← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

و (كتاب المناسك) لأبي ذرٍ الهروي (١)، و (الأشربة) لبكر بن العلاءِ القشيري (٢)، و (النظر في أحكام النظر) للقطانِ الفاسي (٣).

стр. 1297

ويلتحقُ بهذا الفنِّ: مؤلفات المتمذهبين في الخلافياتِ (١)، والفروقِ الفقهيةِ (٢)، والمفرداتِ المذهبيةِ (٣)، ولغةِ الفقهاء (٤)، وما كتبوه مِن الفتاوى (٥). الثاني: التأليف في الألغاز والأحاجي والمطارحات الفقهية (٦). لقد كانَ للتّوسعِ في ميدانِ التأليفِ الفقهي أثرٌ في تنويعِ الكتابةِ فيه، فكَتَبَ بعضُ علماءِ المذهب كُتُبًا في الألغازِ والأحاجي الفقهيةِ، والتي غالبًا ما تكونُ معرفةُ أجوبتِها مرتبطةً بأحكامِ المذهبِ. ولهذه المؤلفاتِ فوائدُ عدّة تعودُ على المتعلمين، كشحْذِ الذهنِ، وتدارسِ المذهبِ، وطَرْدِ السآمةِ والمللِ في بعضِ الأوقاتِ. يقولُ بدرُ الدّينِ الزركشي عن المطارحاتِ الفقهيةِ: "هي مسائل عويصةٌ؛ يُقْصَدُ بها تنقيحُ الأذهانِ" (٧).

стр. 1298

ومن المؤلفات في الألغاز: (المعاياة) لأبي حاتم القزويني (١)، و (المعاياة) للجرجاني (٢)، و (حلية الطراز في حل مسائل الألغاز) لأبي بكر الجراعي. ولتاج الدّينِ بن السبكي مجموعٌ في الألغاز ضمّنه كتابه: (الأشباه والنظائر) (٣)، وجَعلَ ابنُ نجيمٍ الحنفي الفنَّ الرابعَ في - كتابِه: (الأشباه والنظائر) (٤) في الألغازِ. الثالث: التأليف في أصول المذهب (٥).

стр. 1299

لقد اهتمَّ أربابُ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ منذُ وقتٍ مبكّرٍ بإبرازِ أصولِ مذاهبِهم، فوُجِدَ في كلِّ مذهبٍ فقهي مؤلفاتٌ دوّنها أصوليو المذهبِ. ولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ للكتب الأصوليةِ العامةِ؛ لشهرتِها، وكثرتِها. وقد كَتَبَ بعضُ الأصوليين مؤلفاتٍ في موضوعٍ مِن موضوعاتِ الأصول، وممَّا يمثل به في هذا المقام: (كتاب الاحتجاج بالقرآن) للقاضي إسماعيل المالكي (١)، و (القياس) لبكر بنِ العلاء القشيري (٢)، و (إجماع أهل المدينة) لأبي بكرٍ الأبهري (٣)، و (أدب المفتي والمستفتي) لابنِ الصلاحِ، و (صفة الفتوى) لابنِ حمدان. ويلحق بهذا الفنِّ: ما كتبه علماءُ المذاهبِ في الفروقِ الأصوليةِ (٤). الرابع: التأليفُ في قواعد المذهب وضوابطه الفقهية (٥). لم يكنْ أمرُ التقعيدِ الفقهي مقتصرًا على الكتابةِ الأصوليةِ فحسب، بلْ إنَّ الأمرَ تعدَّاه إلى الاهتمامِ بقواعد المذهبِ وضوابطِه الفقهيةِ، وكان هذا الأمرُ مكمّلًا للتقعيدِ المذهبي، ومنهجِ الاجتهادِ فيه (٦). ولا أرى حاجةً إلى التمثيلِ لكتبِ القواعدِ الفقهيةِ؛ لشهرتِها.

стр. 1300

الخامس: التأليفُ في بيانِ أدلةِ المذهب (١). كان لبعضِ المتمذهبين عنايةٌ بعلمِ الحديث ومعرفةٌ به، وأسهمتْ هذه المعرفةُ بالتأليفِ في بيانِ أدلةِ المذهبِ النقليةِ مِن الأحاديثِ والآثارِ (٢)، وكان لهذه المؤلفاتِ أثرُها في إثراءِ المذَهبِ، وفي تخريجِ أحاديثِه. ومن الأمثلة لهذا الفن: كتاب (الآثار) لمحمد بن الحسن - جمع فيه الآثارَ التي يحتجُ بها أئمةُ الحنفية (٣) - و (شرح معاني الآثار) لأبي جعفرٍ الطحاوي، و (المنتقى في الأحكام الشرعية) لمجدِ الدّينِ بنِ تيميةَ، و (المحرر في الحديث) لابنِ عبدِ الهادي (٤)، و (بلوغ المرام) للحافظِ ابنِ حجر، و (إعلاء السنن) لظفر العثماني الحنفي (٥).

стр. 1301

ويُلحق بهذا الفنِّ: ما كتبه علماءُ الحديث مِنْ مؤلفاتٍ في تخريجِ الأحاديثِ والآثارِ الواردةِ في المؤلفاتِ الفقهيةِ والأصوليةِ (١). ومما يمثل به: كتاب (التحقيق في أحاديث التعليق) لأبي الفرجِ بنِ الجوزي، و (نصب الراية لأحاديثِ الهداية) لجمالِ الدينِ الزيلعي، و (المعتبرُ في تخريجِ أحاديثِ المنهاج والمختصر) لبدرِ الدينِ الزركشي، و (البدرُ المنيرُ في تخريجِ أحاديث الرافعي الكبير) لسراجِ الدينِ بنِ الملقن، و (التلخيص الحبير) للحافظِ ابنِ حجر. السادس: التأليفُ في الردودِ على مخالفي المذهب (٢). وجّه بعضُ العلماءِ انتقاداتٍ علمية إلى بعضِ المذاهبِ الفقهيةِ في عددٍ من المسائلِ، سواء أكانت منسوبةً إلى إمام المذهب، أم كانت مِن أقوالِ المذهبِ المشهورةِ، وفي الغالبِ ينبري أتباعُ المَذهبِ إلى الدفاعِ عن مذهبِهم، ومِنْ أهمِّ طُرُقِ المدافعةِ عنه التأليفُ في الردِّ على المخالفِ. ومما يمثل به في هذا المقام: (كتاب الحجة على أهل المدينة) لمحمد بن الحسن، وكتاب (الرد على محمد بن الحسن) للقاضي إسماعيل المالكي (٣)، وكتاب (الردّ على المزني) لأبي بكرٍ الأبهري (٤)، وكتاب (الردّ على ابن عُليّة (٥) فيما أنكره على مالكٍ)

стр. 1302

لأبي جعفرٍ الأبهري (١)، و (نقض كتاب الشافعي في ردِّه على مالكٍ) لأحمدَ الدهان البصري (٢). السابع: التأليف في مناقب إمام المذهب (٣). لقد كان أئمةُ المذاهبِ الفقهيةِ على قدرٍ كبيرٍ مِن التميّزِ والبروزِ العلمي، شأنُهم في ذلك شأنُ سائرِ مجتهدي الأمةِ الإسلاميةِ في عصورِها الأُوْلى. وقد كَتَبَ جمعٌ مِن المتمذهبين في مناقبِ أئمتِهم، بلْ تعدَّى الأمرُ إلى كتابةِ بعض المتمذهبين في مناقبِ أئمةِ المذاهب الأخرى، وفي هذا الصنيعِ دلالةٌ على رسوخِ مكانةِ الأئمةِ في نفوسِ كثيرٍ من المتمذهبين مِنْ مختلفِ المذاهبِ. وقد يكون الباعثُ على الكتابةِ في مناقبِ الإمامِ عند بعضِ المؤلفين الرغبةَ في انتماءِ الناسِ إلى مذهبِ إمامِه (٤).

