← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 66

التمذهب – دراسة نظرية نقدية

خالد الرويتع

Полный текст (1 617 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

يقولُ الدكتور يعقوب الباحسين: "من الملاحظِ أنَّ طائفةً مِنْ كتبِ الفروقِ كان الغرضُ مِنْ تأليفِها الدفاعَ عن المذهبِ، وإزالةَ ما يُرى فيه من تعارضٍ أو تناقضٍ ... " (١). وحين قامَ بعضُ العلماءِ بالنقلِ والتخريجِ لما جاءَ عن أئمتهم مِن أحكامٍ مختلفةٍ في مسائل متشابهة، قام آخرون بالبحثِ عن الفارقِ المؤثرِ بين المسائل، وقد تقدمت لنا بعضُ الأمثلةِ لذلك. ومِن الشواهد الدالةِ على الإسهامِ الجيّدِ للتمذهبِ في تشجيعِ الكتابةِ في الفروقِ الفقهيةِ: ما بيّنه أبو محمد الجويني في مقدمةِ كتابِه: (الجمع والفرق)، إذ رَسَمَ لمتمذهبي الشافعيةِ أحوالَ الفرقِ ومنازلَه، فجعلها ثلاثة أقسام: القسم الأول: أنْ يصادفَ المتمذهبُ مسألتين لم يختلف المذهبُ فيهما، ولا في واحدةٍ منهما، والصورةُ متشابهةٌ، والحكمانِ مختلفانِ، ولا بُدَّ مِنْ فرقٍ بينهما، ولا سبيلَ إلى تخريجِ جوابِ إحداهما مِن الأخرى (٢). القسم الثاني: أنْ تجتمع مسألتان، والشافعي ﵁ قطع قولَه بجوابٍ واحدٍ في إحداهما، وعلَّق قولَه في الأخرى، وامتنع أصحابُه مِنْ تخريجِ قولٍ في المسألةِ التي قَطَعَ قولَه بجواب فيها، فمسّت الحاجةُ إلى فرقٍ بين المسألتين؛ فعُلم أنَّ ذلك لمعنىً أوجبَ قَطْعَ القولِ في إحداهما، وتعليقَ القولِ في الأخرى (٣). القسم الثالث: أنْ تجتمع مسألتانِ ذَكَرَ مشايخُ الشافعيةِ وجهين في إحداهما، وقطعوا القولَ في الأخرى، فهذا القسم على نوعين: النوع الأول: أنْ يقوى كلُّ واحدٍ من الوجهين، فحكمُه حكم القسم الثاني. النوع الثاني: أنْ يضعفَ أحدُ الوجهين، بدليلِ المسألة التي لم

стр. 1332

يختلفوا فيها، فيتعذر الفرقُ الواضحُ، فاشْتَغِلْ بتزييفِ أضعفِ الوجهين وإسقاطِه، ولا تشتغلْ بالتماسِ الفرقِ (١). وهذه الديباجةُ التي خطّتها يراعةُ أبي محمدٍ دليلٌ على أثرِ التمذهبِ في الاهتمامِ بالفروقِ الفقهيةِ. ومِن الكتب المذهبيةِ التي عُنيت بالفروقِ الفقهيةِ، كتاب: (النكت والفروق لمسائلَ المدونة والمختلطة) للفقيه أبي محمد عبد الحق الصقلي المالكي (٢)، وعنوانُ كتابِه ناطقٌ بأثرِ التمذهبِ فيه، يقولُ في مقدمته: "فإنَّ بعضَ أصحابِنا مِنْ طلبةِ العلمِ، سألني العنايةَ بجمعِ ما يَقَعُ لي أنَّ المبتدئَ في طلبِ الفقهِ، ومَنْ لم يتسعْ فيه محتاجٌ إليه في أعيانِ مسائل من (المدونة) و (المختَلطة)، مِنْ نكتةٍ يُحْسُنُ الإتيانُ بها، وتفريقٍ بين مسألتين قد يتعذرُ على الطالبِ معرفةُ اختلافِ حكمها ... " (٣). ويقولُ أبو العباس الونشريسي عن الباعثِ له على تأليفِ كتابِه: (عدة البروق): "يُسْتَعانُ به على حلِّ كثيرٍ مِن المناقضاتِ الواقعة في (المدونة)، وغيرِها مِنْ أمهات الروايةِ" (٤). وقد حَفِلَتْ بعضُ الكتب المذهبيةِ المؤلفةِ في الفقه ببيانِ الفرقِ بين المسائلِ المنقولةِ عن إمامِ المذهب، أو عن بعضِ أصحابِه (٥).

стр. 1333

مثال الفروق الفقهية، والأشباه والنظائر: المثال الأول: يقولُ القاضي عبد الوهاب المالكي: "لا يجوزُ تفريقُ النيةِ على أعضاءِ الوضوءِ عند بعضِ أصحابِنا، ويجوزُ في الزكاةِ؛ وكلاهما عبادةٌ. الفرق بينهما: أنَّ الوضوءَ عبادةٌ مرتبطٌ بعضُها ببعض، يَفْسدُ أولُها بفسادِ آخرِها، والزكاةُ غير مرتبطِ بعضها ببعضٍ؛ لأنَّه لا يفسد أَولُها بفسادِ آخرِها. وأيضًا: فإنَّ الزكاةَ يصحُّ أنْ تؤدّى مجتمعةً ومفرقةً، والنيةُ تصحب ما يُؤَدَّى على حسبِ إرادتِه، والوضوءُ لا يجوز أنْ يؤتى به مفترقًا تفريقًا كثيرًا، فافترقا" (١). المثال الثاني: يقولُ جلالُ الدّينِ السيوطي تحتَ قاعدةِ: (الفضيلة المتعلقة بنفسِ العبادةِ أولى مِن المتعلقةِ بمكانِها): "هذه قاعدةٌ مهمةٌ، صرَّح بها جماعةٌ مِنْ أصحابِنا، وهي مفهومةٌ مِنْ كلامِ الباقين، ويتخرّج عليها مسائل مشهورةٌ: منها: الصلاةُ في جوفِ الكعبةِ أفضلُ مِن الصلاةِ خارجها، فإنْ لم يرجُ فيها الجماعةَ، وكانتْ خارجها، فالجماعةُ أفضلُ. ومنها: صلاةُ الفرضِ في المسجدِ أفضلُ منه في غيرِه، فلو كان مسجدٌ لا جماعةَ فيه، وهناك جماعةٌ في غيرِه، فصلاتُها مع الجماعةِ خارجة أفضلُ مِن الانفرادِ في المسجدِ ... ومنها: القُرْبُ مِن الكعبةِ في الطوافِ مستحبٌ، والرَّملُ (٢) مستحبٌ، فلو منعته الزّحمةُ مِن الجمعِ بينهما، ولم يمكنه الرَّمل مع القُرْب، وأمكنه مع البُعْد، فالمحافظةُ على الرَّملِ مع البُعدِ أولى مِن المحافظةِ عَلى القُرْب بلا رَمَل؛ لذلك" (٣).

стр. 1334

الفصل الثاني: آثار التمذهب السلبية: لم يكن تطبيق التمذهب عند بعض المتمذهبين تطبيقًا صحيحًا، فترتب على تمذهبهم عددٌ من الآثارِ السلبيةِ، وظهر لي عددٌ منها، وقد نظمتُ عقد مباحث هذا الفصل عليها: المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي المبحث الثاني: دعوى غلق باب الاجتهاد، ومحاربة من يدعيه المبحث الثالث: ظهور الحيل الفقهية المبحث الرابع: عدم الاطلاع على ما لدى المذاهب الأخرى

стр. 1335

المبحث الأول: ظهور التعصب المذهبي لعل مِنْ أبرزِ الآثار السلبية التي نشأت من التمذهب، وأسوئها ظهورُ التعصب المذهبي بين أرباب المذاهب المختلفة، وسأتحدثُ عنه في المطالب الآتية، وهي: المطلب الأول: الأعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة المطلب الثاني: رد دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه لمخالفته المذهب.

