيها، إذا لم يكن له شيء ظاهر يباع عليه، إذا امتنع من إعطائها ذلك. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الله تعالى ذكره قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ،﴾ فأمر الرجال أن يمتعوهن، وأمره فرض، إلا أن يبين تعالى ذكره أنه عنى به الندب والإرشاد، لما قد بينا في كتابنا المسمى ب (لطيف البيان عن أصول الأحكام)، لقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]. ولا خلاف بين جميع أهل التأويل أن معنى ذلك: وللمطلقات على أزواجهن متاع بالمعروف. وإذا كان ذلك كذلك، فلن يبرأ الزوج مما لها عليه إلا بما وصفنا قبل، من أداء أو إبراء على ما قد بيّنّا. اه (١). وقال القرطبي: والقول الأول أولى؛ لأن عمومات الأمر بالإمتاع في قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ،﴾ وإضافة الإمتاع إليهن بلام التمليك في قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ﴾ أظهر في الوجوب منه في الندب. اه (٢). وعلى ترجيح هذا القول جرت أقوال كثير من أئمة التفسير (٣).

стр. 505

وأما ما تمسك به القائلون بالندب من أن قوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) وفي الآية الأخرى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) يدل على الندب حيث جعل هذا من باب الإحسان، إذ لو كانت المتعة واجبة وجوب الحقوق اللازمة بكل حال لم يخصص المتقون والمحسنون بأنها حق عليهم دون غيرهم، ولأطلقها على كل أحد من الناس (١). وهذا الذي تمسكوا به لا يصلح أن يكون دليلا على صرف الأمر من الوجوب إلى الندب، بل هو كذلك دال على الوجوب؛ لأنه - تعالى - قد أمر جميع خلقه بأن يكونوا من المحسنين، ومن المتقين، وما وجب من حق على أهل الإحسان والتقى فهو على غيرهم أوجب، ولهم ألزم (٢). وما ذكر المتقين والمحسنين إلا تأكيدا لوجوبها، وليس تخصيصهم بالذكر هنا نفيا عن غيرهم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢] وهو هدى للناس كافة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فلم يكن قوله: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢) موجبا لئلا يكن هدى لغيرهم، فكذلك قوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٣٦) و ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٤١) غير ناف أن يكون حقا على غيرهم (٣) (¬،*). ***

стр. 506

المبحث الثاني: قواعد الترجيح المتعلقة بمرجع الضمير وفيه خمسة مطالب: المطلب الأول: قاعدة: إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه. المطلب الثاني: قاعدة: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر. المطلب الثالث: قاعدة: إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره. المطلب الرابع: قاعدة: توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها. المطلب الخامس: قاعدة: الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور ما لم يرد دليل بخلافه.

стр. 507

المطلب الأول: قاعدة: إذا أمكن حمل الضمير على غير الشأن فلا ينبغي الحمل عليه * صورة القاعدة: إذا تنازع العلماء في ضمير ما، فقائل يقول: هو ضمير الشأن والقصة، وآخر يقول: ليس هو ضمير الشأن والقصة. فإذا كان لقول الآخر وجه صحيح في العربية وفي السياق فهو أولى بحمل الآية عليه، ولا يقال بضمير الشأن إلا إذا لم يكن له محمل صحيح غيره؛ لأجل مخالفته للقياس من وجوه مختلفة - على ما سيأتي -. *** * إيضاح ألفاظ القاعدة: الضمير مأخوذ من الضمور وهو دقة في الشيء، وذلك؛ لأن حروفه قليلة بالنسبة إلى الظاهر، أو هو مأخوذ من الضمير؛ لأنه كناية عما فيه من الاسم الظاهر، وهذا الأصل يدل على غيبة وتستر (١). والضمير اصطلاحا: هو اللفظ المحتاج في تفسيره إلى لفظ منفصل عنه إن كان غائبا، أو قرينة تكلم أو خطاب. فقولهم: «إلى لفظ»، احترازا من ألفاظ الإشارة؛ لأنه لا بد أن يكون معها مفسر. وقولهم: «منفصل عنه» احترازا من الموصولات؛ لأنه لا بد أن تتصل صلاتها بها. وقولهم: «قرينة تكلم أو خطاب» ليدخل فيه ضمير المتكلم والمخاطب؛ لأنه لا

