← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 669

قواعد الترجيح عند المفسرين دراسة نظرية تطبيقية

حسين بن علي الحربي

Полный текст (605 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

دائما عن المضاف دون المضاف إليه. وبيان ذلك أنه جاء في كتاب الله آيات كثيرة (١) عاد الضمير فيها إلى المضاف إليه اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (١١٤) [النحل: ١١]. وكذلك جاءت آيات أخرى كثيرة (٢) عادت الضمائر فيها على المضاف اتفاقا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] و [النحل: ١٨]. وجاء في كتاب الله كذلك الإخبار عن المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ (٤) [الشعراء: ٤] فأخبر تعالى عن المضاف إليه، ولو كان خبرا عن المضاف لقال خاضعة (٣). إذا تقرر كل ذلك فأحسن ما يقال في هذه المسألة، ما قاله الزركشي - بعد أن ذكر هذه المسألة والأقوال فيها -: وإذا تعارض الأصلان تساقطا ونظر في الترجيح من خارج. اهـ (٤). وأفضل شيء يحدد مرجع الضمير إذا سبقه مضاف ومضاف إليه هو السياق وقرائنه فيرجع إليه في ذلك. والله تعالى أعلم. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: ١ - من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة. ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩].

стр. 527

اختلف المفسرون في عائد الضمير في «فاقذفيه» و «فليلقه» (١): فقال بعضهم: هما عائدان إلى التابوت. وقال آخرون: بل إلى موسى ﵇ في داخل التابوت. وهذه القاعدة ترجح هذا القول، وذلك؛ لأن سياق الآيات عن موسى ﵇ والضمائر راجعة إليه من أول الآيات إلى موضع الخلاف وكذلك بعده راجعة إليه، فهو المقصود في الخطاب أولا وآخرا [فهو حاضر في ذهن أمه الموحى إليها، وقذفه في التابوت وفي اليم وإلقاؤه في الساحل أفعال متعلقة بضميره إذ لا فرق في فعل الإلقاء بين كونه مباشرا أو في ضمن غيره؛ لأنه هو المقصود بالأفعال الثلاثة] (٢) وما جاء التابوت إلا تبعا له، فالضمائر جميعا ترجع إليه؛ لأنه المحدث عنه. وهذا هو ما رجحه أئمة التفسير بهذه القاعدة، وبغيرها. قال أبو حيان: والظاهر أن الضمير في «فاقذفيه في التابوت» عائد على موسى وكذلك الضميران بعده إذ هو المحدث عنه لا التابوت، إنما ذكر التابوت على سبيل الوعاء والفضلة. اه (٣). وقال الشوكاني في تفسير الآية: والضمائر كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه لكن المقصود هو موسى، مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له (٤). اه وقال الألوسي: والضمائر كلها لموسى ﵇ إذ هو المحدث عنه والمقذوف في البحر والملقى بالساحل، وإن كان هو التابوت أصالة؛ لكن لما كان المقصود بالذات ما فيه، جعل التابوت تبعا له في ذلك .. والحق أن عدم التفكيك فيما نحن فيه - يعني هذه الآية - أولى اه. (٥).

стр. 528

ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها». وذلك أن ضمير «أن اقذفيه» قبل المختلف فيها عائد إلى موسى ﵇ بلا خلاف، وكذلك ضميرا «يأخذه» و «له» بعد المختلف فيها راجعة إلى موسى ﵇ بلا خلاف. فإلحاق الضمائر المختلف فيها بما اتفق عليها أولى وأحسن، لما في توحيد مرجع الضمائر جميعا في السياق من المحافظة على اتساق النظم (١). قال الزمخشري: والضمائر كلها راجعة إلى موسى، ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت فيه هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم. فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل، قلت: ما ضرك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي ومراعاته أهم ما يجب على المفسر اه. (٢). وقال الشنقيطي - في تفسير هذه الآية، مرجحا بهذه القاعدة فيها -: والصواب رجوعه -[أي الضمير]- إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن. اه (٣). أما من رجح القول الأول، فاعتمد على قاعدة: إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - سيأتي بسطها إن شاء الله - والتابوت أقرب مذكور. فأصبح هذا من تنازع القواعد المثال الواحد، وقد سبق بسطة في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد، وسيأتي التنبيه عليه في الأدلة التي تصرف الضمير من القريب إلى البعيد.

стр. 529

وقد حرر أبو حيان هذه المسألة في تفسير هذه الآية فقال: ولقائل أن يقول إن الضمير إذا كان صالحا لأن يعود على القريب وعلى الأبعد كان عوده على الأقرب راجحا، وقد نص النحاة على هذا فعوده على «التابوت» في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ [طه: ٣٩] راجح، والجواب أنه إذا كان أحدهما هو المحدث عنه والآخر فضلة كان عوده على المحدث عنه أرجح ولا يلتفت إلى القرب اه. (١).

стр. 530

***

стр. 531

المطلب الرابع: قاعدة: توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها * صورة القاعدة: إذا جاءت ضمائر متعددة في سياق واحد، واحتملت في مرجعها أقوالا متعددة، فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد، أولى وأحسن، لانسجام النظم، واتساق السياق، وقوة الإعجاز، ما دام الأمر محتملا، ولا حجة توجب تفريقها، وتأبى توحيدها. فإن وردت آيات قرآنية لم يختلف أهل التفسير في تفريق ضمائرها، أو قامت حجة ظاهرة على تفريقها، فهي غير داخلة تحت هذه القاعدة، فلا يذهبنّ أحد إلى إلزام المعتمد لهذه القاعدة بنصوص قرآنية يوجب عليها توحيد مرجع ضمائرها، بعد إذ لم يكن فيها خلاف؛ لأن هذه القاعدة ترجيحية بين الأقوال المختلفة، فما لم يقع فيه خلاف بين المفسرين فلا يدخل تحت هذه القاعدة أصلا (١). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة وقررها ورجح بها بين الأقوال المختلفة في التفسير كثير من المفسرين، فمن هؤلاء الأئمة: ١ - إمام المفسرين الطبري: فقد أومأ إلى هذه القاعدة، ورجح بمضمونها. فبعد

