← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

حقيقةً ليس في المسألةِ مِنْ كلامِ أهلِ العلمِ إلا نزرٌ يسيرٌ عند بعضِ الحنفيةِ (١)؛ فقد نَقَلَ ابنُ عابدين عن بعضِ علماءِ مذهبِه تسمية هذه الحالة تلفيقًا (٢)، وقد ذَهَبَ إليه ابنُ نجيمٍ (٣). لكنَّ ابنَ عابدين اختارَ خلافَ ما قرّره بعضُ علماءِ مذهبِه، فَذَهَبَ إلى أنَّ التلفيقَ لا يكونُ إلا بين المذاهبِ الفقهيةِ، ولا يدخلُ فيه تركيبُ كيفيةٍ مِنْ أقوالِ الإمامِ وأصحابِه؟ لأنَّ أقوالَ أصحابِ الإمامِ لا تخرجُ عن مسمَّى المذهبِ، فهي بمنزلةِ أقوالِ الإمامِ، أو هي أقوالٌ مرويةٌ عنه، وإنَّما نُسِبَتْ إلى أصحابِه؛ لاستنباطِهم لها مِنْ قواعدِه، إذ هي مبنيةٌ على أصولِ إمامِهم (٤). يقولُ الدكتورُ محمدٌ الدويش مناقشًا ما علّلَ به ابنُ عابدين: "هذا مخالفٌ للواقعِ؛ إذ لأولئك - أيْ: أصحاب الإمام أبي حنيفة - آراء لا ترجعُ إلى أقوالِ أبي حنيفة، ولا تتخرّجُ على قواعدِه، وقد تتفق مع أقوالِ آخرين من مذاهب أخرى، فما الفرقُ بين أنْ يخالفَ الإمامَ أبا حنيفةَ أحدُ أصحابِه، أو أحدُ الشافعيةِ أو المالكيةِ أو الحنابلةِ أو غيرهم؟ " (٥). وقد نَازعَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه محمدُ الباني - ما قرره ابنُ عابدين، ووَصَفَه بأنَّه "لا وجهَ له، بل هو تحكّمٌ صِرْفٌ" (٦). وذَهَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (٧)، والدكتور سيّد الأفغانستاني (٨)، والدكتور محمد الدويش (٩) إلى أنَّ التلفيقَ كما يكون بين المذاهبِ، فإنَّه

стр. 1017

يكونُ في المذهب الواحدِ؛ لأنَّ هذا مقتضى بلوغِ أصحابِ الإمامِ درجة الاجتهادِ، فيعاملوَن كما يعامل غيرهم مِن المجتهدين (١)، فيحصل التلفيق بتركيبِ القولِ المستحدثِ مِن أقوالِ المجتهدين ذوي النمطِ الاجتهادي الواحدِ أيضًا (٢). وقد نَسَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (٣)، وتبعه الدكتورُ سيد الأفغانستاني (٤) القولَ بأنَّ التلفيقَ يَقَعُ في المذهبِ الواحدِ إلى أوائلِ الحنفية الذين تحدثوا عن التلفيقِ. ومع وجاهةِ قولِ مَنْ قالَ بأنَّه يُعَدُّ تلفيقًا، إلا أنَّ أغلبَ كلامِ العلماءِ والباحثين تركّزَ على التلفيقِ بين المذاهبِ، وغضّوا الطرفَ عن التلفيقِ بين أقوالِ علماءِ المذهبِ الواحدِ، فهلْ في هذا إشارةٌ إلى أنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؟ ولعلَّ الباعثَ على القولِ بأنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؛ هو الخروج مِن الإشكالات التي ستترتب على القولِ بوقوعِه مع القولِ بمنعِ التلفيقِ. * * *

стр. 1018

المطلب الثاني: صور التلفيق وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها

стр. 1019

توطئة تقدَّم لنا في تعريفِ التلفيقِ أنّه تركيبُ كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروع مترابطة، أو في مسألتين لهما حكمُ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قول مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتها أحدٌ من المجتهدين، ولهذا التركيبِ صورتان، سأسوقهما في المسألتين الآتيتين: المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها يعدُّ التلفيقُ بين قولين أو أكثر في مسألةٍ واحدةٍ وفروعِها مِنْ أشهرِ صورِ التلفيقِ، وقبلَ ذكرِ أمثلةٍ لهذه الصورة أودُّ أنْ أشيرَ إلى أن المرادَ مِنْ قولِ العلماءِ (١): "مسألة واحدة"، أيْ: مسألة واحدة بفروعِها، كشروطِ الفعلِ ومبطلاتِه وأركانِه (٢)، ونحو ذلك. يقولُ الشيخُ محمدٌ السنهوري: "إنَّه لا يُوجد حقيقة - أي: للتلفيقِ - إلا إذا اجتمعَ في النازلةِ العمل بالقولين معًا" (٣). ويقولُ الدكتورُ محمدٌ مدكور: "لا بُدَّ لتحققِ التلفيقِ مِنْ أنْ يجتمعَ في النازلةِ الواحدةِ العملُ بالقولين معًا في حادثةٍ واحدةٍ كمَنْ توضأَ متبعًا في

стр. 1020

وضوئِه ونواقضِه اراء بعضِ الأئمةِ في بعضِها، وآراء الآخرين في البعضِ الآخرِ" (١). وأمثلةُ هذه الصورةِ كثيرةٌ متعددةٌ (٢) منها: المثال الأول: إذا توضأَ المسلمُ، فقلَّدَ الإمامَ أبا حنيفة في عدمِ النقضِ بمسِّ الفرجِ، وقلَّدَ الإمامَ الشافعي في عدمِ النقضِ بمسِّ المرأةِ، فصلَّى، فإنَّ صلاتَه لا تصحُّ عند الإمامين كليهما؛ لاتفاقهما على بطلانِ الطهارةِ (٣). المثال الثاني: إذا توضأ المسلمُ، فمَسَحَ بعضَ شعرِ رأسِه؛ مقلِّدًا للإمامِ الشافعي، وبعد الوضوءِ مسَّ أجنبيةً مقلِّدًا للإمامِ أبي حنيفة في عدمِ نقضِ الوضوءِ بمسِّها، فإن وضوءَه على هذه الهيئة حقيقةٌ مركبةٌ لم يقلْ بصحتها كلا الإمامين (٤). المثال الثالث: أنْ يتركَ المغتسلُ التدليكَ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ الشافعي، ثمَّ يصلي ويترك البسملةَ في الفاتحةِ؛ أخذًا بمذهبٍ الإمامِ مالك، فإنَّ صلاتَه باطلةٌ عند الإمامين؛ فيبطلها المالكيُّ؛ لبطلَانِ طهارته بتركِ التدليكِ، ويبطلها الشافعيُّ؛ لتركِ البسملةِ (٥). المثال الرابع: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليّ؛ تقليدًا للإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ تقليدًا للإمامِ مالكٍ؛ وبلا صداقٍ؛ تقليدًا للإمامِ

стр. 1021

الشافعي، فهذا النكاحُ لا يقولُ بصحتِه أحدٌ مِن العلماءِ الذين قلَّدهم (١). المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها للتلفيقِ صورةٌ ثانيةٌ تختلفُ عن الصورةِ الأولى، وهي: أنْ يعملَ المكلَّفُ في مسألةٍ وفروعِها بقولِ أحدِ المجتهدين، ويكون لقولِه آثارٌ، ثمَّ يعملَ المكلَّفُ بقولِ مجتهدٍ آخر متصل بالمسألةِ وفروعِها، بحيثُ ينتهي المقامُ إلى تركيبِ كيفيةٍ لا يقولُ بصحتها أحدٌ مِن المجتهدين (٢). مثال هذه الصورة: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليٍّ؛ أخذًا بالمذهبِ الحنفي، ثمَّ طلَّقَ الرجلُ زوجتَه بلفظٍ مِن الألفاظِ التي يكونُ الطلاق معها بائنًا بناءً على المذهبِ الحنفي، لكن الزوجَ أَخَذَ بالمذهبِ الشافعي الذي يجعلُ الطلاقَ طلاقًا رجعيًا (٣)، فهنا حَصَلَ تلفيقٌ بين أثرِ قولِ الإمامِ أبي حنيفة - في تصحيحِه النكاح بلا ولي - وقولِ الإمامِ الشافعي في عدمِ وقوعِ الطلاقِ بائنًا. ويحسنُ قبلِ الانتهاءِ مِنْ هاتين المسألتين ذِكْرُ بعضِ الصورِ التي قد يظنُّ بعضُ الناظرين أنَّها مِن التلفيقِ، وليستْ منه: الصورة الأولى: إذا عَمِلَ المكلَّفُ بالقولين على التعاقبِ، دونَ أنْ يكونَ للقولِ الأولِ أثرٌ، فإنَّ هذا لا يكون مِن التلفيقِ، بلْ رجوعًا عما عَمِلَ به (٤).