стр. 508

يحتاج إلى معرفة لفظ ظاهر، بل قرينة التكلم والخطاب كافية في ذلك (١). والشأن هو: الحال والأمر الذي يتفق ويصلح، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور (٢). وضمير الشأن هو: ضمير يأتي على صورة الغائب المفرد، مبهما ثم يفسر، ويقصد بذلك تعظيم الأمر والشأن (٣). قولهم: «فلا ينبغي الحمل عليه». لفظ «ينبغي» ورد استعماله في كلام الله وكلام رسوله مطردا في المحظور شرعا أو قدرا وفي المستحيل الممتنع كقوله تعالى: ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ (٩٢) [مريم: ٩٢] وقوله: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وقوله: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٢١١) [الشعراء: ٢١٠ - ٢١١] وقوله ﷺ : «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» (٤) وأمثال ذلك (٥). وورد استعماله في كلام العلماء في الواجب وفي المستحب إلا أن استعماله في الواجب أكثر (٦). فإذا قيل: «لا ينبغي» فهي ضد الوجوب أو ضد الاستحباب، إذا تقرر هذا، فقولهم: «فلا ينبغي أن يحمل عليه» أي لا يجوز الحمل عليه وله وجه صحيح في غيره، فلا يحمل على ضمير الشأن إلا عند الضرورة كما سيأتي في كلام أبي حيان.

стр. 509

أو كان الأولى أن لا يحمل عليه كما سيأتي في كلام غيره، وكل ذلك على حسب استعمال لفظ «ينبغي» و «لا ينبغي» في كلامهم. *** * الأوجه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس: قال ابن هشام (١): وهذا الضمير مخالف للقياس من خمسة أوجه: أحدها: عوده على ما بعده لزوما (٢)، إذ لا يجوز للجملة المفسرة له أن تتقدم هي، ولا شيء منها عليه. الثاني: أن مفسره لا يكون إلا جملة، ولا يشاركه في هذا ضمير. الثالث: أنه لا يتبع بتابع، فلا يؤكد، ولا يعطف عليه، ولا يبدل منه. الرابع: أنه لا يعمل فيه إلا الابتداء، أو أحد نواسخه - أي نواسخ الابتداء -.

стр. 510

الخامس: أنه ملازم للإفراد، فلا يثنى ولا يجمع وإن فسر بحديثين أو أحاديث. اه (١). وزاد ابن منظور (٢) على هذه الأوجه: ١ - أنه لا يقصد به شيء بعينه. ٢ - ولا يستعمل إلا في التفخيم. ٣ - ولا يرجع إلى مذكور (٣). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: يقول أبو حيان - في معرض رده على الزمخشري في حمله للضمير في ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] (٤) على الشأن -: ولا ضرورة تدعو إلى هذا. اه (٥). وبهذا يقرر أبو حيان أن ضمير الشأن لا يصار إليه إلا عند الضرورة وهي عدم وجود محمل للضمير غير الشأن والقصة. ونص على هذه القاعدة ابن هشام في المغني، فقال - بعد أن ذكر الوجوه التي خالف فيها ضمير الشأن القياس -: وإذا تقرر هذا علم أنه لا ينبغي الحمل عليه إذا أمكن غيره .. ، وقول كثير من النحويين إن اسم «أن» المفتوحة المخففة ضمير الشأن، والأولى أن يعاد على غيره إذا أمكن. اه (٦).

