← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وجه الدلالة: دلَّ الحديثُ على تحريمِ الإفتاءِ بغير ثبتٍ، وإفتاءُ المتمذهبِ بمذهبِه تقليدًا داخلٌ تحتَ ما حذَّر منه النبيُّ ﷺ (١). ويمكن أنْ يناقش الدليل الأول: بأنَّ الممنوعَ الإفتاءُ بغيرِ علمٍ وبيّنةٍ، وإذا أفتى المتمذهبُ بقولِ إمامِه، فإنَّه أفتى بقولِ عالمٍ توصَّلَ إلى قولِه عن اجتهادٍ وبيّنةٍ. الدليل الثاني: حديثُ جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرجنا في سفرٍ، فأصابَ رجلًا منا حجرٌ، فشجه في رأسِه، ثمَّ احتلم، فسألَ أصحابَه: هل تجدونَ لي رخصةً في التيممِ؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنتَ تقدرُ على الماءِ، فاغتسلَ، فماتَ. فلمَّا قدمنا على النبي ﷺ أُخبِر بذلك، فقالَ: (قتلوه قَتَلَهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاءُ العيّ السؤال) ((٢). وجه الدلالة: أنّ النبيَّ ﷺ دعا على مَنْ أفتى بغيرِ علمٍ، وهذا يدلُّ على تحريمِ إفتاءِ المتمذهبِ بقولِ إمامِه تقليدًا له (٣).

стр. 1227

ويمكن أن يناقش الدليل الثاني بمثل مناقشةِ الدليلِ الأولِ. الدليل الثالث: لو جازت الفتيا عن طريقِ حكايةِ المذهبِ، لجازَ للعامي الإفتاءُ بطريقِ الحكايةِ، بجامعِ: عدمِ بلوغِ رتبةِ الاجتهادِ في كلٍّ منهما، والعاميُّ لا يجوزُ له الإفتاءُ بقولِ أحدٍ مِن الأَئمةِ، فكذا مَنْ عداه (١). مناقشة الدليل الثالث، نوقش الدليل من وجهين: الوجه الأول: أنَّ الإجماعَ - الآتي في دليلِ أصحاب القولِ الثالثِ - هو الذي نَهَضَ بالمتمذهب المتبحّرِ في مذهبِه المطَّلعِ على مآخذِه، فجوَّز له الإفتاءَ، والعاميُّ لا دليلَ عَلى جوازِ إفتائِه (٢). الوجه الثاني: هناك فرقٌ واضحٌ بين المتمذهبِ المطَّلعِ على مذهبِ إمامِه ذي الأهليةِ، والعامي، فلا تصحُّ التسوية بينهما، ولذا صحَّ لنا منعُ العامي مِن الإفتاءِ بقولِ أحدٍ مِن الأئمةِ، وتجويزُه للمتمذهبِ البصيرِ بمذهبِ إمامِه؛ إذ يبعدُ عنه الخطأُ (٣). الدليل الرابع: أنَّنا نمنعُ إفتاءَ المتمذهبِ بقولِ إمامِه؛ لأنَّه تقليدٌ

стр. 1228

لمجتهدٍ ميتٍ، وتقليدُ الميتِ غيرُ جائزٍ (١). مناقشة الدليل الرابع: لا نُسلّمُ لكم منعَ تقليدِ المجتهدِ الميتِ، وقد تقدمَ الحديثِ عن هذه المسألةِ فيما سَبَقَ، وظَهَرَ ضعفُ القولِ المانع مِن تقليدِ المجتهدِ الميتِ. أدلةُ أصحابِ القولِ الثاني: استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بأدلةٍ، منها: الدليل الأول: إذا ثَبَتَ عند المتمذهبِ - أيًّا كانتْ درجتُه في مذهبِه - قولُ إمامِه، فما المانع مِنْ إفتائِه به على سبيلِ الحكايةِ؟ ! إذ هو ناقلٌ له، ويكون حالُه كحالِ ناقلِ أحاديثِ النبي ﷺ (٢). مناقشة الدليل الأول: ليس الخلافُ في نقلِ قولِ المجتهدِ حتى يُقال: إنَّه كنقلِ أحاديثِ النبي ﷺ ، وإنَّما حديثُنا عن نقلِ قولِه إفتاءً للواحدِ مِن الناسِ، ليعملَ بمقتضاه (٣).

стр. 1229

الدليل الثاني: أنَّ الفتيا الصادرةَ مِن المتمذهب: إِمَّا أنْ تكون نقلًا لفتيا إِمامِه، فهو مبلِّغ، وليس له اجتهادٌ فيها، فيعتبرُ نقَله (١)، وإِمَّا أنْ تكونَ فتياه تخريجًا على ما نصَّ عليه إِمامُه، فيعتبرُ تخريجُه؛ لأهليتِه (٢). دليل أصحاب القول الثالث: أجمعَ أهلُ كلِّ عصر على قبولِ إِفتاءِ أربابِ المذاهبِ المجتهدين فيها بمذاهبِهم، حكاه الآمدي (٣). وتَبِعَ الآمديَّ في حكايةِ الإِجماعِ جمعٌ مِن الأصوليين منهم: ابنُ الحاجبِ (٤)، وابنُ دقيق العيد (٥)، وأبو الثناءِ الأصفهاني (٦)، وتاجُ الدين السبكي (٧)، وابنُ الهمام الحنفي (٨)، وابنُ أمير الحاج (٩)، وأمير باد شاه (١٠)، وأحمدُ المنجور (١١)،

стр. 1230

ومحبُّ الله بن عبد الشكور (١)، ومحمدُ الخضر الشنقيطي (٢). يقولُ عضدُ الدينِ الإِيجي: "وَقَعَ إِفتاءُ العلماءِ، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين في جميعِ الأعصارِ، وتكرر، ولم يُنكرْ، فكان إِجماعًا" (٣). وحكى بعضُ الأصوليين إِجماعَ أهلِ العصرِ على إِنكارِ إِفتاءِ غيرِ المتبحّرِ في مذهبِه، منهم: ابنُ الحاجب (٤)، وتاجُ الدين السبكي (٥)، وابنُ أمير الحاج (٦)، وأمير باد شاه (٧). مناقشة دليل أصحاب القول الثالث: إِنَّ الإِجماعَ المذكورَ في دليلِكم هو اتفاقُ غير المجتهدين، وحقيقةُ الإِجماعِ اتفاقُ المجتهدين، ولا عبرةَ باتفاقِ غيرِهم (٨). الجواب عن المناقشة، أجيب عنها من وجهين: الوجه الأول: لا نُسَلّم أنَّ الاتفاقَ المحكي اتفاقُ غيرِ المجتهدين، بل المتفقون في الإِجماعِ المذكورِ هم مجتهدون في مسألةِ: (جواز إِفتاءِ مجتهدِ المذهبِ بمذهبِ إِمامِه) بخصوصِها؛ إِذ تحققَ لهم الاجتهادُ فيها، وإِنْ لم يكونوا مجتهدين مطلقين، وهذا جائزٌ؛ لجوازِ تجزؤ الاجتهادِ (٩). الجواب عن الوجه الأول: قولكم: إِنَّ مجتهدي المذاهب تحققَ لهم الاجتهادُ في مسألةِ: (إِفتاء مجتهد المذهب بمذهب إِمامه)، مجرَّدُ دعوى؛ لم

