← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

الشاطبي (١)، وبدرُ الدين الزركشي (٢)، والمرداوي (٣)، وأبو علي الشوشاوي (٤)، وابنُ المبرد (٥)، وجلال الدين السيوطي (٦)، وابنُ النجار (٧)، وابنُ حجر الهيتمي (٨)، وبدرُ الدين الغزي (٩)، وعبد الرؤوف المناوي - وقيّدَ المنعَ بأنْ يُؤدي تتبعُ الرخصِ إِلى انحلالِ رِبْقَة التكليفِ مِنْ عنقِه (١٠) - ومرعيُّ الحنبلي (١١)، وإِبراهيمُ اللقاني (١٢) ومحمد بنُ عثمان الحكيم (١٣)، ومحمدٌ السفاريني (١٤)، والبناني (١٥)، وأبو عبد الله الفاسي (١٦). ونَقَلَ علوي السقاف القولَ بمنعِ تتبع الرخصِ، دونَ تعقبٍ (١٧). وذَهَبَ إِلى القولِ الأولِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: عبدُ العزيز

стр. 982

الراجحي (١)، والدكتورُ محمد الدسوقي (٢)، والدكتورُ عياض السلمي (٣)، والدكتورُ سعد الشثري (٤)، والدكتورُ حسين الملاح (٥). وذَهَبَ محمدٌ حياة السندي إِلى أنَّ الأحسنَ عدمُ أخذِ الرخصِ لغيرِ المضطرِ (٦). وقد جاءَ عن بعضِ السلفِ التحذيرُ مِن الأخذِ بالرخصِ، وأنَّ مَنْ فعلَ ذلك فقد اجتمعَ فيه الشرُّ، مِنْ هؤلاءِ: يحيى القطان (٧)، وسليمانُ التيمي (٨)،

стр. 983

والإِمامُ الأوزاعي (١). القول الثاني: أنَّ تتبعَ الرخصِ جائزٌ. نَسَبَ تاجُ الدين بن السبكي (٢)، والأميرُ الصنعاني (٣)، وعبدُ الله العلوي (٤) هذا القولَ إِلى أبي إِسحاقَ المروزي (٥). وتعقبَ نسبةَ تاجِ الدّينِ السبكي: بدرُ الدين الزركشيُّ (٦)، ووليُّ الدين العراقيُّ (٧)، وجلالُ الدين المحلي (٨)، وجلالُ الدين السيوطي (٩)؛ وذلك لاطلاعِهم على نسبةِ القولِ بتفسيقِ متتبعِ الرخصِ إِلى أبي إِسحاقِ، وإِذا ذَهَبَ أبو إِسحاقَ إِلى تفسيقِ متتبعِ الرخصِ، فكيفَ يُنسبُ إِليه القولُ بجواز تتبعها؟ !

стр. 984

وتوسّطَ المرداويُّ هنا، فقال: "ويحمل (١) أنْ يكون للمروزي قولانِ" (٢). والقولُ بجوازِ تتبعِ الرخصِ هو ظاهرُ قولِ العزِّ بن عبد السَّلام (٣). ونازعَ ابنُ حجرٍ الهيتمي (٤)، وإِبراهيمُ اللقاني (٥) في نسبةِ القولِ إِلى العز بن عبد السَّلام؛ لأنَّه لم يُعَبّرْ بالتتبعِ، وإنَّما عَبّرَ بالعملِ برخصِ المذاهبِ، وليسَ العملُ برخصِ المذاهبِ مقتضيًا جوازَ تتبع الرخصِ؛ لصدقِ الأخذِ بها مع الأخذِ بالعزائمِ. وما قالاه وجيهٌ. واختارَ القولَ الثاني: ابنُ الهمام الحنفي (٦)، وابنُ أمير الحاج (٧) - واشترط في موضعٍ آخر: عدمَ اعتقادِ المتتبع للرخصِ كونه متلاعبًا بالدّينِ متساهلًا فيه (٨) - وأحمدُ الحموي (٩)، ومحبُ الله بن عبد الشكور (١٠)، وعبدُ العلي الأنصاري (١١)، وهو ظاهرُ قولِ الأمير الصنعاني (١٢)، وهو قولُ الدكتورِ زكي الدين شعبان (١٣). ونَسَبَ الدكتور وهبة الزحيلي هذا القول إِلى أكثرِ أصحاب الشَّافعي! (١٤).

стр. 985

ويقولُ الأميرُ الصنعاني: "وهو - أيْ: جواز تتبع الرخص - الظاهرُ ممَّنْ لم يُوجب الالتزامَ" (١). وهذا محلُّ نظرٍ؛ فإِنَّ ممَّنْ لم يُوجب الالتزام مَنْ قال بمنعِ تتبعِ الرخصِ. وجوّزَ محمدٌ الأمين الجكني، وبعضُ المتأخرين تتبعَ الرخصِ للموسوسِ (٢). واختارَ بعضُ المالكيةِ القولَ بجوازِ تتبعِ الرخصِ، إِلَّا أنَّه ينبغي أنْ لا يتتبعَ الرخصَ في أبوابِ النكاحِ (٣). القول الثالث: يجوزُ تتبعُ الرخصِ بضوابط معينةٍ، وقد اختلفَ أصحابُ هذا القولِ في تحديدِ الضوابط على اتجاهاتٍ متعددةٍ: الاتجاه الأول: ضابطُ جوازِ تتبعِ الرخصِ أنْ لا يترتبَ على تتبّعِها ما ينقضُ فيه قضاء القاضي، والذي ينقض فيه قضاء القاضي: ما خالفَ الإِجماعَ، أو القواعدَ، أو النصَّ الَّذي لا يحتملُ التأويل، أو القياسَ الجليَّ. وهذا قولُ شهابِ الدين القرافي (٤)، وبعضِ المالكيةِ (٥). الاتجاه الثاني: يجوزُ تتبع الرخصِ بشرط: أنْ لا يخالفَ المتتبعُ أمرًا مجمعًا عليه. وهذا قول ابنُ نور الدين (٦).

стр. 986

الاتجاه الثالث: يجوزُ تتبعِ الرخصِ بشرطِ عدمِ اعتقادِ كونِ المتتبعِ لها متلاعبًا بالدينِ متساهلًا فيه. وهذا قولُ ابنِ أمير الحاج (١)، وأحمدَ الوزير (٢). الاتجاه الرابع: يجوزُ تتبعُ الرخصِ وفق الضوابط الآتيةِ: الأول: أنْ يراعي ما اعتبره المجتهدُ في المسألةِ الَّتي وَقَعَ فيها التقليدُ ممَّا يتوقفُ عليه صحتُها. الثاني: أنْ يكونَ تتبعُ الرخصِ في المسائلِ المدوّنةِ للمذاهبِ الأربعةِ، دونَ مَنْ عداهم. الثالث: أنْ لا يتركَ المتتبعُ للرخصِ العزائمَ رأسًا. وهذا قولُ العطارِ (٣). الاتجاه الخامس: ضابطُ جوازِ تتبعِ الرخصِ: أنْ لا يترتب على تتبعها تلفيقُ حقيقةٍ لا يقولُ بها كلٌّ مِن المذهبين. وهذا قولُ علويّ السقاف (٤)، ومحمد مخلوف (٥)، والدكتور بدران أبو