стр. 1336

المطلب الأول: الإعراض عن الاستدلال بالكتاب والسنة الثابتة لا يخفى على أحدٍ أنَّ أساسَ الأحكامِ الشرعية هما: الكتابُ والسنةُ، وقد عُنِيَ الأصوليون بالحديثِ عن الجانبِ التأصيلي للاستدلالِ بهذينِ الدليلينِ، فقعدوا القواعدَ الأصوليةَ التي تكفلُ لمن التزمها الوصولَ إلى الحكمِ بطريقٍ صحيحٍ. وقد حثَّ جمعٌ غفيرٌ مِن العلماءِ الناصحين على النظرِ في الأدلةِ، فمِنْ هؤلاءِ: أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ، فمِنْ كلماتِه: "الواجبُ النظرُ في الأدلةِ، فما أدّاه الدليلُ إليه كان مذهبُه بحسبِه ... ونعوذُ بالله مِن اعتقادِ مذهبٍ، ثم طَلَب تصحيحِ أصلِه، أو طلب دليلِه، وما ذلك إلا بمثابةِ مَنْ مَضَى في طريقٍ مُظْلمٍ بغيرِ ضياءٍ، ثم طَلَبَ لذلك الطريقِ ضياءً ينظرُ إنْ كان فيه بئرٌ أو سَبُغٌ أو ما شاكل ذلك، أو كان سليمًا، والذي يجبُ أن يكونَ الدليلُ هو المرشدُ إلى المذهبِ" (١). وما مِنْ شكٍّ في أنّ إعراضَ كثيرٍ مِن المتمذهبين عن النظرِ في الكتابِ والسنةِ النبويةِ المطهرةِ؛ استغناءً بما في المذهب مِنْ أقوالٍ، مِن المصائب والمآسي التي تغلغلتْ في أذهانِ كثيرٍ مِنْ المتمذهبين (٢)، فظنّوا أنَّ الشريعةَ هي ما في مذهبِهم مِن الأقوالِ فحسب (٣)، فألبسوا المذهبَ لباسَ الدِّيْنِ.

стр. 1337

ولم يكنْ حالُ المتمذهبين في الاهتمامِ بالأدلةِ الشرعيةِ - والنقلية منها على وجهِ الخصوص - واحدًا، فمنهم؛ المهتمُّ بذكرِ الأدلةِ، ومنهم: التاركُ لها، المعرضُ عنها (١). ويتفاوتُ أربابُ المذاهبِ الفقهيةِ المختلفةِ في درجةِ الإعراضِ عن الاستدلالِ بدليلي: الكتاب والسنة، بلْ إنَّ التفاوتَ حاصلٌ بين أربابِ المذهبِ الواحدِ، فالحديثُ في هذا المطلب لا يشملُ قطعًا جميعَ المتمذهبين، بلْ طائفةً منهم، ممَّنْ لهم قدرةٌ على النظرِ في نصوصِ الكتاب والسنةِ، ثمُّ أَعْرَضَوا عنهما. وقد يكونُ الأثرُ السلبيُّ موجودًا في مذهبٍ ما، ولكنْ في مرحلةٍ مِنْ مراحلِ بنائِه (٢)، ولا سيما مع بدءِ الاهتمامِ بالاختصارِ والإيجازِ في المؤلفاتِ المذهبيةِ (٣). ويحكي ابنُ عبد البر المالكي حالَ بعضِ مالكيةِ المغرب، فيقول: "إنَّهم لا يقيمون علةً، ولا يعرفون للقولِ وَجْهًا، وحَسْبُ أحدِهمَ أنْ يقولَ: فيها روايةٌ لفلانٍ، ورواية لفلانٍ، ومَنْ خالفَ عندهم الروايةَ التي لا يقفُ على معناها، وأصلِها وصحةِ وجهِها، فكأنَّه خالفَ نصَّ الكتاب وثابتَ السنةِ" (٤). ولشمسِ الدين بنِ القيّمِ نصيبٌ من رؤيةِ هذا الداءِ، يقولُ مبينًا حالَ بعضِ الناسِ: "لما أعرضَ الناسُ عن تحكيم الكتابِ والسنةِ والمحاكمةِ إليهما، واعتقدوا عدمَ الاكتفاءِ بهما، وعدلوا إلى الآراءِ والقياسِ

стр. 1338

والاستحسانِ وأقوال الشيوخ: عرضَ لهم مِنْ ذلك فسادٌ في فطرِهم، وظلمةٌ في قلوبِهم ... " (١). وفي تركِ الاستدلالِ بنصوصِ الكتابِ والسنةِ تعصبٌ للمذهبِ، مِنْ جهةِ أنَّ الباعثَ لبعضِ المتمذهبين على تركِ الاستدلال بهما، والإعراضَ عنهما هو القناعةُ بعدمِ الحاجةِ إلى معرفةِ دليلِ إمامِ المذهبِ (٢)؛ لأنَّ أقواله كلَّها صوابٌ. يقولُ أبو بكرٍ الطرطوشي (ت: ٥٣٠ هـ) (٣): "جمهورُ المقلِّدين في هذا الزمانِ لا تجدُ عندهم مِنْ آثارِ الصحابةِ والتابعين كبير شيءٍ، وإنَّما مصحفُهم (٤) مذهبُ إمامِهم! " (٥). ويقولُ ابنُ القيّمِ مستنكرًا التعصبَ المذهبيَّ: "تالله إنَّها فتنةٌ عمَّتْ فأَعْمَتْ، ورَمَت القلوبَ فأصمّتْ، ورَبَى (٦) عليها الصغيرُ، وهَرِمَ عليها

стр. 1339

الكبيرُ، واتُّخِذَ لأجلِها القرآنُ مهجورًا" (١). ويقولُ أبو شامةَ المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) عن حالِ بعضِ متمذهبي عصرِه: "ثمَّ تفاقمَ الأمرُ، حتى صارَ كثيرٌ منهم لا يرون الاشتغالَ بعلومِ القرآنِ والحديثِ، ويَعِيبُون مَنْ يعتني بهما، وَيرَوْنَ أنَّ ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبةُ عليه، وتَقْدِمَتُه بين يديه مِن الاحتجاجِ للمذاهب بالآراء، وكثرةِ الجدالِ والمراءِ ... " (٢). ويقولُ الشوكانيُّ: "تَجِدُ المصنّفين في علمِ الفقهِ يُعَوّلون في كثيرِ مِن المسائلِ على محضِ الرأي، ويُدَوِّنُونه في مصنّفاتِهم، وهم لا يشعرون أنَّ في ذلك سنةً صحيحةَ يعرفُها أقل طالب لعلم الحديثِ، وقد كَثُرَ هذا جدًّا مِن المشتغلين بالفقهِ ... " (٣). ويظهرُ أنَّ زعمَ بعضِ المتمذهبين أنَّ النظرَ في الكتابِ والسنةِ مِنْ خواصِّ المجتهدين، أَوْرَثَ عند كثيرِ منهم إعراضًا عن الاستدلالِ والاشتغالِ بهما؛ بحجةِ أنَّهم غيرُ مجتهدين (٤). يقولُ ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) حاكيًا هذه الشبهةَ: "قد يقولُ قائلون منهم: نحن لم نُرْزَقْ مِن العقلِ والفهم ما يمكننا أنْ نأخذَ الفقهَ مِن القرآنِ وحديثِ النبي ﷺ . فأتوا بالتي تملأُ الفمَ! إذ يقو: : ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٥) " (٦).