стр. 511

وقد اعتمد جملة من المفسرين هذه القاعدة، فنقل السمين الحلبي في الدر المصون (١) وصديق خان في تفسيره (٢) وغيرهما (٣) نحو عبارة أبي حيان السابقة الذكر المقررة للقاعدة، ونقل مضمون عبارة أبي حيان الدكتور محمد عبد الخالق عضيمة في كتابه القيم دراسات لأسلوب القرآن قال: إذا أمكن تقدير غيره - يعني غير ضمير الشأن - كان أولى. اه (٤). * تنبيه: لا تعني هذه القاعدة أنه لا يأتي ضمير الشأن، ولا يترجح في القرآن الكريم البتة، بل يتعين ضمير الشأن في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. من أمثلة ذلك الضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣) [يوسف: ٢٣]. قال ابن عطية: والضمير في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ مراد به الأمر والشأن فقط. اه (٥) وقال السمين الحلبي: هذه الهاء ضمير الشأن ليس إلا. اهـ (٦). وقد جمع د. محمد عبد الخالق عضيمة - في بحثه الاستقرائي لأسلوب القرآن الكريم - الآيات التي تعين فيها الضمير للشأن، وهي المواضع التي لا يحتمل الضمير فيها غير ضمير الشأن (٧). وإنما المقصود من هذه القاعدة هو ما إذا جاء ضمير في آية واحتمل أن يكون ضمير الشأن أو غيره، وورد التنازع فيه بين العلماء، فحمل الآية على غير ضمير الشأن أولى وأحسن.

стр. 512

* الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] اختلف العلماء في الضمير - (هو) - (١): فقال الجمهور: هو ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله، وهو «الله». وقال أبو علي الفارسي (٢): «هو» ضمير الشأن، و «الله» مبتدأ خبره ما بعده، والجملة مفسرة لضمير الشأن. وقول الجمهور أولى القولين بتفسير الآية؛ لأنه متى أمكن الحمل على غير ضمير الشأن فلا يحمل عليه. قال أبو حيان: والظاهر أن (هو) ضمير عائد على ما عادت عليه الضمائر قبله وهذا قول الجمهور. اه (٣). وعلل أبو حيان سبب جنوح أبي علي الفارسي إلى هذا التأويل بقوله: وإنما فر إلى هذا؛ لأنه إذا لم يكن ضمير الشأن كان عائدا على الله تعالى فيصير التقدير (والله الله) فينعقد مبتدأ وخبر من اسمين متحدين لفظا ومعنى لا نسبة بينهما إسنادية، وذلك لا يجوز فلذلك - والله أعلم - تأول أبو علي الآية على أن الضمير ضمير الأمة (٤). قال السمين مجيبا على هذا: قلت: الضمير إنما هو عائد على ما تقدم من

стр. 513

الموصوف بتلك الصفات الجليلة وهي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وخلق الناس من طين إلى آخرها، فصار في الإخبار بذلك، فائدة من غير شك. اه (١).

стр. 514

المطلب الثاني: قاعدة: إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر * صورة القاعدة: إذا احتمل السياق إعادة الضمير إلى مذكور أو إعادته إلى مقدر، واختلف العلماء على الاحتمالين، فإعادة الضمير إلى المذكور أولى وأحسن؛ لأن الإعادة إلى المقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب. هذا في حالة احتمال الضمير للأمرين واختلاف العلماء على القولين، أما إذا لم يقع خلاف بين العلماء في إعادة الضمير إلى أحدهما فليس داخلا تحت هذه القاعدة (١)؛ لأنها قاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، ولا خلاف هنا. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها الأئمة، وهي جزء من قاعدة أعم منها

стр. 515

سبق بيانها وهي قاعدة «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار» غير أن هذه القاعدة تعلقها في التقدير بمفسر الضمير، والتقدير خلاف الأصل؛ لذا كان إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر. فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوا هذه القاعدة في الترجيح: ١ - الإمام الطبري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول قتادة ومجاهد، وذلك أن قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٧٦] في سياق خبر الله عن قريش وذكره إياهم ولم يجر لليهود قبل ذلك ذكر، فيوجه قوله: ﴿وَإِنْ كادُوا﴾ إلى أنه خبر عنهم، فهو بأن يكون خبرا عمن جرى له ذكر أولى من غيره. اه (١). ٢ - ومنهم جار الله الزمخشري: قال - في معرض ترجيحه في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والإضمار ضرب من التعسف، وترك الظاهر الذي يدعوه المعنى إلى نفسه، إلى الباطن الذي يجفو عنه، ترك للحق الأبلج إلى الباطل اللجلج. اه (٢). ٣ - ومنهم أبو بكر ابن العربي: فقد حرر هذه القاعدة في معرض رده لقول مجاهد وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] قالوا: الهاء في «فيه» يعود على القرآن. قال ابن العربي: وهذا قول بعيد، ما أراه يصح عنهم، ولو صح نقلا لم يصح عقلا، فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر، وكيف يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه، وإن كان كله منه، ولكنه إنما يراعي مساق الكلام ومنحى القول. اه (٣).