стр. 1303

وأيًّا كان الباعثُ على الكتابةِ في مناقبِ الأئمةِ، فقد حَفِظَتْ هذه المدوّناتُ عددًا مهمًا مِنْ أقوالِ الأئمةِ وآرائِهم وأحوالِهم. ومن الكتب المولفة في مناقب الأئمة: (مناقب مالك) لأبي بكرٍ جعفر الفريابي (١)، و (مناقب أبي حنيفة) لأبي جعفر الطحاوي (٢)، و (آداب الشافعي ومناقبه) لابنِ أبي حاتم، و (مناقب أحمد) له (٣)، و (فضائل مالك بن أنس) لأبي ذر الهروي (٤)، و (مناقب الإمام أحمد) لأبي الفرجِ بنِ الجوزي، و (إرشاد الطالبين إلى المنهج القويم) - كتاب في مناقب الإمام الشافعي - للفخرِ الرازي، و (إرشاد السالك إلى مناقب مالك) لابنِ المبرد الحنبلي، و (الخيرات الحسان في مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان) لابنِ حجرٍ الهيتمي الشافعي. الثامن: التأليف في طبقات علماء المذهب (٥). لقد كانَ المذهبُ الفقهي مدرسةً ينهلُ منها الدارسُ علومًا وفنونًا عديدةً، وتخرّج فيها عددٌ مِن العلماءِ والمحققين مِن الفقهاءِ والأصوليين، وقد اعتنى أربابُ كلِّ مذهبٍ بتدوينِ تراجمِ علماءِ مذهبِهم بدءًا من إمامِ المذهبِ.

стр. 1304

يقولُ الشيخُ عبدُ القادر بنُ بدران مبينًا أهميةَ معرفةِ الفقيه بطبقاتِ علماءِ مذهبِه، وحاثًّا مريدَ التفقه على معرفتِها: "معرفةُ تراجمِ علماءِ مذهبِه، وما لهم مِن المؤلفاتِ، وأنْ يعرفَ طبقاتِهم، وإلا فقد يمرُّ به اسمُ واحدٍ مِن الحنابلةِ فيظنّه حنفيًا، أو مِن الحنفيةِ فيظنّه شافعيًا، أو مِن المتقدمين فيظنه متأخرًا، أو مِنْ أربابِ الأقوالِ والوجوهِ في مذهبِه، فيظنّه مقلِّدًا بحتًا، ومثلُ هذا يقبحُ بالفقيه، وينادي على انحطاطِه عن ذروةِ الكمالِ" (١). ولم تخلُ كثيرٌ مِنْ كتبِ التراجمِ مِن النكاتِ والفرائدِ العلمية (٢)، ولا سيما إنْ كان مؤلِّفُ الكتاب مِن العلماءِ. ومما يذكر في هذا المقام: (طبقات الحنابلة) للقاضي ابنِ أبي يعلى الحنبلي (٣)، و (ترتيب المدارك وتقريب المسالك) للقاضي عياضٍ المالكي، و (طبقات الشافعية الكبرى) لتاجِ الدّينِ بنِ السبكي، و (الجواهر المضبة في طبقات الحنفية) لأبي محمدٍ عبدِ القادر القرشي الحنفي، و (طبقات الشافعية) لابنِ كثيرٍ (٤)، و (الذيل على طبقات الحنابلة) لابنِ رجبٍ الحنبلي، و (الديباج

стр. 1305

المذهب) للقاضي ابنِ فرحون المالكي، و (الطبقات السنية في تراجم الحنفية) لتقي الدين بن عبد القادر الحنفي. وقبلَ الانتقالِ إلى المبحثِ القادمِ أُحِبُّ أنْ أبيّنَ أنَّه يمكن جَعْلُ الدراساتِ المعاصرةِ التي بُنِيَتْ على مذهبٍ فقهي، أو على شخصيةٍ معروفةٍ بالتمذهب - سواء أكانت الدراسة في الفقه أم في أصوله أم في القواعد والضوابط الفقهية - ملحقةً بفنٍّ مِن الفنونِ السابقةِ؛ وذلك لارتباطِ هذه الدراسات بالمذهبِ الفقهي، وخدمتها له. * * *

стр. 1306

المبحث الثالث: تجنب الآراء الشاذة ليس كلّ قولٍ صدَرَ مِنْ أحدِ أهلِ العلمِ يكون قولًا معتبرًا؛ إذ مِن الأقوالِ المنقولةِ عن بعضِهم ما يكون موصوفًا بالشذوذِ. ولا أقصدُ بالرأي الشاذِّ في هذا المقامِ ما تقدم تقريرُه في مسألةِ: (مصطلحات نقل المذهب)، وإنَّما أعني: القول الذي انفرد به قائلُه، وليس له دليلٌ معتبرٌ، أو القول المخالف للدليلِ (١). إنَّ اهتمامَ العلماءِ والمتمذهبين بمذاهبِهم أضفى على الأقوالِ المذهبيةِ الأصوليةِ منها، والفقهية مزيدًا مِن العنايةِ والتحقيقِ، ولا يعني كلامي آنف الذّكرِ خلوَّ المذاهب المتبوعةِ مِن الأقوالِ الشاذَّةِ، كلا، بلْ لا يكادُ يخلو مذهبٌ مِنْ قولٍ شاذٍّ، وإنَّما أعني أنَّ الأقوالَ الشاذةَ الصادرةَ عن علماءِ هذه المذاهبِ أقلُّ مِن الأقوالِ الشاذةِ المنقولةِ عن بعضِ علماءِ السلف ممَّنْ لم يُكْتَبْ لهَم وجودُ أتباعٍ يسيرون على أقوالِهم ويخدمونها. ويؤكّد هذا الأمر: عنايةُ أربابِ المذاهبِ بمصطلحاتِ نقلِ مذاهبهم، وفيها مصطلحاتٌ لتضعيفِ القولِ، هذا مِنْ جهةٍ. ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ لمحققي المذاهبِ الفقهيةِ عنايةً بالتنبيهِ على

стр. 1307

الأقوالِ الشاذّةِ الصادرةِ مِنْ بعضِ أتباعِ مذاهبِهم (١). وجُمْلةُ القولِ: إنَّ المتمذهبَ بمذهبٍ فقهي متبوعٍ سيتجنبُ في مُجْمَلِ أحوالِه وأقوالِه الأقوالَ الشاذّةَ التي قام الدليلُ على ردِّها. وإذا كان غيرُ المتمذهب بأحدِ المذاهبِ المتبوعةِ قد استقلَّ بنفسِه، وألمَّ بعلومِ الاجتهادِ، فسيكونَ عرضةً لاختيارِ الأقوالِ المهجورةِ والشاذة، وقد يقعُ في مخالفةِ الإجماعِ في بعضِ أقوالِه. ويرى الناظرُ في أحوالِ بعضِ الخارجين عن المذاهب الفقهيةِ اختياراتٍ في الفقهِ ليس لها مستندٌ وجيةٌ، بلْ وصفها بالشذوذِ ليَس ببعيدٍ، سواءٌ أكانت اختياراتُهم في المسائلِ التي تكلّمَ فيها العلماءُ مِنْ قبلُ، أم كانتْ في المسائلِ النازلةِ (٢). ولابنِ وهب المصري كلمةٌ جليلةُ القدرِ تبيّنُ مكانةَ أقوالِ الأئمةِ، يقولُ فيها: "كلُّ صاحب حديثٍ ليس له إمامٌ في الفقهِ، فهو ضالٌّ! ولولا أنَّ الله أنقذنا بمالكٍ والليثِ لضللنا! " (٣). وقد بيَّنَ تقيُّ الدين بنُ تيميةَ أنَّ لابنِ حزمٍ - مع سعةِ علمِه وتبحره - أقوالًا منكرةً وشاذةً يعجبُ منها الناظرُ (٤). ولعلَّ سببَ وقوعِ ابنِ حزمٍ في مثلِ هذه الأقوال هو سيرُه على أصولِ الظاهريةِ التي لا تخلو مِنْ ضعفٍ.