стр. 1340

ويقولُ في موضعٍ آخر مبينًا حالَ متمذهبي عصرِه وقُطْرِه ممَّن لَقِيَهم: "فكيفَ بهم - أي: الصحابة ﵃ لو شاهدوا ما نشاهدُ مِن المصائبِ الهادمةِ للإسلامِ على مَن امتحنه الله به، مِن الانتماءِ إلى مذهب فلانٍ وفلانٍ، والإقبالِ على أقوالِ مالكٍ وأبي حنيفةَ والشافعي، وتركِ أحكامِ القرآنِ وكلامِ النبي ﷺ ظِهْريًّا" (١). ويشهدُ لما بيّنه ابنُ حزمٍ: ما حكاه أبو شامةَ المقدسي عن بعضِ أرباب المذاهبِ الذين قصُرتْ هممُهم، فلم ينظروا في الأصلين: الكتابِ والسنةِ، بلْ أعرضوا عنهما، وجعلوا أقوالَ أئمتِهم كالأدلةِ عندهم (٢). وقد بَلَغَ الحالُ عند بعضِ المتمذهبين في مناظراتِهم أنْ تنقضي المناظرةُ تلو المناظرةِ، ولا تُسمعُ فيها آيةٌ ولا حديثٌ (٣). وفي الموضوعِ ذاتِه، يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية عن طريقةِ بعضِ المصنفين في الفقهِ والرأي: "لم يَذْكرْ إلا رأيَ متبوعِه وأصحابِه، وأعرضَ عن الكتاب والسنةِ ... ككثيرٍ مِنْ أتباعِ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعي وأحمدَ وغيرِهم" (٤). ويشتكي بدرُ الدّينِ الزركشيُّ مِنْ حالِ بعضِ الفقهاءِ في إعراضِهم عن النصوصِ الشرعيةِ، فيقول: "مِن البليةِ اقتصارُ كثيرٍ مِن الفقهاءِ على الاستدلالِ على القياسِ، وعدمِ بحثِهم عن النصِّ فيها، وهو موجودٌ لو تطلَّبوه" (٥). ويقولُ الشيخُ محمدٌ الأمين الشنقيطي عن بعضِ أتباعِ الأئمةِ: "تَرَكُوا

стр. 1341

النظرَ في كتابِ الله وسنةِ رسولِه، وأعرضوا عن تعلمِهما إعراضًا كليًا ... " (١). وأمسى اسمُ الفقيه عند بعضِ الناسِ في عصورٍ خلتْ صادقًا على الذي يحفظُ أقوالَ الفقهاءِ: قويَّها وضعيفَها، ويسردها، من غيرِ تمييزٍ لقوتِها (٢). وقد بيّن الشيخُ حمد بن معمر أنَّ كثيرًا مِنْ أتباعِ المذاهبِ الأربعةِ يهجرون كتبَ السنةِ المطهرةِ، ولا يرجعون إليها، ولا يعملون بما تدلُّ عليه، بلْ هي عندهم للتبركِ! (٣). ويقولُ الشيخُ محمد مخلوف: "انعكسَ الحالُ في عهدِ المتأخرين، فقلَّ ذكرُ النصوصِ مع الفتوى، كما انعكس في تدوينِ كتبِ الفروعِ، فإنَّ في كتبِ المتقدمين مِن البسطِ والبيانِ وأدلةِ الأحكامِ ما ليس في كتب المتأخرين التي وَصَلَ بها الاختصارُ والتجرّدُ عن الأدلةِ إلى ما ترى! " (٤). ولقد استغرب الشيخُ محمدٌ الحجوي (ت: ١٣٧٦ هـ) من الحالِ العلميةِ في عصرِه، فالفقهاءُ أعرضوا عن ذكرِ الأدلةِ على مذهبِهم، والأدلةُ يتأكد ذكرُها في هذا البابِ، والنحاةُ اهتموا بذكرِ أدلةٍ على قواعد النّحوِ، فافتعلوا له أدلةً، ولا ضرورةَ إلى إقامةِ أدلةٍ على قواعدِه (٥). وممَّا زادَ مِنْ بُعْدِ كثيرٍ مِن المتمذهبين في بعضِ العصورِ عن النظرِ في الكتابِ والسنةِ، اهتمامُهم وتركيزُهم واقتصارُهم على كتبِ المذهبِ الموجزةِ

стр. 1342

- التي تخلو عادةً مِنْ نصوصِ الوحيين - فصرفوا عنايتَهم إلى حلِّ ألفاظِها، وتفكيكِ عباراتِها، وبيانِ رموزِها، فشُغِلوا بكثيرِ مِن المناقشاتِ اللفظيةِ عن النظرِ في النصوصِ الشرعيةِ (١). ويشهدُ لما بيّنتُه آنفًا الآتي: أولًا: ما جاءَ عن بعضِ المالكيةِ في بيانِ كيفيةِ الإفتاءِ في النازلةِ: الفتوى على ما ذكره الإمامُ مالكٌ في (الموطأ)، فإنْ لم يجد النازلةَ في (الموطأ)، فبقولِ الإمام في (المدونة)، فإنْ لم يجدْها فيه، فبقولِ ابنِ القاسمِ في (المدونةِ)، فإنْ لم يجدْها، فبقولِ ابنِ القاسمِ في غيرِ (المدونةِ)، فإنْ لم يجدْها فيه فبقولِ غيرِ ابنِ القاسمِ في (المدونةِ)، وإنْ لم يجدْها، فبقولِ أهلِ المذهبِ (٢). ثانيًا: ما جاء عن أبي الحسنِ الكرخي الحنفي مِنْ قولِه: "الأصلُ: أنَّ كلَّ آيةٍ تخالفُ قولَ أصحابنا، فإنَّها تحملُ على: النسخِ، أو على الترجيحِ، والأَوْلَى أنَّ تُحمل على التأويلِ ... الأصل: أنَّ كلَّ خبرٍ يجيء بخلافِ قولِ أصحابِنا، فإنَّه يُحملُ على: النسخِ، أو على أنَّه معارضٌ بمثلِه، ثم صار (٣) إلى دليل آخر، أو ترجيح فيه بما يحتج به أصحابنا من وجوه الترجيح ... " (٤)، فهذا الحَكمُ الكلي يدفعُ السامعَ إلى الإعراضِ عن نصوصِ الوحيينِ، اكتفاءً بما في المذهبِ مِنْ أحكامٍ. * * *

стр. 1343

المطلب الثاني: ردُّ دلالة الآيات والأحاديث الثابتة، والتكلف في ذلك لا شكَّ في أنَّ عمادَ الأحكامِ الشرعيةِ هو اتباع الدليلِ، ويأتي على رأسِ الأدلةِ دليلُ الكتابِ، ودليلُ السنةِ النبويةِ المطهرةِ. ومهما أوتي المجتهدُ مِنْ حفظٍ للسنةِ النبويةِ ومعرفةٍ بها، فإنَّ احتمالَ مخالفتِه لدليلٍ منها لم يطلعْ عليه احتمالٌ قوي. وأيضًا: فقد لا يأخذ المجتهدُ بما دلَّ عليه الحديث؛ لعدم وقوفِه على إسنادٍ صحيحٍ له، في حين أنَّ الحديثَ ثابتٌ مِنْ طريقٍ آخر. إذا تقرَّرَ أنَّ احتمالَ مخالفةِ إمامِ المذهبِ لدليلٍ مِن الكتاب والسنةِ - على وجهِ الخصوصِ - احتمالٌ قائمٌ، فإنَّ هذا الأمرَ يجعل العذرَ قائمًا لدى أتباعِه في مخالفةِ إمامِهم فيما ذَهَبَ إليه، واتِّباع مجتهدٍ آخر أَخَذَ بالدليلِ. لكنَّ الأمرَ لم يقعْ على هذا النحوِ عند بعضِ المتمذهبين؛ إذ تمسّكَ بعضُهم بما جاءَ عن إمامِهم، وردّوا حُكْمَ الكتاب والحديثِ النبوي بالتكلّفِ في أوجهِ الجوابِ عنهما، كلُّ ذلك؛ لئلا يخالفوَا إمامَهم ومذهبَهم، فجعلوا قولَ إمامِهم ومذهبَهم أصلًا، فما جاءَ به الكتابُ والسنة موافقًا لأصلِهم قبلوه، وما خالفه ردّوه (١). وأنبّه إلى أنَّ حكايةَ الأثرِ السلبي للتمذهب وبيانَه لا يعني بالضرورةِ وقوعَ كافّة المتمذهبين فيه، وتلبّسهم به، بل المقصودُ أنَّ مِنْ المتمذهبين مَنْ وَقَعَ في هذا الأمر، وتلبَّس به في عصرٍ مِن العصورِ.