стр. 987

العينين (١). الاتجاه السادس: يجوز الأخذُ بالرخصِ وفق الضوابط الآتيةِ: الأول: أنْ تكونَ أقوالُ الفقهاءِ الَّتي يُترخصُ بها معتبرةً شرعًا، ولم توصفْ بأنَّها مِنْ شواذِّ الأقوالِ. الثاني: أنْ تقومَ الحاجةُ إِلى الأخذِ بالرخصةِ؛ دفعًا للمشقةِ سواءٌ أكانت حاجة عامة للمجتمعِ، أم خاصة، أم فردية. الثالث: أنْ يكونَ الآخذُ بالرخصِ ذا قدرةٍ على الاختيارِ، أو أنْ يعتمدَ على مَنْ هو أهل لذلك. الرابع: أنْ لا يترتبَ على الأخذِ بالرخصِ الوقوعُ في التلفيقِ الممنوعِ. الخامس: أنْ لا يكون الأخذُ بذلك القولِ ذريعةً للوصولِ إِلى غرضٍ غيرِ مشروعٍ. السادس: أنْ تطمئنَ نفس المترخصِ للأخذِ بالرخصةِ. وهذا ما صدر به قرارُ مجمعِ الفقه الإِسلامي التابع لمنظمةِ المؤتمرِ الإِسلامي (٢). الاتجاه السابع: يجوزُ تتبع الرخص بشرطِ أنْ لا يُفْضِي ذلك إِلى إِضرارٍ بالغيرِ أو وقوعٍ في محظورٍ متفق عليه أو يؤدّي إِلى عملٍ بضعيفٍ مرجوحٍ. وهذا قول عبد الله بن عمر الشنقيطي (٣). • أدلة الأقوال: أدلةُ أصحابِ القولِ الأولِ (القائلين بتحريمِ تتبعِ الرخصِ):

стр. 988

استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إِجماعُ أهلِ العلمِ على تحريمِ تتبعِ الرخصِ، حكاه ابنُ عبد البر، فقالَ: "هذا - أيْ: المنع مِنْ تتبعِ الرخصِ - إِجماعٌ، لا أعلمُ فيه خلافًا" (١). وقد نَقَلَ حكايةَ ابنِ عبد البر كلٌّ مِنْ: تقي الدّينِ بن تيميةَ (٢) وابنِ القيّمِ (٣)، وابنِ مفلح (٤)، والمرداوي (٥)، وأبي علي الشوشاوي (٦) وابنِ النجارِ (٧). وقد حَكَى ابنُ حزمٍ الإِجماعَ على أن تتبّعَ الرخصِ فسقٌ، لا يحلُّ، كما سَبَقَ نقلُه في تحريرِ محل النزاعِ. وقد نَقَلَ حكايةَ ابنِ حزمٍ كل مِنْ: أبي إِسحاق الشاطبي (٨)، وابنِ حجر الهيتمي (٩)، وإبراهيمَ اللقاني (١٠)، ومحمد عليش المالكي (١١)، وأبي عبد الله الفاسي (١٢). ويتأيّد هذا الإِجماع بما وَرَدَ عن بعضِ السلفِ في وقتٍ مبكرٍ مِن التحذيرِ مِن تتبعِ الرُّخصِ. مناقشة الدليل الأول: نوقشت حكاية ابن عبد البر للإِجماع من ثلاثة أوجه:

стр. 989

الوجه الأول: لا نُسَلِّمُ صحةَ ما نُسِبَ إِلى ابنِ عبد البرِ مِنْ حكايته للإجماعِ (١). ويمكن الجواب عن الوجه الأول: بأنَّ ما ذكرتموه مِن التشكيكِ في نسبةِ حكايةِ الإِجماعِ إِلى ابنِ عبدِ البر مردودٌ؛ وحكايةُ الإِجماعِ ثابتةٌ عنه، فقد ذَكَرَها في كتابِه: (جامع بيان العلم وفضله) (٢). الوجه الثاني: لا نُسلِّمُ صحةَ الإِجماعِ المحكي في دليلِكم؛ إِذ هناك مَنْ خالفَ في المسألةِ، ففي تفسيقِ متتبعِ الرخصِ عن الإِمامِ أحمدَ روايتانِ (٣)، وذَهَبَ ابنُ أبي هريرةَ (٤) إِلى عدمِ تفسيقِه (٥)، وجاءَ عن العزِّ بنِ عبدِ السلام ما يدلُّ على جوازِ تتبعِ الرخصِ (٦).

стр. 990

الجواب عن الوجه الثاني: أجيب عنه من وجهين: الأول: أنَّ للإِجماعِ المذكورِ مستندًا مِنْ أقوالِ السلفِ، أمَّا ما جاءَ عن العز بنِ عبد السلام - على فرضِ ثبوتِ القولِ بالجوازِ عنه - فإِنَّه لم يبيّنْ مستندًا لقولِه (١). وأيضًا: هو محجوجٌ بالإِجماعِ المنعقدِ قبلَ قولِه (٢). الثاني: لا يستلزمُ عدمُ تفسيقِ متتبع الرخصِ القول بجوازِ تتبّعِ الرخصِ؛ ويكون حالُه كحالِ مرتكبِ الصغيرةِ (٣). الوجه الثالث: يُحْمَلُ الإِجماعُ المحكي على منعِ تتبعِ الرخصِ مِنْ غيرِ تقليدٍ لمَنْ قالَ بها، أو على الرّخصِ المركبه في الفعلِ الواحدِ الَّذي لا يقولُ بمجموعِه مجتهدٌ (٤). ويمكن الجواب عن الوجه الثالث: بانَّ ما ذكروه في مناقشتِهم صَرْفٌ للإِجماعِ عن ظاهرِه بلا قرينةٍ، وهذا مردودٌ. الدليل الثاني: أن للهَ تعالى أَمَرَ بالردِّ إِليه وإِلى رسولِه ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥)، وتتبعُ الإِنسانِ للرخصِ مضادٌّ للرجوع إِلى الله تعالى وإِلى رسولِه ﷺ (٦).

стр. 991

الدليل الثالث: أن تتبعَ الرُّخَصِ مؤدٍ إِلى إِسقاطِ التكليفِ في كل مسألةٍ مختَلَفٍ فيها؛ لأنَّ المتتبّعَ للرخصِ سيفعلُ ما يشاءُ، ويختارُ ما يشاءُ، ممَّا تشتهيه نفسُه، وهذا عينُ إِسقاطِ التكليفِ (١)، وفي هذا مناقضةٌ لمقصدِ الشارعِ مِنْ إِنزالِ التكاليفِ. الدليل الرابع: أنَّ حقيقةَ تتبعِ الرخصِ هي ميلٌ مع أهواءِ النفسِ، وجاءَ الشرعُ بالنهي عن اتّباعِ الهوى؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ (٢)، وتتبّع الرخصِ مضادٌّ لهذا الأَصلِ (٣). الدليل الخامس؛ يترتّبُ على تتبعِ الرخصِ جملةٌ عظيمةٌ مِن المفاسدِ، منها: المفسدة الأولى: الانسلاخُ مِن الدّينِ بتركِ اتباعِ الدليلِ إِلى اتباعِ الخلافِ. المفسدة الثانية: الاستهانةُ بالدِّينِ، وذهابُ هيبتِه، وعدم الاكتراثِ به، والتهربُ مِن التكاليفِ، والتساهلُ فيها، إِذ يصيرُ الدينُ سيّالًا مَعَ كلِّ رخصةٍ.

