← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الاستدلالُ للمذهبِ، والردُّ على أدلةِ المذاهبِ الأخرى (١). وهناك كلامٌ للشيخِ عبد القادر بنِ بدران يمكنُ الإفادةُ منه في تعريفِ الانتصارِ للمذهبِ، يقولُ: "وقد سمَّى أبو الخطابِ كتابَه بـ (الانتصار في المسائل الكبار)، وكلاهما - أيْ: كتاب أبي الخطاب، وكتاب المفردات للقاضي أبي يعلى - يذكرانِ أفرادَ المسائلِ الكبارِ مِن الخلافِ بين الأئمةِ، وينتصرانِ لمذهبِ الإمامِ أحمدَ، مع ذكر ما استدلَّ به أصحابُ كلِّ إمامٍ؛ لنصرةِ إمامِه وهدمِه" (٢). فيمكنُ تعريف الانتصارِ بناءً على ما قاله ابنُ بدران بأنَّه: الاستدلالُ لقولِ إمامِ المذهبِ في المسائلِ الخلافية، وذكرُ أقوالِ المخالفين، وأدلتِهم، والإجابةُ عنها. وقد عرَّفَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان الانتصارَ للمذهبِ بأنَّه: ترجيحُ المذهبِ الفقهي، والذبُّ عنه، ودعمه بالأدلةِ الشرعيةِ (٣). وبناءً على ما تقررَ آنفًا: فلا ينهضُ للانتصارِ للمذهبِ على الوجهِ الأمثل، إلا المتضلعُ في الأصولِ والفروعِ، المستوعبُ لأَصولِ مذهبِه وفروعِه، العارفُ بأصولِ المذاهبِ الأخرى، وفروعها (٤).

стр. 142

وللانتصارِ للمذهبِ صورٌ، منها: الأولى: التأليفُ في فروعِ المذهبِ، مع الاستدلالِ، ومناقشةِ أدلةِ المخالفين. الثانية: ترجيحُ التمذهبِ بمذهب إمامٍ معيّنٍ، وذلك بترجيحِ أصولِه على أصولِ غيرِه مِن المذاهبَ، أو بالتأليفِ في مناقبِ الإمامِ، وبيان ما كانَ عليه مِنْ سعةٍ في العلمِ، وَحُسنٍ في الاستنباطِ، وشدة تمسكٍ بالكتابِ والسنةِ. الثالثة: عقدُ المناظراتِ مع المخالفِ؛ لنصرةِ المذهبِ، بسوقِ الحججِ والبراهين على رجحانِه. الرابعة: تفسيرُ آياتِ الأحكامِ، وشرحُ أحاديثِ الأحكامِ، واستنباطُ أحكامِ الفروعِ المذهبيةِ منهما (١). وقد جَعَلَ الدكتورُ محمد أبو الأجفان مِنْ صورِ الانتصارِ للمذهبِ: الترجمة لأعلامِ المذهبِ (٢). ويظهرُ لي عدمُ دخولِ هذه الصورةِ في الانتصارِ للمذهبِ؛ لخلوها عن معنى الانتصارِ، وقصارى الأمرِ أنْ تكون مِنْ قبيلِ خدمةِ المذهَبِ. العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي: يمكنُ إبرازُ العلاقةِ بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للانتصارِ

стр. 143

للمذهبِ مِنْ جهةِ: أنَّ إقامةَ أدلةِ المذهبِ، والإجابةَ عن أدلةِ المخالفين، وترجيحَ المذهبِ على غيرِه مِن المذاهبِ، يكون بها النصرُ للمذهبِ، والإعانةُ له على مَنْ يخالفُه. العلاقة بين التمذهب والانتصار للمذهب: قبلَ بيانِ العلاقةِ بين مصطلحي: التمذهب، والانتصار للمذهب، أُبين أنَّ هناك تقاربًا بين الانتصارِ للمذهب والخلافِ - المتقدم في المطلبِ السادسِ - يدلُّ على هذا: أنَّ بعضَ المؤلفاتِ في الخلافِ لا يوجد بينها وبين المؤلفاتِ في الانتصارِ للمذهبِ كبيرُ فرقٍ (١)، إلا أن مسمَّى الانتصارِ للمذهبِ يشملُ ما هو أوسعُ مِنْ نصرةِ المذهبِ في المسائلِ الخلافيةِ، كما تقدّمَ قبلَ قليل في صورِ الانتصارِ للمذهبِ. ويمكنُ القولُ: إن مَنْ سمَّى مؤلَّفَه بالخلاف، اتجه نظرُه إلى حكايةِ الأقوالِ المخالفةِ لمذهبِه؛ ومَنْ سمَّى مؤلَّفَه الذي خصه بالمسائلِ الخلافيةِ بالانتصارِ، اتجه نظرُه إلى إقامةِ الدلائلِ على قوةِ مذهبِه، وضعفِ ما خالفه. وقد يكونُ للروحِ المذهبيةِ المسيطرةِ على بعضِ أتباعِ المذاهبِ في بعضِ العصورِ أثرٌ في عنونةِ الكتبِ المؤلَّفةِ في الخلافِ بالانتصارِ للمذهبِ. يجتمعُ التمذهبُ والانتصارُ للمذهبِ في: أن كلًّا منهما أخذٌ لقولِ الإمامِ في الأصولِ، أو في الفروعِ. ويفترق التمذهبُ والانتصارُ في الآتي: أولًا: التمذهبُ سابقٌ في الوجودِ على الانتصارِ للمذهبِ؛ إذ الانتصارِ للمذهبِ إنَّما وُجِدَ بعد قيامِ المذهبِ الذي يُراد نصرُه، فالانتصارُ للمذهبِ أثرٌ مِنْ آثارِ التمذهبِ. يقولُ الشيخُ محمدٌ الخضري: "لم يكن انتسابُ العلماءِ في هذا الدورِ

стр. 144

- من أوائل القرن الرابع إلى سقوط الدولة العباسية - إلى أئمتِهم واقفًا بهم عند حدِّ التقلِّيدِ المحضِ، بلْ كان لهم مِن الأعمالِ ما يرفعُ درجتَهم، ويُعْلي كعبَهم، فمِنْ ذلك: ... قيامُ كلِّ فريقٍ بنصرةِ مذهبِه جملةً وتفصيلًا ... وذلك بترجيحِ المذهب في كل مسألةٍ خلافيةٍ، ووضعوا لذلك كتبَ الخلافِ، يذكرون فيها المسَائلَ التي اختُلف فيها" (١). ثانيًا: في الانتصارِ للمذهبِ ترجيحٌ لكفّةِ المذهبِ - إمَّا بالدعوةِ إلى التمذهبِ به، وإمَّا ببيانِ قوةِ أصولِه، وإمَّا بذكرِ مناقبِ الإمامِ - أمَّا التمذهبُ، فيتحققُ دونَ وجودِ ترجيحٍ لكفةِ المذهبِ. وجُملة القولِ: إنَّ الانتصار للمذهبِ يُعَدُّ وجهًا مِنْ أوجه التمذهبِ، ورافدًا قويًا لاستمرارِ المذهبِ وبقائه. وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ والانتصارِ للمذهبِ، نجدُ أنَّهما يجتمعانِ في: المتمذهبِ الذي ينتصرُ لمذهبِه، بأيٍّ وجهٍ مِنْ أوجهِ الانتصارِ. وينفرد التمذهبُ عن الانتصارِ في: المتمذهبِ الذي لا ينتصرُ لمذهبِه. وبناءً على ما تقدم، فالنسبةُ بين التمذهبِ والانتصارِ هي: العمومُ والخصوصُ المطلقُ، فكل منتصرٍ لمذهبِه متمذهبٌ، دونَ العكسِ. * * *