стр. 532

أن ذكر الخلاف في عائد الضمير في «منه» من قوله تعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] قال: وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هي كناية من ذكر القرآن الذي أحكم الله آياته، وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٥٤] أقرب منه من ذكر قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ [الحج: ٥٢]. والهاء من قوله: ﴿أَنَّهُ﴾ من ذكر القرآن، فإلحاق الهاء في قوله: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ بالهاء من قوله: ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أولى من إلحاقها بما التي في قوله: ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ مع بعد ما بينهما. اهـ (١). فيلحظ من هذا الترجيح اعتماده لهذه القاعدة، وذلك في إلحاقه الهاء من «منه» بالهاء من قوله «أنه» كي تتحد في رجوعها إلى القرآن. وكذلك اعتمد قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى». وستأتي بعد هذه القاعدة - إن شاء الله -. ٢ - ومنهم الزمخشري: ففي معرض رده على من أجاز إعادة الضمير في ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: ٣٩] إلى التابوت، وما قبله وبعده يعود إلى موسى -: قال: والضمائر كلها راجعة إلى موسى ورجوع بعضها إليه وبعضها إلى التابوت في هجنة؛ لما يؤدي إليه من تنافر النظم، فإن قلت: المقذوف في البحر هو التابوت، وكذلك الملقى إلى الساحل. قلت: ما ضرّك لو قلت المقذوف والملقى هو موسى في جوف التابوت حتى لا تفرق الضمائر فيتنافر عليك النظم الذي هو أم إعجاز القرآن، والقانون الذي وقع عليه التحدي، ومراعاته أهم ما يجب على المفسر. اه (٢). ٣ - ومنهم ابن عطية: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال في التفسير المخالفة لهذه القاعدة -: وهذا غير قوي؛ لأنه يفرق الضمائر ويشعب المعنى. اه (٣).

стр. 533

٤ - ومنهم أبو حيان: فقد رجح بهذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، وهي من القواعد الترجيحية التي قررها ورجح بها، على ما سوف تراه في الأمثلة، فمن هذه المواضع قوله - في معرض ترجيحه لأحد الأقوال في أمثلة هذه القاعدة -: وتناسق الضمائر لشيء واحد أوضح. اه (١). ٥ - ومنهم ابن جزي الكلبي: قال - في معرض تضعيفه لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: ويضعف ذلك بأن الضمائر بعدها للرسول ﵇. اه (٢). ٦ - ومنهم الزركشي: ذكر هذه القاعدة في البرهان، فقال: إذا اجتمع ضمائر، فحيث أمكن عودها لواحد فهو أولى من عودها لمختلف. اه (٣). ٧ - ومنهم السيوطي: فقد ذكر هذه القاعدة وقررها، فقال: الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرا من التشتت. اه (٤). ٨ - ومنهم الألوسي: قال - مرجحا بهذه القاعدة -: واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول. اه (٥). ٩ - ومنهم الشنقيطي: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح في مواضع كثيرة من كتابه، على ما سيأتي في الأمثلة التطبيقية. فمن هذه المواضع قوله - في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (٨٢) [مريم: ٨٢]: إن الضمير في قوله «ويكونون» راجع للمعبودات، وعليه فرجوع الضمير في «يكفرون» للمعبودات أظهر لانسجام الضمائر بعضها مع بعض. اه (٦).

стр. 534

وغير هؤلاء الأئمة كثير (١)، سوف ترى في الأمثلة مزيدا من أقوالهم، والإحالة على بعضها. *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: أمثلة هذه القاعدة وأمثلة القاعدة السابقة بينهما تشابه وتداخل كبير، وقليل من الأمثلة التي يقع فيها التنازع بين القاعدتين (٢)، وإلا فالغالب اتحاد أمثلتها، فتوحيد مرجع الضمائر يعود إلى المحدث عنه غالبا، وقد تتفق هاتان القاعدتان مع قاعدة إعادة الضمير إلى أقرب مذكور - الآتي ذكرها - فيكون الضمير يعود إلى أقرب مذكور، وهو المحدث عنه، والضمائر جميعا في السياق عائدة إليه، وقد تختلف وتتنازع هذه القواعد، وقد بينت ذلك في مبحث تنازع القواعد من مباحث التمهيد. فمن أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٨) [العاديات: ٦ - ٨]. اختلف العلماء في عائد الضمير في «إنه على ذلك»، فقال بعض العلماء: هو عائد على الإنسان. وقال آخرون: هو عائد على رب الإنسان المذكور في قوله «لربه» (٣) وهذه القاعدة

стр. 535

ترجح القول الأول، وذلك حتى تتفق وتتسق الضمائر، فقبل هذا الضمير وبعده ضمائر كلها عائدة على الإنسان اتفاقا، فكذلك هذا الضمير المتنازع فيه يعود إليه، وبه تتحد الضمائر في السياق. وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير كأبي حيان وابن جزي والشوكاني (١) والألوسي والطاهر بن عاشور (٢) والشنقيطي وغيرهم. قال ابن جزي: والأول -[أي عوده إلى الإنسان] أرجح؛ لأن الضمير الذي بعده للإنسان باتفاق، فيجري الكلام على نسق واحد. اه (٣). وقال الألوسي: … واتساق الضمائر وعدم تفكيكها يرجح الأول، فإن الضمير السابق أعني ضمير ربه للإنسان ضرورة، وكذا الضمير اللاحق أعني الضمير في قوله: «وإنه لحب الخير». اه (٤). وقال الشنقيطي - مرجحا هذا القول بهذه القاعدة -: والنظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله «وإنه لحب الخير لشديد» فإنه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم. اه (٥). ومن رجح القول الثاني، استند إلى قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى من إبعاده». وذلك؛ لأن أقرب مذكور هو رب الإنسان. وهذا من تنازع القواعد وقد سبق في مبحث تنازع القواعد ترجيح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد … » على قاعدة «إعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى … ». وقد تعرّض أبو حيان لهذا التنازع في هذا المثال ورجح قاعدة «توحيد مرجع الضمائر … » فقال:

стр. 536

ولا يترجح بالقرب - «أي عود الضمير إلى أقرب مذكور وهو رب الإنسان]- إلا إذا تساويا من حيث المعنى، والإنسان هنا هو المحدث عنه، والمسند إليه الكنود، وأيضا فتناسق الضمائر لواحد مع صحة المعنى أولى من جعلها لمختلفين، ولا سيما إذا توسط الضمير بين ضميرين عائدين إلى واحد. اه (١).