стр. 992

المفسدة الثالثة: انخرامُ قانون السياسةِ الشرعيةِ (١) بتركِ الانضباطِ إِلى أمرٍ معروفٍ. المفسدة الرابعة: إِفضاءُ تتبّعِ الرخصِ إِلى القولِ بتلفيقِ المذاهبِ على وجهٍ يخرقُ إِجماعَها (٢). الدليل السادس: أنَّه لا يقولُ أحدٌ مِنْ علماءِ المسلمين بإباحةِ جميعِ الرخص، فإِنَّ القائلَ بالرخصةِ في مسألةٍ لا يقولُ بالرخصةِ في مسألةٍ أخرى (٣). أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني (القائلين بجواز تتبع الرخص): استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول الآياتُ والأحاديثُ الدالةُ على التيسيرِ: كقولِ الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٤)، وكقولِ النبي ﷺ : (يسروا ولا تعسروا) (٥). وإِذا أخذنا بأهونِ الأقوالِ في المسألةِ كنَّا قد أخذنا بالأيسرِ (٦).

стр. 993

مناقشة الدليل الأول: نُسَلِّمُ لكم أنَّ التيسيرَ مِنْ مقاصدِ الشريعةِ الإِسلاميةِ، والنصوصُ مِن الكتابِ والسنةِ متضافرةٌ على هذا الأمرِ، لكنَّ المرادَ به هو أنَّ حوائجَ البشرِ تسيرُ مع تعاليمِ الشرعِ، دونَ مشقةٍ عليهم، وليس المرادُ تركَ تعاليم الشرعِ؛ لرخصِ المذاهبِ، وبناءً عليه لا نُسلّمُ لكم أنَّ مِنْ مقتضى التيسير تتبّعَ الرخصِ (١). الدليل الثاني: عن جابرِ بنِ عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (بُعِثتُ بالحنيفيةِ السمحةِ، أو السهلة) (٢).

стр. 994

وجه الدلالة: أنَّ قولَه ﷺ : (بُعثتُ بالحنيفيةِ السمحة) يقتضي جوازَ تتبعِ الرخصِ؛ إِذ في الرخصةِ سهولةٌ، والأَخْذ بالرخصِ فيه سماحةٌ، وقد

стр. 995

بُعِثَ النبيُّ ﷺ بها (١). مناقشة الدليل الثاني: لا نُسَلّمُ لكم أن تتبعَ الرخصِ داخلٌ في مدلولِ الحنيفيةِ السمحةِ؛ لأنَّ السماحةَ المرادة في الحديثِ ما كانتْ مقيدةً بما هو جارٍ على أصولِ الشريعةِ، وليسَ تتبعُ الرخصِ بجارٍ على أصولِها (٢). الدليل الثالث: عن عائشةَ ﵁ قالتْ: (ما خُيِّرَ رسولُ الله ﷺ بين أمرين إِلَّا أَخَذَ أيسرَهما) (٣)، وهذا يدلُّ على تجويزِ اتباعِ القولِ الأخفِّ (٤). مناقشة الدليل الثالث: إِنَّ للحديثِ تتمةً تردُّ استدلالكم، وهي قولها: (ما لم يكنْ إِثمًا) (٥)، ونحنُ نَرَى أنَّ في تتبعِ الرخصِ إِثمًا. الدليل الرابع: ليس مِنْ مقاصدِ الشريعةِ إِلزامُ الناسِ بالمشاقِّ، ولم تَرِد الشريعةُ به، بلْ وَرَدَتْ بتحصيلِ مصالِحهم الخاصة والعامة (٦)، وإِذا لم تكن المشاقُّ مقصودةً، فليسَ في تركِها إِلى الرخصِ حرجٌ. الدليل الخامس: أنَّ اختلافَ المذاهبِ الفقهيةِ رحمةٌ، ويجوزُ أخذُ

стр. 996

الرحمةِ وتتَبّعها، والرخصُ مِن الرحمةِ، فيجوزُ تتبّعُها (١). مناقشة الدليل الخامس: المرادُ بأنَّ الخلافَ رحمةٌ هو: أنَّه فَتَحَ للمجتهدين بابَ النظرِ والاجتهادِ، ولا يُراد به أنْ يختارَ الناسُ رُخصَ المذاهبِ، لأنَّها رحمةٌ (٢). الدليل السادس: أنَّ المذاهبَ طرقٌ إِلى الجنةِ، فمَنْ سَلَكَ طريقًا أوْصَله إِليها، ولا فرقَ بين أنْ يكونَ الطريقُ شديدًا، أو خفيفًا (٣). الدليل السابع: لا يُوجدُ دليلٌ شرعي، ولا عقلي يمنعُ الإِنسانَ مِنْ أخذِ ما هو أخفُّ على نفسِه مِنْ أقوالِ المجتهدين الذين يسوغُ لهم الاجتهادُ (٤). مناقشة الدليل السابع: لا يُسلَّمُ لكم انتفاءُ الدليلِ الشرعي الدالِّ على تحريمِ تتبعِ الرخصِ، بلْ دلَّ دليلُ الإِجماعِ على منعِ تتبّعِها، كما حكاه ابنُ عبد البر، وابنُ حزمٍ (٥). الدليل الثامن: أنَّ متتبعَ الرخصِ متبعٌ لمجتهدٍ، فجازَ فعلُه؛ لاتباعِه مجتهدًا (٦). مناقشة الدليل الثامن: أنَّ تخييرَ العامي يكون عند اختلافِ المفتين عليه، وليس له ابتداءً تتبع رخصِ المذاهبِ (٧).

стр. 997

الدليل التاسم يلزمُ مِن القولِ بمنعِ تتبعِ الرخصِ لزوم سؤالٍ مفتٍ بعينِه، وهذا مودودٌ (١). واستدلَّ مَنْ أخرجَ أبوابَ النكاحِ مِنْ جوازِ تتبع الرخصِ فيها: بأنَّه يحتاطُ في الفروجِ ما لا يُحتاطُ في غيرِها (٢). أدلةُ أصحابِ القولِ الثالثِ: الظاهرُ أنَّ أصحابَ القولِ الثالثِ - على اختلافِ اتجاهاتهم - يستدلون بأدلةِ أصحابِ القولِ الثاني، لكنَّهم يرونَ ضبطَ تتبعِ الرخصِ، إِمَّا دفعًا للتلفيقِ الممنوعِ، وإمَّا دفعًا لانحلالِ ربقةِ التكاليفِ الشرعيةِ، وقد نصَّ بعضُهم على دليلِ قولِه: دليلُ الاتجاه الرابع: (قول العطار): إِنَّ اشتراطَ أنْ يراعي الإِنسان ما اعتبره المجتهدُ في المسألةِ الَّتي وَقَعَ فيها التقليد ممَّا يتوقف عليه صحتها؛ كي لا يقعَ في حُكْمٍ مركّبٍ من اجتهادينِ، فيقع في التلفيقِ الممنوعِ. ويُشترطُ أنْ يكونَ التتبعُ في المسائلِ المدوّنةِ للمذاهبِ الأربعةِ؛ لأنَّ ما عداها مِن المذاهبِ انقرضتْ بموتِ أئمتِها وأصحابِها. واشتراط أنْ لا يتركَ العزائمَ؛ لئلا يخرجَ المكلّفُ عن ربقةِ التكاليفِ الشرعيةِ (٣). • الموازنة والترجيح: لا بُدَّ مِن التفريقِ بين حالةِ مَنْ يتتبعُ الرخصَ دائمًا، دونَ مسوّغٍ ولا حاجةٍ، وحالةِ مَنْ يأخذُ بالرخصةِ عند وجودِ ما يدعو إِلى الأخذِ بها، فلا تستوي الحالتان.

