وقد اجتمعَ هذانِ الأمرانِ في المذاهبِ الأربعةِ المتبوعةِ؛ إِذ أسهمَ متمذهبوها بتخريجِ أحكامِ النوازلِ على أصولِ مذاهبِهم، ومِن المعلومِ أنَّ الفروعَ الَّتي تتخرَّج على أصولِ المذهبِ وضوابطِه كثيرةٌ غيرُ متناهيةٍ (١).
ومقامُ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ مقامٌ رفيعٌ، يحتاجُ المتمذهبُ فيه إِلى استيعابِ أصولِ مذهبِه وقواعدِه، والتشبّعِ منهما، ومِنْ المتعيّنِ عليه أنْ يكونَ شديدَ الاستحضارِ لهما؛ ليخرِّجَ النازلة على الأصلِ الَّذي يناسبها (٢).
ولا بُدَّ مِن انتباه المتمذهب حين يخرِّجُ حكمَ النازلةِ إِلى صحّةِ إِلحاقِها بالأصلِ أو بالقاعدةِ المذهبيةِ (٣)، وأنْ لا يكون هناك ما يوجبُ انقداحَ فرقٍ بين الصورةِ المخرَّجةِ، والأصلِ المخرَّجِ عليه (٤)، وهذا يجرُّ إِلى ضرورةِ مراعاةِ المتمذهبِ للمستثنيات مِن القاعدةِ؛ لئلا يُلْحِقَ النازلةَ بقاعدةٍ أو أصلٍ لا يستقيمُ إِلحاقها به.
يقولُ شهابُ الدين القرافي: "على الفقيهِ أنْ ينظرَ في ردِّ الفروعِ إِلى أقربِ الأصولِ إِليها، فيعتمد عليه" (٥).
ويقولُ أيضًا: "ينبغي للمفتي إِذا وقعتْ له مسألةٌ غيرُ منصوصةٍ، وأراد تخريجها على قواعدِ مذهبِه: أنْ يمعنَ النظرَ في القواعدِ الإِجماعيةِ والمذهبيةِ، هل فيها ما يوجبُ انقداح فرقِ بين الصورة المخرجةِ، والأصلِ المخرّجِ عليه أم لا؟ فمتى توهَّم الفرقَ وأنَّ ثَمَّ معنى في الأصل مفقود في
стр. 1262
الصورةِ المخرَّجةِ، أمكنَ أنْ يلاحظَ إِمامُه المقرِّرُ لتلك القاعدةِ في مذهبِه: امتنع التخريجُ؛ فإِنَّ القياسَ مع الفرقِ باطلٌ ... " (١).
وفي المعنى السابقِ نفسِه يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ: "ثُمَّ النظرُ في دخولِ الأعيانِ تحتَ الكليات أو دخولِ نوعٍ خاصٍّ تحت أعمّ منه: لا بُّدَ فيه منِ نظرٍ واجتهادٍ، وقد يصيبُ تارة ويخطئُ أخرى" (٢).
وكما هو معلومٌ، فإِنَّ لتحقيقِ أصولِ المذهب وتمييزِها أهميةً كبرى في معرفةِ أحكامِ الفروعِ والنوازل، يقولُ أبو بكرِ السرخسي: "مَنْ أَحْكَمَ الأصولَ فَهْمًا ودِرَايَةً، تيسّرَ عليه تخريجها" (٣).
ويقولُ شهابُ الدين القرافي: "مَنْ كان أَعْلَمَ بالأصلِ كان أَعْلَمَ بالفرعِ" (٤).
ويقولُ بدرُ الدين الزركشيُّ: "أمَّا المجتهدُ المقيَّدُ الَّذي لا يَعْدُو مذهبَ إِمامٍ خاصٍّ، فليس عليه غيرُ معرفةِ قواعدِ إِمامِه، وليراعِ فيها ما يراعيه المطلقُ في قوانينِ الشرعِ" (٥).
ويتعيَّنُ على المخرِّجِ على قاعدةِ المذهبِ أنْ يكونَ ذا أهليةٍ للتخريجِ (٦)، ومِنْ أهمِّ الشروطِ الَّتي تؤهلُه إِليه: معرفةُ أصولِ الفقهِ (٧).
يقولُ شهابُ الدين القرافي: "يتعيَّن على مَنْ لا يشتغلُ بأصولِ الفقهِ أنْ
стр. 1263
لا يخرِّج فرعًا أو نازلةً على أصولِ مذهبِه ومنقولاتِه" (١).
وقد بيَّنَ إِمامُ الحرمين الجويني أن مجتهدَ المذهبِ أقدرُ على الإِلحاقِ بأصولِ مذهبِه الَّذي ينتسبُ إِليه مِن المجتهدِ المستقلِّ في محاولتِه الإِلحاق بأصولِ الشريعة؛ لأنَّ المتمذهبَ يجدُ في أصولِ مذهبِه، وفروعِه مِن التهذيب والترتيبِ والتمهيدِ ما لا يجده المجتهدُ المستقلُّ مع أصولِ الشرعِ (٢).
ومَعَ أنَّ تخريجَ مجتهدِ المذهبِ لحكم النازلةِ أيسرُ - كما قاله إِمامُ الحرمين - إِلَّا أن هذا لا يمنعُ وقوعَ الخطأِ وَالوهمِ في تخريجِ حكمِها على غيرِ الأصلِ الَّذي يناسبها، كما لو نَظَرَ في النازلةِ دون مراعاةٍ للقرائن والصوارف المحيطةِ بها (٣).
وقد أشارَ شهابُ الدين القرافي إِلى أنَّ بعضَ المخرِّجين في مذهبِ الإِمامِ مالكِ وغيرِه مِن المذاهبِ لم يسلموا مِن الوقوعِ في الخطأِ في التخريجِ؛ نتيجةَ لما سَبَقَ (٤).
وقد نصَّ ابنُ الصلاحِ على أنَّ مِنْ صورِ تخريجِ النازلةِ على أصولِ المذهب: أنْ يجدَ المتمذهبُ دليلًا مِنْ جنسِ ما يحتجُّ به إِمامُه، وعلى شرطِه، فيفتي بموجبِه (٥).
وقد استبعدَ ابنُ حمدان نسبةَ الحكمِ المخرَّج في الصورةِ آنفة الذكرِ إِلى إِمامِ المذهبِ، فقالَ: "جَعْلُ هذا مذهبًا لإِمامِه بعيدٌ" (٦).
стр. 1264
ولم يبيّنْ ابنُ حمدان وجهَ البُعْدِ.
وإذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ أصلٍ، وكانَ لكلِّ أصلٍ حكمُه المخالفُ للأصل الآخر، فعلى المتمذهبِ أن يجتهدَ في إِلحاقِها بأكثرِ الأصولِ شَبَهًا (١).
يقولُ أبو عبد الله المقّري: "إِذا اختصَّ الفرعُ بأصل أُجْرِي عليه إِجماعًا، فإِنْ دار بينَ أصلين فأكثر، حُمِلَ على الأَوْلى منهما" (٢).
فإِنْ لم يتمكن المتمذهبُ مِنْ معرفةِ الأصلِ المناسبِ للتخريجِ توقفْ إِلى أنْ يتبينَ له الأمرُ (٣).
وقد كان لبعضِ المذاهبِ اصطلاحُها الخاصُّ في تسميةِ الحكمِ الَّذي توصَّلَ إِليه المتمذهبُ عن طريقِ تخريجِ حكمِ النازلةِ على أصولِ المذهبِ، وقد تقدَّمَ في حديثي عن مصطلحات المذاهب بيانُ هذا الأمرِ.