стр. 516

٤ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال في معرض تضعيفه لقول من قال: الضمير في ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ﴾ [هود: ١٧] عائد على القرآن: ولم يتقدم للقرآن ذكر. اه (١). ٥ - ومنهم السمين الحلبي: فقد قرر هذه القاعدة. فقال: إن عود الضمير على غير مذكور بلا مدلول عليه بشيء خلاف الأصل. اه (٢). ٦ - ومنهم الشنقيطي: قال - مقررا ومرجحا بهذه القاعدة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]-: الوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير، ملفوظ مصرح به، في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ [النساء: ١٥٧]. وأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورا في الآية أصلا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر. ومما لا شك فيه، أن ما لا يحتاج إلى تقدير، أرجح وأولى، مما يحتاج إلى تقدير. اه (٣). وغير هؤلاء كثير كابن عطية (٤) وأبي حيان (٥) والألوسي (٦) وغيرهم (٧) على ما

стр. 517

سيأتي في الأمثلة التطبيقية - إن شاء الله تعالى -. * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: أمثلة هذه القاعدة وأمثلة قواعد الضمائر الآتية تتداخل كثيرا، وسوف اكتفى ببسط بعضها هنا فيما يتعلق بهذه القاعدة، وسيأتي بعضها في القواعد الآتية. - فمنها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٥] اختلف أهل التفسير في عائد الضمير في «منه» (١): فقالت طائفة: عائد على الله - تعالى -، السابق ذكره (٢). وقال آخرون: عائد على محمد ﷺ . وأولى القولين بتفسير الآية القول الأول؛ لأن مفسر الضمير فيه مذكور، على عكس القول الثاني فإنه لم يسبق للنبي ﷺ ذكر في السياق. وهذا هو ترجيح الإمام الطبري وابن عطية وابن كثير وغيرهم. قال الطبري: … والهاء في قوله «منه» عائد على اسم الله، ولم يجر لمحمد ذكر قبل فيجعل من ذكره ﷺ ، وهذا في سياق الخبر عن الله، فإن كان ذلك كذلك كانت بأن تكون من ذكر الله أولى. اه (٣). وقال ابن عطية - مرجحا ما رجحته هذه القاعدة -: والضمير في «منه» عائد على الله تعالى، هذا هو الأفصح والأجزل في المعنى. اه (٤). ويؤيد هذه القاعدة فيما قررته، قاعدة «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجح على ما خالفه». فقوله تعالى: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾

стр. 518

[هود: ٥] بعدها قرينة واضحة في ترجيح القول الأول وهو إعادة الضمير إلى الله - تعالى - كما هو ظاهر. قال ابن كثير: وعود الضمير على الله أولى، لقوله: ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾. اه (١). ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته ما صح من سبب النزول عن محمد بن عباد (٢) أن ابن عباس قرأ «ألا تثنوني صدورهم» قال: قلت: يا أبا العباس ما تثنوني صدورهم؟ قال: كان الرجل يجامع امرأته فيستحيي أو يتخلى فيستحيي، فنزلت ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ (٣).