стр. 1022

مثال هذه الصورة: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليٍّ؛ تقليدًا للإمامِ أبي حنيفةَ، ثمَّ طلَّقَ امرأتَه ثلاثًا، فعَمد إلى تقليدِ المذهبِ الشافعي في بطلانِ نكاحِه، وأنَّه لم يصادفْ محلًا، وعَقَدَ عليها عقدًا جديدًا، فإنَّه لا يكون عاملًا بالقولين معًا، بلْ عَملَ بالأولِ، ثمَّ رَجَعَ عنه، وعمل بالثاني (١). الصورة الثانية: إذا عمل المكلَّفُ بالقولين معًا، لكن في حادثتين، فإن فعلَه لا يُعَدُّ تلفيقًا؛ لتعددِ النازلةِ (٢)، ولاختلافِ المحلِّ (٣). ولهذه الصورة أمثلةٌ، منها: المثال الأول: لو قلَّدَ المكلَّفُ الإمامَ أبا حنيفة في نكاحِ امرأةٍ بلا وليٍّ، وقلَّدَ الإمامَ الشافعي في نكاحِ امرأةٍ أخرى، هي بنته مِن الزنا (٤)، فإنَّ هذا لا يُسمّى تلفيقًا؛ إذْ لم يقع منه عملٌ اتفق الإمامانِ على بطلانِه، فهنا عملان: أحدهما: نكاحُ امرأةٍ بلا ولي. والثاني: نكاحُ امرأةٍ أخرى هي بنته مِن الزنا. وأيضًا: فإن المكلَّفَ قد وافق كلَّ مَن قلَّده موافقةً كاملةً (٥). المثال الثاني: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فأفتاه مفتٍ بأنَّ زوجتَه بانتْ منه بينونةً كبرى، فأمضى الزوجُ ذلك، وفارقها، ثم طلَّق الزوجُ زوجةً أخرى ثلاثًا بلفظٍ واحدٍ، فأفتاه مفتٍ آخر بأنَّه طلاقٌ رجعي،

стр. 1023

فراجعها وأمسكها، فليس هذا تلفيقًا؛ لتعددِ النازلةِ (١). المثال الثالث: إذا توضأ المكلَّفُ، ولمس امرأةً، ولم يجعل لمس المرأةِ ناقضًا، ثمَّ توضأ مرةً أخرى، ولمس امرأةً، فجعلَ اللمس ناقضًا. الصورة الثالثة: إذا عمل المكلَّفُ بقولِ إمامِ مذهبِه، وأحدِ أصحابِه المجتهدين المنتسبين إليه في مسألةٍ واحدةٍ. وقد سَبَقَ الحديثُ عن الصورةِ الثالثةِ، وأنَّها لا تُعَدُّ تلفيقًا عند ابنِ عابدين. * * *

стр. 1024

المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد المسألة الثانية: التلفيق في التقليد المسألة الثالثة: التلفيق في التقنين

стр. 1025

تمهيد للتلفيقِ عدّةُ أقسام، ولكلِّ قسم حكمُه الذي يخصّه، ومِنْ خلالِ تتبع ما قرره المتأخرون والمعاصرون في مسألةِ: (التلفيق)، ظَهَرَ لي أنَّ أقسامَه ثلاثةٌ: القسم الأول: التلفيق في الاجتهاد. القسم الثاني: التلفيق في التقليد. القسم الثالث: التلفيق في التقنين. وسيكون الحديثُ عن كلِّ قسمٍ مِن هذه الأقسامِ في المسائل الثلاثِ الآتية: المسألة الأولى: التلفيق في الاجتهاد تقدَّم لنا في صدرِ المبحثِ تعريفُ التلفيقِ، وأنَّ نتيجتَه إتيانٌ بكيفيةٍ جديدةٍ لا يقولُ بها أحدٌ مِن المجتهدين السابقين. والمقصودُ بالتلفيقِ في الاجتهادِ أنْ يجتهدَ مجتهدٌ في مسألةٍ ما اختلفَ فيها المجتهدون قبله على قولين أو أكثر، ثمَّ يؤديه اجتهادُه إلى الأخذِ مِنْ كلِّ قولٍ ببعضِه، فتكون نتيجةُ اجتهادِه أنْ يقولَ بكيفيةٍ جديدةٍ للمسألةِ، سواءٌ أكانَ قولُه ابتداءً، أو إفتاءً لأحدٍ من الناسِ، فما حكمُ التلفيقِ الواقعِ مِن المجتهدِ في هذه الحالةِ؟ (١).

стр. 1026

بتصويرِ مسألةِ: (التلفيق في الاجتهاد)، يمكنُ القول بأنَّ خلافَ العلماءِ في مسألةِ: (إحداث قول ثالث) منزّلٌ عليها؛ إذ حقيقةُ فعلِ المجتهدِ في هذا القسم هي إحداث قولٍ ثالثٍ. وقد جَعَلَ الشيخُ محمد بخيت المطيعي مسألةَ التلفيق كمسألةِ: (إحداث قول ثالث) (١). ويظهرُ أثرُ التلفيقِ في الاجتهادِ عند المانعين مِنْ إحداثِ قولٍ ثالثٍ مطلقًا، وعند المفصِّلين في المسألةِ (٢)، كما سيأتي في الأقوال بعدَ قليلٍ. وقد نصَّ بعضُ العلماءِ (٣) على أنَّ التلفيقَ في الاجتهادِ له حكمُ المسألتين الأصوليتين الآتيتين: المسألة الأولى: إذا اختلف المجتهدون في مسألةٍ ما على قولين، فهلْ للمجتهدِ بعدهم أنْ يأتي بقولٍ آخر غير القولين السابقين؟ المسألة الثانية: إذا اختلفَ المجتهدون في مسألتين على قولين، فَذَهَبَ بعضُهم إلى الجوازِ فيهما، وذَهَبَ الباقون إلى التحريمِ فيهما، فهلْ