стр. 145

المطلب الثامن: العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب سأُبيّنُ المعنى اللغويُّ، والمعنى الاصطلاحيَّ للصلابةِ في المذهبِ، ثمَّ أعرضُ إلى العلاقةِ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ. تعريف الصلابة في اللغة: الصلابةُ: مصدرٌ من الفعل: صلبَ، يُقالُ: صَلُبَ وصَلِبَ، يَصْلُبُ، ويَصْلِبُ، صَلْبًا وصلابَةً (١). وتعودُ الصلابةُ إلى مادةِ: (صلب)، ولهذه المادةِ معنيان: المعنى الأول: الشّدةُ والقوةُ (٢). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الصادُ واللامُ والباءُ، أصلان، أحدُهما: يدلُّ على الشّدةِ والقوةِ" (٣). فالصُلْبُ: الشديدُ (٤)، والصَّلابَةُ: الشِّدة، ضدُّ اللين (٥). يُقالُ: تَصَلَّبَ لك فلانٌ، أيْ: تشدّدَ (٦). ومِنْ هذا المعنى: الصُلْبُ: فقراتُ الظَّهرِ (٧)، والصالبُ مِن الحُمّى،

стр. 146

وهي الشديدةُ (١)، والتصليب: وهو بلوغُ الرُّطبِ اليُبْسَ، يُقال: صلبَ الرُّطبُ، إذا بلغَ اليُبْسَ (٢). المعنى الثاني: الوَدَكُ (٣)، وعبَّرَ بعضُ اللغويين بـ: ودكِ العظمِ (٤). يقولُ ابنُ فارسٍ: "الأصل الآخر: جنسٌ مِن الوَدَكِ" (٥). والصليبُ: الودكُ (٦)، يُقالُ: اصْطَلَبَ الرجلُ، إذا جَمَعَ العظامَ، فاستخرجَ وَدَكَهَا؛ ليأتدمَ به، وهو الاصطلابُ (٧). تعريف الصلابة في المذهب في الاصطلاح: لم يتعرضْ أكثرُ العلماءِ - فيما وقفتُ عليه مِنْ مصادر - إلى تعريفِ الصلابةِ في المذهبِ، ولقد وقفتُ على تعريفين لعالمين متأخرين: التعريف الأول: الثباتُ على ما ظَهَرَ للمجتهدِ مِن الدليلِ. وهذا تعريفُ الشيخِ محمد المُلا فروخ (٨). وقال عقيبه: "وذلك لا يتمُّ إلا للمجتهدِ نفسِه، أو لمَنْ هو مِنْ أهلِ النظرِ والترجيحِ ممَّنْ أخذَ بقولِه" (٩). والظاهر أنَّ مرادَه بالمجتهد في التعريفِ المجتهدُ المطلقُ، والمجتهدُ الجزئيُّ، والمجتهدُ في المذهبِ، إذا تحققتْ له أهليةُ النظرِ في الدليلِ.

стр. 147

وبناءً على ما سبق: فيُعنى بالمذهبِ في التعريف السابق: (الصلابة في المذهب): القول. ويظهرُ لي أنَّ الصلابةَ في قولنا: (الصلابة في المذهب)، يُعنَى بها: الشدةُ في التمسكِ بالمذهبِ، ويظهرُ أثرُها في الثباتِ عليه. التعريف الثاني: وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي ﷺ ، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدهم مِنْ أئمةِ الدّين والسلفِ الصالحين، مِن اتِّباع الكتابِ والسنةِ والإجماعِ والقياسِ. هذا تعريف الشيخِ محمد بخيت المطيعي (١)، ذكره في موضعٍ (٢)، وفي موضعٍ آخر أشارَ إليه، فقال: "ومعنى وجوب الصلابةِ في المذَهبِ، هو وجوبُ الثباتِ على الطريقةِ الثابتةِ عن النبي ﷺ ، والصحابةِ والتابعين، ومَنْ بعدَهم مِنْ أئمةِ الدِّينِ والسلفِ الصالحين، مِن اتباع (٣) الكتاب والسنةِ والإجماعِ والقياسِ، لا التزام مذهب فقيهٍ والتقيّد به، والتعصب له، مِنْ غيرِ قيامِ دليلٍ يُوْجِبُ ذلك" (٤).

стр. 148

وبتأمّل الكلام الآنف الذِّكر، يظهر لي أنَّ الشيخَ محمدًا المطيعي أرادَ معالجةَ التعصبِ والتشددِ المذهبي ببيانِ أنَّ الصلابةَ في المذهبِ على الوجهِ الصحيحِ تعني الثباتَ على طريقةِ النبي ﷺ وأصحابِه ومَنْ تَبع سبيلَهم؛ إذ لا مناسبةَ بين الصلابةِ في المذهبِ، والتعريفِ الذي أورده الشيخُ المطيعي. ومهما يكن مِنْ أمرٍ: فإنِّي سأسيرُ في أثناءِ عرضِ العلاقةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ في ضوءِ. التعريفِ الأولِ، تاركًا ما أورده الشيخُ محمد المطيعي. العلاقة بين التعريف اللغوي والتعريف الاصطلاحي: جليٌّ أنَّ المعنى الأولَ للصلابةِ - وهو: الشدة والقوة - أنسبُ للمعنى الاصطلاحي، فالصلابةُ في المذهبِ هي الشدةُ في التمسكِ به، ومِنْ أثرِها الثباتُ على المذهبِ، وعدمُ التزحزحِ عنه. العلاقة بين التمذهب والصلابة في المذهب: بعدَ بيانِ معنى الصلابةِ في المذهبِ، أُبيّن العلاقةَ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ، فأقول: يجتمعُ التمذهبُ والصلابةُ في المذهبِ في: أنَّ كلًّا منهما أخذٌ لقولٍ في الأصولِ، أو في الفروعِ. ويفترقُ التمذهبُ والصلابةُ في المذهب في الآتي: أولًا: التمذهبُ أخذٌ لقولِ إمامِ المذهبِ المجتهدِ، أمَّا الصلابةُ في المذهبِ، فالأخذُ قد يكون لقولِ إمامِ المذهبِ المجتهدِ، وقد يكون قول المجتهدِ نفسِه. ثانيًا: تتحققُ الصلابةُ في المذهبِ بمعرفةِ الدليلِ والقناعةِ به، ثمَّ الثباتِ عليه، أمَّا التمذهبُ فيتحققُ مع معرفةِ الدليلِ، ثمَّ الثبات على المذهبِ، وبدونِها.