стр. 519

ويلحق بالضمير في هذه القاعدة اسم الإشارة. فالقول الذي يجعل المشار إليه مذكورا أولى من القول الذي يجعله مقدرا. والعدول بالإشارة من الظاهر إلى المضمر مع إمكان الحمل على الظاهر خلاف الأصل، ولقد اعتمد العلماء هذه القاعدة، ورجحوا بها بين الأقوال المختلفة في التفسير، وسترى في الأمثلة الآتية تقريرهم واعتمادهم لهذه القاعدة في الترجيح. فمن أمثلتها ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٩) [ص: ٣٩]. قال الماوردي: في المشار إليه ب «هذا» ثلاثة أقاويل: أحدها: ما تقدم ذكره من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده بتسخير الريح والشياطين. والقول الثاني: أن في الكلام تقديما وتأخيرا تقديره هذا عطاؤنا بغير حساب فامنن أو أمسك. والقول الثالث: إن هذا إشارة إلى مضمر غير مذكور وهو ما حكي أن سليمان كان في ظهره ماء مائة رجل، وكان له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، فقال الله تعالى: ﴿هذا عَطاؤُنا﴾ يعني الذي أعطيناك من القوة على النكاح ﴿فَامْنُنْ﴾ بجماع من

стр. 520

تشاء من نسائك ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن جماع من تشاء من نسائك. ثم قال بعد أن حكى هذه الأقوال: وهذا القول عدول من الظاهر إلى ادعاء مضمر بغير دليل. اه (١). والقول الأول هو الأولى بتأويل الآية؛ لأنه يجعل المشار إليه مذكورا في سياق الكلام على عكس القول الثالث. وهذا القول هو اختيار إمام المفسرين الطبري. قال - بعد أن ذكر الأقوال في الآية -: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن والضحاك من أنه عنى بالعطاء ما أعطاه من الملك تعالى ذكره، وذلك أنه جل ثناؤه ذكر ذلك عقيب خبره عن مسألة نبيه سليمان - صلوات الله وسلامه عليه - إياه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأخبر أنه سخر له ما لم يسخر لأحد من بني آدم، وذلك تسخيره له الريح والشياطين على ما وصفت، ثم قال له عز ذكره: هذا الذي أعطيناك من الملك، وتسخيرنا ما سخرنا لك عطاؤنا، ووهبنا لك ما سألتنا أن نهبه لك من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعدك. اه (٢). ورجحه أبو جعفر النحاس (٣) وابن عطية (٤) وأبو حيان (٥) وابن جزي (٦)

стр. 521

والألوسي (١) والشوكاني (٢) وصديق خان (٣) وغيرهم. قال أبو حيان - بعد أن ذكر القول الثالث منسوبا إلى ابن عباس ﵄: ولعله لا يصح عن ابن عباس؛ لأنه لم يجر هنا ذكر النساء، ولا ما أوتي من القدرة على ذلك. اه. وقال الألوسي - معقبا على القول الثالث أيضا -: … ولا يكاد يصح، إذ لم يجر لذلك ذكر في الآية. اه. وقال الشوكاني - معقبا على نفس القول -: وهذا لا وجه لقصر الآية عليه لو قدرنا أنه تقدم ذكره من جملة تلك المذكورات، فكيف يدعي اختصاص الآية به مع عدم ذكره؟ اه. بهذا يعلم ترجيح الأئمة لما تقرره هذه القاعدة، ورد القول الذي يخالفها. ويعلم أن أولى الأقوال بتفسير الآية هو القول الذي يجعل المشار إليه مذكورا، وهو القول الأول، أما القول الثاني فهو خلاف الأصل، ولا دليل يوجب هذه المخالفة للأصل (٤)، وقد سبق بيان وجه كون التقديم والتأخير خلاف الأصل في قاعدة: «القول بالترتيب مقدم على القول بالتقديم والتأخير». ***

стр. 522

المطلب الثالث: قاعدة: إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى من إعادته إلى غيره * صورة القاعدة: إذا جاء ضمير في سياق قرآني، وتعددت الاحتمالات في مرجعه، فرجوعه إلى المحدث عنه في السياق أولى من رجوعه إلى غيره؛ لأنه هو المقصود بالكلام، وإليه يتجه الخطاب. *** * إيضاح ألفاظ القاعدة: «المحدث عنه». قال أبو حيان: المحدث عنه أحد جزئي الإسناد. اه (١). وغير المحدث عنه هو ما ذكر فضلة لا عمدة (٢). والإسناد في عرف النحاة: عبارة عن ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة (٣). والمحدث عنه من جزئي الإسناد هو المسند إليه، وهو: ١ - الفاعل «للفعل التام أو شبهه». ٢ - ونائب الفاعل. ٣ - والمبتدأ في الجملة الاسمية. ٤ - وأسماء النواسخ «أي ما أصله المبتدأ».