أمثلة تخريج النازلة على أصول المذهب (٤):
المثال الأول: إِذا قالَ الزوجُ لوكيلِه: لا تُطَلّقْ زوجتي الأُوْلى، ثمَّ قالَ له بعد هذا طلّقْ زوجاتي، فهل للوكيلِ أنْ يوقعَ الطلاقَ على الزوجةِ الأُوْلى؟
بيَّن جمالُ الدين الإِسنويُّ أنَّه ليس للوكيلِ طلاقُ الزوجةِ الأُوْلى،
стр. 1265
مخرِّجًا الحكمَ على قاعدة: إِذا عارضَ الخاصُّ العامَّ، فيؤخذ بالخاصِّ، تقدَّم أو تأخّر (١).
المثال الثاني: عقوبةُ مَنْ سبَّ النبي ﷺ ، أهي القتلُ وحده، أم حدّ القذف والقتل؟
بيَّن تقيُّ الدين السبكي أنَّه يمكنُ تخريجُ حكمِ المسألةِ على إِحدى القاعدتين:
القاعدة الأولى: ما أوجبَ أعظمَ الأثرين بخصوصِه، هلْ يوجبُ أهونَهما بعمومِه؟ (٢).
القاعدة الثانية: إِذا اجتمعَ أمرانِ مِنْ جنسٍ واحدٍ، هل يدخلُ أحدُهما في الآخرِ؟ (٣).
يقولُ تقيُّ الدين السبكي: "مسألتُنا يمكنُ تخريجها على القاعدتين، فيقالُ: يجبُ القتلُ وحدَه، ويسقطُ الحدُّ؛ إِمَّا للقاعدة الأُوْلى: فإِنَّ هذا القذفَ الخاص أوجب القتلَ، وهو أعظمُ الأثرين بخصوصِ كونِه في هذا المحلِّ الخاصّ، فلا يوجب أهونَهما - وهو الجلد - بعمومِ كونِه قذفًا. أو يُقال: إِنَّهما وَجَبَا، ولكن دَخَلَ الأصغرُ في الأكبرِ، كما دخل الوضوءُ في الغُسلِ" (٤).
المثال الثالث: الأصلُ عند محمد بن الحسن فيما إِذا اجتمعت الإِشارةُ والتسميةُ في العقدِ التفصيل الآتي:
- إِنْ كان المسمَّى مِنْ جنسِ المشارِ إِليه: تعلقَ العقدُ بالمشارِ إِليه؛ لأنَّ المسمَّى موجودٌ فيه ذاتًا، والوصفُ يتبعُه.
стр. 1266
- إِنْ كان المسمَّى خلافَ جنسِ المشارِ إِليه: تعلقَ العقدُ بالمسمَّى؛ لأنَّه مثلُ المشارِ إِليه، وليس بتابعٍ له، والتسميةُ أبلغُ في التعريفِ (١).
ويمكنُ أنْ يخرِّج المتمذهبُ على هذا الأصلِ نوازل عدَّة، يقولُ الدكتورُ يعقوب الباحسين معلِّقًا على أصلِ محمد بن الحسن: "وعلى هذا الأصل يمكنُنا تخريج كثيرٍ مِن المسائلِ، فلو باعه دَنًّا (٢) على أنَّه خلٌّ، فإِذا هو دِبْسٌ (٣)؛ أو باعه فصًّا على أنَّه ياقوت، فإِذا هو زجاجٌ ... : بَطَلَ البيعُ؛ لاختلافِ الجنسِ باختلافِ الأغراضِ.
ولو باعه فصًّا على أنَّه ياقوت أحمر، فإِذا هو ياقوت أصفر؛ أو هذا الثوب المصري، فإِذا هو مغربي: لم يبطل البيعُ، وخُيِّر المشتري؛ لفواتِ الوصفِ" (٤).
المثال الرابع: حكمُ معاملةِ الدِّلالة؟ (٥).
بيَّن الدكتورُ عمر الجيدي أنَّ أصولَ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ تقتضي منعَ هذه المعاملةِ (٦)، ثُمَّ نَقَلَ عن بعضِ فقهاءِ المالكيةِ قولَهم بإِباحتِها؛ للضرورةِ، بسبب قلّةِ الأماناتِ، ومِنْ أصولِ مذهبِ الإِمامِ مالكٍ مراعاةُ الأماناتِ (٧).
стр. 1267
المبحث الثاني: التوصل إِلى حكم النازلة بتخريجها على فروع المذهب
مِن الطرقِ الَّتي سارَ عليها كثيرٌ مِن المتمذهبين لبيانِ حكمِ النازلةِ الَّتي لم يَرِدْ عن إِمامِ المذهبِ قولٌ بشأنِها: تخريجُ حكمِها على ما نصَّ الإِمامُ على حكمِه، أو على فروعِ المذهبِ.
والمقصودُ بتخريجِ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ: أنْ يبيّنَ المتمذهبُ حكمَ النازلةِ الَّتي لم يَنُصّ إِمامُ مذهبِه عليه بإِلحاقِها بما يشبهها مِنْ فروعِ المذهبِ عند اتفاقِهما في علَّةِ الحكمِ عند المخرِّجِ (١).
ويفتقر تخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهب إِلى الأمرين السابقين اللذين ذكرتُهما في: المبحثِ الأولِ، إِلَّا أنَّه يُقالُ في الأمر الأول: أنْ يكونَ الفرعُ المخرَّجُ عليه ثابتَ النسبةِ إِلى إِمامِ المذهبِ، أو إِلى مذهبِه.
فإِن كانَ في ثبوتِ حكمِ الفرعِ المخرَّجِ عليه في المذهب نظرٌ، فالواجبُ توقّي التخريج عليه (٢).
ولُبُّ عملِ المتمذهبِ في هذه الحالةِ هو قياسُ النازلةِ على الفرعِ المنصوصِ على حكمِه في المذهب، وقد سبق الحديثُ عن حكمِ نسبةِ القولِ إِلى إِمامِ المذهبِ بناءً على القياسِ على قولِه.
стр. 1268
وبما أنَّ عملَ المتمذهب في هذه الحالةِ يحتاجُ إِلى فَهْمِ كلامِ إِمامِه في الفرعِ المنصوصِ عليه على الصوابِ، ومِنْ ثَمَّ التخريجُ والقياسُ عليه: فإِنَّ مِن المتعيِّن عليه معرفةَ أصولِ الفقهِ (١)، وأهمُّ مباحثِه: القياسُ ومسائله (٢)؛ لئلا يَقَعَ المتمذهبُ في الخطأِ، كانْ يقيسَ النازلةَ على فرعٍ مع وجودِ الفارقِ بينهما (٣).
يقولُ شهابُ الدين القرافي: "لا يجوزُ التخريجُ حينئذٍ إِلَّا لمن هو عالمٌ بتفاصيلِ أحوالِ الأقيسةِ والعللِ، ورُتَب المصالح، وشروط القواعدِ، وما يصلحُ أنْ يكونَ معارضًا، وما لا يصلحُ، وهذا لا يعرفُه إِلَّا مَنْ عَرَفَ أصولَ الفقهِ معرفةً حسنةً" (٤).
ونصَّ القرافيُّ على أن مَنْ لم يحطْ بمداركِ إِمامِه وأدلتِه وأقيستِه وعللِه الَّتي اعتمدَ عليها مفصَّلةً، ورُتَبِ العلل: فليس له التخريجُ على فروعِ إِمامِه (٥).
يقولُ ابنُ الصلاحِ: "فالمجتهدُ في مذهبِ الشَّافعي - مثلًا - المحيطُ بقواعدِ مذهبِه، المتدرِّب في مقاييسِه وسُبُل تصرفاته، متنزِّلٌ ... في الإِلحاق بمنصوصاتِه وقواعد مذهبِه منزلةَ المجتهدِ المستقلِّ في إِلحاقِه ما لم ينصَّ عليه الشارعُ بما نصَّ عليه" (٦).
стр. 1269
ولا بُدَّ للمتمذهب إِذا أراد تخريجَ حُكْمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ أنْ يكونَ شديدَ الاستحضارَ للقواعدِ المذهبيةِ والإِجماعيةِ (١).
وتخريجُ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهب دونَ مراعاةٍ لأصولِه وقواعدِه مظنةٌ للخروجِ بحكمِ النازلةِ عمَّا تقتضيه أصولُ المذهبِ (٢).