стр. 1027

للمجتهدِ بعدهم أنْ يقولَ في إحدى المسألتين بالجوازِ، وفي الأخرى بالتحريمِ؟ وإطلاقُ القولِ بأنَّ التلفيقَ في الاجتهادِ يأخذُ حكم إحداثِ قولٍ ثالثٍ، محلُّ نظرٍ؛ فليس إحداثُ كلِّ قولٍ ثالثٍ يُعَدّ تلفيقًا، فلا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ القولُ الثالثُ آخذًا مِنْ كل قولٍ ببعضِه، كما في مسألةٍ: (فسخ النكاحِ بالعيوبِ الخمسة) (١): قال بعضُ العلماءِ يفسخِ النكاحِ بالعيوب الخمسةِ، وقال آخرون: بعدمِ فسخ النكاحِ بها، فإحداثُ قولٍ ثالثٍ بالفسخِ بالبعضِ دونَ البعضِ من التلفيقِ (٢). وقد جَعَلَ بعضُ الأصوليين المسألتين السابقتين في مسألةٍ واحدةٍ (٣)، وبحثها آخرون فجعلوهما مسألتين (٤). وسوفَ أعرضُ المسألتين في ضوءِ مَنْ جعلهما مسألةً واحدةً؛ لأنَّي مسبوقٌ بهذا الأمر، وأيضًا فقد نصَّ جمالُ الدين الإسنوي على أنَّ المسألةَ الثانية قريبةٌ في المعنى مِن المسألةِ الأُولى (٥). وقبلَ ذكرِ الأقوالِ في مسألةٍ: (إحداث قول ثالث) أنبه إلى أمرين: الأمر الأول: لا يقتصرُ الخلافُ في المسألةِ على إحداثِ قولٍ ثالثٍ،

стр. 1028

بل الخلافُ يشملُ ما لو اختلفَ المجتهدون على ثلاثةِ أقوالٍ أو أربعةٍ، فهل لمجتهدِ العصرِ اللاحقِ أنْ يحدثَ قولًا رابعًا، أو خامسًا؟ فالتعبير بالقولينِ مِنْ بابِ التمثيلِ (١). الأمر الثاني: أنَّ المسألةَ مقيّدةٌ باستقرارِ الخلافِ على قولين أو أكثر، أمّا إذا كان الخلافُ على القولين غيرَ مستقرٍّ، فالقياسُ جوازُ إحداثِ قولٍ ثالثٍ (٢). يقولُ الشوكانيُّ: "ثمَّ لا بُدَّ مِنْ تقييدِ هذه المسألةِ بأنْ يكونَ الخلافُ فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أمَّا إذا لم يستقرْ فلا وجهَ للمنعِ مِنْ إحداثِ قولٍ آخر" (٣). • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في مسألةِ: (حكمِ إحداثِ أهلِ العصرِ اللاحق قولًا ثالثًا) على أقوال، أشهرها: القول الأول: لا يجوزُ إحداث قولٍ ثالثٍ في المسألةِ مطلقًا. وهذا مذهبُ أكثرِ الحنفيةِ (٤)، ومذهبُ المالكيةِ (٥)، والشافعيةِ (٦)، والحنابلةِ (٧). ونَسَبَه إمامُ الحرمين الجويني إلى معظمِ المحققين (٨). ونَسَبَه أبو حامد الغزالي إلى الجماهيرِ (٩). ونَسَبَه أبو الخطابِ (١٠)، وابنُ بَرْهان (١١) إلى أكثرِ

стр. 1029

العلماءِ، ونَسَبَه الفخرُ الرازي (١)، وابنُ الحاجبِ (٢)، وابنُ الهمامِ الحنفي (٣) إلى الأكثرين. ونَسَبَه الآمديُّ (٤)، والطوفيُّ (٥)، وتاجُ الدين بن السبكي (٦) إلى الجمهورِ. القول الثاني: يجوزُ إحداثُ قولٍ ثالثٍ مطلقًا. نَسَبَ أبو الوليد الباجي هذا القولَ إلى المعتزلةِ (٧). وهذه النسبةُ محلُّ نَظَرٍ عندي؛ إذ قرر أبو الحسين البصري المنعَ مِنْ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، ونَسَبَه إلى شيوخِه، ولم يذكرْ نسبته إلى المعتزلةِ (٨). ومِنْ جهةٍ أخرى: لم يتابعْ أبا الوليد الباجيَّ أحدٌ في هذه النسبةِ - فيما رجعتُ إليه من مصادر - ومِن المحتملِ أنَّ مقصدَ الباجي بالمعتزلةِ أهل الكلامِ. ونَسَبَ أبو الحسين البصري هذا القول إلى عامّةِ الفقهاءِ (٩). ونَسَبَه أبو إسحاقَ الشيرازي (١٠)، وأبو المظفرِ السمعاني (١١) إلى بعضِ المتكلمين، وبعضِ أصحابِ الإمامِ أبي حنيفةَ. ونَسَبَه أبو الحسين البصري (١٢)، وابنُ بَرْهان (١٣) إلى بعضِ المتكلمين.

стр. 1030

ونَسَبَه أبو الحسين البصري (١)، وأبو المظفرِ السمعاني (٢)، والآمديُّ (٣)، والطوفيُّ (٤) إلى بعضِ أهلِ الظاهرِ. ونَسَبَه أبو حامد الغزالي إلى شذوذِ مِن الظاهريةِ (٥)، ونَسَبَه أبو الوليد الباجي (٦)، وأبو الخطابِ (٧)، والفخر الرازي (٨)، وأمير باد شاه (٩) إلى أهلِ الظاهرِ. وقالَ أبو الخطابِ: "وهو قياسُ قولِ أحمدَ، ﵀ (١٠). القول الثالث: التفصيلُ في المسألةِ: فإنْ كانَ القولُ الثالثُ رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ لم يجزْ إحداثُه. وإنْ لم يرفع القولُ الثالثُ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ جازَ إحداثُه. نَسَبَ تاجُ الدين بن السبكي (١١)، وبدرُ الدين الزركشي (١٢) هذا القولَ إلى المتأخرين. ونَسَبَه صفيُّ الدين الهندي إلى المحققين (١٣). واختاره جمعٌ مِن المحققين، منهم: الفخرُ الرازي (١٤)، والآمديُّ (١٥)، وابنُ الحاجبِ (١٦)، وشهابُ الدين القرافي (١٧)، والقاضي

стр. 1031

البيضاوي (١)، والطوفيُّ (٢)، وصفيُّ الدين الهندي (٣). وقد ذَكَرَ أربابُ هذا القول أمثلةً توضح قولهم، وسأقتصر على مثالٍ واحدٍ لكلتا الحالتين: مثال للقول الثالث الذي يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان: مسألة: ميراث الجدِّ والإخوة: اختلفَ العلماءُ في ميراثِ الجدِّ والإخوةِ عند اجتماعِهما على قولين: القول الأول: أنَّ المالَ كلَّه للجدِّ (٤). القول الثاني: أنّ المال يُقسمُ بين الجدِّ والإخوةِ (٥). فهنا اتفاقٌ بين القولين على إعطاءِ الجدِّ نصيبًا مِن الإرثِ، فلو أَحَدَثَ مجتهدٌ في وقتِ لاحقِ قولًا بأن المالَ كلَّه للإخوةِ، كان قولُه رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فيكون مردودًا. مثال القول الثالث الذي لا يرفع ما اتفق عليه القولان السابقان: مسألة: الأكل من الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها: اختلفَ العلماءُ في الأكلِ مِن الذبيحةِ التي تُرِكَ ذكرُ اسم الله عليها على قولين: القول الأول: أنَّ متروكَ التسميةِ يحلُّ أكلُه مطلقًا (٦).

стр. 1032

القول الثاني: أنَّ متروكَ التسميةِ لا يحلُّ أكلُه مطلقًا (١). فإحداثُ قولٍ ثالثٍ بالتفريق بين تاركِ التسميةِ عمدًا، فلا تُؤكلُ ذبيحتُه، وتاركِ التسميةِ سهوًا، فتؤكلُ ذبيحتُه (٢): لا يعتبرُ رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فيجوزُ إحداثُه. • أدلةُ الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بالمنع مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ اختلافَ المجتهدين على قولين إجماعٌ منهم في المعنى على إبطالِ كلِّ قولٍ حادثٍ بعدهم (٣)؛ لأنَّ كلَّ طائفةٍ تُوجبُ الأخذَ بقولِها، أو بقولِ مخالفِها، فيحرمُ الأخذُ بغيرِ أقوالِهم (٤). مناقشة الدليل الأول: إنَّ إجماعَ القولين في المعنى على الأخذِ بأحدِهما مشروطٌ بـ: عدمِ القولِ الثالثِ، فإذا أُحْدِثَ القولُ الثالثُ، فقد زالَ الإجماعُ بزوالِ شرطِه (٥).