стр. 1344

لقد كان مِنْ أسوأِ آثارِ التمذهبِ السلبيةِ، إنْ لم يكن أسوأها، وقوعُ بعضِ المتمذهبين في مخالفةِ نصوصِ الكتاب والسنةِ، بُغْيَةَ البقاءِ على المذهبِ، ولزومِه وعدمِ مفارقتِه (١)، فردّوا الأدلَّةَ الشرعيةَ، لمجرّدِ مخالفتِها المذهب (٢). ولقد بَرَزَ الأثرُ السلبيُّ بصورةٍ أوضح في السنةِ النبويةِ؛ لوقوعِ بعضِ أئمةِ المذاهب في مخالفةِ دليلٍ منها، لأي سببٍ من الأسباب التي يُعذر بها الإمامُ. يقولُ أبو الوفاءِ بنُ عقيل: "المذاهب تُؤْخَذُ مِن الأدلةِ، فأمَّا أنْ تُؤْخَذَ الأدلةُ أو تُصَحّح مِن المذاهبِ، فكلا، وهذا يكثرُ مِن الفقهاءِ" (٣). ويقولُ ابنُ أبي العزِّ الحنفي عن بعضِ متعصبةِ مذهبِه: "إنْ أُورِدَ عليهم نصٌّ مخالفٌ قوله - أي: قول الإمام أبي حنيفة - تأوّلوه على غيرِ تأويلِه؛ ليدفعوه عنهم" (٤). وقد أشارَ الشوكانيُّ إلى أنَّ المحاماةَ والمدافعةَ عن المذهب، وإيثارَه على السنةِ النبويةِ الصحيحةِ مِنْ "ثمراتِ التمذهباتِ، وتقليدِ الَرجالِ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ" (٥). ولا يخفى أنَّ اللومَ في هذه الحالةِ يقعُ على مَنْ تلبَّسَ بالأثرِ السيئِ، ولا يشملُ جميعَ المتمذهبين ممَّن لم يتلبسْ به. وقد بيَّنَ تقيُّ الدين بنُ تيمية أنَّ تأويلَ النصوصِ - الصحيحة أو

стр. 1345

الضعيفة - تأويلًا غيرَ صحيحٍ، خطأٌ وقعتْ فيه طوائفُ مِن المقلّدين والمتفقهين (١). ومِن الخطأِ الواضحِ ردُّ الأحاديثِ النبويةِ إلى المذاهبِ وآرائِها، إذ الواجبُ أنْ تُردَّ المذاهبُ إليها؛ لأنَّ الأحاديثَ النبويةَ حجةٌ على مَنْ خالفها (٢). ويحكي ابنُ حزمٍ حالَ بعضِ المتعصبين، فيقول: "يَضْرِبُون عن كل حجةٍ خالفتْ قولَهم، فإنْ كانت آيةً أو حديثًا تأولوا فيهما التأويلاتِ البعيدة، وحرَّفوهما عن مواضعِهما، فدخلوا في قولِه تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (٣)، فإنْ أعياهم ذلك قالوا: هذا خصوصٌ، وهذا متروكٌ، وليس عليه العملُ" (٤). ويقولُ العزُّ بنُ عبد السلام عن تصرفاتِ بعض المتمذهبين: "يتحيَّلُ لدفِعِ ظواهرِ الكتاب والسنةِ، ويتأولها بالتأويلاتِ البعيدةِ الباطلةِ؛ نضالًا عن مقلَّدِه! " (٥). ويقولُ - أيضًا -: "إنَّ أحدَهم يتَبع إمامَه مع بُعْدِ مذهبه عن الأدلةِ؛ مقلّدًا له فيما قالَ، كأنَّه نبي أُرسلَ إليه! " (٦). لقدْ أضحى التمسكُ بالمذهبِ عند بعضِ المتمذهبين الأصلَ الذي يسيرُ عليه، وصارَ مِن المألوفِ عندهم ردُّ نصوصِ الكتابِ والسنةِ إذا خالفها

стр. 1346

قولُ إمامِهم (١). ولم يكنْ مِن السهلِ على نفوسِ كثيرٍ مِن المتمذهبين أنْ يرى التعصبَ المذهبيَّ المقيتَ بين أربابِ المذاهبِ، فتأسى بعضُ العلماءِ على حالِ أولئك القومِ، وحذَّروا مِنْ صنيعِهم. يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "آلَ بهم - أيْ: بكثيرٍ مِن المقلِّدين للمذاهبِ - التعصّبُ إلى أنْ صارَ أحدُهم إذا أُورِدَ عليه شيءٌ مِن الكتابِ والسنةِ الثابتةِ على خلافِ مذهبِه، يجتهد في دفعِه بكلِّ سبيلٍ مِن التأويلِ البعيدِ؛ نصرةً لقولِه، وإعراضًا عمَّا يجبُ عليه الأخذُ به" (٢). ويقولُ في موضعٍ آخر: "والأمرُ عند المقلِّدين، أو أكثرِهم بخلافِ هذا - أي: تأويل كلام إمام المذهب؛ ليوافقَ الحديث - إنَّما هم يُؤَوّلون الخبرَ؛ تنزيلًا له على نصِّ إمامِهم" (٣). ولابنِ القيمِ كلماتٌ تُؤكِّدُ ما حكاه أبو شامةَ عن حالِ بعضِ المتمذهبين، فيقول: "كيفَ يكونُ مِنْ ورثةِ الرسولِ ﷺ مَنْ يجهدُ ويكدحُ في ردِّ ما جاءَ به إلى قولِ مقلَّدِه ومتبوعِه، ويضَيّعُ ساعاتِ عمرِه في التعصّبِ والهوى، ولا يشعرُ بتضييعه؟ ! " (٤). ويقولُ - أيضًا - في السياقِ ذاته: "أمَّا المتعصبون ... فنظروا في السنةِ، فما وافقَ أقوالهم منها قَبِلُوه، وما خالفها تحيَّلوا في ردِّه، أو ردِّ دلالته" (٥).

стр. 1347

ويقولُ في موضعٍ آخر حاكيًا حالَ متعصبي المذاهب: "فإذا خالفَ قولُ متبوعِهم نصًّا عن الله ورسولِه، فالواجبُ التمحّلُ والتكلّفُ في إخراجِ ذلك النصِّ عن دلالتِه، والتحيّلُ لدفعِه بكلِّ طريقٍ؛ حتى يصحَّ قولُ متبوعِهم" (١). وجعلَ المتعصبون - كما نبّه إليه ابنُ القيّمِ - مذهبَهم وقولَ إمامهم عيارًا على الكتاب والسنةِ، فهو المحكمُ، ونصوصُ الكتابِ والسنةِ مِن المتشابهِ، فما وافقَ قولَ إمامِهم منهما احتجوا به وقرروه، وما خالفه تأولوه أو فوضوه (٢)، فأمسى ضابطُ تأويلِ النصوصِ عندهم هو مخالفةُ المذهبِ (٣). وقد صدَّر ابنُ دقيق العيد كتابَه: (شرح الإلمام بأحاديث الأحكام) (٤) ببيانِ المنهجِ القويمِ مع النصوصِ الشرعيةِ، فقالَ: "يُجعل الرأيُ هو المؤتمّ، والنصُّ هو الإمام، وتُرَدُّ المذاهبُ إليه، وتُضمُّ الآراءُ المنتشرةُ حتى تقف بين يديه. وأمَّا أنْ يُجعلَ الفرعُ أصلًا، بردِّ النصِّ إليه بالتكلّفِ والتحيّلِ، ويُحْمَل على أَبْعَدِ المحاملِ، بلطافةِ الوهم، وسعةِ التخيّلِ، ويرْكَب في تقريرِ الآراءِ الصعب والذَّلول، ويعملُ مِن التأويلاتِ ما تَنْفُر عنه النفوسُ، وتستنكره العقولُ: فذلك عندنا مِنْ أردأِ مذهبٍ، وأسوأِ طريقةٍ ... ومتى يُنْصِفُ حاكمٌ مَلَكَتْه العصبيةُ؟ ! ". وإذا كان صدورُ التعصبِ بردِّ الكتاب والسنةِ مِن المتمذهبين الذين لم يتمكنوا مِن العلمِ، غيرَ مقبولٍ ولا سَائغٍ، فكيفَ إذا صَدَرَ مِن بعضِ المتمكنين في علومِ الشريعةِ؟ !

