← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (١). وذَكَرَ الشوكانيُّ أنَّ بعضَ الأصوليين زاد على تعريفِ الزركشي، لفظةَ (الفقيه)، فيكون التعريفُ: بذلُ الفقيه الوسعَ في نيلِ حكمٍ شرعي عملي، بطريقِ الاستنباطِ (٢). وهناك تعريفاتٌ اصطلاحيةٌ أخرى للاجتهادِ، لم أُوردْها؛ لأن المقامَ ليس مقامَ بسطٍ واستقصاءٍ لها، وكذلك لم أقفْ مع التعريفاتِ السابقةِ، إذ ما مِنْ تعريفٍ إلا ووَرَد عليه اعتراضٌ أو أكثر، وأُجيبَ عن الاعتراضِ؛ وليس المقامُ مقامَ عرضِها، كما ذكرتُ آنفًا. وأنبّه إلى أنَّ مقصدَ الأصوليينَ حين عرّفوا الاجتهادَ في المدونات الأصولية، هو الاجتهاد في الفروع (٣)؛ لذا يحسنُ اشتمال التعريفِ على قيدِ: فروعي أو عملي؛ لإخراجِ الأَحكامِ الشرعيةِ: الاعتقاديةِ، والأصوليةِ، على أن بعضَ الأصوليين أخرجَ الأحكامَ الاعتقاديةِ، والأصوليةِ بقيدِ: "حكم شرعي" على اعتبار أنَّ الحكمَ الشرعيَّ هو خطابُ الله المتعلقِ بفعلِ المكلفِ بالاقتضاءِ، أو التخييرِ، أو الوضعِ (٤). ويمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ السادسَ مِنْ أجودِ تعريفاتِ الاجتهادِ، وقد اشتملَ على قيدِ: "بطريقِ الاستنباطِ"، وهو قيدٌ مهمٌ - لم يُذكرْ في التعريفاتِ قبله - وفائدته: إخراجُ بذلِ الوسعِ في نيلِ الأحكامِ مِن النصوصِ الدالّةِ عليها صراحةً، أو بحفظِ المسائلِ مِنْ كتبِ الفقهِ (٥).

стр. 107

العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي: تظهرُ العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي والتعريفِ الاصطلاحي مِنْ جهةِ: أنَّ المجتهدَ يبذلُ طاقتَه ووسعَه؛ للتوصّلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، مع ما يصاحبُ هذا البذل مِنْ مشقةٍ. فالمعنيانِ المذكورانِ في التعريفِ اللغوي مناسبانِ للمعنى الاصطلاحي، إلا أن المعنى الاصطلاحي مخصوصٌ ببذلِ الطاقةِ مِن المجتهدِ للتوصلِ إلى حكمٍ شرعي عملي، فالعلاقةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ. العلاقة بين التمذهب والاجتهاد: بعدَ بيانِ معنى الاجتهادِ، أُبيّنُ العلاقةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ في ضوءِ الآتي: يجتمع التمذهب والاجتهاد في: أنَّ كلًّا منهما فيه بذلُ الوسعِ؛ لاستخراجِ حكمٍ شرعي عملي. ويبرز الفرق بين التمذهب والاجتهاد في الآتي: أولًا: ليس في الاجتهادِ التزامٌ لمذهبِ أحدٍ مِنْ المجتهدين، بخلافِ التمذهبِ، إذ مبناه على التزامِ مذهبِ مجتهدٍ معيّنٍ. ثانيًا: في الاجتهاد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن الأدلةِ، أمَّا في التمذهب، فقد تُؤخذُ أحكامُ الفروعِ مِن فروعِ المذهب أو مِنْ أصولِه، فالاجتهَادُ المذهبي اجتهادٌ مشوبٌ بالتقليدِ. ثالثًا: الاجتهادُ سابقٌ في الوجودِ على التمذهبِ؛ إذ التمذهبُ التزامُ مذهبِ مجتهدٍ، ولا يتصور التمذهبُ إلا بعدَ وجودِ المَجتهدِ. رابعًا: قد يكونُ بلوغ رتبةِ الاجتهادِ ثمرةَ التمذهبِ؛ إذ تَمَذْهب الشخصِ، وترقيه في سُلَّم العلمِ قد يوصله إلى رتبةِ الاجتهَادِ المطلقِ في الشريعةِ.

стр. 108

وإذا أردنا معرفة النسبة بين التمذهب والاجتهاد، نجد أنَّهما يجتمعان في: العالمِ الذي بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وينتسب إلى مذهبِ إمامٍ معيّنٍ. ومع كونِ التمذهبِ والاجتهادِ يلتقيانِ في الأمرِ الآنفِ الذّكرِ، إلا أنَّ هذا الالتقاءَ التقاءٌ اسمي فقط، ليس له أيُّ أثرٍ على آراء العالم؛ لأنَّ مَنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، ونَسَبَ نفسَه إلى مذهبٍ فقهي، فحقيقةُ أمرِه أنَّه مجتهدٌ. وينفرد التمذهب عن الاجتهاد في: المتمذهبِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ. وينفرد الاجتهاد عن التمذهب في: المجتهدِ الذي لا ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ. وفي ضوءِ ما سَبَقَ، يمكن القولُ بأنَّ النسبةَ بين التمذهبِ والاجتهادِ هي: المباينة. * * *

стр. 109

المطلب الثالث: العلاقة بين التمذهب والاتباع قبلَ توضيحِ العلاقةِ بين التمذهب والاتباعِ، سأعرضُ تعريفَ الاتّباع في اللغةِ ، والاصطلاحِ، ثم بعد ذلك أُبيّنُ العلاقةَ بين مصطلحي التمذهبِ والاتباعِ. تعريف الاتباع في اللغة: الاتِّباعُ: مصدر من الفعلِ اتبَعَ، يُقال: اتَّبَعَ يَتَّبعُ اتِّبَاعًا، وتَتَبَّعتُه اتِّباعًا، يقول سيبويه: "تَتبَّعته اتِّباعًا" (١)؛ لأنَّ تَتَبَّعتُ في معنى اتَّبَعتُ (٢). وتَبِعْتَ القومَ تَبَعًا، وتَبَاعةً - بالفتح - إذا مشيتَ خَلْفَهم، أو مرّوا بك، فمضيتَ معهم (٣). والاتِّباع كالتَّبَع (٤)، وتَابَعْتُه مُتَابَعَةً وتِبَاعًا (٥). ومعنى مادةِ: (تبع): التلو والقفو. يقول ابنُ فارسٍ: "التاءُ والباءُ والعينُ، أصلٌ واحدٌ، لا يشذُّ عنه مِن البابِ شيءٌ، وهو التّلو والقفو، يُقالُ: تَبِعتُ فلانًا، إذا تلوتُه واتَّبَعتُه، وأَتْبَعته، إذا لحقْتُه، والأصلُ واحدٌ" (٦).