стр. 1033

الدليل الثاني: أنَّ القولَ بجوازِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ يفضي إلى نسبةِ الأُمّةِ في العصرِ السابقِ إلى تفويتِ الحقِّ وتضييعِه والغفلةِ عنه، وهذا محالٌ غيرُ جائزٍ، وما أفضى إلى محالٍ فإنَّه لا يجوزُ الذهابُ إليه (١). وقد عبَّر بعضُ الأصوليين عن الدليلِ الثاني بالآتي: لو جازَ إحداثُ قولٍ ثالثٍ، فإنَّه لا يخلو: إمَّا أنْ لا يكون عن دليلٍ، وإمَّا أنْ يكونَ عن دليلٍ: فإن كانَ عن غيرِ دليلٍ، فالقولُ به ممتنعٌ؛ وإن كانَ عن دليلٍ، فهو ممتنعٌ؛ لإفضائِه إلى نسبةِ الأمةِ إلى تضييعِ الحقِّ (٢). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بالجواز مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ اختلافَ المجتهدين في المسألةِ على قولين أو أكثر، دليلٌ على أنَّها اجتهادية، وأنَّه يسوغ الاجتهادُ فيها، والقولُ الذي قاله المجتهدُ في العصرِ اللاحق نَشَأَ عنْ اجتهادٍ، فكانَ جائزًا (٣). مناقشة الدليل الأول: إنَّ ما ذكرتموه في دليلِكم لا يدلُّ على مطلوبكم - وهو جواز إحداث قول ثالث - وإنَّما يدلُّ على أحدِ أمرين: الأمر الأول: أنَّ مجتهدي أهل العصرِ الأول سوغوا الاجتهادَ في

стр. 1034

المسألةِ، وطلبَ الحقِّ فيها مِنْ أقوالِهم فقط (١). الأمر الثاني: أنَّ مجتهدي أهلِ العصر الأول سوّغوا الاجتهادَ منهم، لا مِن غيرِهم (٢). الدليل الثاني: إذا استدلَّ مجتهدو العصرِ السابقِ على مسألةٍ ما بدليلين، فإنَّه يجوزُ للمجتهدِ في العصرِ اللاحق أنْ يستدلَّ بدليلٍ ثالثٍ على المسألةِ نفسِها، وإذا جازَ هذا، جازَ له أنْ يُحدثَ قولًا ثالثًا (٣). مناقشة الدليل الثاني: ثمّةَ فروقٌ بين استدلالِ مجتهدٍ في العصرِ اللاحقِ بدليلٍ لم يذكرْه مجتهدو العصرِ الأول، وإحداثِه قولًا جديدًا، وبيانها: الفرق الأول: لو استدلَّ مجتهدو العصرِ السابق على مسألةٍ ما بدليلٍ واحدٍ فقط، جازَ لمَنْ بعدهم مِن المجتهدين أنْ يستدلوا بدليلٍ آخر على المسألةِ نفسِها، بخلافِ ما لو اتفق مجتهدو العصرِ الأول على قولٍ واحدٍ، لم يجزْ لأحدٍ مِن المجتهدين اللاحقين أنْ يخالفَ قولَهم (٤). الفرق الثاني: أنَّ استدلالَ المجتهدِ في العصرِ اللاحق بدليل ثالثٍ يؤكدُ ما ذَهَبَ إليه المجتهدون قبله، بخلافِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، فإنَّه يرفعُ اتفاقَ القولين (٥).

стр. 1035

الفرق الثالث: ليس مِن الأمورِ المفروضةِ على المجتهدين الاستدلالُ على قولِهم بجميعِ الأدلةِ، بلْ يكفيهم الاستدلالُ بدليلٍ واحدٍ؛ إذ ليس فيه تضييعٌ للحقِّ، بخلافِ إحداثِ قولٍ ثالثٍ، ففيه نسبةُ الأُمّة إلى تضييعِ الحقِّ (١). الدليل الثالث: أنَّ الصحابةَ ﵃ اختلفوا في بعضِ المسائلِ على قولين، وأحدثَ بعضُ التابعين فيها قولًا ثالثًا، ولم ينكرْ هذا أحدٌ، ومِنْ عادةِ السلفِ عدمُ السكوتِ عن المنكرِ، فدل سكوتُهم على جوازِه (٢). ويشهد لهذا الأمر: اختلافُ الصحابةِ ﵃ في قسمةِ إرثِ مَنْ ماتَ عن زوجةٍ وأبوين، ومَنْ ماتتْ عن زوجٍ وأبوين، على قولين: القول الأول: أن للأمِّ ثلثَ التركةِ، سواءٌ أكان الميتُ زوجًا، أو زوجةً. وهذا قولُ عبد الله بن عباس ﵄ (٣). القول الثاني: أنَّ للأمِّ ثلثَ الباقي بعدَ فرضِ الزوجين. وهذا قول بعض الصحابة ﵃ (٤).

стр. 1036

وقد أحدثَ محمد بنُ سيرين (١) قولًا ثالثًا، فذَهَبَ إلى أن للأم ثلثَ التركةِ إنْ كانَ الميتُ زوجًا، ولها ثلث الباقي إنْ كانَ الميت زوجةً (٢). مناقشة الدليل الثالث: نوقش الدليل مِنْ أربعة أوجه: الوجه الأول: أنَّنا لا نقبلُ إحداثَ قولٍ ثالثٍ مِنْ أحدٍ من التابعين إذا كانَ خلافُ الصحابةِ ﵃ على القولين مستقرًا؛ وذلك لمخالفةِ التابعين إجماع الصحابةِ ﵃ على انحصارِ الحقِّ في أقوالهم (٣)، وإذا ثَبَتَ في الشاهد المؤيّد لدليلِكم إجماعُ الصحابةِ ﵃ لم نقبلْ قولَ التابعي. الوجه الثاني: يحتمل أنْ يكونَ إحداثُ القولِ الثالثِ مِن القسمِ الجائز، فقد يكون إحداثُه قبلَ استقرارِ خلافِ الصحابةِ ﵃ على قولين؛

стр. 1037

ولهذا لم ينكروا على التابعي قولَه (١). الوجه الثالث: أنَّ ابنَ سيرين لم يخالفْ ما أجمعَ عليه الصحابةُ ﵁، بلْ أَخَذَ بكلِّ واحدٍ من القولين في إحدى المسألتين، فصار القولُ الثالثُ غيرَ رافعٍ لاتفاقِ الصحابةِ ﵃ (٢). الوجه الرابع: مِن المحتملِ أنَّ بعضَ السلفِ أَنْكَرَ على المخالفِ، ولم ينقلْ إنكارُه، ومَن المحتملِ أنَّ إنكارَه نُقِلَ، لكنَه لم يشتهرْ؛ لأنَّه ممَّا لا تتوافر الدواعي على حكايةِ إنكارِه (٣). الجواب عن الوجه الرابع: يقولُ أمير باد شاه عن الوجه الرابع: "وفيه تأمّل" (٤). ولعل وجه التأمّلِ هو أنَّ إنكارَ بعضِ السلفِ للفعلِ، وعدم نقل إنكارِهم، أو عدم اشتهاره احتمالٌ لا يعضده ما يدل عليه، فيبقى الدليلُ سالمًا منه. دليل أصحاب القول الثالث: أنَّه لا محذور في إحداثِ قولٍ ثالثٍ إنْ لم يرفعْ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ؛ لانتفاءِ خرقِ الإجماعِ، وأمَّا إنْ رَفَعَ القولُ الثالثُ ما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، فإنَّنا نمنعُ منه؛ لمخالفتِه للإجماعِ الضمني (٥).