وقد ذكرتُ في المبحثِ الأولِ ما أشارَ إِليه شهابُ الدين القرافي مِنْ أنَّ بعضَ المخرِّجين في مذهب الإِمامِ مالك وغيرِه مِن المذاهبِ لم يسلموا مِن الوقوعِ في الخطأِ في التخرَيجِ (٣).
وإِذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ فرعٍ ألحقها المتمذهبُ بالفرعِ الأقرب شَبَهًا، كما إِذا أَشْبَهَت النازلةُ أكثرَ مِنْ أصلٍ ألحاقها بأكثرِ الأصولِ شَبَهًا (٤).
وقد ظَهَرَ لي مِنْ خلالِ تأمّلِ عددٍ مِن المواطنِ الَّتي كَشَفَ المتمذهبون فيها عنْ حكمِ النازلةِ، أنَّ تخريجَهم حكم النازلةِ على الفروعِ أكثرُ مِن تخريجهم حكمها على أصولِ المذهبِ.
وفي كلامٍ لابنِ الصلاحِ يشيرُ فيه إِلى تقديمِ التخريجِ على فروعٍ المذهبِ على التخريجِ على أصوله، يقولُ: "تخريجه - أي: المخرِّج - تارة يكونُ مِنْ نصٍّ معيِّنٍ لإِمامِه في مسألةٍ معينةٍ، وتارةً لا يجد لإِمامِه نصًّا معينًا يخرِّجُ منه، فيخرِّج على وفقِ أصولِه" (٥).
стр. 1270
ولعلَّ مردّ هذا الأمر عائدٌ إِلى أنَّ احتمالَ الغلطِ في تخريجِ حكمِ النازلةِ على فرعٍ منصوصٍ على حكمِه أقلُ مِن احتمالِه في تخريجِ النازلةِ على أصلٍ مِنْ أصولِ المذهبِ.
ومِنْ جهةٍ أخرى: لعلَّ التخريجَ على فروعِ المذهبِ أيسرُ مِن التخريجِ على أصولِه.
وبما أنَّ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروعِ المذهبِ قائمٌ على أساسِ قياسِ المخرِّجِ لها على فروعِ المذهبِ، فإِنَّ احتمالَ اختلافِ مخرِّجي المذهبِ الواحدِ في حكمِ النازلةِ احتمالٌ قويٌّ (١).
يقولُ الشيخُ محمد أبو زهرة عن عملِ المخرِّجين: "مِن الطبيعي أنْ يختلفوا في تخريجِهم وأقيستهم، كما اختلفَ أئمةُ المذهبِ في استنباطِهم الأول" (٢).
ولعلَّ مِنْ أسباب اهتمامِ بعضِ العلماءِ بذكرِ التنبيهاتِ والضوابط لتخريجِ حكمِ النازلَةِ على فروعِ المذهب ما رأوه مِنْ تساهلِ بعضِ المتمذهبين في إِلحاقِ بعضِ النوازلِ بأيّ مسَألةٍ تشبهها في المذهبِ، دونَ مراعاةٍ لضوابطِ التخريجِ (٣).
وممَّا لَفَتَ نظري في هذا المبحث أنَّ الجانبَ النظري لمسألةِ: (تخريج النازلة على فروع المذهب) كأنَّه بمعزلٍ عن الجانبِ التطبيقي لها، بمعنى: أنَّ المذاهبَ حوتْ تخريجَ حكمِ النازلةِ على فروع المذهب، وعالجتْ حكمَها بهذا الطريقِ، دون أنْ يُثرِّبَ على المخرِّجين أَحدٌ، ولمَ يقتصر الأمرُ
стр. 1271
على هذا الحدِّ، بلْ تجاوزه إِلى مخالفةِ نصِّ إِمامِ المذهبِ بالنقلِ والتخريجِ، في حين أنَّ خلافَ العلماءِ في مسألةِ: (القياس على قول إِمام المذهب) خلافٌ مشهورٌ، والقولُ بالمنعِ - عند عدم النصِّ على العلةِ - قولٌ قويٌّ.
ويشهد لما قلته آنفًا:
- ما ذكره ابنُ حمدان بقولِه: "يجوزُ له - أي: للمخرِّج - أنْ يفتي فيما لم يجدْه مِنْ أحكامِ الوقائعِ منصوصًا عليها عن إِمامِه لما يخرِّجه على مذهبِه، وعلى هذا العملُ لا (١).
- وما قاله ابنُ عرفة حين ردَّ على مَنْ مَنَعَ تخريجَ النازلة على الفروع: "إِذا كانَ حكمُ النازلةِ غيرَ منصوصٍ عليه، ولم يجز للمقلِّد المولَّى (٢) - أي: المولَّى القضاء - القياسُ على قولِ مقلَّدِه في نازلة أخرى: تعطلت الأحكامُ، وبأنَّه - أيْ: عدم تخريجِ النازلةِ على الفروعِ - خلافُ عملِ متقدمي أهلِ المذهبِ" (٣).
- وما قاله المرداويُّ عن النقلِ والتخريجِ عند الحنابلةِ: "كثيرٌ مِن الأصحاب متقدميهم، ومتأخريهم على جوازِ النقلِ والتخريجِ، وهو كثيرٌ في كلامِهم في المختصراتِ والمطولاتِ" (٤).
وكان للمذاهب الفقهيةِ اصطلاحُها الَّذي يخصّها في تسميةِ الحكمِ الَّذي توصلَ إِليه المخَرِّجُ عن طريقِ تخريجِ حكمِ النازلةِ على فروعِ مذهبِه، وقد سَبَقَ بيانُ هذا الأمر في: مصطلحاتِ نقلِ المذهبِ.
ولقد بالغَ بعضُ المتمذهبين في معالجةِ النوازلِ بالتخريجِ على فروعِ المذهبِ دونَ اهتمامٍ بمحاولةِ طلبِ حكمِها مِن الأدلةِ الشرعيةِ وفق أصولِ
стр. 1272
مذهبِهم في الاستنباط، ولو صُرِفَ شيءٌ مِنْ هذا الجهدِ إِلى طَلَبِ حكمِ النازلةِ بالنظرِ في النصوصِ الشرعيةِ، لكانَ أفضل (١).
أمثلة تخريج النازلة على فروع المذهب (٢):
المثال الأول: سُئِلَ تقيُّ الدين السبكي عن حكمِ السَلَمِ في الفحمِ؟ فأجابَ: "قد نصَّ الشافعيُّ ﵀ على جوازِ السَلَمِ في الطوبِ الأحمرِ الآجر - وهو الصحيحُ عند الأصحابِ - والفحمُ يشبهُه ... " (٣).
المثال الثاني: سُئِلَ ابنُ حجر الهيتمي عمّن جَلَسَ هو وإِمامُه للتشهدِ الأول، فقام إِمامُه وهو في أثنائِه، هل له أنْ يكملَه، وإِذا أكمله وقامَ، فركعَ الإِمامُ في أثناءِ فاتحتِه، أيكونُ مسبوقًا، أم موافقًا؟ فأجابَ بقولِه: "قياسُ كلامِهم - أي: علماء الشافعية - في مسألةِ: (ما لو ترك إِمامُه القنوتَ)، حيثُ قالوا: يُسَنّ له الإِتيانُ به إِنْ أدركه قبلَ فراغِه من السجدةِ الأُولى، وفي (المسبوقِ)، حيثُ قالوا: يُسَنُّ له الاشتغالُ بالافتتاحِ إِنْ ظنَّ إِدراكَ الفاتحةِ لو أكمله ولحق الإِمامَ.