стр. 110

ويُستعملُ التبعُ في الظلِّ، فيُقالُ له: تُبْعٌ؛ لأنَّه تابعٌ أبدًا للشخصِ (١). وتَتَبَّعتُ الشيءَ تتَبُّعًا، أيْ: تَطَلّبتُه متَتَبِّعًا له (٢). واستعمالُ الاتّباعِ موضع التّتبع استعمالٌ مجازي (٣). تعريف الاتباع في الاصطلاح: اختلفَ العلماءُ في تعريفِ الاتباعِ في الاصطلاحِ، ومردُّ ذلك إلى سؤالٍ، وهو: هل هناك فرقٌ بين الاتباعِ والتقليدِ؟ فمَنْ لم يُفَرِّقْ بينهما، عرِّف الاتباعَ بالتقليدِ. وقد سارَ على هذا الأمرِ كثيرٌ مِنْ الأصوليين. ويدلُّ عليه: إتيانُ كثيرٍ مِن العلماءِ بلفظةِ: (الاتباع) عند تعريفِهم للتقليدِ (٤). إضافةً: إلى عدمِ نصِّ كثيرٍ مِن الأصوليين على التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ. وممَّنْ سار على عدم التفرقة بينهما: القاضي أبو بكرٍ الباقلاني (٥)، وإمامُ الحرمين الجويني (٦)، وأبو بكرٍ السمرقندي (٧)،

стр. 111

والنسفيُّ (١)، واللامشيُّ (٢)، وهو ظاهرُ كلامِ تقي الدين بنِ تيمية (٣). وبناءً على عدمِ التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فإنَّ الناسَ عند هؤلاءِ: إمَّا مقلدون، وإمّا مجتهدون، ولا يُوجد بينهما واسطةٌ. فمَنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ في الشريعةِ، فهو مقلِّدٌ، لا فرقَ بين العالمِ الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، والعامي الصِرفِ، في انطباقِ وصفِ التقليدِ عليهما. ويرى آخرون التفريقَ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فالاتّباعُ هو: أخذُ قولِ المجتهدِ؛ مع معرفةِ دليلِ قولِه. والتقليد: أخذُ القولِ؛ لأنَّ فلانًا قاله، دونَ علمٍ ومعرفةٍ بدليلِ قولِه. وقد ذَهَبَ إلى التفريق بين الاتباعِ، والتقليدِ جمعٌ مِن العلماءِ، منهم: ابنُ خويز منداد (٤)،

стр. 112

وابنُ عبد البر (١)، وابنُ القيمِ (٢)، وابنُ أبي العزِّ الحنفي (٣)، والشوكاني (٤). وقد نَسَبَ ابنُ القيّمِ إلى الإمامِ أحمدَ أنَّه يفرِّق بين التقليدِ والاتباعِ (٥)؛ أخذًا مِنْ قولِ الإمامِ أحمدَ في روايةِ أبي داودَ: "الاتِّباعُ: أنْ يَتّبعَ الرجلُ ما جاء عن النبي ﷺ ، وعن أصحابِه، ثمَّ هو بعدُ في التابعين مخيّرٌ" (٦). واختارَ التفريقَ بين التقليدِ، والاتباعِ جمعٌ مِن المعاصرين، منهم: الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي (٧)، والدكتورُ محمد مدكور (٨)، والدكتورُ عياض السلمي (٩)، والدكتورُ جبريل ميغا (١٠)، والأستاذ محمد عيد

стр. 113

عباسي (١). يقولُ ابنُ خوير منداد: "التقليدُ معناه في الشرعِ: الرجوعُ إلى قولٍ لا حجةَ لقائلِه عليه، وهذا ممنوعٌ منه في الشريعةِ؛ والاتّباعُ: ما ثَبَتَ عليه حجةٌ" (٢). ويقولُ ابنُ عبدِ البر: "التقليدُ عند العلماءِ غيرُ الاتّباعِ؛ لأنَّ الاتباعَ هو تَتَبّعُ القائلِ على ما بان لك مِنْ فضلِ قولِه، وصحةِ مذهبِه" (٣). ويقول ابنُ أبي العزِّ الحنفي: "وإنْ قلَّده - أيْ: قلَّد إمامَه - فيما تبيّنَ له فيه مِن الدليلِ، موافق (٤) له، فليس ذلك بتقليدٍ له، بلْ يكونُ في ذلك متبِعًا للدليلِ، إلا أنْ ينويَ تقليدَ الإمامِ دونَ متابعةِ الدليلِ" (٥). وبناءً على التفريقِ بين الاتباعِ، والتقليدِ: فالنّاسُ: إمَّا مقلدون، وإمَّا متبعون، وإمَّا مجتهدون. وليس المقامُ هنا مقامَ استقصاءٍ للخلافِ في معنى الاتباعِ في الاصطلاحِ؛ إذ المسالةُ خارجة عمَّا نحنُ فيه، هذا مِنْ جهةٍ. ومِنْ جهةٍ أخرى: فالمسالةُ لا تَعْدُو أنْ تكونَ اصطلاحًا، ولا مشاحةَ في الاصطلاحِ، كما هو معلومٌ (٦). العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي: العلاقةُ بين التعريفِ اللغوي، والاصطلاحي للاتّباعِ: هي العمومُ

стр. 114

والخصوصُ المطلقُ؛ لأنَّ الاتّباعَ في الاصطلاحِ اقتفاءُ قولِ المجتهدِ؛ لقوّةِ دليلِه، ويدخلُ المعنى الاصطلاحي للاتّباع في المعنى اللغوي؛ لوجود الاقتفاءِ والتّتبعِ. العلاقة بين التمذهب والاتباع: سَبَقَ قبلَ قليلٍ أنْ أوضحتُ اختلافَ العلماءِ في التفريقِ بين الاتباعِ والتقليدِ، وسأسيرُ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والاتباعِ في ضوءِ الاتجاهِ المفرِّقِ بين الاتباعِ والتقليدِ؛ لأنَّ مَنْ لا يرى التفرَيقَ بينهما يجعلُ الفرقَ بين التمذهبِ والاتباعِ هو الفرق نفسه بين التمذهب والتقليدِ، وقد تقدّمَ الكلامُ عنه. يجتمعُ التمذهبُ والاتباعُ في الآتي: أولًا: كل مِن التمذهبِ والاتباعِ أخذٌ لقولِ مجتهدٍ. ثانيًا: عدمُ تحقّقِ وصفِ التمذهب والاتباعِ في العامي؛ لأنَّ التمذهبَ لا يصحُّ منه، ولأنَّ الاتباع إنَّما يكونُ لمنْ لديه أهليةٌ لفهمِ الدليلِ (١)، والعاميّ لا يتحققُ منه - في الجملة - الفهمُ الإجمالي للدليلِ. ويفترقُ التمذهبُ والاتباعُ في الآتي: أولًا: التمذهبُ أخذُ أقوالِ مجتهدٍ معيّنٍ، أمَّا الاتباعُ، فالأخذُ قد يكونُ عن مجتهدٍ واحدٍ، وقد يكونُ عن أكثرِ مِنْ مجتهدٍ، بشرطِ معرفةِ دليلِ قولِه. ثانيًا: محلُّ الاتّباعِ في الغالب المسائلُ المنصوصُ على حكمِها في الكتابِ والسُّنةِ (٢)، سواءٌ أكانت قطَعيةً أم ظنيةً، أمّا التمذهبُ، فيشملُ المسائلَ المنصوصةَ في الكتاب والسنةِ التي لا يُقطعُ بحكمِها، وغيرَها مِن الأصولِ والفروعِ والقواعدِ والضَوابطِ.