стр. 1348

يقولُ أبو عبد الله المقّري: "تَرَى الرجلَ يبذلُ جهدَه في استقصاءِ المسائلِ، ويستفرغُ وسعَه في تقديرِ الطُرقِ، وتحريرِ الدلائلِ، ثم لا يختارُ إلا مذهبَ مَن انتصرَ له وحدَه؛ لمحضِ التعصّب له، مع ظهورِ الحجةِ الدامغةِ، ثم يَنْكّفُ عن محجّتِها إلى الطرقِ الرائغةِ" (١) ومِن الحيلِ في ردِّ النصوصِ الشرعيةِ التي يصنعها بعضُ المتمذهبين إذا خالفَ مذهبُهم الدليلَ: ادِّعاءُ نسخِ النصِّ بغيرِ دليلٍ يدل عليه؛ يقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية: "نَجِدُ كثيرًا مِن الناسِ، ممَّنْ يخالفُ الحديثَ الصحيحَ - مِنْ أصحابِ أبي حنيفةَ أو غيرِهم - يقول: هذا منسوخٌ. وقد اتخذوا هذا محنةً (٢)؛ كلُّ حديثٍ لا يوافقُ مذهبَهم يقولون: هو منسوخٌ، مِنْ غيرِ أنْ يعلموا أنَّه منسوخٌ، ولا يُثْبِتُوا ما الذي نَسَخَه؟ " (٣). ويقولُ شمسُ الدِّين بنُ القيمِ: "وكثيرٌ من المقلدةِ المتعصبين إذا رأوا حديثًا يخالفُ مذهبَهم يتلقونه بالتأويلِ وحملِه على خلافِ ظاهرِه ما وجدوا إليه سبيلًا، فإذا جاءهم مِنْ ذلك ما يغلبهم فزِعوا إلى دعوى الإجماعِ على خلافِه، فإنْ رأوا مِن الخلافِ ما لا يمكنهم معه دعوى الإجماع، فزِعوا إلى القولِ بأنَّه منسوخٌ" (٤). ولقد جرَّتْ صورُ التعصب هذه إلى الجمودِ المذهبي، وعدمِ التزحزح عن المذهبِ مهما كان ضعيفًا (٥). يقولُ العزُّ بنُ عبد السلام حاكيًا حالَ بعضِ المتمذهبين الذين جمدوا

стр. 1349

على مذهبِهم: "مِن العجبِ العجيبِ أنَّ الفقهاءَ المقلِّدين يقفُ أحدُهم على ضعفِ مأخذِ إمامِه، بحيثُ لا يجدُ لضعفِه مدفعًا، وهو مع ذلك يقلِّده فيه، ويتركُ مَنْ شَهِدَ الكتابُ والسنةُ والأقيسةُ الصحيحةُ لمذهبِه؛ جمودًا على تقليدِ إمامِه ... وقد رأيناهم يجتمعون في المجالسِ، فإذا ذُكِرَ لأحدِهم خلافُ ما وطَّن نفسَه عليه، تعجّبَ منه غايةَ العجبِ، مِنْ غيرِ استرواحٍ إلى دليلٍ، بلْ لما أَلِفَه مِنْ تقليدِ إمامِه" (١). ويحكي أبو شامةَ المقدسي عن حالِ بعضِ الشافعيةِ بعد التفاتِهم إلى مؤلفاتِ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي حامد الغزالي، فيقول: "كَثُرَ المتعصبون لهما، حتى صار المتبحّر المرتفعُ عند نفسِه يرى أنَّ نصوصَهما كنصوصِ الكتابِ والسنةِ" (٢). وَيرَى بعضُ المتمذهبين أنَّ كلَّ ما في مذهبِهم مِن الأقوالِ والأصولِ صوابٌ، وأن ما خالفه خطأٌ (٣)، وأدَّى هذا الأمرُ إلى ركونِ كلِّ أرباب مذهبٍ إلى مذهبِهم، دون تفكيرٍ في تركِ ما في مذهبِهم مِنْ أقوالٍ. ويلحقُ بهذا اللون مِن التعصّبِ: ما يصنعه بعضُ المتمذهبين بالاختلافِ في استعمالِ القواعدِ الأصوليةِ بناءً على ما فيها مِن الأقوالِ، فإن كانت القاعدةُ الأصوليةُ بناءً على أحدِ الأقوالِ فيها تخدمُ مذهبَهم أخذوا بها، وإنْ كانت القاعدةُ نفسُها تخدمُ المذهبَ بناءً على قولٍ آخر فيها أخذوا بها على القولِ الآخرِ وخالفوا ما صنعوه أولًا. يقولُ ابنُ القيّم في هذا الصددِ: "وممَّا يُقضى منه العجب: أنَّهم - أي: بعض الفقهاء - إذا رأوا الروايةَ عن صاحبٍ مِنْ أصحابِ رسولِ الله ﷺ أو غيرِه بخلافِ ما روى توافقُ قولَ مَنْ قلّدوه، قالوا: ما كانَ ليتركَ ما روى

стр. 1350

عن النبي ﷺ إلا وهو عنده منسوخٌ، أو لأمرٍ اطلع عليه خفي علينا، وإلا قَدَحَ ذلك في عدالتِه وسقطتْ روايتُه رأسًا، ويبطلُ جميعُ ما رواه. فإذا كانت الروايةُ عنه بفتواه بخلافِ ما روى تخالفُ قولَ مَنْ قلّدوه والحديثُ يوافقُ قولَه، قالوا: الحجةُ فيما روى، ولعله نسي أو تأولَ تأويلًا ظنَّه موجِبًا لترك ما رواه، وليس الأمرُ كذلك في نفسِ الأمرِ ... والميزانُ عندهم هو قولُ مَنْ قلدوه" (١). مثال للتكلف في ردِّ الدليل: تأويلُ حديثِ عائشةَ ﵂ عن النبي ﷺ قال: (أيّما امرأة نكحتْ بغيرِ إذن وليها، فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ) (٢).

стр. 1351

دلالةُ الحديثِ على اشتراطِ الولي في عقدِ النكاح دلالةٌ واضحةٌ، ولأنَّ مذهبَ الحنفيةِ لا يتفق مع ما دلَّ عليه الحديثُ، فإن بعضَهم لم يُسلّم بدلالته، وراح يتأوّله بعدّةِ تأويلات. يقولُ الطوفي: "إنَّ الحنفيةَ لما اعتقدوا أنَّ المرأةَ لها أنْ تُزوِّجَ نفسَها بغيرِ أذنِ وليها؛ لأنَّه عقدٌ على بعضِ منافعِها، فاستقلّتْ به، كإجارةِ نفسِها، وكان الحديثُ المذكورُ صريحًا في اشتراطِ أذنِ وليّها، وأنَّه لا يصُّح بدونِه: احتاجوا إلى دفعِه عنهم بالتأويلِ" (١). فأوَّل عددٌ مِنْ الحنفيةِ الحديثَ بعدة تأويلات، منها (٢): التأويل الأول: يُحْمَل الحديثُ على الصغيرةِ. التأويل الثاني: يُحْمَلُ الحديث على الأَمَةِ. التأويل الثالث: يُحْمَلُ الحديثُ على المكاتبة (٣).