стр. 1308

ويقول الحافظ ابنُ رجبٍ: "ليكن الإنسانُ على حَذَرٍ ممَّا وَقَعَ بعدهم - أي: أئمة السلف - ... وحَدَثَ مَن انتسبَ إلى متابعةٍ السنةِ والحديثِ مِن الظاهريةِ، ونحوِهم، وهو أشدُّ مخالفةً لها؛ لشذوذِه عن الأئمةِ، وانفرادِه عنهم بفهمٍ يفهمه، أو يأخذ ما لم يأخذْ به الأئمةُ مِنْ قبله" (١). ويقولُ الشيخُ محمدٌ العثيمين: "نَجِدُ أولئك القوم الذين لم يتفقهوا على أيدي العلماءِ، نجد أنَّ عندهم مِن الزَّلاتِ شيئًا كثيرًا؛ لأنَّهم صاروا ينظرون بنظرٍ أقل ممَّا ينبغي أنْ ينظروا فيه، يأخذون مثلًا: (صحيحَ البخاري)، فيذهبون إلى ما فيه مِن الأحاديثِ، مع أنَّ في الأحاديثِ ما هو عامٌّ ومخصصٌ، ومطلقٌ ومقيّدٌ، وشيءٌ منسوخ، لكنَّهم لا يهتدون إلى ذلك، فيحصلُ بهذا ضلالٌ كبيرٌ" (٢). ويقولُ - أيضًا -: "لا شكَّ أنَّ الإنسانَ ينبغي له أنْ يُرَكّزَ على مذهبٍ معيّنٍ يحفظه، ويحفظ أصولَه وقواعدَه، لكن لا يعني ذلك أنْ نلتزمَ التزامًا بما قاله الإمامُ ... أرى أنَّ الذين أخذوا بالحديثِ، دونَ أنْ يرجعوا إلى ما كتبه العلماءُ في الأحكامِ الشرعيةِ، عندهم شطحاتٌ كبيرةٌ! وإنْ كانوا أقوياءَ في الحديثِ وفي فهمِه؛ لأنَّهم بعيدون عمَّا يتكلمُ به الفقهاءُ، فتَجِدُ عندهم مِن المسائلِ الغريبةِ ما تكادُ تجزمُ بأنَّها مخالفةٌ للإجماعِ، أو يغلبُ على ظنِّك أنَّها مخالفةٌ للإجماعِ" (٣). وسأذكرُ بعضَ الأمثلةِ للأقوالِ الشاذةِ التي يكادُ ينعقدُ الإجماعُ على خلافِها: المثال الأول: القولُ بعدمِ اشتراطِ الطهارةِ في صلاةِ الجنازةِ. ذَهَبَ الشعبيُّ إلى عدمِ اشتراطِ الطهارةِ في صلاةِ الجنازةِ (٤). وهذا القولُ قولٌ شاذٌّ. يقول ابنُ عبد البر عن اشتراطِ الطهارةِ لصلاةِ

стр. 1309

الجنازةِ: "وهو إجماعُ العلماءِ والسلفِ والخَلَفِ، إلا الشعبي، فإنَّه أجازَ الصلاةَ عليها على غيرِ وضوءٍ، فشذَّ عن الجميعِ، ولم يقلْ بقولِه أحدٌ مِنْ أئمةِ الفتوى بالأمصارِ، ولا مِنْ حملةِ الآثارِ" (١). المثال الثاني: القولُ بجوازِ إمامةِ المرأةِ للرجالِ في صلاةِ الفرضِ والنفلِ. ذَهَبَ بعضُ أهل العلمِ إلى القولِ بجوازِ إمامةِ المرأةِ للرجالِ في صلواتِهم، وممَّنْ نُسِبَ إليه هذا القول: أبو ثورٍ (٢)، وابنُ جريرٍ الطبري (٣). يقول ابنُ رشدٍ: "شذَّ أبو ثورٍ والطبريُّ، فأجازا إمامتها على الإطلاقِ" (٤). المثال الثالث: القولُ بعدمِ وجوبِ زكاةِ الفطرِ على أهلِ العمودِ مِن الباديةِ. ذهَبَ بعضُ أهلِ العلمِ إلى عدمِ وجوبِ زكاةِ الفطرِ على البدوِ، وممَّنْ قال بهذا القول: الليثُ بنُ سعدٍ (٥)، وعطاءُ بنُ أبي رباح (٦). يقولُ أبو الحسن الماوردي عن القائلين بهذا القولِ: "شذّوا بهذا عن الإجماعِ، وخالفوا النصوصَ الصحيحةَ العامة ... " (٧). ويقولُ ابنُ رشدٍ: "أجمعوا على أنَّ المسلمين مخاطبون بها - أي: بزكاةِ الفطرِ - ... إلا ما شذَّ فيه الليثُ، فقال: ليس على أهلِ العمودِ زكاةُ الفطر" (٨).

стр. 1310

المثال الرابع: القولُ بجوازِ الوضوءِ بماءِ العطور الحديثة (الكولونيا). ذَهَبَ الأستاذُ محمد عبده (١) إلى القولِ بأنَّ ماءِ الكولونيا أحسنُ شيءٍ للوضوءِ؛ لأنَّه يمنعُ آثارَ المرضِ (٢). ولا يخفى أنَّ القولَ بجوازِ الوضوءِ بماء الكولونيا قولٌ غريبٌ، فكيفَ بالقولِ بأنَّ الوضوءَ به أحسن شيءٍ؟ ! المثال الخامس: القولُ بتأخيرِ أداءِ صلاةِ الجمعةِ للمقيمين في الدولِ الغربيةِ إلى يوم الأحدِ. اقترحَ بعضُ المقيمين في البلادِ الغربية تأخيرَ أداءِ صلاةِ الجمعةِ إلى يوم الأحد؛ لأنَّه يومُ عطلةٍ وإجازةٍ، وفي تأخيرِ الصلاة إليه تشجيعٌ للمسلمين على الحضور (٣). وهذا قولٌ غريبٌ، لم يقلْ به أحدٌ مِن العلماءِ المعتبرين (٤). * * *

стр. 1311

المبحث الرابع: الإلمام الشمولي بالمسائل الفقهية، والأصولية لقد خَدَمَ المتمذهبون مذاهبَهم بالتأليفِ في أصولِها وفروعِها، وتفنَّنوا في هذا الجانبِ أيّما تفننٍ، فجعلوا مؤلّفاتهم مرتبةً على كتبٍ مترابطةٍ، ثمَّ جعلوا تحتَ الكتبِ أبوابًا مترابطةً، بحيثُ يخدمُ الآخرُ منها الأولَ (١)، فحَصَلَ بهذا تنظيمٌ للمذهب وتقريبٌ له في أصولِه وفروعِه (٢)، وتوضيحٌ لما قد يكون مجملًا أو غامضًا فيه، وتقييدٌ لأحكامِه، ودعمٌ لها بالأدلةِ (٣). ولم تقتصرْ جهودُ المتمذهبين على هذا الأمرِ، بلْ بيّنوا قواعدَ مذهبِهم وضوابطَه الفقهية - إمَّا في مؤلّفاتٍ مستقلةٍ، وإمَّا فيما بثّوه في مدوَّناتهم الفقهية (٤) - وذكروا التقسيماتِ الحاصرةَ للمسائلِ، بحيثُ يتمكنُ المتمذهبُ مِن الضبطِ لأبوابِ الفقهِ والإلمامِ الشمولي بها (٥). يقولُ ابنُ القيّمِ حاكيًا ضبطَ المتمذهبين لمذاهبِهم: "أربابُ المذاهبِ يضبطون مذاهبَهم، ويحصرونها بجوامع تحيطُ بما يحلُّ، ويَحْرمُ عندهم" (٦).