стр. 115

ثالثًا: قد يكونُ التمذهبُ أخذًا لقولِ إمامِ المذهبِ دونَ معرفةٍ بدليلِه، أمَّا في الاتّباعِ، فلا بُدَّ مِنْ معرفةِ الدليلِ، ولا يصدق الاتّباعُ على حالِ الجهلِ به. وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والاتباعِ، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في الآتي: الأول: الشخصُ غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، حينَ يأخذُ بقولِ إمامِه، مع معرفتِه بدليلِه، فيوصفُ فعلُه حينئذٍ بالتمذهبِ وبالاتباعِ. الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيّنٍ، حينَ يأخذُ بقولِ إمامِ مذهبِه، مع معرفتِه بدليلِ قولِه. وينفردُ التمذهبُ عن الاتباعِ في الآتي: الأول: غيرُ العامي الذي لم يبلغْ رتبةَ الاجتهادِ، إذا أخَذَ بقولِ إمامِه، دونَ معرفةِ دليلِه. الثاني: المجتهدُ المنتسبُ إلى مذهب معيّن، حين يأخذُ بقولِ إمامِه دونَ معرفةِ دليلِه. وينفردُ الاتباعُ عن التمذهبِ في: غيرِ العامي الذي لا ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، إذا أَخَذَ قولَ مجتهدٍ، مع معرفةِ دليلِه. ونخلصُ مِنْ هذا إلى أنَّ العلاقةَ بين التمذهبِ، والاتباعِ هي العمومُ والخصوصُ الوجهي. * * *

стр. 116

المطلب الرابع: العلاقة بين التمذهب والتأسي قبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والتأسي، أُبيّنُ المعنى اللغوى، والاصطلاحي للتأسي، ثمَّ بعدَ ذلك أنتقلُ إلى بيانِ العلاقةِ بين المصطلحينِ. تعريف التأسي في اللغة: التَّأَسّي: مصدرٌ مِنْ الفعلِ: تأسَّى، يُقال: تَأَسَّى يَتَأَسَّى تَأَسِّيًا (١)؛ بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ فيما كانَ على وزنِ: (تَفَعَّلَ) فمصدرُه: (تَفَعّل) (٢). ويجعلُ بعضُ أهلِ اللغةِ أصلَ كلمةِ التَأَسّي مِنْ (أسو) (٣)، في حينِ أنَّ بعضَ اللغويينَ يجعلُ أصلَها (أسي) (٤). ولمادةِ (أسو) معانٍ، منها: المعنى الأول: المداوةُ والإصلاحُ. يقولُ ابنُ فارسٍ: "الهمزةُ والسينُ والواوُ، أصلٌ واحدٌ، يدلُّ على المداوةِ والإصلاحِ" (٥). يُقالُ: أَسَا الجُرحَ، أَسْوًا، وأَسًا، إذا داواه (٦)

стр. 117

والآسي: الطبيبُ (١)، والأَسو - كعَدّو -: الدواءُ (٢). وأَسَوْتُ بين القومِ، إذا أصلحتُ بينهم (٣). المعنى الثاني: القدوةُ. فالإسوةُ، والأُسوةُ: القدوةُ (٤). يُقالُ: ائْتَسى به، أيْ: اقتدى، وائتسِ به، أيْ: اقتدِ به وكنْ مثلَه، ولا تَأْتَسِ بمَنْ ليس لك بأسوةٍ، أيْ: لا تقتدِ بمَنْ ليس لك بقدوةٍ (٥)، ولي في فلانِ إسوةٌ، وأُسوةٌ، أيْ: قدوةٌ وائتمامٌ (٦). ومِنْ هذا المعنى قولُهم: أَسّيتُ فلانًا تَاسِيةً، إذا عزّيْتُه (٧). يقولُ ابنُ فارسٍ: "أَسّيتُ فلانًا، إذا عزّيتُه، مِنْ هذا - أيْ: القدوة - أيْ قلتُ له: ليكنْ لك بفلانٍ أسوةٌ، فقد أُصيبَ بمثلِ ما أُصبتَ به، فرضي وسلّمَ" (٨). ولمادة: (أسي) معنى واحدٌ، وهو: الحزن (٩). يُقالُ: أَسِي على مصيبتِه، يَأْسَى أَسًا، أيْ: حَزِنَ، وقد أَسَيْتُ لفلانٍ، أيْ: حزنتُ له (١٠). والإسوة، والأُسوة: ما يأتسي به الحزينُ، وتُجْمَعُ على إسًا، وأُسًا (١١).

стр. 118

تعريف التأسي في الاصطلاح: قبلَ إيرادِ المعنى الاصطلاحي للتأسي، أُبَيّنُ أن مصطلحَ (التأسي) قد ارتبطَ بأفعالِ النبي ﷺ . ولقد اهتمَّ الأصوليون ببيانِ أقسامِ أفعالِ النبي ﷺ ، وبيانِ حكمِ كلِّ قسمٍ، على وجهِ التفصيلِ، فهناك: الفعل الجبليُّ، والفعل البيانيُّ، والفعلُ المختصُّ به ﷺ ، والفعلُ المبتدأُ، أو المجرّد الذي لا يدخلُ تحتَ الأقسامِ السابقةِ (١). ومحلُّ ورودِ مصطلحِ (التأسي) في الفعلِ المبتدأِ. يقولُ الشيخ محمد الطاهرُ بنُ عاشورٍ (٢): "اصطلاحُ أهلِ الأصولِ على جعلِ التأسي لقبًا لاتباعِ الرسولِ ﷺ في أعمالِه التي لم يطالبْ بها الأمةَ على وجهِ التشريعِ" (٣). وإليك تعريف التأسي في اصطلاح الأصوليين: التعريفُ الأولُ: التأسي في الفعلِ: أنْ تفعلَ صورةَ ما فَعَلَ النبيُّ ﷺ على الوجهِ الذي فَعَلَ، لأجلِ أنَّه فَعَل؛ وفي الترك: أنْ تتركَ ما تَرَكَ النبيُّ ﷺ على الوجهِ الذي تَرَكَ، لأجلِ أنَّه تَرَكَ.

стр. 119

وهذا تعريفُ أبي الحسين البصري (١). وتَبعَ أبا الحسينِ البصري جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (٢)، وأبو حامدٍ الغزالي (٣)، وأبو الخطابِ (٤)، والأسمندي (٥)، والآمدي (٦)، وأبو عبدِ الله الأصبهاني (٧). التعريف الثاني: التأسي في الفعلِ: أنْ تفعلَ ما فَعَلَ النبيُّ ﷺ ، لأجلِ أنّه فَعَلَ، وفي التركِ: أنْ تَتْرُكَ ما تَرَكَ، لأجلِ أنَّه تَرَكَ. وهذا تعريفُ ابنِ مفلحٍ (٨)، والمرداوي (٩)، وابنِ النجار (١٠)، وغيرِهم.