وحينئذٍ: فإِذا أدركَ الإِمامَ في أثناءِ فاتحتِه: فالقياس أنَّه كمسبوقٍ اشتغلَ بنحوِ الافتتاحِ، فركعَ إِمامُه في أثناءِ فاتحته، وحكمُه: أنَّه يجبُ عليه أنْ يتخلفَ بقدرِ ما فوَّتَ، فإِذا قَرَأَ بقدرِه: فإِنْ لم يرفع الإِمامُ مِن الركوعِ رَكَعَ معه، وكان مدركًا للركعةِ، وإلا ... يتابعُه فيما هوفيه، وتفوته الركعةُ ... " (٤).
стр. 1273
المثال الثالث: صحةُ إِجراءِ العقودِ بآلات الاتصال الحديثةِ.
إِذا أبرمَ شخصانِ عقدًا مِن العقودِ الماليةِ عن طريقِ آلةِ اتصالٍ حديثةٍ، كالهاتفِ مثلًا، فهل يصحُّ عقدُهما؟
ذَهَبَ الدكتورُ عليّ القره داغي إِلى صحةِ العقدِ؛ لأنَّ الهاتفَ ينقلُ الصوتَ بوضوحٍ، ولا يختلفُ الكلام مِنْ خلالِه عن الكلامِ بدون واسطةٍ سوى عدمِ رؤيةِ أحدِهما الآخر، ووجود فاصل بينهما، وخرَّجَ حكمَ المسألةِ ممَّا ذكره محيي الدين النوويُّ، إِذ قررَ أنَّ المتعاقدين لو تناديا وهما متباعدان، وتبايعا، صحَّ البيعُ بلا خلافٍ (١).
المثال الرابع؛ هلْ يجوزُ التعاملُ في المطاعمِ بالإِطعامِ حتى الإِشباع بمبلغٍ محدَّدٍ، دون تحديدٍ لمقدارِ الطعامِ؟
أشارَ الدكتورُ محمد الجيزاني إِلى إِمكانيةِ تخريج حكمِ المسألة على الحماماتِ الَّتي أجازها العلماءُ؛ استحسانًا (٢)، عِلْمًا أنَّ الناسَ يتفاوتون في استهلاكِ المياه، مع كونِ الأجرةِ مقدرةً على الجميعِ (٣).
* * **
стр. 1274
الباب الثاني: الدراسة النقدية للتمذهب
وفيه تمهيد وأربعة فصول:
تمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية
الفصل الأول: آثار التمذهب الإِيجابية
الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية
الفصل الثالث: أسباب ظهور الآثار السلبية
الفصل الرابع: مشروع توحيد المذاهب الفقهية.
стр. 1275
تمهيد: في الحاجة إِلى المذاهب الفقهية
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المذاهبَ الفقهيةَ المتبوعةَ طريقٌ موصلٌ إِلى معرفةِ الشريعةِ الإِسلاميةِ: في أصولِها وفروعِها.
ومَنْ أَحْسَنَ سيرَه في دراسةِ المذهبِ، فإِنَّه سيستفيدُ منه خيرَ فائدةٍ، ومَنْ لم يُحْسِن السيرَ فيه، فسيقع في آثارِ التمذهبِ السلبيةِ.
ووجودُ بعضِ الآثارِ السلبيةِ الَّتي وَقَعَ فيها بعضُ المتمذهبين، نتيجةً للتطبيقِ الخاطئِ للتمذهبِ لا يدعو البتة إِلى تركِ المذاهبِ المتبوعةِ، ولا إِلى اعتبارِ الناسِ غير محتاجين إِليها، ولا أدلَّ على هذا مِن أخْذِ أكثرِ الناسِ بها (١).
ويمكنُ إِبرازُ الحاجةِ إِلى المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ في ضوءِ الآتي:
أولًا: أنَّ مجموعَ ما في المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ يُمَثّل فقهَ الشريعةِ الإِسلاميةِ مِنْ حيثُ الجملة (٢)، فإِنَّ هذه المدوّنات إِضافةً إِلى استيعابها أقوالَ الأئمةِ الأربعةِ وتلامذتهم، فإِنَّها قد استوعبتْ المذاهبَ الَّتي لم يُكتبْ لها البقاءُ، فتمكنُ معرفةُ فقه علماءِ السلفِ في طيِّ هذه المدونات (٣).
ثانيًا: سيفوتُ مَنْ لم يتفقه في الشريعةِ الإِسلاميةِ عن طريقِ أحدِ مذاهبِها المتبوعةِ خيرٌ كثيرٌ، وسينقصُ علمُه بها بمقدارِ ما فاته مِنْ تَعَلّمِ ما في المذاهبِ (٤).
стр. 1276
ثالثًا: يُعَدُّ التفقهُ في الدينِ عن طريقِ التَّرقي في طلبِ العلمِ في المذهبِ الفقهي مِنْ أَسْلَمِ الطُّرقِ وأقصرِها وأفضلِها؛ لأنَّ علماءَ المذهبِ خدموا مذهبَهم بكتابةِ مسائل علمي: الفقهِ وأصولِه على أُسُسٍ منهجيةٍ، تَضْمَنُ لمحصِّلِها الفهمَ الشمولي؛ إِذ رُتِّبَتْ مسائلُ هذينِ العلمينِ في المؤلفاتِ المذهبية ترتيبًا متناسقًا، بحيثُ يسهلُ فهمُها واستيعابُها، ويسهلُ أيضًا الرجوعُ إِليها عند الحاجةِ (١).
رابعًا: حَوَتْ مدوَّناتُ المذاهب الفقهيةِ كثيرًا مِن الفروعِ الفقهيةِ، مخدومةً ببيانِ حكمِها، ودليلِها وأصَلِها وقاعدتِها، وفي تركِ هذه الثروةِ الفقهيةِ خسارةٌ كبيرةٌ.
وأيضًا: ففي هذه الثروةِ العظيمةِ تسهيلٌ للاجتهادِ لدى الفقيهِ، وخاصةً في العصورِ التاليةِ لمراحل اكتمالِ تدوينِ المذاهبِ (٢).
خامسًا: بيّنتْ كتبُ المذاهبِ الفقهيةِ طرائقَ الاجتهادِ، وقواعدَ الاستنباطِ مِنْ خلالِ ما كُتِبَ في أصولِ الفقهِ مِنْ وجهاتِ نظرِ كلِّ مذهبٍ (٣).
سادسًا: الضرورةُ قائمةٌ لمعرفةِ ما دوَّنه علماءُ المذاهبِ مِنْ أحكام في الفقهِ وأصولِه؛ لئلا يخرجَ الناظرُ في المسألةِ عن أقوالِهم.
ومع أن الحاجةَ إِلى المذاهبِ الفقهيةِ قائمةٌ، فإِنَ هذا لا يَعْنِي عدمَ توجّه النقدِ إِلى تصرفاتِ بعضِ المتمَذهبين بها، ولا يَعْنِي - أيضًا - التسليمَ بكل ما حوته المذاهبُ الفقهيةُ مِن الأحكامِ، وما بثّه علماؤها مِنْ آراء في مصنفاتِهم (٤).
стр. 1277
الفصل الأول آثار التمذهب الإيجابية
وفيه سبعة مباحث:
المبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية
المبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف
المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة
المبحث الرابع: الإِلمام الشمولي بالمسائل الفقهية، والأصولية
المبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إِلى مقام الاجتهاد
المبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال
المبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر
стр. 1278
تمهيد
لقد كان للتمذهبِ آثارٌ إِيجابيةٌ ظَهَرَتْ بين صفوفِ كثيرِ مِن المتمذهبين انعكست بصورةٍ جيِّدةٍ على الحالةِ العلميةِ في العصورِ الَّتي ازدهرت فيها هذه الآثار (١)، وقبلَ الدخولِ في مباحثِ الفصلِ الأولِ أُحبُّ أن أبيّن أمرين:
الأمر الأول: أنَّ التمذهبَ أسهمَ في نشأةِ الآثارِ الإِيجابيةِ، بغضِ النظرِ أكان التمذهبُ السببَ الوحيدَ في نشأتِها، أي لا؟
الأمر الثاني: أنَّ الآثارَ الإِيجابيةَ قد تُوْجَدُ في عصرٍ دون عصرٍ، وفي قُطْرٍ دونَ قُطْرٍ.