стр. 1231

تقيموا الدليلَ عليها، فلا نُسلمها لكم (١). الوجه الثاني: ما ذكرتم مِنْ حقيقةِ الإِجماعِ، وأنَّه اتفاقُ المجتهدين، أمرٌ مسلَّمٌ، ونحنُ لم ندَّعِ اتفاقَ المقلِّدين، وإِنَّما نُثْبِتُ اتفاقَ السابقين مِن المجتهدين على حكمِ أهلِ الزمانِ بجوازِ إِفتاءِ مجتهدي المذاهبِ بمذاهبِهم (٢). يقولُ الشيخُ محمدٌ بخيت المطيعي: "إِنَّ أصحابَ أبي حنيفةَ كانوا يفتونَ في زمانِ الإِمامِ الشَّافعي والإِمامِ أحمدَ، وغيرِهما مِن المجتهدين، وأنَّهم جميعًا أقروا ذلك بلا نكيرٍ مِنْ أحدٍ، فكانَ هذا إِجماعًا" (٣). ويمكنُ أن يُستدلَ لأصحابِ القولِ الثالثِ بالدليلِ الثاني لأصحابِ القولِ الثاني. • الموازنة والترجيح: بالنظرِ في المسألةِ بأقوالِها وأدلتها يظهر لي الآتي: الأول: أنَّ لمجتهدِ المذهب الإِفتاءَ بمذهبِه (٤)؛ وذلك لجريانِ العملِ بالاعتدادِ بالأقوالِ الَّتي يتوصَّلُ إِليَها، كما في دليلِ أصحابِ القولِ الثالثِ. وقد مالَ تاجُ الدين السبكي إِلى أنَّ لمجتهدِ المذهبِ الإِفتاءَ؛ لظنِّه قيام الإِجماعِ على جوازِ إِفتائِه (٥). ويقولُ بدرُ الدين الزركشي عن أربابِ طبقةِ مجتهدي المذهبِ: "يجوزُ الإِفتاءُ قطعًا" (٦).

стр. 1232

فكأنَّ تاجَ الدين السبكي، وبدرَ الدين الزركشيَّ يميلانِ إِلى خروجِ مجتهدِ المذهبِ مِن الخلافِ. الثاني: مَنْ كان مِنْ مجتهدي الترجيحِ في مذهبِه (مجتهدي الفتيا)، ولم يبلغْ درجةَ الاجتهادِ المقيَّدِ فيه، فله الإِفتاءُ بما ترجَّحَ عنده في مذهبِه (١). وفي تسميةِ المتمذهبِ بمجتهدِ الفتيا إِشارةٌ إِلى صحةِ إِفتائِه (٢). الثالث: مَنْ كانَ حافظًا لمذهب إِمامِه غيرَ متجاوزٍ لطبقةِ: (حافظ المذهب)، فله الإِفتاءُ فيما نصَّ إِمامُه عَلى حكمِه، إِذا لم يُوْجَد غيرُه ممَّنْ هم أعلى طبقة منه، في مسألةٍ يجزمُ أنَّها مثلُ الَّتي نصَّ عليها إِمامُه (٣)، وليس له الإِفتاءُ فيما لم يقفْ لإِمامِه على نصٍّ. وقد رجحتُ ما سَبَقَ؛ لترجيحي جواز تقليدِ المجتهدِ الميتِ، والقولُ بالجوازِ يقتضي القولَ بجوازِ إِفتاءِ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه. وأيضًا: فإِنْ كان قصدُ السائلِ العملَ بمذهب إِمامٍ معيَّنٍ، فالمتعيّن أنْ تكونَ الفتيا مطابقةً لمذهب الإِمام المسؤولِ عنه (٤)، والتفصيلُ الَّذي ذكرتُه يحققُ هذا المقصودَ. أمَّا إِنْ سألَ السائلُ عن الحكمِ الشرعي: فعلى المتمذهب إِفتاءَه بما يعلمُه في الشرعِ إِنْ كان أهلًا لهذا الأمرِ (٥)، وإِلَّا أمسكَ عن الَإِفتاءِ، وبيَّنَ للسائلِ قولَ إِمامِه.

стр. 1233

وقد علَّق تقيُّ الدين بنُ تيمية على كونِ المستفتي يريدُ قولَ إِمامٍ معيّنٍ، فقالَ: "أكثرُ المستفتين لا يخطرُ بقلبِه مذهبٌ معيّنٌ عند الواقعةِ الَّتي يَسْأَلُ عنها، وإِنَّما سؤالُه عنْ حكمِها، وما يعملُ به فيها" (١). • نوع الخلاف: أشارَ ابنُ الصلاحِ إِلى أنَّ الخلافَ بين الأقوالِ خلافٌ لفظي، فَحَمَل مرادَ المانعين مِن إِفتاءِ المتمذهبِ مطلقًا، والمانعين لغيرِ المجتهد في مذهب إِمامِه على أنَّه ليس له أنْ يُفتي بمذهبِه على أنَّه مِنْ عندِ نفسِه، ويوجبون عليَه إِضافةَ الفتيا إِلى مذهبِ إِمامِه (٢). يقولُ ابنُ الصلاحِ بعدما قرَّر ما ذكرتُه آنفًا: "فعلى هذا مَنْ عددناه في أصنافِ المفتين (٣) مِن المقلِّدين ليسوا على الحقيقةِ مِن المفتين، ولكنَّهم قاموا مقامَ المفتين، وأَدُّوا عنهم فعُدّوا معهم، وسبيلهم في ذلك أن يقولوا مثلًا: مذهبُ الشَّافعي كذا وكذا، ومقتضى مذهبِه كذا وكذا، وما أشبه ذلك، ومَنْ تَرَكَ منهم إِضافةَ ذلك إِلى إِمامِه، إِن كان ذلك منه، اكتفاءً بالمعلومِ مِن الحالِ عن التصريحِ بالمقالِ: فلا بأسَ" (٤). • سبب الخلاف: يظهرُ أن الخلافَ في مسألةِ: (إِفتاء المتمذهب بمذهبه) عائدٌ إِلى السببين الآتيين: السبب الأول: حكمُ تقليدِ الميتِ، وقد سبقت الإِشارةُ إِلى هذا حين تحدثتُ عنْ نوعِ الخلافِ في مسألةِ: (حكم تقليد الميت).

стр. 1234

يقولُ جمالُ الدين الإِسنوي: "في الإِفتاءِ بقولِه - أيْ: بقول المجتهد - خلافٌ ينبني على جوازِ تقليدِه" (١). فمَنْ قال: يجوزُ تقليدُ الميتِ، جوَّز للمتمذهبِ - إِمَّا مطلقًا، وإِمَّا لمجتهدِ المذهبِ - الإِفتاءَ بمذهبِه. ومَنْ قالَ: لا يجوزُ تقليدُ الميتِ، مَنَعَ المتمذهبَ مِن الإِفتاءِ بمذهبِ إِمامه؛ لأنَّه ميتٌ. السبب الثاني: أتعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهبِ قولًا له، أم قولًا لإِمامِه؟ (٢). إِنْ قلنا: تعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهبِ قولًا له، لم نجوِّزْ له الإِفتاءَ؛ لأنَّه غيرُ مجتهدٍ، وهذا ما ذَهَبَ إِليه أصحابُ القولِ الأولِ. وإنْ قلنا: تعدُّ الفتيا الصادرة عن المتمذهب قولًا لإِمامِه، جوَّزنا له الإِفتاءَ؛ لأنَّه أفتى بقولِ مجتهدٍ، وهذا ما ذَهَبَ إِليه أصحابُ القولِ الثاني، والقولِ الثالث. وقبلَ الانتقالِ إِلى المطلبِ الثاني، أرى مِن المهمِّ الحديثُ عن مسألةٍ متصلةٍ بمسألةِ: (إفتاء المتمذهب بمذهبه)، وهي: هل للمتمذهبِ أن يفتي بقولٍ ضعيفٍ في مذهبِه؟ وقبل الحديثِ عن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ، أُحِبُّ أنْ أشيرَ إِلى الأمورِ الآتيةِ: الأمر الأول: مَن مَنَعَ الإِفتاءَ بالمذهبِ وبقولِ إِمامِه الثابتِ عنه، فإِنَّه يمنعُ الإِفتاءَ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ مِنْ بابٍ أولى.