стр. 120

والتعريفُ الثاني مستفادٌ مِن التعريفِ الأولِ، إلا أنَّه حَذَفَ قيدينِ، وهما: "على الوجهِ الذي فَعَلَ"، و"على الوجهِ الذي تَرَكَ". فالتأسي يتحققُ بمجرّدِ موافقةِ الفعلِ، لأجلِ أنَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَ، دونَ اعتبارٍ لغرضِ الفعلِ، وكذلك الترك. واختارَ أبو شامةَ المقدسيُّ (١) عدمَ اشتراطِ الموافقةِ في النيةِ لتحقيقِ معنى التأسي (٢). العلاقة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي: مِنْ خلالِ تأمّلِ التعريفينِ الاصطلاحيين السابقينِ للتأسي، يظهرُ أنَّ المعنى اللغويَّ المناسبَ للمعنى الاصطلاحي هو المعنى الثاني لمادةِ: (أسو)، وهو: الاقتداء، والعلاقةُ بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي ظاهرةٌ؛ فالتأسي الاصطلاحي اقتداءٌ، لكنَّه مختصٌ بالنبيِّ ﷺ ، فكلُّ تأسٍ مصطلحٍ عليه داخلٌ تحت معنى الاقتداءِ اللغوي، دونَ العكس. وبناءً على ما تقدمَ، فالعلاقةُ بين المعنى اللغوي، والاصطلاحي هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ. العلاقة بين التمذهب والتأسي: بعد أنْ بيّنتُ المعنى اللغويَّ والاصطلاحيَّ للتأسي، أستطيع بعده أنْ

стр. 121

أُبيَّنَ العلاقةَ بين التمذهبِ والتأسي في ضوء الآتي: يجتمع التمذهبُ والتأسي في: أنَّ كلًّا منهما اقتفاءٌ لشخصٍ محددٍ، دونَ مَنْ عداه. ويفترقُ التمذهبُ والتأسي في الآتي: أولًا: التمذهبُ التزامُ مذهبِ مجتهدٍ، أمَّا التأسي، فهو متابعةٌ للنبي ﷺ فحسب. ثانيًا: أن التمذهبَ أخذُ أقوالِ إمامِ المذهب وأفعالِه وإقرارِه - على خلافِ في الأخيرين - أمَّا التأسي، فمحلُه الفعلُ الصادر من النبي ﷺ والترك. ثالثًا: يصحُّ التأسي مِن العامي، أمَّا التمذهب فلا يصحُّ مِن العامي على خلاف في ذلك، كما سيأتي الحديثُ عنه في مسألةٍ مستقلةٍ. تلك هي أبرزُ الفروقات التي ظهرت لي مِنْ تأمّلِ مدلولِ مصطلحي: التمذهب، والتأسي. وإذا أردنا معرفةَ النسبةَ بين التمذهب، والتأسي، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في: المتمذهبِ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النَّبي ﷺ ، لأجلِ أنّه فَعَلَ، أو يتركُ لأجلِ تركِ النبيَ ﷺ . وينفرد التمذهب عن التأسي في: المتمذهب الذي يفعلُ أمرًا - أو يتركُ أمرًا - بناءً على قولِ إمامِه، دونَ اقتداءٍ بالنبي ﷺ . وينفرد التأسي عن التمذهب في الآتي: الأول: المجتهد غير المنتسبِ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النبي ﷺ ، لأجلِ أنَّه فَعَلَ، أو يتركُ لأجلِ تركِ النبي ﷺ . الثاني: العاميّ الذي يفعلُ مثلَ فعلِ النبي ﷺ ، لأجلِ أنَّه فَعَلَ، أو يترك لأجلِ تركِ النبي ﷺ . وبناءً على ما تقدّمَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتأسي هي: العمومُ والخصوصُ الوجهي.

стр. 122

المطلب الخامس: العلاقة بين التمذهب والتعصب قبلَ الدخولِ في بيانِ العلاقةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، أُمهدُ لذلك ببيانِ المعنى اللغوي، والاصطلاحي للتعصبِ. تعريف التعصب في اللغة: التَّعَصُّبُ: مصدرٌ مِن الفعل تَعَصَّبَ، يُقالُ: تَعَصَّبَ يَتَعَصَّبُ تَعَصُّبًا، بناءً على القاعدةِ الصرفيةِ، فيما كان على وزنِ: (تَفَعَّل)، فمصدرُه: (تَفَعُّل) (١). والتعصُّبُ مأخوذٌ مِن العصبيةِ (٢)، والعصبيةُ: أنْ يدعوَ الرجلُ إلى نصرةِ عصبتِه، والتّألبِ معهم على مَنْ يناويهم، ظالمين أو مظلومين (٣). فالعصبيةُ والتعصّب معناهما: المحاماة والمدافعة (٤). والعَصَبيُّ: الذي يغضبُ لعصبتِه، ويحامي عنهم (٥). يقول ابنُ فارسٍ: "العين والصاد والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، يدل على ربط شيءٍ بشيءٍ، مستطيلًا أو مستديرًا" (٦).

стр. 123

ومن هذا المعنى: العَصَبُ (١). يُقالُ: لحمٌ عصيبٌ، أيْ: صُلْبٌ مكتنزٌ كثيرُ العَصَبِ، وفلانٌ معصوبُ الخَلْقِ، أيْ: شديد اكتنازِ اللحمِ (٢). والعَصْبُ: الطي الشديدُ (٣). والمُعَصَّبُ: الفقيرُ، والمحتاجُ (٤). يقولُ أبو عبيدٍ (٥): "المُعَصَّبُ: الذي يتعصبُ مِن الجوعِ بالخرقِ" (٦). والعِصَابةُ: الشيءُ يُعصبُ به الرأسُ (٧). والعَصّابُ: الغزّال (٨)، يقولُ ابنُ فارسٍ: "وهو القياسُ؛ لأنَّ الخيطَ يُعْصَبُ به" (٩). والعُصْبةُ مِن الرجالِ: عشرةٌ إلى أربعين؛ وسُمّيتْ عصبة؛ لأنَّها قد عُصِبتْ، أيْ: كأنَّها رُبِطَ بعضُها ببعضٍ (١٠). تعريف التعصب في الاصطلاح: محلُّ حديثي في هذا المبحثِ عن التعصبِ المذهبي، لا عن مطلقِ التعصبِ للآراءِ أو الفِرَقِ.

стр. 124

لقد كثرَ ورودُ لفظِ: (التعصب) عند العلماءِ بمختلفِ مذاهبِهم وفنونِهم، ومع كثرةِ ورودِه لم يهتم كثيرٌ مِن العلماءِ - فيما رجعتُ إليهِ منْ مصادر - بتعريف التعصب بحدٍّ معين؛ ولعل ذلك عائدٌ إلى ظهورِ معناه عندهم. وقد عرَّف بعضُ العلماء مصطلحَ: (التعصب)، فمن هذه التعريفات: التعريف الأول: عدمُ قبولِ الحقِّ عند ظهور الدليل، بناء على ميلٍ إلى جانب. وهذا تعريف سعد الدين التفتازاني (١)، وابن أمير الحاج (٢)، وأمير باد شا (٣). واختاره بعضُ الحنفيةِ (٤)، وبعضُ المعاصرين (٥). التعريف الثاني: الميلُ مع الهوى؛ لأجلِ نصرةِ المذهبِ، ومعاملة الإمامِ الآخر، أو مقلِّديه بما يغُضُّ منهم.