стр. 1038

• الموازنة والترجيح: مِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ وما استدلوا به، يظهر لي رجحان القولِ الثالثِ القائل: إنْ كانَ القولُ الثالث رافعًا لما اتفق عليه القولانِ السابقانِ، لم يجزْ إحداثُه، وإنْ لم يرفع القولُ الثالثُ ما اتفق القولانِ السابقانِ، جازَ إحداثُه؛ وذلك للآتي: أولًا: مراعاة هذا القول للإجماعِ الضمني الظنِّي الذي دلَّ عليه اختلافُ أهلِ العصرِ الأولِ. ثانيًا: أنَّ أدلةَ المانعين لا تقوى على القولِ بمنعِ إحداثِ القولِ الثالثِ، ولا سيما القول الذي لا يرفع ما اتفق عليه أصحاب العصرِ الأولِ. ثالثًا: أنَّ عملَ بعضِ السلفِ - كابنِ سيرين - مؤيّدٌ للقولِ الثالثِ المفصِّلِ في المسألةِ، إضافةً إلى اختيارِ جمعٍ مِنْ محققي الأصولِ له. وأنبّه إلى ضرورةِ التثبّت في ادِّعاءِ أنَّ مجتهدي العصرِ الأول قد اختلفوا في المسألةِ على قولين - أو ثلاثة أقوال - فقط، لأنَّ هذه الدعوى تتضمّن منعَ أهلِ العصرِ اللاحقِ مِنْ مخالفةِ القدرِ المشتركِ بين القولين. • سبب الخلاف: بالنّظرِ إلى المسألةِ بأقوالِها وأدلتِها، يظهرُ لي أنَّ الخلافَ في مسألةِ: (حكم إحداثِ أهلِ العصرِ اللاحق قولًا ثالث) عائدٌ إلى جعلِ اختلافِ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعًا منهم على انحصارِ الصواب في أقوالِهم: فمَنْ قال: إنَّ اختلافَ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ منهم على انحصارِ الصوابِ في أقوالِهم، مَنَعَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الأولِ. ومَنْ قال: ليس في اختلافِ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ على انحصارِ الصوابِ في أقوالِهم، جوَّزَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني.

стр. 1039

ومَنْ قال: إنَّ اختلافَ مجتهدي العصرِ على قولين إجماعٌ منهم على انحصارِ الصواب في القدرِ المشتركِ بين أقوالِهم، مَنَعَ إحداثَ قولٍ ثالثٍ إنْ رَفَعَ ما اتفق عليَه القولانِ السابقانِ، وإنْ لم يرفعْ ما اتفقا عليه، جوَّز القولَ به، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثالثِ. المسألة الثانية: التلفيق في التقليد تُعدُّ مسألة: (التلفيق في التقليد) أشهر مسائلِ التلفيقِ، وهي التي كَثُرَ كلامُ العلماءِ فيها، وقد اختلفتْ وجهاتُهم وأقوالُهم في المسألةِ اختلافًا بيّنًا، ويحسن قبلَ الشروعِ فيها التنبيه إلى أنَّ التلفيقَ إنْ أدّى إلى تتبعِ الرخصِ، فله حكمُ مسألةٍ: (تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها. • صورة المسألة: هلْ للمكلَّفُ أنْ يجمعَ بين قولِ مجتهدٍ وقولِ مجتهدٍ آخر في مسألةٍ واحدةٍ - أو كالواحدة - بحيثُ ينتهي جمعُه إلى أنْ تكونَ الهيئةُ التي نتجتْ عن الجمعِ لم يقلْ أحدٌ مِن المجتهدين بصحتِها؟ • تحرير محل النزاع: قبلَ ذكرِ تحريرِ محل النزاعِ يحسنُ القولُ بأنَّ مسائل التلفيق تتعلقُ بما اختلفَ فيه العلماءُ مِن الأمورِ الظنيةِ، أمّا ما عُلِمَ مِن الدّينِ بالضرورةِ، وما يكفرُ جاحدُه، فإنَّ التلفيقَ لا يدخلُ فيه (١). ويمكنُ تحريرُ محلِّ النزاعِ في المسألةِ بقول الآتي: اتفق العلماءُ على عدمِ جوازِ التلفيقِ بين المذاهبِ إنْ ترتبَ عليه استباحةُ المحرماتِ. يقولُ الشيخُ محمد الباني: "التلفيقُ الباطلُ لذاتِه، مردودٌ بالاتفاقِ، وينبغي أنْ لا يُعْبَأَ به البتة" (٢).

стр. 1040

وقد مثلوا للتلفيقِ المتفق على منعِه بقولِ الشاعرِ ابنِ الرومي (١): أحلَّ العراقيُّ النبيذَ وشربَه ... وقال: الحرامانِ المدامةُ والسكرُ وقال الحجازيُّ: الشرابانِ واحد ... فحلَّتْ لنا بين اختلافِهما الخمرُ سآخذ مِنْ قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازرَ الوزرُ (٢) واختلفوا فيما عدا هذه الحالة. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في المسألةِ على أقوال، أشهرها: القول الأول: أنَّ التلفيقَ غيرُ جائزٍ. بيّنَ محمد الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بالمنع مِن التلفيق هو طريقة

стр. 1041

المصريين مِن المالكيةِ (١). وذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعيةِ - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ هو المعتمد عند الشافعيةِ والحنفيةِ والحنابلةِ (٢). وذَهَبَ إلى القولِ الأول جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: إمامُ الحرمين الجويني - إذ نصَّ على عدمِ جوازِ الخروجِ عن المذهب (٣) - ويحيى الزناتي (٤)، وشهابُ الدين القرافي (٥)، وابنُ دقيق العيد (٦)، وتقيُّ الدين السبكي (٧)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (٨)، وقاسم قطلوبغا (٩)، وابنُ حجر الهيتمي (١٠)

стр. 1042

وإبراهيمُ اللقاني (١)، والحصكفي (٢)، ومحمدٌ السفاريني (٣)، وابنُ عابدين (٤)، وعلويّ السقاف (٥)، ومحمدُ بنُ عثمان الحكيم (٦)، والدكتور بدران أبو العينين (٧). وقد نَسَبَ مرعي الحنبلي هذا القولَ إلى كثيرٍ مِن العلماءِ (٨). ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى فضلاءِ عصرِه (٩). ونَسَبَه الدكتورُ وهبة الزحيلي إلى أكثرِ المتأخرين (١٠). القول الثاني: أن التلفيقَ جائزٌ. جَعَلَ ابنُ نجيمٍ هذا القولَ هو المذهب عند الحنفيةِ (١١). ونَسَبَه محمد الملا فرُّوخ إلى أئمةِ الحنفيةِ، وإلى الشافعيةِ (١٢). وبيّنَ الدسوقيُّ المالكي أنَّ القولَ بجوازِ التلفيقِ هو طريقة المغاربةِ مِن المالكية، وهي المرجَّحةٌ (١٣). وذَكَرَ أحدُ متأخري الشافعية - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّ في كلِّ مذهبٍ مِن المذاهبِ قولًا بجوازِ التلفيقِ (١٤).