стр. 998

وجُملة القولِ: إِنَّ الراجحَ في تتبعِ الرخصِ هو التحريمُ، وكذلك الأخذ بالرخصةِ المذهبيةِ لغيرِ مسوّغٍ لا يجوز، أمَّا الأخذُ بالرخصةِ؛ لمسوِّغٍ، فإِنَّه جائزٌ، وقد ذَكَرَ هذا التفصيلَ تقيُّ الدين السبكي (١). ولمزيدِ البيان أقولُ: إِنَّ العاميَّ ليس له تتبع الرخصِ، بل الواجبُ عليه سؤالُ أهلِ العلمِ، وليس مِنْ قدرتِه إِدراكُ رخصِ المذاهب؛ لأنَّ معرفتَها إِنَّما تكون لمن لديه نوعُ استدلالٍ ونظرٍ، وفهمٍ لمسائل الفَقهِ (٢)، لكنْ لو وَقَعَ في الرخصِ من غيرِ قصدٍ - كما لو سألَ عالمًا فأفتاه برخصةٍ، وسألَ عن مسألةٍ أخرى فأفتاه برخصةٍ - فلا حَرَجَ عليه؛ لانتفاءِ قصدِ تتبعِ الرخصِ، ولصعوبةِ تحرزِ العامي عن مثلِ هذا. أمَّا المجتهدُ، فالأصلُ أنَّه يتبعُ الأدلة، فليسَ له تتبع الرخصِ، ولا الأخذ بالرخصةِ دونَ مسوَّغٍ، لكنْ إِن احتاجَ إِلى الأخذِ بها، أو احتاجَ مَنْ استفتاه إِليها، فله العملُ والإِفتاءُ بها في ضوءِ الضوابطِ الَّتي قررها مجمعُ الفقه الإِسلامي. أمَّا المتمذهبُ، فليسَ له تتبعُ الرخصِ، ولا الأخذ بالرخصةِ دونَ مسوِّغٍ، لكنْ له الأخذُ بها إِن احتاجَ إِليها في ضوءِ الضوابطِ الَّتي قررها مجمعُ الفقهِ الإِسلامي. وقد رجّحت ما سَبَقَ، للآتي: أولًا: قيامُ الإِجماعِ على مَنعِ تتبعِ الرخصِ، ومهما قيلَ في الجوابِ عنه، إِلَّا أنَّه يبقى معوَّلًا عليه في المنعِ من تتبعِ الرخصِ. ثانيًا: مآلُ مَنْ يتتبعُ الرخص إِلى انحلالِ التكاليفِ الشرعيةِ عنه، إِذ ما مِنْ مسألةٍ إِلَّا وفيها مَنْ قال بالرخصةِ، فإِنْ أَخَذَ المتتبعُ بها، وبغيرِها انحلتْ عنه أغلبُ التكاليفِ.

стр. 999

ثالثًا: أنَّ الأدلةَ التي استدلَّ بها المجوزون لتتبعِ الرخصِ لا تقوى على القولِ بجوازِها، وقصارى أمرِها أنَّها تدلُّ على مشروعيةِ التيسيرِ والتخفيفِ، ورفعِ المشاق، ولا يدخلُ جوازُ تتبع الرخصِ فيما ذكروه. رابعًا: وجاهةُ الضوابطِ التي ذكرها مجمعُ الفقهِ الإسلامي. • أثر الخلاف: الخلافُ بين الأقوال خلافٌ معنوي، ويظهرُ أثرُه في المسائل الآتية: المسألة الأولى: هلْ يفسقُ متتبعُ الرخص؟ مَنْ قال بجوازِ تتبعِ الرخصِ قال: إنَّه لا يفسقُ، وهذا ما ذَهَبَ إليه أصحابُ القولِ الثاني. مَنْ قال بمنع تتبع الرخص، اختلفوا في تفسيقه على قولين: القول الأول: أنَّ متتبعَ الرخصِ فاسقٌ. وهذا القولُ هو أحد الوجهين عند الشافعية (١)، وروايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (٢). واختاره أبو إسحاق المروزي (٣)، وابنُ القيّم (٤). القول الثاني: أنّ متتبعَ الرخصِ غيرُ فاسقٍ. وهذا القولُ هو الأوجه عند الشافعيةِ (٥)، وهو روايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (٦). وذَهَبَ إليه ابنُ أبي هريرة (٧). وذَهَبَ بعضُ الشافعيةِ إلى أنَّ مَنْ تتبع رخصِ غيرُ المذاهب الأربعة فسقٌ، أمَّا مَنْ تتبع رخص المذاهبِ الأربعةِ، فلا يفسقُ (٨).

стр. 1000

المسألة الثانية: هلْ يجوزُ للشافعي أنْ يشهدَ على الخطِّ عند المالكي الذي يَرَى العملَ به؟ صرَّحَ بدرُ الدين الزركشي بأنَّ المسألةَ متفرعةٌ عن مسألةٍ: (تتبع الرخص) (١). فعلى القولِ الأولِ المانعِ مَنْ تتبعِ الرخصِ، ليسَ له أنْ يشهدَ. وعلى القولِ الثاني المجوّز لتتبعِ الرخصِ، له أنْ يشهدَ. المسألة الثالثة: إذا حَكَمَ الحنفيُّ لشافعي بشفعةِ الجوارِ، هلْ يجوزُ له أخذها؟ صرّحَ بدر الدين الزركشي بأنَّ المسألةَ متفرعةٌ عن مسألةِ: (تتبع الرخص) (٢). فعلى القولِ الأولِ المانعِ مِنْ تتبعِ الرخصِ، ليس له أخذُها. وعلى القولِ الثاني المجوّز لتتبعِ الرخصِ، له أخذُها. * * *

стр. 1001

المبحث الرابع: التلفيق بين المذاهب وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح المطلب الثاني: صور التلفيق المطلب الثالث: أقسام التلفيق، وحكم كل قسم المطلب الرابع: الفرق بين التلفيق، وتتبع الرخص

стр. 1002

المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح وفيه مسألتان: المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح

стр. 1003

توطئة يُعدُّ الحديثُ عن التلفيقِ بين المذاهبِ الفقهيةِ مِنْ أهمِّ المسائلِ الناشئةِ عن القولِ بالتمذهبِ (١) - وجوبًا أو جوازًا - ولقد اهتمَّ كثيرٌ مِن المتأخرين (٢)، والمعاصرين بالحديثِ عن التلفيقِ، وأقسامِه، وما يتصل به. المطلب الأول: تعريف التلفيق في اللغة، والاصطلاح مِن المصطلحاتِ التي اهتمَّ بها كثيرٌ مِن المتأخرين مصطلحُ: (التلفيق)، ومِن المهمِّ قبلَ ذكرِ التعريفِ الاصطلاحي بيانُ التعريفِ اللغوي، ثمَّ الانتقال بعده إلى التعريفِ الاصطلاحي. المسألة الأولى: تعريف التلفيق في اللغة التلفيقُ: مصدرٌ مِن الفعلِ الثلاثي المضعفِ العين لفَّقَ، والقاعدةُ الصرفيةُ فيه أنَّ مصدرَه على وزن: (التَّفْعِيل) (٣)، فيُقالُ: لفَّقَ يُلَفِّقُ تَلْفِيْقًا. ولمادةِ: (لفق) عدّةُ معانٍ، منها: المعنى الأول: الضَمُّ. يُقالُ: لَفَقْتُ الثوبَ أَلْفِقُه لَفْقًا، بمعنى: أنْ

стр. 1004

تَضُمَّ شقَّه إلى أخرى، فتخيطهما (١)، ولَفَّقْتُ بين شقتي الثوبِ تَلْفِيقًا، بمعنى: أنْ تَضُمَّ إحدى الشقتين إلى الأخرى، فتخيطهما (٢). ويمكنُ أنْ يُلحقَ بهذا المعنى قولُهم: إنَّها أحاديث مُلَفَّقَةٌ، أيْ: مكذوبةٌ مزخرفةٌ (٣)، ووجه الإلحاقِ: أنَّ معنى المقولةِ: أنَّها أحاديث ضُمَّ بعضها إلى بعضٍ على وجهٍ يكونُ كذبًا (٤). وقد نصَّ الزمخشريُّ (٥)، والمرتضى الزَّبيديُّ (٦) على أنَّ هذا الاستعمالَ استعمالٌ مجازيٌّ. المعنى الثاني: عدمُ الافتراق (٧). يُقالُ للرجلينِ لا يفترقانِ: هما

стр. 1005

لفْقَانِ (١). والمعنى الثاني قريبٌ مِن المعنى الأولِ. المعنى الثالث: ملاءمةُ الأمرِ (٢). يُقالُ: هذا لِفْقُ هذا، أيْ: يُوائِمه (٣)، وتلافقَ أمرُهم، إذا تلاءم (٤)، وتلافق القومُ، أيْ: تلاءمت أمورُهم (٥). المعنى الرابع: الإصابةُ (٦). يُقالُ: لَفِقَ الشيءَ، أيْ: أصابَه وأخذَه (٧). المعنى الخامس: طلبُ الأمرِ وعدمُ إدراكِه (٨). يُقالُ: لفَقَ فلانٌ، ولفَّقَ، أيْ: طَلَبَ أمرًا، فلم يدركْه (٩). المعنى السادس: اللَّحاقُ. يُقال: تَلَفَّقتُ به، أيْ: لحقتُه (١٠). ومن المعاني المولّدة، قولهم: هذا مُلَفَّقٌ، أيْ: جيّدٌ (١١). والمعنى الأول هو المناسبُ للمعنى الاصطلاحي.

стр. 1006

المسألة الثانية: تعريف التلفيق في الاصطلاح تعددتْ اصطلاحاتُ أرباب العلومِ في استعمالِ مصطلحِ: (التلفيق)، فهناك التلفيقُ عند الفقهاءِ - كالتلفيقِ في بابِ: الحيضِ، وباب: الصلاةِ وغيرِهما (١) - والتلفيقُ عند المحدثين (٢)، والمقصودُ في هذا المقامِ هو التلفيق بين المذاهبِ الفقهيةِ. وأُحبُّ أنْ أشيرَ في البدءِ إلى عدمِ ورودِ مصطلحِ التلفيقِ بين المذاهبِ في مدوّناتِ العلماءِ المتقدمين، وإنَّما وُجِدَ حديثٌ عنه عند بعضِ المتمذهبين في وقتٍ لاحقٍ (٣). يقولُ الشيخُ محمد السنهوري عن مسألةِ: (التلفيق): "لم يتناولها - فيما أعلمُ - أحدٌ مِن الأئمةِ المجتهدين، ولا مِن المجتهدين في المذاهبِ، ولا مَنْ هم مِنْ أهلِ التَّخْرِيجِ وأصحابِ الوجوه، وإنَّما تناولها مَنْ هم دونَ ذلك، فبذلوا جهدَهم، ورَأَى كلٌّ منهم ما رأى في نيّةٍ مؤمنةٍ، وإخلاصٍ صادقٍ" (٤). وقد تعددتْ تعريفات العلماءِ والباحثين لمصطلح: (التلفيق)، وسأسوق عددًا منها: التعريف الأول: أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين قولي مجتهدين، بحيثُ يتولّدُ منهما حقيقة مركبة لا يقولُ بها كلّ منهما.

стр. 1007

ذَكَرَ هذا إبراهيمُ اللقاني، ولم ينصَّ على كونِه تعريفًا، بلْ سَاقَ حُكْمًا يمكنُ منه أخذُ التعريفِ، فقالَ: "منها - أيْ: من شروط التقليد - أيضًا: أنْ لا يلفِّقَ بين قولين يتولّد منهما حقيقةٌ مركبةٌ لا يقولُ بها كلٌّ منهما" (١)، أيْ: لا يقولُ بصحتها كل من المجتهدين. وقريبٌ ممَّا ذكره إبراهيمُ اللقاني ما ذكره علويّ السقاف؛ إذ يفهمُ أيضًا مِنْ سياقِ كلامِه أنَّ حقيقةَ التلفيقِ هي: أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين قولي إمامين، تتولّدُ منهما حقيقةٌ واحدةٌ مركبةٌ، لا يقولُ بها كل مِن الإمامين (٢). ونبّه علويّ السقافُ إلى أنَّ اتفاقَ الإمامين على بطلانِ نتيجةِ التلفيقِ إنْ كان التلفيقُ في قضيةٌ واحدةٌ، أمَّا إنْ كانَ تركيبُ القولين في قضيتين، فإنَّه لا يقدحُ؛ لعدمِ اتفاقِ الإمامين على البطلانِ (٣). وقد ينازعُ بعضُ العلماءِ السقاف فيما ذكره (٤). وقد ذَكَرَ بعضُ العلماءِ مصطلحَ: (التلفيق)، دونَ ذكرِ تعريفٍ له، وإنَّما أوردوا أمثلةً دالةً على أن مرادَهم به هو أنْ يجمعَ المقلّدُ بين قولي مجتهدين، بحيثُ يتولّدُ منهما حقيقةٌ مركبةٌ لا يقولُ بها كلٌّ مِن المجتهدين.