стр. 1235

الأمر الثاني: ليس مرادي بالقولِ الضعيفِ هنا القولَ المرجوحَ مِنْ حيثُ الدليلُ، بل المراد القولُ المضعَّفُ في المذهب أيًا كانتْ درجةُ قوتِه مِنْ حيثُ الدليلُ (١). الأمر الثالث: تتفاوتْ درجةُ ضعفِ القولِ في المذهبِ، فقد يكون القولُ بالغَ الضعفِ في المذهب (٢) بحيثُ يكون نفيُه عن الذهبِ أقربَ مِنْ نسبتِه إِليه، وقد يكون ضعيفًا ضعفًا يسيرًا، كبعضِ الوجوهِ والطرقِ. ولذا لا بُدَّ مِنْ ثبوتِ نسبةِ القولِ الضعيفِ إِلى المذهب (٣)، فلو بيَّنَ محققو المذهب عدمَ صحةِ نسبةِ القولِ الضعيفِ إِلى مذهبِهَم أصلًا، وأن نسبتَه غلطٌ عليه، لما ساغَ الإِفتاءُ به (٤). ولشهابِ الدينِ القرافي كلامٌ جيّدٌ في موضوعِ التَّثَبّت في نسبةِ القولِ إِلى المذهبِ، يقولُ فيه: "ينبغي أنْ يُحْذَرَ ممَّا وَقَعَ في زمانِنا مِنْ تساهلِ بعضِ الفقهاءِ بالفتوى مِن الكتب الغريبةِ التي ليس فيها روايةٌ عن المجتهدِ بالسندِ الصحيحِ، ولا قامَ مقامَ ذلك شهرةٌ عظيمةٌ تمنعُ مِنْ التصحيفِ والتحريفِ بسببِ الشهرةِ. وبالغَ بعضهم في التساهلِ حتى صارَ إِذا وَجَدَ حاشيةً على كتابٍ أفتى بها! وهذا عدمُ دينٍ، وبُعْدٌ شديدٌ عن القواعدِ" (٥). الأمر الرابع: يُعْرَفُ ضعفُ القولِ في المذهب بأقوالِ محققيه، وأهلِ الترجيحِ فيه، وبمصطلحاتِ نقلِه الدالةِ على درجةِ القَولِ (٦).

стр. 1236

الأمر الخامس: إِنْ تحققَ للمتمذهب وصفُ الاجتهادِ المطلقِ، أو الاجتهادِ الجزئي فيما سَألَ عنه السائلُ، وَترجَّح عنده القولُ الضعيفُ في المذهبِ، فله الإِفتاءُ به؛ لرجحانِه مِنْ جهةِ الدليلِ (١)، إِنْ لم يكنْ سؤال العامي عن قولِ إِمامِ المذهبِ. وبعد هذا أقولُ: إِذا سأل العاميُّ عن حكمِ مسألةٍ في مذهبِ إِمامِ بعينِه، فالأصلُ الإِفتاءُ بالأقوالِ الصحيحةِ والمعتمدةِ ممَّا تصحُّ الفتوى به في المذهبِ، وعدمُ الإِفتاءِ بقولٍ ضعيفٍ فيه (٢)، دونَ مسوِّغٍ (٣). فإِنْ كان في القولِ الضعيفِ في المذهب رخصةٌ، وكان هناك حاجةٌ إِلى الأخذِ بها (٤)، فالحكمُ هنا يتبعُ مسألةَ: (تتبع الرخص) (٥)، وقد تقدم الحديثُ عنها (٦). وقد جاءَ عن بعضِ العلماءِ - كبعضِ الحنفيةِ (٧) - المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ. وصرَّح جمعٌ مِنْ علماءِ المالكيةِ بمنعِ الإِفتاءِ بغيرِ القولِ المشهورِ في

стр. 1237

المذهبِ، مِنْ هؤلاءِ: أبو عبد الله المازري (١)، وأبو إِسحاقَ الشاطبي (٢)، وأبو العبَّاسِ الونشريسي (٣) - وقد نسبه الونشريسيُّ إِلى شيوخِه المتأخرين (٤)، ونسبه محمد الدسوقي إِلى الأشياخِ (٥) - ومقتضى قولهم المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ مطلقًا. وعللوا لقولِهم بالمفاسدِ الَّتي قد تترتبُ على تركِ الإِفتاءِ بالقولِ المشهورِ في المذهبِ مِنْ تتبع الناسِ للرخص، وللهوى (٦)، وانحلال عرى المذاهبِ (٧). وفي تعليلهم إِشارةٌ إِلى بناءِ قولِهم على منعِ تتبعِ الرخصِ، ولسدِّ الذريعةِ (٨). وظاهرُ قولِ ابنِ حجر الهيتمي المنعُ مِن الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ مطلقًا (٩).

стр. 1238

ويُلْحَق بهؤلاءِ القائلون بجوازِ العملِ بالقولِ الضعيفِ - بشروط معينةٍ - دونَ الإِفتاءِ به، فلا يجوز. وممَّنْ ذَهبَ إِلى التفريقِ بين العملِ بالضعيفِ، والإِفتاءِ به: محمد المسناوي المالكي (١)، وعبد الله العلوي (٢)، ومحمد الجكني (٣)، وأبو عبد الله الفاسي (٤)، ومحمد الأمين الشنقيطي (٥). ونَسَبَه محمد الدسوقي إِلى المالكيةِ المغاربةِ (٦). ودليلهم: ليس للمتمذهب أنْ يفتي غيرَه بالقولِ الضعيفِ؛ لأنَّ المتمذهبَ لا يمكنه تحقق الضرورة مِنْ غيرِه، لذا لا يفتي بغيرِ المشهورِ مِن المذهبِ؛ سدًّا للذريعةِ (٧). والذي يظهرُ لي أنَّه يسوغُ الإِفتاءُ بالقولِ الضعيفِ في المذهبِ في بعضِ الأحواِل، وذلك بالضوابط الآتيةِ (٨):

стр. 1239

الضابط الأول: أنْ يكونَ المفتي بالقولِ الضعيفِ عارفًا بالمذهبِ ومآخذِه بارعًا فيه (١). يقولُ بدرُ الدين الزركشي تحت مسألةِ: (هل للبارع في المذهب أن يفتي بالوجوه المرجوحة إِذا قوي مدركها؟ ): "هذا كلُّه بعدَ تبحّرِ المفتي أو الحاكم في المذهبِ، وإِلَّا فيمتنع قطعًا" (٢). فإِنْ لم يكن المتمذهبُ بهذه الصفةِ لم يجزْ إِفتاؤه بالقولِ الضعيفِ حينئذٍ. الضابط الثاني: أنْ لا يكون القولُ في نفسِه قولًا شاذًّا لم يقلْ به أحدٌ مِن العلماءِ المعتبرين، ولا ضعيفًا ضعفًا شديدًا في المذهبِ (٣). فيتعين أنْ يكونَ القولُ مِن الأقوالِ المقبولةِ الَّتي قوي دليلُها (٤)، وأن لا يكون مخالفًا لنصٍّ في الكتابِ أو السنةِ (٥). الضابط الثالث: أنْ تكونَ هناك ضرورةٌ أو حاجةٌ داعيةٌ إِلى الإِفتاءِ بالقولِ الضعيفِ (٦)،