стр. 149

ثالثًا: لا بُدَّ مِنْ أهليّةِ النظرِ في الأدلةِ للصلابةِ في المذهبِ؛ ليتحققَ للناظرِ في الأدلةِ الوصولُ إلى الحكمِ، ثمَّ الثباتَ عليه، وهذا القدرُ غيرُ مشروطٍ في التمذهبِ. وإذا أردنا معرفةَ النسبةِ بين التمذهبِ، والصلابةِ في المذهبِ، نجد أنَّهما يجتمعان في الآتي: الأول: المجتهدُ المطلقُ المنتسبُ إلى مذهب معيّنٍ، الثابتُ على رأيه. الثاني: المتمذهبُ الذي اقتنعَ بقولِ إمامِه؛ لقوةِ دليلِه، ثم ثَبَتَ عليه. وينفرد التمذهب عن الصلابة في المذهب في الآتي: الأول: المتمذهبُ الذي اطَّلعَ على دليلِ المذهبِ، ولم يورثْه ثباتًا الثاني: المتمذهبُ الذي لم يعرفْ دليلَ مذهبِه. وتنفرد الصلابة في المذهب عن التمذهب في: المجتهدِ غيرِ المنتسبِ الذي ثَبَتَ على قولِه. وبناءً على ما سَبَقَ، فإنَّ النسبةَ بين التمذهبِ والصلابةِ في المذهبِ هي: العمومُ والخصوصُ الوجهيُّ. * * *

стр. 150

المبحث الثالث: أركان التمذهب وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب) المطلب الثاني: المتمذهب المطلب الثالث: المذهب (المتمذهب فيه)

стр. 151

المطلب الأول: إمام المذهب (صاحب المذهب) وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف إمام المذهب المسألة الثانية: شروط إمام المذهب المسألة الثالثة: طرق إثبات أقوال إمام المذهب

стр. 152

توطئة يُعتبرُ إمامُ المذهبِ الركيزةَ الُأولى في التمذهبِ؛ إذ هو الشخصُ الذي تؤخذُ أقوالُه. المسأله الأولى: تعريف إمام المذهب المرادُ بإمامِ المذهبِ: المجتهدُ المستقلُّ، الذي له أتباعٌ يسبرون على أصولِه وفروعِه. وتجملُ الإشارةُ إلى تعريفِ المجتهدِ عند الأصوليين، ثمَّ الانتقالُ بعده إلى تعريفِ إمامِ المذهبِ. وقد تقدّم لنا تعريفُ الاجتهادِ في الاصطلاحِ، ويُمكنُ أخذُ تعريفِ المجتهدِ مِن تعريف الاجتهادِ (١)، ومع هذا فقد نصَّ جمعٌ من الأصوليين على تعريفٍ محددٍ للمجتهدِ، فمِنْ تلك التعريفاتِ: التعريف الأول: كلُّ مَن اتصفَ بصفةِ الاجتهادِ. وهذا تعريفُ الآمدي (٢). وتَبعَ الآمديَّ في تعريفِه: عبدُ العزيز البخاري (٣)، وتاجُ الدين ابنُ

стр. 153

السبكي (١). وساقَ الطوفيُّ تعريفَ الآمدي، وأضافَ في آخرِه القيدَ الآتي: "وحصّلَ أهليتَه" (٢). ويتوجّه الاعتراضُ إلى التعريفِ مِنْ جهةِ اشتمالِه على مصطلح: (الاجتهاد)، الذي يحتاجُ إلى بيانٍ وإيضاحٍ. التعريف الثاني: هو الذي يستقلُ بإدراكِ الأحكامِ الشرعيةِ مِن الأدلةِ الشرعيةِ، مِنْ غيرِ تقليدٍ، وتقيّدٍ بمذهبِ أحدٍ. وهذا تعريفُ ابنِ الصلاحِ (٣)، وابن حمدان (٤). التعريف الثالث: هو المستفرغُ وسعَه في دَرَكِ الأحكامِ الشرعيةِ. وهذا تعريفُ جمالِ الدين الإسنوي (٥). وقد اعترض الشيخُ محمد المطيعي على تعريفِ الإسنوي بأنَّه إذا أُريد إدراك كلِّ الأحكامِ الشرعيةِ، والمستفرغ وسعَه بالفعلِ، لم يصدقْ تعريفُه على أحدٍ ممَّنْ حَصَلَ الإجماعُ على وصفِهم بالاجتهادِ، ولا على مَنْ عنده ملكةُ الاجتهادِ، لكنَّه لم يجتهدْ بالفعلِ (٦). التعريف الرابع: هو البالغُ العاقلُ، ذو ملكةٍ يقْتَدِرُ بها على استنتاجِ الأحكامِ مِنْ مآخذِها.

стр. 154

وهذا تعريفُ بدرِ الدِّينِ الزركشي (١). واعُترض على تعريفه بأنَّه غيرُ مانعٍ؛ لإطلاقِ لفظِ: (الأحكام)؛ إذ لم يقيّدْها بالشرعيةِ، فيدخلُ في التعريفِ غيرُ الأحكامِ الشرعيةِ، كالأحكامِ العقليةِ والنحويةِ، ونحوِهما (٢). وإذا عَلِمنا أنَّ الفقيهَ عند الأصوليين هو المجتهدُ (٣)، فإنَّ ما ذكره علماءُ أصولِ الفقهِ عند تعريفِهم للفقيه، صادقٌ على تعريفِ المجتهدِ (٤). ومِنْ خلالِ ما سبقَ: يُمكنُ القولُ بأنَّ التعريفَ الثاني هو أقربُ التعريفاتِ إلى الصوابِ، ولا سيما أنَّه ينصُّ على أنَّ المجتهدَ لا يتقيّدُ بمذهبِ أحدٍ، وهو قيدٌ مهمٌ؛ لإخراجِ مَنْ عدا المجتهد المستقل. وأنبّه إلى عدةِ أمورٍ: الأمر الأول: المرادُ بالمجتهدِ هنا: المجتهدُ المستقلُّ بأصولِه وفروعِه. الأمر الثاني: قد يكونُ للمجتهدِ أتباعٌ ينصرون مذهبَه في الأصولِ وفي الفروعِ، وقد لا يكون له أتباعٌ. الأمر الثالث: تُوجدُ حقيقةُ التمذهبِ في حالةِ وجودِ أتباعٍ للمجتهدِ، ولفظ: (الإمام) دالٌّ على وجودِ مَنْ يسيرُ على دربِ المجتهدِ؛ إذ الإمامُ كلُّ مَنْ يُؤتمُّ به (٥).