* * *
стр. 1279
المبحث الأول: ظهور المناظرات الفقهية
مِن الآثارِ الإِيجابيةِ المهمّةِ للتمذهبِ: ظهورُ المناظراتِ والمساجلاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ بين أربابِ المذاهبِ المُختلفةِ؛ بُغْيَةَ الاستدلالِ للمذهبِ والانتصارِ له بإِبرازِ أدلتِه، وإِظهارها (١).
وقد عُرِّفَت المناظرةُ في الاصطلاحِ بعدَّة تعريفات، ساقَ طَرَفًا منها إِمامُ الحرمين الجويني في كتابِه: (الكافية في الجدل) (٢)، وقد انتهى إِلى تعريفِها بأنَّها: "إِظهارُ المتنازعَينِ مقتضى نظرتِهما على التدافعِ والتنافي في العبارةِ، أو ما يقوم مقامَها مِن الإِشارةِ، والدلالةِ" (٣).
وقد يقول قائلٌ: إِنَّ العلماءَ السابقين جَمَعوا الأدلةَ، وما وَرَدَ عليها مِن الاعتراضاتِ، فليس في المناظرةِ مزيدُ فائدةٍ للاتِّساعِ في الاستدلالِ (٤).
أجابَ عن هذا السؤالِ الوزيرُ ابنُ هبيرةَ بما مفاده: على فَرْضِ التسليمِ بأنَّ العلماءَ السابقين جمعوا الأدلةَ، فإنَّ لإِقامةِ المناظرةِ فائدةً للمناظِرِ نفسِه في إِعادةِ محفوظِه، ودراسةِ ما عَلِمَه (٥).
وللمناظرةِ فوائدُ أخرى متعددةٌ، وليس المقامُ متَّسِعًا للحديثِ عنها (٦).
стр. 1280
ولا شكَّ في أن المناظراتِ مظنةٌ لبيانِ الأدلةِ، والاعتراضِ على الضعيفِ منها، وهذا الأمرُ يجعلُ المتمذهبَ حريصًا على معرفةِ أدلةِ مذهبِه واستقصائِها، وردِّ الاعتراضاتِ الموجّهةِ إِليها، ومعرفةِ أدلةِ مخالفِه، والاعتراضات الموجهة إِليها.
وقد كانت المناظراتُ قائمةً بين الأئمةِ المجتهدين قَبْلَ استقرارِ المذاهب الفقهيةِ (١)، وبَعْدَ استقرارِها سارَ أتباعُ الأئمةِ على مناظرةِ مخالفِيهمَ، فأسهموا في شيوعِ المناظرات وكثرتِها (٢).
يقولُ ابنُ خَلدون: "وقاسموا - أيْ: علماء الشافعية - الحنفيةَ في الفتوى والتدريس في جميعِ الأمصارِ، وعَظُمَتْ مجالسُ المناظراتِ بينهم، وشُحِنَتْ كتبُ الخلافيات بأنواعِ استدلالاتِهم" (٣).
ويقولُ - أيضًا -: "جَرَتْ بينهم - أيْ: بين أتباعِ المذاهبِ الأربعةِ - المناظراتُ في تصحيحِ كلٍّ منهم مذهبَ إِمامِه، تجري على أصولٍ صحيحةٍ، وطرائقَ قويمةٍ، يحتجُّ بها كلٌّ على مذهبِه الَّذي قلَّده وتمسَّكَ به" (٤).
стр. 1281
وقد كان لهذه المناظراتِ تأثيرٌ في حيويةِ الفقهِ، وغزارةِ مسائلِه (١)، وإِظهارِ الفروقِ بين ما تشابَه مِنْ مسائلِه الَّتي تختلفُ أحكامُها، وتقييدِ بعضِ الأقوالِ المذهبيةِ أو تخصيصِها (٢).
يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن أحدِ أنواعِ الفقهِ: "معرفةُ الجمع والفرقِ، وعليه جلُّ مناظراتِ السلفِ، حتى قالَ بعضُهم: الفقهُ: فرقٌ وجمعٌ" (٣).
وقد أسهم المتمذهبون في تأصيلِ علمِ الجَدَلِ، وفصّلوا القولَ في مسائلِه، وفي الاعتراضاتِ الموجهةِ إِلى الأدلةِ، وبِمَ يكون الانقطاع؟ بأمرين:
الأمر الأول: ما بثَّه العلماءُ في مؤلفاتِهم الأصوليةِ مِنْ حديثٍ عن الجدلِ، وعن الاعتراضاتِ الواردة على الأدلةِ (٤).
الأمر الثاني: ما ألّفه العلمَاءُ مِنْ مدوَّناتٍ في آداب المناظرةِ، وعِلم الجدلِ، والاعتراضاتِ على الأدلةِ (٥).
وأسهمَ المتناظرون في مناظراتِهم في بيانِ مآخذِ الأئمةِ، وتحريرِ
стр. 1282
مواطنِ اتفاقِهم، ومواقع اجتهادِهم (١).
ولمَّا كانَ كلُّ واحدٍ مِن المتناظرين يُرْسِلُ عِنَانَه في الاحتجاجِ والجواب احتاجوا في مناظراتِهم إِلى معرفةِ القواعدِ الأصوليةِ؛ لإِقامةِ دليلِ المسألةِ عَلى الوجهِ الصحيحِ، والإِجابةِ عن الاعتراضاتِ الموجهةِ إِليها (٢).
وقد تكونُ المناظرةُ بين شخصين على الحقيقةِ، وقد تكون كتابيةً، بأنْ يُدوِّنَ المؤلِّفُ قولَه وأدلتَه واعتراضاتِ المخالفِ على هيئةِ المناظرةِ (٣).
ويتحدث الشيخُ محمدٌ أبو زهرة عن أثرِ المناظراتِ في علمِ أصولِ الفقهِ بكلامٍ جيّدٍ، فيقولُ: "إِنَّ علمَ أصولِ الفقهِ الَّذي غَرَسَ غرسَه الإِمامُ الشَّافعي، لم يضعفْ بَعْدَه، حتى في عصورِ التقليدِ الَّتي غُلِّقَ فيها بابُ الاجتهادِ، بلْ نَمَا وترعرع! وإِنَّ الشّغفَ بالجدلِ والمناظرةِ في الفقهِ - وقد قُيِّدَ بالمذهبِ عند المقلِّدين في الفروعِ - وَجَدَ مُتَنَفّسًا في أصولِ الفقهِ في تحقيقِ نظرياتِه، وتحريرِ قواعدِه، وتشعيبِ مسائلِه، وكأنَّما الفقهاءُ إِذ قيَّدوا أنفسَهم في الفروعِ، قد أطلقوا لها الحريةَ في الأصولِ" (٤).
стр. 1283
وتحدّثَ الشيخُ محمدٌ الطاهرُ بنُ عاشور عن أثرِ المناظراتِ والجدلِ على نشأةِ عِلْمِ أصولِ الفقهِ، فقالَ: "إِن علومَ الشريعةِ لما دُوِّنتْ وهُذِّبَتْ، وظَهَرَ المجتهدون الذين دُوِّنَتْ مذاهبُهم، نَشَأَ الخلافُ والجدلُ في الاحتجاجِ والمناظرةِ بين الفقهاءِ، فتولَّدَ مِن العقولِ قواعدُ نظريةٌ في الجدلِ تفرّعت تدريجيًا حتى صارتْ عِلْمًا يُعَبّرُ عنه بعلمِ أصولِ الفقهِ ... " (١).
وبعدَ استقرارِ قواعدِ أصولِ الفقهِ صارت هذه القواعدُ عمدةً لأصحابِ المناظراتِ" ليصحّح كلٌّ مِن المتناظرين مذهبَ إِمامِه، وليُثْبِتْ بناءَه على أصولٍ صحيحةٍ، وطرائق قويمةٍ (٢).