стр. 537

***

стр. 538

المطلب الخامس: قاعدة: الأصل إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه * صورة القاعدة: هذه القاعدة تقرر أن الأصل في العربية أن يرجع الضمير إلى أقرب مذكور، فلذلك إذا اختلف العلماء في عائد أحد الضمائر في القرآن، فأرجح الأقوال في هذا الخلاف، القول الذي يعيد الضمير إلى أقرب مذكور، فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد. هذا إذا لم ينازع هذه القاعدة غيرها من القواعد، فإن نازعها غيرها، نظر بين القواعد المتنازعة بالضوابط التي مر تحريرها في مبحث تنازع القواعد. *** * إيضاح ألفاظ القاعدة: قولهم: «ما لم يرد دليل على خلافه»، أي على خلاف هذا الأصل من إعادة الضمير إلى أقرب مذكور. وقد ذكر كثير من العلماء هذا الشرط في إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، بل كان من قرر هذه القاعدة قيدها بهذا الشرط، مما يدل على أنها ليست على إطلاقها (١). وقد سبق في مبحث تنازع القواعد، الكلام على تنازع هذه القاعدة مع قاعدة «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى … »، وقاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى .. »، وذكرت مواقف العلماء من هذا التنازع، وبينت هناك أن هذه القاعدة مؤخرة في الرّتبة عن القاعدتين الآنفتي الذكر عند التنازع، ونقلت أقوال بعض العلماء في تقرير هذا، وكل ذلك سبق تحريره بما أغنى عن إعادته في

стр. 539

هذا الموضع. إذا تقرر هذا، فما الأدلة التي تدل على إعادة الضمير إلى البعيد دون القريب خلافا للقاعدة؟ من هذه الأدلة: ١ - القرينة في السياق: فإذا دلت القرينة على تعيين مفسر الضمير صير إليها، ووجب النزول على ما تقضيه؛ إذ عليها وحدها المعوّل، وهي القول الفصل في الإيضاح هنا (١). فقد تدل القرينة على إعادته على البعيد، أو القريب، أو المحدث عنه، أو غير المحدث عنه، ففي كل هي المعتمدة في تعيين مفسر الضمير، هذا إذا وجدت، فإذا لم توجد قرينة عمل بالقواعد السابقة في ترجيح أولى الأقوال في تعيين مفسر الضمير عند تردده بين أكثر من مرجع وهذا الدليل هو مضمون القاعدة الترجيحية: «القول الذي تؤيده قرائن في السياق مرجّح على ما خالفه». ٢ - ومن هذه الأدلة، سياق الجمل المذكورة قبل الضمير المختلف فيه وبعده، فهي تدل على تعيين أو ترجيح مرجع الضمير، فإذا كان سياق الجمل قبل وبعد الضمير عن شيء واحد، واحتمل الضمير رجوعه إليه - وكان بعيدا -، ورجوعه إلى القريب، فرجوعه إلى البعيد في هذه الحالة أرجح. وهذا الدليل هو مضمون قاعدة: «إعادة الضمير إلى المحدث عنه أولى … » وقاعدة: «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى .. ». قال السيوطي: الأصل تقديم مفسر الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل. ثم شرع في شرح هذا بقوله: … وأن يكون الأقرب نحو لقيت زيدا وعمرا يضحك فضمير يضحك عائد على عمرو ولا يعود على زيد إلا بدليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، فضمير «ذريته» عائد على «إبراهيم» وهو غير الأقرب؛ لأنه المحدث عنه من أول

стр. 540

القصة إلى آخرها. اه (١). فقرر السيوطي في كلامه هذا أن من الأدلة التي يصرف لها الضمير من القريب إلى البعيد، أن يكون البعيد محدثا عنه. ومن أمثلة ما اجتمع فيه هذان الدليلان قول الله تعالى: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ [الحج: ٧٨]. قال العلامة الشنقيطي - في معرض رده لقول عبد الرحمن بن زيد بأن الضمير «هو» يعود على إبراهيم، وهو أقرب مذكور - قال: في هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب. إحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا﴾ أي القرآن ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير. والقرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم فقوله: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أي الله. ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ:﴾ أي الله ﴿هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ:﴾ أي الله. فإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم. فالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف، لأن قوله: ﴿وَفِي هذا﴾ يعني القرآن، دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يناسبه أن يكون هو سماكم: أي الله المسلمين. اه (٢). ***