стр. 1008

ومِنْ هؤلاءِ: ابنُ حجر الهيتمي (١)، ومرعيُّ الحنبلي (٢)، ومحمدٌ الملا فروخ (٣)، ومحمدٌ السفاريني (٤)، وابنُ عابدين (٥)، وجمالُ الدين القاسمي (٦). وهناك تعريفاتٌ لبعضِ المعاصرين قريبةٌ مِن التعريفِ الأولِ، منها: • تعريف الشيخِ عبد الوهاب خلاف؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "أنْ يجمعَ المقلِّدُ بين الأخذِ بقولِ إمامٍ فيما يعرضُ له مِن الوقائعِ، والأخذِ بقولِ إمامٍ آخر، أو أئمة آخرين" (٧). وفي تعريفِه توسيعٌ لدائرةِ مصطلحِ التلفيقِ، وقد سبقت الإشارةُ إلى وجهةِ النظرِ في هذه المسألةِ. • تعريف عبد الله الشنقيطي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "أنْ يعملَ المقلِّدُ في مسألةٍ واحدةٍ، بأكثر مِنْ مذهبٍ مِن مذاهبِ المجتهدين، بحيثُ ينتهي به ذلك إلى صورةٍ لا يقولُ بها أحدٌ من المجتهدين الذين لفَّق بين آرائِهم" (٨). • تعريف مجمعِ الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي "إذ عرفوا التلفيقَ بـ "أنْ يأتي المقلِّدُ في مسألةٍ واحدةٍ ذات فرعين مترابطين فأكثر، بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ ممَّنْ قلَّدهم في تلك المسألةِ" (٩). وتَبعَ الشيخُ عبد الله آل خنين مجمعَ الفقه الإسلامي (١٠).

стр. 1009

وهذا التعريفُ قاصرٌ على التلفيقِ في التقليدِ، وإنْ كان كثيرٌ مِن البحوثِ التي عرضها أعضاءُ مجمع الفقه الإسلامي قد ذكرت التلفيقَ في التقليد، وفي الاجتهادِ، وفي التقنينِ (١). التعريف الثاني: الإتيانُ بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ. نَقَلَ الشيخُ محمدٌ الباني هذا التعريفَ عن بعضِ العلماءِ مقِّرًا له (٢)، ويقولُ شارحًا له: "وذلك أنْ يُلفِّق في قضيةٍ واحدةٍ بين قولين، أو أكثر يتولَّد منها حقيقةٌ مركبةٌ، لا يقولُ بها أحدٌ" (٣). ويظهرُ مِن شرح الشيخِ الباني للتعريفِ اتفاقه في المعنى تقريبًا مَعَ التعريفِ الأولِ؛ إلا أنَّ الأولَ قد قصره على المقلّد. وذَكَرَ الشيخُ محمدٌ السنهوري أنَّ منيبًا النابلسي (٤) عرَّفَ التلفيقَ بـ: أنْ يأتي بكيفيةٍ لا يقولُ بها مجتهدٌ (٥). وقد يكون العالمُ المبهمُ الذي نقل الشيخُ الباني تعريفه هو منيب النابلسي (٦).

стр. 1010

وهناك تعريفاتٌ لبعضِ المعاصرين قريبةٌ من التعريف الثاني، منها: • تعريف الدكتور محمد فيض الله؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "القيام بعبادةٍ، أو تصرّفٍ على كيفيةٍ لا يقولُ بها أحدٌ مِنْ أهلِ العلمِ" (١). • تعريف الطيب سلامة؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "الإتيان بالعملِ الذي صارَ بعدَ تقليدِ المذاهبِ على كيفيةٍ لا يقولُ بها واحدٌ مِن المجتهدين" (٢). • تعريف الدكتور عياض السلمي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "الإتيان في مسألةٍ واحدةٍ بكيفيةٍ لا توافق قولَ أحدٍ من المجتهدين السابقين" (٣). • تعريف الدكتور محمد قلعه جي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "القيام بعملٍ يجمعُ فيه بين عدّةِ مذاهب، حتى لا يمكن اعتبار هذا العمل صحيحًا في أيِّ مذهبٍ" (٤). • تعريف الدكتور إبراهيم كافي؛ إذ عرَّفَ التلفيقَ بـ "العمل بالآراء الاجتهاديةِ المتعددة مجتمعةً في مسألةٍ معينةٍ (أو كالمعينةِ في حالةِ العملِ برأي قبل زوال تأثير الآخر) بصورةٍ مركبةٍ لا يقولُ بها أيِّ واحدٍ مِن المجتهدين" (٥). وقد بيَّن الدكتورُ إبراهيم كافي المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ بأنَّه إحداثُ قولٍ ثالثٍ في المسألةِ التي اختلف العلماءُ فيها على قولين (٦). وقد تَبعَ الشيخَ محمدا الباني في تعريفِه جمع - منهم مَنْ نصَّ على نسبةِ التعريفِ إليه، ومنهم مَنْ ذكره دونَ نسبتِه إليه - منهم: الدكتور محمد الدسوقي (٧)، والدكتور وهبة الزحيلي (٨)، والدكتور عبد الله محمد

стр. 1011

عبد الله (١)، وخليل الميس (٢)، ومجاهد القاسمي (٣)، والدكتور عبد العزيز الخياط (٤)، والدكتور محمد الحفناوي (٥)، والدكتور سعد العنزي (٦)، ومحمد الراشدي (٧)، والدكتور عمر كامل (٨)، وأسامة الصلابي (٩)، والدكتور عامر الزيباري (١٠). وقد اعتُرض على التعريفِ الثاني بعدةِ اعتراضات، منها: الاعتراض الأول: أنَّ التعريفَ بيانٌ لنتيجةِ التلفيقِ، لا لحقيقتِه (١١)، فما ذُكِر فيه هو ثمرة التلفيقِ. وهذا الاعتراض وإنْ كان وجيهًا، إلا أنّه يمكنُ الجوابُ عنه، بأنَّ قولَه: "الإتيان بكيفيةٍ ... "، قيدٌ مهمٌ كاشفٌ للتلفيقِ الذي عناه العلماءُ. الاعتراض الثاني: أن التعريفَ غيرُ جامعٍ لأفراد المعرَّف؛ إذ مِنْ

стр. 1012

صورِ التلفيقِ ما يكون أخذًا لأكثرِ من مذهب في عددٍ مِن الأبوابِ (١). وقد سبقت الإشارةُ إلى هذه المسألةِ في المبحثِ الثاني، وأنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، وأنَّ الأقربَ مِن وجهة نظري قصرُ مصطلحِ: (التلفيق) على الصورةِ الثانيةِ التي سبق بيانُها. الاعتراض الثالث: أن التعريفَ غيرُ مانعٍ مِنْ دخولِ أفرادِ غيرِ المعرَّفِ، مثل: البدعة، وتتبع الرخص (٢)، وليس كل ما لم يقلْ به المجتهدون يُعتبرُ تلفيقًا، فهناك أمورٌ كثيرةٌ لا يقولُ المجتهدون بها، وليس لها علاقةٌ بالتلفيقِ، كإباحةِ المحرماتِ، ونحوِها (٣). وهذه الاعتراضات واردةٌ أيضًا على التعريفِ الأولِ، وآثرتُ ذكرها هنا؛ لأن مَنْ أوردها وجّهها في الأصلِ إلى التعريفِ الثاني. التعريف الثالث: تتبعُ الرخصِ عن هوى. وهذا تعريفُ أحدِ علماءِ الحنفيةِ (٤). وهذا التعريفُ محلُّ نظرٍ؛ إذ لا يصحُّ تعريفُ التلفيقِ بتتبع الرخص عن هوى، فإنَّ حقيقةَ التلفيقِ أوسعُ ممَّا ذُكِر.