ولم يُؤَثِّر القولُ بإِغلاقِ بابِ الاجتهادِ على شيوعِ المناظراتِ، بلْ إِنَّ الأمرَ سارَ على العكسِ؛ إِذ إِنَّ المناظراتِ قد شاعتْ وانتشرتْ في العصورِ الَّتي قيل فيها بإغلاقِ بابِ الاجتهادِ شيوعًا كبيرًا (٣).
وكانت العلومُ الَّتي يتناظرُ فيها العلماءُ متعددة، ويأتي على رأسها: علمُ الفقهِ وعلمُ أصولِ الفقهِ، بمختلفِ مسائل هذين العلمين (٤).
وإِذا كان الأصلُ في المناظراتِ أنْ تقومَ بين أرباب المذاهب الفقهيةِ المختلفةِ؛ لأنَّ الدافعَ لها تباينُ المذاهبِ (٥)، فإِنَّ هذا الأمرَ لم يكَن مانعًا
стр. 1284
مِنْ قيامِ متمذهبي المذهبِ الواحدِ بالمناظرةِ في بعض المسائلِ المبثوثةِ في مذهبِهم، سواءٌ أكانت في الفقهِ، أم في أصولِه (١)؛ ولعلَ مِن الدوافعِ لهم تحقيقَ القولِ في مذهبِهم.
وبَلَغَ مِن اهتمامِ أتباعِ المذاهب بإِقامةِ المناظراتِ بينهم أنَّهم كانوا يعقدونها في المساجدِ والبيوتِ، ومجَالسِ الخلفاءِ، وكانوا يُحْيُونَ مواسمَ الحجِّ، وأيامَ العزاءِ بالمناظراتِ الَّتي تدورُ عادةً في الاستدلالِ والدفاعِ عن المذهبِ وإمامِه (٢).
وإِذا كان الدافعُ في كثيرٍ مِنْ مناظراتِ أربابِ المذاهبِ ومساجلاتِهم الرغبةَ في إِظهارِ أدلةِ المذهب وحُجَجِه، وبيانِ صحتِها، وتزييفِ أدلةِ المخالفين، مع قصدِ الوصولَ إِلى القول الراجحِ (٣)، وردِّ المخالفِ إِلى
стр. 1285
الصوابِ بطريقِ ودليل يعرفه (١): فإِنَّ هذا لا يَعْني خلوَّ المناظراتِ مِنْ بعضِ التصرفاتِ السلبيةِ (٢)، فلقد كان يتخلل بعضَها شيءٌ مِن الجمودِ على المذهبِ، والتعصّب له، والقدحِ في المخالفِ، والتمسّكِ بالمذهبِ وإِنْ خالفَ الدليلَ، والمَناظرة في موضوعاتِ قيمتها العلميةُ قليلةٌ، فشوّتْ هذه التصرفاتُ المقصدَ العلميّ مِن المناظراتِ (٣).
وكذلك قد يقومُ بالمناظرةِ مَنْ لا يُحْسِن شيئًا في العلمِ (٤)، وفي دخولِ أمثالِ هؤلاءِ في بابِ المناظرةِ سلبٌ للمناظرةِ مِنْ كثيرٍ مِنْ فوائدِها.
يقولُ أبو عبدِ الله المقّري: "لا يجوزُ التعصّبُ إِلى المذاهبِ بالانتصاب للانتصارِ بوضعِ الحِجَاجِ، وتقريبِها على الطُّرُقِ الجدليةِ، مع اعتقادِ الخطأِ، أو المرجوحيةِ عند المجيبِ، كما يفعله أهلُ الخلافِ ... " (٥).
стр. 1286
ولم تخلُ بعضُ المناظراتِ التي لم تَسْلَمْ مِنْ داءِ التعصبِ مِنْ فوائد المناظرةِ الأخرى، ومِنْ بعضِ الطرائفِ الفقهيةِ، واللطائفِ العلميةِ (١).
يقولُ تاجُ الدين بنُ السبكي: "إنَّ ما يقعُ في المغالطاتِ والمغالباتِ في مجالسِ النظرِ، يحصلُ به مِنْ تعليمِ إقامةِ الحُجّةِ، ونشرِ العِلْمِ، وبعثِ الهِمَمِ على طلبِه ما يعظم في نظرِ أهلِ الحقِّ" (٢).
ويقولُ الشيحُ محمدٌ السايس عن حالِ بعضِ المناظراتِ: "بَعْدَ أنْ كانَ الجدلُ يُقْصَدُ للوصولِ إلى الحقِّ فحسب، أصبحَ يُستخدم لمجرّدِ التغلبِ على الغير (٣)، ومعولًا يَهْدِمُ به كلُّ فريقٍ ما يخالفُ مذهبَه، فانحرفَ عن طريقتِه الأُوْلى، وحُشِرَ فيه ما لا يتّصلُ بجوهرِ الموضوعاتِ" (٤).
ويمكنُ القولُ: إنَّ الحكمَ على المناظرةِ مدحًا، أو ذمًّا تابعٌ لغَرَضِ المناظِرِ منها:
• إنْ كان غرضُ المناظِرِ مِن المناظرةِ: إثراءَ الاستدلالِ، وردَّ الاعتراضاتِ عن أدلةِ مذهبِه السالمة منها، وإظهارَ ما ترجّح عنده، فهي ممدوحةٌ.
стр. 1287
• وإنْ كان غرضُه مِنْ مناظرتِه نصرةَ المذهبِ، وإفحامَ المناظِر، بغضِّ النظرِ عمَّا أيّده الدليلُ ورجَّحه، فهي مذمومةٌ (١).
ويتحدثُ أبو حامدٍ الغزالي (ت: ٥٠٥ هـ) عن حالِ بعضِ المتناظرِين في مناظراتِهم في عصرِه، فيقول: "تَرَكَ الناسُ ... فنونَ العلمِ، وانثالوا (٢) على المسائلِ الخلافيةِ بين الشافعي وأبي حنيفةَ على وجهِ الخصوصِ، وتساهلوا في الخلافِ مع مالكٍ وسفيانَ وأحمدَ - رحمهم الله تعالى - وغيرِهم، وزعموا أنَّ غرضَهم استنباطُ دقائقِ الشرعِ، وتقريرُ عللِ المذاهبِ، وتمهيدُ أصولِ الفتاوى، وأكئروا فيها التصانيفَ والاستنباطاتِ، ورتّبوا فيها أنواعَ المجادلاتِ والتصنيفاتِ - وهم مستمرون عليه إلى الآن، ولسنا ندري ما الذي يُحْدِثُ اللهُ فيما بعدنا مِن الأعصار؟ ! - فهذا الباعثُ على الإكبابِ على الخلافياتِ والمناظراتِ لا غير ... " (٣).
ثمَّ ساقَ أبو حامدٍ ثمانيةَ شروط للحُكمِ على المناظرةِ بأنَّها جائزة (٤)، وساقَ أيضًا الآفاتِ المترتبة عليها إنْ كان قصدُ المتناظرين الغلبةَ، وإفحامَ
стр. 1288
الخصمِ (١).
وقد حذَّر أبو الوفاءِ بنُ عقيل مِنْ إيرادِ بعضِ الاعتراضات التي لا معنى لها سوى قصدِ فَتْلِ المناظر (٢)، فقالَ: "قلَّ أنْ يُفْلِحَ مَنْ تركَ التحقيقَ تعويلًا على أمثالِ هذه التزاويق (٣) التي لا بقاءَ لها، وقلَّ أنْ ينتهي مَنَ سَلَكَ ذلك إلى مقاماتِ الأئمةِ، والله يكفي غوائلَ الطِّباعِ، وشرورَ النفسِ، وغلباتِ الأهواءِ بمنّه وكرمِه" (٤).