стр. 541

* أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة من القواعد المشهورة عند العلماء، وهي قاعدة لغوية استعملها أئمة التفسير في تفسير القرآن، وفي الترجيح بين الأقوال المختلفة فيه، غير أنه قد اختلفت عباراتهم في تقرير هذه القاعدة، فمنهم من صرح بوجوب إعادة الضمير إلى أقرب مذكور، ومنهم من جعل ذلك أولى وأحسن، ومنهم من عبّر بلفظ محتمل للوجوب والاستحباب كلفظ «ينبغي»، وكل هؤلاء معتمدون للقاعدة في الترجيح، سواء كان الترجيح من باب تقديم الأولى كما هو عند قوم، أو كان الترجيح بتقديم الراجح وتضعيف ما سواه كما هو عند آخرين، وكلا النوعين من قواعد الترجيح، فمن هؤلاء الأئمة الذين رجحوا بهذه القاعدة: ١ - إمام المفسرين ابن جرير الطبري: فقد استعملها في الترجيح كثيرا. فمن ذلك قوله - في معرض تعليله لأحد ترجيحاته في التفسير: وإنما قلت هذا القول أولى بالصواب في ذلك؛ لأنه لم يجر في هذه الآية ذكر لغير موسى؛ فلأن تكون الهاء في قوله: «من قومه» من ذكر موسى لقربها من ذكره، أولى من أن تكون من ذكر فرعون لبعد ذكره منها، إذ لم يكن بخلاف ذلك دليل من خبر ولا نظر. اه (١). ٢ - ومنهم ابن حزم: قال في الإحكام: والضمير راجع إلى أقرب مذكور، لا يجوز غير ذلك؛ لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه، فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم، وإنما وضعت اللغات للبيان. اه (٢). ٣ - ومنهم ابن عطية: فقد استعمل هذه القاعدة في الترجيح، قال - بعد أن ذكر الخلاف في مرجع ضمير في أحد أمثلة هذه القاعدة -: والعود على الأقرب أحسن. اه (٣).

стр. 542

٤ - ومنهم الرازي: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -: والضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات. اه (١). ٥ - ومنهم إمام العربية ابن مالك (٢): قال - مقررا هذه القاعدة -: إذا ذكر ضمير واحد بعد اثنين فصاعدا جعل للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج. اه (٣). ٦ - ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية: قال - مقررا هذه القاعدة ومرجحا بها -: والضمير يعود إلى القريب، إذا لم يكن هناك دليل على خلاف ذلك. اه (٤). ٧ - ومنهم أبو حيان: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] نص على هذه القاعدة ورجح بها فقال: والظاهر أن الضمير في «حبه» عائد على المال، لأنه أقرب مذكور، ومن قواعد النحويين أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. اه (٥). ٨ - ومنهم ابن جزيّ الكلبي: قال - في معرض رده لأحد الأقوال المخالفة للقاعدة -: وهذا بعيد … ؛ لأن الضمير ينبغي أن يعود على أقرب مذكور. اه (٦). ٩ - ومنهم الزركشي: فقد نص على هذه القاعدة، فقال: الأصل في الضمير عوده إلى أقرب مذكور. اه (٧).

стр. 543

١٠ - ومنهم السيوطي: قال: قاعدة: الأصل عود الضمير على أقرب مذكور. اه (١). ١١ - ومنهم الشنقيطي: قال - في معرض ترجيحه بهذه القاعدة لأحد الأقوال في أمثلتها -: … الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه. اه (٢). وغيرهم كثير (٣). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من الأمثلة التي تتخرج على هذه القاعدة، ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤) [مريم: ٢٤]. للعلماء في المنادي لمريم قولان مشهوران حكاهما عن السلف أكثر أهل التفسير، وذلك بناء على الخلاف في مرجع الضمير في «فناداها». فالقول الأول: المنادي هو الملك جبريل ﵇. والقول الثاني: إن الذي ناداها من تحتها هو عيسى لا جبريل ﵉ (٤) - وهذا القول هو الذي ترجحه هذه القاعدة؛ وذلك لأن عيسى ﵇ هو أقرب المذكورين إلى الضمير في «فناداها» وذلك في قوله: ﴿* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ (٢٢) [مريم: ٢٢] وما بعدها، وإعادة الضمير إلى أقرب مذكور أولى، ما لم يصرفه عنه صارف، ولا صارف هنا. وقد رجح هذا القول جماعة من أئمة التفسير اعتمادا على هذه القاعدة. قال

стр. 544

الطبري - بعد أن حكى الخلاف السابق -: وأولى القولين في ذلك عندنا قول من قال: الذي ناداها ابنها عيسى، وذلك أنه من كناية ذكره أقرب منه من ذكر جبرائيل فرده على الذي هو أقرب إليه أولى من رده على الذي هو أبعد منه، ألا ترى في سياق قوله: ﴿* فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا﴾ (٢٢) يعني به: فحملت عيسى فانتبذت به، ثم قيل فناداها نسقا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلة أخرى، وهي قوله: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] ولم تشر إليه - إن شاء الله - إلا وقد علمت أنه ناطق في حاله تلك، وللذي كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبته إياها بقوله: ﴿أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (٢٤) وما أخبر الله عنه أنه قال لها أشيري للقوم إليه، ولو كان ذلك قولا من جبريل، لكان خليقا أن يكون في ظاهر الخبر، مبينا أن عيسى سينطق ويحتج عنها للقوم .. اهـ (١). ورجح هذا القول أيضا الرازي (٢)، والشنقيطي (٣)، وذكرا الحجتين اللتين ذكرهما الطبري، واستظهره أبو حيان في بحره (٤). ويؤيد هذه القاعدة فيما رجحته في هذا المثال، قاعدة «توحيد مرجع الضمائر في السياق الواحد أولى من تفريقها»، وذلك أن الضمائر في قوله: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ﴾ و ﴿وَرَحْمَةً مِنّا﴾ و ﴿* فَحَمَلَتْهُ﴾ و ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ و ﴿فَناداها﴾ فهذه خمسة ضمائر بين بارز ومستتر كلها عائد إلى عيسى ﵇ اتفاقا إلا ضمير ﴿فَناداها﴾ على الخلاف السابق، فإلحاقه بما سبق من الضمائر أولى من إخراجه عنها ما دام الأمر محتملا (٥).