стр. 523

٥ - والمفعول الأول لظن وأخواتها -[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر]. ٦ - والمفعول الثاني لأرى وأخواتها (١) -[أي ما أصله المبتدأ أو الخبر]. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد التي اعتمدها في الترجيح أئمة التفسير، فمنهم من ينص عليها أثناء ترجيحه بها، ومنهم من يرجح القول الذي ترجحه هذه القاعدة، مما يشعر باعتماده لها. فمن هؤلاء الأئمة: ١ - الإمام ابن جرير الطبري: قال - في معرض ترجيحه في تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفاءٌ﴾ [النحل: ٦٩]-: وهذا القول -[أي إعادة الضمير إلى العسل]- أولى بتأويل الآية؛ لأن قوله «فيه» في سياق الخبر عن العسل فأن تكون الهاء من ذكر العسل؛ إذا كانت في سياق الخبر عنه أولى من غيره اه. (٢). فمضمون كلام الطبري هو مضمون هذه القاعدة. ٢ - ومنهم الزمخشري: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (١٧٥) [النساء: ١٧٥] قال: ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ﴾ إلى عبادته (٣). اه قال أبو حيان - معلقا على قول الزمخشري -: فجعل الضمير عائدا على الله تعالى وذلك على حذف مضاف وهذا هو الظاهر؛ لأنه المحدث عنه، و ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ليس محدثا عنهما. اه (٤).

стр. 524

٣ - ومنهم أبو حيان: قال - مرجحا بهذه القاعدة في أحد أمثلتها -: والأرجح الأول؛ لأنه أقرب، وهو منطوق به مقصود للحديث عنه. اه (١) وقال في موضع آخر: والظاهر عود الضمير في ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] على الأمر؛ لأنه هو المحدث. اه (٢). ٤ - ومنهم السمين الحلبي: قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧]: الضمير المنصوب للقتل -[أي السابق ذكره في الآية ﴿قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾]- للتصريح به؛ ولأنه المسوق للحديث عنه. اه (٣). ٥ - ومنهم الزركشي: قال: إذا جاء مضاف ومضاف إليه، وذكر بعدهما ضمير عاد إلى المضاف؛ لأنه المحدث عنه. اه (٤). ٦ - ومنهم السيوطي: قال - في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]- فضمير ﴿ذُرِّيَّتِهِ﴾ عائد على إبراهيم، وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول القصة إلى آخرها. اه (٥). ٧ - ومنهم الألوسي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢] قال: الظاهر أن الضمير المنصوب في «ترونها» للزلزلة؛ لأنها المحدث عنها. اه (٦). ***

стр. 525

مسألة: إذا أمكن عود الضمير على كل من المضاف والمضاف إليه على انفراده، ولم يتعين أحدهما بقرينة في السياق فإلى أيهما يرجع؟ قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: قول ابن حزم (١)، والماوردي ومن وافقهما إنه يعود على المضاف إليه؛ لأنه أقرب مذكور. قالوا ذلك في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فأعادوا الضمير إلى الخنزير. قال ابن حزم: وأما الخنزير فإن الله تعالى قال: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً﴾ والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن راجع إلى أقرب مذكور إليه. اه (٢). والآخر: قول الجمهور ورجحه أبو حيان والزركشي وغيرهما إنه يعود على المضاف؛ لأنه المحدث عنه (٣). فإن قال قائل وما الجديد في هذه المسألة؟ ألم تقرر في مبحث تنازع القواعد أنه إذا تنازعت قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور وقاعدة إعادة الضمير إلى المحدث عنه، قدمت قاعدة المحدث عنه؟ فالجواب: أن هذا ما لم يكن في هذه المسألة، فأما هذه المسألة فلها نظر خاص، وذلك؛ لأنه ليس مطردا رجوع الضمير إلى المضاف، ولا إلى المضاف إليه. كما أنه ليس مطردا أن يعود الضمير إلى أقرب مذكور (٤)، ولا أن يكون الإخبار والحديث