стр. 155

الأمر الرابع: جاء في: (الموسوعة الفقهية الكويتية) (١): "فهو - أي: لفظ: الأئمة - يُطلقُ عند الفقهاءِ على مجتهدي الشرعِ أصحابِ المذاهبِ المتبوعةِ". وبناءً على ما تقديم: يُمكِنُ تعريفُ إمامِ المذهبِ بأنَّه: مجتهدٌ مستقلٌّ بأصولٍ وفروعٍ، وله أتباعٌ يسيرون عليهما. * * *

стр. 156

المسألة الثانية: شروط إمام المذهب لقد أفاضَ الأصوليونَ في ذكرِ شروطِ الاجتهادِ، فلا يكادُ يخلو كتابٌ مؤلَّفٌ في أصولِ الفقهِ مِنْ ذكرِ شروطِ الاجتهادِ. وقد اختلفتْ مناهجُ الأصوليين في عرضِها، فلم تكن وجهتُهم متحدةً؛ فمنهم مَنْ عَرَضَها شروطًا متعددةً متواليةً مفصَّلةً، وهذا منهجُ أكثرِ الأصوليين. ومنهم مَنْ جعلها شرطين، ثم فرَّع على كلِّ شرطٍ شروطًا فرعيةً، وقد سَلَكَ هذا المنهجَ عددٌ من الأصوليين، منهم: أبو حامدٍ الغزالي (١)، والآمديُّ (٢)، وأبو إسحاقَ الشاطبي (٣). ويُمكن جعلُ شروطِ الاجتهادِ على نوعين: النوع الأول: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ . النوع الثاني: الشروطُ المتعلقةُ بالجانبِ العلمي للمجتهدِ (٤). وسأعرضُ أهمَّ الشروطِ المندرجةِ تحتَ هذينِ النوعينِ، مع ذكرِ ما لا يُشترط ممَّا نصَّ الأصوليون على عدمِ اشتراطِه. النوع الأول: الشروط المتعلقة بالجانب الشخصي للمجتهد: هناك شروطٌ للاجتهادِ تتعلقُ بالجانبِ الشخصي للمجتهدِ، وأهمُّها: الشرط الأول: العقل (٥).

стр. 157

مِنْ شروطِ الاجتهادِ البدهيةِ: العقلُ، والمرادُ باشتراطِه في المجتهدِ أنْ يكونَ سليمَ الإدراكِ، خاليًا عمَّا يُعْتَبرُ عيبًا فيه؛ كالجنونِ والعتهِ والسفهِ (١)، فلا يَتَأتَّى الاجتهادُ مِنْ غيرِ العاقلِ. ولا يُكتفى بالعقلِ الذي يتعلقُ به التكليفُ، بلْ لا بُدَّ مِنْ أنْ يكونَ صحيحَ التمييزِ، جيدَ الفطنة، بعيدًا عن السهوِ (٢). ويدلُّ على اشتراطِ العقلِ في المجتهدِ أدلةٌ، منها: الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على أنَّ الجنونَ مانعٌ مِن الاجتهادِ (٣). الدليل الثاني: أنَّ غيرَ العاقلِ لا يُدْرِكُ علمًا ولا فقهًا، ولا غيره (٤)، ولا تمييزَ له يهتدي به لما يقولُه حتى يصحَّ نظرُه (٥). الشرط الثاني: البلوغ. لا بُدَّ أنْ يكونَ المجتهدُ بالغًا. ودليلُ اشتراطِ البلوغِ: أنَّ الصبيَّ غيرُ مكتملِ العقلِ؛ فلا يصحَّ نظرُه (٦). وقد ذَهَبَ بعضُ الأصوليين إلى تصوّرِ الاجتهادِ مِن الصبي. يقولُ إمامُ الحرمين الجويني: "إنَّ الصبيَّ، وإنْ بَلَغَ رتبةَ الاجتهادِ، وتيسَّر عليه دَركُ الأحكام، فلا ثقةَ بنظرِه وطلبِه، فالبالغُ هو الذي يُعْتَمدُ قولُه" (٧).

стр. 158

وجَنَحَ بعضُ الأصوليين إلى صحةِ اجتهادِ الصبي! (١). الشرط الثالث: الإسلام. يُعَدُّ اشتراطُ الإسلامِ في المجتهدِ مِن الشروطِ المعلومةِ بداهةً؛ وقد نصَّ عليه طائفةٌ مِن الأصولَيين، في حين أَغْفَلَ ذكرَه كثيرٌ مِنْهم (٢). يقولُ أبو حامدٍ الغزالي: "الإسلامُ شرطٌ في المفتي لا محالةَ" (٣). ويقولُ الآمديُّ في سياقِ حديثِه عن شروطِ المجتهدِ: "الشرطُ الأولُ: أنْ يعلمَ وجودَ الربِّ تعالى، وما يجبُ له مِن الصفاتِ، ويستحقه مِن الكمالاتِ، وأنَّه واجبُ الوجودِ بذاتِه ... وأنْ يكونَ مصدِّقًا بالرسولِ، وما جاءَ به الشرعُ المنقولُ" (٤). ويدلُّ على اشتراطِ الإسلامِ في الاجتهادِ أدلةٌ، منها: الدليل الأول: إجماعُ العلماءِ على اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، حكاه ابنُ حمدان، فقالَ عن المجتهدِ: "أمَّا اشتراطُ إسلامِه ... فبالإجماعِ" (٥). الدليل الثاني: أنَّ الإسلامَ شرطٌ لكلِّ العباداتِ، والاجتهادُ عبادةٌ، فلا بُدَّ في صحتِه مِن الإسلامِ (٦). ومَعَ ظهورِ اشتراطِ الإسلامِ في المجتهدِ، إلا أنَّ أبا إسحاق الشاطبيَّ

стр. 159

قرّرَ صحةَ اجتهادِ الكافرِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، يقولُ: "وقد أجازَ النظارُ وقوعَ الاجتهادِ في الشريعةِ مِن الكافرِ المنكرِ لوجودِ الصانعِ والرسالةِ والشريعةِ؛ إذ كانَ الاجتهادُ إنَّما يَنْبَنِي على مقدماتٍ تفْرَضُ صحتها" (١). وقد نُوقِشَ رأيُ أبي إسحاقَ الشاطبي مِنْ ثلاثةِ أوجهٍ: الوجه الأول: ما الثمرةُ الموجوة لاجتهادِ الكافرِ؟ فهلْ سيقلّدُه المسلمون فيما ذَهَبَ إليه؟ ! وهل سيعملُ بما أدّاه إليه اجتهادُه؟ ! (٢). الوجه الثاني: مِنْ شروطِ صحةِ استنباطِ الحكمِ: اعتقادُ صحتِه، أو ظنُّها، والكافرُ لا يعتقدُ صحةَ مقدِّماتِ الحُكمِ - وهي: الكتابُ والسنةُ وما يرجعُ إليهما - التي بَنَى عليها حكمَه (٣). الوجه الثالث: يلزمُ مِن الأخذِ برأي أبي إسحاقَ الشاطبي، القولُ بصحةِ آراء المستشرقين، والمنكرين للإسلامِ، ولنبوة النبيِّ ﷺ ، وهذا باطلٌ قطعًا (٤). الشرط الرابع: الملكة (٥). يُشْتَرطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ وجودُ الملكةِ الفقهيةِ في العالم، والتي يُعَبّرُ عنها بفقهِ النفسِ (٦).

стр. 160

يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني متحدّثًا عن أهميةِ الملكةِ الفقهيةِ: "ثمَّ يُشترطُ: فقهُ النفسِ؛ فهو رأسُ مالِ المجتهدِ، ولا يَتَأتَّى كسبُه؛ فإنْ جُبِلَ على ذلك فهو المرادُ، وإلا فلا يَتَأتَّى تحصيلُه مِن الكتبِ" (١). والمرادُ بـ (فقهِ النّفسِ): أنْ يكونَ الفقهُ سجيةً وطبعًا في نفسِ المجتهدِ (٢)، فيكون شديدَ الفهم بالطَّبع لمقاصدِ الكلامِ (٣)، وتكون له قدرةٌ على استخراجِ أحكامِ الفقهِ مِنْ أَدلتِها (٤). ودليلُ اشتراطِ الملكةِ في المجتهدِ: الاشتقاقُ على القاعدةِ الصرفيةِ؛ لأنَّ الفقيهَ - وهو المجتهد - اسمُ فاعلٍ من (فقُه) - بضم القاف - إذا صار الفقهُ سجيةً له (٥). تلك هي أهمُّ شروطِ الاجتهادِ المتعلقةِ بالجانب الشخصي للمجتهدِ، وبقي أنْ أقولَ: إنَّ ثمَّةَ أوصافًا متعلقةً بالجانبِ الشَخصي للمجتهدِ، لا تُشترطُ فيه، وقد نصَّ بعضُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِها، وهي: أولًا: العدالة. ثانيًا: الذكورية. ثالثًا: الحرية.