стр. 545

ويلحق بهذه القاعدة «اسم الإشارة الموضوع للقريب». فإعادته إلى القريب أولى من إعادته إلى البعيد . وذلك؛ لأن العرب استعملت في الإشارة إلى القريب «ذا» و «ذه»، فإذا أدخلوا عليها الكاف ك «ذاك» كانت للتوسط - عند قوم وأنكر هذه المرتبة آخرون - وإذا

стр. 546

دخلت عليها اللام ك «ذلك وتلك» كانت للبعيد» (١). فإذا تنازع المفسرون في المشار إليه باسم الإشارة القريب، فحمله على القريب أولى وأحسن، وذلك لموافقته أصل الاستعمال، ومحافظته على نظم الآية الكريمة. قال ابن حزم: والإشارة بخلاف الضمير وهي عائدة إلى أبعد مذكور، وهذا حكمها في اللغة إذا كانت الإشارة بذلك، أو تلك، أو هو، أو أولئك، أو هم، أو هي، أو هما. فإن كانت بهذا، أو هذه، فهي راجعة إلى حاضر قريب ضرورة، وهذا ما لا خلاف فيه بين أحد من أهل اللغة، ولا يعرف نحوي أصلا غير ما ذكرنا. اه (٢). ولقد اعتمد هذه القاعدة أئمة التفسير وحرروها، ورجحوا بها، ففي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى﴾ (١٨) [الأعلى: ١٨] اختلف العلماء في الذي أشير إليه ب «هذا» في الآية (٣). فقال بعضهم: أشير به إلى الآيات في سبح اسم ربك الأعلى. وقال آخرون: أشير به إلى الذي قصه الله في هذه السورة. وقال آخرون: أشير به إلى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٧) [الأعلى: ١٧]. وقيل: أشير به إلى القرآن. وقيل: أشير به إلى كتب الله كلها. قال الطبري - بعد أن حكى بعض هذه الأقوال -: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: إن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٧) [الأعلى: ١٤ - ١٧] لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران.

стр. 547

وإنما قلت: ذلك أولى بالصحة من غيره؛ لأن «هذا» إشارة إلى حاضر؛ فلأن يكون إشارة إلى ما قرب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره. اه (١). قال ابن كثير: - معلقا على اختيار الطبري -: وهذا اختيار حسن قوي. اه (٢). وقال ابن عطية: - مرجحا بهذه القاعدة -: وهذا هو الأرجح لقرب المشار إليه ب «هذا». اه (٣). وقال أبو حيان: - في معرض ترجيحه لما رجحته القاعدة -: … ويرجح بقرب المشار إليه ب «هذا». اه (٤). فيلحظ من أقوال هؤلاء الأئمة في ترجيحهم في هذا المثال مدى اعتمادهم لهذه القاعدة، والترجيح بها.

стр. 548

المبحث الثالث: قواعد الترجيح المتعلقة بالإعراب وفيه مطلبان: المطلب الأول: قاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع. المطلب الثاني: قاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة.

стр. 549

* توطئة: مر في مباحث سابقة بعض القواعد التي تتعلق بالإعراب، أو كان الإعراب من مجالات تطبيقها، وذكرتها هناك لتعلقها بتلك المباحث التي ذكرت فيها، فجرى هناك تحريرها، وضرب الأمثلة عليها بما يغني عن إعادتها في هذا الموضع. وهذه القواعد هي: ١ - قاعدة: «الوجه التفسيري والإعرابي الموافق لرسم المصحف أولى من الوجه المخالف له». ٢ - قاعدة: «القول بالاستقلال مقدم على القول بالإضمار». ٣ - قاعدة: «التقدير الموافق لغرض الآية وأدلة الشرع مقدم على غيره».

стр. 550

المطلب الأول: قاعدة: يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية اللائقة بالسياق والموافقة لأدلة الشرع * صورة القاعدة: هذه القاعدة توجب حمل آيات التنزيل على الأوجه الإعرابية اللائقة بسياق الآية ومعناها، والموافقة لأدلة الشرع، دون الأوجه الجافية عنها، وإن كان لها وجه صحيح في العربية، فليس كل ما صح القول به في تركيب عربي صح حمل آيات التنزيل عليه، فللقرآن عرف خاص يجب أن يحمل عليه ولا يتعداه، ولا يتجاوز ما صح من معانيه بكل احتمال نحوي؛ وذلك لأن الإعراب يبين المعنى، والمعنى هو المقصود في النص القرآني دون الإعراب وقواعده. وقد سبق في قاعدة: «ليس كل ما ثبت في اللغة صح حمل آيات التنزيل عليه» التنبيه على بطلان منهج من جعل القرآن نصا عربيا مجردا يفسره باللغة دون اعتبار سياق الآيات وأسباب نزولها وما أثر في تفسيرها. فهذه القاعدة تشبه تلك، مع اختصاصها بجانب الإعراب. *** * بيان ألفاظ القاعدة: الإعراب في اللغة: قال ابن فارس: العين والراء والباء أصول ثلاثة: أحدها: الإبانة والإفصاح، والآخر: النشاط وطيب النفس، والثالث: فساد في جسم أو عضو.

стр. 551

فالأول قولهم: أعرب الرجل عن نفسه إذا بيّن وأوضح … وإعراب الكلام من هذا القياس؛ لأن بالإعراب يفرق بين المعاني في الفاعل، والمفعول، والنفي، والتعجب، والاستفهام، وسائر أبواب هذا النحو من العلم .. اهـ (١)، وهذا الأصل هو الذي يعنينا هنا. وهو في اصطلاح النحاة: ما جيء به لبيان مقتضى العامل من حركة، أو حرف، أو سكون، أو حذف (٢). *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: اعتمد هذه القاعدة عامة المفسرين، فالإعراب فرع المعنى، وما هو إلا مبين ومميز للمعاني، فأصح الوجوه الإعرابية ما كان موافقا لمعنى الآية. ومن خالف في تطبيق مضمون هذه القاعدة فهو محجوج بها. وأقوال العلماء في اعتمادها والترجيح بها كثيرة، فمن هؤلاء الأئمة الذين اعتمدوها: ١ - الإمام الطبري: فكثيرا ما يذكر خلاف المعربين في إعراب آية أو جملة منها ويردف ذلك بالتنبيه إلى هذه القاعدة بقوله: وهذا القول على مذهب العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل التأويل أقرب. اه (٣). أو بنحو قوله - بعد أن يذكر خلاف المعربين -: والوجه الأول أولى الوجهين بالصواب؛ لأن التأويل من أهل التأويل به جاء. اهـ (٤).