стр. 1352

ويعلّقُ الطوفيُّ على التأويل الثالثِ، فيقولُ: "هذا التأويلُ تعسفٌ، وهو سلوكُ غيرِ الطريقِ المعروفِ؛ لأنَّ النصَّ عامٌّ في غايةِ القوةِ" (١). * * *

стр. 1353

المطلب الثالث: الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية لقد حذَّر النبيُّ ﷺ مِن الكذب عليه، فقال ﷺ : (مَنْ كذب عليَّ متعمدًا، فليتبوأ مقعدَه مِن النارِ) (١)، وَقد اهتمَّ علماءُ الحديثِ بتَنْقِيَةِ أحاديثِ النبي ﷺ ممَّا وضعه الوضاعون، فرسموا المنهجَ الصحيحَ للحُكْمِ على الحديثِ: قبولًا أو ردًّا، فأصَّلوا وقعَّدوا ما يتصلُ بعلومِ الإسنادِ والمتنِ. وممَّا تميزتْ به الأمةُ الإسلاميةُ: وجودُ الإسنادِ الذي ضمنَ لها معرفةَ درجةِ ما أُسنِدَ إلى النبي ﷺ مِنْ حيثُ الصحةُ والضعفُ. ومع كلِّ أسفٍ، فإنَّ بعضَ الناسِ سوَّلتْ لهم أنفسُهم الكذبَ على النبي ﷺ ، وقد تعدّدتْ أغراضُهم في هذا الأمرِ. والذي يهمني في هذا المطلب بيان أمرين: الأمر الأول: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين وَضَعَ أحاديثَ تؤيّد ما قاله إمامُ مذهبِه. الأمر الثاني: بيان أنَّ بعضَ المتمذهبين ينصرون مذهبَهم بأحاديث واهيةٍ. وقبلَ الحديثِ عن هذين الأمرين، تحسنُ الإشارةُ إلى أنَّني لا أتكلم في هذا المطلبِ عن الحديثِ الضعيفِ الذي يَرِدُ عند بعضِ فقهاءِ المذاهب

стр. 1354

وأصوليهم؛ إذ رأْيُ عددٍ من العلماء جوازُ الاستدلالِ بالحديثِ الضعيفِ بشروطٍ معينةٍ (١)، وليس المقامُ متَّسعًا للحديثِ عنها. الأمر الأول: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين وَضَعَ أحاديثَ تؤيّد ما قاله إمامُ مذهبِه. لا يختلفُ أحدٌ في مدى قوةِ القولِ إذا أيّده دليلٌ مِنْ سنةِ النبي ﷺ ، إذ حديثُه ﷺ أصلٌ تُبْنَى عليه أقوالُ المذاهبِ (٢). ويظهرُ أنَّ الرغبةَ في إظهارِ صحةِ قولِ إمامِ المذهب وقوتِه، أورثتْ عند بعضِ ضعفاءِ أتباعِ الإمامِ وجهلتهم رغبةً في تقويةِ قولَ إمامِهم وتأييدِه بمختلفِ الطُّرُقِ، وشتَّى الوسائلِ (٣)، فكان مِنْ الوسائلِ اختلاقُ الأحاديثِ المؤيّدةِ والشاهدةِ لمذهبِه في مسألةٍ معيّنةٍ، أو اختلاقُ الأحاديثِ التي تَحُثُّ على الأخذِ بمذهبِ الإمامِ جُملةً، أو تحريف النصوص النبوية لموافقة المذهب (٤). وقد نصَّ ابنُ الجوزي (٥)، وشهابُ الدين القرافي (٦) على أنَّ مِنْ

стр. 1355

دوافعِ الكذبِ ودواعيه على النبي ﷺ عندَ بعضِ الناسِ، الرغبةَ في نُصْرَةِ المذهبِ. يقولُ الشيخُ عبدُ الرحمنِ المعلميّ عنْ وضعِ الحديثِ لنصرةِ المذهبِ: "ومِنْ شأنِ الدجالين أنْ يركبَ أحدُهم للحديثِ الواحدِ عدةَ أسانيد؛ تغريرًا للجهال، وأنْ يضعَ أحدُهم فيسرق الآخرُ ويركب سندًا مِنْ عنده، ومنْ شأنِ الجهالِ المتعصبينَ أنْ يتقربوا بالوضعِ والسرقةِ وتركيب الأسانيد ... " (١). وإنْ كان هذا الأمرُ في متعصبي الفِرَقِ العَقَدِية أظهرَ منه في متعصبي المذاهبِ الفقهيةِ (٢). ومن الشواهدِ المؤلمةِ على هذا الأمرِ: ما جاءَ في ترجمةِ: أصبغَ بنِ خليلِ المالكي (٣) في كتاب: (تاريخ علماء الأندلس) (٤)، إذ وَرَدَ فيها أنَّه: "كان حافظًا للرأي على مذهب مالكٍ وأصحابِه، فقيهًا ... دارتْ الفتيا عليه في الأندلسِ خمسين عامًا ... ولم يكنْ له علمٌ بالحديثِ، ولا معرفة بطُرُقِه، بلْ كان يباعدُه، ويطعنُ على أصحابِه، وكان متعصبًا لرأي أصحابِ

стр. 1356

مالكٍ، ولابنِ القاسم مِنْ بينهم، وبَلَغَ به التعصبُ لأصحابِه أنَّ افتعلَ حديثًا في تركِ رفعِ اليدينِ في الصلاةِ بعد الإحرامِ، ووَقَفَ الناسُ على كذبِه ... ". وقد نَقَلَ القاضي عياضٌ عن بعضِ المالكية (١) تفسيرًا لما صنعه أصبغُ، فقال: "إنَّ أصبغَ لم يقصد الكذبَ على رسولِ الله ﷺ ، وإنَّما ظَهَرَ له أنَّه يريدُ تأييدَ مذهبِه" (٢). مثال لحديثٍ وُضِعَ في تفضيلِ بعض الأئمة، والتنقصِ مِنْ بعضِهم: حديثُ أنس بن مالك ﵁: (يكون في أمتي رجلٌ، يقال له: محمد بنُ إدريس، أضرّ على أمتي مِنْ إبليس، ويكون في أمتي رجلٌ يقال له: أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي) (٣). والذي يظهرُ لي أنَّ الواقعين في شَرَك الكذب على النبي ﷺ بُغْيةَ نصرةِ المذهبِ، قلةٌ قليلةٌ مِن المتمذهبين، ولعلَّ غالبهَم مِن الذين لم يفهموا ولم يتعلموا مِنْ علومِ الشريعةِ قدرًا كبيرًا (٤).

стр. 1357

الأمر الثاني: بيانُ أنَّ بعضَ المتمذهبين ينصرون مذهبَهم بأحاديث واهيةٍ. بعدَ استقرارِ المذاهبِ والبدءِ في التأليفِ المذهبي، وَقَعَ بعضُ المتمذهبين في التساهلِ في إيرادِ بعضِ الأحاديثِ الواهيةِ والأحاديثِ شديدةِ الضعفِ المؤيّدةِ لمذهبِهم (١). وما مِنْ شكٍّ في أنَّ وجودَ هذا الأمر ممَّا يشوّه المذهبَ ومؤلفاتِه التي تضمّنت هذه الأحاديث. ويدلُّ على تفشّي تساهل بعضِ الفقهاءِ في الاستدلالِ بالأحاديثِ شديدةِ الضعفِ: ما ذكره أبو عبد الله المقّري في كتابِه: (القواعد) (٢)؛ إذ ذَكَرَ مِن القواعد ما نصّه: "قاعدةٌ: حذَّر الناصحون مِنْ أحاديثِ الفقهاءِ". ولقد كان انقسامُ العلماءِ إلى طائفتين رئيستين: أهل الحديث والأثر، وأهل الفقه والنظر (٣)، داعيًا إلى بُعْدِ بعضِ الفقهاءِ عن معرفةِ الحديثِ، وما يتصل بدرجتِه والحكمِ عليه. يقولُ أبو سليمان الخطابي حاكيًا حالَ الفقهاءِ في عصرِه: "أهلُ الفقهِ