стр. 1312

ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ عنايةَ أربابِ المذاهبِ ببيانِ المسائلِ الفروعيةِ، وبيانِ أحكامها على اختلافِ الأحوالَ والهيئاتِ، عناية منقطعة النظيرِ، يصعبُ وجودُها في غيرِ الكتبِ المذهبيةِ (١)، ففي دراسةِ الفقهِ وأصولِه على غيرِ الكتبِ المذهبية صعوبةٌ بالغةٌ (٢). وغيرُ خافٍ على ذي لبٍّ أنَّ دراسةَ الفقهِ منظّمًا مرتّبًا أيسرُ مِنْ دراستِه دون ترتيبٍ وتنظيمٍ. يقولُ القاضي عياضٌ: "وكذلك يَلْزَمُ هذا - أي: التمذهب بمذهب إمامٍ - طالب العلمِ في بدايةِ درسِ ما أصّله الأعلمُ مِنْ هؤلاءِ - أي: المجتهدين - وفرّعه، وحفظِه ما ألّفه وجَمَعَه، والاهتداء بنَظَرِه في ذلك، والميل حيثُ مالَ معه" (٣). ثمَّ بيَّن مَغَبَّةَ الرغبةِ في التوسّعِ في الأقوالِ وأدلتِها في بدءِ طلبِ العلمِ، فقالَ: "إذ لو ابتدأَ الطالبُ في كلِّ مسألةٍ الوقوفَ على الحقِّ منها بطريقِ الاجتهادِ، عَسُرَ عليه ذلك؛ إذ لا يتفقُ جمعُ خصالِه وتناهي كمالِه، وإذا كان بهذه السبيلِ استغنى عن تقليدِ أربابِ المذاهبِ، وكان مِنْ المجتهدين" (٤). ويقولُ شهابُ الدَّين القرافي: "أنتَ تعلمُ أنَّ الفقهَ وإنْ جَلَّ، إذا كان مفترقًا تبددتْ حكمتُه، وقلَّتْ طلاوتُه، وبَعُدَتْ عند النفوسِ طِلْبَتُه. وإذا رُتِّبَت الأحكامُ - مخرّجةً على قواعدِ الشرع، مبنيّةً على مآخذِها - نَهَضَت الهممُ حينئذٍ لاقتباسِها، وأُعْجِبَتْ غايةَ الإعجابِ بتقمّصِ لباسِها" (٥). ويقولُ ابنُ فوحون: "فحقٌّ على طالبِ العلمِ، ومريدِ تعرُّفِ الصوابِ

стр. 1313

والحقِّ، أنْ يعرفَ أولاهم - أي: أولى المذاهب - بالتقليدِ؛ ليعتمدَ على مذهبِه، ويسلكَ في التفقّه سبيلَه" (١). وكذلك الأمرُ بالنسبةِ إلى أصولِ الفقهِ، فقد جعلوا الحديثَ عن مسائلِه مترابطًا، بحيثُ إذا أنهى الطالبُ كتابًا في أصولِ فقهِ مذهبهِ حَصَلَ له إلمامٌ ومعرفةٌ بمسائلِ هذا العلمِ. ويتأكّدُ هذا الأمرُ إذا عَرَفْنا حرصَ علماءِ المذهبِ على تنويعِ الكتابةِ في علمي: الفقه وأصوله؛ ليتمكنَ الطالبُ مِن التّرقي في دراستِهما، بدءًا بالكتبِ المختصرةِ، وانتهاءً بالكتبِ المبسوطةِ التي تُعْنَى بذكرِ الأقوالِ والتوسعِ في الاستدلالِ (٢)، إضافةً إلى خدمةِ المعتنين بعلمِ الحديثِ بالتصنيفِ في أدلةِ مذهبِهم. يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "كان العلماءُ مِنْ قدماءِ أصحابِنا يعتنون بمختصرِ المزني ﵀ حفظًا وشرحًا، وبسببِه سهلَ تحصيلُ مذهبِ الشافعي ﵀ على طلابِه في ذلك الزمان ... وانتفعَ به أئمةٌ أكابر، وتخرَّجَ به المشايخُ، وتفقّه به معظمُ الأصحابِ" (٣). ولشمسِ الدين الذهبي نصيحةٌ وجهها لمنْ يريدُ التفقهَ، يقول فيها: "شأنُ الطالبِ أنْ يدرسَ مصنَّفًا في الفقهِ، فإذا حَفِظَه بَحَثَه، وطالعَ الشروحَ. فإنْ كانَ ذكيًّا، فقيهَ النفسِ، ورأى حُجَجَ الأئمةِ، فليراقب الله، وليحتطْ لدينِه" (٤). فدراسةُ الفقهِ وأصولِه عبرَ مذهبٍ مِن المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ

стр. 1314

يُحَقّق للدارسِ الوقوفَ والنظرَ على جمهرةِ المسائلِ الفقهيةِ والأصوليةِ، مع تحقيقها؛ إذ هذه المذاهب قد خُدِمتْ مِنْ قِبَلِ عددٍ مِن العلماءِ، فأصّلوا الأصولَ، وقعّدوا القواعدَ، وخرّجوا عليها المسائلَ (١)، وبيّنوا الأدلةَ والعللَ، ووضعوا لبناتِ المدرسةِ المذهبيةِ المتكاملة (٢)، بحيثُ يتمكّن الطالبُ مِنْ تحقيقِ اللبنةِ الأُوْلى باستيعاب الفقهِ وأصولِه، وبالإلمامِ بمسائلِهما (٣)، والتأسيسِ على الوجهِ الصحيحَ، إضافةً إلى تعويدِ الدارسِ في المذهب على الدّقةِ في فهمِ اصطلاحاتِ الفقهاءِ والأصوليين وألفاظِهم (٤). ونظرًا لإمكانِ دراسةِ علمِ الفقهِ - على وجهِ الخصوصِ - بطُرُقٍ عدّة غير التفقه المذهبي، فأمامَ الطالب في هذه الحالِ عددٌ مِن الطرقِ، أهمّها طريقان: الطريق الأول: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ شروحِ الحديثِ (٥). الطريق الثاني: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقهِ على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهب الفقهية (٦). الطريق الأول: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ شروحِ الحديثِ. إذا سَلَكَ الطالبُ في دراسةِ الفقهِ التفقه على كتب شروحِ الحديثِ - كشروحِ الكتبِ الستةِ وشروحِ أحاديثِ الأحكامِ - فإنَّ هذا الطريقَ، وإن استفاد سالكُه كثيرًا مِن الفوائد المتناثرةِ، ليس بطريقٍ للتأسيسِ في الفقهِ؛