стр. 1240

أو مصلحةٌ راجحةٌ تترتبُ على الإِفتاءِ به (١). الضابط الرابع: أنْ لا ينسبَ المتمذهبُ القولَ الضعيفَ الَّذي أفتى به إِلى إِمامِه، ولا سيما إِنْ كان له نصٌّ بخلافِه، ولا يطلق نسبتَه إِلى المذهبِ (٢)، بلْ الأَولى أنْ يبيِّنَ للمستفتي ضعفَ القولِ في المذهبِ (٣). ومحلُّ الضوابطِ السابقةِ إِنْ لم يكن سؤالُ المستفتي عن الحكمِ في المذهبِ بإطلاق، أو عن المعتمدِ أو الراجحِ فيه، فإِنْ سألَ عنه لم يسغ الإِفتاءُ بالضعيفِ في المذهبِ (٤)، إِلَّا إِذا ترجّحَ عند المتمذهب مِنْ جهةِ الدليلِ، فله الإِفتاءُ به حينئذٍ، مع بيانِ ذلك. * * *

стр. 1241

المطلب الثاني: إِفتاء المتمذهب بغير مذهب إِمامه قد يرى المتمذهبُ حين يُسأل عن مسألةٍ ما أنْ يفتي السائلَ بغيرِ مذهبِه، كانْ يستفتي العاميُّ عالمًا حنبليًا عن حكمِ مسألةٍ ما، فيفتيه بقولِ المالكيةِ مثلًا، فهلْ للمتمذهبِ ذلك؟ قبلَ الشروعِ في الحديثِ في هذه المطلب، أنبِّه إِلى أنَّه لا يختلفُ الحديثُ في هذه المسألةِ عمَّا قررتُه في مسألةِ: (الخروج عن المذهب)؛ إِذ حقيقةُ الإِفتاءِ بغيرِ المذهبِ أنَّها خروجٌ عنه، وقد تحدثَ جمعٌ مِن العلماءِ عن مسألةِ: (إفتاء المتمذهب بغير مذهبه) بخصوصها. وأُحبُّ قبل الحديثِ عن مسألةِ: (إفتاء المتمذهب بغير مذهبه)، التنبيه إِلى عدّةِ أمورِ: الأمر الأول: مَنْ قالَ في المطلبِ الأولِ: (إفتاء المتمذهب بمذهبه): لا يجوزُ إِفتاءُ المتمذهبِ بمذهبِ إِمامِه، فإنَّه يمنعُ إِفتاءَه بغيرِ مذهبِه. ومقتضى قولِ مَنْ قالَ في المطلب الأولِ: يجوز إِفتاء المتمذهب إِن كان مجتهدًا في مذهب إِمامه، وإِنْ لم يَكن مجتهدًا في مذهب إِمامِه، فلا يجوز له الإِفتاءُ: أنَّه يمنعُ إِفتاءَ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه؛ لأنَّ المفتي غيرُ مجتهدٍ في المذهبِ الَّذي يريدُ الإِفتاءِ بقولهم، إِلَّا إِنْ تحققَ له الاجتهادُ المقيَّدُ في المذهبين، فيجوزُ له الإِفتاءُ حينئذٍ، وقد قيلَ عن بعضِ العلماءِ: إِنَّه يفتي على المذهبين (١).

стр. 1242

الأمر الثاني: مَنْ مَنَعَ مِنْ الإِفتاءِ بغيرِ المشهورِ مِن المذهبِ - كما ذَهَبَ إِليه بعضُ المالكيةِ كما تقدم - فإِنَّه يمنعُ مِن الإِفتاءِ بغيرِ مذهبِ إِمامِه؛ وذلك سدًّا للذريعةِ. يقولُ أبو العبَّاسِ الونشريسيُّ: "قال بعضُ الشيوخِ: فتحُ البابِ بالفتيا في إِقليمنِا بغيرِ مذهبِ مالكٍ لا يسوغُ ... " (١). والحديثُ في هذا المطلبِ عند غيرِ هؤلاءِ. ويلحقُ بهؤلاءِ الذين يمنعونَ الخروجَ عن المذهب والأخذَ بغيرِه مِن المذاهب مطلقًا. الأمر الثالث: محلُّ حديثي هنا عن القولِ الثابتِ في مذهبِ الإِمامِ الآخر، فلا يدخلُ في حديثي الأقوالُ المضعفةِ في المذاهبِ الأخرى. الأمر الرابع: إِنْ سألَ المستفتي متمذهبًا عن قولِ إِمامِ مذهبٍ آخر - كانْ يُسأل الحنبليّ عن قولِ الشافعية - فالذي يظهرُ لي أن له الإِفتاءَ إِنْ علمَ - أو ظنَّ - مذهبَ الإِمامِ المسؤولِ عنه، وإِنْ لم يعلمْه، فليسُ له الإِفتاءُ (٢). وبعدَ هذا: يمكنُ القولُ بأنَّ لإِفتاءِ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه ثلاثَ حالاتٍ: الحالة الأولى: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لرجحانِه عنده. الحالة الثانية: أنْ يفتي المتمذهبُ بفيرِ مذهبِه؛ لكونه الأسهل. الحالة الثالثة: أنْ يفتي المتمذهبُ بفيرِ مذهبِه؛ احتياطًا. الحالة الأولى: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لرجحانِه عنده. إِذا سُئِلَ المتمذهبُ عن حكمِ مسألةٍ ما، وقد ترجَّحَ عنده غيرُ مذهبِه -

стр. 1243

بأي مرجّحٍ دلَّه على رجحانِه - فالذي يظهرُ لي في هذه الحالةِ هو جوازُ إِفتاءِ المتمذهبِ بغيرِ مذهبِه (١)؛ لأنَّه أتبعَ السائلَ اجتهادَه (٢). وممَّا يلزمُ المتمذهب أنْ يُبَيّنه للمستفتي بيان مذهبِ إِمامِه، ثُمَّ يذكر له ما ترجَّحَ عنده (٣)؛ ليكونَ السائلُ على بصيرةٍ مِنْ أمرِه (٤). وأيضًا: فالسائلُ إِنَّما سألَ عن مذهبِ إِمامٍ بعينِه، ويحتملُ إِرادته تقليد إِمامِ المتمذهبِ - ولذا سألَ أربابَ مذهبِه - ومع وجودِ هذا الاحتمال كانَ مِن الأمورِ اللَّازمةِ بيانُ قولِ إِمامِه. يقولُ ابنُ حمدان: "فإِنْ قويَ عنده - أي: عند المجتهد في مذهبِه - مذهبُ غيرِه، أفتى به، وأَعْلَمَ السائلَ مذهب إِمامِه وأنَّه ما أفتاه به. فإِنْ كان غرضُ السائلِ مذهبَ إِمامِه لم يفته بغيرِه، وإِنْ قوي عنده" (٥). ويظهرُ لي أنَّ في منعِ المتمذهبِ مِنْ بيانِ رأيه فيما سُئل عنه، مع إِلزامِه ببيانِ قولِ إِمامِه، تضييقًا دونَ ما يسوّغه، وفي إِفتائه بما يراه راجحًا عنده، وبيان قولِ إِمامِه توسُّطٌ جيّدٌ في هذه الحالةِ. ولابنِ القيمِ كلامٌ سَبَقَ نقلُه - في المبحثِ الأولِ: (عملُ المتمذهبِ