стр. 552

٢ - ومنهم ابن جني: فهو يختار بعض الوجوه الإعرابية ويرد أخرى لأجل مراعاة معنى الآية وسياقها فلا يختار الأوجه الغريبة أو الضعيفة أو القاصرة لئلا يصغر المعنى (١)، وعقد في الخصائص بابا هو مضمون هذه القاعدة قال فيه: باب في تجاذب المعاني والإعراب .. إنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم الإعراب والمعنى متجاذبين: هذا يدعوك إلى أمر، وهذا يمنعك منه، فمتى اعتورا كلاما أمسكت بعروة المعنى، وارتحت لتصحيح الإعراب. اه (٢). وضرب لذلك أمثلة من القرآن، ومن شعر العرب ومنثورها. ٣ - ومنهم مكي بن أبي طالب: فقد استعمل مضمون هذه القاعدة في كتابه «مشكل إعراب القرآن» ونبه عليها في ترجيحه بين الأعاريب، معللا اختياره لبعض الوجوه بأنها أصح في التفسير، وأولى في المعنى (٣). وإن كان غيرها صحيحا من جهة العربية. ٤ - ومنهم القاضي أبو محمد ابن عطية: فقد رجّح بمضمون هذه القاعدة في مواضع كثيرة من تفسيره، فهو يضعف أحيانا بعض الأوجه الإعرابية بنحو قوله: وفي هذا ذهاب برونق المعنى (٤). أو بقوله: وهذا قول ضعيف من جهة المعنى، وأما من جهة اللفظ فجيد (٥). أو بنحو قوله: وهذا خطأ في معنى الآية (٦). ٥ - ومنهم أبو حيان الأندلسي: ففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] بعد أن ذكر خلاف المعربين في «من» قال: والذي نختار أن تكون «من» موصولة؛ وإنما اخترنا ذلك؛ لأنه الراجح من حيث

стр. 553

المعنى، ومن حيث التركيب الفصيح. اه (١). ٦ - ومنهم العلامة ابن القيم: فقد قرر هذه القاعدة أتم تقرير، بما يروي الغليل ويشفي العليل، فقال ﵀: وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بد منه وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن … بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم. فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي. فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بال فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه وسنزيد هذا - إن شاء الله تعالى - بيانا وبسطا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله بل هو أهم أصوله. اه (٢). وطبق هذه القاعدة في الترجيح بين الأقوال الإعرابية والتفسيرية (٣). ٧ - ومنهم ابن هشام الأنصاري: فقد ذكر مضمون هذه القاعدة عند كلامه على

стр. 554

الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الأولى: أن يراعى ما يقتضيه ظاهر الصناعة ولا يراعى المعنى، وكثيرا ما تزل الأقدام بسبب ذلك. وأول واجب على المعرب أن يفهم معنى ما يعربه، مفردا أو مركبا. اه (١). وأقوال العلماء في ذلك كثيرة، وسيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية (٢). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير وإعراب قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) [الأنفال: ٦٤]. اختلف المعربون في الموقع الإعرابي لقوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ على أقوال: أحدها: أن تكون «الواو» عاطفة ل «من» على الكاف المجرورة في ﴿حَسْبُكَ﴾. وهذا على مذهب من أجاز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وبه قال الكوفيون (٣). والثاني: أن يكون «من» في محل نصب عطفا على محل الكاف، في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ فإن محلها النصب، فهي في معنى «كافيك» أي: الله يكفيك ويكفي من اتبعك. ومعنى هذا القول مروي عن الشعبي وابن زيد وغيرهما، وبه قال الطبري (٤)، والنحاس (٥)، ومكي (٦)، وغيرهم، وعليه اقتصر ابن كثير (٧)، وغيره.

стр. 555

قال الإمام الطبري بعد أن ساق الآثار عن الشعبي وابن زيد: ف «من» من قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) على هذا التأويل الذي ذكرناه عن الشعبي نصب عطفا على معنى «الكاف» في قوله: ﴿حَسْبُكَ اللهُ﴾ لا على لفظه؛ لأنها في محل خفض في الظاهر، وفي محل نصب في المعنى؛ لأن معنى الكلام يكفيك الله، ويكفي من اتبعك من المؤمنين. اه (١). الثالث: أن تكون «من» في موضع نصب بفعل محذوف دل عليه الكلام، تقديره: ويكفي من اتبعك من المؤمنين. فالمعنى: فإن الله يكفيك ويكفي من اتبعك من المؤمنين (٢). الرابع: أن تكون «من» في موضع رفع بالابتداء، أي: ومن اتبعك من المؤمنين فحسبهم الله. فيكون من عطف الجمل (٣). وهذه الأوجه التي سبق ذكرها متفقة مع هذه القاعدة، ومتمشية مع الصحيح في معنى الآية، ولا تعارض أدلة شرعية، وإن وجد تقديم لبعضها على بعض من جهة الصناعة. كالذي يقال في القول الأول بأنه من العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار، وهو وإن كان جائزا في أصح القولين؛ لكنه قليل، وإعادة الجار أحسن وأفصح (٤). ونحو ذلك من الاعتراضات على بعض الأقوال من جهة الصناعة فقط. أما من جهة المعنى فجميعها صحيح، وليس هذا هو ما أردت بيانه في هذا المثال، إنما أردت بيان ضعف القول الخامس الذي قال به بعض العلماء لمخالفته سياق الآية وبعض أدلة الشرع، وهذه القاعدة تضعفه.