стр. 1315

لأنَّه لا يَحْصُل مع دراسةِ الفقهِ عن هذا الطريقِ حصرُ المسائلِ، وتقييدُ أحوالِها، وما يتصل بها من تقسيمات، ونحو ذلك (١). ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ كثيرًا مِنْ شراحِ كتب الحديثِ قد أخذوا الأحكامَ المبثوثةَ في شروحِهم مِنْ مذاهبِهم الفقهية (٢). وأيضًا: فإنَّ المتّبعَ لهذا الطريقِ سيفوته كثيرٌ مِن المسائل التي لم يذكرْها شراحُ الحديثِ، إمَّا لعدمِ مناسبةِ ذكرِها، وإمَّا طلبًا للاختصارِ. يقولُ الشيخ محمدٌ مخلوف: "إنْ قال قائل: أَمَا نكتفي بكتبِ الحديثِ وشروحِها، وقد تضمنتْ فروعَ الفقهِ؟ فما الحاجةُ إلى كتبِ الفروعِ؟ قلنا له: ذلك حَسَنٌ، لو أنَّ كتبَ الحديثِ وشروحه متضمّنةٌ لفروعِ الفقهِ على وجهٍ فيه الكفايةُ، وليس كذلك؛ إذ أهلُ الحديثِ لم يُعْنَوا في بيانِ أحاديثِ الأحكامِ بما عُنِيَ به الفقهاءُ مِنْ بذلِ مجهودِهم في شرحِ تلك الأحاديثِ بالنظرِ الأصولي في المآخذِ الشرعيةِ - كتابًا وسنةً - نَظَرًا جاريًا على ما تقتضيه قوانينُ الاجتهادِ ... ولو أنَّ شارحًا مْنِ شُرّاحِ الحديثِ نَظَرَ في متنِه حَسبَ ما تقتضيه علومُ اللغةِ العربيةِ، وأَخَذَ منه حُكمًا شرعيًا، ولم يكن مِن المجتهدين: لا يُعوَّل على أَخْذِه، إلا إذا رَجَعَ إلى كتب الفقهِ؛ ليَعْلَمَ منها ما في هذا الحديثِ مِن الموافقةِ أو المخالفةِ لقواعد الشرَيعةِ" (٣). الطريق الثاني: دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهب الفقهية. قد يرغبُ بعضُ الطلاب بدراسةِ الفقه متحررًا مِنْ قيودِ المذاهبِ الفقهيةِ، فيقعُ اختيارُهم على مؤلفاتِ بعضِ العلماء الذين استقلوا عن المذاهبِ المتبوعةِ، فلم ينتسبوا إلى واحدٍ منها.

стр. 1316

ومِنْ أمثلةِ هذا الطريقِ: كتابُ (الدرر البهية في المسائل الفقهية) للإمامِ محمد الشوكاني. وحقيقةُ هذا الطريقِ لا تختلفُ عن حقيقةِ التفقه على أحدِ المذاهبِ الأربعة، لكنْ يُرَجِّحُ التفقه عن طريقِ المذاهبِ الفقيهة المتبوعة على هذا الطريقِ أمورٌ، منها: الأمر الأول: أنَّ كتبَ المذاهب المتبوعةِ مخدومة خدمةً متكاملةً، مِنْ حيثُ شروحُها، ولغتُها، وأدلتُها، والإجابةُ عما يَرِدُ عليها مِنْ إشكالاتٍ (١)، وغير ذلك، والكتب المقصودة لأهلِ الطريقِ الثاني: (دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهبِ الفقهية) تفتقد هذه الخدمة (٢). الأمر الثاني: وُجِد مَنْ يجيدُ تدريس كتبِ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعة على أتمِّ وجهٍ، أمَّا كتب الطريق الثاني: (دراسةُ الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عن المذاهبِ الفقهية)، فإنَّها تفتقدُ المدرسين لكتبها، ممَّنْ يتقنُ شرحَها، وفكَّ عبارتِها، وحل مشكلاتِها على الوجهِ الصحيحِ (٣). الأمر الثالث: أنَّ كتبَ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ يُعْلَم مرادُ مؤلفيها على وجه الدّقةِ، بخلافِ كتب الطريق الثاني: (دراسة الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلين عَن المذاهبِ الفقهية)، فإنَّ مرادَ مؤلفيها قد لا يُعلم على وجهِ الدّقةِ في عددٍ ليس بالقليلِ مِن المسائل (٤).

стр. 1317

الأمر الرابع: أنَّ سلوكَ العلمِ عن طريقِ المذاهب الفقهيةِ المتبوعةِ هو طريقةُ أهلِ العلمِ في الجملة (١)، وهذه شهادةُ صدقٍ علَى صحةِ الطريقِ لمنْ أحسنَ سلوكَه، بخلافِ كتب الطريق الثاني: (دراسة الفقهِ عن طريقِ التفقه على كتبِ الفقهِ للمستقلينَ عن المذاهبِ الفقهية)، فلم يتخرّجْ فيها مَنْ يضاهي أربابَ المذاهبِ الفقهيةِ المتبوعةِ. * * *

стр. 1318

المبحث الخامس: دعم سبيل الارتقاء إلى مقام الاجتهاد ليسَ وصولُ المرءِ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ أمرًا ميسورًا، وإذا أرادَ أحدٌ الوصولَ إلى هذه المرتبة، فلا بُدَّ له مِنْ سلوكِ طريقٍ يوصله إليها، ويُحَبّذُ له سلوك أقصرِ الطرق، وأيسرها. ولا يصادمُ التمذهبُ الوصولَ إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ، بلْ بإمكانِ المتمذهبِ إذا كان ذا أهليةٍ وتهيُؤ، وجعلَ مِنْ تمذهبِه درجةً يَعْبُر بها إلى ما فوقها، أنْ يكونَ مِن المجتهدين في الشريعةِ. وقد يصلُ المتمذهبُ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ، وقد لا يوصف به، لكن يتحققُ له الاجتهادُ الجزئيُّ في عددٍ مِن المسائل. ولا يَسَعُ المتمذهبُ الذي تحقق له الاجتهادُ الجزئي، فَأَنِسَ مِنْ نفسِه فقهًا، وسَعَة في العلمِ، ومعرفةً بالأصولِ: أنْ يلتزمَ مذهبَ إمامِه في كلِّ أقوالِه؛ لأنَّه قد يترجحُ عنده بالدليلِ مذهبٌ آخر، فعليه العملُ حينئذٍ بما ترجّحَ عنده (١). وإذا أجلنا النظرَ في عددٍ مِن العلماءِ المحققين الذين قيل عنهم: إنَّهم بلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعة، وجدنا أنَّ غالبَهم قد تخرّجوا في مذاهب فقهيةٍ، وتَرَقَّوا فيها إلى أنْ بلغوا رتبةَ الاجتهادِ في الشريعةِ. وهذا الأمرُ يدلُّ على أنَّ الترقيَ في دراسةِ الفقهِ وأصولِه عن طريق التمذهبِ، مع العنايةِ بالدليلِ والتعليلِ: مِنْ شَأنِ العلماءِ والمحققين منذ

стр. 1319

تدوين المذاهبِ واستقرارِها (١)؛ إذ كان سبيلُ وصولِ كثيرٍ منهم إلى درجةِ الاجتهادِ في الشريعةِ هو الترقي في سُلّمِ المذهبِ (٢). ويمكنُ القولُ: إنَّه إذا سارَ المتمذهبُ في مذهبِه متدرجًا مترقيًا فيه، متعلّمًا منه (٣)، مع اهتمامِه وعنايتِه ببقيةِ أوصافِ الاجتهادِ وشروطِه: كالعلمِ بالعربيةِ ونحوها، وكان مع ذلك مهتمًا بتحقيقِ المسائلِ بأقوالِها وأدلتِها، مع عنايته بالأصولِ، والسيرِ عليها، وكانت لديه قريحةٌ جيدةٌ، وعلوٌّ في الهمةِ: فالغالبُ وصولُه إلى مرتبةِ المجتهدين والتحاقُه بهم (٤). يقولُ القاضي عياض بعدما حثَّ الطالبَ على سلوكِ المذهب في طلب العلمِ: "فسبيلُه أنْ يُقلِّد مَنْ يُعَرِّفه أنَّ هذا هو الحقّ، حتى إذا أَدْرَكَ مِن العلَمِ ما قُيّض له، وحَصَلَ منه ما قَسَمَ اللهُ له، وأفلح، وكان فيه محلٌّ للنظرِ والاجتهادِ: انتقل إلى ذلك - أي: إلى درجة المجتهدين - وأدركه" (٥). ويقولُ أكملُ الدين البابرتي: "إنَّما يحصلُ منصبُ الاجتهادِ بممارسةِ تفاريعِ (٦) في زمانِنا، ولم يكنْ ذلك طريقًا في زمنِ الصحابةِ" (٧). ويقولُ ابنُ مَلَك (٨) في الموضوعِ ذاتِه: "منصبُ الاجتهادِ في زمانِنا إنَّما