стр. 1244

إِذا خالفَ مذهبُه الدليلَ) - ومفاده: أنَّ القولَ الراجحَ لا بُدَّ أنْ يخرَّجَ على أصولِ مذهبِ الإِمامِ وقواعدِه؛ لأنَّ كلَّ قولٍ صحيحِ، فهو مخرَّجٌ على أصولِ الأئمةِ (١). وقد سَبَقَ أيضًا كلامُ تقي الدينِ بن تيمية في بيانِ أنَّ أكثرَ المستفتين لا يخطرُ ببالِهم السؤالُ عن مذهبِ إِمامٍ بعينِه. الحالة الثانية: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ لونِه الأسهل. إِذا سُئِل المتمذهبُ عن حكمِ مسألةِ ما، ورأى إِفتاءَ السائل بمذهبٍ آخر؛ لكونِه أسهل مِنْ مذهبِه، فالذي يظهرُ لي في هذه الحالة أنَّ الأصلَ فيها عدمُ الجوازِ؛ لأنَّها كتتبعِ الرخصِ، وقد تقدمَ الحديثُ عن مسألةِ: (تتبع الرخص). يقولُ ابنُ الصلاحِ: "أمَّا إِذا لم يكنْ ذلك - أيْ: إِفتاء المتمذهب بغيرِ مذهبِه - بناءً على اجتهادِ، فإنْ تَرَكَ مذهبَه إِلى مذهبٍ هو أسهلَ عليه وأوسع: فالصحيحُ امتناعُه" (٢). وقال ابنُ حمدانَ عن حكمِ هذه الحالةِ: "فالمنعُ أصحُّ" (٣). ويحتملُ وجودُ قولِ آخر في هذه الحالةِ؛ إِذ تعبيرُ ابنِ الصلاحِ وابنِ حمدان مشعرٌ بوجودِ قولٍ ثانٍ فيها. وقد يُستثنى مِن الحكم السابقِ بعضُ الحالاتِ الخاصةِ الَّتي يرى فيها المفتي أنَّ في الإِفتاءِ بغيرِ المذهبِ رفعًا لحرجٍ وَقَعَ فيه المكلَّفُ، فيجوزُ له الإِفتاءُ بالأسهلِ (٤) بشرطِ: أنْ لا يعارضَ القولَ المُفْتَى بها نصًّا صريحًا في

стр. 1245

القرآنِ أو السنةِ (١)، أو إِجماعًا متقدمًا. الحالة الثالثة: أنْ يفتي المتمذهبُ بغيرِ مذهبِه؛ احتياطًا. إِذا أفتى المتمذهبُ السائلَ بغيرِ مذهبِه؛ لأنَّ في تركِ مذهبِه إِلى مذهب إِمامٍ آخر احتياطًا، فالذي يظهرُ لي هو جوازُ الإِفتاءِ في هذه الحالةِ (٢)، إِنْ لم يقع المستفتي في حرجٍ ومشقةٍ. ويظهرُ أن ممَّا يلزم المتمذهب في هذه الحالةِ أنْ يُبينَ للمستفتي مذهبَ إِمامِه، ثمَّ يبيِّن له أنَّ فيما أفتاه به احتياطًا له (٣)؛ لأنَّ السائلَ إِنَّما سألَ عن قولِ إِمامِ المتمذهبِ، ويحتمل إِرادة السائلِ تقليد إِمامِ المتمذهبِ بعينِه - ولذا سألَ أربابَ مذهبِ الإِمامِ - ومَعَ وجودِ الاحتمالِ كان مِن الأمورِ اللازمةِ بيانُ قولِ إِمامِه. وأنبه إِلى أمرٍ مهمٍ، وهو: إِنْ ترتّبَ على إِفتاءِ المتمذهب بغيرِ مذهبِ إِمامِه مفسدة راجحة، فالأَوْلى بالمتمذهبِ مراعاةُ درئها، فَإِنْ أمكنَه أنْ يخرِّجَ القولَ الَّذي ترجّحَ عنده على أصولِ مذهبِه وقواعدِه أو فروعه، فهذا جيّدٌ، وقد تقدّم كلامُ ابن القيّمِ الَّذي يشيرُ إِلى إِمكانِ تخريج الأقوالِ الراجحةِ على أصولِ الأئمةِ (٤). وإِنْ لم يمكنْه، فقد يُقال: إِنَّ الأَوْلى بالمتمذهبِ في هذه الحالةِ عدمُ الإِفتاءِ؛ مراعاةً لدرءِ المفسدةِ (٥)، وفيمكانِه أنْ يحيلَ السائلَ إِلى غيرِه من المفتين.

стр. 1246

فإِنْ كان محلُّ السؤالِ مِن المستحباتِ أو مِن المكروهاتِ، فبإِمكانِه الإِفتاء بخلافِ ما ظَهَرَ له؛ درءًا للمفسدةِ وجلبًا للمصلحةِ. يقولُ شمسُ الدين الذَّهبي: "إِذا تبرهنَ له مذهبُ الغيرِ في مسائل، ولاحَ له الدليلُ، وقامت عليه الحجةُ: فلا يقلِّدْ فيها إِمامَه ... لكنَّه لا يفتي العامةَ إِلَّا بمذهبِ إِمامِه" (١) ولعلَّ كلامَ الذَّهبي محمولٌ على مثلِ الحالةِ الجزئية الَّتي نبَّهتُ إِليها. * * *

стр. 1247

الفصل السادس: أثر التمذهب في التوصّل إِلى حكم النازلة وفيه: تمهيد، ومبحثان: تمهيد في: تعريف النازلة في: اللغة، والاصطلاح المبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب المبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب

стр. 1248

توطئة لا يخفى على أحدٍ أنَّ النوازلَ الَّتي يحتاجُ المكلَّفون فيها إِلى معرفةِ الحكمِ الشرعي لا تنتهي (١)، ومنذُ العقودِ الإِسلاميةِ الأُوْلى والمجتهدون يسهمون في بيانِ أحكامِ النوازلِ والحوادثِ المستجدةِ، وقد أسهمَ علماءُ المدارسِ الفقهيةِ في معالجتِها (٢). ولمَّا استقرّت المدارسُ الفقهيةُ، وبرزت المذاهبُ الفقهيةُ كان اهتمامُ متمذهبيها بمعالجةِ النوازلِ مستمرًا (٣)، فأسهموا ببيانِ أحكامِها في ضوءِ مذهبِهم الَّذي ينتمونَ إِليه (٤). وكما هو معلومٌ، لا يمكن القولُ: إِنَّ أقوالَ أحدٍ مِن الأئمةِ قد استوعبتْ أحكامَ كلِّ النوازلِ والحوادثِ، ولا يمكنُ أيضًا أنْ يحويَ مذهبٌ مِن المذاهب أحكامَ جميعِ النوازلِ (٥)، لذا كان على المتمذهبين في مختلفِ المذاهبِ أنْ يعتمدوا في معالجةِ النوازلِ على مَعِيْنٍ لا يَنْضَبُ، وكان ذلك بتخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ وفروعِه. يقولُ ابنُ خَلدون: "لمَّا صارَ مذهبُ كلِّ إِمامٍ عَلمًا مخصوصًا عند أهلِ

стр. 1249

مذهبِه، ولم يكنْ لهم سبيلٌ إِلى الاجتهادِ والقياسِ: احتاجوا إِلى تنظيرِ المسائلِ في الإِلحاقِ، وتفريعِها عند الاشتباهِ بعدَ الاستنادِ إِلى الأصولِ المقررةِ مِنْ مذهبِ إِمامِهم" (١). ولمعرفةِ حكمِ النازلةِ في المذهبِ عدَّةُ طرقٍ، أهمّها طريقان، وهما: الطريق الأول: تخريجُ حكمِ النازلة على أصولِ المذهبِ وقواعدِه. الطريق الثاني: تخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ (٢). يقولُ ابنُ الصلاح: "تخريجُه - أي: مجتهد المذهب - تارةً يكون مِنْ نصّ معيَّنٍ لإِمامِه في مَسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجدُ لإِمامِه نصًّا معيّنًا يخرِّجُ منه، فيخرِّج على وفقِ أصولِه" (٣). ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي: "وَقَعَ التخريجُ في كلِّ مذهبٍ، وكَثُرَ" (٤). ويقولُ ابنُ عابدين: "مسائلُ النوازلِ، سُئِلَ عنها المشايخُ المجتهدون في المذهبِ، ولم يجدوا فيها نصًّا، فأفتوا فيها تخريجًا" (٥). وقد أوضحَ ابنُ الصلاحِ أنَّ مفزعَ المفتين مِنْ مُدَدٍ مديدةٍ هو تخريج حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وفروعِه (٦).