стр. 161

أولًا: العدالة. عُرِّفَتْ العدالةُ بتعريفاتٍ متعددةٍ، ومِنْ أشهرِ التعريفاتِ، أنَّها: ملكةٌ تحملُ صاحبَها على ملازمةِ التقوى والمروءةِ (١). وقد ذَهَبَ جمهورُ الأصوليين إلى أنَّ العدالةَ ليستْ مِنْ شروطِ الاجتهادِ في الشريعةِ، فقد يبلغُ الفاسقُ درجةَ الاجتهادِ. وممَّنْ نصَّ على عدم اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ: أبو بكرٍ الجصاص (٢)، وإمامُ الحرمين الجويني (٣)، وأبو المظفرِ السمعاني (٤)، وأبو حامدٍ الغزالي (٥)، والموفقُ بنُ قدامة (٦)، والطوفيُّ (٧)، وتاجُ الدينِ بنُ السبكي (٨)، وبدرُ الدينِ الزركشي (٩)، والمرداويُّ (١٠)، وجلالُ الدينِ السيوطي (١١)، وابنُ

стр. 162

عبد الشكور (١). وقد أشارَ أبو المظفرِ السمعاني إلى الحدِّ الذي يُمكنُ معه صحةُ اجتهادِ الفاسقِ، بقولِه: "اعلمْ أنَّ الثقةَ والأمانةَ في أنْ لا يكونَ متساهلًا في أمرِ الدّينِ، لا بُدَّ منه؛ لأنَّه إذا لم يكنْ كذلك لا يستقصي في النظرِ في الدلائلِ، ومَنْ لا يستقصي النظرَ في الدلائلِ، لا يصلْ إلى المقصودِ. وأمَّا الذي ذكره الأصحابُ أنَّه لا تُعتبرُ العدالةُ، فيجوز أنْ يكونَ المرادُ ما وراءَ هذا، وأمَّا هذا القدرُ فلا بُدَّ منه" (٢). والدليل على عدم اشتراط العدالة: جوازُ تحصيلِ الفاسقِ قوةَ الاجتهادِ؛ باجتماعِ شروطِ الاجتهادِ الباقيةِ فيه (٣). وقد ذَهَبَ بعضُ العلماءِ إلى اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ (٤). والذي يظهرُ لي أنَّه لا خلافَ بين الأصوليين في عدمِ اشتراطِ العدالةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطها، اشتراطُها لقَبولِ فتوى

стр. 163

المجتهدِ (١). يدلُّ على هذا: كلامُ الأصوليين في الموطنِ الذي يوردونَ فيه شروطَ الاجتهادِ، وذلك بجعلِ الشروطِ - ومنها: العدالة - شروطًا للمفتي، أو بذكرِ شروطِ الاجتهادِ - ومنها: العدالة - وإردافها بأنْ مَن اجتمعتْ فيه، ساغَ له الاجتهادُ والإفتاءُ. ويدلُّ على الاتفاقِ على عدمِ اشتراطِ العدالةِ في المجتهدِ أمورٌ، منها: الأمر الأول: لمَّا ساق أبو المظفرِ السمعاني شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها العدالةَ، ثم بيَّنَ أنَّ العدالةَ إنَّما تُعتبرُ في الحكمِ والفتوى، دونَ الاجتهادِ (٢). الأمر الثاني: لمَّا ساقَ أبو حامدٍ الغزالي شروطَ الاجتهادِ، ذَكَرَ منها: العدالةَ، ثمَّ أعقبَ ذلك ببيانِ أنَّ العدالةَ شرطٌ لجوازِ الاعتمادِ على فتوى المجتهدِ، أمَّا في اجتهادِه، فليستْ بشرطٍ (٣). والأمرانِ السابقانِ يدلانِ على أنَّ مرادَ مَنْ نصَّ على اشتراطِ العدالةِ في الاجتهادِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى المجتهدِ. الأمر الثالث: نصَّ جمعٌ مِن الأصوليين على عدمِ وجودِ خلافٍ في المسألةِ، وأنَّ مرادَ مَنْ قال باشتراطِ العدالةِ، اشتراطُها في قبولِ فتوى الفاسقِ.

стр. 164

يقولُ الشيخُ زكريا الأنصاري (١): "يُعتبرُ؛ ليُعتمد على قولِه. وتُعُقِّبَ بأنَّه لا تخالف بين القولين؛ إذ اعتبار العدالةِ؛ لاعتمادِ قولِه، لا ينافي عدمَ اعتبارِها لاجتهادِه؛ إذ الفاسقُ يعملُ باجتهادِ نفسِه، وإنْ لم يُعْتَمْد قولُه اتفاقًا" (٢). وكذلك نفى الخلاف: وليُّ الدين العراقي (٣)، وجلالُ الدين السيوطي (٤)، والبنانيُّ (٥)، وعبدُ الله العلوي (٦).

стр. 165

ثانيًا: الذكورية. ثالثًا: الحرية. لا يُشترطُ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ أنْ يكونَ المجتهدُ ذكرًا، ولا أنْ يكونَ حرًّا؛ فيصحُّ الاجتهادُ مِن المرأةِ، ومِن الرقيقِ (١). ويدلُّ على عدم اشتراط الذكورية والحرية في الاجتهاد: رجوعُ الصحابةِ ﵃ إلى قولِ عائشة ﵂ وإلى قولِ سائرِ أزواجِ النبي ﷺ ، وقد أخذَ التابعون بقولِ نافع (٢) - مولى عبد الله بن عمر ﵄ وبقولِ عكرمةَ (٣) - مولى عبد الله بن عباس ﵄ قبلَ عتقِهما (٤). النوع الثاني: الشروط المتعلقة بالجانب العلمي للمجتهد: ثمّةَ شروطٌ يشترطها الأصوليون لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ ذات اتصالٍ

стр. 166

بالجانبِ العلمي للمجتهدِ، وأهمّها: الشرط الأول: معرفةُ كتابِ الله . مِنْ أهمِّ شروطِ الاجتهادِ: معرفةُ القرآنِ الكريمِ (١)؛ لأنَّه أصلُ الأحكامِ (٢). وأيضًا: قد يكونُ الفرعُ مردودًا إلى القرآنِ الكريمِ، فإنْ لم يعرفْه المجتهدُ فقد يخالفُ حُكمًا منصوصًا (٣). ولا بُدَّ أنْ يكونَ المجتهدُ عالمًا بالقرآنِ الكريمِ: عامِّه وخاصِّه، مطلقِه ومقيدِه، مجملِه ومفصلِه، منطوقِه ومفهومِه، ناسخِه ومنسوخِه، ومعاني الآياتِ (٤). وهنا عدّةُ مسائل متصلة باشتراطِ معرفةِ القرآنِ الكريمِ: المسألة الأولى: هل تُشترطُ معرفةِ القرآنِ الكريمِ كلّه؟ جاءَ القرآنُ الكريمُ مشتملًا على ذكرِ أسماءِ الله تعالى وصفاتِه، وتضمَّن الأحكامَ الشرعيةَ، والقصصَ والمواعظَ، وغيرَها، فهل تُشترطُ معرفةُ كلِّ ما وَرَدَ في القرآنِ الكريمِ؟ لبلوغِ درجةِ الاجتهادِ؟ • تحرير محل النزاع: أولًا: اتفق الأصوليون على لزومِ معرفةِ المجتهدِ لآياتِ الأحكامِ.