стр. 1320

يحصلُ بممارستِه - أي: الفقه - الآن، فهو طريقٌ إليه" (١)، أيْ: إلى الاجتهادِ. ويظهرُ أنَّ مرادَهما بالفقهِ والتفاريعِ الفقهُ المذهبيُّ مع معرفةِ الخلافِ بين الأئمةِ، وأدلةِ أقوالِهم. ويقولُ شاه ولي الله الدهلوي عن حالِ المشتغل بالفقهِ الذي يريدُ معرفةَ أحكامِ المسائلِ مِنْ أدلتِها: "هذا أمرٌ جليلٌ، لا يتمّ له إلا بإمامِ يتأسى به، قد كُفِيَ معرفةَ فرشِ (٢) المسائلِ، وإيرادِ الدلائلِ في كلِّ باب بابٍ، فيستعين به في ذلك، ثمَّ يستقلّ بالنقدِ والترجيح، ولولا هذا الإمامُ صَعُبَ عليه، ولا معنى لارتكابِ أمرٍ صعبٍ مع إمكانِ الأمرِ السهلِ" (٣). ويقولُ الشيخُ محمد العثيمين: "العلماءُ المحققون، كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية وغيرِه هم مِنْ هذا النوعِ - أي: دَرَسَ مذهبًا، وانتفع بقواعدِه وضوابطِه، مع ردِّه إلى الكتاب والسنةِ - هم محققون، ولهم مذهبٌ معيَّنٌ، ولكنَّهم لا يخالفون الدليلَ إذا تبيّنَ لهم" (٤). وليس مِنْ لازمِ التمذهبِ الوصولُ إلى درجةِ الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ، بلْ لا يبعد القولُ: إنَّ كثيرًا مِن المتمذهبين في عقودٍ خلتْ لم يخطرْ بِبَالِ أحدِهم الوصولُ إلى درجةِ الاجتهادِ، فضلًا عن بلوغِ درجتِه. يقولُ الحافظ ابنُ عبد البر: "مَن اقتصرَ على علمِ إمامٍ واحدٍ، وحَفِظَ ما كان عنده مِن السننِ، ووَقَفَ على غرضِه ومقصِده في الفتوى: حَصَلَ على

стр. 1321

نصيبٍ من العلمِ وافر، وحظٍّ منه حسن صالح، فمَنْ قَنعَ بهذا اكتفى، والكفايةُ غيرُ الغنى" (١). وبإمكاننا أنْ نعرفَ بلوغَ العالمِ درجة الاجتهاد المطلق في الشريعةِ بأحدِ طريقين: الطريق الأول: إخبارُ العالم عن نفسِه، إنْ كان عدلًا أنَّه بَلَغَ درجةَ الاجتهادِ (٢). الطريق الثاني: أنْ يصفَ أحدُ العلماءِ المعتبرين العالمَ بالاجتهادِ في الشريعةِ. وسأورِدُ أمثلةً لبعضِ العلماء الذين بلغوا درجة الاجتهاد في الشريعة (٣): ممَّن بَلَغَ درجةَ الاجتهاد: القاضي عبدُ الوهاب المالكي (٤)، والقاضي أبو يعلى (٥)، وأبو نصرٍ الصباغ الشافعي (٦)،

стр. 1322

والحسينُ البغوي (١)، وأبو عبد الله المازري (٢)، وأبو بكرٍ بن العربي (٣)، وأبو القاسم الرافعي (٤)، والعزُّ بن عبد السلام (٥)، وأبو شامةَ المقدسي (٦)، ومحيي الدين النووي (٧)، وابنُ دقيقِ العيد (٨)، وتقيُّ الدين بنُ تيمية (٩)، وتقيُّ الدين السبكي (١٠)،

стр. 1323

وتاجُ الدين بن السبكي (١)، وسراجُ الدين البلقيني (٢)، ووليُّ الدين العراقي (٣)، وكمالُ الدين بن الهمام (٤)، وجلالُ الدين السيوطي (٥). بقي أنْ أقولَ: إنَّ حديثي في هذا المقامِ وإنْ كان عن الاجتهادِ المطلقِ في الشريعةِ الإسلاميةِ، فإنَّ أدنى درجاتِ التمذهب - وهي: التقليد المذهبي - تعدُّ لبنةً في الترقي إلى الاجتهادِ المذهبي (٦). * * * * * *

стр. 1324

المبحث السادس: تجنب التناقض في الاختيار بين الأقوال لقد كانتْ عنايةُ أتباعِ المذاهبِ الفقهيةِ الأربعةِ بمذاهبِهم عنايةً فائقةً؛ إذ أسسوا أصولَها، وبيَّنوا قواعدَها وضوابطَها. ولا شكَّ في أنَّ مآخذ (١) المسائلِ - وإن اختلفتْ أبوابُها - قد تكون متقاربةً أو متحدةً، بحيثُ يكون حكمُ هذه المسائلِ واحدًا. وعنايةُ المتمذهبين واهتمامُهم بهذا الجانبِ واضحةٌ جليةٌ في مدوّناتهم المذهبيةِ، ولا سيما ما جاءَ في كتبِ القواعدِ والضوابطِ الفقهيةِ. وتُجَنِّبُ مراعاةُ القواعدِ والضوابطِ المذهبيةِ المتمذهبَ مِن الوقوعِ في التناقضِ في أقواله (٢)، بحيثُ لا يحكم على فرعيين فقهيين - متشابهين في الصورة أو مختلفين - مأخذهما واحدٌ، بحكمينِ مختلفينِ؛ إذ هذه القواعدُ كفيلةٌ بتجنيبِ المتمذهبِ مِن الوقوعِ في التناقضِ. ومِنْ جهةٍ أخرى: فإنَّ غالبَ الفقهِ المذهبي الذي دوّنه علماءُ المذهبِ سالمٌ مِن الوقوعِ في شَرَكِ التناقضِ. وسأضرب مثالًا يتضح منه المقصود: إذا تعارضَ عند المكلّفِ صلاةُ

стр. 1325

ركعتين طويلتين، وصلاةُ أربعِ ركعات في زمنٍ واحدٍ، فأيّهما أفضل؟ وأيّهما أفضل: قراءة القرآن بتدبّر وتفكّر، أم قراءة قدرِ أكبر في زمنٍ واحدٍ؟ مناطُ هاتين المسألتين واحدٌ، وهو: إذا تقابلَ عملانِ أحدُهما ذو شرفٍ ورفعةٍ في نفسِه، وهو واحدٌ، والآخرُ ذو تعددِ في نفسِه وكثرةٍ، فأيّهما أفضل؟ وأيّهما المرجح؟ (١). فإذا عَرَفَ المتمذهبُ قاعدةَ مذهبِه سَلِمَ مِن الوقوع في التناقضِ في أقوالِه. وأيضًا: يَتَجَنّبُ المتمذهبُ الحكمَ بحكمِ واحدٍ على فرعين فقهيين متشابهين في الصورة، دون المأخذِ. ولا يوحي ما بيّنتُه آنفًا أنَّ أقوالَ المذهب - أو اختياراتِ بعضِ المتمذهبين - خاليةٌ مِن التناقضِ، بلْ الأمرُ واردٌ، لَكنْ عنايةُ أتباعِ المذهبِ بالتنبيهِ على أمثالِ هذه المسائلِ، وبيانِ التناقض وكشفِه قائمةٌ (٢).