стр. 125

وهذا تعريفُ الشيخِ محمد بن المُلّا فرّوخ (١)، وتبعه بعض المعاصرين (٢). التعريف الثالث: أنْ تجعل ما يصدرُ عن إمامِ المذهب مِن الرأي، ويروي لك مِنْ الاجتهادِ، حجة عليك، وعلى سائرِ العبادِ. وهذا تعريفُ الإمامِ محمدٍ الشوكاني (٣). التعريف الرابع: الدفاعُ عن المذهبِ، والمحاماةُ عنه، سواء أكانَ على خطإٍ، أم على صوابٍ، مع اعتقادِ فسادِ غيرِه مِن المذاهبِ. وهذا تعريفُ الباحثِ محمدٍ المامي (٤). وقد يُشكلُ على التعريفِ الرابعِ أن الدفاعَ عن المذهب إذا كان صوابًا لا يتطرقُ إليه ذمٌّ، إذا لم يتضمّن الحطَّ مِنْ قدرِ المذاهبِ الأخرى، والطعنَ فيها. ومهما يكنْ مِنْ أمرٍ: فإنَّ التعريفاتِ السابقةَ لمصطلحِ: (التعصب)، واستعمالاتِ العلماءِ له تدل على أنَّ التعصبَ: دفاعٌ عن المذهبِ، مع هوىً - أيْ: أن المتمذهبَ سيدافعُ عن مذهبِه، بغضِّ النظرِ أكانَ الصَوابُ معه، أم لا - واعتقاد خطأ كل ما خالفَ المذهبَ؛ لمجرَّدِ المخالفةِ، دونَ اعتبارٍ للنظرِ في الأدلةِ، مع ما يَتْبَعُ ذلك مِنْ رَدِّ الصوابِ، وعدم قبوله،

стр. 126

والاستمرارِ على القولِ المرجوحِ، والاعتداءِ على المخالفين، والحطِّ مِنْ قدرِهم، ثمَّ الوقوع في التفرّقِ. العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي: تقدّمَ لنا أنَّ مِنْ معاني التعصبِ في اللغةِ: المحاماةَ والمدافعةَ، وهذا المعنى مناسبٌ للمعنى الاصطلاحي، إلا أنَّ المعنى الاصطلاحيَّ أخصُّ؛ لأنَّ المحاماةَ والمدافعةَ مِنْ أَتْبَاعِ المذهبِ عن مذهبِهم، فالعلاقةُ بينهما هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ. وللتعصبِ صورٌ متعددةٌ، سيأتي الحديثُ عنها - إنْ شاءَ الله - في مبحثٍ مستقلٍّ في البابِ الثاني، وقد حذَّر جمعٌ مِن العلماءِ مِنْ داءِ التعصبِ المذهبي، ولنستمعْ إلى قولِ تقيِّ الدين بنِ تيميةَ: "وبلادُ المشرقِ مِنْ أسبابِ تسليطِ الله التترَ عليها: كثرةُ التفرقِ والفتنِ بينهم في المذاهبِ وغيرِها، حتى تجد المنتسبَ إلى الشافعي يتعصبُ لمذهبِه على مذهبِ أبي حنيفةَ حتى يخرج عن الدّينِ، والمنتسبَ إلى أبي حنيفةَ يتعصبُ لمذهبِه على مذهبِ الشافعي وغيره حتى يخرج عن الدّينِ، والمنتسبَ إلى مالكٍ يتعصبُ لمذهبِه على هذا وهذا. وكلُّ هذا مِن التفرقِ والاختلافِ الذي نهى اللهُ ورسولُه عنه" (١). العلاقة بين التمذهب والتعصب: مِنْ خلالِ تأمّلِ حقيقةِ كلٍّ مِن التمذهبِ والتعصبِ، نجد أنَّهما يجتمعانِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لمذهبِ إمامٍ معيَّنٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ. ويفترقُ التمذهبُ والتعصبُ في الآتي: أولًا: التمذهبُ أسبقُ وجودًا مِنْ التعصب المذهبي؛ إذ الذي ولّد

стр. 127

التعصبَ المذهبي هو التمذهب، فالتعصبُ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ؛ لأنَّ ممارسةَ المتمذهبين في بعضِ العصورِ هي التي أَظهرت التعصَّبَ المذهبيَّ. يقولُ أبو إسحاقَ الشاطبي: "اعتيادُ الاستدلالِ لمذهبٍ واحدٍ رُبّما يكسبُ الطالبَ نفورًا وإنكارًا لمذهبِ غيرِ مذهبِه" (١). ثانيًا: ليس في التمذهب إعراضٌ عن الأدلةِ أو هدمٌ لها، متى ما أُحِسنَ تطبيقُه، بخلافِ التعصّبِ، فإنَّه هادمٌ للدليل؛ فتَجِدُ المتعصبَ يقفُ موقفَ الهادمِ لدليلِ المخالفِ لَمذهبه؛ لمجرَّد المخالفة، أو يقفُ موقفَ الرادِّ للدليلِ. فردُّ الدليلِ المخالفِ للمذهبِ، أو تأويله تأويلًا بعيدًا؛ لمجرّدِ مخالفتِه للمذهبِ مِن التعصبِ، وليس مِنْ حقيقةِ التمذهبِ. ثالثًا: يؤديْ التعصبُ إلى تفريقِ المسلمينَ، وإحداثِ النزاع والشقاقِ بينهم، أمّا التمذهبُ، فليس كذلك. رابعًا: قد يكونُ البقاءُ على المذهبِ؛ لأجلِ قوةِ الدليلِ أو لمكانةِ الإمامِ أو لعدم الاطلاع على ما لدى المذاهبِ الأخرى، وقد يكونُ لهوى المتمذهب؛ أمَّا في التعصبِ فنُصْرةُ المذهبِ والبقاءُ عليه؛ للهوى، دونَ اعتبارٍ للدلَيلِ. يقولُ ابنُ القيّمِ: "أمّا المتعصبون، فإنَّهم عكسوا القضيةَ، ونظروا في السنةِ: فما وافق أقوالَهم منها قَبلُوه، وما خالفها تحيّلوا في ردِّه أو ردّ دلالته ... " (٢). وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والتعصبِ، نَجِدُ أنَّهما يصدقانِ على المتمذهبِ الذي يتعصبُ لمذهبِه ولأقوالِ إمامِه.

стр. 128

وينفرد التمذهبُ عن التعصبِ في الآتي: الأول: المجتهدُ الذي ينتسبُ إلى مذهبٍ معيّنٍ، دونَ تعصبٍ لرأي إمامِه. الثاني: المتمذهبُ الذي يخرجُ عن رأي إمامِه؛ لمخالفتِه الدليل. الثالث: المتمذهبُ الذي يأخذُ برأي إمامِه، دونَ أنْ يظهرَ عليه أثرٌ مِنْ آثارِ العصبيةِ لمذهبِه. وكل المتعصبين لمذاهبِهم هم متمذهبون، فالتعصبُ تمذهبٌ وزيادةٌ، وهذه الزيادة ليستْ مِنْ حقيقةِ التمذهبِ (١). وبناءً على ما سَبَقَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والتعصبِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ. * * *

стр. 129

المطلب السادس: العلاقة بين التمذهب والخلاف قبلَ البدءِ بذكرِ العلاقةِ بين التمذهبِ، والخلافِ أُبيّنُ المعنى اللغويَّ، والاصطلاحيَّ للخلافِ، ثم أنتقلُ بعد ذلك إلى بيانِ العلاقةِ بين المصطلحين. تعريفُ الخلاف في اللغة: الخِلافُ: اسمُ مصدرٍ مِن الفعلِ خَالَفَ، يُقال: خَالَفَ يُخَالِفُ مُخَالَفَةً، وخِلافًا (١). ولمادة: (خلف) معانٍ في اللغةِ، منها: المعنى الأول: أنْ يجيءَ شيءٌ بعد شيءٍ يقومُ مقامه (٢). ومِنْ هذا المعنى: الخلافةُ؛ لأن الثاني يجيءُ بعد الأولِ، قائمًا مقامه (٣)، تقولُ: هو خَلَفُ صدقٍ مِنْ أبيه، وخلْفُ سوءٍ من أبيه (٤).