стр. 526

دائما عن المضاف دون المضاف إليه. وبيان ذلك أنه جاء في كتاب الله آيات كثيرة (١) عاد الضمير فيها إلى المضاف إليه اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤) [النحل: ١١]. وكذلك جاءت آيات أخرى كثيرة (٢) عادت الضمائر فيها على المضاف اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] و [النحل: ١٨]. وجاء في كتاب الله كذلك الإخبار عن المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤) [الشعراء: ٤] فأخبر تعالى عن المضاف إليه، ولو كان خبرا عن المضاف لقال خاضعة (٣). إذا تقرر كل ذلك فأحسن ما يقال في هذه المسألة، ما قاله الزركشي - بعد أن ذكر هذه المسألة والأقوال فيها -: وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج. اهـ (٤). وأفضل شيء يحدد مرجع الضمير إذا سبقه مضاف ومضاف إليه هو السياق وقرائنه فيرجع إليه في ذلك. والله تعالى أعلم. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة. ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩].

стр. 527

اختلف المفسرون في عائد الضمير في «فاقذفيه» و «فليلقه» (١): فقال بعضهم: هما عائدان إلى التابوت. وقال آخرون: بل إلى موسى ﵇ في داخل التابوت. وهذه القاعدة ترجح هذا القول، وذلك؛ لأن سياق الآيات عن موسى ﵇ والضمائر راجعة إليه من أول الآيات إلى موضع الخلاف وكذلك بعده راجعة إليه، فهو المقصود في الخطاب أولا وآخرا [فهو حاضر في ذهن أمه الموحى إليها، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في الساحل أفعال متعلقة بضميره إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره؛ لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة] (٢) وما جاء التابوت إلا تبعا له، فالضمائر جميعا ترجع إليه؛ لأنه المحدث عنه. وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير بهذه القاعدة، وبغيرها. قال أبو حيان: والظاهر أن الضمير في «فاقذفيه في التابوت» عائد على موسى وكذلك الضميران بعده إذ هو المحدث عنه لا التابوت، إنما ذكر التابوت على سبيل الوعاء والفضلة. اه (٣). وقال الشوكاني في تفسير الآية: والضمائر كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو موسى، مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له (٤). اه وقال الألوسي: والضمائر كلها لموسى ﵇ إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل، وإن كان هو التابوت أصالة؛ لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه، جعل التابوت تبعا له في ذلك .. والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه - يعني هذه الآية - أولى اه. (٥).

стр. 528

ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها». وذلك أن ضمير «أن اقذفيه» قبل المختلف فيها عائد إلى موسى ﵇ بلا خلاف، وكذلك ضميرا «يأخذه» و «له» بعد المختلف فيها راجعة إلى موسى ﵇ بلا خلاف. فإلحاق الضمائر المختلف فيها بما اتفق عليها أولى وأحسن، لما في توحيد مرجع الضمائر جميعا في السياق من المحافظة على اتساق النظم (١). قال الزمخشري: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل، قلت: ما ضرك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر اه. (٢). وقال الشنقيطي - في تفسير هذه الآية، مرجحا بهذه القاعدة فيها -: والصواب رجوعه -[أي الضمير]- إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن. اه (٣). أما من رجح القول الأول، فاعتمد على قاعدة: إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - سيأتي بسطها إن شاء الله - والتابوت أقرب مذكور. فأصبح هذا من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق بسطة في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد، وسيأتي التنبيه عليه في الأدلة التي تصرف الضمير من القريب إلى البعيد.

стр. 529

وقد حرر أبو حيان هذه المسألة في تفسير هذه الآية فقال: ولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على القريب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحاة على هذا فعوده على «التابوت» في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] راجح، والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح ولا يلتفت إلى القرب اه. (١).

стр. 530

***
следующие страницы →