стр. 1043

وذَكَرَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه الشيخُ محمد الباني - أنَّه وَجَدَ كثيرًا مِنْ علماءِ الحنفيةِ المتأخرين يُفتون بجوازِ التلفيقِ (١). وهذا القول هو ظاهرُ اختيارِ ابنِ الهمامِ الحنفي (٢)، وذَهَبَ إليه: ابنُ أمير الحاج (٣)، وابنُ نجيم (٤)، وأمير باد شاه (٥)، ومحمد الملا فرُّوخ (٦)، وجمالُ الدين القاسمي (٧). واختاره أيضًا: بعضُ حنفيةِ خوارزم (٨)، وبعضُ المالكيةِ (٩)، وبعضُ الشافعيةِ (١٠). ويُلحقُ بأربابِ هذا القولِ مَنْ جوَّز التلفيقَ بشرطِ أنْ لا يقصدَ الملفّقُ تتبعَ الرخصِ؛ إذ كثيرٌ مِنْ أربابِ القولِ الثاني يقولون بمنعِ تتبعِ الرخصِ. وممَّنْ جوّزَ التلفيقَ بشرطِ عدمِ تتبعِ الرخصِ: مرعي الحنبلي (١١)، والشيخُ حسن الشطي (١٢)

стр. 1044

- كما نسبه إليه الشيخُ محمد الباني (١) - والدكتورُ سيد الأفغانستاني (٢). القول الثالث: التفصيل في المسألة، وهنا عدة اتجاهات: الاتجاه الأول: يجوز التلفيقُ في التقليدِ بشرطين: الشرط الأول: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ. الشرط الثاني: أنْ لا يستلزم التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عنْ لازمِه الإجماعي. وهذا قولُ منيب النابلسي، كما نقله عنه الشيخ محمد الباني (٣). مثال الشرط الثاني: أ - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عما عمل به المكلف تقليدًا: لو قالَ الرجلُ لامرأتِه: أنتِ طالقٌ البتة، وهو يراها ثلاثًا، فأمضى رأيَه فيما بينه وبينها، وعَزَمَ على أنَّها حَرُمَتْ عليه، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها تطليقةٌ رجعية، أمضى رأيه الذي عَزَمَ عليه، وليس له أنْ يردَّها إلى أنْ تكون زوجته برأي حَدَثَ بعدُ. وكذلك لو كان يراها تطليقة واحدة، فعَزَمَ على أنَّها امرأته، ثمَّ رأى بعد ذلك أنَّها ثلاثٌ، لم تحرمْ عليه (٤). ويشكلُ على المثالِ الذي مثَّل به أربابُ هذا الاتجاه أنَّ ما عمله

стр. 1045

المطلِّق مِنْ تغييرِ رأيه ليس مِنْ قبيلِ التقليدِ؛ لأنَّه رأي رآه، ولو عبّروا بالتقليدِ لكانَ مثالُهم سالمًا. ب - مثال التلفيق الذي يستلزم الرجوع عن التقليد في اللازم الإجماعي: لو قلَّد رجلٌ الإمامَ أبا حنيفة في النكاحِ بلا وليٍّ، دَخَلَ في تقليدِه: صحةُ إيقاعِ الطلاقِ؛ لأنَّها لازمةٌ لصحةِ النكاحِ إجماعًا، فلو طلّقَ زوجتَه ثلاثًا، ثمَّ ارادَ تقليدَ الإمامِ الشافعي في عدمِ وقوعِ الطلاقِ؛ لكونِ النكاحِ بلا وليٍّ، فليس له ذلك؛ لكونِه رجوعًا عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي (١). الاتجاه الثاني: يجوزُ التلفيقُ في التقليدِ في أمورِ النكاحِ والأنسابِ بثلاثةِ شروطٍ: الشرط الأول: أنْ لا يتتبع الملفّقُ الرخصَ عمدًا. الشرط الثاني: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ نقضَ حكمِ الحاكمِ. الشرط الثالث: أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عما عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي (٢). ويجوزُ التلفيقُ إذا كانت المسألةُ مِنْ قبيلِ العباداتِ والتكاليفِ بشرطِ: عدمِ تتبعِ الرُّخصِ. وهذا ما ذهب إليه الشيخُ محمدٌ الباني (٣). وقد نصَّ على أنَّ الحاكمَ الذي ينفذُ حكمُه هو القاضي الذي تجتمع فيه شروطُ القاضي، أمَّا إذا لم تجتمع فيه جميعُ شروطِ القاضي أو بعضها، فلا ينفذُ حكمُه، وعليه لا مانعَ مِن التلفيقِ الذي يستلزمُ نقضَ حكمٍ غيرِ نافذٍ شرعًا (٤).

стр. 1046

وقد أوضحَ الشيخ محمدٌ الباني المرادَ مِن اللازم الإجماعي، فقالَ: "المرادُ مِن اللازمِ الإجماعي في هذه الصورةِ فيما ظهر لي: أنَّ الإمامَ الشافعي لا يحكمُ ببطلانِ هذا النكاح بعدَ وقوعِه، وإنْ كان يشترطُ الوليَّ في الابتداءِ، بلْ يقرّه؛ لئلا تكونَ أنكحة الأحنافِ باطلةً عنده، وليس كذلك، وإذا كانَ يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين، فالتلفيقُ في هذه الصورةِ رجوعٌ عن التقليدِ في اللازمِ الإجماعي" (١). ثم أنَّ البانيَّ خَتَمَ حديثَه عن التلفيق بعد صفحات ليست بالقليلة، فقالَ: "وقد تبيَّنَ ممَّا بسطتُه في فصولِ هذا الكتاب ... أنَّ ضابطَ جوازِ التلفيقِ وعدم جوازه هو: أنَّ كلَّ ما أفضى إلى تقويضِ دعائمِ الشريعةِ والقضاءِ على سياستها وحكمتها: فهو محظورٌ. أمَّا إذا كانَ التلفيقُ يؤيّد دعائمَ الشريعة، وما ترمي إليه حكمتُها وسياستُها الكفيلتان بسعادةِ العبادِ في الدارين تيسيرًا عليهم في العباداتِ وصيانةً لمصالِحهم في المعاملاتِ: فهو المطلوبُ" (٢). وقد تبع الشيخَ محمدًا الباني الدكتورُ وهبة الزحيلي (٣)، وخليل الميس (٤)، والدكتور محمد الحفناوي (٥). وقد نَقَلَ الدكتورُ وهبة الزحيلي (٦)، وخليل الميس (٧) الضابطَ الذي قرره محمد الباني.

стр. 1047

الاتجاه الثالث: يجوزُ التلفيقُ بشرطين: الشرط الأول: أنْ لا يكونَ الباعثُ عليه الهوى وتتبعُ الرخصِ. الشرط الثاني: أنْ يكونَ غيرَ مقصودٍ. وهذا ما ذَهَبَ إليه الشيخُ عبدُ الرحمن المعلمي (١). الاتجاه الرابع: أن التلفيقَ ممنوعٌ في الأحوال الآتية: الأولى: إذا أدَّى إلى الأخذِ بالرخصِ؛ لمجردِ الهوى. الثانية: إذا أدَّى إلى نقضِ حكمِ القضاءِ. الثالثة: إذا أدَّى إلى نقضِ ما عمل به تقليدًا في واقعةٍ واحدةٍ. الرابعة: إذا أدَّى إلى مخالفةِ الإجماعِ أو ما يستلزمه. الخامسة: إذا أدَّى إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ مِن المجتهدين. وهذا ما صَدَرَ به قرارُ مجمعِ الفقه الإسلامي (٢). ومؤدّى قولِهم - مِنْ وجهةِ نظري - إلى القولِ بمنعِ التلفيقِ مطلقًا؛ لأنَّ التلفيقَ يؤدي إلى حالةٍ مركبةٍ لا يقرها أحدٌ من المجتهدين، إلا إنْ أرادوا بهذه الحالةِ ما تقدم في تحريرِ محلِّ النزاعِ من ترتب استباحة المحرمات على القولِ بالتلفيقِ.