ويقولُ الوزير ابنُ هبيرةَ في الموضوعِ ذاتِه: "أمَّا اجتماعُ الجمعِ منهم - أي: من المتناظرين - متجادلين في مسألةٍ، مع أنَّ كلَّ واحدٍ منهم لا يَطْمَعُ في أنْ يَرْجِعَ خصمُه إليه إنْ ظَهَرَتْ حجّتُه، ولا هو يَرْجِعُ إلى خصمِه إنْ ظَهَرَتْ حجّتُه عليه، ولا فيه عندهم فائدةٌ تَرْجِعُ إلى مؤانسةٍ، ولا إلى استجلاب مَوَدّةٍ، ولا إلى توطِئَةِ القلوب لوعي الحقِّ، بل هو على الضدِّ مِن ذلك: فإنَّه ممَّا قد تكلّمَ فيه العلماءُ، وَأظهروا مِن عوارِه ما أظهروا ... " (٥).
أمثلة لبعضِ المناظراتِ التي جَرَتْ بين أربابِ المذاهبِ (٦):
المثال الأول: نَقَلَ ابنُ العربي المالكي مناظرةً حضرها، فقالَ: "وَرَدَ علينا بالمسجد الأقصى سنةَ سبعٍ وثمانين وأربعمائة فقيةٌ مِنْ عظماءِ أصحابِ
стр. 1289
أبي حنيفةَ (١) ... فحضرنا في حرمِ الصخرةِ المقدسة - طهرها الله - معه، وشهد (٢) علماءُ البلدِ، فسُئلَ على العادةِ عن قتلِ المسلمِ بالكافرِ؟ فقال: يُقتلُ به قصاصًا. فطولبَ بالدليلِ، فقال: الدليلُ عليه: قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (٣)، وهذا عامٌ في كلِّ قتيلٍ.
فانتدبَ معه للكلام فقيهُ الشافعية بها، وإمامهم: عطاءُ المقدسي (٤)، وقالَ: ما استدلَّ به الشيخُ الإمامُ لا حُجَّةَ له فيه مِنْ ثلاثة أوجه" (٥)، وساقَ الأوجهَ، ثم ردَّ الفقية الحنفيُّ على استدلالات مخالفه (٦).
المثال الثاني: ما ذكره ابن العربي - أيضًا - مِنْ مناظراتِه للظاهريةِ في دفاعِه عن موطأِ إمامِه الإمامِ مالكٍ، بقوله: "إنَّما حَمَلَني على جمعِ هذا المجموعِ - أي: كتابه: (المسالك في شرح موطأ مالك) - بما فيه إنْ
стр. 1290
شاءَ الله كفايةٌ وقنوعٌ، أمورٌ ثلاثةٌ؛ وذلك أنَّه ناظرتُ يومًا جماعةً مِنْ أهلِ الظاهرِ الحزمية - الجهلةِ بالعلمِ والعلماءِ، وقلة الفهم: - على موطأِ مالك بن أنس، فكلٌّ عابه، وهَزَأَ به. فقلت لهم: ما السبب الذي عِبْتُمُوه مِنْ أجلِه؟ فقالوا: أمورٌ كثيرةٌ: أحدها: أنَّه خَلَطَ الحديثَ بالرأي. والثاني: أنَّه أدخلَ أحاديثَ كثيرةً صحاحًا، وقال: ليس العملُ على هذه الأحاديثِ.
والثالث: أنَّه لم يفرِّق بين المرسلِ مِن الموقوفِ (١)، والمقطوعِ (٢) مِن البلاغ (٣)، وهذا مِنْ إمامٍ - قد صحتْ عندكم إمامته في الفقه والحديث - نقيصةٌ! ... " (٤).
المثال الثالث: ذَكَرَ عبدُ الله العلوي مناظرةً جَرَتْ لابنِ رشدٍ مع أحدِ
стр. 1291
علماءِ الحنفية: لمَّا حَضَرَ ابنُ رشدٍ درسَ العالمِ الحنفي، قال المدرسُ الحنفيُّ: الدليل لنا على مالكٍ في المسحِ على العمامةِ: أنَّه مَسْحٌ على حائلٍ أصلُه الشّعر، فإنَّه حائل. فأجابه ابنُ رشدٍ: بأنَّ الحقيقةَ إذا تعذرتْ، انتُقِلَ إلى المجازِ إنْ لم يتعددْ، وإلى الأقرب منه إنْ تعددَ، والشَّعرُ هنا أقربُ، والعمامةُ أَبْعَد، فيتعين الحملُ على الشَعرِ.
فلم يجد الحنفيُّ جوابًا (١).
المثال الرابع: أوردَ تاجُ الدين السبكي مناظرةً جرت بين القاضي أبي الطيب (٢)، وأحدِ علماءِ الحنفيةِ (٣) عن مسألةِ: تقديم الكفارةِ على الحنثِ؟ يقولُ تاجُ الدين: "فأجابَ - أي: العالم الحنفى - بأنَّ ذلك لا يُجزئُ، وهو مذهبُهم. فسُئِلَ الدليل؟ فاستدلَّ بأنَّه أدَّى الكفارةَ قبل وجوبِها، وقبلَ وجودِ سببِ وجوبِها، فَوَجَبَ ألا تجزِئَه، كما لو أخرجَ كفارةَ الجماعِ بعدَ الصومِ، وقبلَ الجماعِ، وأخرجَ كفارةَ الطّيب واللباسِ بعدَ الإحرامِ، وقبلَ ارتكابِ أسبابِها.
فكلّمه القاضي أبو الطيبِ، ناصرًا جوازَ ذلك - كما هو مذهبُ الشافعي - وأوردَ عليه فصلين: أحدهما: مانعةُ الوصفِ، فقالَ: لا أُسلّم أنَّه لم يُوْجَد سببُ وجوبِ الكفارة؛ فإنَّ اليمينَ عندي سببٌ؛ فاليمينيةُ مُثْبَتَةٌ في الحالين على هذا الأصلِ.
стр. 1292
والثاني: أنَّه يبطلُ بما إذا أخرجَ كفارةَ القتلِ بعد الجُرحِ وقبل الموتِ، فإنَّه أخرجَها قبلَ وجوبِها، وقبلَ وجودِ سببِ وجوبِها، ثم يجزئه ... " إلى آخر ما جرى في المناظرةِ (١).
* * *
стр. 1293
المبحث الثاني: ازدهار النشاط في مجال التأليف
لعلَّ مِنْ أبرزِ الآثارِ الإيجابيةِ الناشئةِ عن التمذهبِ ازدهارَ النشاطِ التأليفي في مختلفِ الموضوعاتِ المتعلقةِ بالفقهِ وأصولِه.
لقد أسهمَ متمذهبو المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ في خدمةِ مذاهبِهم، وتظافرتْ جهودُهم في هذا المجالَ، وتنوعتْ مؤلفاتُهم، وجميعها يسيرُ في خدمةِ المذهبِ، فكتبوا أكثرَ مؤلفاتِها بلسانِ عصورِ مؤلفيها، وجَعَلَ هذا المجهودُ الذي قامَ به أتباعُ المذاهبِ مِن المذهبِ الواحدِ مدرسةً فقهيةً أصوليةً متكاملةً.
وكثيرٌ مِنْ المؤلفاتِ التي خلَّفها أولئكَ العلماءُ تنطقُ بألوانٍ مِن المعارفِ والعلومِ، لا يمكنُ معها إلا الجزمُ بالأثرِ الإيجابي للتمذهبِ.
يقولُ الشيخُ عبدُ القادر بن بدران الحنبلي: "اعلمْ أنَّ أصحابَنا تفنَّنوا في علومِهم الفقهيةِ فنونًا، وجعلوا لشجرتِها المثمرةِ بأنواعِ الثمراتِ غُصُونًا، وشعَّبوا مِنْ نهرِها جداولَ تروي الصادي (١) ... ففرَّعوا الفقهَ إلى المسائل الفرعيةِ، وألّفوا فيها كتبًا ... ثمَّ أفردوا لما فيه خلافٌ لأحدِ الأئمة فنًّا، وسمّوه فنَّ الخلافِ .. " (٢).