стр. 1250

وبيَّنَ أحمدُ الوزير أنَّ التخريجَ على أقوالِ الأئمةِ تولَّدَ مِن التمذهبِ (١)، وبيَّنَ الدكتورُ يعقوبُ الباحسين أنَّ تخريجَ الفروعِ على الأصولِ إِنَّما نَشَأَ نتيجةَ الخلافاتِ المذهبيةِ (٢). وقد نظمت عِقْدَ هذا الفصل في: تمهيدٍ، ومبحثين. وقبلَ الدخولِ في تفاصيلِ الفصلِ، أُحبُّ أنْ أنبه إِلى أنّني لن أتعرضَ فيه إِلى الحديثِ عن علم تخريجِ الفروعِ على الأصولِ، ولا عن علمِ تخريجِ الفروعِ على الفروعِ - وسَأستفيد ممَّا قيل فيهما ممَّا له علاقةٌ ببحثي - وكذلك لن أتعرضَ إِلى منهجِ دراسةِ النوازلِ عند المذاهبِ الفقهيةِ، وكيفيةِ تخريجِ حكمِ النازلةِ (٣)، فهذه مسائلُ أخرى.

стр. 1251

تمهيد في: تعريف النازلة في: اللغة، والاصطلاح أولًا: تعريف النازلة في اللغة: النازلةُ: اسمُ فاعل مِن الفعلِ نَزَلَ، يُقالُ: نَزَلَ يَنْزِلُ نُزُوْلًا (١)، فهو نَازِلٌ، وللمؤنث: نَازِلَةٌ، ويُقالُ: نَزَلَ عليهم، ونَزَلَ بهم، ونَزَلَهم (٢)، ويقالُ: نَزَلَ عن دابَّتِه نُزُوْلًا، ونَزَلَ المطرُ مِن السماءِ نُزُوْلًا (٣). و (نَزَلَ) فعلٌ لازمٌ، يتعدى بالحرفِ، وبالهمزةِ، وبالتضعيفِ (٤). وترجعُ كلمة: (النازلة) إِلى مادة: (نزل)، ومعناها: هبوطُ شيءٍ، ووقوعُه (٥)، والانحطاطُ مِنْ علو (٦). والنازلة: الشديدةُ مِنْ شدائدِ الدهرِ تنزلُ بالقومِ، وجمعها: نوازل (٧).

стр. 1252

والنَزِيْلُ: الضيف (١)، والنُّزْلُ، والنُّزُلُ، والنَّزُوْلُ: ما هُيئ للضيفِ مِن الطعامِ (٢) والمنزلِ (٣)، يُقالُ: إِن فلانًا لحسن النُّزْلِ، والنُّزُلِ، أيْ: الضيافة (٤). فمعنى النازلةِ في اللغةِ: إِمَّا الأمرُ الشديدُ الَّذي ينزلُ بالقومِ، وإِمَّا: الواقعةُ مِن علو. ثانيًا: تعريف النازلة في الاصطلاح: استعملَ متقدمو أهلِ العلمِ: (النازلة) بمعناها اللغوي: (الشديدةُ مِن شدائد الدهرِ تنزلُ بالقوم)، وإِنْ لم تكنْ مستجدةً (٥)، واستعملوها بمعنى الأمرِ الحادثِ والمستجدِ (٦).

стр. 1253

والمقصودُ في هذا المقامِ هو الاستعمالُ الثاني (١). ومع استعمالِ متقدمي أهل العلمِ مصطلح: (النازلة)، إِلَّا أنني لم أقفْ - فيما رجعتُ إِليه من مصادر - على مَنْ عرَّفها في الاصطلاحِ (٢)؛ ولعل مردَّ هذا الأمر عائدٌ إِلى أنَّ وضوحَ معناها عندهم أغنى عن الحاجةِ إِلى تعريفِها (٣).

стр. 1254

ولقد اهتمَّ كثيرٌ مِن المعاصرين بتعريفِ (النازلةِ) في الاصطلاحِ، وسوفُ أعرضُ أبرزَ التعريفاتِ الَّتي أوردوها، دونَ توسعٍ في ذكرها، ودونَ توسعٍ - أيضًا - في ذكرِ الاعتراضاتِ والمناقشاتِ الواردة عليها (١)؛ إِذ المقصودُ بالتعريفِ في هذا المقام التمهيدُ لما بعده. وأنبّه إِلى أنَّ بعضَ مَنْ عرَّف النازلةَ عرَّفها بصيغةِ الجمعِ (نوازل)، وعرَّفها آخرون بصيغةِ المفردِ (نازلة)، وسأسوقُ التعريفَ كما ذكره مُعَرِّفُه. التعريف الأول: الوقائعُ والمسائلُ المستجدةُ والحادثةُ، المشهورة بلسانِ العصرِ باسمِ النظرياتِ والظواهرِ. وهذا تعريفُ الشَّيخ بكر أبو زيد (٢). ويؤخذُ على التعريفِ وجودُ التكرارِ لألفاظ معناها واحد، ولعل الشَّيخ بكرًا أراد توضيحَ مصطلح: النازلة، دون تعريفِه بحدٍّ (٣). وأيضًا: هلْ كلُّ ما اهتمَّ به المعاصرون ممَّا يُسمَّى بالنظريات يُعَدُّ مِنْ قبيلِ النوازلِ؟ !

стр. 1255

التعريف الثاني: المسائلُ الجديدةُ الَّتي حدثت في عهدِ المفتي، وسُئِلَ عن حكمِها، ولا يوجدُ لها حكمٌ صريحٌ في متونِ المذهبِ. وهذا تعريفُ محمد العثماني (١). التعريف الثالث: الحادثةُ الَّتي تحتاجُ لحكم شرعي. وهذا تعريفُ الدكتور محمد قلعه جي (٢)، ووافقه الدكتور محمد شبير (٣). وهناك تعريفات أخرى قريبةٌ مِن التعريفِ الثالثِ، منها: • تعريف الدكتور عبد الناصر أبو البصل؛ إِذ عرَّف النوازل بأنَّها: "المسائلُ والوقائعُ الَّتي تستدعي حكمًا شرعيًا" (٤). ثم أوضحَ تعريفَه، فقال عنها: إِنَّها "حادثةٌ مستجدةٌ لم تُعْرَفْ في السابقِ بالشكلِ الَّذي حدثت فيه الآن" (٥). • وتعريفُ الدكتور عبد الله الغفيلي؛ إِذ عرَّفَ النازلةَ بأنَّها: "الحادثةُ الجديدةُ الَّتي تتطلبُ حكمًا شرعيًا" (٦). • وتعريفُ الدكتور محمد الجيزاني (٧)، ووافقه الدكتور عابد السفياني (٨)، إِذ عرَّفا النازلةَ بأنَّها: ما استدعى حكمًا شرعيًا مِن الوقائعِ المستجدةِ.