стр. 130

المعنى الثاني: خلافُ قدام (١). ومن هذا المعنى: قولُهم: هذا خَلْفي (٢)، وهذا المعنى مشهور (٣). المعنى الثالث: التغيّرُ (٤). ومِنْ هذا المعنى: قولُهم: خَلَف فُوه، أيْ: تَغَيَّرَ (٥)، ومنه - أيضًا - قول النبي ﷺ : (لخلوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عندَ الله تعالى مِنْ ريحِ المسكِ) (٦). وتقولُ: خَلَفَ الرجلُ عن خُلُقِ أبيه، إذا تَغَيَّرَ (٧). ومعنى الخلافِ: المضادةُ (٨)، والمخالفةُ: ضدّ الاتفاق (٩). قال الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (١٠) أي: مخالفة رسولِ الله (١١). ويُقالُ: خَالَفْتُه، وتخالفَ القومُ، واختلفوا، إذا ذَهَبَ كل واحدٍ إلى خلافِ ما ذَهَبَ إليه الآخرُ (١٢).

стр. 131

يقولُ ابنُ فارسٍ: "أمَّا قولُهم: اختلفَ الناسُ في كذا، والناسُ خلْفَة، أيْ: مختلفون، فمِنْ المعنى الأول؛ لأنَّ كل واحدٍ منهم يُنَحّي قولَ صاحبِه، ويقيم نفسَه مقامَ الذي نحاه" (١). تعريف الخلاف في الاصطلاح: تعددتْ تعريفاتُ العلماءِ لعلمِ الخلافِ، ومن تلك التعريفات: التعريف الأول: الجدلُ الواقعُ بين أصحابِ المذاهبِ الفرعيةِ. وهذا تعريفُ طاش كبري زاده (٢). وقريبٌ منه تعريفُ سعدِ الدين التفتازاني، إذ عرّفه بـ: علمِ الاختلافِ الواقعِ بين المجتهدين (٣). ويتميّزُ تعريفُ التفتازاني بأنَّه لم يقصر الخلافَ على الخلافِ في الفروعِ، بلْ عرَّفه بما يشملُ بعمومِه الاختلافَ في الأصولِ. التعريف الثاني: علمٌ يُعْرَفُ به كيفيةُ إيرادِ الحججِ الشرعيةِ، ودفعِ الشبهِ، وقوادح الأدلة الخلافية، بإيرادِ البراهين القطعيةِ. وهذا تعريفُ حاجِّ خليفة (٤)،

стр. 132

ومرتضى الزَّبِيْدِي (١)، وصديق القنوجي (٢)، وعبدِ القادر بن بدران (٣)، ومحمد حسنين مخلوف (٤).

стр. 133

يقولُ حاجّ خليفة بعد التعريفِ: "وهو الجدلُ الذي هو قسمٌ مِن المنطقِ، إلا أنَّه خُصَّ بالمقاصدِ الدينيةِ" (١). التعريف الثالث: علمٌ باحثٌ عن وجوهِ الاستنباطاتِ المختلفةِ مِن الأدلةِ الإجماليةِ، أو التفصيلةِ، الذاهب إلى كل منها طائفةٌ مِن العلماءِ. نقل هذا التعريفَ الشيخُ صديقٌ القنوجي في كتابِه: (أبجد العلوم) (٢). وبتأمّلِ التعريفاتِ السابقةِ، وبالنظر إلى واقع الكتب المؤلفة في الخلاف (٣) أجدُ أنَّ أقربَها هو التعريف الأول، لكنْ دونَ قصرِه على الخلافِ في الفروعِ، بلْ توسيعُ دائرةِ التعريفِ؛ ليشملَ الخلافَ الواقعَ بين الأئمةِ في الأصولِ، والفروعِ. العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي: تقدمَ لنا أنَّ مِن معانى الخلافِ في اللغةِ: المضادةَ وعدمَ الاتفاقِ، وهذا المعنى متحققٌ في المعنى الاصطلاحي للخلافِ، إلا أنَّه مقصورٌ على الخلافِ الواقعِ بين المجتهدين، والقائم به أتباعُهم. وإذا كان الخلافُ بالمعنى المتقدمِ، فإنَّ الخلافيَّ سيتبعُ المنهجَ الآتي: أولًا: تقريرُ مذهبِ إمامِه في المسألةِ الخلافيةِ. ثانيًا: ذكرُ المخالفِ - أو المخالفين - لإمامِه.

стр. 134

ثالثًا: الاستدلالُ لقولِ إمامِه بالأدلةِ الشرعيةِ، وبيانُ ما وَرَدَ عليها من اعتراضات، والإجابةُ عنها. رابعًا: ذكرُ أدلةِ المخالفين، والإجابةُ عنها (١). فائدة علم الخلاف: لعلمِ الخلافِ فائدةٌ، وهي: دفعُ الشكوكِ التي تَرِدُ على المذهبِ، وتأييدُه بإيرادِ الحججِ والأدلةِ، وبيانُ القواعدِ والأصولِ التي اعْتُمِدَتْ في المذهبِ في الاجتهادِ والاستنباطِ، وتضعيفُ المذهبِ المخالفِ (٢). يقولُ ابنُ خَلْدون (٣) متحدثًا عن نشأةِ الخلافِ: "فاعْلمْ أنَّ هذا الفقهَ المستنبطَ مِن الأدلةِ الشرعيةِ كَثُر فيه الخلافُ بين المجتهدين؛ باختلافِ مداركِهم، واتَّسع ذلك في الملّةِ، ثمَّ انتهى ذلك إلى الأئمةِ الأربعةِ، واقتصرَ الناسُ على تقليدِهم، وجرى الخلافُ بين المتمسكينَ بها، والآخذين بأحكامِها مجرى الخلافِ في النصوصِ الشرعيةِ.

стр. 135

وجرتْ بينهم المناظراتُ ... وأجْرِيتْ في سائر أبوابِ الفقهِ، وكان في هذه المناظرات: بيانُ مأخذِ هؤلاءِ الأئمةِ، ومثاراتُ اختلافِهم، ومواقعُ اجتهادِهم" (١). ويقولُ الدكتورُ محمد الزحيلي: "ثمَّ تجددَ الخلافُ بين أتباعِ الأئمةِ والمذاهبِ ... واندفعَ العلماءُ في كل مذهبٍ يؤيدون أقوالَ إمامِهم، ويستدلونَ لها، ويدعّمونَ مذهبَه بالأدلةِ والحججِ والبراهين، وينافحون عن المذهب وإمامِ المذهب، ويُدلّلون على منهجِه في الاجتهاد، وقواعدِه في الاستنباطَ" (٢). العلاقة بين التمذهب والخلاف: بعد أنْ كشفتُ عن المعنى اللغوي والاصطلاحي للخلافِ، أُبين العلاقةَ بين التمذهبِ والخلافِ الواقعِ بين أتباعِ المذاهبِ، فأقول: يجتمعُ التمذهبُ والخلافُ في: أنَّ كلًّا منهما أخذُ أقوالِ إمامِ مذهبٍ معيَّنٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ. ويفترق التمذهبُ عن الخلافِ في الآتي: أولًا: التمذهبُ سابقٌ في الوجودِ على الخلافِ الواقعِ بين أربابِ المذاهب الفقهيةِ؛ إذ الخلافُ الواقعُ بين أرباب المذاهبِ الفقهيةِ أثرٌ مِنْ آثارِ التمَذهبِ، وتقدمَ لنا قبلَ قليلٍ كلامُ ابنِ خَلدَون. ثانيًا: لا بُدَّ في الخلافِ مِنْ معرفةِ أدلةِ المذهبِ، وأقوالِ المخالفين، وأدلتِهم والجوابِ عنها، وهذا القدرُ غيرُ مشترطٍ في التمذهبِ. وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والخلاف، نجدُ أنَّهما يجتمعان في: المتمذهبِ الخلافي، فالشخصُ الذي يلتزمُ مذهبًا معيّنًا، ويستدلُّ لقولِ