стр. 167

ثانيًا: محلُّ الخلافِ في اشتراطِ معرفةِ الآياتِ التي وَرَدَتْ في غيرِ الأحكامِ، كالقصصِ والمواعظِ، ونحوِهما. • الأقوال في المسألة: اختلفَ العلماءُ في هذه المسألةِ على قولين: القول الأول: تُشترطُ معرفةُ القرآنِ الكريمِ كلِّه. وقد نُسِبَ هذا القولُ إلى الإمامِ الشافعي (١)، وهو ظاهرُ كلام شهابِ الدّينِ القرافي (٢)، وذَهَبَ إليه: الطوفي (٣)، وجمالُ الدين الإسنوي (٤). القول الثاني: لا تُشترطُ معرفةُ القرآنِ الكريمِ كلِّه؛ وإنَّما تُشترطُ معرفةُ آياتِ الأحكامِ فحسبُ. اختار هذا القولَ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو إسحاقَ الشيرازي (٥)، وابنُ العربي (٦) - كما نسبه إليه بدرُ الدين الزركشي (٧) - وأبو

стр. 168

حامدٍ الغزالي (١)، وصفيُّ الدين الهندي (٢)، وتاجُ الدّينِ بنُ السبكي (٣). • أدلةُ القولين: أدلةُ أصحابِ القولِ الأول: استدلَّ أصحابُ القولِ الأولِ بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: أنَّ آياتِ القرآنِ الكريمِ كلَّها لا تخلو مِنْ حُكم، فمثلًا: ما وَرَدَ في صفاتِ الله تعالى، والثناءِ عليه، المقصودُ به الأمرُ بتعظيمِه، والثناء عليه، وما وَرَدَ في القرآنِ مِنْ ذكرِ ذمِّ فعلٍ ما، فإنَّ مِنْ مقاصدِه تحريمَ ذلك الفعلِ (٤). يقولُ الطوفيُّ: "إنَّ أحكامَ الشرعِ كما تُسْتَنْبَطُ مِن الأوامرِ والنواهي، كذلك تُسْتَنْبَطُ مِن الأقاصيصِ والمواعظِ ونحوِها، فقلَّ أنْ يُوْجَدَ في القرآنِ آيةٌ، إلا وُيسْتَنْبَطُ منها شيءٌ مِن الأحكامِ" (٥). الدليل الثاني: أنَّ تمييزَ آياتِ الأحكامِ عن غيرِها مِن القصصِ والمواعظِ والأمثالِ، متوقفٌ على معرفةِ القرآنِ الكريمِ جميعِه بالضرورةِ؛ إذ لا يسوغُ للمجتهدِ أنْ يقلِّدَ غيرَه في حَصْرِ آياتِ الأحكامِ، فإذا أرادَ حصرَها، لَزِمَه النظرُ في القرآنِ الكريمِ كلِّه (٦). دليلُ أصحابِ القولِ الثاني: أنَّ بيانَ الأحكامِ الشرعيةِ، وبيانَ الحلالِ والحرامِ بالآياتِ الواردةِ في الأحكامِ، وما عدا آيات الأحكام لا نشترطُ معرفتَها على المجتهدِ؛ لأنَّه لا تَعَلُّقَ لها بالأحكامِ (٧).

стр. 169

• الموازنة والترجيح: لا شكَّ في أنَّ اعتناءَ المجتهدِ بالقرآنِ الكريمِ كلِّه أكملُ وأولى، والذي يظهرُ لي رجحانُه في المسألةِ هو القولُ بلزومِ معرفةِ المجتهدِ لآياتِ الأحكامِ فقط، دونَ اشتراطِ ما زادَ عليها؛ لأنَّ استمدادَ الأحكامِ الشرعيةِ ابتداءً مِن الآياتِ التي وَرَدَت في بيانِها، لكنَّ معرفةَ القرآنِ الكريمِ جميعِه لازمةٌ؛ لتمييزِ آياتِ الأحكامِ عن غيرِها؛ ضرورةَ عدم تقليدِ المجتهدِ لغيرِه في حصرِ آياتِ الأحكامِ. وأشيرُ في هذا المقامِ إلى أنَّه يحسنُ بالمجتهدِ أنْ لا يستغنى عن النظرِ والاستنباطِ في جميعِ القرآنِ بالنظرِ في آياتِ الأحكامِ (١). • سبب الخلاف: مِنْ خلالِ النظرِ في القولين، وما استدلا به، يظهرُ لي أنَّ الخلافَ عائدٌ إلى لزومِ معرفةِ المجتهدِ لما دلَّ عليه القرآنُ مِن الأحكام ممَّا لم يسقِ الكلامُ لأجلِه. فإنْ قلنا: لا يلزمُ المجتهد معرفة ما دلُّ عليه القرآنُ مِن الأحكامِ ممَّا لم يسقِ الكلامُ لأجلِه، لم نُوْجِبْ عليه معرفةَ القرآنِ كلِه، وهذا ما سار عليه أصحابُ القولِ الثاني. وإنْ قلنا: يلزمُ المجتهد معرفة ما دلَّ عليه القرآنُ مِن الأحكامِ ممَّا لم يسقِ الكلامِ لأجلِه، أوجبنا عليه معرفةَ القرآنِ كلِّه، وهذا ما سارَ عليه أصحابُ القولِ الأولِ. المسألة الثانية: عددُ آياتِ الأحكامِ في القرآنِ الكريمِ. مِنْ القرآنِ الكريمِ آياتٌ دالةٌ على الأحكامِ الشرعيةِ، فهلْ عددُ هذه الآياتِ محددٌ؟

стр. 170

اختلفَ العلماءُ في عددِ آياتِ الأحكامِ في القرآنِ الكريمِ على أقوال، منها: القول الأول: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ ألفٌ ومائةُ آية. نُسِبَ هذا القولُ إلى القاضي أبي يوسفَ (١). القول الثاني: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ تسعمائة آية. نُسِبَ هذا القولُ إلى عبدِ الله بنِ المبارك (٢).