стр. 1256

التعريف الرابع: الوقائعُ الجديدةُ الَّتي لم يسبقْ فيها نصٌّ، أو اجتهادٌ. وهذا تعريف الدكتور مسفر القحطاني (١)، والدكتور عبد الرَّحمن السديس (٢). ويظهرُ لي تقاربُ التعريفات السابقةِ مِنْ جهةِ المعنى، والفروقات الَّتي بينها لا تؤثر مِنْ وجهةِ نظري في بيانِ المقصودِ بالنازلةِ، وإِنْ كنتُ أختارُ التعريفَ الثالثَ؛ لاختيارِ كثيرِ مِن الباحثين له، ولوضوحِه وقِصَرِه، وللتعريفِ الثاني مناسبةٌ ظاهرةٌ لموضوعِ التمذهبِ، إِلَّا أن فيه طولًا. وقبل الانتقال إِلى المبحثين القادمين أُحِبُّ أنْ أشيرَ إِلى عدَّة أمور: الأمر الأول: بيَّنَ بعضُ الباحثين المناسبةَ بين تعريفِ النازلةِ في اللغةِ: (ما كان فيها شدَّة)، وتعريفِها في الاصطلاح؛ بأنَّ الفقهاءَ يعانون الشدةَ في التعرُّفِ على حكمِ النازلةِ (٣). وأيضًا: وَقْعُ النازلةِ على المجتهدِ كوَقْعِ الشدائدِ على الناسِ، مِنْ جهةِ كونِها مفاجئةً له (٤). الأمر الثاني: نصَّ بعضُ الباحثين على ترادفِ مصطلحي: النازلة، والفتوى (٥). ويظهر لي أنَّ بينَ النازلةِ والفتوى اختلافًا، مِنْ جهةِ أنَّ النازلةَ واقعةٌ مستجدةٌ في العصرِ، أمَّا الفتوى، فلا يُشترط في المفتى فيه أنْ يكون مستجدًا، فلو سأل أحدٌ عالمًا ما عن حكمِ أمرِ واقعٍ غيرِ مستجدٍ، فأجابه،

стр. 1257

فإنَّ إجابةَ العالم حينئذِ تُعَدُّ فتيا صادرة منه، ولا يُسَمّى ما وَقَعَ فيه السائلُ نازلة. وقد يكون نظرُ القائلِ بهذا القول قد اتجه إلى المؤلفاتِ في النوازلِ والفتاوى، فوَجَدَ ما كُتِبَ فيهما متقاربًا. الأمر الثالث: هناك مصطلحاتٌ تقارب مصطلح النازلةِ في معناها - أو تماثلها - مثل: الواقعةِ، والحادثةِ، والقضيةِ المستجدةِ (١). * * *

стр. 1258

المبحث الأول: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على أصول المذهب كانَ لأتباعِ المذاهبِ الفقهيةِ إِسهامٌ قويٌّ في إِبرازِ الأصولِ والقواعدِ الَّتي سارَ عليها أئمتهم وأتباعُهم (١)، وكان لجهودِهم أثرٌ في بيانِ حكمِ النوازلِ بتخريجها على أصولِ مذاهبِ الأئمةِ وقواعدِهم (٢).

стр. 1259

ولعلَّ مِنْ أهمِّ الأسبابِ الَّتي ساعدتْ بعضَ المذاهب على البقاءِ والاستمرارِ على مرِّ القرون عنايةَ مجتهديها ومحققيها ببيانِ أَصولِ أئمتِهم وقواعدِهم، وتخريجهم أحكام النوازلِ عليها (١). والمقصودُ بتخريجِ حكمِ النازلةِ على الأصولِ: أنْ يُبيّنَ المتمذهبُ حكمَ النازلةِ الَّتي لم يَنُصّ إِمامُ مذهبِه عليها بإِلحاقِها بقاعدةٍ أو بأصلٍ مِنْ أصولِه (٢). يقولُ صدرُ الدّينِ السلمي: "إِذا لم يكنْ للشافعي ﵁ في المسألةِ بعينِها نصٌّ، فالأصحابُ يخرِّجونها على أصولِه" (٣). ويقولُ جمالُ الدّينِ الإِسنويُّ في فاتحةِ كتابِه: (التمهيد في تخريج الفروع على الأصول) (٤) عن الفروعِ المخرَّجةِ إِنْ لم يقفْ فيها على حكمٍ في مذهبِه: "ما لم أقفْ فيه على نقلٍ بالكُليّةِ، فاذكرُ فيه ما تقضيه قاعدتُنا الأصوليةُ، ملاحظًا أيضًا للقاعدةِ المذهبيةِ، والنظائرِ الفروعية". ولم يقتصر اهتمامُ مجتهدي المذهبِ ومحققيه على تخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ مذهبِهم، بلْ تحدثوا عن صفاتِ المخرِّجِ وشروطِه،

стр. 1260

وشروطِ تخريجِه، وقد سَبَقَ في طبقاتِ المتمذهبين بيانُ شروطِ المخرِّجِ. ويفتقرُ تخريج حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ وقواعدِه إِلى وجودِ أمرين مهمّين: الأمر الأول: صحةُ نسبةِ الأصلِ والقاعدةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، أو إِلى مذهبِه. الأمر الثاني: أنْ يُوْجَدَ في مذهب الإِمامِ مجتهدون مقيَّدون بمذهبِه، يسيرون على طريقتِه، ولديهم قدرةٌ على التخريجِ والإِلحاقِ. الأمر الأول: صحةُ نسبةِ الأصل والقاعدةِ إِلى إِمام المذهب أو إِلى مذهبِه (١). لا شكَّ في صحةِ نسبةِ كثيرٍ مِن الأصولِ والقواعدِ المذهبيةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، لكنْ على المتمذهبِ الانتباه إِلى أنَّ مِن الأصولِ والقواعدِ المنسوبةِ إِلى إِمامِه ما يحتاجُ إِلى مزيدِ نظرٍ وتأمّلٍ؛ لأنَّ طريقَ إِثباتِها استقراءُ فروعٍ قليلةٍ منقولةٍ عن إِمامِه (٢)، وهذا يجعلُ تطرُّق الخطأِ وتوجُّه النقدِ إِليها قويًّا (٣). يقولُ أبو إِسحاقَ الشاطبي: "إِذا ثَبَتَت الأصولُ سَهُلَ - إِنْ شاء الله - المَخْرَجُ مِن النازلةِ" (٤). الأمر الثاني: أنْ يُوْجَدَ في مذهب الإِمامِ مجتهدون مقيَّدون بمذهبِه، يسيرون على طريقتِه، ولديهم قدرةٌ على التخريجِ والإِلحاقِ (٥).

стр. 1261

وقد اجتمعَ هذانِ الأمرانِ في المذاهبِ الأربعةِ المتبوعةِ؛ إِذ أسهمَ متمذهبوها بتخريجِ أحكامِ النوازلِ على أصولِ مذاهبِهم، ومِن المعلومِ أنَّ الفروعَ الَّتي تتخرَّج على أصولِ المذهبِ وضوابطِه كثيرةٌ غيرُ متناهيةٍ (١). ومقامُ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ مقامٌ رفيعٌ، يحتاجُ المتمذهبُ فيه إِلى استيعابِ أصولِ مذهبِه وقواعدِه، والتشبّعِ منهما، ومِنْ المتعيّنِ عليه أنْ يكونَ شديدَ الاستحضارِ لهما؛ ليخرِّجَ النازلة على الأصلِ الَّذي يناسبها (٢). ولا بُدَّ مِن انتباه المتمذهب حين يخرِّجُ حكمَ النازلةِ إِلى صحّةِ إِلحاقِها بالأصلِ أو بالقاعدةِ المذهبيةِ (٣)، وأنْ لا يكون هناك ما يوجبُ انقداحَ فرقٍ بين الصورةِ المخرَّجةِ، والأصلِ المخرَّجِ عليه (٤)، وهذا يجرُّ إِلى ضرورةِ مراعاةِ المتمذهبِ للمستثنيات مِن القاعدةِ؛ لئلا يُلْحِقَ النازلةَ بقاعدةٍ أو أصلٍ لا يستقيمُ إِلحاقها به. يقولُ شهابُ الدين القرافي: "على الفقيهِ أنْ ينظرَ في ردِّ الفروعِ إِلى أقربِ الأصولِ إِليها، فيعتمد عليه" (٥). ويقولُ أيضًا: "ينبغي للمفتي إِذا وقعتْ له مسألةٌ غيرُ منصوصةٍ، وأراد تخريجها على قواعدِ مذهبِه: أنْ يمعنَ النظرَ في القواعدِ الإِجماعيةِ والمذهبيةِ، هل فيها ما يوجبُ انقداح فرقِ بين الصورة المخرجةِ، والأصلِ المخرّجِ عليه أم لا؟ فمتى توهَّم الفرقَ وأنَّ ثَمَّ معنى في الأصل مفقود في