стр. 136

إمامِه، ويَذُبُّ عنه، ويعرفُ الأقوالَ المخالفةَ لمذهبِه، وأدلتها، والإجابةَ عنها، يصدق عليه وصفُ التمذهبِ ووصف الخلافِ. وينفرد التمذهبُ عن الخلافِ في: الشخصِ المتمذهبِ الذي لا يستدلُّ لقولِ إمامِه بالحججِ، ولا يُضَعّفُ القولَ المخالفَ لمذهبِه. وبناءً على ما تقدّمَ، فالنسبةُ بين التمذهبِ والخلافِ هي العمومُ والخصوصُ المطلقُ. * * *

стр. 137

المطلب السابع: العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب لقد حَفِلَتْ كتبٌ متعددةٌ مؤلَّفةٌ في المذاهبِ الفقهيةِ المختلفةِ بعنوان: (الانتصار للمذهب)، فما العلاقةُ بين مصطلَحِ (الانتصار للمذهب)، والتمذهب؟ لا بُدَّ أولًا مِنْ بيانِ التعريفِ اللغوي، والاصطلاحي للانتصار للمذهب، ثمُّ بعد ذلك أُبيّن العلاقةَ بينه، وبين التمذهبِ. تعريف الانتصار في اللغة: الانتصارُ: مصدرٌ مِن الفعلِ: انْتَصرَ (١)، يُقالُ: انْتَصرَ يَنْتَصِرُ انْتِصَارًا. والانتصار عائد إلى مادة: (نصر)، ولهذه المادةِ عدّةُ معانٍ في اللغةِ، منها: المعنى الأول: الإتيانُ، أو إتيانُ خيرٍ (٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: "النونُ والصادُ والراءُ، أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على إتيانِ خيرٍ" (٣). يُقالُ: نَصَرَ اللهُ المسلمين، أيْ: آتاهم الظَفَرَ على عدوِّهم (٤)، ونَصرْتُ بلدَ كذا، إذا أتيتُه (٥).

стр. 138

المعنى الثاني: العطاء، والإيتاء (١). ومن هذا المعنى: النصائر، وهي: العطايا (٢). ومنه: قولُ الشاعر (٣): إنِّي وأسطارٍ سُطِرْن سطرًا ... لقائلٌ يا نصرُ نَصْرًا نَصْرا المعنى الثالث: العون (٤). يقالُ: نَصَرَه اللهُ على عدوِّه، أيْ: أعانه (٥)، ونَصَرَ الغيثُ البلدَ، إذا أعانه على الخصب (٦). ومِنْ هذا المعنى: قولُه تعالى: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (٧)، وقول النَّبي ﷺ : (أنصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا) (٨).

стр. 139

وهذا المعنى قريبٌ من المعنى الأولِ. يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ (١): "النصرُ: عونُ المظلومِ" (٢). المعنى الرابع: الانتقام (٣). يُقالُ: انْتَصَرَ الرجلُ، إذا امتنعَ عن ظالِمه (٤). يقولُ أبو منصورٍ الأزهريُّ: "ويكونُ الانتصارُ مِن الظالمِ: الانتصاف والانتقام منه" (٥). وجعلَ ابنُ فارسٍ المعنى الرابع مِن المعنى الأول، ولم يُبيّنْ وجهَ ذلك (٦). وجَعَلَ الراغبُ الأصبهاني (٧) الانتصارَ بمعنى طلبِ النصرة، وهي:

стр. 140

العونُ (١). ومنه: قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (٣). تعريف الانتصار للمذهب في الاصطلاح: وَرَدَ لفظُ: (الانتصار)، أو (الانتصار للمذهب)، أو (نصرة المذهب) في تضاعيف مؤلفاتِ العلماءِ في وقتٍ مبكرٍ، يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ): "ثمَّ خَالفَ جميعُ متأخريهم - أي: متأخري الحنفية، فقالوا: بعدمِ مشروعيةِ التحبيسِ - هذا الإجماعَ، وخرقوه، وابتدعوا ضلالةً لم يسبقْهم إليها أحدٌ قبلَهم، فصاروا فرقتين ... الأخرى جعلتْ شغلها في دينِها البحثَ عمَّا ينصرون به أقوالَ أبي حنيفةَ" (٤). ويقولُ أبو الوفاء بنُ عقيلٍ (ت: ٥١٣ هـ): "فصل: في نصرةِ كلامِه - أي: الإمام الشافعي في تفسيره للبيان - والردِّ على مَن اعترضه" (٥). ويقولُ الطوفي (ت: ٧١٦ هـ): "وأدلةُ الفورِ والتراخي مِن الطرفين متقاربةٌ في القوة، ولكلٍّ منها اتجاه، فإنْ جازَ لنا نصرةُ المذهبِ الظاهرِ - وهو الفور - أجبنا عن أدلةِ أصحابِ التراخي" (٦). ويظهرُ أنَّ المرادَ بنصرةِ القولِ في كلامِ العلماءِ آنفِ الذِّكرِ هو

стр. 141

الاستدلالُ للمذهبِ، والردُّ على أدلةِ المذاهبِ الأخرى (١). وهناك كلامٌ للشيخِ عبد القادر بنِ بدران يمكنُ الإفادةُ منه في تعريفِ الانتصارِ للمذهبِ، يقولُ: "وقد سمَّى أبو الخطابِ كتابَه بـ (الانتصار في المسائل الكبار)، وكلاهما - أيْ: كتاب أبي الخطاب، وكتاب المفردات للقاضي أبي يعلى - يذكرانِ أفرادَ المسائلِ الكبارِ مِن الخلافِ بين الأئمةِ، وينتصرانِ لمذهبِ الإمامِ أحمدَ، مع ذكر ما استدلَّ به أصحابُ كلِّ إمامٍ؛ لنصرةِ إمامِه وهدمِه" (٢). فيمكنُ تعريف الانتصارِ بناءً على ما قاله ابنُ بدران بأنَّه: الاستدلالُ لقولِ إمامِ المذهبِ في المسائلِ الخلافية، وذكرُ أقوالِ المخالفين، وأدلتِهم، والإجابةُ عنها. وقد عرَّفَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان الانتصارَ للمذهبِ بأنَّه: ترجيحُ المذهبِ الفقهي، والذبُّ عنه، ودعمه بالأدلةِ الشرعيةِ (٣). وبناءً على ما تقررَ آنفًا: فلا ينهضُ للانتصارِ للمذهبِ على الوجهِ الأمثل، إلا المتضلعُ في الأصولِ والفروعِ، المستوعبُ لأَصولِ مذهبِه وفروعِه، العارفُ بأصولِ المذاهبِ الأخرى، وفروعها (٤).