стр. 1358

والنظرِ: أكثرُهم لا يُعَرِّجون مِن الحديثِ إلا على أقلِّه، ولا يكاد يميزون صحيحَه مِنْ سقيمِه، ولا يعرفون جيّدَه مِنْ رديئِه" (١). ويقولُ تقيُّ الدِّينِ بنُ تيميةَ: "وجمهورُ المتعصبينَ لا يعرفونَ مِن الكتابِ والسنةِ إلا ما شاء اللهُ، بلْ يتمسكونَ بأحاديث ضعيفة أو اراء فاسد" ... " (٢). وإذا كان أربابُ المذهب يُعَنَوْنَ بتحققِ أقوالِ إمامِهم، فلا يقبلون نقلَ أيّ ناقلٍ عنه، فأَوْلى بهم أن يُوْلُوا حديثَ النبي ﷺ العنايةَ اللائقة؛ لئلا يقعوا في الاستدلالِ بما لا يصحُّ عنه ﷺ (٣). يقولُ الدكتورُ الصادقُ الغرياني عن بعضِ مؤلفاتِ علماءِ المالكيةِ: "إنَّك لتعجبُ حين ترى في الحواشي والشروحِ المتأخرةِ الاستشهادَ - على قِلَّتِه - بالواهي أو الموضوعِ، وبالألفاظِ التي لا تجدُ لها أصلًا في كتبِ الحديثِ" (٤). ويصدقُ كلامُ الدكتور الصادق الغرياني على بقيةِ المذاهبِ، مع تفاوتٍ بينها في هذا الأمرِ قلةً وكثرةً. وقد بيَّن أبو الوفاءِ بنُ عقيلٍ الحنبلي أنَّ مِنْ أرباب مذهبِه مَنْ يتبعُ المذهبَ بالعصبيةِ، ثمَّ يطلبون أدلةً عليه، وكما هو معلوم، فإنَّ صاحبَ العصبيةِ يأخذ بأيّ شيءٍ يتخيّله دليلًا لمذهبِه (٥). ويقولُ ابنُ حزمٍ: "فإنَّهم - أيْ: أتباع الإمامِ أبي حنيفة والإمامِ مالكٍ -

стр. 1359

يأخذون مِن الحجاجِ ما وافق مذهبَهم، وإنْ كان خبرًا موضوعًا" (١). ويؤكّدُ ما تقدم آنفًا أمورٌ، منها: - ما حكاه أبو بكرٍ البيهقي (ت: ٤٥٨ هـ) عن حالِ بعضِ الشافعيةِ في عصرِه، قائلًا: "رأيتُ المُحْدَثِين مِنْ أصحابِنا يُرْسِلُونَها - أي: الأخبار - في المسائلِ على ما يحضرُهم مِنْ ألفاظِها، مِنْ غيرِ تمييزٍ منهم بين صحيحِها، وسقيمِها ... " (٢)، إلى أنْ قالَ عنهم: "ولو عَرَفُوه - أي: علم الحديث - معرفتَهم - أيْ: معرفة متقدمي الشافعية بعلمِ الحديثِ - لميّزوا صحيحَ ما يوافقُ أقوالَهم مِنْ سقيمِه، ولأمسكوا عن كثيرٍ ممَّا يحتجّون به، وإنْ كان يطابقُ أقوالَهم، ولاقتدوا في تركِ الاحتجاجِ بروايةِ الضعفاءِ والمجهولين بإمامِهم" (٣). - وما حكاه ابنُ الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) في فاتحةِ كتابِه: (التحقيق في أحاديث التعليق) (٤) عن بعضِ المتمذهبين في عصرِه، فقالَ: "لمَّا نظرتُ في التعاليقِ رأيتُ بضاعةَ أكثرِ الفقهاءِ في الحديثِ مزجاةً، يعوّل أكثرُهم على أحاديث لا تصحُّ". - وما حكاه محيي الدين النووي (ت: ٦٧٦ هـ) في ديباجةِ كتابِه: (خلاصة الأحكام) (٥): "ولا تغترنَّ بكثرةِ المتساهلين في العملِ والاحتجاجِ في الأحكامِ بالأحاديثِ الضعيفةِ، وإنْ كانوا مصنّفِين وأئمة في الفقهِ، وقد أكثروا مِنْ ذلك في كتبِهم". ويحكي أبو شامةَ المقدسي خللًا وقع فيه بعضُ الشافعيةِ، فيقول: "ما

стр. 1360

يفعلونه في الأحاديثِ النبويةِ والآثارِ المرويةِ، مِنْ كثرةِ استدلالِهم بالأحاديثِ الضجيفةِ على ما يذهبون إليه؛ نصرةً لقولِهم" (١). ويقولُ تقيُّ الدين بنُ تيمية بعدما ذَكَرَ طائفةً مِن الأحاديث الواهيةِ التي يستدلُّ بها بعضُ الفقهاءِ: "إلى أمثالِ ذلك مِن الأحاديثِ التي يصدّقُ بعضَها طائفةٌ مِن الفقهاءِ، وَيبْنُون عليها الحلالَ والحرامَ" (٢). وقد بيَّن ابنُ القيّمِ أنَّ متعصبي المذاهبِ إذا جاءَهم حديثٌ ضعيفُ الإسنادِ موافقٌ لمذهبِهم، وقد ردّوا ما هو أمثلُ منه أو نظيره؛ لكونِه غيرَ موافقٍ لقولِ إمامِهم: قَبِلُوه، ولم يستجيزوا ردَّه، واعترضوا به على منازعِهم (٣). وقد بَلَغَ مِنْ تعصّب بعضِ المتمذهبين المشتغلين بالحديثِ أنَّهم إذا رأوا حديثًا ضعيفًا يخالفُ مذهبَهم بيّنوا ضعفَه، وإنْ كان الحديثُ يوافقُ مذهبَهم سكتوا عن الطعنِ فيه! ويعلِّقُ ابنُ الجوزي على هذا الفعلِ، فيقول: "وهذا ينبئُ عن قلّةِ دينٍ، وغلبةِ هوى" (٤). ويلتحق بالأثر السلبي: (الانتصار للمذهب بالأحاديث الواهية): ما يفعله بعضُ المتمذهبين مِن التّصرفِ في ألفاظِ بعضِ الأحاديثِ النبويةِ - عن قصدٍ أو غير قصدٍ - بتغييرِ ألفاظِها، أو بالزيادةِ فيها؛ نُصْرَةً للمذهبِ. يقولُ أبو شامةَ المقدسي مستنكرًا تصرّفاتِ بعضِ الشافعيةِ في أحاديث النبي ﷺ : "ما يفعلونه في الأحاديثِ النبويةِ ... مِن تغييرِ لفظِ ما صحَّ منها،

стр. 1361

والزيادةِ والنقصِ منه؛ لقلَّة خبرتِهم بذلك" (١). ويقولُ الشيخُ بكرٌ أبو زيد عن صنيعِ برهانِ الدينِ المرغيناني الحنفي في كتابِه: (هداية المهتدي شرح بداية المبتدي): "أَرْعَفَ قلمَه بزيادةِ ألفاظٍ لا أصولَ لها، مضافة إلى متونِ جُملةٍ كبيرةٍ مِن الأحاديثِ المرفوعةِ إلى النبي ﷺ ؛ كلُّ هذا لتأييدِ المذهبِ! " (٢). أمثلة على استدلال بعض المتمذهبين بالأحاديث الواهية: المثال الأول: جاءَ في بعضِ كتبِ المذاهب (٣) الاستدلالُ بحديثِ: (مَنْ قصَّ أظفارَه مخالفًا (٤)، لم يرَ في عينيه رَمَدًا) (٥) على استحباب مخالفةِ الأصابعِ حين قصها. يقولُ وليُّ الدين العراقي عن الحديثِ: "هذا لا أصلَ له البتة" (٦). ويقولُ شمسُ الدين السخاوي (٧) عنه: "وهو في كلامِ غيرِ واحدٍ مِن الأئمة،

стр. 1362

منهم: ابنُ قدامة في: (المغني) ... ولم أجدْه" (١). المثال الثاني: جاءَ في بعضِ كتبِ المذاهبِ (٢) الاستدلالُ بحديثِ: (إذا صلّى أحدُكم في الصحراءِ، فليجعلْ بين يديه سترةً) (٣) على قصرِ استحبابِ وَضْعِ السترةِ للمصلي في الصحراءِ.