стр. 556

وهو: جعل «من» في محل رفع عطفا على اسم الله تعالى. ومعناه: حسبك الله وأتباعك من المؤمنين. واختار هذا القول الفراء (١)، والنحاس (٢)، واستظهره أبو حيان (٣)، والسمين (٤)، وغيرهم. ووجه ضعف هذا القول، بل بطلانه، أن الحسب هو الكافي، ولا يصح صرف هذا لغير الله تعالى، كالرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادات. وقد دلّ القرآن في آيات كثيرة على أن «الحسب» و «الكفاية» لله وحده لا شريك له فيهما، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ (٥٩) [التوبة: ٥٩] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله ورسوله في أول الآية ووسطها، وعطف «بالحسب، الرغبة» وجعلهما له وحده، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، ولا إنا إلى الله ورسوله راغبون» (٥). مما يدل بوضوح تام على أن «الحسب» خاص به تعالى لا يشركه فيه أحد. وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢) [الأنفال: ٦٢] ففرق بين «الحسب» و «التأييد»، فجعل «الحسب» له وحده، وجعل «التأييد» له بنصره وبعباده (٦). وفي أمثال هذه الآيات التي يرد فيها التفريق بين ما يجوز أن يشترك أحد معه سبحانه فيها وما لا يجوز الدلالة الواضحة على بطلان قول من جعل قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) معطوفا على اسم الله تعالى، فيشترك المؤمنون مع

стр. 557

الله في كفاية النبي ﷺ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد ظن بعض الغالطين أن معنى الآية: أن الله والمؤمنين حسبك، ويكون ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ رفعا عطفا على الله، وهذا خطأ قبيح مستلزم للكفر؛ فإن الله وحده حسب جميع الخلق. كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) [آل عمران: ١٧٣] أي: الله وحده كافينا كلنا. وفي البخاري عن ابن عباس في هذه الكلمة: قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) (١). فكل من النبيين قال: حسبي الله، فلم يشرك بالله غيره في كونه حسبه، فدل على أن الله وحده حسبه ليس معه غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩] الآية، فدعاهم إلى أن يرضوا ما آتاهم الله ورسوله، وإلى أن يقولوا: حسبنا الله، ولا يقولوا: حسبنا الله ورسوله. لأن الإيتاء يكون بإذن الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وأما الرغبة فإلى الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (٨) [الشرح: ٧ - ٨]. وكذلك التحسب الذي هو التوكل على الله وحده. فلهذا أمروا أن يقولوا: حسبنا

стр. 558

الله، ولا يقولوا: ورسوله. فإذا لم يجز أن يكون الله ورسوله حسب المؤمن، كيف يكون المؤمنون مع الله حسبا لرسوله؟!. اه (١). وقد رد هذا الوجه في إعراب الآية والمعنى الذي يؤديه العلامة ابن القيم، فبعد أن ذكره قال: وهذا وإن قاله بعض الناس فهو خطأ محض، لا يجوز حمل الآية عليه، فإن «الحسب» و «الكفاية» لله وحده، كالتوكل والتقوى والعبادة. اه. ثم ساق الأدلة - التي سبق ذكرها - على بطلان هذا القول، وفيها غنية وكفاية عن قول كل قائل (٢).

стр. 559

المطلب الثاني: قاعدة يجب حمل كتاب الله على الأوجه الإعرابية القوية والمشهورة دون الضعيفة والشاذة والغريبة * صورة القاعدة: هذه القاعدة توجب حمل كتاب الله تعالى على أقوى الوجوه الإعرابية وأشهرها وأفصحها، وتجنيبه الأوجه الضعيفة والشاذة والغريبة، ويتبع ذلك ما لا تعرف العرب من لسانها من باب أولى. *** * أقوال العلماء في اعتماد القاعدة: هذه القاعدة متفرعة عن قاعدة: «يجب حمل كلام الله تعالى على المعروف من كلام العرب دون الشاذ والضعيف والمنكر» فهذه القاعدة خاصة بالإعراب واستعمالهم للعوامل، وتلك القاعدة في كل ما هو وارد عنهم في الألفاظ المفردة والتراكيب والأساليب، وقد سبق هناك ذكر أقوال بعض العلماء، وأضيف هنا أقوال بعضهم مخصوصة في جانب الإعراب، فمن ذلك: ١ - قول أبي عبيد مقررا هذه القاعدة: وإنما يحمل القرآن على أعرب الوجوه وأصحها في اللغة والنحو. اه (١). ٢ - ومنها قول الإمام الطبري بعد أن ذكر خلاف المعربين في رافع قوله تعالى: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ،﴾ وقوله: ﴿اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]: وأولى هذه الأقوال في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: «الشهادة» مرفوعة بقوله: «إذا حضر»؛ لأن قوله: «إذا حضر» بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و «اثنان» مرفوع

стр. 560

بالمعنى المتوهم، وهو: أن يشهد اثنان، فاكتفى من قيل «أن يشهد» بما قد جرى من ذكر «الشهادة» في قوله: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن «الشهادة» مصدر في هذا الموضع، و «اثنان» اسم، والاسم لا يكون مصدرا، غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع الأفعال، فالأمر وإن كان كذلك، فصرف كل ذلك إلى أصح وجوهه ما وجدنا إليه سبيلا أولى بنا من صرفه إلى أضعفها. اه (١). ٣ - ومنها قول أبي حيان الأندلسي في مقدمة تفسيره عن منهجه الذي سوف يسير عليه: … ثم أشرع في تفسير الآية ذاكرا سبب نزولها … [إلى أن قال]: منكبا في الإعراب عن الوجوه التي ينزه القرآن عنها، مبينا أنها مما يجب أن يعدل عنه، وأنه ينبغي أن يحمل على أحسن إعراب وأحسن تركيب؛ إذ كلام الله تعالى أفصح الكلام، فلا يجوز فيه جميع ما يجوزه النحاة في شعر الشماخ والطرماح وغيرهما من سلوك التقادير البعيدة، والتراكيب القلقة، والمجازات المعقدة. اه (٢). وطبّق ذلك عمليا في تفسيره، وكثيرا ما ينبه إلى أن القرآن أفصح الكلام فلا يحمل إلا على أحسن الوجوه وأبعدها عن التكلف وأسوغها في لسان العرب، فلا يحمل القرآن على جميع ما يحتمله اللفظ من وجوه الاحتمالات، وإنما ينبغي إعرابه على أفصح الوجوه (٣). ٤ - ومنه قول ابن هشام الأنصاري مقررا به مضمون هذه القاعدة، في معرض كلامه عن الجهات التي يدخل الاعتراض على المعرب من جهتها. قال فيها: الجهة الثانية: أن يراعي المعرب معنى صحيحا، ولا ينظر في صحته في الصناعة (٤).