стр. 1048

• أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بمنع التلفيق مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القول الأول بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ في التقليدِ؛ إذ لم يقلْ بصحةِ فعلِ الملفق أحد من المجتهدين (١)، فالحكمُ الملفّقُ باطل بالإجماعِ (٢). يقولُ ابنُ حجرٍ الهيتمي: "إنَّ كثيرين يقلدون الأئمةَ في بعضِ المسائل، ولا يراعون ذلك - أي: سائر ما يقول به المجتهد الذي قلده - فيقعون في ورطةِ التلفيقِ، فتبطلُ أفعالُهم بالإجماعِ" (٣). ويقول الحصكفي: "الحكمُ الملفّقُ باطلٌ بالإجماعِ" (٤). مناقشة الدليل الأول: لا نُسَلّم صحةَ الإجماعِ المذكورِ في الدليلِ، ولا يمكنُ لأحدٍ أنْ يدعيه مع وجودِ المخالفِ في المسألةِ، فقد نَقَلَ الخلافَ فيها جمعٌ مِن العلماءِ (٥)؛ ولذا قالَ ابنُ عابدين معلِّقًا على دعوى الحصكفي الإجماع: "على أنَّ في دعوى الاتفاقِ نظرًا" (٦). ويقولُ الشيخُ محمد السنهوري معلِّقًا على دعوى الإجماعِ: "وهي

стр. 1049

دعوى جريئةٌ؛ فجميعُ مَنْ تكلموا في هذا مِنْ أهلِ العلمِ المقلِّدين، وليس مِنْ بينهم أحد مِنْ أهلِ الإجماعِ، على أنَّ مَنْ تكلموا فيها قد اختلفوا اختلافًا بيّنًا" (١). ويمكن أنْ يضاف وجه آخر في المناقشة: لا يرادُ مِن إطلاقِ الإجماعِ الموجودِ في عباراتِ بعضِ العلماءِ من أصحابِ القولِ الأولِ إجماعُ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ، بل الظاهرُ إرادتهمَ إجماعَ الإمامين على القولِ ببطلانِ ما صَدَرَ عن الملفّقِ - وبناءً عليه لا فرق بين هذا الدليل والدليل الثاني الآتي بعد قليل - يُؤكّدُ هذا الأمر: أولًا: لم تردْ عبارةٌ صريحةٌ - فيما رجعتُ إليه مِنْ مصادر - في ادِّعاء إجماعِ العلماءِ على القولِ بمنعِ التلفيقِ. ثانيًا: وَرَدَ استعمالُ الإجماعِ مرادًا به إجماع الإمامين فحسب، كما قالَ الشيخُ محمد الباني: " ... وإذا كان يقرّه بعدَ الوقوعِ يكون الطلاقُ ثلاثًا صحيحًا بإجماعِ الإمامين ... " (٢). ثالثًا: يبعدُ كل البُعْد أنْ يحكي مَنْ عَرَفَ المسألةَ الإجماعَ فيها على قولٍ معيَّنٍ، فالخلافُ فيها مشهور عند المذاهبِ. الدليل الثاني: إذا جَمَعَ المكلَّفُ بين قولي مجتهدين في مسألةٍ واحدةٍ، كالطهارةِ مثلًا - وقد تقدم التمثيل بها - فإنَّ كلا المجتهدينِ اللذينِ قلَّدهما المكلَّفُ لو سُئِلَ أحدُهما عن صلاةِ الملفِّقِ التي أدَّها؟ فسيقولُ ببطلانِها (٣).

стр. 1050

مناقشة الدليل الثاني: نوقش الدليل الثاني من وجهين: الوجه الأول: إنَّما يقولُ المجتهدُ ببطلانِ صلاةِ الملفِّقِ، إذا أخَذَ الملفِّقُ بالأمرِ الذي حَكَمَ المجتهدُ ببطلانِه، أمَّا إنْ قلَّد الملفِّقُ غيرَ هذا المجتهدِ، فلا يحكمُ ببطلانِ صلاتِه حينئذٍ؛ لأنَّه أَخَذَ بقولِ مجتهدٍ آخر. وكذلك المجتهد الآخر يقولُ كقولِ المجتهدِ الأولِ، وبناءً عليه تبطلُ دعواكم إن كلا المجتهدين يقولُ ببطلانِ صلاةِ الملفّقِ (١). الجواب عن الوجه الأول: لا نُسلّم لكم أن المجتهدَ يقيّدُ القولَ ببطلانِ الصلاةِ بارتكابِ الملفِّق ما يفسدها، بلْ يطلقُ القولَ ببطلانِها (٢). الرد على الجواب: إنَّ قولَ المجتهدِ ببطلانِ الصلاةِ لا يتوجه إلى المجتهدِ الذي خالفه فيما ذَهَبَ إليه، وكذلك لا يتوجه قولُه إلى مَنْ قلَّدَ هذا المجتهد؛ إذ الملفِّق قد صَنَعَ مثل ما صَنَعَ المجتهد الآخر (٣). الوجه الثاني: القولُ ببطلانِ الصورةِ الملفَّقة عند المجتهدين اللذين قلَّدهما المكلَّفُ، غيرُ مسلَّم؛ فإنَّ الإمامَ مالكًا مثلًا لم يقلْ: إن مَنْ قلَّدَ الشافعيَّ في عدمِ الصداقِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ الشافعيةِ عنده باطلةً، ولم يقل الإمامُ الشافعي: إن مَنْ قلَّد مالكًا في عدمِ الإشهادِ في النكاحِ، فنكاحُه باطلٌ؛ وإلا لَزِمَ منه أنْ تكونَ أنكحةُ المالكيةِ عنده باطلةً (٤). الجواب عن الوجه الثاني: إنَّ القولَ بأنَّ الإمامَ مالكًا والإمام الشافعي لا يبطلانِ نكاحَ مَنْ قلَّدَ أحدَهما واردٌ في حقِّ مَنْ قلَّدَ أحدهما وراعى مذهبَه في جميعِ ما تتوقفُ عليه صحةُ العملِ، أمَّا في التلفيقِ في

стр. 1051

التقليدِ، فإنَّ المقلِّدَ قد قلّدهما في شيءٍ، وخالف كلًّا منهما في شيءٍ آخر (١). الرد على الجواب: في صورةِ التلفيق لا يجدُ المجتهدُ جميعَ ما شُرِطَ في صحةِ فعلِ المكلَّفِ، بلْ يجدُ بعضَها دونَ بعضٍ، وهذا الفارق بين الحالتين لا يُوجبُ القولَ بأنَّ المجتهدَ يقولُ ببطلانِ ما صَدَرَ عن المكلَّفِ؛ إذ المخالفةُ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها، فيلزم الحكم بالصحةِ في الأهونِ؛ بطريقِ الأَوْلى (٢). الاعتراض على الرد: لا نُسَلّمُ أنْ المخالفةَ في بعضِ الشروطِ أهونُ مِن المخالفةِ في جميعِها (٣). الجواب عن الاعتراض: إنه يتمُّ لكم الاعتراض إنْ كانَ معكم أيّها المانعون مِن التلفيقِ دليلٌ - مَنْ نصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ قوي - ناهضٌ يدلُّ على أنَّ العملَ إذا كانَ له شروطٌ فيجبُ على المقلّدِ اتباع مجتهدٍ واحدٍ في جميعِ ما تتوقف عليه صحةُ العملِ (٤). الدليل الثالث: لو قلنا بجوازِ التلفيقِ في التقليدِ لأدَّى ذلك إلى إفسادِ الشريعةِ، والتلاعبِ فيها (٥)، واستباحة جُلِّ المحرماتِ! وأيّ بابٍ أفسد مِنْ باب يبيح الزنا؟ ! وَيبيح الخمر؟ ! ووجه التلفيق المؤدي إليه: يمكنُ للرجلِ أنْ يراودَ امرأةً عن نفسِها، فتجيبَه إلى ذلك، فيقلّد الإمامَ أبا حنيفةَ في صحةِ عقدِها على نفسِها، ويقلِّدُ الإمامَ مالكًا في عدمِ اشتراطِ الشهودِ، وفي هذه الحالة أمكن للرجلِ أنْ يزني بامرأةٍ ولا جُرْمَ عليه، وهذا لا يقولُ بجوازِه عاقلٌ، وكلُّ ما أدَّى إلى محظورٍ، فهو محظورٌ (٦).