стр. 1013

التعريف الرابع: التخيّرُ من أحكامِ المذاهبِ الفقهيةِ المعتبرةِ تقليدًا. وهذا تعريفُ الشيخِ محمد السنهوري (١)، والدكتور سيد الأفغانستاني - ولم يشرْ إلى إفادتِه مِن الشيخِ السنهوري (٢) - وقد نصَّا على أنّه تعريفٌ للتلفيقِ في التقليدِ. وقد بيّن الشيخُ محمدٌ السنهوري (٣)، والدكتورُ سيدٌ الأفغانستاني (٤) المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ بأنَّه الاجتهادُ المركب، وأنه ينطبقُ على مسألتين أصوليتين، وهما: المسألة الأولى: إذا اختلف مجتهدو العصرِ في مسألتين على قولين، فهلْ لمَنْ بعدهم أنْ يأخذَ في إحدى المسألتين بقولِ طائفةٍ، وفي المسألةِ الأخرى بالقولِ الآخر؟ المسألة الثانية: إذا اختلف مجتهدو العصرِ في مسألةٍ على قولين، فهلْ يسوغُ إحداثُ قولٍ ثالثٍ؟ التعريف الخامس: أَخْذُ جميعِ الأحكامِ والوسائلِ والمقدماتِ المتعلقةِ بمسألةٍ واحدةٍ مِن مذاهب مختلفةٍ. وهذا تعريفُ الدكتور محمد مدكور للتلفيقِ في التقليدِ (٥)، وقد أشارَ بعده إلى أنَّ التلفيقَ قد يُوقعُ المقلِّدَ في أمرٍ يُعتبرُ باطلًا على المذهبين (٦)، وحينَ مثَّلَ للتلفيقَ اقتصرَ على ما اتفقَ المذهبانِ على القولِ ببطلانِه (٧).

стр. 1014

وقد بيّنَ الدكتورُ محمدٌ مدكور المرادَ بالتلفيقِ في الاجتهادِ، فلم يخرجْ عمَّا قرره الشيخ محمد السنهوري (١). التعريف السادس: الأخذُ بأقوالِ بعضِ المجتهدين في مذاهب متعددةٍ، سواءٌ أكان ذلك في مسألةٍ واحدةٍ، أم في مسائل متغايرة ممَّا طريقُه الاجتهادُ والنظرُ. وهذا تعريفُ الدكتور محمد الدويش (٢). وهو تعريفٌ جيّدٌ؛ إذ إنَّه يشملُ أقسامَ التلفيقِ: (التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد، والتلفيق في التقنين)، إلا أنّه وسَّع دائرةَ مصطلحِ: (التلفيق) بما يشملُ صورًا متعددةً، قد ينازعُه غيرُ واحدٍ في شمولِ المصطلح لها، وكما قلتُ سابقًا: إنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاح. التعريف السابع: الأخذُ في الأحكامِ الفقهيةِ بقولِ أكثر مِنْ مذهبٍ في أبواب متفرقة، أو بابٍ واحدٍ، أو في أجزاءِ الحكمِ الواحدِ. وهذا تعريف الدكتور ناصر الميمان (٣). وهو تعريفٌ جيّدٌ، إلا أنَّه وسّع دائرةَ مصطلحِ: (التلفيق)، وقد أقرَّ الدكتورُ ناصر الميمان بأنَّ الصورةَ الثالثة - وهي التلفيقُ في أجزاءِ الحكمِ الواحدِ - هي التي قامَ فيها النزاعُ واشتدَّ (٤)، وكما قلتُ سابقًا: إنَّ المسألةَ اصطلاحيةٌ، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ. التعريف الثامن: أَخْذُ صحةِ الفعلِ مِنْ مذهبين معًا بعدَ الحكمِ ببطلانِه على كلِّ واحدٍ منهما بمفردِه. وهذا تعريف الموسوعة الفقهية الكويتية (٥).

стр. 1015

التعريف المختار: الذي أراه في هذا المقام أن غالبَ التعريفاتِ تسيرُ في اتجاهٍ متقاربٍ، يؤكدُ هذا الأمر: أنَّ أمثلةَ المعرّفين متقاربة في المعنى. وحين إرادة تعريفِ التلفيق لا بُدَّ مِن الانتباه إلى دلالةِ التعريفِ على كونِ التلفيقِ في مسألةٍ واحدةٍ، أو مسألتين لهما حكمُ المسألةِ الواحدةِ؛ للتلازم بينهما، والانتباه أيضًا إلى دخولِ أقسامِ التلفيقِ: (التلفيق في الاجتهاد، والتلفيق في التقليد، والتلفيق في التقنين) تحتَ التعريفِ. ويمكنُ تعريفُ التلفيقِ بين المذاهب بأنَّه: تركيبٌ (١) كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروعٍ مترابطةٍ، أو في مسألتين لهما حُكمِ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قولِ مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتها أحدٌ مِن المجتهدين. وتكونُ المسألتانِ في حكمِ الواحدةِ إذا كان بينهما تلازمٌ وتأثيرٌ. وقبلَ الانتقالِ إلى المطلب الثاني أُشيرُ إلى مسألةٍ مهمةٍ، وهي: هل يدخلُ في التلفيقِ ما إذا ركَّبَ المتمذهبُ في مسألةٍ واحدةٍ - أو مسألتين في حكم الواحدة - تركيبةً مِنْ قولِ إمامِ مذهبِه، وقولِ أحدِ أصحابِه المجتهدين؟ يتحدثُ الشيخُ محمدٌ السنهوري عن هذه المسألةِ، فيقول: "ما المرادُ بالمذاهبِ والأئمةِ؟ فهلْ مذاهبُ الأئمةِ المجتهدين وإنْ اجتمعتْ أقوالُهم في مذهبٍ واحدٍ مِن المذاهبِ التي جمعها التدوينُ، كمذهبِ أبي حنيفةَ وأصحابه: أبي يوسف ومحمد وغيرهما، ومذاهب مالك وأصحابه المجتهدين، ومذاهب الشافعي وأصحابه المجتهدين، فيكون التركيبُ بين مذاهبِهم تلفيقًا وإنْ جمعهم مذهبٌ واحدٌ في التدوينِ؟ أو هي المذاهب المستقلة في التدوينِ؟ والإمامُ هو مَنْ يُنْسَب إليه المذهبُ برُمّتِه، فلا يكونُ تركيبُ التقليدِ مِنْ أقوالِه وأقوالِ أصحابِه تلفيقًا" (٢).