стр. 561

والجهة الرابعة: أن يخرّج على الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة، ويترك الوجه القريب والقوي، فإن كان لم يظهر له إلا ذاك فله عذر، وإن ذكر الجميع فإن قصد بيان المحتمل أو تدريب الطالب فحسن، إلا في ألفاظ التنزيل فلا يجوز أن يخرّج إلا على ما يغلب على الظن إرادته، فإن لم يغلب شيء فليذكر الأوجه المحتملة من غير تعسف. اه (١). فهذا تقرير المنع من حمله على الوجوه الضعيفة والشاذة، إذن لا بد من حمله على المشهور والمستعمل المعروف في لسان العرب، وأما الذي لم يثبت في العربية فرده بهذه القاعدة من باب أولى، وهذه هي الجهة الثالثة من الجهات التي ذكرها ابن هشام في الاعتراض على المعرب. قال فيها: الجهة الثالثة: أن يخرّج على ما لم يثبت في العربية، وذلك إنما يقع عن جهل أو غفلة. اه (٢). ٥ - ومنها قول الزركشي - وما نقله عن الزمخشري -: ويجب على المعرب تجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة، فإن القرآن نزل بالأفصح من لغة قريش، قال الزمخشري في كشافه القديم: القرآن لا يعمل فيه إلا على ما هو فاش دائر على ألسنة فصحاء العرب، دون الشاذ النادر الذي لا يعثر عليه إلا في موضع أو موضعين. اه (٣). ٦ - ومنها قول الألوسي في معرض ترجيحه بهذه القاعدة وتقريره لها: ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى وهو أعلى مراتب البلاغة والفصاحة على ما هو أدنى من ذلك، وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه، وإهباط له عن شأواه، ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى. اه (٤).

стр. 562

وأقوال العلماء في ذلك كثيرة، سيأتي بعضها في الأمثلة التطبيقية (١). *** * الأمثلة التطبيقية على القاعدة: من أمثلة هذه القاعدة ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥) [الأنفال: ٥]. هذه الآية من الآيات المشكلة، وقد اختلف المعربون والمفسرون اختلافا كبيرا في الشيء الذي تتعلق به الكاف في «كما»، حتى أوصل بعضهم الأقوال فيها إلى عشرين قولا (٢)، فيها أوجه قوية، وأخرى ضعيفة، والذي يهمنا هنا هو التمثيل لهذه القاعدة، وذلك بتضعيفها وردها للأقوال التي تحمل الآية على أوجه ضعيفة أو شاذة أو لا تعرف في لغة العرب، وكل ما شاع وانتشر في العربية فحمل الآية عليه محتمل، ويرجّح بينها بقواعد أخر. ومن أغرب ما ورد في تفسير وإعراب هذه الآية ما قاله أبو عبيدة في المجاز، قال: مجازها مجاز القسم، كقولك: والذي أخرجك ربك؛ لأن «ما» في موضع «الذي». اه (٣) فجعل «الكاف» حرف قسم بمعنى «الواو». وهذا القول غريب جدا في العربية وفي معنى الآية، وقد ردّ الأئمة هذا الوجه الذي ذكره أبو عبيدة، وأنكروا ورود الكاف بمعنى واو القسم في لغة العرب، وجعل ابن هشام قول أبي عبيدة هذا من التخريج على ما لم يثبت في العربية. قال في المغني بعد أن ذكر قول أبي عبيدة في الآية: ويبطل هذه المقالة أربعة أمور: أن الكاف لم تجيء بمعنى واو القسم.

стр. 563

وإطلاق «ما» على الله . وربط الموصول بالظاهر وهو فاعل «أخرج» وباب ذلك الشعر .. ووصله بأول السورة مع تباعد ما بينهما. اهـ (١) أي جعله التقدير: الأنفال لله والرسول والذي أخرجك. وقال أبو حيان عن أبي عبيدة وقوله هذا: وكان ضعيفا في علم النحو، وقال الكرماني: هذا سهو، وقال ابن الأنباري: الكاف ليست من حروف القسم انتهى. وفيه - أيضا - أن جواب القسم بالمضارع المثبت جاء بغير لام ولا نون توكيد، ولا بد منهما في مثل هذا على مذهب البصريين، أو من معاقبة أحدهما الآخر على مذهب الكوفيين، أما خلوه عنهما أو أحدهما فهو قول مخالف لما أجمع عليه الكوفيون والبصريون. انتهى كلام أبي حيان (٢). وقد رد قول أبي عبيدة هذا عامة العلماء؛ لأجل عدم استعمال العرب للكاف بمعنى واو القسم، ولبعده وضعفه من حيث المعنى (٣). أما أولى الأقوال في إعراب الآية فهو ما اختاره القاضي أبو محمد ابن عطية، ووجه ترجيحه هو مضمون القاعدة السابقة. قال القاضي أبو محمد: اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله: «كما» حسبما نبين من الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان. وأنا أبدأ بهما. قال الفراء: التقدير: امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا، كما

стр. 564

أخرجك ربك (١). هذا نص قوله في هداية مكي ﵀ والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت، غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: إن هذه الكاف شبّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي ﷺ فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة. فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ههنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثاية إخراجه نبيه ﷺ من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله: «يجادلونك» كلاما مستأنفا يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها، كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ذكرت من أن يجادلونك في الكفار منصوص. والقول الثاني: قال مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتل كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون هم. قال القاضي أبو محمد: والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المجادلين هم المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن

стр. 565

رصف اللفظ. اه (١). فكان الوجه الذي اعتمده في اختياره لهذين القولين هو حسن المعنى وصحته، وحسن رصف اللفظ. ومراعاة معنى الآية وسياقها في ترجيح الوجه الإعرابي هو مضمون القاعدة السابقة، كما سبق بيانه (٢). ***
следующие страницы →