стр. 1052

مناقشة الدليل الثالث: ما ذكرتموه خارجٌ عن محلِّ النزاعِ، وهو محرَّمٌ بالاتفاقِ، كما تقدم بيانُه في تحريرِ محل النزاعِ (١). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز التلفيق مطلقًا): استدلَّ أصحابُ القول الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أن الأصلَ الجوازُ، ولم يقمْ دليلٌ على منعِ التلفيقِ (٢)، يقولُ محمد الملا فروخ: "لم أجدْ على امتناعِ ذلك - أي: التلفيق - بُرْهَانًا" (٣). الدليل الثاني: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدِ مِنْ علماءِ الصحابةِ ﵃، ولا عن التابعين - مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم - أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته؛ لئلا تَقَعَ في التلفيقِ، بلْ كانَ حالُهم أنَّ الواحدَ منهم يُفْتِي بما يراه صوابًا، ولا يفضل للمستفتي بوجوبِ مراعاةِ قولِه، ولو كان التلفيقُ في التقليدِ غيرَ جائزٍ، لما أهملوا توضيحَه (٤)، ولم يُؤْثَرْ هذا أيضًا عن الأئمةِ الأربعةِ (٥)، فكان إجماعًا على جوازِ التلفيقِ (٦). الدليل الثالث: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ لم يعرفْه السلفُ، ولا أئمةُ الخلفِ (٧)، فالذاهبُ إليه مخالفٌ لعملِ السلفِ.

стр. 1053

الدليل الرابع: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُناقضُ مبدأين مشهورين في الشريعةِ، وهما: المبدأ الأول: اختلافُ الأئمةِ رحمةٌ. المبدأ الثاني: يسرُ الشريعةِ وسماحتها، وحرصُ الشرعِ على رفعِ الحرجِ، ودفعِ المشقةِ (١). الدليل الخامس: أنَّ القولَ بمنعِ التلفيقِ يُؤدي إلى ضررٍ عظيمٍ، وهو القولُ ببطلانِ عباداتِ العوام، ووصفهم بالفسقِ؛ لتلبّسهم بعباداتٍ باطلةٍ، فمثلًا: مَنْ لفَّقَ في وضوئِه بين قولِ الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ الشافعي، فإن طهارته لا تصحُّ عند المانعين مِن التلفيقِ، ومؤدّى هذا القولِ إبطالُ صلاةِ كثيرٍ مِن الناسِ، وفي هذا مِن المفاسدِ ما لا يخفى على أحدٍ (٢). وقد استدلَّ القائلُ بجوازِ التلفيقِ بشرطِ: أن لا يتتبعَ الرخصَ: أنَّ الناسَ لا يَسَعُهم إلا القولُ بجوازِ التلفيق في هذه الحال؛ ومنعهم منه يوقعهم في حرجٍ شديدٍ (٣). أدلةُ أصحاب القول الثالث (المفصِّلين في حكم التلفيق): ذَكَرَ بعضُ أصحابِ الاتجاهات أدلةً على ما ذهبوا إليه، وأغفَلَ آخرون ذكرَ أدلتِهم، ولعَل مَنْ أغفلَ ذكر أدلته نَظَرَ إلى أنَّه تجتمعُ أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ، وأدلةُ أصحاب القول الثاني في القولِ الذي ذَهَبَ إليه.

стр. 1054

دليل أصحاب الاتجاه الأول: يستدلون للشرطِ الأولِ: (أنْ لا يستلزم التلفيقُ نقضَ حكم الحاكم): بمصلحةِ استقرارِ الأحكامِ، ودرءًا للفوضى، ولأنَّ حكمَ الحاكمِ يرفعُ الخلافَ (١). ويستدلون للشرطِ الثاني: (أنْ لا يستلزمَ التلفيقُ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي): بأنَّنا نمنع التلفيقَ إنْ استلزمَ الرجوعَ عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمه الإجماعي؛ لأنَّه لا يجوزُ للمقلِّدِ الرجوع عمَّا عملَ به، بخلافِ ما لم يعملْ (٢). أدلة أصحاب الاتجاه الثاني: يستدلُّ أصحابُ الاتجاه الثاني فيما فصّلوا فيه بأدلةِ أصحابِ الاتجاه الأول، ويستدلون للشرطِ الأولِ (وهو منع تتبع الرخص): بما تقدم في أدلةِ المانعين مِنْ تتبعِ الرخصِ. وأضافَ الشيخُ محمد الباني دليلًا على منعِ التلفيقِ إنْ استلزمَ الرجوع عمَّا عمل به المكلَّفُ تقليدًا، أو عن لازمِه الإجماعي في أبواب النكاح: بأنَّه يُحتاطُ في مسائلِ الفروجِ أكثر ممَّا يُحتاطُ في غيرِها؛ لأنَّ قضايا الفروجِ والأنسابِ لا يسوغُ أنْ تكونَ ألعوبةً بيدِ بعضِ المتفقهةِ الذين يتعاطون ردّ المطلقات بالتلفيقِ مهنةً لهم (٣). فكأنّ القائلَ بهذا الاتجاه يستدل بقاعدةِ سدِّ الذرائعِ. أمَّا إذا لم تكن المسالةُ مِنْ أبواب النكاحِ والأنسابِ، فإنَّه يجوزُ التلفيق؛ لأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، ولرفعِ الحرجِ عن الناسِ.

стр. 1055

ويستدل لمنعِ تتبعِ الرخصِ بما تقدم في أدلةِ المانعين منه. دليل أصحاب الاتجاه الثالث: يستدلُّ القائلُ به بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني - وهو: أنَّه لم يُنقلْ عن أحدٍ مِنْ علماءِ الصحابة ﵃، ولا عن التابعين مَعَ كثرتِهم وتباين آرائهم وشدة تورعهم، أنَّه قالَ لمَنْ استفتاه: الواجبُ عليك أنْ تراعي أحكامَ مذهب مَنْ قلَّدته - ويحمله على أنَّ ما وَقَعَ فيه الناس من التلفيق بين آراء العلماء حين استفتائهم كان غيرَ مقصودٍ، وهذا إجماعٌ مِن السلفِ على جوازِه (١). • الموازنة والترجيح: بالنظرِ إلى المسألةِ بأقوالها، وأدلتها، يظهرُ لي أن القولَ الراجح هو التفصيل الآتي: أولًا: بالنسبةِ إلى العامي الصِرْفِ، لا يمكن القولُ بمنعِه من التلفيقِ، وذلك لأن الغالبَ أنَّ وقوعَ العامي في التلفيق عن غيرِ قصدٍ؛ ومثلُ هذا لا يمكن منعُه؛ لإفضائِه إلى المشقةِ والحرجِ البالغين. إضافةً إلى أنّه لم يُنقلْ عن السلفِ الصالحِ ﵏ أنَّهم كانوا يرشدون العامّةَ إلى مراعاةِ أقوالِهم، لئلا يقعوا في التلفيقِ بين أقوالِ المفتين. وإنْ فُرِضَ وقوع العامي في التلفيقِ عن قصدٍ: فإنْ قارنه تتبع الرخصِ، فله حكم مسألة: (تتبع الرخص)، وقد تقدّمَ الحديثُ عنها. وإنْ خلا عن قصدِ تتبع الرخص، فليس له ذلك؛ لأنَّ الواجبَ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ. ثانيًا: بالنسبةِ للمتمذهبِ الذي لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ:
следующие страницы →