стр. 1016

حقيقةً ليس في المسألةِ مِنْ كلامِ أهلِ العلمِ إلا نزرٌ يسيرٌ عند بعضِ الحنفيةِ (١)؛ فقد نَقَلَ ابنُ عابدين عن بعضِ علماءِ مذهبِه تسمية هذه الحالة تلفيقًا (٢)، وقد ذَهَبَ إليه ابنُ نجيمٍ (٣). لكنَّ ابنَ عابدين اختارَ خلافَ ما قرّره بعضُ علماءِ مذهبِه، فَذَهَبَ إلى أنَّ التلفيقَ لا يكونُ إلا بين المذاهبِ الفقهيةِ، ولا يدخلُ فيه تركيبُ كيفيةٍ مِنْ أقوالِ الإمامِ وأصحابِه؟ لأنَّ أقوالَ أصحابِ الإمامِ لا تخرجُ عن مسمَّى المذهبِ، فهي بمنزلةِ أقوالِ الإمامِ، أو هي أقوالٌ مرويةٌ عنه، وإنَّما نُسِبَتْ إلى أصحابِه؛ لاستنباطِهم لها مِنْ قواعدِه، إذ هي مبنيةٌ على أصولِ إمامِهم (٤). يقولُ الدكتورُ محمدٌ الدويش مناقشًا ما علّلَ به ابنُ عابدين: "هذا مخالفٌ للواقعِ؛ إذ لأولئك - أيْ: أصحاب الإمام أبي حنيفة - آراء لا ترجعُ إلى أقوالِ أبي حنيفة، ولا تتخرّجُ على قواعدِه، وقد تتفق مع أقوالِ آخرين من مذاهب أخرى، فما الفرقُ بين أنْ يخالفَ الإمامَ أبا حنيفةَ أحدُ أصحابِه، أو أحدُ الشافعيةِ أو المالكيةِ أو الحنابلةِ أو غيرهم؟ " (٥). وقد نَازعَ منيبٌ النابلسي - كما نقله عنه محمدُ الباني - ما قرره ابنُ عابدين، ووَصَفَه بأنَّه "لا وجهَ له، بل هو تحكّمٌ صِرْفٌ" (٦). وذَهَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (٧)، والدكتور سيّد الأفغانستاني (٨)، والدكتور محمد الدويش (٩) إلى أنَّ التلفيقَ كما يكون بين المذاهبِ، فإنَّه

стр. 1017

يكونُ في المذهب الواحدِ؛ لأنَّ هذا مقتضى بلوغِ أصحابِ الإمامِ درجة الاجتهادِ، فيعاملوَن كما يعامل غيرهم مِن المجتهدين (١)، فيحصل التلفيق بتركيبِ القولِ المستحدثِ مِن أقوالِ المجتهدين ذوي النمطِ الاجتهادي الواحدِ أيضًا (٢). وقد نَسَبَ الشيخُ محمدٌ السنهوري (٣)، وتبعه الدكتورُ سيد الأفغانستاني (٤) القولَ بأنَّ التلفيقَ يَقَعُ في المذهبِ الواحدِ إلى أوائلِ الحنفية الذين تحدثوا عن التلفيقِ. ومع وجاهةِ قولِ مَنْ قالَ بأنَّه يُعَدُّ تلفيقًا، إلا أنَّ أغلبَ كلامِ العلماءِ والباحثين تركّزَ على التلفيقِ بين المذاهبِ، وغضّوا الطرفَ عن التلفيقِ بين أقوالِ علماءِ المذهبِ الواحدِ، فهلْ في هذا إشارةٌ إلى أنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؟ ولعلَّ الباعثَ على القولِ بأنَّ التلفيقَ لا يقعُ في المذهبِ الواحدِ؛ هو الخروج مِن الإشكالات التي ستترتب على القولِ بوقوعِه مع القولِ بمنعِ التلفيقِ. * * *

стр. 1018

المطلب الثاني: صور التلفيق وفيه مسألتان: المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها المسألة الثانية: التلفيق بين أثر القول وقول آخر في مسألة وفروعها

стр. 1019

توطئة تقدَّم لنا في تعريفِ التلفيقِ أنّه تركيبُ كيفيةٍ في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فروع مترابطة، أو في مسألتين لهما حكمُ المسألةِ الواحدةِ، مِنْ قول مجتهدَيْنِ أو أكثر، بحيثُ لا يقولُ بصحتها أحدٌ من المجتهدين، ولهذا التركيبِ صورتان، سأسوقهما في المسألتين الآتيتين: المسألة الأولى: التلفيق بين قولين في مسألة وفروعها يعدُّ التلفيقُ بين قولين أو أكثر في مسألةٍ واحدةٍ وفروعِها مِنْ أشهرِ صورِ التلفيقِ، وقبلَ ذكرِ أمثلةٍ لهذه الصورة أودُّ أنْ أشيرَ إلى أن المرادَ مِنْ قولِ العلماءِ (١): "مسألة واحدة"، أيْ: مسألة واحدة بفروعِها، كشروطِ الفعلِ ومبطلاتِه وأركانِه (٢)، ونحو ذلك. يقولُ الشيخُ محمدٌ السنهوري: "إنَّه لا يُوجد حقيقة - أي: للتلفيقِ - إلا إذا اجتمعَ في النازلةِ العمل بالقولين معًا" (٣). ويقولُ الدكتورُ محمدٌ مدكور: "لا بُدَّ لتحققِ التلفيقِ مِنْ أنْ يجتمعَ في النازلةِ الواحدةِ العملُ بالقولين معًا في حادثةٍ واحدةٍ كمَنْ توضأَ متبعًا في

стр. 1020

وضوئِه ونواقضِه اراء بعضِ الأئمةِ في بعضِها، وآراء الآخرين في البعضِ الآخرِ" (١). وأمثلةُ هذه الصورةِ كثيرةٌ متعددةٌ (٢) منها: المثال الأول: إذا توضأَ المسلمُ، فقلَّدَ الإمامَ أبا حنيفة في عدمِ النقضِ بمسِّ الفرجِ، وقلَّدَ الإمامَ الشافعي في عدمِ النقضِ بمسِّ المرأةِ، فصلَّى، فإنَّ صلاتَه لا تصحُّ عند الإمامين كليهما؛ لاتفاقهما على بطلانِ الطهارةِ (٣). المثال الثاني: إذا توضأ المسلمُ، فمَسَحَ بعضَ شعرِ رأسِه؛ مقلِّدًا للإمامِ الشافعي، وبعد الوضوءِ مسَّ أجنبيةً مقلِّدًا للإمامِ أبي حنيفة في عدمِ نقضِ الوضوءِ بمسِّها، فإن وضوءَه على هذه الهيئة حقيقةٌ مركبةٌ لم يقلْ بصحتها كلا الإمامين (٤). المثال الثالث: أنْ يتركَ المغتسلُ التدليكَ؛ أخذًا بمذهبِ الإمامِ الشافعي، ثمَّ يصلي ويترك البسملةَ في الفاتحةِ؛ أخذًا بمذهبٍ الإمامِ مالك، فإنَّ صلاتَه باطلةٌ عند الإمامين؛ فيبطلها المالكيُّ؛ لبطلَانِ طهارته بتركِ التدليكِ، ويبطلها الشافعيُّ؛ لتركِ البسملةِ (٥). المثال الرابع: إذا تزوّجَ الرجلُ امرأةً بلا وليّ؛ تقليدًا للإمامِ أبي حنيفةَ، وبلا شهودٍ؛ تقليدًا للإمامِ مالكٍ؛ وبلا صداقٍ؛ تقليدًا للإمامِ
следующие страницы →