ويمكن لي إبرازُ النشاطِ التأليفي الذي قامَ به متمذهبو المذاهبِ الفقهيةِ بذِكْرِ الفنونِ التي كتبوا فيها، وسأمثل لكلِّ فنٍّ منها ببعضِ
стр. 1294
المؤلفات (١):
الأول: التأليف في الفقه المذهبي (٢).
حَفِلت المذاهبُ الفقهيةُ المتبوعةُ بمدوّناتٍ في فقهِ مذاهبِهم، فقد عَكَفَ أتباعُ المذاهبِ على تنميةِ فقهِ مذهبِهم، وتحقيقِ القولِ والترجيحِ فيه، ونَتَجَ عن هذه الجهوَدِ تراثٌ فقهيٌّ عزيزُ المثال، يعجز العادُّ عن حصرِه (٣)، وإثراءٌ للفقهِ بمختلفِ درجاته (٤).
وكانت هذه المؤلفاتُ مختلفةَ المناهجِ، فمنها: المبسوطُ، ومنها: المتوسطُ، ومنها: الموجزُ، ومنها: المختصرُ مِنْ غيرِه (٥).
يقولُ الدكتورُ محمدٌ أبو الأجفان: "كُتُبُنَا الفقهيةُ القديمةُ التي تمثلُ ثروةً نفيسةً، ومصدرًا هامًّا، جاءتْ مختلفةً في أسلوبِ عرضِها للمسائل: فمنها: المختصرُ، ومنها: المبسوطُ" (٦).
وأيضًا: فهناك الشروحُ للكتبِ، والحواشي والتقريرات عليها (٧).
ولابنِ خَلْدون كلامٌ عن جهودِ علماءِ المالكية يتضح منه اهتمامُ
стр. 1295
المتمذهبين بالنشاطِ التأليفي، فيقول: "عَكَفَ أهلُ القيروان على (المدوّنةِ)، وأهلُ الأندلسِ على (الواضحةِ) و (العتبيةِ) ... ولم تَزَلْ علماءُ المذهب يتعاهدون هذه الأمهاتِ بالشرحِ والإيضاحِ والجمعِ، فكَتَبَ أهلُ إفريقيةَ على (المدوّنةِ) ما شاءَ الله أنْ يكتبوا - مثل: ابنِ يونس واللخمي - ... وكتب أهلُ الأندلس على (العتبية) ما شاءَ الله أنْ يكتبوا، مثل: ابنِ رشد وأمثالِه ... " (١).
ولستُ أرى حاجةً إلى التمثيلِ للكتبِ الفقهيةِ؛ لشهرتِها وكثرتِها.
ولم يكن اهتمامُ علماءِ المذاهبِ بالكتابةِ والتأليفِ في فقهِ مذهبِهم عائقًا لهم عن الاهتمامِ بالكتابةِ في بابٍ من أبوابِ الفقهِ، كأبواب الزكاةِ والحجِّ والفرائضِ وغيرِها (٢).
ومما يمثّل به هذا المقام: (كتاب الأموال) للقاضي إسماعيلَ المالكي (٣)،
стр. 1296
و (كتاب المناسك) لأبي ذرٍ الهروي (١)، و (الأشربة) لبكر بن العلاءِ القشيري (٢)، و (النظر في أحكام النظر) للقطانِ الفاسي (٣).
стр. 1297
ويلتحقُ بهذا الفنِّ: مؤلفات المتمذهبين في الخلافياتِ (١)، والفروقِ الفقهيةِ (٢)، والمفرداتِ المذهبيةِ (٣)، ولغةِ الفقهاء (٤)، وما كتبوه مِن الفتاوى (٥).
الثاني: التأليف في الألغاز والأحاجي والمطارحات الفقهية (٦).
لقد كانَ للتّوسعِ في ميدانِ التأليفِ الفقهي أثرٌ في تنويعِ الكتابةِ فيه، فكَتَبَ بعضُ علماءِ المذهب كُتُبًا في الألغازِ والأحاجي الفقهيةِ، والتي غالبًا ما تكونُ معرفةُ أجوبتِها مرتبطةً بأحكامِ المذهبِ.
ولهذه المؤلفاتِ فوائدُ عدّة تعودُ على المتعلمين، كشحْذِ الذهنِ، وتدارسِ المذهبِ، وطَرْدِ السآمةِ والمللِ في بعضِ الأوقاتِ.
يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن المطارحاتِ الفقهيةِ: "هي مسائل عويصةٌ؛ يُقْصَدُ بها تنقيحُ الأذهانِ" (٧).
стр. 1298
ومن المؤلفات في الألغاز: (المعاياة) لأبي حاتم القزويني (١)، و (المعاياة) للجرجاني (٢)، و (حلية الطراز في حل مسائل الألغاز) لأبي بكر الجراعي.
ولتاج الدّينِ بن السبكي مجموعٌ في الألغاز ضمّنه كتابه: (الأشباه والنظائر) (٣)، وجَعلَ ابنُ نجيمٍ الحنفي الفنَّ الرابعَ في - كتابِه: (الأشباه والنظائر) (٤) في الألغازِ.
الثالث: التأليف في أصول المذهب (٥).
стр. 1299
لقد اهتمَّ أربابُ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ منذُ وقتٍ مبكّرٍ بإبرازِ أصولِ مذاهبِهم، فوُجِدَ في كلِّ مذهبٍ فقهي مؤلفاتٌ دوّنها أصوليو المذهبِ.
ولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ للكتب الأصوليةِ العامةِ؛ لشهرتِها، وكثرتِها.
وقد كَتَبَ بعضُ الأصوليين مؤلفاتٍ في موضوعٍ مِن موضوعاتِ الأصول، وممَّا يمثل به في هذا المقام: (كتاب الاحتجاج بالقرآن) للقاضي إسماعيل المالكي (١)، و (القياس) لبكر بنِ العلاء القشيري (٢)، و (إجماع أهل المدينة) لأبي بكرٍ الأبهري (٣)، و (أدب المفتي والمستفتي) لابنِ الصلاحِ، و (صفة الفتوى) لابنِ حمدان.
ويلحق بهذا الفنِّ: ما كتبه علماءُ المذاهبِ في الفروقِ الأصوليةِ (٤).
الرابع: التأليفُ في قواعد المذهب وضوابطه الفقهية (٥).
لم يكنْ أمرُ التقعيدِ الفقهي مقتصرًا على الكتابةِ الأصوليةِ فحسب، بلْ إنَّ الأمرَ تعدَّاه إلى الاهتمامِ بقواعد المذهبِ وضوابطِه الفقهيةِ، وكان هذا الأمرُ مكمّلًا للتقعيدِ المذهبي، ومنهجِ الاجتهادِ فيه (٦).
ولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ لكتبِ القواعدِ الفقهيةِ؛ لشهرتِها.
стр. 1300
الخامس: التأليفُ في بيانِ أدلةِ المذهب (١).
كان لبعضِ المتمذهبين عنايةٌ بعلمِ الحديث ومعرفةٌ به، وأسهمتْ هذه المعرفةُ بالتأليفِ في بيانِ أدلةِ المذهبِ النقليةِ مِن الأحاديثِ والآثارِ (٢)، وكان لهذه المؤلفاتِ أثرُها في إثراءِ المذَهبِ، وفي تخريجِ أحاديثِه.
ومن الأمثلة لهذا الفن: كتاب (الآثار) لمحمد بن الحسن - جمع فيه الآثارَ التي يحتجُ بها أئمةُ الحنفية (٣) - و (شرح معاني الآثار) لأبي جعفرٍ الطحاوي، و (المنتقى في الأحكام الشرعية) لمجدِ الدّينِ بنِ تيميةَ، و (المحرر في الحديث) لابنِ عبدِ الهادي (٤)، و (بلوغ المرام) للحافظِ ابنِ حجر، و (إعلاء السنن) لظفر العثماني الحنفي (٥).