стр. 1363

يقولُ جمالُ الدّينِ الزيلعي عن الحديث: "غريبٌ بهذا اللفظِ" (١). المثال الثالث: جاءَ في بعضِ كتب المذاهب (٢) الاستدلالُ بحديثِ: (تَمْكُثُ إحداكن شطرَ دهرِها لا تصلي) على أنَّ أَكثرَ مدة الحيضِ خمسة عشر يومًا. يقولُ أبو بكر البيهقي عن الحديثِ: "أمَّا الذي يذكره بعضُ فقهائِنا ... مِنْ قعودِها شطر عمرِها وشطر دهرِها لا تصلي: فقد تَطَلّبْتُه كثيرًا، فلم أجدْه في شيءٍ مِنْ كتبِ أصحابِ الحديثِ، ولم أجدْ له إسنادًا بحالٍ" (٣). ويقولُ عنه ابنُ الجوزي: "وأصحابنُا - يعني: الحنابلةَ - قد ذكروا أنَّ رسولَ لله ﷺ قال: (تَمْكُثُ إحداكن شطرَ عمرِها لا تصلي)، وهذا لفظٌ لا أعرفُه" (٤). ويقولُ عنه ابنُ الملقن: "هذا الحديثُ بهذا اللفظِ غريبٌ جدًّا، وقد نصَّ غيرُ واحدٍ مِن الحفاظِ على أنَّه لا يَعْرِفُ له أصلًا" (٥).

стр. 1364

المثال الرابع: جاءَ في بعضِ المذاهب (١) الاستدلالُ بحديثِ: (صلاةُ النهارِ عجماء (٢)) (٣) على كراهةِ الجهرِ في صَلاةِ النافلةِ نهارًا. يقولُ أبو الحسنِ الدارقطني (٤) عن الحديثِ: "هذا ليس مِنْ كلام النبي ﷺ ، ولم يُرْوَ عنه، وإنَّما هو قولُ بعضِ الفقهاءِ" (٥). ويقولُ محيي الدين النووي عنه: "باطلٌ لا أصلَ له" (٦). ويقولُ جمالُ

стр. 1365

الدين الزيلعي عنه: "غريبٌ" (١). المثال الخامس: جاءَ في بعضِ كتب المذاهب (٢) الاستدلالُ بحديثِ عبد الله بن عمر ﵄: (صلوا على مَنْ قالَ: لا إله إلا الله) (٣) على مشروعية الصلاةِ على جميعِ أهلِ القبلةِ. يقولُ أبو الحسنِ الدارقطني عن هذا الحديث - وعمَّا ورد في معناه -: "ليس فيها شيءٌ يَثْبت" (٤). ويقولُ ابنُ الجوزي عنها: "هذه الأحاديثُ كلُّها لا تصحُّ" (٥). ويقولُ ابنُ الملقنِ عن حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ ﵄: "فالحاصلُ أنَّ هذا الحديثَ مِنْ جميعِ طرقِه لا يَثْبُتُ" (٦). * * *

стр. 1366

المطلب الرابع: الاستدلال بالحديث متى ما وافق المذهب ومخالفة الحديث نفسه في حكم آخر دل عليه؛ لمخالفته المذهب مِن الآثارِ الخطيرةِ التي ظَهَرَتْ بين صفوفِ بعضِ المتمذهبين الاستدلالُ بالحديثِ النبوي على حكم مسألةٍ وافق الحديثُ فيها مذهبَ المستدلِّ، ومخالفةُ الحديثِ نفسِه في مسألةٍ أخرى دلَّ عليها؛ لمخالفتِه المذهب، ولا يكون ثمةَ ما يعارضُ دليلَ حكمِ المسألةِ. قد يهتمُّ بعضُ المتمذهبين بالتدليلِ على أقوال مذهبِه - وهو أمرٌ حسنٌ وإيجابيٌ - لكنَّهم يَغْفَلون، فيستدلون بشطرِ الحديثِ؛ لموافقتِه للمذهبِ، ويتركون شطرَه؛ لمخالفتِه للمذهبِ. وفي هذا التصرف تعصبٌ بيّنٌ (١)، وتفريقٌ بين متماثلين - إذ كلتا المسألتين قد دلَّ عليهما نصٍّ واحدٌ - دونَ ما يسوّغه، وتطبيقٌ خاطئٌ لمدلولِ التمذهب، وكيف يكون الحديثُ حجةً في شطرٍ منه، وليس بحجةٍ في شطرٍ آخر؟ ! (٢). وقد بيَّنَ ابنُ القيّمِ عوارَ فعلِ بعضِ المتمذهبين المتعصبين لمذاهبِهم، فقالَ مخاطبًا لهم: "إذا أخذتم بالحديثِ - مرسلًا كان أو مسندًا - لموافقتِه رأيَ صاحبِكم، ثمَّ وجدتم فيه حُكْمًا يخالفُ رأيَه: لم تأخذوا به في ذلك

стр. 1367

الحكمِ، وهو حديثٌ واحدٌ! وكأنَّ الحديثَ حجةٌ فيما وافقَ رأي مَنْ قلَّدتُموه، وليس بحجةٍ فيما خالفَ رأيَه" (١). ويتصلُ بهذا الأثرِ صورةٌ أخرى، وهي؛ أنْ يقومَ المتمذهبُ بالاستدلالِ بحديثٍ ما على مسألةٍ دلَّ عليها؛ موافقة لمذهبِه، ثم يقومُ بتضعيفِ الحديثِ ذاتِه في مسألةٍ أخرى تخالفُ مذهبَه. وهذا العملُ في الحقيقةِ عملٌ مَشِينٌ؛ فليستْ نصوصُ الشريعةِ محلًا للأخذِ والردِّ على حسب موقعها مِنْ قولِ الإمامِ، بلْ أقوالُ الإمام هي محلّ الأخذِ والردِّ؛ بحسبِ موافقتِها أو مخالفتِها لنصوصِ الشارعِ. ويبدو أنَّ هذا الداءَ الخطيرَ كان قد استشرى في نفوسِ بعضِ المتمذهبين في زَمنٍ متقدمٍ؛ فقد ذكر ابنُ حزمٍ (ت: ٤٥٦ هـ) أنَّه اطلعَ على كتابِ: (شرح الرسالة) (٢) للقاضي عبدِ الوهاب المالكي (ت: ٤٢٢ هـ)، فرآه في باب: (مَنْ يعتق على المرءِ إذا ملكه)، قد استدلَّ بحديثِ: (مَنْ ملك ذا رحمٍ مَحْرَم فهو حرٌّ) (٣)، وبعدَ هذه المسألة بقليلٍ ذَكَرَ قولَ الإمامِ أبي حنيفة في

стр. 1368

مسألةٍ أخرى، وقال: "فإنْ احتجَّ بما رُوي عن النبي ﷺ : (مَنْ ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ). قلنا: هذا خبرٌ لا يصحُّ! " (١).

стр. 1369

ثمَّ يحكي ابنُ حزمٍ واقعَ بعضِ المتمذهبين، فيقول: "ولا أُحْصِي كم وجدتُ للحنفيين والمالكيين والشافعيين تصحيحَ روايةِ ابنِ لَهِيْعة (١)، وعمرو بن شعيب (٢) عن أبيه (٣) عن جدّه (٤)، إذا كان فيها ما يوافقُ تقليدَهم في

стр. 1370

مسألتِهم تلك، ثم رُبَّما أتى بعدها - بصفحةٍ أو ورقةٍ أو أوراقٍ - احتجاجُ خصمِهم عليهم بروايةِ عمرو بنِ شعيب عن أبيه عن جدّه، أو بروايةِ ابنِ لهيعة، فيقولون: هذه صحيفة (١)، وابنُ لهيعة ضعيفٌ! " (٢). وليس مِنْ شكٍّ في أنَّ ما صنعه بعضُ المتمذهبين فعلٌ غيرُ مقبولٍ، وتناقضٌ واضحٌ (٣)، صادرٌ ممَّنْ لا يَقْدِرُ نصوصَ الشارعِ حقَّ قدرِها. يقولُ أبو شامةَ المقدسي: "مِنْ قبيحِ ما يأتي به بعضُهم: تضعيفهم لخبرٍ يحتجُّ به بعضُ مخالفيهم، ثمَّ يحتاجون هُمْ إلى الاحتجاجِ بذلك الخبرِ بعينِه في مسألةٍ أخرى، فيُوردونه مُعْرِضين عمَّا ضعفوه! " (٤). وقريبٌّ ممَّا سَبَقَ: مَنْ يضعّف بعضَ رجالِ الإسنادِ في موضع ما إذا كان حديثُهم يخالف مذهبَه، ويحتجّ بهم في موضعٍ آخر إذا كان حديثُهم يوافقُ مذهبَه (٥).
следующие страницы →