стр. 1262

الصورةِ المخرَّجةِ، أمكنَ أنْ يلاحظَ إِمامُه المقرِّرُ لتلك القاعدةِ في مذهبِه: امتنع التخريجُ؛ فإِنَّ القياسَ مع الفرقِ باطلٌ ... " (١). وفي المعنى السابقِ نفسِه يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ: "ثُمَّ النظرُ في دخولِ الأعيانِ تحتَ الكليات أو دخولِ نوعٍ خاصٍّ تحت أعمّ منه: لا بُّدَ فيه منِ نظرٍ واجتهادٍ، وقد يصيبُ تارة ويخطئُ أخرى" (٢). وكما هو معلومٌ، فإِنَّ لتحقيقِ أصولِ المذهب وتمييزِها أهميةً كبرى في معرفةِ أحكامِ الفروعِ والنوازل، يقولُ أبو بكرِ السرخسي: "مَنْ أَحْكَمَ الأصولَ فَهْمًا ودِرَايَةً، تيسّرَ عليه تخريجها" (٣). ويقولُ شهابُ الدين القرافي: "مَنْ كان أَعْلَمَ بالأصلِ كان أَعْلَمَ بالفرعِ" (٤). ويقولُ بدرُ الدين الزركشيُّ: "أمَّا المجتهدُ المقيَّدُ الَّذي لا يَعْدُو مذهبَ إِمامٍ خاصٍّ، فليس عليه غيرُ معرفةِ قواعدِ إِمامِه، وليراعِ فيها ما يراعيه المطلقُ في قوانينِ الشرعِ" (٥). ويتعيَّنُ على المخرِّجِ على قاعدةِ المذهبِ أنْ يكونَ ذا أهليةٍ للتخريجِ (٦)، ومِنْ أهمِّ الشروطِ الَّتي تؤهلُه إِليه: معرفةُ أصولِ الفقهِ (٧). يقولُ شهابُ الدين القرافي: "يتعيَّن على مَنْ لا يشتغلُ بأصولِ الفقهِ أنْ

стр. 1263

لا يخرِّج فرعًا أو نازلةً على أصولِ مذهبِه ومنقولاتِه" (١). وقد بيَّنَ إِمامُ الحرمين الجويني أن مجتهدَ المذهبِ أقدرُ على الإِلحاقِ بأصولِ مذهبِه الَّذي ينتسبُ إِليه مِن المجتهدِ المستقلِّ في محاولتِه الإِلحاق بأصولِ الشريعة؛ لأنَّ المتمذهبَ يجدُ في أصولِ مذهبِه، وفروعِه مِن التهذيب والترتيبِ والتمهيدِ ما لا يجده المجتهدُ المستقلُّ مع أصولِ الشرعِ (٢). ومَعَ أنَّ تخريجَ مجتهدِ المذهبِ لحكم النازلةِ أيسرُ - كما قاله إِمامُ الحرمين - إِلَّا أن هذا لا يمنعُ وقوعَ الخطأِ وَالوهمِ في تخريجِ حكمِها على غيرِ الأصلِ الَّذي يناسبها، كما لو نَظَرَ في النازلةِ دون مراعاةٍ للقرائن والصوارف المحيطةِ بها (٣). وقد أشارَ شهابُ الدين القرافي إِلى أنَّ بعضَ المخرِّجين في مذهبِ الإِمامِ مالكِ وغيرِه مِن المذاهبِ لم يسلموا مِن الوقوعِ في الخطأِ في التخريجِ؛ نتيجةَ لما سَبَقَ (٤). وقد نصَّ ابنُ الصلاحِ على أنَّ مِنْ صورِ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهب: أنْ يجدَ المتمذهبُ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إِمامُه، وعلى شرطِه، فيفتي بموجبِه (٥). وقد استبعدَ ابنُ حمدان نسبةَ الحكمِ المخرَّج في الصورةِ آنفة الذكرِ إِلى إِمامِ المذهبِ، فقالَ: "جَعْلُ هذا مذهبًا لإِمامِه بعيدٌ" (٦).

стр. 1264

ولم يبيّنْ ابنُ حمدان وجهَ البُعْدِ. وإذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ أصلٍ، وكانَ لكلِّ أصلٍ حكمُه المخالفُ للأصل الآخر، فعلى المتمذهبِ أن يجتهدَ في إِلحاقِها بأكثرِ الأصولِ شَبَهًا (١). يقولُ أبو عبد الله المقّري: "إِذا اختصَّ الفرعُ بأصل أُجْرِي عليه إِجماعًا، فإِنْ دار بينَ أصلين فأكثر، حُمِلَ على الأَوْلى منهما" (٢). فإِنْ لم يتمكن المتمذهبُ مِنْ معرفةِ الأصلِ المناسبِ للتخريجِ توقفْ إِلى أنْ يتبينَ له الأمرُ (٣). وقد كان لبعضِ المذاهبِ اصطلاحُها الخاصُّ في تسميةِ الحكمِ الَّذي توصَّلَ إِليه المتمذهبُ عن طريقِ تخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وقد تقدَّمَ في حديثي عن مصطلحات المذاهب بيانُ هذا الأمرِ. أمثلة تخريج النازلة على أصول المذهب (٤): المثال الأول: إِذا قالَ الزوجُ لوكيلِه: لا تُطَلّقْ زوجتي الأُوْلى، ثمَّ قالَ له بعد هذا طلّقْ زوجاتي، فهل للوكيلِ أنْ يوقعَ الطلاقَ على الزوجةِ الأُوْلى؟ بيَّن جمالُ الدين الإِسنويُّ أنَّه ليس للوكيلِ طلاقُ الزوجةِ الأُوْلى،

стр. 1265

مخرِّجًا الحكمَ على قاعدة: إِذا عارضَ الخاصُّ العامَّ، فيؤخذ بالخاصِّ، تقدَّم أو تأخّر (١). المثال الثاني: عقوبةُ مَنْ سبَّ النبي ﷺ ، أهي القتلُ وحده، أم حدّ القذف والقتل؟ بيَّن تقيُّ الدين السبكي أنَّه يمكنُ تخريجُ حكمِ المسألةِ على إِحدى القاعدتين: القاعدة الأولى: ما أوجبَ أعظمَ الأثرين بخصوصِه، هلْ يوجبُ أهونَهما بعمومِه؟ (٢). القاعدة الثانية: إِذا اجتمعَ أمرانِ مِنْ جنسٍ واحدٍ، هل يدخلُ أحدُهما في الآخرِ؟ (٣). يقولُ تقيُّ الدين السبكي: "مسألتُنا يمكنُ تخريجها على القاعدتين، فيقالُ: يجبُ القتلُ وحدَه، ويسقطُ الحدُّ؛ إِمَّا للقاعدة الأُوْلى: فإِنَّ هذا القذفَ الخاص أوجب القتلَ، وهو أعظمُ الأثرين بخصوصِ كونِه في هذا المحلِّ الخاصّ، فلا يوجب أهونَهما - وهو الجلد - بعمومِ كونِه قذفًا. أو يُقال: إِنَّهما وَجَبَا، ولكن دَخَلَ الأصغرُ في الأكبرِ، كما دخل الوضوءُ في الغُسلِ" (٤). المثال الثالث: الأصلُ عند محمد بن الحسن فيما إِذا اجتمعت الإِشارةُ والتسميةُ في العقدِ التفصيل الآتي: - إِنْ كان المسمَّى مِنْ جنسِ المشارِ إِليه: تعلقَ العقدُ بالمشارِ إِليه؛ لأنَّ المسمَّى موجودٌ فيه ذاتًا، والوصفُ يتبعُه.
следующие страницы →