стр. 171

القول الثالث: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ خمسمائة آية. وهذا قولُ أبي حامدٍ الغزالي (١)، وأبي بكر بن العربي (٢)، والفخرِ الرازي (٣)، والموفقِ بنِ قدامةَ (٤). القول الرابع: أنَّ مقدارَ آياتِ الأحكامِ مائةُ آية. وقد ذَكَرَ جلالُ الدينِ السيوطي هذا القولَ، ولم ينسبْه إلى أحد (٥). القول الخامس: عدمُ تحديدِ آياتِ الأحكامِ. وهذا قولُ ابنِ دقيق العيد (٦)، وبدرِ الدينِ الزركشي (٧)، والشوكاني (٨)، وعبدِ الله العلوي (٩). ولعلَّ الأقربَ مِنْ وجهةِ نظري: عدمُ التحديدِ المذكورِ في الأقوالِ الأربعةِ الُأولى؛ لأن اختلافَ القرائحِ والأذهانِ، وما يفتحه الله على عبادِه المجتهدينَ مِنْ وجوهِ الاستنباطِ، يختلفُ معها الاستنباطُ مِن الآياتِ، ولعلَّ نظرَ القائلين بالتحديدِ المذكورِ في الأقوالِ اتجه إلى الآياتِ الدالةِ على الأحكامِ دلالةً أَوْلية، لا بطريقِ التضمَّنِ والالتزامِ (١٠).

стр. 172

المسألة الثالثة: هل يُشتَرطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ؛ لبلغِ رتبةِ الاجتهادِ؟ لا ريبَ أنَّ حفظَ القرآنِ الكريمِ أكملُ، وهذا ممَّا لا خلافَ فيه بين العلماءِ، وإنَّما وَقَعَ خلافُهم في اشتراطِ حفظِه لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ على أقوالٍ، أهمها: القول الأول: لا يُشترطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ، ولا يُشترطُ أيضًا حفظُ آياتِ الأحكامِ، وإنَّما يُشتَرطُ العلمُ بمواضعِ الآياتِ عند طلبِ الحُكمِ. وقد ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمعٌ مِن الأصوليين، منهم: أبو الوليد الباجي (١)، وأبو حامدٍ الغزالي (٢)، والفخرُ الرازي (٣)، والموفقُ بنُ قدامةَ (٤)، وأبي القاسم الرافعي (٥)، وصفيُّ الدِّينِ الهندي (٦)، والطوفيُّ (٧)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (٨)، والمرداويُّ (٩). القول الثاني: يُشترطُ حفظُ القرآنِ الكريمِ جميعِه. نُسبَ هذا القولُ إلى الإمامِ الشافعي (١٠). ونسبه أبو المظفرِ

стр. 173

السمعاني (١)، وأبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ (٢)، وأمير بادشاه (٣) إلى كثيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ. واختاره ابنُ جزي المالكي (٤). القول الثالث: يُشترطُ حفظُ آياتِ الأحكامِ، دونَ الآياتِ الواردةِ في غيرها، كالقصص والأمثال والزواجر. نَسَبَ أبو الوفاءِ ابنُ عقيلٍ هذا القولَ إلى المحققين (٥). وذَكَرَ بعضُ الأصوليين هذا القولَ دونَ نسبةٍ إلى أحدٍ، منهم: أبو المظفرِ السمعاني (٦)، ومحمدٌ البابرتي (٧)، وأمير بادشاه (٨).

стр. 174

واختاره: بعضُ الحنابلةِ (١). • أدلةُ الأقوالِ: دليلُ أصحابِ القولِ الأولِ: أنَّ المقصودَ مِن الاجتهادِ إثباتُ الحكمِ بدليلِه، وهذا المقصَدُ يحصلُ دونَ الحاجةِ إلى الحفظِ، والذي يُحَققه العلمُ بموضعِه (٢). دليلُ أصحاب القولِ الثاني: أنَّ الحافظَ للقرآنِ الكريمِ أضبطُ لمعانيه مِن الناظرِ في القرآنَ (٣). ويمكن مناقشة الدليل: بأنَّه لا نُسلّمُ أنَّ الحافظَ للقرآنِ أضبطُ لمعانيه مِنْ غيرِ الحافظِ؛ بدليلِ الواقعِ المشاهدِ؛ فهناك مَنْ يحفظُ القرآنَ دونَ أنْ يغوصَ في معانيه، وهناك مَنْ هو عالمٌ بمعاني القرآنِ، وهو غيرُ حافظٍ له. دليل أصحاب القول الثالث: لم أقفْ لأصحابِ القولِ الثالثِ على دليلٍ - فيما رجعت إليه من مصادر - ولعلَّهم جمعوا بين القولين، فقالوا بالتوسطِ بينهما؛ فاشترطوا الحفظَ لآياتِ الأحكامِ، دونَ الآياتِ الواردةِ في غيرِها. • الموازنة والترجيح: بالنظرِ في الأقوالِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي رجحانُ القولِ الأولِ القائلِ بعدمِ اشتراطِ حفظِ القرآنِ؛ لأنَّ قصدَ المجتهدِ أصالةً استنباطُ الحكمِ مِن القرآنِ الكريمِ، ومعرفةُ موضع الآية مِن القرآن يُحققُ له هذا المقصد، دونَ أدنى خللٍ في اجتهادِه، إضافَةً إلى أنَّ كثيرًا من مجتهدي الصحابة ﵃ كأبي بكر وعمر وغيرهما، لم يحفظوا القرآنَ الكريمَ (٤).

стр. 175

• سبب الخلاف: مِنْ خلالِ النظرِ في الأقوالِ، وما استدلوا به، يظهرُ لي أنَّ سببَ الخلافِ عائدٌ إلى المقدارِ الذي تتحقق معه معرفة القرآن. فأصحابُ القولِ الأولِ، قالوا: القدرُ الذي تتحقق معه معرفةُ القرآنِ، هو العلمُ بمواطنِ الآياتِ. وأصحابُ القولِ الثاني، قالوا: القدرُ الذي تتحقق معه معرفةُ القرآنِ، هو حفظُه. الشرط الثاني: معرفةُ السُنةِ النبويةِ. تعدُّ السنةُ النبويةُ المصدر الثاني مِنْ مصادرِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وتأتي في المرتبةِ الثانيةِ بعد القرآنِ الكريمِ. والسنةُ عند الأصوليين: ما أُثِرَ عن النبي ﷺ مِنْ قولٍ، أو فعلٍ، أو تقريرٍ (١). يقولُ إمامُ الحرمينِ الجويني - في معرضِ حديثِه عن اشتراطِ معرفةِ السنةِ للمجتهدِ -: "فهي - أيْ: السنن - القاعدةُ الكبرى؛ فإنَّ معظمَ أصولِ التكاليفِ متلقى مِنْ أقوالِ الرسولِ ﷺ ، وأفعالِه، وفنونِ أحوالِه، ومعظمُ آي الكتابِ لا يستقلُّ دونَ بيانِ الرسولِ" (٢). ولمعرفة السنة النبوية جانبان: الأول: السندُ الذي يُروى به الحديثُ النبويُّ. ويتعلّقُ به ثبوتُ الحديثِ النبوي، ويُسَمَّى معرفة السنةِ روايةً. الثاني: لفظُ الحديثِ النبويّ.