стр. 142

وللانتصارِ للمذهبِ صورٌ، منها: الأولى: التأليفُ في فروعِ المذهبِ، مع الاستدلالِ، ومناقشةِ أدلةِ المخالفين. الثانية: ترجيحُ التمذهبِ بمذهب إمامٍ معيّنٍ، وذلك بترجيحِ أصولِه على أصولِ غيرِه مِن المذاهبَ، أو بالتأليفِ في مناقبِ الإمامِ، وبيان ما كانَ عليه مِنْ سعةٍ في العلمِ، وَحُسنٍ في الاستنباطِ، وشدة تمسكٍ بالكتابِ والسنةِ. الثالثة: عقدُ المناظراتِ مع المخالفِ؛ لنصرةِ المذهبِ، بسوقِ الحججِ والبراهين على رجحانِه. الرابعة: تفسيرُ آياتِ الأحكامِ، وشرحُ أحاديثِ الأحكامِ، واستنباطُ أحكامِ الفروعِ المذهبيةِ منهما (١). وقد جَعَلَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان مِنْ صورِ الانتصارِ للمذهبِ: الترجمة لأعلامِ المذهبِ (٢). ويظهرُ لي عدمُ دخولِ هذه الصورةِ في الانتصارِ للمذهبِ؛ لخلوها عن معنى الانتصارِ، وقصارى الأمرِ أنْ تكون مِنْ قبيلِ خدمةِ المذهَبِ. العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي: يمكنُ إبرازُ العلاقةِ بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للانتصارِ

стр. 143

للمذهبِ مِنْ جهةِ: أنَّ إقامةَ أدلةِ المذهبِ، والإجابةَ عن أدلةِ المخالفين، وترجيحَ المذهبِ على غيرِه مِن المذاهبِ، يكون بها النصرُ للمذهبِ، والإعانةُ له على مَنْ يخالفُه. العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب: قبلَ بيانِ العلاقةِ بين مصطلحي: التمذهب، والانتصار للمذهب، أُبين أنَّ هناك تقاربًا بين الانتصارِ للمذهب والخلافِ - المتقدم في المطلبِ السادسِ - يدلُّ على هذا: أنَّ بعضَ المؤلفاتِ في الخلافِ لا يوجد بينها وبين المؤلفاتِ في الانتصارِ للمذهبِ كبيرُ فرقٍ (١)، إلا أن مسمَّى الانتصارِ للمذهبِ يشملُ ما هو أوسعُ مِنْ نصرةِ المذهبِ في المسائلِ الخلافيةِ، كما تقدّمَ قبلَ قليل في صورِ الانتصارِ للمذهبِ. ويمكنُ القولُ: إن مَنْ سمَّى مؤلَّفَه بالخلاف، اتجه نظرُه إلى حكايةِ الأقوالِ المخالفةِ لمذهبِه؛ ومَنْ سمَّى مؤلَّفَه الذي خصه بالمسائلِ الخلافيةِ بالانتصارِ، اتجه نظرُه إلى إقامةِ الدلائلِ على قوةِ مذهبِه، وضعفِ ما خالفه. وقد يكونُ للروحِ المذهبيةِ المسيطرةِ على بعضِ أتباعِ المذاهبِ في بعضِ العصورِ أثرٌ في عنونةِ الكتبِ المؤلَّفةِ في الخلافِ بالانتصارِ للمذهبِ. يجتمعُ التمذهبُ والانتصارُ للمذهبِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لقولِ الإمامِ في الأصولِ، أو في الفروعِ. ويفترق التمذهبُ والانتصارُ في الآتي: أولًا: التمذهبُ سابقٌ في الوجودِ على الانتصارِ للمذهبِ؛ إذ الانتصارِ للمذهبِ إنَّما وُجِدَ بعد قيامِ المذهبِ الذي يُراد نصرُه، فالانتصارُ للمذهبِ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ. يقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: "لم يكن انتسابُ العلماءِ في هذا الدورِ

стр. 144

- من أوائل القرن الرابع إلى سقوط الدولة العباسية - إلى أئمتِهم واقفًا بهم عند حدِّ التقلِّيدِ المحضِ، بلْ كان لهم مِن الأعمالِ ما يرفعُ درجتَهم، ويُعْلي كعبَهم، فمِنْ ذلك: ... قيامُ كلِّ فريقٍ بنصرةِ مذهبِه جملةً وتفصيلًا ... وذلك بترجيحِ المذهب في كل مسألةٍ خلافيةٍ، ووضعوا لذلك كتبَ الخلافِ، يذكرون فيها المسَائلَ التي اختُلف فيها" (١). ثانيًا: في الانتصارِ للمذهبِ ترجيحٌ لكفّةِ المذهبِ - إمَّا بالدعوةِ إلى التمذهبِ به، وإمَّا ببيانِ قوةِ أصولِه، وإمَّا بذكرِ مناقبِ الإمامِ - أمَّا التمذهبُ، فيتحققُ دونَ وجودِ ترجيحٍ لكفةِ المذهبِ. وجُملة القولِ: إنَّ الانتصار للمذهبِ يُعَدُّ وجهًا مِنْ أوجه التمذهبِ، ورافدًا قويًا لاستمرارِ المذهبِ وبقائه. وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والانتصارِ للمذهبِ، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في: المتمذهبِ الذي ينتصرُ لمذهبِه، بأيٍّ وجهٍ مِنْ أوجهِ الانتصارِ. وينفرد التمذهبُ عن الانتصارِ في: المتمذهبِ الذي لا ينتصرُ لمذهبِه. وبناءً على ما تقدم، فالنسبةُ بين التمذهبِ والانتصارِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكل منتصرٍ لمذهبِه متمذهبٌ، دونَ العكسِ. * * *

стр. 145

المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب سأُبيّنُ المعنى اللغويُّ، والمعنى الاصطلاحيَّ للصلابةِ في المذهبِ، ثمَّ أعرضُ إلى العلاقةِ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ. تعريف الصلابة في اللغة: الصلابةُ: مصدرٌ من الفعل: صلبَ، يُقالُ: صَلُبَ وصَلِبَ، يَصْلُبُ، ويَصْلِبُ، صَلْبًا وصلابَةً (١). وتعودُ الصلابةُ إلى مادةِ: (صلب)، ولهذه المادةِ معنيان: المعنى الأول: الشّدةُ والقوةُ (٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الصادُ واللامُ والباءُ، أصلان، أحدُهما: يدلُّ على الشّدةِ والقوةِ" (٣). فالصُلْبُ: الشديدُ (٤)، والصَّلابَةُ: الشِّدة، ضدُّ اللين (٥). يُقالُ: تَصَلَّبَ لك فلانٌ، أيْ: تشدّدَ (٦). ومِنْ هذا المعنى: الصُلْبُ: فقراتُ الظَّهرِ (٧)، والصالبُ مِن الحُمّى،
следующие страницы →