стр. 1326

وقد أشارَ تقيُّ الدين السبكي إلى المعنى آنف الذكرِ، فقالَ: "وكم مِنْ واحدٍ متمسكٍ بالقواعد، قليلِ الممارسةِ للفروعِ ومآخذِها، يَزِّلُ في أدنى المسائلِ، وكم مِنْ آخر مستكثرٍ في الفروعِ ومداركِها، قد أفرغ جمامَ ذهنِه فيها، غَفَلَ عن قاعدةٍ كليةٍ، فتخبّطتْ عليه تلك المداركُ، وصارَ حيران ... " (١). وفي المعنى ذاتِه يشيرُ شهابُ الدين القرافيّ إلى أهميةِ الاستعانةِ بالقواعدِ الكليةِ؛ ليتجنبَ الناظرُ الوقوعَ في التناقضِ، فيقول عنها: "هذه القواعدُ مهمّةٌ في الفقهِ، عظيمةُ النفعِ، بها يَعْلُو قدرُ الفقيه ... ومَنْ جَعَلَ يخرّجُ الفروعَ بالمناسباتِ الجزئيةِ دونَ القواعدِ الكليةِ، تناقضتْ عليه الفروعُ واختلفتْ، وتزلزلتْ خواطرُه واضطربتْ، وضاقتْ نفسُه لذلك وقَنِطَتْ، واحتاجَ إلى حفظِ الجزئياتِ التي لا تنتهي ... ومَنْ ضَبَطَ الفقهَ بقواعدِه استغنى عن حِفظِ أكثرِ الجزئيات؛ لاندراجِها في الكليات، واتَّحدَ عنده ما تناقضَ عند غيرِه، وتَنَاسَب" (٢). وإذا صحَّ تَوَجُّه كلام القرافي إلى المتمذهبِ الذي يُعْنَى ببيانِ أحكامِ الجزئياتِ، دون التفاتٍ منه إلى قواعد الفقهِ وضوابطِه، فَتَوَجُّهُه إلى غيرِه ممَّنْ لم يبلغْ درجةَ الاجتهاد من بابٍ أولى. ويقولُ الحافظ ابنُ رجبٍ عن القواعد والضوابطِ المذهبيةِ في فاتحةِ كتابِه: (تقرير القواعد وتحرير الفوائد) (٣): "تضبطُ للفقيهِ أصولَ المذهبِ، وتُطْلِعُه مِنْ مآخذِ الفقهِ على ما كان قد تَغَيّب، وتُنَظّم له منثورَ المسائلِ في سلكٍ واحدٍ، وتقييد له الشواردَ، وتقرّب له كلَّ متباعدٍ". وأيضًا: يَتَجَنّبُ المتمذهبُ الوقوعَ في التناقضِ في تطبيقِ القواعدِ الأصوليةِ، فيسيرُ على أصولِ الاستنباطِ سيرًا مطردًا غيرَ متناقضٍ.

стр. 1327

فإذا أَخَذَ المتمذهبُ بقاعدةِ مِنْ قواعدِ مذهبِه الأصوليةِ، كحجيةِ القراءةِ الشاذة مثلًا، وطبّقها على الفروعِ الفقهيةِ، فأنَّه يسلمُ بذاك مِن اضطرابِ الأصولِ حين إرادة الاستنباطِ. * * *

стр. 1328

المبحث السابع: بروز فن الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر يحسنُ قبلَ الدخولِ في المبحثِ التمهيد ببيانِ معنى الفروقِ الفقهيةِ، والأشباه والنظائرِ. أولًا: معنى الفروق الفقهية: يُقْصَدُ بالفروقِ الفقهيةِ: معرفةُ أوجهِ الاختلاف بين الفروعِ الفقهيةِ المتشابهةِ في الصورة، المختلفةِ في الحكم، وأسبابِها (١). ثانيًا: معنى الأشباه والنطائر: يتكون مصطلح: الأشباه والنظائر من لفظتين، لكلٍّ منهما معنى يفيدُه (٢): فالأشباه هي: الفروعُ الفقهيةُ المتشابهةُ في الصورةِ، وتأخذ حكمًا واحدًا (٣).

стр. 1329

والنظائر هي: الفروعُ الفقهيةُ المتشابهةُ في الصورةِ، والمختلفة في الحكم (١). وبتعريفِ: (النظائرِ) يظهرُ التقارب أو الترادف بينها وبين (الفروق الفقهية) (٢). وبعد بيانِ معنى المصطلحين أقول: لم يكنْ جُهْدُ المتمذهبين وتفننهم قاصرًا على علمي الفقه وأصوله، بلْ تعدّى الأمرُ إلى الاهتمامِ برفعِ ما يُوْهم التعارضَ فيما نُقِلَ عن إمامِ المذهب، وما في مذهبِهم مِنْ أحكامٍ فقهيةٍ لفروعٍ متشابهةٍ في الصورةِ، لكنَّ حكمها مختلفٌ، وذلك ببيانِ الفرقِ بين الفرعين المتشابهين الذي أثّر في اختلافِ حكمِها (٣). ويتحدث الشيخُ عبد القادر بنُ بدران عن عنايةِ علماءِ الحنابلةِ - ومثلهم بقية المذاهب المتبوعة - بالتصنيفِ في الفروقِ، وإبداعِهم فيه، فيقول: "اعلمْ أنَّ أصحابَنا تفنَّنوا في علومِهم الفقهية ... وجعلوا للمسائلِ المشتبهةِ صورةً، المختلفةِ حُكْمًا ودليلًا وعلةً، فنًّا، سموه بالفروق" (٤). كذلك الأمرُ فيما يتصلُ بالأشباهِ والنظائر، كان اهتمامُ المؤلفين فيها منصبًّا على القواعد والضوابطِ الفقهيةِ، وكثيرٌ منها تختصُّ بالمذهب الفقهي الذي ينتسب المؤلّفُ إليه.

стр. 1330

ويُؤكّدُ هذا الأمر: أنَّ في عناوين بعض كُتُب الأشباه والنظائر التنصيصَ على أنّها في دائرةِ المذهب (١)، أمَّا مَنْ لَم ينصَّ عليه، فإنَّ مضمونَ كتابِه شاهدٌ ناطقٌ على حصرِ مؤلِّفِه له في دائرةِ مذهبِه. يقولُ ابنُ خَلدون: "لمَّا صارَ مذهبُ كلِّ إمامٍ عَلَمًا مخصوصًا عند أهلِ مذهبِه، ولم يكنْ لهم سبيلٌ إلى الاجتهادِ والقياسِ: احتاجوا إلى تنظيرِ المسائلِ في الإلحاقِ، وتفريقِها عند الاشتباه، بعد الاستنادِ إلى الأصولِ المقررة مِنْ مذهب إمامِهم، وصار ذلك كله يحتاجُ إلى مَلَكَةٍ راسخةٍ يُقْتَدَرُ بها على ذلك النوعِ مِن التنظيرِ أو التفرقةِ، واتِّباع مذهب إمامِهم فيهما ما استطاعوا" (٢). ويقولُ الدكتورُ يعقوب الباحسين: "فمِثْلُ هذه الصور المتشابهة، ذات الأحكام المختلفة، أوجدَ الحاجةَ إلى بيانِ الفروقِ بين المسائلِ، توضيحًا وكشفًا عن معانيها، ودفعًا للالتباسِ، وما قد يساور بعضَهم مِنْ وجودِ التناقضِ بين فتاوى العلماءِ" (٣). ومِن الطبعي أنْ يُعْنى أربابُ المذهبِ بما وَرَدَ عن إمامِهم مِن القولِ بحكمين مختلفين في مسألتين متشابهتين بالتوضيحِ والكشفِ عن المعنى المفرّقِ بينها. وكان بدءُ التأليفِ في الفروقِ الفقهيةِ على أيدي علماءِ المذاهبِ (٤).