стр. 176

ويتعلّقُ به دلالةُ الحديثِ النبوي على الحكمِ، ويُسَمَّى معرفة السنة دِرَايةً. فتُشترط معرفةُ المجتهدِ للسنةِ النبويةِ: روايةً، ودِرَايةً. أولًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ روايةً. مِن المعلومِ أنَّ السنةَ النبويةَ متى ما كانت ثابتةً، فهي حجةٌ (١)؛ ولذا فإنَّ المجتهدَ يحتاجُ إلى التمييزِ بين السننِ والأحاديثِ صحةً وضعفًا (٢). وحتى يُحقق المجتهدُ هذه الوظيفةَ، لا بُدَّ له مِنْ معرفةِ أحوالِ الرواةِ، فيعرف الرواةَ الذين تُقبل روايتهمٍ، والرواةَ الذين تُرَدُّ روايتهم؛ ليتمكنَ مِن الحكمِ على الحديثِ صحةً وضعفًا (٣). ولا يُشترطُ أنْ يكونَ حافظًا لأحوالِ الرواةِ عنْ ظهرِ قلبٍ، بل المعتبرُ أنْ يتمكنَ مِنْ معرفةِ حالِ الراوي بالنظرِ في كتبِ الرجالِ، متى احتاجَ إلى تحقيقِ الحكمِ على أيِّ حديثٍ (٤). ولا يُشترطُ أيضًا: أنْ يبلغَ في معرفةِ الأسانيدِ، وأحوالِ الرجالِ درجةَ أئمة الحديث، كابنِ معينٍ (٥) وسفيانَ الثوري (٦) والبخاري ومسلمٍ وغيرِهم،

стр. 177

إنَّما يكفيه أنْ يُعَوّلَ على أهلِ هذا الشأنِ (١). ولا يظهرُ لي مانعٌ مِنْ أخذِ المجتهدِ الحكمَ على الحديثِ مِنْ أحدِ الأئمةِ الذين يثقُ بهم في صناعةِ الحديث. ثانيًا: معرفةُ السنةِ النبويةِ دِرَايةً. كما تقدم القولُ فيما يحتاجهَ المجتهدُ في النظرِ في القرآنِ الكريمِ: عامِّه وخاصِّه، مطلقِه ومقيدِه، مجملِه ومفصلِه ... كذلك القولُ هنا: يحتاجُ المجتهدُ إلى النظرِ في السنةِ المطهرةِ، عامّها وخاصّها، مطلقِها ومقيّدِها، مجملِها ومفصلِها، منطوقِها ومفهومِها، ناسخها ومنسوخها، ومعاني ألفاظها (٢). يقولُ أبو المظفرِ السمعاني: "إذا عَرَفَ مِن الله ما يعلمُ به مرادَ الله تعالى، ورسولِه ﷺ مِن الكتابِ والسنةِ في الخطابِ الواردِ فيهما، وعَرَفَ مواردَ الخطاب، ومصادرَه مِن الكتابِ والسنةِ، مِن الحقيقةِ والمجازِ، والأمرِ والنهي، والعامِّ والخاصِّ، والمجملِ والمفصلِ، والمنطوقِ والمفهومِ، والمطلقِ والمقيدِ، وعَرَفَ الناسخَ والمنسوخَ، وعَرَفَ أحكامَ النسخِ: فهذا القدرُ كافِ" (٣).

стр. 178

ويتصل باشتراطِ معرفةِ السنةِ النبويةِ عدّة مسائل، منها: المسألة الأولى: القدرُ الواجبُ معرفته من السنةِ النبويةِ. لا تُشترطُ الإحاطةُ بالسنةِ النبويةِ لبلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في الشريعةِ الإسلاميةِ؛ وإلا لو قيلَ باشتراطِ الإحاطةِ بالسنةِ، لأدَّى ذلك إلى عدمِ وجودِ مجتهدٍ (١). يقولُ أبو بكرٍ الجصاص: "ولو كانَ ذلك - أيْ: إحاطة المجتهد بالسنة - شرطُ جوازِ الاجتهادِ، لما جازَ لأحدٍ مِن القائسين بعد النبي ﷺ أنْ يجتهدَ؛ لفقدِ علمِه بالإحاطةِ لهذه الأصولِ" (٢). وأيضًا: فقد اجتهدَ الصحابةُ ﵃ في وقائعَ متعددة، مع عدمِ إحاطتِهم بجميعِ ما جاءَ عن النبي ﷺ (٣). المسألة الثانية: اقتصارُ المجتهدِ على معرفةِ أحاديثِ الأحكامِ. اتفق الأصوليون على أنَّ مِنْ شروطِ الاجتهادِ معرفةَ أحاديثِ الأحكامِ، واختلفوا في اشتراطِ معرفةِ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ، كالقصص والمواعظ، على قولين: القول الأول: لا تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في غيرِ الأحكامِ. ذَهَبَ إلى هذا القولِ جمهورُ الأصوليين، كإمامِ الحرمينِ الجويني (٤)، وأبي حامدٍ الغزالي (٥)، والفخر الرازي (٦)، وصفَي الدين الهندي (٧)، وعبد العزيز البخاري (٨)، وتاجِ الدين بنِ السبكي (٩)، وجمالِ الدين

стр. 179

الإسنوي (١)، والمرداوي (٢). القول الثاني: تُشترطُ معرفةُ الأحاديثِ الواردةِ في الأحكام، والأحاديثِ الواردةِ في غيرِها. وهذا القولُ هو ظاهرُ اختيارِ شهابِ الدين القرافي (٣)، واختاره عددٌ مِن العلماءِ، منهم: الشوكانيُّ (٤)، والشيخُ محمد الخضر حسين (٥). وقد بيَّن الشوكانيُّ القدرَ المطلوبَ مِن المجتهدِ في معرفةِ السنةِ بقولِه: "الحقُّ الذي لا شكَّ فيه ولا شبهةَ، أنَّ المجتهدَ لا بُدَّ أنْ يكونَ عالمًا بما اشتملتْ عليه مجاميعُ السنةِ التي صنّفها أهلُ الفنِّ، كالأمهاتِ الستِّ، وما يلتحقُ بها؛ مُشْرِفًا على ما اشتملتْ عليه المسانيدُ والمستخرجاتُ، والكتب التي التزمَ مصنفوها الصحةَ" (٦). وما ذكرتُه تحت مسألةِ: (هل تشترط معرفة القرآن الكريم كله لبلوغ رتبة الاجتهاد؟ ) من أدلة ومناقشات، تُذكرُ هنا. المسألة الثالثة: اشتراطُ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ. تكادُ تتفقُ كلمةُ الأصوليين على عدمِ اشتراطِ حفظِ الأحاديثِ النبويةِ

стр. 180

بألفاظِها، وإنْ كان حفظُها أحسنَ وأتمَّ. وممَّنْ نصَّ على عدمِ اشتراطِ الحفظِ: أبو حامدٍ الغزالي (١)، والفخرُ الرازي (٢)، وعبد العزيز البخاري (٣)، وتاجُ الدين بنُ السبكي (٤)، وجمالُ الدين الإسنوي (٥)، والشوكانيُّ (٦). يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي: "ظاهرُ كلامِهم - أيْ: كلام العلماء - أنَّه لا يُشترطُ حفظُ السننِ بلا خلافٍ" (٧). وعلّةُ عدمِ اشتراطِ حفظِ السنةِ النبويةِ، صعوبتُه وعسرُه (٨). ويُشترطُ في هذا المقامِ: أنْ يتمكنَ المجتهدُ مِن استخراجِ الحديثِ مِنْ مواضعِه ومظانِّه عند الحاجة إلى ذلك (٩). وقد ذَكَرَ أبو حامدٍ الغزالي (١٠)، والفخرُ الرازي (١١) - وهما مِن
следующие страницы →