стр. 1331

يقولُ الدكتور يعقوب الباحسين: "من الملاحظِ أنَّ طائفةً مِنْ كتبِ الفروقِ كان الغرضُ مِنْ تأليفِها الدفاعَ عن المذهبِ، وإزالةَ ما يُرى فيه من تعارضٍ أو تناقضٍ ... " (١). وحين قامَ بعضُ العلماءِ بالنقلِ والتخريجِ لما جاءَ عن أئمتهم مِن أحكامٍ مختلفةٍ في مسائل متشابهة، قام آخرون بالبحثِ عن الفارقِ المؤثرِ بين المسائل، وقد تقدمت لنا بعضُ الأمثلةِ لذلك. ومِن الشواهد الدالةِ على الإسهامِ الجيّدِ للتمذهبِ في تشجيعِ الكتابةِ في الفروقِ الفقهيةِ: ما بيّنه أبو محمد الجويني في مقدمةِ كتابِه: (الجمع والفرق)، إذ رَسَمَ لمتمذهبي الشافعيةِ أحوالَ الفرقِ ومنازلَه، فجعلها ثلاثة أقسام: القسم الأول: أنْ يصادفَ المتمذهبُ مسألتين لم يختلف المذهبُ فيهما، ولا في واحدةٍ منهما، والصورةُ متشابهةٌ، والحكمانِ مختلفانِ، ولا بُدَّ مِنْ فرقٍ بينهما، ولا سبيلَ إلى تخريجِ جوابِ إحداهما مِن الأخرى (٢). القسم الثاني: أنْ تجتمع مسألتان، والشافعي ﵁ قطع قولَه بجوابٍ واحدٍ في إحداهما، وعلَّق قولَه في الأخرى، وامتنع أصحابُه مِنْ تخريجِ قولٍ في المسألةِ التي قَطَعَ قولَه بجواب فيها، فمسّت الحاجةُ إلى فرقٍ بين المسألتين؛ فعُلم أنَّ ذلك لمعنىً أوجبَ قَطْعَ القولِ في إحداهما، وتعليقَ القولِ في الأخرى (٣). القسم الثالث: أنْ تجتمع مسألتانِ ذَكَرَ مشايخُ الشافعيةِ وجهين في إحداهما، وقطعوا القولَ في الأخرى، فهذا القسم على نوعين: النوع الأول: أنْ يقوى كلُّ واحدٍ من الوجهين، فحكمُه حكم القسم الثاني. النوع الثاني: أنْ يضعفَ أحدُ الوجهين، بدليلِ المسألة التي لم

стр. 1332

يختلفوا فيها، فيتعذر الفرقُ الواضحُ، فاشْتَغِلْ بتزييفِ أضعفِ الوجهين وإسقاطِه، ولا تشتغلْ بالتماسِ الفرقِ (١). وهذه الديباجةُ التي خطّتها يراعةُ أبي محمدٍ دليلٌ على أثرِ التمذهبِ في الاهتمامِ بالفروقِ الفقهيةِ. ومِن الكتب المذهبيةِ التي عُنيت بالفروقِ الفقهيةِ، كتاب: (النكت والفروق لمسائلَ المدونة والمختلطة) للفقيه أبي محمد عبد الحق الصقلي المالكي (٢)، وعنوانُ كتابِه ناطقٌ بأثرِ التمذهبِ فيه، يقولُ في مقدمته: "فإنَّ بعضَ أصحابِنا مِنْ طلبةِ العلمِ، سألني العنايةَ بجمعِ ما يَقَعُ لي أنَّ المبتدئَ في طلبِ الفقهِ، ومَنْ لم يتسعْ فيه محتاجٌ إليه في أعيانِ مسائل من (المدونة) و (المختَلطة)، مِنْ نكتةٍ يُحْسُنُ الإتيانُ بها، وتفريقٍ بين مسألتين قد يتعذرُ على الطالبِ معرفةُ اختلافِ حكمها ... " (٣). ويقولُ أبو العباس الونشريسي عن الباعثِ له على تأليفِ كتابِه: (عدة البروق): "يُسْتَعانُ به على حلِّ كثيرٍ مِن المناقضاتِ الواقعة في (المدونة)، وغيرِها مِنْ أمهات الروايةِ" (٤). وقد حَفِلَتْ بعضُ الكتب المذهبيةِ المؤلفةِ في الفقه ببيانِ الفرقِ بين المسائلِ المنقولةِ عن إمامِ المذهب، أو عن بعضِ أصحابِه (٥).

стр. 1333

مثال الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر: المثال الأول: يقولُ القاضي عبد الوهاب المالكي: "لا يجوزُ تفريقُ النيةِ على أعضاءِ الوضوءِ عند بعضِ أصحابِنا، ويجوزُ في الزكاةِ؛ وكلاهما عبادةٌ. الفرق بينهما: أنَّ الوضوءَ عبادةٌ مرتبطٌ بعضُها ببعض، يَفْسدُ أولُها بفسادِ آخرِها، والزكاةُ غير مرتبطِ بعضها ببعضٍ؛ لأنَّه لا يفسد أَولُها بفسادِ آخرِها. وأيضًا: فإنَّ الزكاةَ يصحُّ أنْ تؤدّى مجتمعةً ومفرقةً، والنيةُ تصحب ما يُؤَدَّى على حسبِ إرادتِه، والوضوءُ لا يجوز أنْ يؤتى به مفترقًا تفريقًا كثيرًا، فافترقا" (١). المثال الثاني: يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي تحتَ قاعدةِ: (الفضيلة المتعلقة بنفسِ العبادةِ أولى مِن المتعلقةِ بمكانِها): "هذه قاعدةٌ مهمةٌ، صرَّح بها جماعةٌ مِنْ أصحابِنا، وهي مفهومةٌ مِنْ كلامِ الباقين، ويتخرّج عليها مسائل مشهورةٌ: منها: الصلاةُ في جوفِ الكعبةِ أفضلُ مِن الصلاةِ خارجها، فإنْ لم يرجُ فيها الجماعةَ، وكانتْ خارجها، فالجماعةُ أفضلُ. ومنها: صلاةُ الفرضِ في المسجدِ أفضلُ منه في غيرِه، فلو كان مسجدٌ لا جماعةَ فيه، وهناك جماعةٌ في غيرِه، فصلاتُها مع الجماعةِ خارجة أفضلُ مِن الانفرادِ في المسجدِ ... ومنها: القُرْبُ مِن الكعبةِ في الطوافِ مستحبٌ، والرَّملُ (٢) مستحبٌ، فلو منعته الزّحمةُ مِن الجمعِ بينهما، ولم يمكنه الرَّمل مع القُرْب، وأمكنه مع البُعْد، فالمحافظةُ على الرَّملِ مع البُعدِ أولى مِن المحافظةِ عَلى القُرْب بلا رَمَل؛ لذلك" (٣).

стр. 1334

الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية: لم يكن تطبيق التمذهب عند بعض المتمذهبين تطبيقًا صحيحًا، فترتب على تمذهبهم عددٌ من الآثارِ السلبيةِ، وظهر لي عددٌ منها، وقد نظمتُ عقد مباحث هذا الفصل عليها: المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى

стр. 1335

المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي لعل مِنْ أبرزِ الآثار السلبية التي نشأت من التمذهب، وأسوئها ظهورُ التعصب المذهبي بين أرباب المذاهب المختلفة، وسأتحدثُ عنه في المطالب الآتية، وهي: المطلب الأول: الأعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة المطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه لمخالفته المذهب.
следующие страницы →